"من مرحلة ما بعد الديمقراطية إلى مرحلة الديمقراطية الجديدة"

Nouhaila Soufi نهيلة صوفي |

 From Post-democracy to Neo-democracy عنوان الكتاب في لغته: عنوان الكتاب: من مرحلة ما بعد الديمقراطية إلى مرحلة الديمقراطية الجديدة. المؤلف: كلاوس فون بايمه.Klaus von Beyme المترجم: سيد فارس. سنة النشر:.2017 الناشر: الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. عدد الصفحات:.264

From Post-democracy to Neo-democracy

مقدمة

انكبّ علماء الاجتماع والسياسة والاقتصاد على دراسة الديمقراطية وتوظيف مقاربات نظرية ومنهجية عديدة بغية تفسير التحول الديمقراطي في الدول، ورسموا خريطة هذا الميدان الذي بات حاقل معرفيًا راسخًا في العلوم السياسية يعرف ب "دراسات الانتقال الديمقراطي"، واستندوا في تطويره إلى دراسة الحالة المعمقة والتحليل التاريخي المقارن والإحصاء. ولعل أبرز رواد هذا الحقل سيمور مارتن ليبست الذي طرح أحد أكثر الافتراضات ذيوعًا في السياسات المقارنة، ومفاده أن حظوظ البلدان في الانتقال الديمقراطي تكون أرجح إن كانت قد مرّت بسيرورة تحديث مجتمعي أشمل. وفي الوقت ذاته، عمد دانكوارت روستو إلى نقد ليبست والأدبيات البنيوية حول التحول الديمقراطي، وذلك لإهمالها السؤال التكويني في كيفية بزوغ ديمقراطيةٍ ما إلى حيز الوجود. لذا، صمّم روستو نموذجًا للتحول الديمقراطي أبرز فيه مراحل بعينها تمرّ بها جميع البلدان في طريقها من الحكم السلطوي إلى الحكم الديمقراطي، وهي مراحل الإعداد والقرار "الحسم" والاعتياد. وقد جاءت مساهمات غييرمو أودونيل وفيليب شميتر استمرارًا لتلك الجهود النظرية في فهم التحول الديمقراطي، حيث استبدلا مرحلة الإعداد عند روستو باللبرلة، ومرحلة القرار "الحسم" بالدمقرطة، ومرحلة الاعتياد بالترسيخ 1. وفي هذا السياق، شهد حقل دراسات الانتقال الديمقراطي تطورًا في بُعديه النظري والتجريبي من خلال رصد حالات عديدة في مناطق مختلفة من العالم ودراستها وتعميم النتائج التي قد تكون ملائمة لدولة وغير ملائمة لأخرى. وتأتي ترجمة كتاب من مرحلة ما بعد الديمقراطية إلى مرحلة الديمقراطية الجديدة لمؤلّفه عالم السياسة الألماني كلاوس فون بايمه ضمن هذا الحقل المعرفي الآخذ في التطور المستمر، ويتضمن ماقدمة وخمسة فصول أساسية وفهرسًا شامل وقائمة المراجع. يُعتبر مؤلف الكتاب أحد أهم الأكاديميين المؤثرين في العلوم السياسية، حيث حصل على عدة جوائز عن إنجازاته العلمية، أهمها جائزة مؤسسة ماتي دوغان من الرابطة الدولية للعلوم السياسية، ودرّس في جامعات مختلفة، ويعتبر أستاذًا فخريًا للعلوم السياسية في كلية العلوم الاقتصادية والاجتماعية في جامعة هايدلبرغ.

: سيناريوهات الانحطاط في أولًا النظرية الديمقراطية

يبدأ الفصل الأول بفكرة تزييف الديمقراطية والخلط بين نسختين منها، هما: الديمقراطية باعتبارها دستور النظام السياسي، والديمقراطية بوصفها ممارسة الإدارة في أنظمة الحكم الديمقراطي، الأمر الذي يعتبر طبيعيًا ما دامت هناك توجهات نظرية متعددة للديمقراطية. تطرّق المؤلف إلى تاريخ المفاهيم الديمقراطية في علاقتها بأفكار أخرى، مثل الأشكال الجديدة للدول كالليبرالية والاشتراكية، أو وصف الأشكال التقليدية للحكم بمفاهيم مثل التمثيلية أو الاستفتائية، أو المفاهيم المعيارية كالديمقراطية الحقيقية أو الديمقراطية التشاورية. وُتُعدّ الديمقراطية التمثيلية، باعتبارها حكم مجموعة صغيرة، الشكل الأكثر انتشارًا في الغرب. وقد جرى نقدها، كونها تستبعد حكم الشعب المتجانس والمتماثل اجتماعيًا وتقود من ثمّ إلى الاستبداد، ما يشكّل انحطاطًا للديمقراطية. وفي هذا الصدد، تعرّض مفهوم الديمقراطية لتغيير دلالي مستمر، وذلك من خلال شموله أفكارًا عن المستقبل 2. فمنذ القدم، اقترن المصطلح بأوصاف سلبية، باستثناء أفكار باروخ سبينوزا وجان جاك روسو  3. لكنّ الحديث عن مستقبل الديمقراطية أمر متأخر إلى حد ما. ففي إطار عقلنة المفاهيم الديمقراطية، يقر فون بايمه بوجود فجوة بين المشاركة الديمقراطية والناتج العقلاني لالقرارات الديمقراطية المتخذة، حيث لم تُعُد المشاركة أمرًا مهم كما هو الحال في النظريات الديمقراطية المعيارية، إضافة إلى تشكيك العقلانية في قدرة الديمقراطيات على التوفيق بين مطالب المواطنين. وفي رأيه، تتصور أغلب النظريات الديمقراطية وجود هوية واضحة للأفراد والجماعات، غير أن ما بعد الحداثيين يعارضون هذا النموذج الحديث المثالي، وذلك لافتقاده إلى الموضوعية اللازمة لفحص البعد المدخل (ص. 33-39). وبعيدًا عن ذلك، سلّط المؤلف الضوء على صعوبة استمرار الديمقراطية في الأنظمة السلطوية وشبه السلطوية، مع تمسّك بعضها بفكرة الديمقراطية. وفي هذا الإطار، تحدّث عن "ديمقراطيات في خطر" مثل تركيا والبرازيل وروسيا، بمعنى أنها أنظمة في طور تحولها الديمقراطي أو أنها حكمتها حكومات سيئة على حد وصفه. لذلك، في الفترة

  1. 1  للمزيد عن أدبيات الانتقال الديمقراطي، ينظر:  Seymour Martin Lipset, "Some Social Requisites of Democracy: Economic Development and Legitimacy," American Political Science Review ,
  2. للمزيد عن مفهوم الديمقراطية وتطوره، ينظر: جون كين،  2 حياة الديمقراطية وموتها، ترجمة محمد العزيز (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2021 3  للمزيد من التفاصيل، ينظر:  Lee Ward, "Benedict Spinoza on the Naturalness of Democracy," Canadian Political Science Review , vol. 5, no. 1 (2011), pp. 55-73; Jean-Jacques Rousseau, Du Contrat Social Ou Principes Du Droit Politique (Amsterdam: Marc-Michel Rey, 1762).
  3. vol. 53, no. 1 (1959); Dankwart Rustow, "Transitions to Democracy: Toward a Dynamic Model," Comparative Politics , vol. 2, no. 3 (1970); Guillermo O'Donnell & Philippe Schmitter (eds.), Transitions from Authoritarian Rule: Tentative Conclusions about Uncertain Democracies (Baltimore/ London: John Hopkins University Press, 1986).

