الثقافة السياسية والانتقال الديمقراطي في تونس

Chaker Houki شاكر الحوكي |

الملخّص

Most initial readings have exhausted their explanations for failure, or stumbling, of the democratic transition process in Tunisia. Given the country’s weak political performance, lack of economic achievement, and worsening corruption, the need has emerged to consider the role of political culture in events since the Tunisian revolution up until President Kais Saied declared a state of emergency on 25 July 2021. Contrary to the prevailing trend in the literature on democratic transition, which has often overlooked the importance of a minimum level of civil political culture taking root, there is an urgent need to recognize its vital role in ensuring the success of any transitional process, especially in the early stages. This paper argues that the absence of a minimum level of political culture has contributed to the fragility of the transitional process in Tunisia, making democracy vulnerable to failure and to the reproduction of authoritarian patterns. Therefore, strengthening this culture becomes a necessity to ensure the sustainability of the democratic transition and avoid setbacks.

Political Culture and Democratic Transition in Tunisia

بعد أن استنفدت معظم القراءات الأولية جهدها في تفسير أسباب فشل مسار الانتقال الديمقراطي في تونس أو تعثره، في ظل ضعف الأداء السياسي وقّل ة الإنجاز الاقتصادي وتفاقم الفساد، برزت الحاجة إلى التفكير في دور متغير الثقافة السياسية في كل ما جرى منذ الثورة التونسية حتى إعلان رئيس الجمهورية قيس سعيد حالة الاستثناء في 25 جويلية (تموز/ يوليو) 2021. بخلاف الاتجاه السائد في أدبيات الانتقال الديمقراطي، التي غالبًا ما أغفلت أهمية انتشار الحد الأدنى من الثقافة السياسية المدنية، تبرز الحاجة الملحّة إلى إدراك دورها الحيوي في تأمين نجاح أي مسار انتقالي، ولا سيما في مراحله الأولى. تجادل هذه الورقة بأن غياب الحد الأدنى من الثقافة السياسية أسهم في هشاشة المسار الانتقالي في تونس؛ ما جعل الديمقراطية عرضة للتعثر وإعادة إنتاج الأنماط السلطوية. لذا، يصبح تعزيز هذه الثقافة ضرورة لضمان استدامة التحول الديمقراطي وتجنب الانتكاسات. كلمات مفتاحية: الثقافة السياسية، الانتقال الديمقراطي، تونس.

Keywords: Political Culture, Democratic Transition, Tunisia.

مقدمة

بقطع النظر عما خلفه الإعلان عن حالة الاستثناء في تونس، ليلة 25 جويلية [تموز/ يوليو] 2021، من دهشة فاجأت المهتمين بالشأن العام، سواء في الداخل أو في الخارج، وما نجم عنه من اختلاف بين من اعتبره انقلابًا ومن عدّه تصحيحًا للمسار وحتى ثورة جديدة  1، فقد حقّ على كل باحث في العلوم السياسية أن يدلي بدلوه؛ لتجاوز حالة الدهشة التي أصابت المتحمسين للخيار الديمقراطي في تونس، ولإضفاء نوع من العقلانية على ما يحدث في الواقع، حتى لا نبقى أسرى الاعتقاد في عبث الأقدار أو أسرى تحاليل المقاربات الصحية، والسياسية، والاقتصادية، والدولية. من هذا المنطلق، يمكن أن يكون استدعاء مفهوم الثقافة السياسية أحد المداخل الممكنة - بل قُل أهمّها - للإجابة عما يجري. فبعد مرور زهاء عقد على الانتقال الديمقراطي خَطَْتْ خلاله تونس خطوات لا بأس بها في اتجاه القطع مع منظومة التسلط والاستبداد، والتأسيس لحياة سياسية ديمقراطية أساسها التعايش السلمي بين المواطنين، والمشاركة السياسية، والانتخاب والتداول السلمي على السلطة، وحماية الحقوق والحريات، والاحتكام إلى الدستور وتصفية إرث الماضي عبر آليات العدالة الانتقالية، تبّي نأن شرائح واسعة من المجتمع التونسي لا تزال مشدودة إلى حكم الفرد والأنظمة المتسلطة والإقصاء. فماذا نعني أولًابهذا المفهوم؟ ثمّ ما علاقته بالديمقراطية؟ انطلاقًا من التعريف الذي اقترحه غابريال ألموند ل "الثقافة السياسية" 2، فإن هذه الأخيرة تكون عبارة عن جملة "التوجهات" التي تقود "الغالبية العظمى من أفراد المجتمع صوب النظام السياسي في كلياته وجزئياته" 3، وهو التعريف الذي طرحه بعد ذلك بصيغ مختلفة سواء مع فيربا (في كتابه الثقافة المدنية) أو مع بينغام باول (في كتابه السياسة المقارنة)، حيث اختار أن يعرّفها مع الأول بكونها "الرموز التعبيرية والمعتقدات والقيم التي تحدد الموقف الذي يحدث الفعل السياسي في إطاره"، وأنها "عبارة عن نظام من المعتقدات التطبيقية والرموز المعبرة والقيم التي تعرف الموقف الذي يحصل فيه الفعل السياسي" من حيث "المدركات السياسية (المعرفة والمعتقدات)، والمشاعر (التأثير) والتقييمات (الأحكام والآراء) حول النظام السياسي والمواضيع السياسية التي تتضمن بشكل مثالي مركّبًا من المقاييس والمعايير القيمية والمعلومات والمشاعر" 4، بينما اختار أن يعرّفها مع الثاني باعتبارها جملة "التوجهات الفردية إزاء السياسة التي يشترك فيها أفراد النظام السياسي"، وأنها "العالم الشخصي الذي يكون أساسًا للأفعال السياسية ويعطيها معنى. وهي تتضمن التوجهات المعرفية والتوجهات العاطفية والتوجهات التقييمية" 5. وفي كل الأحوال، فإن تعريف الثقافة السياسية لم يخرج سواء على يد ألموند أو غيره من المتخصصين6 عن كونه تلك "القيم التي تعزز أو تضعف (تدعم أو تقوض) منظومة معينة من المؤسسات السياسية" 7. أو عن كونه "القيم والمعايير التي تتصل بالنظام السياسي جملة" 8، و"الطريقة التي يفكر ويتصرف من خلالها المجتمع فيما يتصل بالدولة" 9. أما بالنسبة إلى علاقة الثقافة السياسية بالديمقراطية فخلافًا لأنصار المقاربة التحديثية التي شددت على أن الثقافة السياسية هي الشرط المسبق للتحول إلى الديمقراطية  10، تميّز موقف علماء الانتقال الديمقراطي الذي يهمنا هنا على الأخص بالتحفظ بشأن إيلاء الثقافة السياسية ما تستحقه من مكانة بصفتها أحد شروط نجاح الانتقال الديمقراطي  11، إلا إذا نظرنا إليها من زاوية اهتمامهم بالنخب. وتبعًا لذلك، لم يكن لنا من خيار

  1. 1  على الرغم من أننا إزاء حدث سياسي مختلف فيه، فإنه من منظور العلوم السياسية يمكن وصف ما حدث عشية 25 جويلية [تموز/ يوليو] 2021 ب "الانقلاب الذاتي." ينظر: حمادي الرديسي، 25" المغرب جويلية، أي انقلاب وأي دكتاتورية؟"،، 2022/2/12، شوهد في 2022/2/13، في https://bit.ly/3MGu94h:
  2. 2  العودة إلى غابريال ألموند عند تعريف الثقافة السياسية لا ينبغي أن يحجب جذوره التي تعود إلى القرن التاسع عشر، ولا سيما أعمال ماكس فيبر الذي بّي نفي كتابه دور
  3. Gabriel A. Almond, "Comparative Political Systems," The Journal of
  4. 4  بن حسين سليمة، "مفهوم اقتراب الثقافة السياسية عند غابريال آلموند وسيدني فيربا "، مجلة المفكر، مج 16، العدد 2 2021()، ص.82
  5. جابرييل إيه. آلموند وجي. بينجهام باول (الابن)،  5 السياسة المقارنة: دراسات في النظم السياسية العالمية، ترجمة أحمد علي أحمد عناني، مراجعة أحمد حمودة (القاهرة: مكتبة الوعي العربي، 1980)، ص 94؛ Gabriel A. Almond & G. Bingham Powell Jr., Comparative Politics: A Developmental Approach (Boston, MA: Little, Brown and Company, 1966).
  6. عبد السلام علي نوير، "الاتجاهات المعاصرة في دراسة الثقافة السياسية"، عالم الفكر، مج 04، العدد 1 (تموز/ يوليو– أيلول/ سبتمبر 2011)، ص.15-12
  7. Gabriel A. Almond & Sidney Verba, The Civic Culture: Political Attitudes and Democracy in Five Nations (Newbury Park, CA: Sage publications, 1989), pp. 12-13; ينظر أيضًا: عزمي بشارة، الانتقال الديمقراطي وإشكالياته: دراسة نظرية وتطبيقية مقارنة (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2020)، ص.420
  8. Mehran Kamrava, "Political Culture and a New Definition of the Third World," Third World Quarterly , vol. 16, no. 4 (1995), p. 693.
  9. Mehran Kamrava, Democracy in the Balance: Culture and Society in the Middle East (New York: Chatman House Publishers, 1998), p. 200. 10  Samuel Huntington, "Democracy's Third Wave," in: L. Diamond & M. Plattner, The Global Resurgence of Democracy (Baltimore: Johns Hopkins University Press, 1993), p. 13. 11  بشارة، ص.420-419
  10. القيم الدينية في تطور المجتمعات الأوروبية نحو الرأسمالية. ينظر: ماكس فيبر، الأخلاق البرروتستانية وروح الرأسمالية، ترجمة علي مقلد (بيروت: مركز الإنماء القومي، [د. ت.)].
  11. Politics , vol. 18, no. 3 (August 1956), p. 95.

