في السياسة الخارجية التركية تجاه المنطقة العربية التحوّل من منظور المدرسة الواقعية: مقاربة نقدية

Ali Bakir علي باكير |

الملخّص

تبين الدراسة أنه يوجد تحوّل فعلي في سياسة تركيا الخارجية عمومًا، وتجاه المنطقة ا، منذ حُكم حزب العدالة والتنمية في عام العربية خصوصً2002. وتؤكد أن هذا التحول ليس نوعًا واحدًا، أو نمطًا واحدًا، بل له عدة أشكال ومراحل زمنية مختلفة؛ ما يعني أن قراءة هذه التحّولّات قد تختلف باختلاف العوامل المؤثرة والنظريات المستخدمة. وتجادل بأن المدرسة الواقعية، بما تتمتع به من أدوات وإمكانات، هي الأكثر قدرة على تفسير هذا التحول، خاصة منذ عام 2016؛ فالواقعية الكلاسيكية الجديدة تأخذ في الحسبان العوامل الداخلية والخارجية التي تؤثر في صياغة السياسة الخارجية، وهي قادرة على تحليل القرارات السياسية بمنطق عقلاني. كلمات مفتاحية: السياسة الخارجية التركية، المنطقة العربية، النظرية الواقعية، تركيا.

The Transformation of Turkish Foreign Policy towards the Arab Region from a Realist Perspective

مقدمة

شهدت سياسة تركيا الخارجية تجاه الشرق الأوسط تحولات كبيرة، منذ مجيء حزب العدالة والتنمية إلى السلطة في عام 2002. ونظرًا إلى التعديلات الجذرية  1 التيُأ دخلت عليها من الناحيتين النظرية والعملية آنذاك، لا سيما من خلال إسهامات أحمد داود أوغلو، فقد حظيت السياسة الخارجية التركية بكثير من النقاشات داخل البلاد وخارجها، بين العامة والخبراء وصنّاع القرار، لكنّها أثارت في الوقت نفسه كثيرًا من التساؤلات. تقليديًا، توصف السياسة الخارجية التركية بأنّها سياسة تقليدية، دفاعية، خاملة، وغير مبادرة 2. لكن مع التحول الذي حصل في عام 2002، موضعها بعض الباحثين في سياق النظرية الليبرالية التي تركز أساسًا على المؤسسات والاقتصاد والتبادل التجاري وتعزيز الديمقراطية، وخصوصًا مع اهتمام تركيا بفتح الحدود وتسوية النزاعات وتعزيز الاندماج والتكامل الاقتصادي مع جوارها الإقليمي وتحقيق الاستقرار والازدهار. ومع تزايد تأثير أفكار داود أوغلو في صياغة السياسة الخارجية وتنفيذها، بدا أنّ هذه السياسة تقترب من المدرسة البنائية، لا سيما مع الاعتماد المتزايد على المزيد من الأفكار الجديدة وعلى القيم والمبادئ التي تعطي الثقافة والهوية قيمةً أكبر، والتي انبثقت منها مفاهيم مثل سياسة تصفير النزاعات  3، والعمق الاستراتيجي4، وسياسة الوساطات  5، والدبلوماسية الإنسانية6، والقوة الناعمة. ومع أنّ مفهوم الأمن بدلالاته المختلفة يعدّ معطى ثابتًا لدى صنّاع القرار في تركيا في مختلف المراحل، فإنّ هذا المفهوم اكتسب معنى مختلفًا وأكثر عمقًا في مرحلة ما بعد الثورات العربية. فمع اندلاع هذه الثورات في عام 2011، بدأت السياسة الخارجية التركية تدخل مرحلة ثانية من التحوّل تحت تأثير التهديدات الصاعدة للأمن االقومي التركي ومصالح البلاد، فضل عن المخاطر الأمنية النابعة على نحٍوٍ متزايد من محيط تركيا الإقليمي في الشرق الأوسط. بدأ هذا التحوّل تدريجيًا، لكنّه سرعان ما برز جليًا في عام 2016، مع الانتقال الكامل من الاعتماد على سياسة تصفير النزاعات والقوة الناعمة إلى الاعتماد على سياسة خارجية حازمة قوامها القدرات العسكرية والقوة الصلبة وسياسة الدفاع المتقدّم. باتت مفاهيم الأمن والدفاع والأمن القومي والقوة العسكرية تحظى بأولوية، خاصة مع انتشار الفوضى في جوار تركيا الجيوسياسي، وصعود ظواهر مثل التطرف والإرهاب والتدخلات العسكرية الخارجية، وعودة سياسة القوة تحديدًا إلى المسرح الإقليمي والدولي. أدت محاولات بعض القوى الإقليمية والدولية لإعادة تشكيل الإقليم، وفق أسس جديدة تقوم على عزل تركيا، وتقويض مصالحها، وتهديد أمنها القومي، إلى تسريع تبني سياسة واقعية، بعد أن وجدت أنّه لم يعد في الإمكان مواجهة الواقع بالقوة الناعمة التي أظهرت محدودية قدرتها في التعامل مع هذه الظواهر التي تعتمد أساسًا على القوة الصلبة. ونتيجة لهذا التحوّل، اعتمدت تركيا سياسة الدفاع المتقدم؛ الأمر الذي حتّم عليها الانغماس العسكري في عدد كبير من الجبهات من بينها سورية والعراق، ثم الخليج العربي في عام 2017، وشرق البحر الأبيض المتوسط وليبيا في عام 2019، في رد على الجهود المبذولة لعزلها أو استثنائها من دون أن تتخلى، في الوقت نفسه، عن الدبلوماسية النشطة. تتناول هذه الدراسة سياسة تركيا الخارجية تجاه المنطقة العربية، من منظور المدرسة الواقعية، وذلك بالتركيز على الفترة الممتدة من عام 2002 إلى اليوم. وهو ينتمي إلى فئة البحوث النوعية، ويعتمد منهج التحليل النوعي الذي يستند إلى طرائق التفسير والنقد خلال محاولة معالجة الإشكالية الرئيسة للبحث والإجابة عن الفرضيات والأسئلة الأساسية المتفرّعة من ذلك. وتكمن الإشكالية الرئيسة في مناقشة الكيفية التي يمكن من خلالها فهم سلوك تركيا الخارجي وتفسيره، في الاقتراب من فرضيات المدرسة الواقعية أو الابتعاد عنها، وفي مْكْمن تموضع السياسة الخارجية التركية في شكلها الحالي ضمن الاتجاهات المتعددة داخل المدرسة الواقعية، وإن كان من الممكن أن تستمر كذلك بالاعتماد على فرضيات المدرسة االواقعية مستقبل. أمّا الفرضية الرئيسة التي تنطلق منها الدراسة،

  1. Ibrahim Kalin, "Turkish Foreign Policy: Framework, Values, and Mechanism," International Journal , vol. 67, no. 1 (2012), p. 8.
  2. Aydin Aydin, "The Perception over the Change of Axis in Turkish Foreign Policy in Terms of Liberal Perspective between 2002-2010," Journal of Süleyman Demirel University Institute of Social Sciences , vol. 2, no. 18 (2013), p. 240; Meliha Altunisik, "Worldviews and Turkish Foreign Policy in the Middle East," New Perspectives on Turkey , vol. 40, no. 1 (2009), pp. 183, 187.
  3. Ahmet Davutoglu, "Zero Problems in a New Era," Foreign Policy , 21/3/2013, accessed on 1/7/2022, at: https://bit.ly/3VCsfZe
  4. لمزيد من التفاصيل، ينظر: أحمد داود أوغلو،  4 العمق الاستراتيجي: موقع   تركيا ودورها في الساحة الدولية، ترجمة محمد جابر ثلجي وطارق عبد الجليل (بيروت: الدار العربية للعلوم؛ الدوحة: مركز الجزيرة للدراسات،.)2010
  5. Ahmet Davutoglu, "Turkey's Mediation: Critical Reflections from the Field," Middle East Policy , vol. 20, no. 1 (Spring 2013), pp. 83-90.
  6. Cemalettin Ha ş imi, "Turkey's Humanitarian Diplomacy and Development Cooperation," Insight Turkey , vol. 16, no. 1 (Winter 2014), pp. 127-145.

فهي أنّه على الرغم من شيوع مقاربات المدرسة الواقعية لتفسير السياسات الخارجية للدول، فإنّ قدرة المدرسة الواقعية على تفسير التحولات التي جرت في السياسة الخارجية التركية منذ تولي حزب العدالة والتنمية السلطة في البلاد عام 2002 محدودة، خاصّة إذا ما أخذنا في الاعتبار العقد الأول من هذه الحقبة. وتنقسم الدراسة إلى ستة محاور: يتناول الأول الاعتبارات المنهجية للبحث، في حين يُقدّم الثاني الأطر النظرية المفِّة للتحوّل في السياسة الخارجية التركية خلال الفترة 2021-2002، ويرسم المحور الثالث معالم التحوّل في السياسة الخارجية التركية خلال الفترة 2011-2002، بينما يناقش المحور الرابع مقاربة المدرسة الواقعية لتحليل السياسة الخارجية التركية عن تلك الفترة، ويقدّم المحور الخامس معالم التحوّل في السياسة الخارجية التركية في الفترة الثانية 2021-2017، ليناقش المحور السادس هذا التحول وفق مقاربة المدرسة الواقعية. ثم تنتهي الدراسة بخاتمة تعرض النتائج في ضوء المقاربات المختلفة التي جرى اعتمادها.

أولًا: الإطار المفهومي للبحث

لار توجد نظرية واحدة في العلاقات الدولية في استطاعتها أن تفّس، منفردة وعلى نحٍوٍ مستقل وذي صدقية، الظواهر والتفاعلات التي تحصل في السياق الدولي. ولكن توجد نظرية واحدة احتلّت موقعًا مركزيًا في دراسة العلاقات الدولية عقودًا طويلة، وهي النظرية الواقعية. وتستند هذه النظرية في أساسها إلى مبدأ الهيمنة، وتفسر الواقعية، بوصفها مدرسة فكرية، العلاقات الدولية من خلال منظور االقوة. أمّا ممارسة القوة من جانب الدولة، بوصفها فاعل في النظام الدولي تجاه الدول الأخرى، فتعرف بالسياسة الواقعية Realpolitik أو سياسة القوّة Politics Power. وتستند المدرسة الواقعية في أصولها الفكرية إلى حجج كلاسيكية وجدت في أعمال فلاسفة اليونان والمفكرين المؤثرين في العصور الوسطى مثل نيكولا مكيافيلي في القرن السادس عشر وتوماس هوبز في القرن السابع عشر. ويعتبر هانز مورغنثاو رائد المدرسة الواقعية في السياسة الدولية. وقد أصبح مُؤلّفه السياسة بين الأمم: الصراع على القوة والسلام الصادر في عام 1948 بمنزلة ناموس لمنظّري هذه المدرسة في الولايات المتحدة الأميركية، وظلّ يحدّد مفهوم العلاقات الدولية خلال وقت طويل في الولايات المتحدة نفسها، تاركًا أثرًا عميقًا وبصمة مميزة على امتداد أجيال عديدة بعد الحرب العالمية الثانية  7. تقوم الواقعية على ثلاث فرضيات أساسية حول الكيفية التي يعمل بها العالم  8: الفرضية الأولى: تتعلّق بالجماعية؛ أي إنّ الناس يعملون ضمن جماعات وإنّ التماسك داخل المجموعة الواحدة يولّد صراعًا مع المجموعات الأخرى، وإنّ أهم تجمّع للناس على المستوى الدولي هو الدولة القومية، حيث تشكّل القومية مصدرًا مهمّ للتماسك بين أفراد الجماعة. الفرضية الثانية: تتعلّق بالأنانية، أي إنّ المصلحة الذاتية توجّه السلوك السياسي في نهاية المطاف. فعلى الرغم من أنّ ظروفًا معينة قد تدفع بالسلوك الإيثاري إلى الواجهة، فإنّ الأنانية المتجذرة في الطبيعة البشرية، عندما يزداد الضغط في اتجاه المفاضلة النهائية بين المصلحة الجماعية والمصلحة الفردية، تميل إلى التفوّق على الإيثار. الفرضية الثالثة: تتعلّق بمحورية القوة؛ أي إنّ القوة هي السمة الأساسية للسياسة. وتتميز الشؤون الإنسانية دومًا بتفاوتٍ كبير في القوة لناحية النفوذ الاجتماعي أو السيطرة الفعلية، أو الموارد. فلدى بعض المجموعات والأفراد تأثير هائل في السياسة دومًا، وبعضهم يتم منحهم أو يستحوذون بطريقة غير متناسبة على الموارد المادية اللازمة للحصول على ما يريدون. ومن هذا المنطلق، يعدّ التفاعل بين القوتين الاجتماعية والمادية مفتاح الولوج إلى السياسة، وهو تفاعل يتكشّف في ظل الاستخدام المحتمل للقوة المادية للإكراه. ويتّفق الواقعيون، على اختلاف انتماءاتهم، على أربعة افتراضات رئيسة هي  9: أنّ الوحدة الرئيسة في العلاقات الدولية هي الدولة،

  1. 7  علي باكير، "نحو إطار نظري في صناعة القوة الناعمة"، سياسات عربية، مج 9، العدد 53 (تشرين الثاني/ نوفمبر)2021، ص.65
  2. William C. Wohlforth, "Realism and Foreign Policy," in: Steve Smith et al. (eds.), Foreign Policy: Theories, Actors, Cases (London: Oxford University Press, 2016), pp. 36-37.
  3. Silviya Lechner, "Anarchy in International Relations," International Studies , Oxford Research Encyclopedias, 20/11/2017, accessed on 28/4/2024, at: https://bit.ly/3TU98aD