ما بعد الحربين العالميتين التي عرفت استمرار النظم الديمقراطية الجديدة، بدأ استعمال مصطلح "ما بعد الديمقراطية." فرّق فون بايمه بين ما بعد الديمقراطية والديمقراطية الجديدة، حيث تتجاوز الأخيرة النظرة التشاؤمية التي قدّمها منظّرو ما بعد الديمقراطية وتنفتح على مفاهيم جديدة. وفي الحديث عن سيناريوهات الانحطاط، قدّم تصوّر ألكسيس دو توكفيل  4 عندما اختصر أخطار الديمقراطية في خضوع مجالس النواب للناخبين، وتجمّع السلطات في يد السلطة التشريعية، إضافة إلى التهديد الذي تشكّله المساواة المتزايدة بين الأفراد للحرية . وفيما يتعلق بتطور ما بعد الديمقراطية، ذكر مجموعة من المعايير الناظمة لها، وهي: إضفاء الطابع الأوليغارشي على الديمقراطية الليبرالية. إضفاء الطابع الرئاسي ومبدأ الفصل بين السلطات. تطور الشعبوية عوضً ا عن المشاركة الديمقراطية في الديمقراطيات الانتخابية. هيمنة النقابات في عملية اتخاد القرار الديمقراطي (ص. 39-47) انتقل فون بايمه، في المبحث الثاني من هذا الفصل، إلى الحديث عن الديمقراطية في علاقتها بالاستبداد والدكتاتورية، كما جاء في أعمال أفلاطون وبعد ما عاشته ألمانيا في ظل جمهورية فايمار  5، إضافة إلى "الشعبوية اليمينية" التي تحمل في طياتها القليل من الدكتاتورية. وايجادل بأن النظام الدكتاتوري ليس بديل صحيحًا من الديمقراطية، نظرًا إلى قصر حياته، لا سيما في وقت الأزمات التي يقدّم فيها الدكتاتور تنازلات لمصلحة سياسات ديمقراطية. ويخلص المؤلف في هذا الفصل إلى أن هناك ثلاث مساحات لما بعد الديمقراطية في طور التشكّل: الميديا الجديدة والإمكانات التي توفرها للمواطنين الساخطين، والأشكال الجديدة للمشاركة التي تتضمن مخاطر الشعبوية، والنقاشات الدائرة حول إصلاح مؤسسات ديمقراطيات الأحزاب البرلمانية (ص. 47-52)

ثانيًا: نقد السياسة في الميديا القديمة و"المواطنة الساخطة" في الميديا الحديثة

تشكّل الشبكات النمط الذي تشترك فيه حياتنا جميعًا، فحيثما وُجدت الحياة توجد الشبكات. ويعتبر سؤال المجتمع، خصوصًا "المجتمع الشبكي"، من بين الأسئلة التي تطرحها السوسيولوجيا المعاصرة ما بعد الحداثة التي تتسم بالبحث في الميكرو-اجتماعي، حيث ترتبط بالمجتمع الشبكي جملةٌ من الإشكاليات التي تتعلق بإعادة إنتاج لمفاهيم السلطة والهوية والرقابة ونمط الثقافة السائد، وقد ساهم عالم الاجتماع الإسباني مانويل كاستلز في تطوير فكرة المجتمع الشبكي في عمله الضخم عصر المعلومات: الاقتصاد والمجتمع والثقافة6. تنطبق عبارة "المجتمع الشبكي" على المجتمعات التي توجد فيها تقانة معقّدة رقمية على وجه التحديد، من الاتصال وإدارة المعلومات وتوزيعها شبكيًا. وتشكّل التقانة البنية التحتية الأساسية التي تتوسط عددًا متزايدًا من الممارسات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، لذا نلحظ تركيز فون بايمه في الفصل الثاني على العلاقة بين الميديا والمركز السياسي، وإقراره بوجود علاقة تبادل للمصالح بينهما بهدف الدعاية. وتختلف هذه العلاقة بحسب نوع وسائل الميديا، إذ يدّعي البعض أن الوسائل الجديدة، مثل تويتر/ إكس وفيسبوك، تسهّل التواصل بين السياسيين والناخبين، على عكس الميديا المطبوعة والتلفزيونية. بيد أن هذه العلاقة لا تخلو من تضارب في المصالح، حيث تحبّذ وسائل الإعلام الجديدة أساليب السخرية على نحو متزايد، في حين يعتبر االسياسيون ذلك شكل من المواقف السلبية تجاه السياسيين المعنيين. وتتجلى مبادرات الحكومة في مجموعة من الأنشطة، في مقدّمتها تمويل الحملات الانتخابية وعقد مؤتمرات صحافية، بينما تسود مبادرات الميديا في الحركات الداعمة للصحافة الانتقادية والصحافة التحقيقية في حالات الفضائح (ص. 55-56) وبناء عليه، يرى فون بايمه الميديا مقياسًا للديمقراطية، ويركّز على تعاونها مع الشركات الاقتصادية والسياسية، نتيجة للعولمة، من أجل تحقيق الربحية. فقد أصبحت وسائل الإعلام العامة، باعتبارها السلطة الرابعة، تقَّيَم وتتنافس فيما بينهما بحسب حصتها الاقتصادية

  1. 4  للمزيد من التفاصيل، ينظر:  Alexis de Tocqueville, De La Démocratie En Amérique (Paris: Michel Lévy Frères, 1874).
  2. 5  هي الجمهورية التي تأسست في الفترة 1939-1919 بعد أن وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها وهزيمة ألمانيا التي كانت تقود دول المركز (ألمانيا، والإمبراطورية العثمانية، والإمبراطورية النمساوية الهنغارية، ومملكة بلغاريا) في مواجهة دول الوفاق (فرنسا وبريطانيا وروسيا). وسميت باسم مدنية فايمار التي تقع في قلب ألمانيا، حيث ضمت عددًا من ممثلي الشعب الألماني من أجل كتابة دستور جديد للجمهورية. للمزيد، ينظر: " Weimar Republic," in: Encyclopedia Britannica , accessed on 21/3/2024, at: https://acr.ps/1L9zOrY
  3. 6  للمزيد من التفاصيل، ينظر:  Manuel Castells, The Information Age: Economy, Society and Culture, vol. 1: The Rise of the Network Society (Malden, MA: Blackwell, 1996); Manuel Castells, The Information Age: Economy, Society and Culture, vol. 2: The Power of Identity (Malden, MA: Blackwell, 1997); Manuel Castells, The Information Age: Economy, Society and Culture, vol. 3: End of Millennium (Malden, MA: Blackwell, 1998).