إلا تنزيل هذه الدراسة في إطار المساحة النقدية التي فرضتها كتابات عدد من المختصين في هذا المجال بتأكيد حاجة الانتقال الديمقراطي إلى ثقافة سياسية ديمقراطية لتأمين استمراره نظرًا إلى العلاقة الجدلية بينهما؛ إذ بقدر ما يساهم وجود نظام سياسي ديمقراطي في إشاعة قيم الديمقراطية في الثقافة السياسية السائدة في المجتمع، تساعد الثقافة السياسية المدنية على الانتقال الديمقراطي وتعزز فرص نجاحه، وهو ما شدد عليه على نحو خاص عزمي بشارة، بتأكيده الواضح على أهمية توافر الحد الأدنى للثقافة السياسية الديمقراطية لدى النخب السياسية، خصوصًا مع بدايات المراحل الانتقالية12. من هذا المنطلق، تأتي مشروعية الإنصات إلى الأسئلة التي ما انفكّت تلحّ علينا؛ ليس فقط في ما يتعلّق ب "طبيعة الثقافة السياسية السائدة" في المجتمع وعلاقتها بالانتقال الديمقراطي وبدوره في نشر الثقافة الديمقراطية، بل أيضًا في ما يتعلّق بصلاحية هذا "الطرح النظري" الذي يحاول ربط نجاح أنظمة الانتقال الديمقراطي بدرجة شيوع الثقافة السياسية الديمقراطية. ومن ثم، أمكن بلورة الإشكالية من خلال السؤال التالي: كيف نفسرر، استنادًا إلى متغير الثقافة السياسية، فشل الانتقال الديمقراطي، أو تعثره، في تونس؟ وذلك ضمن فرضية بحثية تراهن على ربط مآلات هذا الانتقال بالثقافة السياسية، استنادًا إلى أن الثقافات الموغلة في الإقصاء والاستبداد والتسلط لا يمكنها أن ترسّخ أي انتقال ديمقراطي أو تضمن ديمومته، مثلما أن الانتقالات الديمقراطية التي تكون من دون ثقافة ديمقراطية مآلها الارتداد والهزات لا محالة. ولذلك اخترنا في معالجة هذه المسألة مقاربة منهجية لا تقتصر على المنهج الوصفي التحليلي الذي بات استعماله كالتقليد اللازم في أي دراسة من هذا النوع، نظرًا إلى ما تحقّق بفضله في العديد من البحوث من إضافة ملموسة لا تخلو من ثراء وتنوع، بل تعتمد أيضًا على المنهجية التفهمية باعتبارها المنهجية الرئيسة في معالجة هذه الإشكالية؛ أي تلك المنهجية التي لا تحاول تفسير الأشياء على أساس العلاقة السببية بين الظواهر الاجتماعية بقدر ما تحاول فهمها على أساس ما يجمع بينها من علاقات تفاعلية؛ ومن ثم إعطاء التحليل النظري الأولوية  13. واستنادًا إلى هذه المقاربات المنهجية، ارتأينا أن تكون خطة البحث من جزأين: أوّلهما يراهن على إثبات أن الانتقال الديمقراطي كان انتق لًاعقيمًا، بينما يراهن الثاني على إثبات أن الثقافة السياسية السائدة هي ثقافة معطوبة.

أولًا: في أن الانتقال الديمقراطي انتقال عقيم

لعل المفارقة الكبرى للانتقال الديمقراطي في تونس أنه على الرغم من انتشار عناصر الثقافة السياسية الديمقراطية فقد ظل عقيمًا، لم يقدر على أن ينجب نظامًا ديمقراطيًا دائمًا؛ لا عبر النخب السياسية، ولا عبر المؤسسات الوليدة.

1. رهان فاشل على النخب السياسية

بقطع النظر عّم ااستقر عليه تقريبًا تعريف النخبة السياسية من معنى، بوصفه صفوة القوم الذين يمارسون السلطة السياسية أو يؤثّرون في عملية صنع القرار  14، وحتى نفهم دواعي استدعاء النخب السياسية في موضوع الثقافة السياسية، علينا أن نوضح في البداية أن الثقافة السياسية لا ترتبط فقط بجملة القيم المشتركة بين المواطنين: كالوسطية والحوار والتسامح والاعتدال والحرية والحق في المشاركة السياسية وحل الخلافات بالطرائق السلمية والرغبة في العيش المشترك والاحترام المتبادل والالتزام بالديمقراطية (وهي القيم التي يسميها ألموند وفيربا "الثقافة المدنية" ويترجمها بشارة ب "الثقافة المواطنية"، في حين يسميها لاري دايموند "الثقافة الديمقراطية)"، بل ترتبط أيضًا بقابلية هذه النخب للحوار والمساومة وتسوية الصراعات سلميّا، وذلك على قاعدة التوافق والتعاون والتفاوض والاختلاف في الرأي والاستعداد للتفاهم وتقديم التنازلات  15، وكذلك على أساس ما يتّفقون عليه بخصوص قواعد الديمقراطية الإجرائية ومؤسساتها ومدى الالتزام بها، مع كل ما يترتب على ذلك من حقوق سياسية وحريات مدنية  16. وهو ما سّم اه حمادي الرديسي "التوافق السياسي القيمي" 17. وقد اعتبره عياض بن عاشور مبدأً سياسيًا جوهريًا، وليس مجرد مسألة إجرائية  18.

  1. المرجع نفسه، ص 21-4194؛ أوضح عزمي بشارة، في محاضرته "ملاحظات عامة حول الثقافة السياسية"، أن الحد الأدنى للثقافة السياسية الذي ينبغي أن يتوافر لدى النخب السياسية يتمثل في تبني النظام الديمقراطي الجاهز دوليًا والالتزام بالديمقراطية خيارًا مبدئيًا
  2. 18  عياض بن عاشور، تونس: ثورة في بلاد الإسلام (تونس: سراس للنشر، 2018)، ص.238
  3. William Genieys, "Nouveaux regards sur les élites du politique," Revue française de science politique , vol. 56, no. 1 (2006), p. 121.
  4. 15  لاري دايموند، روح الديمقراطية: الكفاح من أجل بناء مجتمعات حرة (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2014)، ص.243-242
  5. 16  بشارة، الانتقال الديمقراطي وإشكالياته، ص 19 4. حمادي الرديسي، "تونس بين تدعيم الديمقراطية وتفكيك الدولة"،  17 سياسات عربية، مج 4، العدد 18 (كانون الثاني/ يناير 2016)، ص.8
  6. واستراتيجيًا. ينظر: "عزمي بشارة: ملاحظات عامة حول الثقافة السياسية"، عزمي بشارة، يوتيوب، 2023/3/11، شوهد في 2023/9/24، في: https://bit.ly/43TN2sS
  7. 13  Max Weber, Économie et société (Paris: Pocket, 1995), p. 107.

إلا أن "المدهش" في هذه "الثقافة السياسية المدنية" أو "المواطنية" التي تدور بين النخب السياسية أساسًا أنها بقدر ما جرى التعويل عليها لتأمين نجاح تجربة انتقالها الديمقراطي، كان فشلها في الواقع ذريعًا. والسبب في ذلك أن إشكالية هذا الانتقال لم تصدر في الحقيقة عن افتقاره إلى وجود مثل هذه "الثقافة" (فهو قد أنتج بالفعل "ثقافته السياسية" على قاعدة التوافقات، فضلًاعن جملة القيم المتعلقة بالمساواة والتعددية السياسية وحرية العمل السياسي والتداول السلمي للسلطة والاحتكام إلى مبدأ الأغلبية والأقلية)، بل صدرت عن هشاشة "هذه الثقافة" التي انكشفت تمامًا عند أول اختبار "حقيقي" واجهته، بانهيار ذلك الانتقال الديمقراطي بعد "الأزمة" التي ألمت به. لا أحد ينكر ما أبدته النخبة السياسية منذ هروب الرئيس زين العابدين بن علي إلى خارج البلد من استعداد لعقد التسويات والتنازلات  19، وما أفضت إليه مداولاتها في رحاب "الهيئة العليا للدفاع عن أهداف الثورة والإصلاح السياسي وتحقيق الانتقال الديمقراطي" من إجماع على رسم قواعد اللعبة الجديدة على أساس الاحتكام إلى صناديق الاقتراع بإشراف "هيئة مستقلة للانتخابات" وب "قانون انتخابي" متّفق عليه. ولا أحد ينكر أيضًا ما نجم عن التجربة الانتخابية الأولى من توافقات وتسويات سياسية كان من أبرز ثمارها تشكيل ائتلاف حكومي بقيادة حركة النهضة أ طلق عليه حكومة الترويكا، وقد ضمّ ثلاثة أحزاب فائزة في البرلمان تنحدر من مشارب أيديولوجية مختلفة، هي: حركة النهضة ذات المرجعية الإسلامية، وحزب المؤتمر من أجل الجمهورية ذو التوجهات العلمانية، وحزب التكتل من أجل العمل والحريات ذو المرجعية الديمقراطية الاجتماعية. ومنذ تشكيل هذا الائتلاف الثلاثي، تحوّلت التوافقات إلى ما يشبه التقليد في مسار التجربة التونسية للانتقال الديمقراطي، الذي بلغ أوجه مع الحوار الوطني برعاية الرباعي الراعي للحوار  20، ثم مع التوافق الذي جرى بين الباجي قايد السبسي زعيم حركة نداء تونس وراشد الغنوشي زعيم حركة النهضة في 15 آب/ أغسطس 2013. ولم يلبث هذا التقليد أن تواصل بعد ذلك في مختلف المراحل السياسية المهمة من خلال تشكيل عدد من الحكومات التوافقية التي لم تكن "تحتكم إلى نتائج صندوق الاقتراع قدر احتكامها إلى منطق التوافق" 21. وكانت أوّل تلك الحكومات حكومة مهدى جمعة التي صدّق عليها المجلس الوطني التأسيسي في كانون الأول/ ديسمبر 2013 خلفًا لحكومة علي العريض، ثم تلتها حكومة الحبيب الصيد بعد تصديق مجلس نواب الشعب عليها في 5 شباط/ فبراير 2015. وقد ضمّت قوى حزبية وعددًا من التكنوقراط والمستقلين، مع تمثيل رمزي لحركة النهضة فيها بوزير واحد فقط. ثم كانت الحكومة التي شكّلها يوسف الشاهد على إثر اتّفاق قرطاج بين تسعة أحزاب وثلاث منظمات وطنية. وقد حظيت بثقة مجلس نواب الشعب في 26 آب/ أغسطس 2016. وحتى حكومتا إلياس الفخفاخ وهشام المشيشي لم تكونا على الحقيقة إلا حكومتين توافقيّتين هما أيضًا، لجريانهما على التقليد "التوافقي" نفسه في تشريك أهم الأحزاب بالبرلمان إلى جانب عدد من الشخصيات النقابية والوطنية. أما دستور 2014، فمثّل الوجه الآخر للتوافق؛ لأنه كان بمنزلة الخلاصة الوافية لنقاشات وحوارات واسعة، بل لصراعات فكرية وسياسية حادّة داخل المجلس التأسيسي وخارجه أحيانًا، حتى اعتبر مُنَجَزًا للشعب التونسي بجميع فئاته  22، و"عملًا جماعيًا لحركة مواطنية ناشئة" على حدّ رأي بن عاشور 23. وليس أدلّ على ذلك من لجوء الفرقاء السياسيين إلى آلية الحوار في فضّ الخلافات الحادة التي نشبت بينهم قبل صدور نسخة 1 جوان [حزيران/ يونيو] 2013 من الدستور حول مختلف النقاط المتعلّقة بالتوطئة، أو بطبيعة النظام السياسي، أو بحقوق الإنسان الكونية وسبل حمايتها. وقد جرى هذا الحوار على مراحل: كانت فاتحتها بإشراف الرئيس محمد المنصف المرزوقي على فعالياته في قصر الضيافة بقرطاج، وبمشاركة أبرز الأحزاب الفاعلة آنذاك، وأفضى إلى جملة من التوافقات الدستورية. ثم جرى تنظيمه بعد ذلك في إطار لجنة التوافقات بالمجلس الوطني التأسيسي، التي أحدثها مصطفى بن جعفر رئيس المجلس في 22 آب/ أغسطس، بالاتفاق مع عدد من الأحزاب الممثلة في التأسيسي؛ وهي حركة النهضة، والمؤتمر من أجل الجمهورية، وحركة وفاء، وتيار المحبة، والحزب الجمهوري. وقد كان لهذه اللجنة دور رئيس في مراجعة المسائل الخلافية حول عدد من الخيارات المتعلقة بطبيعة الدولة التونسية أو بالتوطئة، بعد صدور نسخة 1 حزيران/ يونيو 2013 من الدستور؛ ليتوج كل ذلك في نهاية المطاف بالتصديق النهائي عليه في 27 كانون الثاني/ يناير 2014 بأغلبية النواب، بنسبة بلغت 92 في المئة. على أنّ هذا التمّش يالتوافقي وإن لم يتوقّف عند مرحلة الدستور 2014 (حيث امتدّ أيضًا إلى مراحل أخرى تتّصل بإرساء العدالة