وأنّ الدول تسعى لمراكمة القوة، وأنّ ميدان السياسة الداخلية مختلف عن ميدان العلاقات الدولية، وأنّ العلاقات بين الدول تجري في بيئة فوضوية. وبالمثل، يقول جون ميرشايمر - الذي يعتبر من رواد المدرسة الواقعية - إنّ الواقعية تقوم على خمسة افتراضات هي  10: أنّ النظام الدولي فوضوي، وأنّ الدول تمتلك بعض القدرات العسكرية الهجومية التي تعمل على زيادتها وهو ما يجعلها خِطِرة بالنسبة إلى بعضها، وأنّ الدول ليس في إمكانها أن تكون متيقّنة تمامًا من نيات الدول الأخرى، وأنّ الدافع الأساسي للدول هو البحث عن البقاء، وأنّ الدول عقلانية وتفكّر بطريقة استراتيجية فيما يتعلق بالبحث عن البقاء في النظام الدولي. وللواقعية مدارس نظرية فرعية، برزت نتيجة سلسلة من التعديلات تمّت إلى الفرضيات الأساسية الخاصة والتنقيحات والإضافات التي بها، وهي: 1. الواقعية الكلاسيكية Realism Classical التي عُرفًا من عهد الفلاسفة اليونانيين إلى منتصف حقبة تُستمد أفكارها الحرب الباردة، 2. الواقعية الجديدة Neorealism التي تُعرف أيضًا باسم الواقعية الهيكلية أو البنيوية Structural Realism وتتفرّع منها الواقعية الدفاعية Realism Defensive، والواقعية الهجومية Realism Offensive، 3. الواقعية الكلاسيكية الجديدة Realism Neoclassical. أمّا بالنسبة إلى أهم النظريات التي تُقدّمها المدرسة الواقعية، فهي: نظرية توازن القوى، ونظرية توازن التهديد، ونظرية استقرار الهيمنة، ونظرية انتقال القوة. إنّ تحليل السياسة الخارجية Foreign Policy Analysis هو دراسة التفاعلات الخارجية للدول فيما بينها من حيث العلاقات والأفعال الخارجية، ولا تقل الأطر النظرية الخاصة بتحليل السياسة الخارجية تعقيدًا عن النظريات الأخرى في حقل العلاقات الدولية. ويتقاطع تحليل السياسة الخارجية مع نظريات العلاقات الدولية وتحليل السياسات العامة. ويساعد توظيف نظريات العلاقات الدولية في تاحليل السياسة الخارجية لفهم السلوك الخارجي لدولة ما فهم أفضل. ويفسر الواقعيون السياسة الخارجية من خلال سياسة القوة. ولئن كانوا يختلفون في معنى القوة وكيف وإلى أيّ حد في استطاعة هذه السياسة أن تؤثّر في السياسات، يجد جميعهم أنّ للقوة مكّو نًا مادًّيًا، وأنّ تأثير السياسة الداخلية في السياسة الخارجية يختلف على الأرجح باختلاف التحدّيات الأمنية النابعة من البيئة الخارجية  11. علاوة على ذلك، قد تحدّ عدّة عوامل مرتبطة بالموارد المادية للدولة من قدرة الدولة المعنية على صياغة الأجندات الخارجية أو التأثير في قرارات أو نتائج معيّنة في الشؤون الدولية. وللبيئة الاستراتيجية أهمية كذلك في صياغة وزن السياسة الداخلية في التأثير في السياسة الخارجية على الأرجح، خصوصًا إذا كان أمن الدولة ونجاتها تحت التهديد المباشر  12.

ثانيًا: الأطر النظرية المفِّسِ رة للتحوّل في السياسة الخارجية التركية

إذا ما اعتبرنا أنّ السياسة الخارجية هي برنامج عمل أو خطّة مصممة لمعالجة بعض المشكلات أو متابعة وتحقيق بعض الأهداف التي تستلزم اتخاذ إجراءات تجاه الكيانات الخارجية، فإنّ ذلك يفترض وفقًا لتشارلز هيرمان  13 أنّ متطلبات الخطّةُتُحدّد ظروف فن الحكم وأدواته. وبناءً عليه، وانطلاقًا من هذا الافتراض، فإنّ السياسة الخارجية يمكن أن تخضع لأربعة مستويات متدرجة من التغيير على الأقل استنادًا إلى تصنيف هيرمان، هي: 1. تغييرات تتعلق بإعادة الضبط، وهي تتعلق بالجهد المبذول في ضوء الأهداف المرجو تحقيقها، 2. تغييرات تتعلق بالبرنامج، وتتعلق بالمنهج أو الأدوات المستخدمة لمعالجة المشكلة أو تحقيق الأهداف، 3. تغييرات تتعلق بالمشكلة الأساسية أو الأهداف المرجوّة، 4. تغييرات تتعلّق بالتموضع الدولي، وهي التغييرات التي عادة ما تكون الأكثر راديكالية في السياسة الخارجية. وعطفًا على تصنيف هيرمان لمفهوم التغيير ومضمونه في السياسة الخارجية، يمكن تصنيف الأدبيات المتعلقة بتفسير التحوّل في السياسة الخارجية التركية إلى تيّارين رئيسين على الأقل؛ فالتيّار الأوّل نظر إلى التغيير من زاوية نظريات العلاقات الدولية  14زًا على مُرّك تفسير هذا التحوّل من خلال المقاربات االنظرية البنائية ومحاول التي تقدّمها هذه المدرسة. وإحدى الأدوات التفسيرية التي عادةً ما يتُّمُ ربط التغيير الذي حصل بها هي مسألة الهوية، وكيفية تعريف

  1. John Joseph Mearsheimer, "The False Promise of International Institutions," International Security , vol. 19, no. 3 (Winter 1994-1995), p. 10.
  2. Anders Wivel, "Realism in Foreign Policy Analysis," Oxford Encyclopedias , 26/9/2017, accessed on 15/7/2022, at: https://bit.ly/3JeSRIp
  3. Ibid.
  4. Charles F. Hermann, "Changing Course: When Governments Choose to Redirect Foreign Policy," International Studies Quarterly , vol. 34, no. 1 (1990), pp. 5-6.
  5. 14  في أواخر عام 2022، صدر عدد خاص من دورية دراسات تركية يبحث في المقاربات النظرية المتناقضة للسياسة الخارجية التركية في العلاقات الدولية، مرّك زرّا أساسًا على المنظو البنائي والمنظور الواقعي الجديد. لمزيد من التفاصيل، ينظر: Paul Kubicek, "Contrasting Theoretical Approaches to Turkish Foreign Policy," Turkish Studies , vol. 23, no. 5 (2022), pp. 645-658.

تركيا نفسها من زاوية الهوية داخليًا وخارجيًا. وثمة أعمال في هذا المجال قدّمها عدد كبير من الباحثين ممّن ناقشوا الزاوية المفاهيمية والنظرية للتحوّل، من بينهم يوجل بوزدالي أوغلو الذي نشر كتابًا في عام 2003 بعنوان السياسة الخارجية التركية والهوية التركية: منظور بنائي  15، وقد تحدّث فيه بإسهاب عن هذا الجانب16. ة للسياسة الخارجية التركية من المنظور البنائي لم لركن الكتابات المفّس تتعارض كلّها مع منظور المدرسة الواقعية. فبعض الكتابات الأكاديمية في هذا المضمار، عن مرحلة ما بعد الحرب الباردة، اعتبرت أنّ البنائية التقليدية لا تقدّم نظرة بديلة من الواقعية، بقدر ما تقدّم نظرة مكمّلة للواقع الذي تديره السياسة الواقعية من دون رفض التيار العريض للدراسات المتعلقة بالواقعية، وعلى نحو يساعد أيضًا على فهم كيفية بناء العالم المادي؛ إذ تهيمن الواقعية من خلال السلوك العقلاني للدول، وتاليًا كيفية صناعة السياسة الخارجية 17. يوجد تيّار ثاٍنٍ قدّم مقاربات تفسيرية للتحوّل في السياسة الخارجية التركية، من زاوية الفاعلين في السياسة الداخلية؛ وهو بهذا المعنى يُركّز عادة على اعتمد على منهج تحليل السياسة الخارجية الذي صانع القرار وبيئة صناعة القرار الداخلية، وتفاعل هذه البيئة مع الإطار الدولي. دار النقاش في هذا المضمار حول الشخصيات المؤثرة في حزب العدالة والتنمية، وبروز نخبة جديدة كان لها أكبر الأثر في إحداث التحوّل في سياسة البلاد الخارجية، وتأثير بعض الشخصيات في هذا التوجه مثل داود أوغلو، إضافة إلى تراجع دور بعض المؤسسات، كالمؤسسة العسكرية، في رسم سياسة البلاد الخارجية. وقد برز في هذا التيّار عدّة اتجاهات: اتجاه ركّز على ما أسماه ""َأَوربة 18 السياسة الخارجية لا سيما في الفترة 2005-2002، واتجاه ثاٍنٍ ركّز على "دمقرطة" 19 البلاد ودور المجتمع المدني المتنامي ودوره في التأثير في السياسة الخارجية التركية، واتجاه ثالث ناقش ما أسماه "أسلمة" السياسة الخارجية التركية، وجزء من هذا التيار استحضر مصطلح "العثمانية الجديدة" لتفسير التحوّل في سياسة البلاد الخارجية 20. لكن الحديث عن "أسلمة" سياسة تركيا الخارجية ينطوي على مبالغات كبيرة، مردّها في الغالب إلى الخلفية الأيديولوجية لهذا التيّار و/ أو مسايرة من يروّجون له. قدّم عدد من أصحاب التوجهات الليبرالية تفسيرًا سلبيًا  21 لهذا التغيير، في حين استخدم آخرون تفسيرًا عقلانيًا قائمًا على عناصر مثل الاقتصاد والمكاسب المادية كالتجارة والمخاوف الأمنية  22. وبهذا المعنى، فإنّ تقديم التحوّل في السياسة الخارجية التركية من باب "الأسلمة" لا رُيُفّس السياسة الخارجية التركية، بقدر ما يحاول التخويف والتنفير منها، وربما الدعوة إلى احتوائها وتقويضها. وتوجد إشارات راسخة لدى الباحثين الأكاديميين المشتغلين بالسياسة الخارجية التركية السابقين؛ منهم من كانوا في العقد الأوّل من حكم حزب العدالة والتنمية  23، واللاحقون في العقد الثاني من حكمه24 وخلافًا للرائج في الإعلام الغربي والتركي، فإنّ الحديث عن أسلمة السياسة الخارجية هو إفراط في المبالغة وأمر غير واقعي. حاول بعض الباحثين الاستناد إلى العوامل الجغرافية والجيوسياسية، إطارًا مفاهيميًا لتفسير سياسة البلاد الخارجية، بصفتها عوامل رئيسة مؤثّرة في الحالة التركية  25، إضافة إلى توظيف بعض المفاهيم الجديدة آنذاك ك "القوة الناعمة" 26. وفي حالات استثنائية، حاول بعضهم توظيف مفاهيم مثل "العمق الاستراتيجي" والقوة الناعمة من منظور المدرسة الواقعية، معتبرين أنّ المفهومين، خلافًا للاتجاه

  1. Yucel Bozdaglioglu, Turkish Foreign Policy and Turkish Identity: A Constructivist Approach (New York: Routledge, 2003).
  2. 16  بعض الإصدارات الحديثة قدّمت مقولات السياسة الخارجية التركية مستحضرة
  3. Hasan Ulusoy, "A Constructivist Analysis of Turkey's Foreign and
  4. Kamal Kirisci, "The Transformation of Turkish Foreign Policy: The Rise of the Trading State," New Perspectives on Turkey , vol. 40 (Special Issue) (Spring 2009), p. 34.
  5. Ibid., p. 36.
  6. M. Hakan Yavuz, "The Motives Behind The AKP's Foreign Policy: Neoottomanism and Strategic Autonomy," Turkish Studies , vol. 23, no. 5 (2022), pp. 659-680.
  7. Birsen Erdogan, Humanitarian Intervention and the Responsibility to Protect: Turkish Foreign Policy Discourse (Cham, Switzerland: Springer Nature, 2017), p. 51.
  8. Ibid. 23  Kirisci, pp. 35-36. 24  Aylin Aydın Çakır & Gül Arıkan Akda ğ , "An Empirical Analysis of the Change in Turkish Foreign Policy Under the AKP Government," Turkish Studies , vol. 12, no. 2 (2017), p. 346. 25  Fulya Hisarlıo ğ lu, "A Critical Geopolitical Reading of Turkish Foreign Policy," in: Birsen Erdo ğ an & Fulya Hisarlıo ğ lu (eds.), Critical Readings of Turkey's Foreign Policy (Cham, Switzerland: Springer Nature, 2022), pp. 49–74.
  9. المنظور الليبرالي في النقاش. على سبيل المثال، ينظر:
  10. Toni Alaranta, Turkey's Foreign Policy Narratives: Implications of Global Power Shifts (Cham, Switzerland: Springer Nature, 2022).
  11. Security Policy in the Post-Cold War Era," METU, PhD. Thesis, Ankara, October 2005, pp. 8-9.
  12. E. Fuat Keyman, "Globalization, Modernity, and Democracy: In Search of A Viable Domestic Polity for a Sustainable Turkish Foreign Policy," New Perspectives on Turkey , vol. 40, no. 1 (2009), p. 9.