عوضًا عن الجودة، وذلك عائد إلى "الثورة الرابعة" أو "بوت" المشتقة من كلمة روبوت، التي تشير إلى قدرة الحاسوب على تنفيذ مهمات محددة من دون الحاجة إلى تدخّل الإنسان. وفي هذا، دار نقاش حول مسألة "أعلمة السياسة" وتأثير وسائل الإعلام في السياسة، وقد صنّف مارتن شولتس  Martin Schulz 7 أربعة مكونات أساسية لهذا التأثير، هي: التوسع، والاستبدال، والدّمج، والتكيّف. وعلى ناحو أكثر تفصيل، ساهمت تكنولوجيات الميديا في توسيع الحدود الضيقة للروابط الإنسانية، وفي استبدال أنشطة المواطنين الاجتماعية، واختلطت مع أنشطة اجتماعية أخرى حتى أصبح الفاعلون مكَّيَفين مع نظامها (ص. 57-64) يناقش فون بايمه في المبحث الثاني من هذا الفصل ما يسميه ب "المحببين" و"الأشرار" في حملات الميديا. ويبدو أن "المحببين" هم السياسيون الذين يمكنهم الحديث بطريقة غير تقليدية وبطلاقة (ص. 64-65). وفي هذا الصدد، يمكن إدراج مثال أزمة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب مع موقع تويتر حينئذ الذي اتهمه بتقديم معلومات كاذبة وحذف التغريدتين اللتين كتبهما على حسابه، فصرّح أن "التصويت بالبريد سيؤدي إلى احتيال وإلى انتخابات مزورة." وبعد ذلك، علّق تويتر حساب ترامب نهائيًا، ما جعله يتهم هذا الموقع بمنع حرية التعبير، وبالتدخل في الانتخابات الرئاسية لعام 2020، وبالتنسيق مع اليسار الراديكالي لإسكاته  8. غير أنه من الصعب الاعتماد دائمًا على موقع "محببي الميديا"، وذلك بسبب أحداث أو فضائح. فالميديا لا تؤدي دورًا محوريًا في الصراعات بين الحكومة والمعارضة فحسب، بل أيضًا في التنافس بين المرشحين في الأحزاب الرائدة، إضافة إلى البرامج الحوارية التي تتناول مواضيع راهنة (ص. 65-66) وبعيدًا عن ذلك، حاجّ المؤلف بأن الديمقراطية اقتربت من الميديا، بسبب أهمية الإنترنت في تنظيم الحملات الانتخابية. لكنّ الضرورة الراهنة للإنترنت لا تنفي أهمية استعمال الوسائل التقليدية كالإذاعة والتلفزيون، بل تبقى مكمّلة لها (ص. 71-73). وعلى الرغم من الأهمية الراهنة لوسائل الميديا الجديدة، فإن نتائج المؤشر العربي لعام 2022 توضح أن أكثر وسيلة إعلامية يعتمدها مواطنو المنطقة العربية لمتابعة الأخبار السياسية هي التلفزيون بنسبة 47 في المئة، ثم شبكة الإنترنت بنسبة 36 في المئة 9. ويناقش المؤلف كيف غيرت الميديا الجديدة العديد من المقومات في السياسة، بحيث جعلت السياسيين يظهرون أكثر حداثة، وأصبحت تساهم في عملية صنع القرار وتغيير السياسة الثقافية (ص. 73) وتطرّق المؤلف أيضًا إلى الميديا الحديثة داخل الشبكات في مقابل الميديا التقليدية القائمة، واستعرض حدود استعمال الميديا وعيوبها، أن من الممكن أن تسبّب التصريحات المباشرة المفرطة في ونبّي صعوبات ومشاكل دبلوماسية (ص. 73-74). فعلى سبيل المثال، أدلى ترامب بتصريحات على موقع تويتر، عقب مكالمة هاتفية بينه وبين رئيسة تايوان عام 2016، ر ردًا على الغضب الذي عّبت عنه الصين. وبحكم أن الصين تَعتبر تايوان جزءًا من أراضيها، فإن أيّ خطوة أميركية يمكن أن تدل على دعم استقلال تايوان تثير غضبها  10. ومن مشاكل الميديا الجديدة أيضًا إمكانية فقدان الأطراف السياسية الفاعلة لسلطتها بسبب التناقض بين مواقفها الرسمية وتصريحاتها على وسائل الميديا الجديدة، وإغفال العديد من مستخدمي الأخيرة عن حقيقة جمع الإنترنت لمعطياتهم وبياناتهم (ص. 74). ومقارنةً بالميديا التقليدية، تحوّل الكثير من المواطنين إلى الميديا الجديدة، وأدى ذلك إلى صعود جيل جديد سمّي "جيل ميديا التواصل الاجتماعي." وتشير "ميديا التواصل الاجتماعي" إلى وسائل الإعلام التي تسمح للناس بإنشاء المحتوى ومشاركته والتفاعل اجتماعيًا عبر الإنترنت. فقد أدى بروز منصات، مثل فيسبوك وتويتر/ إكس وإنستغرام ويوتيوب، إلى ظهور جيل جديد نشأ مع هذه التكنولوجيا وجعلها جزءًا لا يتجزأ من حياته اليومية (ص. 75-76) لكن الأهم من الناحية السياسية هو الأشكال الجديدة من الجماهير الإلكترونية التي قد تتحدى السياسة، مثل الاستبيانات الإلكترونية التي يطلقها السياسيون، والحملات المنظمة من الرسائل المسيئة والتهديدات، واستعمال أشخاص مجهولي الهوية أسلوب التخفي لاستفزاز المواطنين وإثارة السياسيين. ويدل هذا على أن التجارب الأولى للميديا الجديدة لم تكن دائمًا إيجابية، ما يستدعي عدم المبالغة في تقدير أهميتها بالنسبة إلى الأحزاب السياسية، مثل الأحزاب الألمانية (ص. 76-80). وأعقب المؤلف على هذا الجزء بإدراج مفهوم "ما بعد الحقيقة" الذي يعني أن الرأي العام ما عاد يتسم بحقائق موضوعية، بل يعتمد على الآراء الشخصية والعواطف، فتواجه الميديا الجديدة، باسم حرية

  1. 7  للمزيد من التفاصيل، ينظر: Klaus Merten, "Django und Jesus: Verbal-nonverbales Verhalten der Kanzlerkandidaten Kohl und Rau im Bundestagswahlkampf 1987,"
  2. بعد إيقاف حسابه نهائيًا.. ترامب يهاجم تويتر ويتّهمه بالتآمر لإسكاته"،  8 الجزيرة نت، 2021/1/9، شوهد في 2024/3/21، في https://acr.ps/1L9zOl1: 9  " The 2022 Arab Opinion Index: Main Results in Brief," Arab Center for Research and Policy Studies (2022), accessed on 21/3/2024, at: https://acr.ps/1L9zOj1
  3. in: Manfred Opp de Hipt & Erich Latniak (eds.), Sprache statt Politik? Politikwissenschaftliche Semantik-und Rhetorikforschung (Wiesbaden: VS Verlag für Sozialwissenschaften, 1991), pp. 188-210.
  4. ترامب ينتقد عبر تويتر السياستين العسكرية والنقدية للصين"،  10 دويتشه فيليه، 2016/12/5، شوهد في 2024/3/21، في https://acr.ps/1L9zP0Y:

التعبير عن الرأي، سيطرة الحكومة والقواعد والضوابط التي تفرضها الدولة. بمعنى آخر، في عصر ما بعد الحقيقة، تتطلع الحكومات وغيرها من الفاعلين إلى إيجاد توازن بين حماية حرية التعبير والحد من انتشار المعلومات الخاطئة التي لا تقوم على الموضوعية. فعلى سبيل المثال، أدى انتشار المعلومات المضللة بشأن لقاحات فيروس كورونا المستجد (كوفيد)19-، على الرغم من وفرة الأدلة العلمية على فاعليتها ضد الفيروس، إلى التشكيك فيها (ص. 81). ولدى مقارنة الميديا الجديدة بالتقليدية، يتجلى تأثير الأخيرة في السياسة عبر أدوات مثل المؤتمرات الصحافية والبرامج الحوارية، في حين عززت الميديا الجديدة نوعًا من الغموض في علاقتها بالسياسة، فيرى بعض المفكرين أنها قد تساهم في تقويض الديمقراطية البرلمانية وإضعافها، وأنها أسست لنموذج جديد من "المواطنة الغاضبة الساخطة" بوصفها ثقافة احتجاج جديدة في الميديا الجديدة (ص. 81-82)