  1. 19  أنور الجمعاوي، "تونس: العبور إلى الديمقراطية"، سياسات عربية، مج 2، العدد 7 (آذار/ مارس 2014)، ص.65
  2. 20  الرباعي الراعي للحوار هو تجمع مدني يتكون من المنظمات الحقوقية والنقابية التالية: الاتحاد العام التونسي للشغل، والاتحاد العام التونسي للصناعة والتجارة، وعمادة
  3. 21  الجمعاوي، ص.65 22  مصطفى بن جعفر، الطريق العسير نحو الديمقراطية، حوار مع فانسون جيسار (تونس: نرفانا، 2014)، ص.170
  4. المحامين، والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان. وقد انطلق في أولى جلساته يوم 25 تشرين الأول/ أكتوبر.2013
  5. 23  بن عاشور، ص 3.52

الانتقالية  24 والمجلس الأعلى للقضاء وقانون الجماعات المحلية)، فإنه قد ألقى بظلاله أيضًا على الخطّ التواصليّ لحركة النهضة، وليس ذلك من خلال محاولة طمأنة خصومها بأنها لا تنوي فرض أي نمط مجتمعي عليهم  25 أو استعمال الديمقراطية جسرًا لحكم الشريعة فحسب  26، بل أيضًا بإقدامها في مؤتمرها العاشر في عام 2014 على إقرار الفصل بين السياسي والدعوي. بقي أن نشير إلى أنّ هذا التمّش يالتوافقي ما كان ليحصل، إلا في أجواء الصراع السياسي التي أتاحت الاشتباك بين مختلف القوى الحزبية والمدنية وإكسابه الجدية المطلوبة. وهذا أمر مهم إذا نظرنا إليه من زاوية الطرح الذي لا يرى للديمقراطية أيّ جدوى أو فعالية، في حال افتعالها خارج جوهرها الصراعي  27. هكذا إذًا تبدو التجربة التونسية في الانتقال الديمقراطي كأنها استوفت تقريبًا كل شروطها حتى اعُتبُرت حالة استثنائية نادرة  28، لا تعكس نضج نخبها، و"استعدادهم للتنازل" فحسب 29، بل أيضًا قدرتهم على اعتماد ثقافة الحوار والتفاوض والمساومة البراغماتية والمشاركة السياسية التي استطاعت أن تنأى بالتجربة بعيدًا عن كل المنزلقات الممكنة  30، حتى إن فرانسيس فوكوياما اعتبر أن تونس قد نجحت فعلًافي ديمقراطيتها، على الرغم من هشاشة مسارها الانتقالي  31. ومع ذلك تبقى معضلة هذه التجربة في أن تعويلها على هذه الثقافة سنوات لم يُؤِتِ أ على مدى أكثر من 10ْكَْلَه، بعد أن تبّي نأنّ "سفينة تونس الديمقراطية" لم تكن تُبنى وهي تبحر كما كانت ترى سارّة يركس  32، بقدر ما كانت تبحر وهي مثقوبة من أكثر من زاوية. ونحن نقدّر أنّ فشل هذا الرهان على النخب مردّه إلى عدة عوامل، منها: أنّ أطرافًا سياسية عديدة لم تكن مقتنعة بالتحالفات التي انعقدت إبان حكومة الترويكا بين الإسلاميين واليساريين أو العلمانيين، ولا بأن تكون حركة النهضة أصلً جزءًا من المشهد الحزبي والسياسي، حتى إنها انخرطت بلا مقدّمات في حملة تحذير من خطر "تغوّلها" على الدولة وسعيها ل "فرض مشروعها الإسلامي وتغيير النمط المجتمعي." أنّ الأحزاب السياسية قد بلغ قصورها في فهم مقتضيات المرحلة الانتقالية حدًا جعلها تتعامل معها كأنها مرحلة ديمقراطية صلبة، لا مجرّد مرحلة انتقالية هشة 33. فلم يلبث جوهر الصراع بينها أن تميّع شيئًا فشيئًا، لينقلب مع الوقت إلى صراع "بين إسلاميين وحداثيين" بدلً من أن يبقى صراعًا "بين ديمقراطيين وغير ديمقراطيين" كما يقول بشارة 34. وسرعان ما انخرطت هذه الأحزاب في التراشق بتهم "الفساد" و"التآمر" من دون أن تضع في حسبانها التكلفة الباهظة لمثل هذا الانحراف بالتجربة الانتقالية؛ من قبيل الزج بالبلاد في أتون العبث واللااستقرار، ونفور الناس الحديثي العهد بالتعددية الحزبية من العملية السياسية  35. أنّ النخب بتخلّيها عن إيمانها بالديمقراطية وعن دورها في مطالبة الناس بالانخراط فيها، مقابل تدفق فئات اجتماعية واسعة إلى الفضاء السياسي في ظروف التعبئة بثقافتها السياسية السلطوية  36، جعل كلّه المطلب الديمقراطي لا يُختزل في مجرّد الرهان على الديمقراطية الانتخابية، بل يمتد إلى الاحتجاج باستمرار على الوضع السياسي القائم.

  1. 24  شاكر الحوكي، "معضلة العدالة الانتقالية في تونس من المسارات المرتبكة إلى التحديات سياسات عربية، مج المرتقبة"، 8، العدد 74 (تشرين الثاني/ نوفمبر 2020)، ص.43
  2. 25  بشارة، الانتقال الديمقراطي وإشكالياته، ص 275-274، 546.
  3. 26  في حوار صحافي قال الغنوشي ما يلي: "سلاحنا هو الإقناع لا الإكراه، ويعود للدولة التعبير عن المجتمع. فحتى بالنسبة إلى الشريعة، يتعين على الدولة تطبيق الشريعة التي يقبلها المجتمع، أما ما لا يقبله فليس للدولة فرضه: ليس من حق الدولة فرض لباس معين على النساء.. ولا إلغاء لباس معين. ليس من مشمولاتها. فللمجتمع أن يبلور أفكاره من خلال النقاش، وتبادل الآراء والإعلام والندوات. ودور الدولة أن تلتقط كل فكرة تختمر في صلب المجتمع لتحولها إلى برنامج. وليس للدولة أن تفرض طريقة معينة في اللباس والأكل واستهلاك المشروبات أو اتباع تقاليد معينة. ليس للدولة أن تفرض دينًا على الناس، أن تفرض الإسلام، فقضية الإسلام تعود إلى المجتمع. أما دور الدولة فيقف عند الحفاظ على السلم المدني وتقديم الخدمات، فلا مجال لفرض نمط معين من الممارسات الدينية أو نوع خاص من الحداثة"، (جريدة لابراس) La Presse، 2012/7/31، ص 9. في: بن عاشور، ص.149
  4. 27  ينظر أيضًا: بشارة، الانتقال الديمقراطي وإشكالياته، ص 4. 21
  5. Nicholas Beau & Dominique Lagarde, L'exception tunisienne (Paris: Seuil, 2014), p. 9.
  6. 29  الرديسي، "تونس بين تدعيم الديمقراطية وتفكيك الدولة"، ص.8
  7. 30  بشارة، الانتقال الديمقراطي وإشكالياته، ص 548؛ ينظر أيضًا: Adam Przeworski, "Democracy as a Conntingent of Conflicts," in: Jon Elster & Rune Slagstad (eds.), Constitutionalism and Democracy (Cambridge/ New York: Cambridge University Press, 1988), pp. 59-80.
  8. 31  فرانسيس فوكوياما، الهوية: مطلب الكرامة وسياسات الاستياء، ترجمة مجاب الإمام
  9. Sarah Yerkes, "The Tunisia Model: Lessons from a New Arab Democracy," Foreign Affairs (November/ December 2019), pp. 67-72, accessed on 22/9/2023, at: https://acr.ps/1L9zOBl
  10. Guillermo O'Donnell & Philippe Schmitter, "Transitions from Authoritarian Rule," Tentative Conclusions about Uncertain Democracy , 2 nd ed. (Baltimore: The John Hopkins University Press, 1989), p. 6.
  11. 34  بشارة، الانتقال الديمقراطي وإشكالياته، ص.558
  12. 35  المرجع نفسه، ص.544 36  المرجع نفسه، ص.425
  13. (الدوحة: منتدى العلاقات العربية والدولية، 2019)، ص.62