ارلسائد الذي يربطهما بالمنظور البنائي أو الليبرالي، يعّبان عن المنظور الواقعي لارتباطهما بالقوة  27. المثير للاهتمام أنّ معظم الدراسات عن سياسة تركيا الخارجية تركّزت في العقد الأول من حكم حزب العدالة والتنمية، وقد شهد نقاشات مكثّفة بين الباحثين حول شكل التحوّل في سياسة البلاد الخارجية وعمقه، وأسباب هذا التحوّل وشكله ودوافعه وأهدافه، والخلفيات الكامنة فيه والأطر النظرية الُمُثلى القادرة على تفسيره. ومن الملاحظات التي يمكن تسجيلها بشأن الكم الهائل من الأدبيات لّها كان يدور ج التي تحدّثت عن هذا الموضوع في هذه المرحلة أّن في فلك المدرسة البنائية والليبرالية وليس الواقعية، وأنّ النقاش حول توجّهات السياسة الخارجية التركية وتحّولّاتها لم يركّز حصريًا على منطقة الشرق الأوسط، بل على مناطق أخرى أيضًا (اليونان وأرمينيا والبلقان والقوقاز)، وإن كان الانفتاح على سورية قد حظي كذلك باهتمام كبير في ذلك الوقت. ناقشت شريحة أخرى من الباحثين السياسة الخارجية التركية من منظور المدرسة الواقعية، خصوصًا في مرحلة لاحقة؛ أي في مرحلة ما بعد اندلاع الثورات العربية)2021-2011(. ومعظم من كتبوا في هذا المجال ركّزوا على المقاربة الفرعية للواقعية والمتعلّقة بالواقعية الكلاسيكية الجديدة. وربما يعود ذلك إلى أنّ حقل العلاقات الدولية في تركيا يتماهى، إلى حدّ بعيد، مع "تحليل السياسة الخارجية" الذي يتمحور حول "الفاعل" والتفاصيل المتعلقة به، مع التركيز على عملية صنع القرار  28. والفارق الأساسي بين الواقعية الجديدة والواقعية الكلاسيكية الجديدة هو أنّ الأولى تتجاهل تمامًا السياسة المحلّية، والمؤسسات السياسية، والعوامل الداخلية المتعلقة بصانع القرار وعملية صنع القرار، وخصائص صانع القرار ودوره في تحديد خيارات السياسة الخارجية وتوجّهاتها  29، بينما تقوم الواقعية الكلاسيكية الجديدة بدمج الفرد والمتغيرات الداخلية في التحليل؛ يُغطّي ثغرة كبيرة في تحليل السياسة الأمر الذي من شأنه أن الخارجية التركية في هذه المرحلة من منظور الواقعية الكلاسيكية. مُعتقدات القادة حول فالواقعية الكلاسيكية الجديدة تفترض أّن النظام الدولي، وحسابات السياسة الداخلية، والمؤسسات السياسية الداخلية، تؤدي دورًا كبيرًا في صياغة السياسات الخارجية للدول. وفي حين يقر الواقعيون النيوكلاسيكيون فرضيات الواقعيين الجدد التي تقول إنّ ضغوط النظام تُقيّد الفاعل في السياسة الدولية، يجادل الواقعيون النيوكلاسيكيون بأنّه من الضروري اختبار تأثير العوامل السياسية، والمؤسساتية، والبيروقراطية داخل الدول والمسار الإدراكي لصانعي القرار لنفهم السياسة الخارجية. وفي هذا السياق تحديدًا، فإنّ الواقعية الكلاسيكية الجديدة تجسر الهوّة بين العلاقات الدولية وتحليل السياسة الخارجية إلى جانب نظريات صناعة القرار  30.

ا: معالم التحوّل في سياسة ثالث تركيا الخارجية (2002 - 2011)

1. المرحلة الأولى (2002 - 2006)

اتسمت السياسة الخارجية التركية إبّان الحرب الباردة بتقليد شبه ثابت إلى حدّ بعيد؛ إذ ركّزت على مبادئ أساسية من بينها الحذر،

  1. 27  لمزيد من التفاصيل في هذه المسألة تحديدًا، ينظر: المحور الرابع من هذه الدراسة بعنوان "مقاربة المدرسة الواقعية لتحليل السياسة الخارجية التركية.")2011-2002((المحرر)
  2. Faruk Yalvac, "Approaches to Turkish Foreign Policy: A Critical Realist Analysis," Turkish Studies , vol. 15, no. 1 (2014), p. 119.
  3. Fareed Zakaria, "Realism and Domestic Politics: A Review Essay," International Security , vol. 17, no. 1 (Summer 1992), pp. 177-198.
  4. Ozgur Ozdamar & Balkan Devlen, "Man vs. the System: Turkish Foreign Policy After the Arab Uprisings," in: R. Belloni et al. (eds.), Fear and Uncertainty in Europe: The Return of Realism? (Cham, Switzerland: Springer Nature, 2019), p. 178.

والحياد، وحماية وحدة أراضي البلاد، والنزعة الغربية. وقد ظل هذا التقليد يسيطر على الاتجاه العام لسياسة البلاد الخارجية حتى مرحلة انهيار الاتحاد السوفياتي وبروز عصر الأحادية القطبية  31. ومع صعود حزب العدالة والتنمية إلى السلطة في عام 2002، أدّت التغييرات التي أدخلها الحزب على سياسة البلاد الخارجية إلى إطلاق موجات من النقاش العام، وفتحت للباحثين آفاقًا متعلقة بالعلاقات الدولية والسياسة الخارجية من أجل بحث الاتجاهات العامة لهذه السياسة وتقييمها ونقدها، لا سيما في ضوء التحّولّات التي جرت. وقد تميّزت السياسة الخارجية التركية في الجزء الأوّل من هذه الفترة، أي بين عاَمَي 2002 و 2007، بكونها سياسة استكشافية، متفاعلة، ومنفتحة، ومتعدّدة الاتجاهات. وقد كانت منطقة الشرق الأوسط، وتحديدًا المنطقة العربية، في قلب هذه السياسة. شكّل عام 2003 نقطة تحوّل فارقة على مستوى التوجهات العامة للسياسة الخارجية التركية تجاه المنطقة العربية؛ الأمر الذي ترك أثرًا إيجابيًا جدًا في سمعة السياسة التركية الجديدة. فقبيل غزو العراق بفترة وجيزة، أرسلت الإدارة الأميركية لائحة من المطالب الصادمة وغير المبرّرة تمهيدًا لغزوه، وقد اشترطت تجاوبًا كّليً ا من حكومة حزب العدالة والتنمية الوليدة والتزامًا غير مشروط من المؤسسات التركية  32. ولتفادي سيناريو الحرب، قرّر عبد الله غُل، رئيس الجمهورية حينئذ، القيام ب "جولات مكوكية" في الإقليم شملت أربع دول عربية هي سورية، ومصر، والأردن، والمملكة العربية السعودية. ونجحت الدبلوماسية التركية في استضافة 6 وزراء خارجية في قمّة إسطنبول في 23 كانون الثاني/ يناير 2003 33، في مسعى أخير لتفادي العدوان على العراق. وتبع هذا الاجتماع تصويت البرلمان التركي في 2 آذار/ مارس 2003 ضد قرار السماح للولايات المتحدة باستخدام الأراضي التركية مُنطلقًا لغزو العراق  34. وقد أثار هذا القرار حالة من التوتر الشديد بين المسؤولين الأميركيين والحكومة التركية الجديدة، لكنه أدخل تركيا في قلب المعادلة الإقليمية بقوة؛ إذ اكتسبت تركيا شعبية كبيرة بين الجمهور في الشرق الأوسط. وغيرت هذه الشعبية النظرة السلبية إليها، وكان لها تأثير إيجابي في وضعها الإقليمي أيضًا. ونتيجة لذلك، ااكتسبت سياسة تركيا الخارجية الجديدة زخم في المنطقة، واكتسب صانعو القرار الأتراك ثقة الأطراف المتصارعة في الشرق الأوسط. في عام 2004، قام بشار الأسد بأول زيارة رسمية لتركيا، وهي أوّل زيارة رسمية لرئيس سوري إلى هذا البلد. ومهّدت هذه الزيارة لأداء تركيا دور الوسيط بين دمشق وإسرائيل  35؛ إذ سافر رئيس الوزراء آنذاك، رجب طيب أردوغان، إلى إسرائيل لإقناعها بهذا الدور. وفي عام 2005، كثّفت تركيا تواصلها مع دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وتوصّلت إلى اتفاقيات تعاون اقتصادي مع الكتلة الخليجية في البحرين في أيار/ مايو 2005. وعلى جبهة الصراع العربي - الإسرائيلي، طورت تركيا علاقات جيّدة مع الفصائل الفلسطينية المتناقضة، واحافظت على علاقاتها مع إسرائيل. ودعمت تركيا علنًا حًّل للصراع العربي - الإسرائيلي وعرضت القيام بدور الوسيط. وُبُعيد الانتخابات البرلمانية الفلسطينية في عام 2006، استقبلت تركيا وفدًا من حركة المقاومة الإسلامية "حماس" برئاسة رئيس المكتب السياسي آنذاك خالد مشعل. وفي العام التالي، قدمت رؤيةً لإنشاء مشروع منطقة صناعية من أجل السلام  36. وعلى الرغم من أنّ الحرب الإسرائيلية على لبنان في عام 2006 عطلت خلال فترة وجيزة مبادرات تركيا الإقليمية، وشكّلت عقبة أمام الدبلوماسية التركية، فإنّ تركيا تمكنت من استئناف نمطها المستجد في السياسة الخارجية سريعًا؛ إذ أرسلت حوالى 260 جنديًا للانضمام إلى قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) 37، ووسعت جهود المصالحة بين الأطراف المتنازعة داخل لبنان  38 والعراق، وأعادت تنشيط مبادرات الوساطة الإقليمية. وفي نهاية هذه المرحلة، بدأ مفهوم "العمق الاستراتيجي" في التبلور أكثر فأكثر في سياسة البلاد الخارجية، وذلك في شكل امتداد دبلوماسي واتفاقات سياسية واقتصادية وجهود وساطة منتظمة، وقد أسّست هذه الخصائص للتحوّل الذي سيتعزز فيما بعد.

  1. 31  وصف البعض هذه السياسة بأنها واقعية لأنها كانت ترتكز على المصالح القومية والأمن بمعناه التقليدي، في حين وصفها آخرون بالدفاعية. للمزيد، ينظر: 49-50 pp..Erdogan,
  2. Meliha Benli Altuni ş ik, "Turkey's Iraq Policy: The War and Beyond," Journal of Contemporary European Studies , vol. 14, no. 1 (2006), pp. 185, 187.
  3. Turkey Prepared to Host Summit Concerning Iraq – Yakis," KUNA , 17/1/2003, accessed on: 14/4/2023, at: https://bit.ly/4czd8pb
  4. Turkey Rejects U.S. Troop Deployment," Los Angeles Times , 2/3/2003, accessed on 25/4/2024, at: https://bit.ly/4abeRj9
  5. Turkish Mediation for Israel-Syria Talks," Aljazeera , 25/1/2004, accessed on 15/9/2022, at: https://bit.ly/4aaiq9e
  6. Turkey, Israel, Palestinians Sign Deal on Building Joint Industrial Zone in W. Bank," ReliefWeb , 13/11/2007, accessed on 14/4/2023, at: https://bit.ly/3x4lNjd
  7. Report: Turkey to Send Troops to Lebanon," NBC News , 5/10/2006, accessed on 14/4/2023, at: https://bit.ly/43yiFbu
  8. Hasan Akin, "Turkey and Mediation," Master Thesis, George Mason University, Virginia, Summer 2014, p. 96.

2. المرحلة الثانية (2007 - 2011)

في الفترة 2011-2007، برزت أفكار داود أوغلو (أصبح وزيرًا للخارجية عام)2009 ومبادئه بقوة؛ ليس من الناحية النظرية فقط، بل من الناحية العملية أيضًا. واستندت السياسة الخارجية التركية حينئذ إلى خمسة مبادئ رئيسة بلورها أوغلو، هي 39: 1. التوازن بين الأمن والديمقراطية، 2. سياسة تصفير النزاعات مع جيران تركيا، 3. تطوير العلاقات مع المناطق المجاورة لتركيا مثل البلقان والشرق الأوسط والقوقاز وآسيا الوسطى، 4. التمسك بسياسة خارجية ماتعددة الأبعاد مع التركيز على التكامل بدل من التنافس، 5. اعتماد دبلوماسية متناغمة. أدّت هذه المبادئ إلى تنشيط علاقات تركيا الدبلوماسية مع محيطها، وتعزيز تفاعلها الاقتصادي مع مناطق متعددة؛ ما ولّد قوة ناعمة كبيرة، رفعت مكانتها ووزنها على الساحة الإقليمية والعالمية. وخلال هذه الفترة، كانت تركيا نشطة جًّدًا من حيث تعزيز التكامل الاقتصادي، وسياسة الحدود المفتوحة، وحرية حركة الأشخاص والأموال عبر المنطقة، وسياسة الإعفاء من التأشيرات، والسعي لاتفاقيات التجارة الحرة، وإنشاء مناطق تجارة حرة، وتعزيز دبلوماسية الوساطة، وإنشاء آلية مجلس تعاون استراتيجي رفيع المستوى مع العديد من الدول الإقليمية. في هذه المرحلة، واصلت تركيا دعمها لمبدأ وحدة أراضي العراق، وتعزيز الاستقرار والازدهار الإقليمي، ودعم حل القضية الفلسطينية. وعلاوةً على ذلك، وقّعت اتفاقيات تجارة حرة وإعفاء من التأشيرات مع سورية والأردن ولبنان في الأعوام 2007 و 2009 و 2010 على التوالي  40. وبالتوازي مع هذه التطورات، تم إنشاء مجالس تعاون استراتيجي رفيعة المستوى مع العراق في عام 2008 41، وسورية في عام 2009 42 ن. وفيما يتعلق بالعلاقة مع دول الخليج العربية، عّي مجلس التعاون تركيا في عام 2008 أول شريك استراتيجي للكتلة، على مستوى عالٍ  43، وجرى إنشاء آلية الحوار الاستراتيجي. بناءً على ذلك، عقد الطرفان اجتماعات خلال هذه الفترة في جدة عام 2008، وفي إسطنبول عام 2009، وفي الكويت عام 2010. وفي عام 2010 44، حققت تركيا إنجازًا دبلوماسيًا في الملف النووي الإيراني، حينما أبرمت صفقة مع البرازيل بشأن الوقود النووي الإيراني  45. أدت الحرب الإسرائيلية على غزة في الفترة 2009-2008 إلى جانب الهجوم الإسرائيلي غير القانوني على سفينة المساعدات التركية لغزّة "مافي مرمرة"، في عام 2010، إلى رد فعل تركي حادّ تجاه إسرائيل، وكان من نتائج ذلك أن ازدادت شعبية تركيا كثيرًا في العالم العربي  46. وفي ذلك العام، منح الملك عبد الله بن عبد العزيز ملك السعودية رئيس وزراء تركيا في ذلك الوقت أردوغان "جائزة الملك فيصل الدولية." وأسست تركيا وسورية، جنبًا إلى جنب مع الأردن ولبنان، مجلس التعاون الاستراتيجي الرباعي الرفيع المستوى لإنشاء منطقة حرّة لتنقّل البضائع والأفراد تكون نواة لمنطقة "شامغن" (على غرار اتفاقية شينغن الأوروبية) 47؛ إذ جرى دعمها بآلية مالية مشتركة بين البنوك المركزية للدول الأعضاء  48.