ثالثًا: الأشكال الجديدة للمشاركة ومخاطر الشعبوية والتطرف اليميني

ينطلق فون بايمه في الفصل الثالث من مفهوم "ما بعد الديمقراطية" الذي طرحه كولين كراوتش  11، وهي مرحلة شهدت مطالبات بتقليص االفجوة بين السياسة والهيئة الناخبة، وأشك ل أخرى أبرزها الشعبوية التي يعرّفها عزمي بشارة بوصفها خطابًا سياسيًا يجمع بين المخاطبة والممارسة (الاستراتيجية السياسية) ويستمد شرعيته من مفردات الديمقراطية، مستفيدًا من التوتر بين الديمقراطية والليبرالية، وقد يتحول هذا الخطاب إلى أيديولوجيا في حالات متطرفة. وقد تشكّل التوترات في بنية الديمقراطية الليبرالية المعاصرة ونظريتها مصدرًا دائمًا للأزمات في الديمقراطية ومحّركً ا لتطورها في الوقت ذاته. وتستغل الشعبوية هذه التوترات وتستثمرها  12. وعرّف كراوتش مفهوم "ما بعد الديمقراطية" باعتباره حالة تتراجع فيها جودة الديمقراطية على الرغم من بقاء المؤسسات الديمقراطية الأساسية سليمة ظاهريًا. ففي هذه المرحلة التي تتخذ طابع العولمة، يرى كراوتش أنه لم يعد للمواطنين المكانة التي يستحقونها في ظل الانتخابات الديمقراطية. وبهذا، أصبحت القرارات تُتخذ في الشركات العالمية المرتبطة بالنخب السياسية  13. وفي هذا السياق، يرى فون بايمه أن الديمقراطية لا يمكن أن تتحقق بمجرد الإعلان في الشارع أن "الحراك هو الشعب"، بل تحتاج إلى إجراء منظم، كما يجب أن يحصل توافق بين الأحزاب الأخرى مع وجود الأحزاب الشعبوية (ص. 89-91) لم تنجح محاولات صياغة نظرية عامة للشعبوية، حيث غالبًا ما تستعمل في الصراعات السياسية وسيلةً لانتقاد السياسات غير الواقعية ارلمتعذر تحقيقها. وُيُنظر إلى الشعبوية باعتبارها نتيجة للتغّيات في الأنساق الحزبية، وذلك راجع إلى ضعف الأحزاب اليسارية في دول جنوب أوروبا وتراجع الديمقراطيين الاجتماعيين في أغلب الدول. ففي أوروبا الشرقية والديمقراطيات الجديدة، تحولت الدول التي كانت تتمرد على الشيوعية إلى الشعبوية بسبب مشاكل الهوية والأقليات العرقية والأقاليم المتحدة. ويمكن كذلك تفسير صعود الشعبوية بأنه ردّ فعل على التشابه المتزايد للأحزاب السياسية، ولكن في الوقت ذاته لم يركّز المؤلف على "البعد الدّولي" في تحقّقها وانتشارها بما هي "ظاهرة دولية وعابرة للحدود"، يجب دراستها في اتّصالها بالسياسة الخارجية إقليميًا ودوليًا، وفي ارتباط عضوي بالعلاقات الدولية تبعًا لتداخل السياسات على الصعيد الداخلي والخارجي  14 (ص. 91-99) ذكر المؤلف الأنماط المتعددة للشعبوية ولخّصها فيما يلي: الوسطيون، والشعبويون الاجتماعيون، والمحافظون القوميون، والشعبويون الزراعيون، والقوميون، والشعبويون اليساريون الراديكاليون (وكان يسميهم أحيانًا "غير الأناركيين)". وتاريخيًا، تشاَرَك الشعبويون بعض العقائد الرئيسة، حيث يظهر كثير منهم انحيازًا ضد العلم ويعتبرون العقلانية "غير إنسانية"، وينظرون إلى الأفكار الليبرالية والاشتراكية على أنها متقادمة، ونادرًا ما يتبنون مذهبًا ثابتًا متناسقًا، ويدافعون عن قضية واحدة أو قضايا معيّنة من دون تقديم رؤية شاملة، ويتظاهرون بمكافحة الفساد المستشري بين النخب القائمة. ولا يحظى مفهوم الطبقة الاجتماعية والبطالة باهتمام واسع وكبير في الحركات الشعبوية (ص. 98-102) ركّز فون بايمه في المبحث الثاني من هذا الفصل على الجدل المعياري الجديد حول الديمقراطية ومساهمات الشعبوية وإخفاقاتها، وجادل بأن الأحزاب القائمة استعملت مصطلح "الشعبوية" تعبيرًا عن قدح وذم، لكن هذا لا يمكن أن يكون دائمًا صحيحًا، إذ اعتبر العديد من القادة، مثل مهاتما غاندي وشارل ديغول، "شعبويين أخيارًا صالحين"، في حين وصف أحزابًا كحركة أرض الباسك والحرية "إيتا" ب "الشعبويين الأشرار." صحيح أن تنظيم الشعبوية جرى على أيدي قادة كاريزميين،

  1. Colin Crouch, Post-Democracy (Cambridge: Polity Press, 2005).
  2. عزمي بشارة،  12 في الإجابة عن سؤال: ما الشعبوية؟ (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،)2019، ص.189
  3. Colin Crouch, "Post‐Democracy and Populism," The Political Quarterly , vol. 90, no. S1 (January 2019), pp. 124-137.
  4. للمزيد ينظر:  14 الشعبوية والسياسة العالمية: سبرر الأبعاد الدولية والعابرة للحدود، ترجمة محمد حمشي، فرانك ستنغل وديفيد ماكدونالد وديرك نابرز (محررون) (الدوحة/ بيروت: المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السياسات،.)2022

لكن روتينية الحياة الشعبوية تؤدي إلى اضمحلالها أحيانًا. وفي حالات أخرى، قاد "تثقيف" القيادة إلى تآكل الكاريزما، وتزايدت روتينية الحركات الشعبوية في الحالات التي سنحت لها فرصة المشاركة في ممارسة السلطة (ص. 102-104). ولكن هذا لا يعني أن كل الحركات الشعبوية ترغب في الوصول إلى السلطة، وإنما تمانع التوصل إلى تسويات. وبذلك، يمكن القول إن الشعبوية مفهوم يصعب الاتفاق عرلى تعريفه، حيث يفَّس من جهة على أنه "إحضار السياسة إلى الشعب"، ومن جهة أخرى "إحضار الشعب إلى السياسة" 15. فهي تُستخدم في السياسة اليومية للإشارة إلى الرؤية السلبية للشعب تجاه أداء الديمقراطية التمثيلية والسياسيين المنتخبين. بمعنى آخر، على الرغم من ادّعائها إنتاج سياسات أكثر ديمقراطية، فإن هدفها الحقيقي الرئيس هو التطفل على الديمقراطية التمثيلية  16. وتعرف الشعبوية أيضًا بأنها ظاهرة تستهدف السلطة الحكومية لتنفيذ جدول أعمال سياسي مُعاٍدٍ لليبرالية ولمبادئ الديمقراطية الدستورية، وخاصة حقوق الأقليات وتقاسم السلطات والتعددية الحزبية  17. وفي هذا السياق، لا بد من التمييز بين الحركات الشعبية والشعبوية، إذ لا تتطلع الأولى بالضرورة إلى اكتساب السلطة الحكومية، في حين تسعى الثانية إلى احتلال المؤسسات التمثيلية والفوز بالأغلبية من أجل نمذجة المجتمع بأكمله وفقًا لأيديولوجيتها  18. إلى جانب ذلك، تتسم التحالفات في الأنظمة المتعددة الأحزاب والتحالفات الشعبوية بالضعف وعدم الاستقرار. ولضمان استمرار انلديمقراطية في الحركات الشعبوية، يتعّي قبول الواقع المرير الذي مؤداه أن "السياسيين الأطهار الأنقياء" لا يحافظون على هذا النقاء كثيرًا. وفي الوقت ذاته، بدأت الأحزاب القديمة التي تراجعت شعبيتها في تبنّي أنماط السلوك الشعبوية، وهذا عائد إلى حد ما إلى ديمقراطية الميديا الكاريزمية. ولكن يبقى تأثير الميديا محدودًا بسبب عدم استقرار الرأي العام. أما بخصوص بلدان أوروبا الغربية، فلم تشكّل الشعبوية خطرًا يهدد وجود الأنظمة والتكامل الأوروبي. وفي هذا الصدد، قدّم المؤلف مجموعة من الأمثلة لحركات شعبوية أوروبية عرفت تغييرات، مثل الحركات الشعبوية الفرنسية التي انحسرت مع قيام الجمهورية الخامسة (ص. 104-108). فرّق المؤلف بين شكلين من أشكال "الشعبوية المتأصلة أو الجوهرية" سائدين في الأدبيات، هما الشعبوية المعتدلة والشعبوية الراديكالية. بالنسبة إلى الشكل الأول، غالبًا ما يتموضع الشعبويون المعتدلون في داخل اليسار الديمقراطي، وكثيرًا ما يوافقون على الديمقراطية التمثيلية ويسعون إلى دعمها عن طريق استيعاب جماعات ضمن "الديمقراطية التداولية"، لكنهم يميلون في حالات كثيرة إلى تعزيز الديمقراطية المباشرة، الأمر الذي يجعل الشعبوية معتدلة. أما بخصوص الشكل الثاني، فيطالب الشعبويون الراديكاليون بديمقراطية مباشرة تتمحور حول الشعب بعيدًا عن المداولات. وهناك من يشكّك في ميل هذا الشكل إلى "قليل من الدكتاتورية" أو حتى "البونابرتية الناعمة." قد تمتلك الشعبوية الراديكالية القدرة على التطور في اتجاه الديمقراطية، في حين أن الشعبوية المعتدلة تتطور إلى ميزة تكون سمة الحياة السياسية (ص. 108-109). بصفة عامة، غالبًا ما ترتبط تُعتبر تهديدًا للديمقراطية الشعبوية بدلالات سلبية نتيجة لممارسات وتقويضًا لأهم ركائزها وهي التعددية. فانطلاقًا من تضمّن الديمقراطية مجموعة واسعة من الآراء المختلفة، تصبح الشعبوية تهديدًا عندما تتبنّى مواقف متطرفة ومستبعدة ثقافيًا، أشهرها خطاب الكراهية ضد الأقليات، أو رفض المؤسسات الديمقراطية 19. يدعو المؤلف المحللين الموضوعيين إلى عدم المبالغة في التشاؤم بشأن الشعبوية في أوروبا الشرقية، حيث أصبح العديد من الشعبويين أقل ضررًا لأنهم ظلوا غير مسيّسين وترددوا في قبول التسويات. بيد أن هذا يبقى محدودًا بتشكّل "الديمقراطيات المعيبة" في أوروبا الشرقية، بسبب عدم توافقها مع الأنظمة الحزبية الراسخة. وقد جعلت التعددية العرقية المفرطة في هذه المنطقة تعزيز الديمقراطية أكثر صعوبة (ص. 110-113). وفي نهاية الفصل، أقر المؤلف بغياب "عصر ذهبي للديمقراطية" يمكن العثور عليه في ثنايا التاريخ، على الرغم من إنتاج سيناريوهات واسعة بشأن "أزمة محتدمة في الديمقراطية" (ص. 118)