أنّ النخبة السياسية لم تعجز عن تأمين الاستقرار الديمقراطي وكبح انجرار الجماهير نحو الديماغوجيا والشعبوية فحسب  37، بل عجزت أيضًا عن التصدي للثقافات الفرعية المعادية للديمقراطية التي لا يخلو منها مجتمع؛ فلا هي وجّهت خطابها إلى التّمسّك بالشرعية الديمقراطية والارتقاء بها إلى مستوى القضية الوطنية  38، ولا هي حرّضت الجمهور على التكيّف مع الديمقراطية وقيمها  39، بل إنّ الأمر الصادم حًّقًا حين ترى الجزء الأبرز والأكثر فاعلية من هذه النخبة غير متردّد في التعبير عن مساندته الفورية وغير المشروطة ل "قرارات سعيد" 40. أنّ انتخابات 2019 بإفرازها لفاعلين سياسيين جدد لم يشاركوا في التسويات القديمة ولا يعترفون بها أصلً (وأعني هنا تحديدًا: قيس سعيّد، وعبير موسي رئيسة الحزب الدستوري الحر)، قد خلطت الأوراق مرّة أخرى، وفتحت الباب لهؤلاء ليفرضوا على الجميع إعادة رسم قواعد اللعبة من جديد، من دون تشريك أحد. أنّ قواعد اللعبة الديمقراطية لم تحظ بما يلزم من الالتزام والانضباط من جميع الأطراف السياسية التي شاركت في تأسيسها (مصطفى بن جعفر مؤسس حزب التكتل مثلً)، بل منها من كان يتحيّ الفرص حتّى لضربها والانقلاب عليها والقبول بالبدائل التي فرضها سعيّد فرضًا (على غرار بعض أحزاب اليساريين والقوميين مثلً.) وهو ما يثير في الواقع أكثر من تساؤل بخصوص مبرّر مشاركتهم السياسية في عملية التأسيس تلك. أنّ المجتمع المدني - أو قُل الجزء الأبرز منه - قد تنكّر هو الآخر للمسار الانتقالي، مع أنّ حضوره فيه كان محوريًا، وتم تشريكه تقريبًا في مختلف المراحل السياسية التي عرفتها البلاد، سواء من المجلس الوطني التأسيسي أو من الحكومات المتعاقبة. هذه باختصار بعض العوامل التي قدّرنا أنها تفرّس ركيف أنّه كان لخسارة الرهان على النخب تداعيات كارثية على مصير التجربة التونسية في الانتقال الديمقراطي. لكنّ المأساة الأبرز، كانت خسارة الرهان على المؤسسات.

2. رهان خاسر على إرساء المؤسسات

منذ سقوط رأس النظام السابق بن علي في 14 كانون الثاني/ يناير 2011، كان واضحًا أنّ البلاد حسمت رهانها السياسي في اتجاه تدشين مسارها الانتقالي بإرساء المؤسسات الديمقراطية الجديدة. فما إْن شكّل الوزير الأول محمد الغنوشي حكومته حتّى بادر إلى تأسيس عدد من اللجان المستقلة، وكانت أولى هذه اللجان "لجنة الإصلاح السياسي" برئاسة بن عاشور، في 17 كانون الثاني/ يناير 2011، للإشراف على إصلاحات المرحلة الجديدة السياسية والدستورية. ثم كانت "اللجنة الوطنية لاستقصاء الحقائق بشأن ملفات الفساد والرشوة" برئاسة المرحوم عبد الفتاح عمر، في 18 شباط/ فبراير 2011. وتلتهما "اللجنة الوطنية لاستقصاء الحقائق حول التجاوزات والانتهاكات" برئاسة عميد المحامين توفيق بودربالة. ثم جاء دور "الهيئة الوطنية المستقلة لإصلاح الإعلام والاتصال" التي أنشئت في 2 آذار/ مارس 2011 من أجل إدخال الإصلاحات اللازمة على المشهد الإعلامي في تونس بعد الثورة، قبل أن يتغّي راسمها إلى "الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي والبصري"، في 3 أيار/ مايو.2013 ومباشرة بعد إعلان رئيس الجمهورية التونسية المؤقت، فؤاد المبزع، يوم 3 آذار/ مارس 2011 عن تعليق العمل بدستور 1959 وحلّ مجلسي النواب والمستشارين، تأسست "الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي" في 15 آذار/ مارس 2011، وهي هيئة انتقالية شبه تشريعية ضمت 160 عضوًا من الأحزاب والمجتمع المدني والشخصيات الوطنية إلى جانب ممثلين عن عائلات الشهداء. وكان الغرض من تأسيسها أن تشرف على مسار الانتقال الديمقراطي، وأن تضع ما يلزم من إطار مؤسساتي وتشريعي تمهيدًا للانتخابات المقبلة. وكان من نتائج ذلك التصديُقُ على قانون الانتخابات، وإحداث "الهيئة العليا المستقلة للانتخابات" 41. ثم فتح المجال لحرية التنظّم بالنسبة إلى عدد غير قليل من الأحزاب، بلغ في أوّل مرحلة انتخابية (تشرين الأول/ أكتوبر 2011) أكثر من 120 حزبًا وأزيد من 20 ألف جمعية. وباستثناء قيادات التجمع الدستوري الديمقراطي، أي الحزب الذي كان حاكمًافي البلاد قبل الثورة، أخذ الجميع فرصتهم في انتخابات المجلس الوطني التأسيسي: فكان للشباب والنساء والمهاجرين نصيبهم من المشاركة فيه، وترشح له المستقلّون جنبًا إلى جنب مع

  1. 37  المرجع نفسه.
  2. 38  المرجع نفسه، ص.428-427
  3. 39  المرجع نفسه، ص.427
  4. 40  أصدر ثلاثون أكاديمًّيًا وفنانًا ومثقفًا تونسًّيًا بيانًا مفتوحًا إلى الشعب التونسي أعلنوا فيه مساندتهم لقرارات الرئيس قيس سعيّد من أجل إنهاء ما سمّوه "هيمنة منظومة الإسلام السياسي على المجتمع التونسي" منذ عشر سنوات في: https://urlr.me/ShkZT كما اعتبر منتدى خير الدين، وهو مركز أبحاث يجمع مثقفين وجامعيين وخبراء يصنّفون ضمن النخبة الحداثيّة "أّن 25 جويلية [تموز/ يوليو] 2021 سيحفره التاريخ، أسوة بيومي 20 آذار/ مارس 1956 و 14 جانفي [كانون الثاني/ يناير] 2011، كتاريخ "التحرّر الثالث" للشعب التونسي"، ينظر: مهدي العش، "وراء مزمار سعيّد تسير كلّ المتناقضات"، المفكرة القانونية، 2021/8/13، شوهد في 2023/9/22، في: https://bit.ly/3V9v8hv؛ ينظر أيضًا: "بوجداريّة: مجموعة المثقفين التقت السفير الأمريكي للقيام بعمليّة 'لوبيينغ معاكسة"'، جي دي دي
  5. تونس، 2021/8/27، شوهد في 2023/9/24، في: https://bit.ly/3MBm7K0 41  بن عاشور، ص.288

الأحزاب، وتمّ ترتيب المترشحين في القائمات على أساس التناصف والتناوب بين النساء والرجال، كما تمكنت المعارضة من فرصة ترؤّس عدد من لجانه التأسيسية. وكان من بين هذه اللجان التي اسُتُحدثت في المجلس الوطني التأسيسي "لجنة الإصلاح الإداري والحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد"، و"لجنة شهداء الثورة وجرحاها." ثم جرى التصديق، في كانون الأول/ ديسمبر 2013، على القانون الأساسي المتعلق بإرساء العدالة الانتقالية، والذي بموجبه تأسست "هيئة الحقيقة والكرامة:" وهي هيئة مستقلة تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي والإداري، واختير أعضاؤها بالتوافق طبقًا للشروط والإجراءات التي نص عليها قانون العدالة الانتقالية  42. وفي 18 نيسان/ أبريل 2014، تأسّست "الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية مشاريع القوانين"، وهي هيئة قضائية وقتية مستقلة تختص بمراقبة دستورية مشاريع القوانين، وتتمتع بالاستقلالية الإدارية والمالية. وقد عُّي نأعضاؤها في 22 نيسان/ أبريل 2014. وفي 21 تشرين الأول/ أكتوبر 2013 أحِدِثت "الهيئة الوطنية للوقاية من التعذيب"، وهي هيئة عمومية مستقلّة انتخب أعضاءها "مجلس نواب الشعب" في 03 آذار/ مارس 2016. ثم كان تأسيس "هيئة النفاذ إلى المعلومة" في 24 آذار/ مارس 2016، وهي هيئة عمومية مستقلة تتمتّع بالشخصية المعنوية، وقد أدّى أعضاؤها اليمين في 20 أيلول/ سبتمبر.2017 هكذا إذًا بدت الطريق مفتوحة لاستكمال تأسيس بقية المؤسسات الدستورية وإرساء نظام ديمقراطي لا رجوع فيه، حتى وإن لم يكن المجتمع متشبعًا بعُدُ بالقيم الديمقراطية. فالرهان على وضع البلاد على سكة الديمقراطية عبر إرساء مؤسساتها الديمقراطية كان بمنزلة البديل الأمثل لتجاوز ما يعانيه المجتمع من نقص في ثقافته السياسية الديمقراطية. وقد اعتبر بن عاشور على إثر نتائج انتخابات 2014 أن تونس "استطاعت أن تتأقلم في زمن قصير مع الديمقراطية في جميع أبعادها" 43. وهو ما ينم في الواقع عن درجة التأثر التي حصلت للتجربة التونسية بفعل المقاربة المؤسساتية للانتقال الديمقراطي؛ وهي مقاربة لا تركز فقط على "دور المؤسسات في بناء الديمقراطية، بما فيها التركيز على شكل الحكومة والنظام الانتخابي واحترام دولة القانون وتشكيل الأحزاب 44، وإنما تؤمن أيضًا بإمكانية فرض الديمقراطية من أعلى، والرهان على إرساء المؤسسات لتأمين "دمقرطة" المجتمع وإعادة تشكيله بما يجعله متلائمًا معها، والاستمرار من ثمّ في الرهان على الديمقراطية بالمزيد منها كلما اقتضى الأمر إصلاحًا جديدًا، أو حلّت في البلاد أزمة 45. غير أن إرساء هذه المؤسسات لم يكن يخلو في ذاته من نقائص وإخلالات؛ فقد وُجّهت إلى "اللجنة العليا للإصلاح السياسي" خاصة عدة انتقادات بخصوص افتقارها إلى الشرعية وطريقة اختيار أعضائها وتمثيليّتهم المنحازة  46. أما "لجنة تقصي الحقائق حول الرشوة والفساد"، فلم يكن لتقاريرها من أثر يُذَكَر؛ فعلى الرّغم من أنها قدّمت تقريرها النهائي في أكثر من 500 صفحة موثقًا بكل التجاوزات، وعلى الرغم من أنها قدّمت أكثر من 11 ألف قضية فساد لمختلف المحاكم، فإنه لم يترتب على ذلك أي نتائج عملية، ثمّ إنها لم تلبث أن استبِدِلت لتحلّ محلّها "الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد" في 24 تشرين الثاني/ نوفمبر 2011. زد على ذلك فشل "اللجنة الوطنية لاستقصاء الحقائق حول التجاوزات والانتهاكات" في الحصول على اعتراف رسمي ب "القائمة النهائية لجرحى الثورة وشهدائها." أما الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي والبصري، فلم تكن قراراتها تحظى بطابع الإلزام، واستقال منها أيضًا بعض أعضائها، وكانت أضعف من أن تعمل على تطوير أداء المشهد الإعلامي  47. ولم يكن حال "هيئة بن عاشور" (الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي) بأفضل من غيرها من المؤسسات. فقد آل أمرها إلى الفشل، بعد أن خَفَتَ وهُجُها نِهَِيَت أعماُلُها في ظروف صعبة في وُأ 13 تشرين الأول / أكتوبر 2011، بانسحاب بعض الأحزاب السياسية - ومنها حركة النهضة - واستقالة العديد من الشخصيات الوطنية منها. وبعد أن كانت توصف في البداية ب "الفريدة من نوعها"، وبأنها "إحدى التجارب الاستثنائية في التاريخ" 48، أصبحت تُتّهم بفرض وصايتها على المسار الديمقراطي وبأنها تفتقر إلى الشرعية  49، بل إنّ الأمر وصل إلى حدّ المطالبة بحلها أاصل   50. وقد اختصت بالنقد بسبب وضعها لقانون انتخابي يعتمد قاعدة التمثيل النسبي مع "أكثر البقايا" على حساب تغليب حضور