رابعًا: المقاربة الواقعية لتحليل السياسة الخارجية التركية

تسعى السياسة الخارجية التركية لتعزيز قوة البلاد، خصوصًا من الناحية الاقتصادية، ورفع مكانتها السياسية ووزنها، بصفتها دولة

  1. 45  Trita Parsi, "The Turkey-Brazil-Iran deal: Can Washington take 'yes' for an Answer?" Foreign Policy , 18/5/2010, accessed on 14/4/2023, at: https://bit.ly/49iSZAR 46 " Arab Public Opinion Survey 2010 and 2011," University of Maryland with Zogby International, accessed on 14/4/2023, at: https://bit.ly/43zlFo4; "The Perception of Turkey in the Middle East 2010," TESEV , accessed on 14/4/2023, at: https://bit.ly/3TSgooj 47 " Joint Political Declaration on the Establishment of the High Level Cooperation Council among Turkey, Syria, Jordan and Lebanon," Turkey's Ministry of Foreign Affairs, accessed on 21/12/2023, at: https://bit.ly/3TQIwbC 48  Durmu ş Yilmaz, "Enhancing 'ShamGen' banking – Turkey, Syria, Lebanon, Jordan," BIS , 28/3/2011, accessed on 25/9/2022, at: https://bit.ly/3vvzhnW
  2. Joint Political Declaration on the Establishment of the High Level Cooperation Council among Turkey, Syria, Jordan and Lebanon, Turkey's
  3. Joint Political Declaration on the Establishment of the High-level Strategic Cooperation Council between the Government of the Republic
  4. Joint Statement of the First Meeting of the High Level Strategic Cooperation Council between the Syrian Arab Republic and the Republic
  5. GCC Names Turkey First Strategic Partner Outside The Gulf," Gulf News , 3/9/2008, accessed on 14/4/2023, at: https://bit.ly/3TCptk0
  6. Relations between Türkiye and the Gulf Cooperation Council (GCC)," Turkey's Ministry of Foreign Affairs, accessed on 14/4/2023, at: https://bit.ly/3TykWyX
  7. 39  Davutoglu, "Zero Problems in a New Era."
  8. MFA," Turkey's Ministry of Foreign Affairs, accessed on 20/9/2022, at: https://bit.ly/3TQIwbC
  9. of Turkey and the Republic of Iraq," Turkey's Ministry of Foreign Affairs, accessed on 14/4/2023, at: https://bit.ly/49bwE8r
  10. of Turkey," Turkey's Ministry of Foreign Affairs, 23/9/2009, accessed on 14/4/2023, at: https://bit.ly/3THPyhI

فاعلة على المستوى الإقليمي والدولي. ولكن النظرية الواقعية لا تُقدّم مقاربة فعّالة أو صحيحة لهذه السياسة في هذه المرحلة؛ وذلك على اعتبار أنّها كانت تتمحور أساسًا حول مفاهيم لها علاقة بالهوية، والدبلوماسية، وتحرير الاقتصاد. وقد ركّزت المواضيع الرئيسة لهذه المرحلة على تجربة تركيا المتناغمة بين الإسلام والديمقراطية وعلاقتها بالهوية، وقدرتها على توظيف الأدوات الدبلوماسية، إلى جانب الوساطة لحل النزاعات وتحقيق الاستقرار، ودور الاقتصاد وتحرير التبادل التجاري وإنشاء مناطق التجارة الحرة وفتح الحدود أمام حرية الحركة والأموال ورفع التأشيرات في تحقيق السلام والازدهار لدول المنطقة وشعوبها. وبالتوازي مع هذه المحدّدات والأهداف الأساسية للسياسة الخارجية التركية، انبثقت القوة الناعمة – وليس القوة الصلبة - من هذا الثالوث (الهوية، والدبلوماسية، والاقتصاد)، لتصبح بمنزلة خاصّية مرميّزة للسياسة الخارجية، تقترن بها وُتُعّب عنها 49. وتعتبر السياسة الخارجية، إلى جانب الثقافة والقيم السياسية، مصدرًا من مصادر القوة الناعمة، لا سيما عندما ينظر الآخرون إليها بوصفها سياسة مشروعة تتمتع بسلطة معنوية وأخلاقية. والمقصود بالقوة الناعمة هنا القدرة على التأثير في سلوك الآخرين من خلال الإغواء، وليس من خلال الإكراه الذي يعتبر خاصية مميّزة للقوة الصلبة. ويزداد تأثير القوة الناعمة، إذا ما كانت تأخذ في الحسبان مصالح الآخرين؛ فخيارات السياسة الخارجية هي التي تسمح للدولة بتحديد مدى اتساع أو ضيق المنظور الذي يجري من خلاله تعريف نطاق مصالحها والوسائل التي يمكن من خلالها أن تحقق هذه المصالح. وترتبط القوة الناعمة بروابط عاطفية مثل الجذب والإغواء، ويزداد تأثيرها بمدى صدقية الطرف الذي يستخدمها، ومدى قدرته على توظيفها لصناعة السمعة والصورة الإيجابية والجاذبية  50. ولا تنسجم السياسة الخارجية القائمة على هذه المعطيات مع أفكار النظرية الواقعية لناحية مركزية القوة الصلبة وأولوية الأمن وحتمية التنافس والصراع وسياسة القوة، ولذلك فقد كان من المنطقي أن نرى كثيرًا من الدراسات الأكاديمية وأوراق السياسات التي تقارب السياسة الخارجية التركية في المرحلة المحددة من منظور النظرية الليبرالية والبنائية  51، وذلك لأن الليبرالية ترفض فرضيات الواقعية المذكورة آنفًا، ويتمحور تركيزها الأساسي على دور المؤسسات والاقتصاد الحر والتبادل التجاري والديمقراطية والمصالح المنسجمة والأمن الجماعي والتعاون الدولي والقانون الدولي. ويمكن أن يجادل الليبراليون بأنّ الليبرالية أكثر قدرةً على تفسير سلوك السياسة الخارجية التركية آنذاك، خصوصًا مع اهتمام تركيا بفتح الحدود وتسوية النزاعات وتعزيز الاندماج والتكامل الاقتصادي مع جوارها الإقليمي وتحقيق الاستقرار والازدهار. واستنادًا إلى المنظور الليبرالي في تفسير السياسة الخارجية التركية في تلك المرحلة، يمكن القول إنّ منظور النظرية البنائية طغى إلى حد بعيد، خلال كل مراحل السياسة الخارجية التركية، وخصوصًا في المرحلة الممتدة بين عامي 2007 و 2011 52، حين برز داود أوغلو خلال هذه المرحلة شخصيةً محورية في صناعة السياسة الخارجية التركية وتوجيهها، والترويج ل/ الاعتماد على المزيد من الأفكار الجديدة والقديمة والمبادئ التي تعطي دور التاريخ والجغرافيا السياسية والثقافة والهوية في السياسة الخارجية قيمةً أكبر، والتي انبثق منها مفاهيم مثل سياسة تصفير النزاعات، والعمق الاستراتيجي 53، ودبلوماسية الوساطة، والدبلوماسية الإنسانية، والقوة الناعمة... إلخ ويلفت بعض الباحثين الانتباه  54 إلى أنّ مراجعة أدبيات السياسة تُظهر بوضوح الخارجية التركية والدراسات التي تحدّثت عن الموضوع أنّ داود أوغلو وأفكاره وسياساته تحتل موقعًا مركزيًا في الغالبية العظمى من الأوراق البحثية ومئات المشاريع البحثية المتعلقة بسياسة تركيا الخارجية، وليس أردوغان أو وزارة الخارجية أو البرلمان أو رؤساء الحكومات المتعاقبة، وأنّ هذه الملاحظة جديرة بالاهتمام لأنّه لم يسبق لأفراد كثيرين بعينهم أن يصبحوا على هذا النحو من

  1. 53  Ali Bakir & Eyup Ersoy, "The Rise and Fall of Homegrown Concepts in Global IR: The Anatomy of 'Strategic Depth' in Turkish IR," All Azimuth , vol. 11, no. 2 (2022), pp. 257-273.
  2. 54  Erdogan, p. 67.
  3. 51  ورد ذكر باحثين تناولوا المسألة من هذه الزاوية في ذلك الوقت، ومن بينهم كمال الدراسات التركية كيريشجي، وفؤاد كيمان. في ورقة علمية لبول كوبيجاك، أستاذ ومحرر دورية، ويشير في مقدمة العدد الخاص في ملاحظته رقم 4 في الصفحة رقم 655 إلى أنّ الليبرالية من المدارس الثلاث الكبرى التي تستخدم لتفسير السياسة الخارجية التركية لكنها تمتلك قدرة تفسيرية أقل كثيرًا من المدارس الأخرى في المرحلة التي سبقت عام 2020 مباشرة. ومع ذلك، يمكن المجادلة تُستخدم لتفسير تأكيد التعددية والمؤسساتية والقوة الناعمة للسياسة الخارجية التركية في بأنّها أ العقد الأول من القرن الحادي والعشرين على حد قول المحرر. أما موت أوزر، فقد أشار إلى أنّه عندما يتعلق الأمر بحزب العدالة والتنمية، فإنّ البنائية أكثر قدرة من الواقعية على تفسير السياسة الخارجية التركية، لا سيما في منطقة الشرق الأوسط. على سبيل المثال، ينظر: Kubicek, p. 655; Umut Uzer, "Makign Sense of Turkish Foreign Policy: What Can International Relations Theory Offer?" The Review of International Affairs , vol. 72, no. 1181 (2021), p. 5.
  4. 52  واستمر، لكن بنسق ضعيف لاحقًا حتى عام.2016
  5. 49 " Special Issue on Turkey's Rising Soft Power," Insight Turkey , vol. 10, no. 2 (2008); Ibrahim Kalin, "Soft Power and Public Diplomacy in Turkey," Perceptions , vol. 16, no. 3 (2011), pp. 9-10.
  6. 50  لمزيد من التفاصيل، ينظر: باكير.

الشهرة بين الدوائر الأكاديمية التي تدرس السياسة الخارجية في تركيا والغرب على حد سواء. ومن المفارقة اعتبار بعض الباحثين أنّ مفهوم القوة الناعمة الذي ازدهر في تركيا في عهد داود أوغلو هو مثار جدل من الناحية النظرية  55، وأنّ القوة الناعمة ليست تعبيرًا عن المنظور الليبرالي كما يعتقد بعضهم  56. فعلى الرغم من جذور المفهوم الليبرالية وتداعياته، فإنّه مفهوم لا يعكس اختلافًا كبيرًا عن مفهوم القوة الصلبة من الناحية النظرية. فمفهوم القوة الناعمة هو مفهوم واقعي يتمحور أساسًا حول الدولة والقوة. وفي هذا السياق، يشير جوزيف ناي الذي يُعرّف نفسه  57 بأنّه ليبرالي - واقعي إلى أنّ القوة الناعمة ليست بالضرورة مثالية أو ليبرالية، وأنّها مجرّد شكل من أشكال القوة، طريقة للحصول على النتائج المرجوّة  58. وهو بهذا المعنى يرى أنّ "القوة الناعمة لا تتعارض مع الواقعية" في العلاقات الدولية. وحاول بعضهم الربط بين مضمون القوة الناعمة وكتابات الواقعيين القدماء والمعاصرين الذين لم يشيروا إلى مصطلح القوة الناعمة تحديدًا، لكنّهم تحدّثوا بأسلوب غير مباشر عنه، حينما لفتوا الانتباه إلى أهمّية صورة الدولة، وإلى أنّه ليس في استطاعة الدولة الحفاظ على نفوذها وهيمنتها وسيطرتها بالاعتماد على القوة العسكرية فقط. لكنّ آخرين انتقدوا هذا الموقف، وذهبت أغلبية الواقعيين الجدد إلى صرف النظر عن القوة الناعمة على اعتبار أن الجهات الفاعلة في العلاقات الدولية تستجيب لنوعين فقط من الحوافز؛ القوة والحوافز الاقتصادية. واعتبر بعض الباحثين أنّ مفهوم "العمق الاستراتيجي" الذي لاقى رواجًا كبيرًا في هذه المرحلة نفسها من السياسة الخارجية التركية، والذي يُستخدم عادة للتركيز على علاقات تركيا التاريخية والجغرافية مع محيطها الإقليمي في الشرق الأوسط، هو تعبير عن مفهوم واقعي يتمحور حول الدولة والقوة؛ كما هو حال القوة الناعمة، لكنّه بخلافها يعطي القوة العسكرية الاستراتيجية الأولوية  59.