رابعًا: مقترحات للإصلاح المؤسسي للديمقراطية

في ظل النقاشات الدائرة حول إجراء إصلاحات مؤسسية في الديمقراطيات الناضجة، خصص المؤلف الفصل الرابع لعرض أطروحات إصلاح النظام الديمقراطي ومقترحاته. وهنا يجدر ذكر نظرية "المجتمع المنغلق" التي روّجها عالم الاجتماع الفرنسي ميشيل

  1. Nadia Urbinati, "The Populist Phenomenon," Raisons Politiques , vol. 51, no. 3 (2013), p. 137.
  2. Ibid.
  3. Ibid.
  4. Ibid., p. 138.
  5. Nils Meyer Ohlendorf, "Why the Term 'Populism' is Harmful," IPS Journal , 14/11/2022, accessed on 21/3/2024, at: https://acr.ps/1L9zOq8

كروزييه  20 في سبعينيات القرن العشرين. وقد وصف المجتمع بالمنغلق لأن حركة الاحتجاج الطلابية كانت تتحدى النظام القائم. فمن جهة، طالب الأفراد بمزيد من حقوق المشاركة السياسية وبخدمات اجتماعية إضافية. ومن جهة أخرى، طالب المواطنون بحقوق أساسية أعظم في مواجهة الدولة، وذلك لمصلحة جميع الأفراد. ونتيجة ذلك، أصبحت الدولة مثقلةً بالأعباء وغير قادرة على التصرف. وفي هذا الإطار، تطرّق المؤلف إلى إمكانية التوتر الذي قد يحدث بين الدولة الدستورية ومفهوم الديمقراطية. لهذا، يجب ألا تحصل المحكمة الدستورية على نفوذ مفرط، لأن من شأن ذلك أن يعرّض الديمقراطية للخطر. لكن على الرغم من عدم تطابقهما بالكامل، فإن الديمقراطية والدولة الدستورية تتعايشان (ص. 123-128). يمكن افتراض أن للمحاكم الدستورية أهمية في المجتمعات الديمقراطية، ومع ذلك قد تتعرض هذه المؤسسات أيضًا لانتقادات من قبيل أنها تهدد الديمقراطية. وكما هو معلوم، تُعرف الديمقراطية تقليديًا بأنها حكم الأغلبية، بيد أن الواقع الراهن أكثر تعقيدًا من ذلك، وتتدخل فيه مجموعة من العناصر غير القابلة للتبسيط مثل الانتخابات، والفصل بين السلطات، والحقوق والقانون. وللمحاكم الدستورية دور مركزي في الحفاظ على الديمقراطية، من خلال ضمان التطبيق الدقيق والصحيح للدستور، باعتباره القانون الذي يؤطر الأنشطة السياسية ويحكمها  21؛ فهي تراقب مدى توافق التشريعات والسياسات الحكومية مع القيم الديمقراطية المنصوص عليها في االدستور، وتضمن عدم تعارضها مع حقوق المواطنين وحرياتهم، فضل عن ضمانها الفصل بين السلطات، من خلال منع التجاوزات القانونية والتأكد من توازن السلطات بما يتوافق مع الديمقراطية. لذلك، تضع المحاكم الدستورية حدودًا لكل سلطة لمنع تجاوزها الأخرى، وتحمي حقوق الأقليات، الأمر الذي يعزز الديمقراطية ويحميها 22. لقد جرت مناقشة إصلاح الديمقراطية على مستويين: الأول، الشروط والمحددات النظرية للإصلاحات الديمقراطية، والثاني، المقترحات الواقعية الملموسة لإصلاح النظام البرلماني والأحزاب على وجه الخصوص. وقد دعمت نظرية الإصلاح الديمقراطي أربعة اتجاهات رئيسة: الاتجاه الأول يركز على العلاقة بين الحاكم والمواطنين. والاتجاه الثاني يتناول المؤسسات والنظم السياسية؛ فخلال الستينيات والسبعينيات، تشاركت الماركسية الجديدة والنظرية السلوكية في فرضية مفادها أن المؤسسات هياكل فارغة يمكن أن تخدم مصالح مختلفة، إذا استعملتها طبقات لخدمة سياسات خاصة بها. لكن اكُتُشف مؤخرًا أن النظم السياسية، ولو كانت ديمقراطيات قوية، تحتاج إلى تطور مؤسساتي و"هندسة دستورية." والاتجاه الثالث هو الاتجاه السياسي. والاتجاه الرابع يمثل نظرية معيارية للإصلاح الديمقراطي تحيي القضايا المرتبطة بالعدالة والصالح العام. وفي هذا السياق، صارت الأحزاب تنظيمات تقليدية غير قادرة على تنظيم سياسات تجديدية، نظرًا إلى خيبة أمل الكثير من المواطنين من السياسات التي أسهمت في تعزيز مفهوم "ما بعد الديمقراطية" (ص. 129-135). ينبغي أن تراعي سياسات الإصلاح التغييرات الحاصلة على عدة مستويات، بما في ذلك الاجتماعي الذي تتطور الأحزاب فيه، واالانتخابي، والتنظيمي للحزب، وحتى النظام السياسي إجمال. وقد طرح المؤلف في هذا الفصل ثمانية إصلاحات للديمقراطية ودولة الحزب، كما يلي: الأول إجراء تعديلات في القانون الانتخابي عن طريق طرح قانون انتخابي يقوم على أغلبية نسبية، والثاني الانتخاب المباشر لرئيس السلطة التنفيذية، والثالث تحديد مدة ولاية النواب والوزراء، والرابع إلغاء الانضباط الحزبي داخل الجماعات الحزبية البرلمانية، والخامس إصلاح عملية تمويل الأحزاب، والسادس مكافحة الفساد، والسابع تبنّي الانتخابات التمهيدية لإضفاء الطابع الديمقراطي على اختيار المرشحين، والأخير تقديم الاستفتاءات على جميع المستويات السياسية (ص. 136-165). ومن الضروري الإشارة إلى أن النقاشات حول تجديد الديمقراطية غالبًا ما تكون منفصلة عن الواقع السياسي الفعلي، حيث تتجاهل الابتكارات التي جرى التوصل إليها خلال المفاوضات الخاصة بتشكيل التحالفات بين الأحزاب، وكذلك التصريحات والبيانات الحكومية. ففي حالة ألمانيا، تتوافق كل الأحزاب في النظام البرلماني على أهمية الدولة القانونية وضرورة دولة الرفاه في النظام الألماني، وتسعى إلى إضافة المزيد من التدابير الاجتماعية الموجودة لتعزيز دولة الرفاه. وقد حظيت المشروعات التي ركزت على السياسة الاجتماعية بأهمية في التصريحات والبيانات الحكومية في ألمانيا، لكن التصريحات الحكومية في معظمها لم تكن سوى "ممارسات انتهازية" نوعًا ما. وفي ختام الفصل، يخلص المؤلف إلى أن معظم الإصلاحات التي قاربها هي دليل على وجود "ديمقراطية جديدة" (ص. 166-185)