  1. 42   " قانون أساسي عدد 53 لسنة 2013 مؤرخ في 24 ديسمبر 2013 يتعلق بإرساء العدالة الرائد الرسمي للجمهورية التونسية، العدد الانتقالية وتنظيمها"، 105، 2013/12/31،
  2. 43  بن عاشور، ص.157
  3. 44  بشارة، الانتقال الديمقراطي وإشكالياته، ص.224
  4. David, E. Apter, "Institutionalism Reconsidered," International Social Science Journal , vol. 43, no. 3 (August 1991), pp. 468, 473; الانتقال الديمقراطي وإشكالياته، ص بشارة، 227
  5. 46  بن عاشور، ص.296-281
  6. 47   " آمال الشاهد تكشف عن أسباب استقالتها من الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي حقائق أون لاين والبصري"،، 2016/4/1، شوهد في 2022/10/10، في: https://bit.ly/3MkBiHj 48  Beau & Lagarde, p. 48.
  7. ص.43453–433
  8. 49  بن عاشور، ص 286
  9. 50  المرجع نفسه.

الأحزاب الكبرى  51. ومع أنه جرى الترويج لهذا القانون في البداية على أنه ضامن للتعددية الحزبية في مجلس نواب الشعب بغض النظر عن وزنهم الانتخابي، فإن هذا القانون سرعان ما انقلب إلى عامل تشتيت للسلطة داخل البرلمان، لوقوفه حجر عثرة دون تشكيل أغلبيات قادرة على الحكم، بسبب تنوع المشهد السياسي وتشتته 52. وقس على ذلك أيضًا ما آل إليه أمر هيئة الحقيقة والكرامة؛ فبعد أن بعث إرساؤها وانطلاُقُ أعمالها آم لًاكثيرة في تحقيق العدالة الانتقالية المنشودة لإخراج البلاد من أزمتها وتخليصها من مشكلاتها، بكشف الحقيقة وحفظ الذاكرة وتحقيق المحاسبة والمصالحة وجبر الضرر وإصلاح المؤسسات، بدأت تتلقّى الضربات الموجعة الواحدة تلو الأخرى. وكانت الضربة القاصمة مع مبادرة قايد السبسي الشهيرة المتعلقة ب "المصالحة الاقتصادية"، التي تقدّم بها إلى مجلس نواب الشعب في صيف 2015، وذلك بسبب ما أتاحته من فرص مجّانية للموظفين المتورطين في أعمال الفساد والاختلاس للإفلات من العقاب، بإيقاف كل أشكال الملاحقات والمحاكمات الجارية في حقهم  54. ولم تقف الضربات عند هذا الحدّ؛ إذ سرعان ما أصبحت هيئة الحقيقة والكرامة مصدر انقسام مجتمعيّ حادّ حول أعقد المسائل وأكثرها إثارة في تاريخ الدولة التونسية المعاصرة: من قبيل "المنجز البورقيبي"، و"الصراع اليوسفي-البورقيبي"، و"تاريخ الحركة الوطنية"، و"الاستقلال الوطني"، و"العلاقة مع المستعمر"، و"معركة الجلاء في بنزرت"، بل من قبيل حتى "الثروات الطبيعية المنهوبة"، و"أحداث الثورة نفسها" 55. زد على ذلك الخلافات الداخلية الحادّة التي نشبت بين أعضاء الهيئة ورئيستها سهام بن سدرين، التي كادت تعصف بالهيئة في أكثر من مرّة  56. وذلك بعد اتّهامها ب "التفرد بالقرار"، والتورّط في الفساد المالي والإداري، والعمل ضمن "أجندات" سياسية بعيدًا عن الحياد والشفافية والاستقلالية، علاوة على ما عرفته "الهيئة" طوال عهدتها من إشكالات عديدة ليس أقلها استقالات بعض أعضائها، وقد خلّفت شغورًا في تركيبتها العددية، على نحو أثّر في شرعية قراراتها. وعلى العموم، تفاقمت الصعوبات التي واجهتها "الهيئة" حتى نهاية أعمالها في عام 2019 في أجواء مشحونة بالصراعات والاحتقان؛ ما تسبّب في تأخير صدور تقريرها النهائي. أمّا بالنسبة إلى "الحكم المحلي"، فلم يكن مصيره مغايرًا هو أيضًا. فبعد أن انعقدت عليه آمال كثيرة في تغيير واقع البلاد المحلي في اتجاه تحسين جودة الحياة والعناية بالبيئة والتهيئة العمرانية، بما يحقّق "ديمقراطية القرب"، ويعيد صياغة العلاقة بين السلطة المركزية والسلطة اللامركزية، وتأسيس التنظيم الإداري التونسي تأسيسًا جديدًا شاملًايساعد في إنجاح المسار الانتقالي ويكرس الديمقراطية محليّا  57، أصبح هذا "الحكم" كذلك، عند تنزيله على أرض الواقع ودخوله حيز التنفيذ، مثارًا لعدّة إشكالات، نذكر في ما يلي مثاَليَن عنها: يتعلّق أوّل المثاَليَن بتنازع الصلاحيات بين السلطة المحلية (رئيس البلدية) والسلطة المركزية (الوالي) في أكثر من جهة، كما يتعلّق بزيادة الاشتباك اليومي مع المخالفين للقانون بكل ما يعكسه ذلك من تضارب بين ثقافتين سياسيتين إحداهما بالية ما زالت تستلهم من إرث الدولة الممركزة   58 كلّ ما يتّصل بقيم "الزبونية" والفساد وسوء التصرف والالتفاف على القانون وهيمنة البيروقراطية، والأخرى مستجدّة تحاول أن تمارس السلطة المحلية ضمن الأفق الجديد لاحترام القانون وأن تطبّقه على الجميع  59. أما ثاني المثاَليَن، وهو عن إشكالات "الحكم المحيّلي "، فيتعلّق بتنامي ظاهرة الاستقالات في المجالس البلدية المنتخبة على مستوى رؤسائها 24(بلدية)، ولا سيما في الفترة آب/ أغسطس -2018 تشرين الأول/، وهو ما مثّل مؤرّش أكتوبر 2019ًا بارزًا د ل اعلى حالة التخبط الذي كانت تمر به السلطة المحلية على مستوى المجالس البلدية60، وإن كان من الممكن رد تلك الاستقالات إلى ثلاثة مبررات رئيسة: ضعف الموارد المالية المتاحة أوّلًا، والتعطيلات الناجمة عن السلطة المركزية ثانيًا، وغياب الثقافة السياسية المواطنية القابلة للتنوع والعمل المشترك ثالثًا  61. يبقى الحديث بعد ذلك عن الأحزاب السياسية: فبعد أن كان يعوّل عليها في البداية لتكون الطريق الملكي إلى إرساء الديمقراطية ولترقى بمستوى الوعي السياسي لدى منخرطيها خاصة ولدى المجتمع

  1. 51  المرجع نفسه، ص.283
  2. 52  حافظ عبد الرحيم، "تجربة التوافق في تمثلات النخب التونسية: الخيارات والتحالفات
  3. 54  المرجع نفسه، ص.49
  4. 55  المرجع نفسه، ص.46
  5. 56  شاكر الحوكي، "التدبير الحر والانتقال الديمقراطي: قراءة نظرية في المفاهيم التدبير الحر للجماعات المحلية، أعمال ملتقى انتظم في والتقاطعات"، في: 29-28 تشرين الثاني/ نوفمبر 2019، كلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس، بدعم من مؤسسة هانس سيدل الألمانية (تونس: Grafic Sotepa، 2021)، ص.32 57  المرجع نفسه، ص 3.9
  6. والتنازلات"، في: تجربة الانتقال الديمقراطي في تونس 2020-2010: معضلات التوافق والاستقطاب (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2021)، ص 100. 53  الحوكي، ص.44
  7. 58  المرجع نفسه، ص.36
  8. 59  منظمة بوصلة، التقرير السنوي حول تقدم إرساء اللامركزية في تونس (تونس: كانون الثاني/ يناير 2020)، ص.49-36
  9. 60  الحوكي، "التدبير الحر"، ص 4.0