ا: معالم التحوّل في سياسة خامسً تركيا الخارجية (2011 - 2021)

1. المرحلة الأولى (2011 - 2016)

شهدت السياسة الخارجية التركية تجاه المنطقة العربية، خلال هذه المرحلة التي تلت مباشرة اندلاع الثورات العربية، حالة من عدم التوازن؛ على اعتبار أنّها لم تكن مهيّأة للتعامل مع التغيرات المفاجئة والسريعة والضخمة التي حصلت في محيطها الإقليمي. ومع تحوّل النزاع على المنطقة العربية من تنافس على الأفكار والمفاهيم والقوة الناعمة (محور الممانعة، ومحور الاعتدال، والنموذج التركي، والنموذج الإيراني، والنموذج السعودي... إلخ) إلى صراع على النفوذ والمصالح والقوة الصلبة، لم تعد قوة تركيا الناعمة ذات تأثير في منحى الأحداث في العالم العربي، لا سيما بعد تدخّل القوى الصلبة الإيرانية والأميركية والروسية في سورية والعراق على وجه التحديد. ولذلك، تلاشى النقاش حول قوة تركيا الناعمة، ولم تعد محور الأحداث الرئيس كما هو الحال أيضًا بالنسبة إلى التفاعل بين الإسلام والديمقراطية أو تجربة تركيا في هذا المضمار. وتلقت سياسة تركيا المتعلّقة بأولوية تحرير القدرات الاقتصادية وتحقيق الازدهار الإقليمي وفتح الحدود أمام التبادل الحر للسلع والأموال والأشخاص ضربة قوية؛ ولذلك فإنّ ماسألة الهوية أو المؤسسات لم تعد تتصدّر المشهد، علم أنّ داود أوغلو كان قد ظل يعتقد، إلى فترة غير قصيرة بعد اندلاع الثورات العربية، أنّ سياسة تصفير النزاعات لم تمت، وأنّها قادرة على العمل في بيئة يتخلّلها الصراع بالقوة الصلبة  60. وفي هذه المرحلة، فقدت السياسة الخارجية التركية قدرتها على المبادرة، وأصبحت تعتمد على ردود الأفعال للتعامل مع التطورات الحاصلة في العالم العربي. بناءً عليه، تباينت العلاقات بين تركيا ودول العالم العربي تباينًا كبيرًا، وشكّلت الثورات العربية المعيار الفاصل بين التحالفات والمحاور التي نشأت استنادًا إلى من هو مع الثورات العربية ومن هو ضدّها، فنشأ من ذلك ثلاثة محاور أساسية في المنطقة: 1. المحور المؤيد للثورات ويضم تركيا وقطر والقوى الثائرة، 2. المحور المناهض للثورات ويضم الإمارات العربية المتحدة والسعودية ومصر (في أعقاب الانقلاب العسكري عام)2013 والقوى الداعمة للستاتيكو القديم أو الوضع القائم سابقًا، 3. المحور الشيعي المكون من إيران وحلفائها الإقليميين والميليشيات الطائفية. واعتمد هذا المحور آلية دعم أو مناهضة انتقائية؛ إذ تصدّى

  1. Yalvac, pp. 120-121.
  2. 56  يجادل سينيم ب. سيفيك بأن مفهوم القوة الناعمة، في حد ذاته، جرى بناؤه في سياق المنظور الليبرالي. Senem B. Cevik, "Reassessing Turkey's Soft Power: The Rules of Attraction," Alternatives: Global, Local, Political , vol. 44, no. 1 (2019), p. 4.
  3. Joseph S. Nye, "Soft Power: The Evolution of A Concept," Journal of Political Power , vol. 14, no. 1 (February 2021), pp. 196-208.
  4. Joseph S. Nye, The Future of Power (New York: Public Affairs, 2011), p. 82.
  5. Yalvac, p. 121.
  6. ينظر: علي باكير، "السياسة الخارجية التركية الإقليمية.. إلى أين؟"، الجزيرة  60 نت، 2013/8/31، شوهد في 2023/12/21، في https://bit.ly/3IWzHqy:؛ Davutoglu, "Zero Problems in a New Era."

أساسًا للثورات في سورية والعراق ولبنان. أمّا إسرائيل، فقد عملت بصفة مستقلة على منع التغيير. وفي حالات عديدة، تطابقت مصالح إسرائيل مع المحوَرَين الثاني والثالث، ويمكن ملاحظة ذلك في الحالة المصرية على سبيل المثال، وتحديدًا في الانقلاب العسكري الذي جرى عام 2013 61، وفي الحالة السورية أيضًا، وتحديدًا في بقاء الأسد في الحكم وكذلك بقاء نظامه قائمًا وإن كان في حالة ضعف  62. نتيجة لذلك، تدهورت العلاقات بين تركيا وعدد من الأنظمة العربية التي قمعت شعوبها قمعًا كبيرًا، واشتد التنافس الإقليمي على السلطة والنفوذ ومستقبل المنطقة، وأخيرًا، تصاعد التدخل العسكري الأجنبي وانزلقت عدة دول عربية إلى مربّع الدول الفاشلة. غذت كل هذه العوامل الفراغ الناشئ في المحيط الجغرافي المباشر لتركيا، وخلقت بيئة مناسبة للتطرف والإرهاب والانفصالية للتكاثر والازدهار. وفي هذه المرحلة، تقلّصت سياسة تركيا الخارجية إلى المستوى التكتيكي من أجل التعامل مع التطورات السريعة والحالات الطارئة وانكفأت إلى الداخل دفاعيًا، على نحو لم يعد يخوّلها صياغة الأحداث أو التأثير بها في محيطها؛ ما أدّى إلى عرقلة الرؤية الاستراتيجية ووضع تركيا في وضع غير مواٍتٍ البتّة على المستويين الإقليمي والدولي، فنشأ مصطلح "الوحدة الثمينة" الذي سكّه إبراهيم كالين حينئذ معيارًا لوضع تركيا  63. ومع ذلك، سمح تلاشي صورة داود أوغلو، بصفته مهندسًا للسياسة الخارجية لحزب العدالة والتنمية في عام 2015، وإزاحته من المشهد السياسي في عام 2016، بإجراء تعديلات حاسمة في سياسة البلاد الخارجية؛ ما مهّد الطريق لتحول كبير وجديد في المرحلة اللاحقة.)2021-2016(إاجمال، يمكن القول إنّ السياسة الخارجية التركية مرّت في الفترة 2016-2011 بحالة من عدم التوازن. ومع أنّ السياسة الخارجية ا في هذه الفترة عن المبادئ التي كانتّالتركية لم تكن قد تخلّت كلّي قد اتّبعتها خلال الفترة 2011-2002، فإنّها لم تنتقل في الوقت نفسه إلى سياسة جديدة تتماشى مع التطورات التي نشأت في محيطها االإقليمي ولم تكن قادرة على الرد على التحدّيات التي نشأت، إّل بعد التغيرات الداخلية التي حصلت وإخراج داود أوغلو من المشهد السياسي. ومن الباحثين من رأى أنّ هذه المرحلة التي شهدت موقفًا غير تقليدي لتركيا، يتمثّل في دعم الثورات العربية في المنطقة، شكّلت نقطة تحوّل مفصلية في سياسة تركيا الخارجية، على اعتبار أنّها وضعتها في تناقض كلي مع إرثها التاريخي في السياسة الخارجية لناحية كونها قوة حفاظ على الاستقرار في الوضع الراهن وليست قوة تغيير، وكونها قوة تسعى للتعاون والتنسيق مع القوى الكبرى في تحقيق الأمن والاستقرار ولا تسعى للتنافس أو التصادم معها  64.

المرحلة الثانية (2016 - 2021)

شهدت هذه الفترة ثلاثة تطوّرات رئيسة في محيط تركيا الإقليمي تمثّلت في: صعود المحور الموالي للأسد في سورية المُكون من روسيا وإيران، وذلك بفضل تدخلها العسكري الواسع النطاق، في مقابل الخذلان الدولي للمعارضة السورية. وبالنظر إلى أنّ تركيا قوة إقليمية، فإنه كان من الصعب عليها أن تقبل بتحديد هذا المحور مصيرها الإقليمي، خصوصًا فيما يتعلق بالتهديدات المتعلقة بأمنها القومي. تمكين وحدات حماية الشعب - الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني المصنّف إرهابيًا في تركيا وحلف شمال الأطلسي "ناتو" والاتحاد الأوروبي - من التمدّد عسكريًا في شمال سورية بدعم من الولايات المتحدة. وبالتوازي مع ذلك، ارتفع عدد العمليات الإرهابية العابرة للحدود التي نفذها داخل تركيا الميليشيات الكردية وتنظيم الدولة الإسلامية "داعش"، بما في ذلك العمليات الانتحارية؛ ما نجم عنه آلاف من القتلى والمصابين من بين المواطنين الأتراك  65. ولادة محور مناهض لتركيا وسياساتها الخارجية في بلاد الشام وشمال أفريقيا وشرق البحر الأبيض المتوسط، يضم أساسًا الإمارات ومصر وإسرائيل والسعودية وقبرص واليونان وفرنسا. وخلافًا للمحور الأول المذكور سابقًا الذي شكّل تهديدًا أمنيًا لتركيا، فرض المحور الثاني تهديدًا اقتصاديًا وسياسيًا على تركيا.

  1. صالح النعامي، "ما وراء الاحتفاء الإسرائيلي بالانقلاب العسكري في مصر"،  61 سياسات عربية، مج 1، العدد 4 (أيلول/ سبتمبر)2013، ص.41
  2. 62  ينظر على سبيل المثال دراسة إفرايم هاليفي، الرئيس السابق لوكالة المخابرات الإسرائيلية (الموساد)، والرئيس السابق لمجلس الأمن القومي: Efraim Halevy, "Israel's Man in Damascus: Why Jerusalem Doesn't Want the Assad Regime to Fall," Foreign Affairs , 10/5/2013, accessed on 14/4/2023, at: https://bit.ly/4cJwg4a; "Israel Says Assad Must Stay," The Times , 18/5/2013, p. 1.
  3. Turkey's Foreign Policy of 'Precious Loneliness'," Financial Times , 16/11/2015, accessed on 14/4/2023, at: https://bit.ly/4crJ0wd
  4. Ozdamar & Devlen, p. 181.
  5. 65  وثّقنا العمليات الإرهابية التي جرت في تركيا في الفترة 2019-2010، والجهات التي قامت بتنفيذها، وعدد القتلى والجرحى الناجم عنها، وذلك استنادًا إلى "قاعدة بيانات الإرهاب العالمي" في جامعة ميريلاند الأميركية، وتوصلنا إلى نتيجة مفادها أنّ العمليات التي جرت في عاَمَي 2015 و 2016 على وجه التحديد شكّلت دافعًا رئيسًا لتركيا للتحوّل من القوّة الناعمة إلى القوّة الصلبة. لمزيد من التفاصيل، ينظر: Ali Bakir, "Mapping the Rise of Turkey's Hard Power," New Lines Institute for Strategy and Policy, Washington, 24/8/2021, accessed on 13/10/2022, at: https://bit.ly/3IW1VBw

وانتيجةً لذلك، اعتمدت تركيا سياسة خارجية مختلفة تمامًا عّم سبق من تقاليد في سياستها الخارجية من الناحية التاريخية؛ فقد استندت سياستها الخارجية الجديدة، التي بدت أكثر استقلالية وحزمًا من أي وقت مضى، إلى ثلاث ركائز رئيسة، هي: 1. نهج واقعي للتعامل مع الأحداث والتطورات الطارئة والخِطِرة التي تحصل في محيط تركيا، 2. فهم الديناميات الإقليمية من منظور سياسة القوة الذي يتمحور أساسًا حول القوة الصلبة والتدخلات العسكرية، 3. تصوّر جديد للتهديدات الخارجية التي تتعرّض لها تركيا وانعكاساتها على الأمن القومي للبلاد. جرى تصميم هذه السياسة الخارجية وتنفيذها لخفض خسائر تركيا الإقليمية، والاستجابة بفاعلية وسرعة للتهديدات الإقليمية االمتزايدة، وصيانة الأمن القومي والمصالح القومية العليا للبلاد، فضل عن تأمين مقعد أساسي لها في المفاوضات بشأن مستقبل الإقليم مع القوى الكبرى على الساحة الدولية. وتمظهرت هذه السياسة بصفة رئيسة من خلال هيئة السعي لتحقيق استقلالية استراتيجية Strategic Autonomy، وسياسة دفاع متقدّم Forward Defense شملت إطلاق عمليات عسكرية برية خارج الحدود ونشر قواعد عسكرية متقدّمة في مسارح جغرافية متعدّدة في الشرق الأوسط، وشمال أفريقيا، والقوقاز، والخليج، والقرن الأفريقي. وفي هذه المرحلة، حققت السياسة الخارجية التركية المستقلة والحازمة نجاحًا كبيرًا في العديد من المسارح الإقليمية الحاسمة، بما في ذلك منطقة الشرق الأوسط ومحيطها  66. في عام 2017، استطاعت تركيا أن تحول دون عسكرة الأزمة الخليجية، وَكَبَحَ ت التصعيد العسكري لدول الحصار ضد قطر، بعد استخدام أساليب وأدوات مختلطة في السياسة الخارجية (ناعمة وصلبة) تضمنت إرسال قوات عسكرية إلى دولة قطر استنادًا إلى التحالف القائم بين البلدين منذ عام 2014، وتفعيل دبلوماسية الأبواب الخلفية (الزيارات السرّية) 67. علاوة على ذلك، نجحت تركيا لمّا أوقفت بصفة فعّالة تداعيات في إحباط مشروع تفكيك العراق استفتاء حكومة إقليم كردستان المثير للجدل، والذي كان يهدف إلى جعل منطقة الحكم الذاتي مستقلة عن العراق. وفي عام 2019، كان أكبر إنجاز دبلوماسي لتركيا هو توقيع اتفاقيتين بشأن ترسيم الحدود البحرية مع ليبيا والتعاون الأمني والعسكري. وقد شكلت هاذه الاتفاقيات المفاجئة عامل لتغيير قواعد "اللعبة السياسية" في منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط، وأدت إلى إعادة خلط البطاقات الجيوسياسية والجغرافية الاقتصادية في ذلك المشهد السياسي، ومنعت سيناريو الأمر الواقع الذي كان يهدف إلى عزل تركيا ومنعها من الاستفادة من حقوقها في شرق البحر الأبيض المتوسط. وفي عام 2020، أدّت عملية درع الربيع إلى ردع نظام الأسد ووقف زحفه مع حلفائه في اتجاه إدلب ومحيطها؛ ما أدى إلى استقرار الصراع السوري في مناطق معيّنة، واحتواء معضلة اللاجئين. وكان للتدخل العسكري التركي حينئذ في مناطق جغرافية أخرى أثٌرٌ كبير في قلب المعادلات القائمة، منذ سنوات في ليبيا وأذربيجان. وقد أرسلت السياسة الخارجية التركية خلال هذه الفترة رسائل حاسمة وحازمة إلى الأعداء والمنافسين والشركاء في الشرق الأوسط وخارجه. بالنسبة إلى الأعداء، كانت الرسالة هي أن تركيا لن تتردد في استخدام قوتها الصعبة للدفاع عن أمنها القومي وحماية مصالحها في وجه االتهديدات المتصاعدة. وقد تحدّث بعضهم حينئذ عّم أسموه مبالغةً "عسكرة السياسة الخارجية."