  1. 20  للمزيد من التفاصيل، ينظر:  Michel Crozier, La société bloquée (Paris: Editions du Seuil, 1970).
  2. Rait Maruste, "The Role of the Constitutional Court in Democratic Society," Juridica International , no. 13 (2007), p. 9.
  3. Ibid.

خامسًا: النماذج المعيارية للتطور الديمقراطي: من مرحلة ما بعد الديمقراطية إلى الديمقراطية الجديدة؟

في الجزء الأول من الفصل الأخير، يناقش المؤلف تحوّل السياسات من مرحلة ما بعد الديمقراطية إلى الديمقراطية الجديدة، ويقدّم نماذج العدالة من أجل إصلاحات ديمقراطية. فيبدأ بتعريف الديمقراطية من خلال ربطها بمفهوم جوهري آخر هو "الدولة القانونية" التي تقوم على أساس مبدأ "العدالة" (ص. 187). وفي هذا السياق، الذي قدّمه منظّر القانون مان المهم إدراج التعريف الأكثر شمول الدستوري البريطاني ألبيرت فين دايسي  23، والذي يؤكد اقتران الدولة القانونية بثلاثة مبادئ رئيسة، هي: السيادة المطلقة للقانون، والمساواة أمام القانون، ثم سيادة الروح القانونية. وتعني سيادة القانون السيادة المطلقة التي تستبعد وجود القسر أو التعسف في استعمال السلطة، في حين يُقصد بالمساواة أمام القانون الخضوع المتساوي لجميع الطبقات للقانون، وليس إعفاء المسؤولين أو غيرهم من واجب الامتثال للقانون الذي يحكم المواطنين الآخرين. يعدّ مفهوم "العدالة" عنصرًا أساسيًا في تطوير رؤية بنّاءة لمستقبل الديمقراطية الجديدة، انطلاقًا من نظريات العدالة الكلاسيكية، التي اكتسبت أهمية واسعة في ألمانيا مع الفيلسوف إيمانويل كانط  24 الذي أثّر في العديد من المفكرين الألمان. إلا أنه برزت عدة مشاكل على الساحة الفكرية. منها أن الإطار الوطني لا يتوافق مع المبادئ الكونية التي تقوم عليها الدولة القانونية، وأن مبدأ التضامن لا يُعد مبدأ كونيًا مثل العدالة. رفض الليبراليون مفهوم العدالة بوصفها نتاجًا للمخرجات والقرارات التي تتخذها الجماعات أو الدول. فعلى سبيل المثال، يعارض فريدريك هايك فكرة العدالة الاجتماعية وتدخّل دولة الرفاه في السوق  25، في حين يؤيد جون رولز مفهوم العدالة التوزيعية ويرى أن على الدولة تعويض المواطنين عن الظلم المجتمعي عن طريق تزويدهم بالسلع الأساسية  26. وقد اتفق الليبراليون الجدد والجماعاتيون على تصور المجتمع وإرساء شرعيته، لكنهم اختلفوا في تصورهم لمجتمع مدني واحد. ففي حين تميل الليبرالية الجديدة إلى "معاداة للدولة" وتقتصر رؤيتها على مجتمع السوق البرجوازي، تؤكد الجماعاتية على البعد السياسي والثقافي للمجتمع المدني، وتعتبر الدولة محفزة للمواطنة الصالحة. وأورد المؤلف في هذا الجزء موقف أمارتيا سن  27 من العدالة أو نظرية "العدالة المثالية"، الذي يعتبر أن العدالة تهدف إلى إنتاج قرارات سياسية ملموسة وتحدّ من الظلم، ويرى أن نظريات العدالة الكلاسيكية ركزت على افتراض وجود "مؤسسات عادلة منصفة"، لكنها أغفلت أنماط السلوك الواقعية (ص. 188-198). أشار المؤلف، في مناقشته نظرية المجتمع المدني، إلى مسألَتَي المساواة وعدم المساواة في المواطنة، موضحًا أنه في المجتمع المثالي فحسب يمكن تقبّل أن جميع الأفراد متساوون وليس لأحد الأفضلية على غيره. في البداية، تطورت "الدولة القانونية" في الدول الأوروبية القديمة، حيث شملت المواطنين كافة ومنحتهم الحقوق الأساسية. وبعد ذلك، هيمنت "الدولة القومية" التي تأسست على اللغة والثقافة، قصد تحفيز المواطنين على المشاركة في الحياة السياسية والتضحية من أجل وطنهم. وفيما بعد، دفعت الدولة القومية مواطنيها إلى المشاركة في "دولة ديمقراطية" من خلال منحهم حقوقًا انتخابية متساوية. ومع مرور الوقت، أضيفت "دولة الرفاه" إلى الديمقراطيات من أجل تعزيز احتمالات المشاركة المتساوية من جانب المواطنين غير المتساوين اجتماعيًا (ص. 199-206) ينتقل الجزء الثاني من هذا الفصل إلى عرض نظريات تتعلق بإصلاح الديمقراطية، من خلال التركيز على ثلاثة نماذج أساسية للديمقراطية، هي: النموذج الليبرالي، والنموذج الجمهوري، والنموذج التداولي. يسعى النموذج الليبرالي إلى إيجاد تسويات بين المواقف المتعارضة، في حين يهدف النموذج الجمهوري إلى بناء تصور مشترك للمجتمع، أما النموذج التداولي فيعتبر التوجه نحو الصالح العام شرطًا مسبقًا لتحقيق ديمقراطية تداولية. ويتهم نقّاده أنه غير واقعي ولا تتوافق مبادئه مع التفاعلات المسؤولة عن صنع القرار الأوروبي، إلا في بعض الحالات. وتؤدي ديمقراطية الميديا إلى وضع الديمقراطية التداولية في موقف دفاع عن الذات، حيث إن تطور المشهد الإعلامي لم يكن

  1. 23  للمزيد من التفاصيل، ينظر:  Albert Venn Dicey, The Law of the Constitution (Oxford: Oxford University Press, 2013).
  2. 24  للمزيد من التفاصيل، ينظر:  Emmanuel Kant, Fondements de la métaphysique des mœurs , Delbos Victor (trad.), Collection Bibliothèque des Textes Philosophiques (Paris: Vrin, 1992); Emmanuel Kant, Projet de paix perpétuelle: Esquisse philosophique ,
  3. Friedrich August Hayek, The Mirage of Social Justice (London: Routledge and Kegan Paul, 1976). 26  John Rawls, A Theory of Justice (Cambridge, MA: Belknap Press of Harvard University Press, 1971).
  4. Gibelin Jean (trad.), Collection Bibliothèque des Textes Philosophiques (Paris: Vrin, 1999 [1795]).
  5. Amartya Sen, The Idea of Justice (Cambridge, MA: Harvard University Press, 2009).