عامة  62، إَذَا بها تقلب المشهد برمّته إلى حلبة صراع سياسي يومي وساحة تناحر حزبي وحشيّ لتصفية الحسابات الضيّقة، وإن كان ذلك على حساب الاستقرار البرلماني. من هنا كان عجُزُها عن الارتقاء بأدائها إلى ما تقتضيه "الأخلاق الديمقراطية" من بُعد عن شبهات الفساد والتمويل الأجنبي، ومن نبذ للنرجسيات المتضخّمة التي لم تزد المشهد الحزبي بأدائها الأناني إلا تذرّرًا وتفريخًا من غير طائل، ولم تساعد إلا على إعادة إنتاج حكم الفرد الواحد. وقل الشيء نفسه بالنسبة إلى المجتمع المدني: فبعد أن رُوّجت عنه صورة مشرقة في البداية حلّقت به عاليًا في سماء المجد وجعلته من مآثر التجربة التونسية الانتقالية، حتى إنه توّج بجائزة نوبل للسلام في عام 2015، إذا بنا نراه في مقدّمة من عّب رعن انحيازه اللامشروط إلى الانقلاب لنكتشف أنه لم يكن أكثر من خيمة أيديولوجية مرهونة للحسابات السياسية الضيقة، ومحكومة بموازين القوة التي تفرضها السلطة الحاكمة، بعيدًا عن أي مبدئية أو التزام ديمقراطي. على أن ذروة ما وصلت إليه تلك المؤسسات من الضعف كانت عند اتّخاذ القرار الرئاسي ب "تجميد" مجلس نواب الشعب ليلة 25 تموز/ يوليو، ليتأكّد أكثر فأكثر أنّ الرهان عليه لم يكن منذورًا إلا للفشل، وذلك ليس لأن مصيره سينتهي إلى "الحلّ " نهائيًا بعد ذلك فحسب، بل لأنّ الحياة البرلمانية توقفت تمامًا بمجرد إعلان رئيس الدولة عن "حالة التدابير الاستثنائية" ومحاصرة مقره بالدبابات أيضًا. وهو الأمر الذي يثبت مرّة أخرى أن سوء أدائه السابق، الذي أعجزه عن استكمال إرساء بقية المؤسسات الدستورية، لم يكن في الواقع إلا مقدمة لعجزه الأكبر عن حماية نفسه، وعن عقد جلساته خارج مقرّه الرسمي أو حتى عن بعد  63. ولم يكن المجلس الأعلى للقضاء بأحسن ح لًامنه: فقد نخره سُوس الصراعات أيضًا، وفشل في تحقيق رغبة المشرّع من أجل أن يكون ممثلًالجميع الشرائح المهنية ذات الصّلة بالعدالة، فعمّته حالة من تنافر المصالح بين أعضائه، لم يَقَوَ في أثنائها على الصمود لمواجهة قرار حلّه بالقوة. وحتى المحكمة الدستورية التي رُوّج لها على نحٍوٍ مبالغ فيه ضمن المقاربة المؤسساتية نفسها على أنها كانت ستكون - لو تمّ إرساؤها - "صمام الأمان" لإنقاذ البلاد والحيلولة دون وقوع الانقلاب 64. فإنه لا شيء في الواقع كان يجزم بأنها كان يمكن أن تكون بمنأى عن قرار "الحلّ " بعد أن جرى التّجرّؤ بالفعل على حلّ مجلس نواب الشعب والمجلس الأعلى للقضاء، كما أنه لا شيء كان يضمن أن هذه المحكمة لو أرسيت حًّقًا لم تكن لتصاب بالعلل نفسها التي أصابت بقية الهيئات من تناحر داخلي واستقالات. يتضح مما تقدم أنّ هذه المؤسسات مثّلت عبئًا حقيقيّا على التجربة الانتقالية في تونس، منعها من أن تكون علاجًا ناجعًا لما اعترضها في الطريق من صعوبات. والمدهش أنها كلّها مرّت بالمسار نفسه: ترشّح للعضوية، فانتخاب، فهيمنة من الرئيس، فخلافات ونزاعات وانقسامات، ثم استقالات تنتهي باستسلام، وهكذا دواليك، كما أنها مرت تقريبًا بالمراحل نفسها: تسويق لها في البداية بأنّ في إرسائها خلاَصَ البلاد والعباد، سرعان ما ينتهي بعد ذلك إلى انكشاف فظيع يفضح مسؤوليّتها عن كل مصائب المرحلة. وكفى ب "دستور 2014" شاهدًا على ذلك؛ حيث كان يُنتظر منه أن يكون "الحل السحري" لكل معضلات البلاد، فإذا به يتحول إلى أصل كل الأزمات السياسية التي خرّبت المسار الانتقالي.

بهذا المعنى يمكن القول إن الانتقال الديمقراطي سقط ضحية إفراط الثقة ببنائه المؤسساتي الذي تمّ في الواقع على حساب عدّة أمور لم تؤخذ في الاعتبار، ومنها:

  1. 61  موريس دوفرجيه، المؤسسات السياسية والقانون الدستوري، ترجمة جورج سعد، ط 2 (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر؛ المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر
  2. 62  عدا جلسة واحدة انعقدت عن بعد، حوالى 9 أشهر من إعلان حالة التدابير الاستثنائية في 03 آذار/ مارس 2022 من دون أن تسفر عن نتائج حاسمة. 63  Rafaa Ben Achour, "De l'enterrement de la cour constitutionnelle à l'enterrement de la constitution du 27 Janvier 2014," Revue française de droit constitutionnel , no. 130 (2022), pp. 497-517.
  3. والتوزيع، 2014)، ص.75

ضعف البناء المؤسساتي الذي لم ينجح بسبب حداثته في نيل الحدّ الأدنى اللازم من الشرعية السياسية تسمح له بتعميمها على مجمل الحياة السياسية. وليس أدل على ذلك من عجزه التامّ عن التصدي ل "حالة التدابير الاستثنائية" التي أعلن عنها رئيس الجمهورية على نحوٍ متعسّف وانفرادي. تجاهل "البعد اللاعقلاني في السياسة" 65 كما نبّه إلى ذلك بشارة، هذا البعد الذي لم يكن له الأثر البالغ في بروز "الشعبوية" نتيجة ضعف المؤسسات الرسمية فحسب  66، بل أيضًا في بروز ما يمكن أن نطلق عليه "الوضع السياسي الموازي" الذي كانت فعالياته تجري على هامش الحياة الحزبية والسياسية الرسمية، وكان يستوعب جمهورًا متزايدًا من الشباب المهمّشين ومن الذين فشلت مؤسسات الانتقال الديمقراطي الوليدة في دمجهم. التنكر لحقيقة الديمقراطية من حيث إنها أساسًا "روح" (على حدّ عبارة دايموند)، قبل أن تكون مجرد مؤسسات وإجراءات، وأنه ما لم يقع الاهتمام بنشر الثقافة الديمقراطية وتجذيرها عبر تحويل إجراءاتها إلى عادات وأعراف سياسية وقناعات راسخة، ستبقى تجربة الانتقال الديمقراطي منذورة للأزمات التي قد تودي به في نهاية المطاف. ولذلك كان ألموند على حقّ عندما نبّه إلى أن "الثقافة السياسية" لا تنمو ولا تتأثر بمؤسساتها فقط، ولكن أيضًا بخبرات التنشئة السياسية  67؛ وذلك لأنّ دورها مهم في تحديد بنية السلوك السياسي للمواطن من جهة صياغة ثقافته أو إعادة تشكيلها، ومن جهة بلورة وعيه واتجاهاته وقيمه إزاء الظاهرة السياسية، على نحو يجهّزه للانخراط الفاعل في الحياة السياسية وهو متسلّح بموقفه الشخصي المؤيّد أو الرّافض لأنماط معينة من النظم السياسية  68. فالديمقراطية بهذا المعنى ليست مجرّد بناء مؤسسي، بل أيضًا مجموع القيم والاتجاهات والمشاعر التي تشجع على الممارسة الديمقراطية الفاعلة سواء من لدن الحكام أو من لدن المحكومين. وهذا هو في الواقع ما قّصر ت فيه التجربة التونسية ولم توِلِه ما يستحقّ من العناية اللازمة. وإلا فنحن لا نبالغ إن قلنا إنّ ما حصل في السنوات العشر الأخيرة لم يكن أكثر من إهمال للتنشئة الديمقراطية، مع ترك مؤسسات الانتقال الديمقراطي بلا تشبيك بينها كأنها جُزر معزولة. بقيت إشارة لا بدّ منها هنا وهي تتمثّل في أنّ خسارة الرهان، سواء على المؤسسات أو النخب السياسية وإن كان دورها حاسمًافي إفشال تجربة الانتقال الديمقراطيّ، لا يمكن أن يعوّل عليها وحدها في تفسير مثل هذا الفشل بمعزل عن غيرها من العوامل. فْلْنحرّْرْ في ما يلي القول في ذلك.

ثانيًا: في أن الثقافة السياسية ثقافة معطوبة

إن عطب الثقافة السياسية يمكن اعتباره من تلك العوامل التي تفرّس ر فشل الانتقال الديمقراطي. وهذا العطب يظهر من وجهين: وجه أوّل تبدو من خلاله هذه الثقافة مكبّلة بالقيم غير الديمقراطية، ووجه ثاٍنٍ تبدو من خلاله متعارضة مع النظام السياسي وغير قادرة على الانسجام معه.