سادسًا: المقاربة الواقعية للسياسة الخارجية التركية (2016 - 2021)

1. المقاربة الواقعية الكلاسيكية

وتتفوّق الواقعية على منافسيها في القدرة على تفسير السياسة الخارجية التركية خلال هذه المرحلة تحديدًا، على اعتبار أنّ التدافع تحوّل في شكله ومضمونه من تنافس على المبادئ والأفكار والمؤسسات إلى صراع على النفوذ والقوة والسلطة، استنادًا إلى القدرات العسكرية والمادية للفاعلين الرئيسين الإقليميين والدوليين مثل إيران وروسيا والولايات المتحدة وإسرائيل وتركيا. وبما أنّ القوة هي جوهر الصراع، وبما أنّ الدولة فاعل عقلاني يتحرّك استنادًا إلى حسابات تتعلق بالبحث عن مصالحها وحماية نفسها، فقد أثّر ذلك كلّه في علاقتها بالقوة وموقعها ودورها في سياساتها الخارجية وفي ترتيب الأولويات لديها. وبناءً عليه، انتقل الاهتمام في تركيا من الحديث عن الاقتصاد، وتحرير التجارة، وحرية انتقال الأفراد والأموال، ورفع تأشيرات الدخول، وإنشاء مناطق اقتصادية حرّة، إلى الحديث عن الأمن القومي والمصالح الأمنية والتهديدات المتصاعدة، واحتلت ثلاثية القوة، والأمن القومي، والمصالح الحيوية، أولوية في أجندة سياسة تركيا الخارجية، لا سيما مع ازدياد التهديدات الأمنية الخارجية للبلاد، المتمثلة في ازدياد عدد الدول الفاشلة في محيط

  1. Mapping The Rise of Turkey's Military Reach," CaspianReport, YouTube, 10/1/2022, accessed on 28/4/2024, at: https://bit.ly/4an1FaI
  2. Ali Bakir, "The Evolution of Turkey—Qatar Relations Amid a Growing Gulf Divide," in: Andreas Kreig (ed.), Divided Gulf (Singapore: Palgrave Macmillan, 2019), p. 209.

تركيا الإقليمي، وارتفاع عدد العمليات الإرهابية العابرة للحدود االتي يجري تنفيذها في الداخل التركي، فضل عن التهديد الناجم عن التدخلات العسكرية للقوى الإقليمية والدولية (إيران، وروسيا، والولايات المتحدة) في جوار تركيا المباشر بشأن أمن البلاد ومصالحها ورمع ذلك، لا يمكن القول إنّ الواقعية الكلاسيكية تفّس اتفسيرًا كامل أو صحيحًا السياسة الخارجية في هذه المرحلة؛ على اعتبار أنّ لهذه االنظرية حدودها في التفسير، فضل عن تجاهلها عددًا من المعطيات المهمّة وربما تقديمها تفسيرًا خاطئًا للمعطيات؛ ذلك أنّ الواقعية الكلاسيكية تركّز على الطبيعة البشرية، وعلى كون القوة غاية في حد ذاتها. ووفقًا لمنظور الواقعية الكلاسيكية، فإن الصراع في النظام الدولي نابع من سعي الفرد (الدولة) لفرض الهيمنة على الآخرين، كما أنّ غياب السلطة المركزية في النظام الدولي يعني غياب القيود على سعي الفرد/ الدولة للهيمنة والسيطرة على الآخرين 68. وعلى الرغم من طموح تركيا إلى تعظيم قوّتها خلال العقَدَين الماضَييَن، فإنّ تعظيم القوة (أو استخدامها) لا يبدو بمنزلة غاية في حد ذاته بالنسبة إلى تركيا بقدر ما هو وسيلة للدفاع عن أمن الدولة ومصالحها، خصوصًا مع تحوّل الصراع في سورية وعموم المنطقة إلى صراع تحكمه القوة المادية الصلبة والتدخلات العسكرية للقوى الإقليمية والدولية. وافضل عن ذلك، بدا أنّ هيكل النظام الدولي، وليس الطبيعة البشرية، هو الذي أدى دورًا في التأثير في السياسة الخارجية التركية وخياراتها، وتحوّلها إلى الاعتماد أساسًا على القوة الصلبة وسيلةً للدفاع عن أمنها القومي وحماية مصالحها الحيوية. وفي هذا السياق، تبرز الواقعية الجديدة منظورًا مناسبًا لتفسير السياسة الخارجية التركية في هذه المرحلة؛ إذ تتفادى الواقعية الجديدة ثغرات الواقعية الكلاسيكية، وتركّز على فوضوية طبيعة النظام الدولي التي تاؤدي حتم، بحسب الواقعيين الجدد، إلى أن تبحث الدولة عن وسائل للبقاء ومساعدة نفسها على حماية نفسها أيضًا. وبهذا المعنى، فإنّ النظام – وليس الطبيعة البشرية - هو الذي يؤثر في سلوك الدول و يدفعها إلى التصرف بطريقة ما لحماية نفسها في ظل غياب سلطة عليا تحميها. علاوةً على ذلك، يتمحور مفهوم القوة في الواقعية الجديدة أساسًا حول القوة المادية، ويفترض – خلافًا للواقعية الكلاسيكية - أنّ القوة وسيلة وليست غاية في ذاتها، وأنّ الدولة تلجأ إليها لمساعدة نفسها على تحقيق أهدافها التي تتعلق بالبقاء  69.

2. المقاربة الواقعية الجديدة

وبالنظر إلى الوقائع التي شهدتها المرحلة)2021-2016(، يمكن المجادلة بأنّ التغييرات الجذرية التي طرأت على السياسة الخارجية التركية تجاه المنطقة العربية، مقارنةً بالمراحل السابقة، أدّت إلى تركيز عاٍلٍ للدولة على ثلاثة عناوين، هي: مسألة الأمن القومي، وعلاقات خارجية محورها استخدام القوة العسكرية وعقد التسويات، واتجاه قوي إلى تعزيز الاستقلالية الاستراتيجية للبلاد. وتشكّل هذه العناوين في مضمونها مجتمعةً جوهر الإطار الفكري لنظرية الواقعية الجديدة، التي تقول إنّ هيكل النظام الدولي يؤثّر أساسًا في طبيعة تحرّك الدول وسياساتها، بغض النظر عن الطبيعة البشرية. ويرى الواقعيون الجدد أنّه عند تَشُّكُل هيكل النظام الدولي، فإنّه يسمو على الدول وايصبح مستقل بذاته عنها، ولا يمكن أن تسيطر الدول عليه، لكن في استطاعته في المقابل أن يؤثّر في سلوكها. وبسبب الطبيعة الفوضوية وغياب السلطة المركزية في النظام الدولي، تهدف الدول إلى حماية أمنها ومصالحها القومية  70. ومن وجهة نظر الواقعية الجديدة، فإنّ القوة أمر أساسي وضروري للدولة لكي تضمن أمنها، وتقوم بأفعالها، وتنشئ مساحة للمناورة تحت الضغط، وتحافظ على سيادتها وتحقّق مصالحها في الساحة الدولية. فالقوة بمعناها المادي والنفسي مجرّد أداة لحماية الأمن القومي، وليست هدفًا في ذاتها. علاوة على ذلك، فإنّ عدم تدخّل المنظمات الدولية في الأحداث يتطلب من الدول زيادة قوّتها وقدراتها للحفاظ على مواقعها  71. لكن اعتماد الواقعية الجديدة إطاَرَ تحليل للسياسات الخارجية التركية تجاه المنطقة العربية خلال هذه المرحلة يخلق إشكالية من نوع آخر، ولا رُيُفّس ا السياسة الخارجية التركية تفسيرًا كامل أو صحيحًا. فالواقعية الجديدة تتجاهل عوامل مثل الجغرافيا واالتكنولوجيا في التحليل. ونظرًا إلى موقع تركيا الجغرافي، فضل عن دورها الجيوسياسي والعلاقة الخاصة بين الجغرافيا وسياسة تركيا

  1. 68  في أسباب الحرب (الصراع) لدى الواقعية الكلاسيكية والتي يتم إرجاعها إلى الطبيعة البشرية والدولة (الفرد)، ينظر على سبيل المثال: سيد أحمد قوجيلي، الصراع على تفسير الحرب والسلم: دراسات في منطق التحقيق العلمي في العلاقات الدولية (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،)2018، ص 143؛ حول فكرة كيف أنّ ضعف المجتمع الدولي أدى إلى اندلاع حربين عالميتين، وكيف خشي مورغنثاو أن يؤدي استمرار ضعف المجتمع الدولي في غياب الضوابط التي تحكم التنافس بين القوى العظمى مما من
  2. Arash Heydarian Pashakhanlou, "Comparing and Contrasting Classical Realism and Neorealism," E-International Relations , 23/7/2009, accessed on 1/11/2022, at: https://bit.ly/3IXn0vz
  3. Kenneth Waltz, "Structural Realism after the Cold War," International Security , vol. 25, no. 1 (2000), p. 19. 71  Eren Alper Yilmaz, "Turkish Foreign Policy in a Neorealist Framework: Bilateral Relations since 2016," Middle East Policy , vol. 28, no. 5 (2021), p. 146.
  4. شأنه أن يؤدي إلى حرب، ينظر: ريتشارد ند ليبو، "الواقعية الكلاسيكية"، في: تيم دان وميليا، نظريات العلاقات الدولية: التخصص والتنوّع، كوركي وستيف سميث (محررون)ترجمة ديما الخضرا (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،)2016، ص.179

الخارجية، تبدو هذه الإشكالية بمنزلة ثغرة كبيرة في تحليل السياسة االخارجية التركية من منظور الواقعية الجديدة. وفضل عن ذلك، ونظرًا إلى توجهات السياسة الخارجية التركية والقرارات المتعلقة بها خلال هذه المرحلة، تبرز مشكلة في مواءمة السياسة الخارجية التركية مع ما تفترضه الواقعية الجديدة الدفاعية والهجومية حيال تموضع الدولة في النظام الدولي وعلاقاتها مع القوى الكبرى وموقع القوة في سياساتها الخارجية. ومع أنّ الواقعية الجديدة (الدفاعية والهجومية) تركّز على تأثير هيكل النظام الدولي في خيارات الدول وسلوكها، وتقول بأنّ القيود الهيكلية في النظام الدولي هي التي تحدد سلوك الدولة في النظام الدولي، وتسمح لها بالتحرّك، أو تحدّ من قدرتها على ذلك، يفترض الواقعيون الجدد (الدفاعيون) أنّ الدولة في إطار سعيها لتحقيق هدفين أساسيين؛ البقاء Survival، والاعتماد على الذات Self-help، ستقوم باتّباع سياسات معتدلة ومتوازنة ومتحفّظة مع القوى الكبرى لتحقيق مصالحها، بينما يعتقد الواقعيون الجدد (الهجوميون) أنّ الدولة تستطيع تحقيق أهدافها فقط، من خلال تعظيم القوة لخلق حالة عدم توازن في القوة مع الآخرين لمصلحتها على نحو يسمح لها بزيادة أمنها  72. وتتعارض فرضيات المقاربتين الفرعيتين الدفاعية والهجومية مع سياسات تركيا الخارجية في هذه المرحلة؛ ذلك أن الواقعية الجديدة الدفاعية تفترض أنّ الدولة بسبب محدودية قدراتها المادية الاقتصادية والعسكرية ستسعى لسياسات خارجية متحفّظة وغير متصادمة مع القوى الكبرى، ومن أجل التعاون مع هذه القوى لضمان أمنها وتحقيق مصالحها. لكن اتّباع تركيا سياسة خارجية حازمة، وق رارها إطلاق عمليات عسكرية في محيطها الجغرافي وتحدّيها الواضح لموقف القوى الإقليمية (إيران على وجه الخصوص) والدولية (الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا) المعارض لهذا التدخّل العسكري، لا ينسجمان مع ما تفترضه هذه النظرية. فبخلاف ما تفترضه النظرية، رأينا دورًا رياديًا لتركيا في الدفاع عن نفسها ومصالحها، وإن تضارب ذلك مع مصالح القوى الكبرى، وقد جرى تعزيز هذا الدور بسياسة خارجية حازمة وأكثر استقلالية تعتمد على القوة العسكرية والمادية إلى حد بعيد. وفيما يتعلق بقراءة الواقعية الجديدة الهجومية، لا تنسجم أيضًا مع سياسات تركيا الخارجية في هذه المرحلة لناحية حصرية استخدام القوة في تحقيق مصالح الدولة العليا. ففي عاَمَي 2021، و 2022، استطاعت تركيا التوصل إلى تفاهمات مع قوى إقليمية ودولية استنادًا إلى سياسة خارجية تشجّع التقارب والتطبيع، وتعتمد على الدبلوماسية أساسًا، وليس على القوة العسكرية - مع احتفاظها طبعًا بموقفها المتمحور حول موقف قوي على الأرض وفي المفاوضات - وهو الأمر الذي يتناقض مع ما تفترضه الواقعية الهجومية حيال آلية تحقيق الدولة أهدافها وحصرية تحقيقها من خلال تعظيم قوتها لخلق حالة عدم توازن مع الآخرين، وليس لتحقيق توازن والتوصل إلى تفاهمات. ربما يفترض بعضهم أنّ سياسات تركيا الخارجية في هذه المرحلة مزيٌجٌ مان القراءتين الدفاعية والهجومية. لكن حتى لو افترضنا ذلك جدل، فإنّ قدرة الواقعية الجديدة على تفسير السياسة الخارجية التركية خلال هذه المرحلة تبقى محدودة، وقاصرة، وذلك لأن الواقعية الجديدة تعاني مشكلة عميقة تحدّ من قدرتها على الفهم والتفسير، واهي تجاهلها التام للسياسة الداخلية في الدولة المعنية، فضل عن العوامل الداخلية التي قد يكون لها تأثير في سياسات البلاد الخارجية وتوجّهاتها وخياراتها. ولعلّ من أبرز المآخذ التي يمكن أن تؤاخذ بها الواقعية الجديدة في تفسير السياسة الخارجية التركية بعد الثورات العربية تجاهلها التام للعوامل الداخلية التي قد تكون أدت دورًا في صياغة السياسات المرتبطة بالسياسة الخارجية، على نحو لا يقل عن العوامل الخارجية المرتبطة بالبيئة الدولية، أو الصراع، أو القوة، أو الأمن. ولذلك، فإنّ الواقعية الكلاسيكية الجديدة قد تكون المدخل لجسر الهوّة بين محاولة النظرية الواقعية تفسير الأحداث المتعلقة بالسياسة الخارجية التركية في مرحلة التحوّل اعتمادًا على البيئة الخارجية وهيكل النظام الدولي ومحورية القوة النسبية في السياسة الخارجية، مع العوامل الداخلية المرتبطة أساسًا بحسابات السياسة الداخلية وصانع القرار.