منفتحًا على النحو الكافي لدعم النقاشات التداولية المطلوبة لتحقيق هذه الرؤية الديمقراطية (ص. 206-208). وناقش المؤلف انتقاد يورغن هابرماس للفدرالية التنفيذية في المجلس الأوروبي  28، وأشار إلى أن هابرماس وصف هذا النوع من الحكم بأنه "حكم ما بعد الديمقراطية"، ويرى أن الدستور الفدرالي نموذج خاطئ لديمقراطية عابرة للقوميات، خاصة أن النخب السياسية غير مستعدة لإدخال تعديلات بعيدة المدى على المعاهدات الأوروبية. وبذلك، حاول هابرماس تعزيز الطابع المتجاوز للقومية على سيادة الشعب عن طريق إضفاء المفهوم الديمقراطي الجماعي على أشخاص معنويين قانونيين أحرار ومتساوين، وتنظيم القدرات الجماعية للعمل السياسي، وتحقيق الاندماج بتضامن المواطنين حتى الغرباء منهم  29. وللحفاظ على الديمقراطية في أوروبا، يطرح المتخصصون فيا التكامل الأوروبي ثلاثة خيارات، هي: أول، المزيد من الاندماج مع تدخّل متزايد في سيادة الدول الأعضاء. ثانيًا، تعطيل ديناميات توسيع عضوية الاتحاد الأوروبي، والحد من عدم تجانس الدول. ثالثًا، البحث عن نظام نقدي جديد مناسب بأسعار صرف ثابتة وقابلة للتكيف مع الاحتياجات الاقتصادية. ويشير المتخصصون أيضًا إلى أهمية عدم الإفراط في توسع الهوية الجماعية (ص. 206-210). ومن الجدير بالذكر إدراج خطة العمل الأوروبية للديمقراطية التي اعتمدتها المفوضية الأوروبية في عام 2020، والتي تهدف في الأساس إلى بناء ديمقراطيات أكثر مرونة، والحفاظ على الديمقراطيات في جميع أنحاء الاتحاد الأوروبي. وتسعى هذه الخطة إلى تحقيق أهدافها من خلال تعزيز الانتخابات الحرة والنزيهة وحمايتها، وتعزيز حرية الإعلام وتعدّد وسائله، ومكافحة المعلومات المضللة. وتكمن أهمية هذه الإجراءات في الحفاظ على الديمقراطية في مساءلة السلطة وتمكين المواطنين من اتخاد قرارات مستنيرة، بعيدًا عن الأخبار المضللة 30. وأشار المؤلف إلى أن الديمقراطيات الجديدة أخفقت في الإدماج مقارنة بما كان عليه الحال في الستينيات، إذ على الرغم من أنها نًا فيما يخص إدماج المهاجرين وسياسات استيعابّأظهرت تحّس الجماعات العرقية، وحققت نجاحًا في إدماج النساء والأفراد ذوي التوجهات الجنسانية المختلفة، فإنها لا تزال بعيدة عن الكمال. وأوضح أن النظريات الحديثة في الديمقراطية تركّز على الناتج السياسي بادل من المدخلات التشاركية المرتبطة بالمشاركة، وتحاول تقييم الأنظمة من حيث الكفاءة والتمثيل الواسع النطاق للمصالح، وكذلك تنوجيه الديمقراطيات الجديدة نحو العدالة والصالح العام. وبّي أن ثمة عوامل اجتماعية معيّنة تؤثر في الديمقراطيات، مثل التعقيد الاجتماعي المتزايد، والتعدد الاجتماعي والثقافي، والأهمية المتزايدة للمجموعات ما بعد القومية. وأكّد أن التيارات الفكرية الجديدة كانت في حاجة إلى مفهوم "المجتمع المدني" الذي يساهم في تأسيس الديمقراطيات الجديدة وتطويرها، لكنّ بعض المفكرين أشاروا إلى أن المجتمع المدني ليس ديمقراطيًا بطبيعته، ولا يكتسب مشروعيته الديمقراطية تلقائيًا. وفي المقابل، تحدّث عن الديمقراطية التشاركية التي تتفوق على المجتمع المدني، وترتبط بقدرة الفرد على المشاركة بالموارد الخاصة مثل الكفاءة اللغوية والوعي الذاتي والمعلومات (ص. 213-217). وحيال هذه المفارقة، يمكن استحضار موقفين عن دور المجتمع المدني في التحول الديمقراطي. الموقف الأول هو موقف غيورغ سورنسن الذي يرى أن الديمقراطية "لا تهبط من السماء"، بل تنتج من نضال الأفراد والجماعات  31. بعبارة أخرى، لا ينبغي اعتبار الدمقرطة عملية خطّية وبسيطة، نظرًا إلى تعقيدها وتدخّل مجموعة من الأطراف، بما في ذلك قوى المجتمع المدني؛ إذ تؤدي منظمات الدولة الداخلية دورًا في توعية المواطنين بعملية صنع القرار الديمقراطي، ما يجعل جمعيات المجتمع المدني إطارًا للديمقراطية 32. وبذلك، يمكن الاعتراف بأن عمليات الانتقال نحو الديمقراطية غالبًا ما تكون مصحوبة بموجات حاسمة من التعبئة الشعبية. فتعزيز المجتمع المدني لا يحسن ظروف الديمقراطية فحسب، بل يجعل من الصعب العودة إلى الحكم الاستبدادي أيضًا. أما الموقف الثاني، الذي يقدّمه العالمان أودونيل وشميتر، فيركّز على أهمية الفاعلين واختياراتهم في عملية التحول الديمقراطي، إذ تضطلع المفاوضات بدور بالغ الأهمية في مرحلة الانتقال إلى الاتفاق على قواعد الديمقراطية الجديدة  33. وتمر عملية التحول الديمقراطي بثلاث مراحل أساسية: المرحلة الأولى

  1. Jürgen Habermas, "The Crisis of the European Union in the Light of a Constitutionalization of International Law," European Journal of International Law , vol. 23, no. 2 (2012), pp. 335-348.
  2. Jürgen Habermas, "Citizen and State Equality in a Supranational Political Community: Degressive Proportionality and the Pouvoir Constituant Mixte," JCMS: Journal of Common Market Studies , vol. 55, no. 2 (2017), pp. 171-182.
  3. Communication from the Commission to the European Parliament, the Council, the European Economic and Social Committee
  4. Georg Sørensen, Democracy and Democratization: Processes and Prospects in a Changing World , Dilemmas in World Politics, 3 rd ed. (Boulder, CO: Westview Press, 2008), p. 58.
  5. Ibid., p. 75. 33  Guillermo O'Donnell, Philippe C. Schmitter & Laurence Whitehead (eds.), Transitions from Authoritarian Rule: Comparative Perspectives (Baltimore/ London: John Hopkins University Press, 1986), p. 37.
  6. and the Committee of the Regions for the European Democracy Action Plan," European Commission, 3/12/2020, accessed on 21/3/2024, at: https://acr.ps/1L9zOIn