بروز ثقافة سياسية مكبّلة بالقيم غير الديمقراطية

لئن لم يتناول ألموند وفيربا الثقافة السياسية من زاوية "الاستعصاء الثقافي"، فإنهما ميّزا فيها مع ذلك بين ثلاثة أنماط، هي: "الثقافة السياسية التقليدية" Culture Political Parochial، و"الثقافة، و"الثقافة Subjection Political Culture "السياسية الرعوية. وإذ اعتبرا Participant Political Culture "السياسية التشاركية أنّ هذا النمط الأخير (أي "الثقافة السياسية التشاركية)" هو وحده ما يلائم الأنظمة الديمقراطية، فإنّهما نبّها أيضًا إلى أن كل ثقافة سياسية

  1. 64  بشارة، الانتقال الديمقراطي وإشكالياته، ص.226
  2. 65  المرجع نفسه.
  3. G. A. Almond, Discipline Divided: Schools and Sects in Political Science (London: Sage Publications, 1990), p. 143.
  4. 67  نوير، ص.28

لا بدّ من أن تحمل في طياتها خليطًا من رواسب شتّى منقولة من سائر الثقافات  69. ومع أن تجربة الانتقال الديمقراطي في تونس وجدت في الثقافة السياسية التشاركية - على الأقل في الظاهر- مجالها الطبيعي، فإن ما ميّزها - وهنا المفارقة ومناط الإشكال - هو إعادة إحياء موروث الاستبداد والقابلية للخضوع سواء في الصحافة والإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي أو في الفضاء العام عمومًا؛ ذلك الموروث الذي جثم بكْلْكِلِه على ثقافتنا قرونًا وقرونًا، وبقي يفعل فينا فعله من حيث تشكيل توجهاتنا الفكرية وتركيب بنيتنا الذهنية، حتى بعد اندلاع الثورة التونسية. ثم لم يلبث هذا الموروث أن أخذ في الكشف عن وجهه السافر مجددًا سواء بالتطلع إلى ظهور "المستبد العادل" نموذجًا للحكم أو من خلال المواقف السياسية المعلنة والقاموس اليومي المستعمل في كل مكان، وذلك من قبيل أنّ "الديمقراطية لا تصلح لنا." لا عجب بعد ذلك إذا وجدنا تقارير عديدة - على غرار تقرير اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا 2014 - تكشف عن أولويّة حفظ الأمن ومكافحة ارتفاع الأسعار في اهتمامات الطبقة الوسطى في تونس 44(في المئة) 70 على حساب التمسّك بحرية التعبير 7(في المئة فقط)، على نحو أحلّها تقريبًا في ذيل الترتيب مقارنة بنظيراتها في الدول العربية الأخرى. وفي استطلاع أجراه المعهد الجمهوري الدولي عام 2018، اختار ثلثا المستجيبين تقريبًا الازدهار الاقتصادي على الديمقراطية  71. وأظهرت نتائج عمليات سبر للآراء، أعدتها ثلاث مؤسسات متخصصة هي "سيغما كونساي"، و"إمرود"، ومركز الدراسات الاجتماعية والسياسية 2016()، أن أغلب التونسيين يضعون "تحسين أوضاعهم الاجتماعية ومستوى المعيشة في صدارة أولوياتهم، قبل حرياتهم السياسية المدنية: الفردية منها والعامة"، ويفضّ لون "توفير الأمن" و"لقمة العيش" في ظلّ "دولة قوية" على "ديمقراطية ناشئة ومتعثرة." وفي استطلاع آخر قام به مركز الدراسات الاقتصادية والاجتماعية 2016() تبّي نأن 87 في المئة من المستجيبين يختزلون مطالبهم في "توفير لقمة العيش أولًا"، مقابل 13 في المئة فقط كانوا يطالبون بالديمقراطية  72. هذا عدا ما أكدته "شبكة مراقبون" المتخصصة في ملاحظة الانتخابات عام 2018، من أن 74 في المئة من الشباب التونسي غير مهتمين بالحياة السياسية ولا بالشأن المحلي  73. على هذا الأساس، فإن وصف الثقافة السياسية بكونها ثقافة معطوبة، بمعنى أنها تعاني خللًاداخليّا لا يساعدها على التعامل مع الخيار الديمقراطي باعتباره أولوية، لا يمكن إلا أن يضعنا وجهًا لوجه مع أدبيات "الاستعصاء" أو "الاستثناء الثقافي" التي برزت في التسعينيات، والتي لم تكن ترى في "بنية الثقافة الإسلامية والعربية" إلا عائقًا يحول دون التطبيع مع "القيم الديمقراطية"؛ بحجّة أنّ هذه الثقافة مشحونة بمجموعة من القيم تجعلها عصيّة بالسليقة على أيّ استجابة ديمقراطية. وهو ما ذهب إليه باحثون من قبيل إيلي خدوري 74، وهشام شرابي  75، وفؤاد إسحق الخوري76. وما زال هذا الطرح يلقى تجاوبًا قويّا لدى النخب الأكاديمية، بعد أن صارت تبشر إما بأفول الديمقراطية  77 وإما بعدم استعداد الشعوب لها78. ومع أن مثل هذا الموقف العام يسمح لنا بفهم صعود سعيّد ونجاحه في تمرير خطابه التبشيري بنهاية الأحزاب والديمقراطية التمثيلية، فإنه يبقى موقفًا انطباعيّا لا يمكن قبوله، لما يختزنه من أبعاد جوهرانية وخلفيات أيديولوجية لا يمكن إلا أن تصب في خانة الاستبداد والانتصار له  79 لاإّااو، اسًاسأ يملع يغر هنوك نع لاضًااف، فإنّ الديمقراطية ليست حكرًا بالضرورة على ديانات وثقافات دون أخرى، كما أنه لا معنى لحرمان شعوب بعينها من خوض مغامرة الديمقراطية بتعلّة أنها تفتقر تاريخيّا إلى قيمها وأن الأولوية يجب أن تكون لتوفير الأمن والغذاء  80.

  1. Almond & Verba, pp. 22-25.
  2. اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا)،  69 الطبقة الوسطى في البلدان العربية: قياسها في التغيير (بيروت: 2014)، ص.99
  3. Tunisians are Losing Faith in the Ballot Box," Middle East & Africa Democracy and Its Discontents , 18/1/2018, accessed on 24/9/2023, at:
  4. غيورغ سورنن،  79 الديمقراطية والتحول الديمقراطي: السيرورات والمأمول في عالم متغير، ترجمة عفاف البطاينة (بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2015)، ص.150
  5. 72   " مشاركة الشباب في الانتخابات في تونس: بين الموجود والمنشود"، مبادرة الإصلاح العربي، 2022/8/17، شوهد في 2023/9/24، في: https://bit.ly/3Vy2S8l
  6. Elie Kedourie, Democracy and Arab Political Culture , 2 nd ed. (London: Frank Cass and Co. Ltd, 1994), pp. 6-8.
  7. 74  هشام شرابي، النقد الحضاري للمجتمع العربي في نهاية القرن العشرين (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1999)، ص.11
  8. 75  فؤاد إسحاق الخوري، الذهنية العربية: العنف سيد الأحكام (بيروت/ لندن: دار الساقي، 1993)، ص.91
  9. 76  محاضرة افتتاحية نظمها معهد تونس للفلسفة بالاشتراك مع كرسي "الإيسيسكو" للتفكير في العيش المشترك في 26 مارس/ آذار 2022 في مدينة الثقافة وأثثها أستاذ الفلسفة في الجامعة التونسية فتحي التريكي، وقد تولى إدارتها الوزير السابق حكيم بن حمودة حول "إشكالية حالة الديمقراطية في العالم وما تشهده من تراجعات." للاطلاع على محتوى المحاضرة، ينظر: "نوفل سلامة يكتب، المفكر فتحي التريكي يحاضر حول: كيف نعيد بناء الصريح الديمقراطية؟"،، 2022/4/3، شوهد في 2022/9/10، في: https://urlr.me/g6PCK
  10. 77  آمال قرامي، "فاجأتنا الثورة ونحن ما نزال في سنّ المراهقة الأولى"، موزاييك أف أم، 2023/1/17، شوهد في 2023/9/24، في https://bit.ly/41PnlYD: 78  بشارة، الانتقال الديمقراطي وإشكالياته، ص.418
  11. https://econ.st/3eyFBlQ
  12. 71  لبنى الحرباوي، "تونس بتوقيت الفقر.. أيهما أفضل الديمقراطية أم لقمة العيش  "، https://bit.ly/3SQQQVI:، 2023/9/24 في، 2018/1/13 شوهد في العرب،

وكما يقول بشارة، فإنه "لا معنى لبحث الثقافة السياسية إذا اشتقت من جوهر مزعوم للديانات والحضارات" من دون مراعاة تاريخيتها وتطورها وتأثرها بالنظام الاجتماعي والسياسي القائم  81. وفضلًا عن ذلك، فإنّ المتأمّل في الوضع التونسي يلاحظ أن رسوخ الثقافة الاستبدادية إنما يعود أساسًا إلى طبيعة التنشئة السياسية. وهذا ما يتضح من خلال النقاشات البؤرية التي أجرتها "مبادرة الإصلاح العربي" مع الشباب في ستّ مدن تونسية تمثل المناطق المهمشة 82، والتي بينت أنّ التنشئة السياسية الأولية في المناطق المهمشة فشلت عبر المدارس العمومية في ترك أثر حقيقي في نقل المعرفة الديمقراطية أو بلورة مواقف ديمقراطية مؤثرة؛ إذ تبّي نأنّ التعليم الرسمي لم يكن يشتغل باعتباره أداة أساسية للتنشئة الاجتماعية ضمن نظام ديمقراطي، بقدر ما كان مجرّد فضاء للحفاظ على قيم التسلط والاستبداد  83. فالمقرر الدراسي تجاهل تقريبًا التحولات السياسية الكبرى التي حصلت منذ عام 2011، سواء على مستوى النظام السياسي أو على مستوى الحقوق والحريات، مع تغييب كلي لحدث الثورة وما أسفر عنه من تجربة انتقالية ديمقراطية. ومن النتائج التي كشفت عنها تلك المناقشات البؤرية كذلك أنّ الشباب في المناطق المهمشة لا يثقون كثيرًا بالعملية الديمقراطية ولا بمؤسساتها، كما أنّهم أبانوا عن سوء فهم عميق لمفهوم الديمقراطية بسبب غموضه والتباسه على الصعيَدَين النظري والعملي. وإذ اتّجه بعضهم إلى ربط أولوية الانتقال الديمقراطي بإنشاء المحكمة الدستورية أو بتنشيط الاقتصاد، فقد اتّجه آخرون إلى ربط الديمقراطية بالفوضى، واعتبروا حل البرلمان والتخلص من الأحزاب السياسية شرطًا لإصلاح النظام السياسي  84. إن التوقف عند ما انتهت إليه المناقشات البؤرية التي أجرتها مبادرة الإصلاح العربي يكتسي أهمّية قصوى، بحيث إنه لا يقف عند مجرّد تقويض التعميمات المتهافتة حول ما يشاع عن "استعصاء الثقافة العربية والإسلامية على الديمقراطية"، بقدر ما يشدّد على أهمية النظر إلى "العناصر الثقافية" نفسها في تاريخيّتها الصّميمة؛ لا في بعدها الجوهراني المتخيّل  85 الذي يكبّل الثقافة السياسية بالقيم غير الديمقراطية  86. وإّل افإنّ مهمّة غرس قيم بعينها، أو طمس غيرها من القيم، إنما هي مسؤولية التنشئة السياسية السائدة في المؤسسات التعليمية، وفي مختلف أجهزة الإعلام الجماهيري؛ بما هي عملية مستمرة ومتجددة يكتسب من خلالها الأفراد التوجهات السياسية ونماذج السلوك السياسي. وقد أصاب ستيفن دي تانسي حًّقًا، حينما أشار إلى وجود شيء يفسرر سبب انتماءات الناس واختياراتهم السياسية: ألا وهو "أن هؤلاء الناس تمت تنشئتهم على ثقافات سياسية محددة" 87. أما المؤشر العربي الذي يعدّه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، فإنه خلص إلى نتائج مهمّة لا ترى في ما حصل بتونس عشية 25 تموز/ يوليو وما بعده موقفًا معاديًا للديمقراطية في حدّ ذاتها، بقدر ما ترى فيه موقفًا من الأداء السياسي البرلماني أو الحزبي ليس أكثر  88. وهو ما يتعزّز بما لوحظ من صمود شرائح اجتماعية واسعة وأحزاب سياسية وازنة (كحركة النهضة) ضد الوضع السياسي الجديد، وبما ظهر لدى هذه الأطراف من إصرار على المطالبة باستئناف المسار الديمقراطي، حتى إن كانت تتحمل مسؤولية ما حصل من جرّاء ما وقعت فيه من أخطاء وسوء إدارة للمرحلة الانتقالية؛ فما جرى بعد حدث 25 تموز/ يوليو يستدعي التوقف عنده لأنه يقوّض من الأساس كل الأطروحات التي دأبت على ربط ما هو إسلامي بازدراء الديمقراطية، ولأنه أيضًا يفضح أكذوبة استئثار "العلماني" بالديمقراطية دون سواه مع ما تولّد عنها من أطروحات "عنصرية"، على حدّ عبارة بشارة، ولأنه يثبت كذلك أنّ هذا "العلماني الحداثي" هو حليف الاستبداد والانقلابات الرئيس، وعائق الديمقراطية الفعلي، وليس الإسلاميين كما يشاع. فهل يبقى بعد ذلك من وجاهة للزعم الذي يريد أن يبثّ الوهم بأنّ الاستعصاء على الديمقراطية في الدول العربية مردّه أساسًا إلى طبيعة الإرث الحضاري الإسلامي؟ بقي أن نفهم، أخيرًا، أنّ الاستهداف الذي ووجهت به الديمقراطية من هؤلاء لم يكن موجهًا إليها في المطلق، بقدر ما كان تعبيرًا عن اعتراضهم على قواعد اللعبة السياسية التي كانت سائدة، بعد أن استقرّ الرأي لديهم بأن حركة النهضة هي وحدها المستفيد هنا. وإلا فما معنى أن