3. مقاربة الواقعية الكلاسيكية الجديدة

تاعتبر الواقعية الكلاسيكية الجديدة المنظور الأكثر تفاعل مع "تحليل السياسة الخارجية" وقربًا منه، فهي تسعى لفهم السياسات الدولية من خلال أخذ طبيعة النظام الدولي - الذي يشكّل البيئة السياسية التي تتفاعل ضمنها الدول - إضافة إلى المعطيات الداخلية المتعلّقة بالحسابات السياسية المحلّية في الدولة المعنية في الاعتبار. ويجادل ال واقعيون النيوكلاسيكيون بأنّ الدول تتفاعل إلى حدّ بعيد مع القيود التي يفرضها أو الفرص التي يتيحها النظام الدولي عند تنفيذها لسياساتها الخارجية والأمنية، لكن تشكيل هذا التفاعل يجري إلى حد بعيد من خلال عوامل مرتبطة بوحدة التحليل؛ أي الدولة، مثل:

  1. Wivel.

العلاقات بين الدولة والمجتمع، وطبيعة الأنظمة السياسية المحلّية، والثقافة الاستراتيجية، وانطباعات القادة... إلخ 73.

بهذا المعنى، تمزج الواقعية الكلاسيكية الجديدة بين المتغيرات الخارجية والداخلية، وتبني بذلك على الفكر الواقعي الكلاسيكي من جهة، والفكر الواقعي الجديد من جهة أخرى. وفي هذا السياق، يجادل الواقعيون النيوكلاسيكيون بأنّ مدى سياسة الدولة الخارجية وطموحها يرتبطان أساسًا بموقعها في النظام الدولي، وتحديدًا بقدراتها المتعلقة بالقوة المادية النسبية، ولهذا هم واقعيون. لكنّهم يجادلون أيضًا بأنّ تأثير القوة وقدرات الدولة المادية في السياسة الخارجية ليس مباشرًا، وإنما غير مباشر، ويجري من خلال متغيرات متداخلة على مستوى الوحدة أي الدولة، ولهذا "ُيُسمّون "النيوكلاسيكيين 74. وفيما يتعلق بموقفهم من القوة، يقول الواقعيون النيوكلاسيكيون إنّ القوة المادية النسبية تُؤسس لأبعاد سياسة الدولة الخارجية الرئيسة، وبهذا المعنى، فهم يتبنون مقولة ثيوسيديدس "القوي يفعل ما يستطيع أن يفعله، والضعيف يعاني ما يجب عليه أن يعاني." لكنّهم يجادلون بأنّه لا يوجد رابط بصفة مباشرة بين قدرات الدولة المادية وسلوك السياسة الخارجية الخاص بها، وأنّ خيارات السياسة الخارجية تجري صناعتها واتخاذها من خلال القادة السياسيين والنخب؛ ولذلك فإنّ انطباعات صانعي القرار عن نسبية القوة هو المهم في هذا الإطار وليس الحجم المادي للموارد أو حتى الكميات المادية للقوة أو القوات. وفي هذا السياق، يرى الواقعيون النيوكلاسيكيون أنّ القادة والنخب لا يمتلكون دائمًا حرّية الوصول إلى الموارد القومية، أو التحكّم فيها، وتوجيهها على النحو الذي يحبّذونه، وهو ما يعني وجود قيود على تصرّفاتهم وأنّ تحليل القوة يجب أن يختبر قوة هياكل الدول بالنسبة إلى مجتمعاتها لأنّها تؤثر في نسبة الموارد القومية التي من الممكن تخصيصها للسياسة الخارجية  75. وباستخدام منظور الواقعية الكلاسيكية الجديدة في تفسير السياسة الخارجية التركية في مرحلة ما بعد الثورات العربية، نستطيع أن نفهم على نحٍوٍ أوضح سبب اتّسام هذه السياسة في المرحلة الأولى)2016-2011(بحالة عدم الاستقرار والضبابية، قبل أن تعتمد بصفة واضحة في سياساتها الخارجية على سياسة القوة في المرحلة الثانية)2021-2016(والدبلوماسية الفاعلة في المرحلة الثالثة)2022-2021(. وقد شكّلت الفترة 2016-2011 مرحلة انتقالية من الليبرالية والبنائية إلى الواقعية، فقد كانت ثمّة قيود داخلية كثيرة تحدّ من قدرة صانع القرار على توظيف القدرات العسكرية للدولة فيا محيطها الإقليمي ولا سيما في سورية، فضل عن الاختلاف في وجهات النظر لدى النخبة السياسية والاقتصادية والعسكرية حول الطريقة الأمثل لحماية مصالح تركيا وأمنها في ظل المعادلة الدولية القائمة والبيئة الإقليمية السائدة. لكن سرعان ما أجبر العجز الأممي (الأمم المتحدة والمجتمع الدولي)، وتحوّل طبيعة الصراع الإقليمي، والتدخل العسكري الأجنبي للعديد من القوى الإقليمية والدولية - وأهمها إيران وروسيا والولايات المتحدة - في المحيط الجغرافي للبلاد، تركيا على اعتماد سياسة خارجية حازمة وتوظيف القوة العسكرية والمادية الصلبة في هذه السياسة بادل من قوتها الناعمة، وذلك بسبب عدم قدرة القوة الناعمة على تشكيل الأحداث والتأثير في النزاعات المسلحة وحماية مصالح البلاد. وبالمثل، فإن ازدياد انتشار الإرهاب، والنزعات الانفصالية، وظاهرة الدول الفاشلة، تطلّب كلّه سياسة خارجية دينامية تركية غير تقليدية تُسهّل التحول من الدفاع إلى الهجوم، وترد على التحدّيات غير التقليدية المتعاظمة في محيط تركيا الإقليمي. وفي هذا السياق تحديدًا، لا يمكن فهم السياسة الخارجية التركية في الفترة 2021-2016 من دون أن تؤخذ في الاعتبار العوامل الداخلية وحسابات السياسة المحلّية التي ربما كان لها الدور الأبرز في تحقيق التحوّل من الدفاع إلى الهجوم، وفي توظيف القوة العسكرية في الدفاع عن أمن البلاد

  1. 73  لمزيد من التفاصيل، ينظر: Norrin M. Ripsman, "Neoclassical Realism," Oxford Encyclopedias , 22/12/2017, accessed on 21/12/2023, at: https://bit.ly/3x9lgMV
  2. Gideon Rose, "Review: Neoclassical Realism and Theories of Foreign
  3. Policy," World Politics , vol. 51, no. 1 (October 1998), p. 146. 75  Ibid., pp. 146-147.

ومصالحها الخارجية. ويمكن الإشارة في هذا المجال إلى ثلاثة تطوّرات كانت بمنزلة نقطة تحوّل على المستوى المحلي في تحديد خيارات السياسات الخارجية للبلاد وأهدافها، وهي: أاول: انتصار الحكومة التركية على المحاولة الانقلابية العسكرية التي جرت في 15 تموز/ يوليو 2016. تقليديًا، يُنظر إلى المؤسسة العسكرية في تركيا على أنّها فاعل أساسي في السياسة الداخلية في البلاد، وربما المقرّر الأوّل في كثير من الأحيان، خصوصًا في فترة ما قبل حزب العدالة والتنمية؛ إذ شهدت البلاد عدّة انقلابات عسكرية، استطاع الجيش خلالها إعادة تشكيل السياسة الداخلية بحجّة حماية العلمانية. وشهد العقد الأول من حكم حزب العدالة والتنمية محاولات ل "تحجيم" المؤسسة العسكرية ومنع تدخّلها في السياسة المحلية، مع التركيز على ضرورة قيامها بمهماتها الأساسية وهي حماية الدولة واحدودها ومصالحها من أي تهديدات أو عدوان خارجي. إّل أنّ بعض التيارات، على ما يبدو، ظلّت تعتقد أنّ هذه المؤسسة لا تزال قادرة على التدخل في النظام السياسي والسياسة الداخلية والخارجية، وعليها أن تقوم بذلك، بدليل حصول المحاولة الانقلابية عام 2016. كان لانتصار الحكومة على هذه المحاولة الانقلابية أثر بالغ في وضع حادّ لتدخّل المؤسسة العسكرية في النظام السياسي للدولة، فضل عن ا لسياستين الداخلية والخارجية. وقد أخضع هذا الانتصار المؤسسة العسكرية لسلطة المدنيين، وحرّرها من حساباتها السياسية، وجعلها أكثر احترافية وتركيزًا بشأن حماية حدود البلاد ومصالحها الخارجية في مواجهة التهديدات الصاعدة في مرحلة ما بعد اندلاع الثورات العربية. ونتيجة لذلك، لُُو دَت سياسة الدفاع الُمُتقدّم واستطاعت تركيا إطلاق العديد من العمليات العسكرية الناجحة في محيطها الإقليمي والتموضع عسكريًا من خلال القواعد العسكرية المتقدّمة في الشام والخليج وشمال أفريقيا... إلخ 76. ثانيًا: التحوّل إلى النظام الرئاسي في تركيا بعد استفتاء 16 نيسان/ أبريل 2017. حرّر هذا الاستفتاء صانع القرار التركي من قيود النظام البرلماني ومن النقاشات اللامتناهية للفاعلين المختلفين في المجال السياسي العام من ذوي الانتماءات والمصالح المتعارضة، والتي كانت تشوّش على الهدف النهائي وتعرقل توحيد الرؤية والقرار بخصوص السياسة الخارجية وكيفية التعامل مع الأزمات الإقليمية وحماية مصالح الدولة الخارجية. وعلى الرغم من مآخذ شريحة من المعارضين على النظام الرئاسي، فإنّه مكّن من زيادة السلطات التنفيذية الخاصة بصلاحيات رئيس الجمهورية ودوره في صياغة اتجاهات سياسة البلاد الخارجية وخياراتها. وأخيرًا، مكّن النظام الرئاسي الرئيس من حشد موارد البلاد في اتجاه استراتيجية واحدة وسياسة خارجية تخدم هذه الاستراتيجية. وأتاح هذا التطور، على الصعيد الداخلي، مرونة وسرعة في صناعة القرار، وفي توجيه السياسة الخارجية وتنفيذها للتعامل مع المسائل الطارئة والتهديدات الصاعدة والتطورات الإقليمية والدولية، التي تؤثر سلبيًا في أمن الدولة ومصالحها؛ ما جعلها أكثر كفاءة وفاعلية واستجابة  77. ثالثًا: صعود قطاع الصناعات الدفاعية. صحيح أن الدفع في اتجاه تطوير صناعات دفاعية محلّية في تركيا يعود إلى عقود طويلة، لكنّ القفزة الحقيقية لهذا القطاع حصلت مع إمساك رئيس الجمهورية بازمام الأمور، وإصراره على أن يوِجِد دورًا فاعل للصناعات الدفاعية المحلية في سياسة البلاد الخارجية والدفاعية والأمنية والاقتصادية. وأدى صعود قطاع الصناعات الدفاعية المحلّية إلى تمكين النموذج الجديد للسياسة الخارجية التركية في مرحلة ما بعد الثورات العربية)2021-2016(وتزويده بأدوات المقاومة والمناورة والإكراه. علاوةً على ذلك، ساعد هذا القطاع على توفير خيارات متعدّدة للسياسة الخارجية لحماية الأمن والمصالح الوطنية للبلاد. وأدت محاولة الانقلاب الفاشلة عام 2016 إلى تسريع التحول في طبيعة السياسة الخارجية من الدفاع إلى الهجوم ومن إعادة النشاط إلى النشاط الاستباقي. وخلال هذه الفترة، كانت اعتبارات الجيش التركي والمخابرات جزءًا لا يتجزأ من سياسة البلاد الخارجية. وبناءً على ذلك، زادت صادرات تركيا من المعدات الدفاعية المحلية وظهرت سياسة دفاعية متقدمة جنبًا إلى جنب مع نشر القوات خارج الأراضي التركية. واستنادًا إلى ما أنجزته بعض الصناعات الدفاعية الوطنية عرلى الصعيد الإقليمي من قبيل مسّية بيرقدار TB-2، فإنه كان من الصعب فهم السياسة الخارجية التركية في هذه المرحلة من دون أخذ حيثيات تطور الصناعات الدفاعية المحلّية في الاعتبار  78.