هي التحرر من الاستبداد والانفتاح على التسامح مع بعض التعددية والحريات المدنية والتي غالبًا ما تكون نتيجة مظاهرات أو أزمات. والمرحلة الثانية هي الانتقال من الاستبداد إلى نظام ديمقراطي من خلال وضع الأسس المؤسسية للنظام الجديد. والمرحلة الثالثة هي االتثبيت، حيث يصبح النظام الجديد فع لًاومقبول بصفة عامة 34. بعيدًا عن هذا، يرى فون بايمه أن نظريات ما بعد الديمقراطية قد وقعت في أخطاء لا ينبغي للديمقراطية الجديدة تكرارها، ولذلك يجب أن تضع الأخيرة برنامجًا ثابتًا للنمو والتطور من أجل الوصول إلى مستقبل ديمقراطي مستدام. ويحمل مصطلح الديمقراطية الجديدة في طيّاته عناصر أمل في تجديد الديمقراطية، حيث تشهد الديمقراطيات النامية تحسنًا ملحوظًا في بنيتها التحتية، ونظامها الصحي والتعليمي. ويبقى الأمل معقودًا على أن تقود المشاركة المتزايدة في السياسة إلى تطوير اتجاهات إيجابية في ديمقراطيات جاديدة، بدل من ظهور مخاطر الشعبوية. ويخلص المؤلف إلى أن الوقت المناسب لإجراء إصلاحات هادفة للديمقراطية يقع بين نفاد صبر الأفراد الذين يسعون إلى حياة مهنية في فترة قصيرة، ومدد "الزمن الاجتماعي" الأطول التي ينبغي للسياسيين أن يخططوا لها (ص. 222-235)

خاتمة

بوجه عام، يمهّد هذا الكتاب المهم الطريق أمام فتح باب لحوار وانقاش حول موضوع ما سّمه "الديمقراطية الجديدة" أو "ما بعد الديمقراطية"، ويأتي في سياق الأدبيات المهمة لعلم الانتقال Transitology، وتكمن أهميته وإسهاماته في مواجهته "موضة ما بعد الديمقراطية"، إذ يقدّم رؤية نظرية متكاملة حول "الديمقراطية الجديدة" بوصفها مرحلة تطورية لاحقة للديمقراطية التقليدية. وعلاوة على ذلك، يتضمّن نقدًا بنّاءً لسيناريوهات ما بعد الديمقراطية، ويستعرض نماذج معيارية جديدة للديمقراطية في العصر الحديث تتجاوز تلك التي تتبنّاها نماذج ما بعد الديمقراطية، مستعينًا بنظريات العدالة ومقترحات الإصلاح الديمقراطي. ويتميّز الكتاب بتناوله المتوازن لموضوعاته، واحترامه مبادئ الكتابة الأكاديمية، وجمعه مواضيع وتخصصات مختلفة، أبرزها العلوم السياسية، وعلم الاجتماع، والميديا، والقانون، ما يوفّر منظورًا غنيًا ومتعدد الأبعاد حول موضوع الديمقراطية. وبناءً عليه، يعدّ الكتاب مصدرًا قويًا لأيّ باحث مهتم بدراسة الانتقالات الديمقراطية، لتقديمه مقاربة جديدة للديمقراطية مصحوبة بإصلاحات على المستوى المؤسسي وبنقاشات حول مستقبل الديمقراطية وسبل تكيّفها مع التحديات المعاصرة، الاقتصادية والتكنولوجية والاجتماعية. وبهذا، يمثّل الكتاب إسهامًا نوعيًا في الأدبيات النظرية والإمبريقية المتعلقة بالديمقراطية، وأساسًا قويًا لمزيد من البحث حول آفاق تطوير النظم الديمقراطية في ظل التحولات العميقة التي يشهدها العالم المعاصر.

  1. Ibid.

المراجع

العربية

بشارة، عزمي. في الإجابة عن سؤال: ما الشعبوية؟ الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2019 الشعبوية والسياسة العالمية: سبرر الأبعاد الدولية والعابرة للحدود. ترجمة محمد حمشي. فرانك ستنغل وديفيد ماكدونالد وديرك نابرز (محررون). الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2022 كين، جون. حياة الديمقراطية وموتها. ترجمة محمد العزيز. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2021

الأجنبية

Castells, Manuel. The Information Age: Economy, Society and Culture, vol. 1: The Rise of the Network Society. Malden, MA: Blackwell, 1996. _______. The Information Age: Economy, Society and Culture, vol. 2: The Power of Identity. Malden, MA: Blackwell, 1997. _______. The Information Age: Economy, Society and Culture, vol. 3: End of Millennium. Malden, MA: Blackwell, 1998. "Communication from the Commission to the European Parliament, the Council, the European Economic and Social Committee and the Committee of the Regions for the European Democracy Action Plan." European Commission. 3/12/2020. at: https://acr.ps/1L9zOIn Crouch, Colin. Post-Democracy. Cambridge: Polity Press, 2005. _______. "Post‐Democracy and Populism." The Political Quarterly. vol. 90, no. S1 (January 2019). Crozier, Michel. La société bloquée. Paris: Editions du Seuil, 1970. De Hipt, Manfred Opp & Erich Latniak (eds.). Sprache statt Politik? Politikwissenschaftliche Semantik- und Rhetorikforschung. Wiesbaden: VS Verlag für Sozialwissenschaften, 1991. De Tocqueville, Alexis. De La Démocratie En Amérique. Paris: Michel Lévy Frères, 1874. Dicey, Albert Venn. The Law of the Constitution. Oxford: Oxford University Press, 2013. Habermas, Jürgen. "The Crisis of the European Union in the Light of a Constitutionalization of International Law." European Journal of International Law. vol. 23, no. 2 (2012). _______. "Citizen and State Equality in a Supranational Political Community: Degressive Proportionality and the Pouvoir Constituant Mixte." JCMS: Journal of Common Market Studies. vol. 55, no. 2 (2017). Hayek, Friedrich August. The Mirage of Social Justice. London: Routledge and Kegan Paul, 1976. Kant, Emmanuel. Fondements de la métaphysique des mœurs. Delbos Victor (trad.). Collection Bibliothèque des Textes Philosophiques. Paris: Vrin, 1992. _______. Projet de paix perpétuelle: Esquisse philosophique. Gibelin Jean (trad.). Collection Bibliothèque des Textes Philosophiques. Paris: Vrin, 1999 [1795]. Lipset, Seymour Martin. "Some Social Requisites of Democracy: Economic Development and Legitimacy." American Political Science Review. vol. 53, no. 1 (1959). Maruste, Rait. "The Role of the Constitutional Court in Democratic Society." Juridica International. no. 13

O'Donnell, Guillermo & Philippe Schmitter (eds.). Transitions from Authoritarian Rule: Tentative Democracies. Uncertain about Conclusions

Baltimore/ London: John Hopkins University Press, 1986. O'Donnell, Guillermo, Philippe C. Schmitter & Laurence Whitehead (eds.). Transitions from Authoritarian Rule: Comparative Perspectives. Baltimore/ London: John Hopkins University Press, 1986. Ohlendorf, Nils Meyer. "Why the Term 'Populism' is Harmful." IPS Journal. 14/11/2022. at: https://acr.ps/1L9zOq8 Rawls, John. A Theory of Justice. Cambridge, MA: Belknap Press of Harvard University Press, 1971. Rousseau, Jean-Jacques. Du Contrat Social Ou Principes Du Droit Politique. Amsterdam: Marc-Michel Rey, 1762. Rustow, Dankwart. "Transitions to Democracy: Toward a Dynamic Model." Comparative Politics. vol. 2, no. 3 (1970). Sen, Amartya. The Idea of Justice. Cambridge, MA: Harvard University Press, 2009. Sørensen, Georg. Democracy and Democratization: Processes and Prospects in a Changing World. Dilemmas in World Politics. 3 rd ed. Boulder, CO: Westview Press, 2008. "The 2022 Arab Opinion Index: Main Results in Brief." Arab Center for Research and Policy Studies (2022). at: https://acr.ps/1L9zOj1 Urbinati, Nadia. "The Populist Phenomenon." Raisons Politiques. vol. 51, no. 3 (2013). Ward, Lee. "Benedict Spinoza on the Naturalness of Democracy." Canadian Political Science Review. vol. 5, no. 1 (2011).