خاتمة

تشير حصيلة ما جرى نقاشه آنفًا إلى تحوّل فعليّ في سياسة تركيا الخارجية بعامة، والمنطقة العربية بخاصة، مقارنة بما كان عليه الأمر قبل صعود حزب العدالة والتنمية إلى الحكم في عام 2002. لكنّ

  1. 78  Ali Bakir, "Mapping the Rise of Turkey's Hard Power, Part 2: Domestic Industry," New Lines Institute for Strategy and Policy, Washington, 26/8/2021, accessed on 7/12/2024, at: https://bit.ly/49eApKv
  2. Bakir, "Mapping."
  3. 76  Ali Bakir, "Turkey's Security Role in the Gulf Region: Exploring the Case of a Newcomer," Turkish Studies , 1/3/2023, p. 9, accessed on 14/4/2023, at: https://bit.ly/49iSuXv

هذا التحوّل لم يكن بمنزلة كتلة واحدة أو نمط واحد؛ فالثابت، كما أوضحنا، حصول عدّة تحّولّات، وأنّ هذه التحّولّات اتّخذت أنماطًا مختلفة، وارتبطت بمراحل زمنية متعدّدة أيضًا؛ ومن ثمّ فإنّ قراءة هذه التحّولّات قد تختلف باختلاف العديد من العوامل والأدوات أ المستخدمة، وقد ترجع كذلك إلى الباحث والنظريات أو طر العمل التي يجري توظيفها. وربطًا بما تقدّم، وبمدى قدرة المدرسة الواقعية على تفسير التحّولّات التي جرت في السياسة الخارجية التركية تجاه المنطقة العربية تحديدًا، يمكن القول إنّ هذه المدرسة مع ما يتفرع منها من نظريات قد لا تكون الأنسب لناحية تقديم منظور تفسيري لإجماليّ هذا التحوّل بين عاَمَي 2002 و 2022، لكنّها بالتأكيد الأكثر قدرة على تفسير التحّولّات في السياسة الخارجية التركية منذ عام 2016. وقد أظهرت الواقعية الكلاسيكية الجديدة بما تمتلكه من أدوات - ضمن بيئة تسودها محورية القوة الصلبة النسبية - تأخذ في الاعتبار العوامل الخارجية (ضغط النظام الدولي)، والداخلية (الحسابات المحلية والحسابات المتعلقة بصانع القرار) في التأثير في صياغة توجهات سياسة الدولة الخارجية وخياراتها، أنّها الأكثر قدرة على التفسير خلال هذه المرحلة تحديدًا)2021-2016(، وإن اختار بعُضُ هم أطَرَ تفسير مختلفة إمّا للتركيز على زوايا لا تستطيع الواقعية تفسيرها، وإمّا لإسباغ طبيعة أيديولوجية على صانع القرار التركي. في حين تشير الوقائع إلى أنّ صانع القرار التركي في تلك المرحلة اتّسم بطابع عقلاني وليس أيديولوجّي ا، وأنّه أخذ في الاعتبار الحسابات المعقّدة المحلّية والخارجية في صناعة القرار المرتبطة بالسياسة الخارجية، وبحسابات الربح والخسارة والتكاليف والمنافع أيضًا، وإن كان قد جنح في بعض الأحيان إلى المخاطرة في دفع حدود العقلانية، لكن الوقائع أثبتت صحّة الرهانات فيما يتعلق بحماية أمن تركيا ومصالحها القومية. وفي المقابل، لا يمكن ادّعاء أنّ المدرسة الواقعية تمتلك حصرية التفسير الدقيق؛ إذ إنّه يرتبط بنوع التحوّل، وبالمرحلة التي يمر بها، علاوةً على المنظور الذي يراد استخدامه. وثمة من يرى أنّ المدرسة البنائية، على سبيل المثال، قادرة على تفسير الأحداث، بينما يدعو بعضهم إلى أخذ أشكال أخرى من الواقعية في الحسبان، لا سيما أنّها غير قادرة على تفسير تشبّث الجانب التركي بالعديد من القيم  79 والمبادئ80 والأدوات81 والأدوار  82 التي لا تنسجم عادة مع بعض فرضيات المدرسة الواقعية الأساسية. وفي هذا السياق، اقترح باحثون، على سبيل المثال، في تفسير السياسة الخارجية التركية، ما أسموه "الواقعية الأخلاقية" 83. أما السؤال عن المستقبل، فيبقى مفتوحًا عن مدى تأثّر السياسة الخارجية التركية بمعطيات الخارج والداخل، علاوةً على شكل البيئة إذا كان سيسودها صراع القوة الصلبة الذي يدفع إلى االإقليمية وعّم تاقديم الأمن على غيره من الأولويات، أم ستتّخذ البيئة الإقليمية شكل مغايرًا لهذا الاتجاه الذي يعطي المدرسة الواقعية الأولوية على غيرها من المدارس وينسجم مع بعض ما تُقدّمه من فرضيات وأفكار.

  1. 79  على سبيل المثال، ينظر كتاب رئيس الجمهورية رجب طيب أردوغان حول إنشاء عالم عادل: Recep Tayyip Erdogan, A Fairer World is Possible: A Proposed Model for a United Nations Reform (Istanbul: Turkuvaz Kitap, 2021).
  2. 80  ينظر على سبيل المثال حول مفهوم رئيس الجمهورية رجب طيب أردوغان "العالم أكبر من خمسة:" Berdal Aral, "'The World is Bigger than Five': A Salutary Manifesto of Turkey's New International Outlook," Insight Turkey , vol. 21, no. 4 (Winter 2019), pp. 71-95.
  3. 81  مثل الدبلوماسية الإنسانية على سبيل المثال. لمزيد من التفاصيل، ينظر: Meliha Benli Altunı ş ık, "Turkey's Humanitarian Diplomacy: The AKP Model," CMI Brief , Chr. Michelsen Institute, no. 8 (2019), pp. 1-5.
  4. 82  ينظر على سبيل المثال حول دور تركيا كقوّة استقرار: Fahrettin Altun, Turkiye as a Stabilizing Power in an Age of Turmoil (Washington: Academica Press, 2021).
  5. E. Fuat Keyman, "A New Turkish Foreign Policy: Towards Proactive 'Moral Realism'," Insight Turkey , vol. 19, no. 1 (2017).

المراجع

العربية

أوغلو، أحمد داود. العمق الاستراتيجي: موقع تركيا ودورها في الساحة الدولية. ترجمة محمد جابر ثلجي وطارق عبد الجليل. بيروت: الدار العربية للعلوم؛ الدوحة: ومركز الجزيرة للدراسات،.2010 باكير، علي. "نحو إطار نظري في صناعة القوة الناعمة." سياسات عربية. مج 9، العدد 53 (تشرين الثاني/ نوفمبر.)2021 قوجيلي، سيد أحمد. الصراع على تفسير الحرب والسلم: دراسات في منطق التحقيق العلمي في العلاقات الدولية. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2018. نظريات العلاقات الدولية: التخصص والتنوّع. تيم دان وميليا كوركي وستيف سميث (محررون). ترجمة ديما الخضرا. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2016 النعامي، صالح. "ما وراء الاحتفاء الإسرائيلي بالانقلاب العسكري في سياسات عربية. مج مصر." 1، العدد 4 (أيلول/ سبتمبر)2013

الأجنبية

Akin, Hasan. "Turkey and Mediation." Master Thesis. George Mason University. Virginia, Summer 2014. Alaranta, Toni. Turkey's Foreign Policy Narratives: Implications of Global Power Shifts. Cham, Switzerland: Springer Nature, 2022. Altun, Fahrettin. Turkiye as a Stabilizing Power in an Age of Turmoil. Washington: Academica Press, 2021. Altuni ş ik, Meliha Benli. "Turkey's Iraq Policy: The War and Beyond." Journal of Contemporary European Studies. vol. 14, no. 1 (2006). _______. "Worldviews and Turkish Foreign Policy in the Middle East." New Perspectives on Turkey. vol. 40, no. 1 (2009). _______. "Turkey's Humanitarian Diplomacy: The AKP Model." CMI Brief. no. 8. Chr. Michelsen Institute "Arab Public Opinion Survey 2010 and 2011." University of Maryland with Zogby International. at: https://bit.ly/43zlFo4 Aral, Berdal. "'The World is Bigger than Five': A Salutary Manifesto of Turkey's New International Outlook." Insight Turkey. vol. 21, no. 4 (Winter 2019). As, Bojang. "The Study of Foreign Policy in International Relations." Journal of Political Sciences & Public Affairs. vol. 6, no. 4 (2018). Aydin, Aydin. "The Perception over the Change of Axis in Turkish Foreign Policy in Terms of Liberal Perspective between 2002-2010." Journal of Süleyman Demirel University Institute of Social Sciences. vol. 2, no. 18 (2013). Bakir, Ali & Eyup Ersoy. "The Rise and Fall of Homegrown Concepts in Global IR: The Anatomy of 'Strategic Depth' in Turkish IR." All Azimuth. vol. 11, no. 2

Bakir, Ali. "Mapping the Rise of Turkey's Hard Power, Part 2: Domestic Industry." New Lines Institute for Strategy and Policy. Washington. 26/8/2021. at: https://bit.ly/49eApKv _______. "Mapping the Rise of Turkey's Hard Power." New Lines Institute for Strategy and Policy. Washington. 24/8/2021. at: https://bit.ly/3IW1VBw _______. "Turkey's Security Role in the Gulf Region: Exploring the Case of a Newcomer." Turkish Studies. 1/3/2023. at: https://bit.ly/49iSuXv Belloni, R. et al. (eds.). Fear and Uncertainty in Europe: The Return of Realism? Cham, Switzerland: Springer Nature, 2019. Bozdaglioglu, Yucel. Turkish Foreign Policy and Turkish Identity: A Constructivist Approach. New York: Routledge, 2003.

Çakır, Aylin Aydın & Gül Arıkan Akda ğ. "An Empirical Analysis of the Change in Turkish Foreign Policy Under the AKP Government." Turkish Studies. vol. 12, no. 2 (2017). Cevik, Senem B. "Reassessing Turkey's Soft Power: The Rules of Attraction." Alternatives: Global, Local, Political. vol. 44, no. 1 (2019). Davutoglu, Ahmet. "Turkey's Mediation: Critical Reflections from the Field." Middle East Policy. vol. 20, no. 1 (Spring 2013). _______. "Zero Problems in a New Era." Foreign Policy. 21/3/2013. at: https://bit.ly/3VCsfZe Erdo ğ an, Birsen & Fulya Hisarlıo ğ lu (eds.). Critical Readings of Turkey's Foreign Policy. Cham, Switzerland: Springer Nature, 2022. Erdogan, Birsen. Humanitarian Intervention and the Responsibility to Protect: Turkish Foreign Policy Discourse. Cham, Switzerland: Springer Nature, 2017. Erdogan, Recep Tayyip. A Fairer World is Possible: A at: Proposed Model for a United Nations Reform. Istanbul: Turkuvaz Kitap, 2021. Halevy, Efraim. "Israel's Man in Damascus: Why Jerusalem Doesn't Want the Assad Regime to Fall." Foreign Affairs. 10/5/2013. at: https://bit.ly/4cJwg4a Ha ş imi, Cemalettin. "Turkey's Humanitarian Diplomacy and Development Cooperation." Insight Turkey. vol. 16, no. 1 (Winter 2014). Hermann, Charles F. "Changing Course: When Governments Choose to Redirect Foreign Policy." International Studies Quarterly. vol. 34, no. 1 (1990). Kalin, Ibrahim. "Soft Power and Public Diplomacy in Turkey." Perceptions. vol. xvi, no. 3 (2011). _______. "Turkish Foreign Policy: Framework, Values, and Mechanism." International Journal. vol. 67, no. 1 (2012). Keyman, E. Fuat. "Globalization, Modernity, and Democracy: In Search of A Viable Domestic Polity for a Sustainable Turkish Foreign Policy." New Perspectives on Turkey. vol. 40, no. 1 (2009). _______. "A New Turkish Foreign Policy: Towards Proactive 'Moral Realism'." Insight Turkey. vol. 19, no. 1 (2017). Kirisci, Kamal. "The Transformation of Turkish Foreign Policy: The Rise of the Trading State." New Perspectives on Turkey. vol. 40 (Special Issue) (Spring 2009). Kreig, Andreas (ed.). Divided Gulf. Singapore: Palgrave Macmillan, 2019. Kubicek, Paul. "Contrasting Theoratical Approached to Turkish Foreign Policy." Turkish Studies. vol. 23, no. 5 (2022). International in "Anarchy Silviya. Lechner, Oxford Studies. International Relations." Encyclopedias. Research https://bit.ly/3TU98aD Mearsheimer, John Joseph. "The False Promise of International Institutions." International Security. vol. 19, no. 3 (Winter 1994-1995). Morin, J. F. & J. Paquin. Foreign Policy Analysis: A Toolbox. Cham, Switzerland: Palgrave Macmillan, 2018. Nye, Joseph S. The Future of Power. New York: Public Affairs, 2011. _______. "Soft Power: The Evolution of A Concept." Journal of Political Power. vol. 14, no.1 (February 2021). Parsi, Trita. "The Turkey-Brazil-Iran deal: Can Washington take 'yes' for an Answer?" Foreign Policy. 18/5/2010. at: https://bit.ly/49iSZAR

Pashakhanlou, Arash Heydarian. "Comparing and Contrasting Classical Realism and Neorealism." at: Relations. E-International https://bit.ly/3IXn0vz Rose, Gideon. "Review: Neoclassical Realism and Theories of Foreign Policy." World Politics. vol. 51, no. 1 (October 1998). Smith, Steve et al. (eds.). Foreign Policy: Theories, Actors, Cases. London: Oxford University Press, 2016. Tayfur, M. Fatih. "Main Approaches to the Study of Foreign Policy: A Review." METU Studies in Development. vol. 21, no. 1 (1994). Ulusoy, Hasan. "A Constructivist Analysis of Turkey's Foreign and Security Policy in the Post-Cold War Era." METU, PhD. Thesis. Ankara, October 2005. Uzer, Umut. "Makign Sense of Turkish Foreign Policy: What Can International Relations Theory Offer?" The Review of International Affairs. vol. 72, no. 1181

Waltz, Kenneth. "Structural Realism after the Cold War." International Security. vol. 25, no. 1 (2000). Wivel, Anders. "Realism in Foreign Policy Analysis." Oxford Encyclopedias. 26/9/2017. at: https://bit.ly/3JeSRIp Yalvac, Faruk. "Approaches to Turkish Foreign Policy: A Critical Realist Analysis." Turkish Studies. vol. 15, no. 1 (2014). Yavuz, M. Hakan. "The Motives Behind The AKP's Foreign Policy: Neoottomanism and Strategic Autonomy." Turkish Studies. vol. 23, no. 5 (2022). Yilmaz, Eren Alper. "Turkish Foreign Policy in a Neorealist Framework: Bilateral Relations since 2016." Middle East Policy. vol. 28, no. 5 (2021). Zakaria, Fareed. "Realism and Domestic Politics: A Review Essay." International Security. vol. 17, no. 1 (Summer 1992).