  1. 80  بشارة، الانتقال الديمقراطي وإشكالياته، ص.418
  2. 81   " هل فشلت الديمقراطية التونسية في إقناع الشباب التونسي؟ تباطؤ مسيرة التنشئة الاجتماعية الديمقراطية؟"، مبادرة الإصلاح العربي، 2021/8/24، شوهد في 2023/9/24، في: https://acr.ps/1L9zPdk؛ المناقشات البؤرية في الفترة كانون الثاني/ يناير -نيسان/ أبريل 2021، أجرت مبادرة الإصلاح العربي 12 مجموعة نقاش بؤرية، بلغ عدد المشاركين فيها 109 مشاركين، من بينهم شباب تونسيون تراوح أعمارهم بين 18 و 53 عامًا، يعيشون في
  3. 82  دنيا السماعلي بوحليلة، "التعليم في تونس: المنجز الماضي والانحدار الحاضر المستقبل"، الباروميتر العربي وتحديات،، شوهد 2021/4/20 في 2023/9/24 في،: https://acr.ps/1L9zOlu
  4. 83   " هل فشلت الديمقراطية التونسية في إقناع الشباب التونسي؟."
  5. 84  عزمي بشارة، في المسألة العربية: مقدمة لبيان ديمقراطي عربي (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2018)، ص 93،.117 85  إيليا حريق، "التراث العربي والديمقراطية: الذهنيات والمسالك"، المستقبل العربي، السنة 22، العدد 251 2000()، ص.5
  6. ست مدن تمثل المناطق المهمشة: فوسانة، والقصرين، وحاجب العيون، والقيروان، والشبيكة، ومجاز الباب.
  7. 86  ستيفن دي تانسي، علم السياسة: الأسس، ترجمة رشا جمال (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2012)، ص.188
  8. 87   " اتجاهات الرأي العام التونسي نحو التجربة الديمقراطية"، سياسات عربية، وحدة استطلاع الرأي العام، مج 9، العدد 52 (أيلول/ سبتمبر 2021)، ص.109 ينظر:

ينخرطوا بدءًا في الدعوة إليها ويقبلوا بالاحتكام إلى آلياتها، ثمّ ينقلبوا بعد ذلك عليها، إّل اإذا اعتبرنا أن موقفهم "الانقلابي" ذاك ليس موقفًا من الديمقراطية في حد ذاتها كما أشرنا، بقدر ما هو موقف من النتائج التي أفرزتها في أكثر من دورة انتخابية، والتي أكّدت حضور حركة النهضة في المشهد السياسي وعزّزت مشاركتها فاعلًاسياسيًا رئيسًا؛ ما أورث لديهم شعورًا متفاقمًا بالإحباط والخذلان من الديمقراطية، بعد أن "خانت" نضالاتهم من أجلها، و"تنكّرت" لحجم تضحياتهم في سبيلها. إنّ الحاصل من استطلاعات الرأي هذه، على تنوعها واختلافها، هو إثارتها لمسألتين: أولاهما تتعلّق بما حصل من خلط في أذهان خصوم الإسلام السياسي من العامة ومن النخب على حدّ السواء بين الديمقراطية وحركة النهضة؛ إذ وقع في وهمهم من جرّاء انفراد خطاب حركة النهضة بالدفاع عن المسار الانتقالي أنّ النهضة هي الديمقراطية وأنّ الديمقراطية هي النهضة. وكان من مقتضى رفضهم المبدئي والقاطع لحركة النهضة أن رفضوا أيضًا الديمقراطية نفسها. أما المسألة الثانية، فتتعلّق بالعوامل التي حوّلت الانتقال الديمقراطي في تونس إلى معضلة حقيقية، وذلك ليس من جهة امتناع أجهزة الدولة العميقة - سواء عبر وسائل الإعلام أو عبر المنظومة التربوية - عن تعزيز وجود هذا الانتقال ودعمه بما يلزم من ثقافة مواطنية فحسب، بل أيضًا من جهة الصراع الدائر بين من يعتقد أنّ التخلص من حركة النهضة أولويّة تقتضيها الديمقراطية، ومن يراهن على الحسم النهائي مع الحركة، حتى لو اقتضى الأمر التضحية بالديمقراطية نفسها. والحاصل من كلّ ذلك، أنّ أي سعي إلى إرساء نظام سياسي ديمقراطي في تونس من دون تطعيمه بثقافة ديمقراطية ترسخ مبدأ العيش المشترك، سيكون مآله الفشل وستبقى الديمقراطية مستهدفة، سواء أكان استهدافها عن قصد أو عن غير قصد، وهو ما نفصّل القول فيه تاليًا.

تباين الثقافة السياسية مع النظام السياسي

إذا كان "النظام السياسي"، بمعناه الواسع في الاستعمال الفرنسي  89 الذي يعّب رعنه لفظ politique Système، والذي يمكن ترجمته عربيًا ب "المنظومة السياسية"، أو ب "النسق السياسي" 90، (بالطّبع مع مراعاة الفارق الواضح في استعماله الاصطلاحي بين معناه الدّارج في قاموس العلوم السياسية ومعناه المنضبط في قاموس القانون الدستوري  91)، وإذا كان هذا النظام لا يقف عند حدود معناه الضيّق Régime politique بما هو أسلوب ممارسة الحكم على قاعدة مبدأ الفصل بين السلطات  92، بل يضيف إليه أيضًا معاني أخرى تستوعب، إلى جانب دلالته على التنظيم الاقتصادي والأيديولوجي والاجتماعي والثقافي، دلالته على الانتقال الديمقراطي، فإنّه لن يقدر على تأمين استقراره واستمراره وضمان فعاليّته وجدواه، إلا إذا حقّق انسجامه مع الثقافة السياسية في صورتها النموذجية المثالية التي استخلصها كلّ من ألموند وفيربا، تحت اسم الثقافة المدنية، من دراسة خمس دول متباينة من حيث التجربة السياسية والتاريخية (الولايات المتحدة الأميركية، والمملكة المتحدة، وألمانيا، وإيطاليا، والمكسيك)، وإلا انتهى أمره إلى التعّث روالانهيار والتلاشي، وذلك لما لهذه الثقافة السياسية من قدرة فائقة على تعزيز ذلك "النظام" =("المنظومة)" وشدّ أزره، أو إضعافه وتقويضه، ومن دون أن يعني ذلك شرطًا مسبقًا للديمقراطية، كما وضّ ح ذلك بشارة 93. فليس من قبيل المصادفة إذًا أن تحرص الأنظمة السياسية على توظيف التنشئة السياسية لغرس ما يسايرها من قيم وتوجهات وأفكار، عن طريق المؤسسات التعليمية أو عبر أجهزة الإعلام، وهذا بقطع النظر عّم اإذا كانت ممارسة الحكم فيها تتمّ بطريقة تسلطية تدفع الأفراد والجماعات دفعًا إلى التنصّل منه، أو بصفة ديمقراطية تشجّعهم على الانخراط فيه بمحض إرادتهم: ففي الحالة الأولى سيكون مدار الثقافة السياسية على الخوف من السلطة والإذعان لها، فضلًاعن ضعف المشاركة السياسية بسبب التضييق على المعارضة وفتور الإيمان بقيمة الفرد وكرامته، أما إذا كان الحكم ديمقراطيًا فسيكون مدارها على الإيمان بحقوق الإنسان، والقبول بالرأي الآخر، وبوجود قدر من المعارضة السياسية. ولذلك كانت الديمقراطية، كما يقول فوكوياما، محتاجة إلى "ثقافتها الخاصة حتى تنجح وظيفيّا" 94. ولأنّ العلاقة بينهما جدلية والواحد منهما يؤثّر في الآخر بالضرورة، كان لا بدّ من مراعاة شرط التلاؤم بينهما لتأمين مطلب الاستقرار السياسي، وإلا فلن يكون لاستمرار النظام الذي يجري فيه الانتقال الديمقراطي مثلًاأي معنى، إذا لم تسنده وتعزّزه ثقافة سياسية ملائمة

  1. 88  لزهر بوعوني، الأنظمة السياسية والنظام السياسي التونسي (تونس: مركز النشر الجامعي، 2002)، ص.10
  2. 89  رافع بن عاشور، المؤسسات والنظام السياسي بتونس، ط 3 (تونس: مجمع الأطرش،
  3. 90  وهذا التعريف للمنظومة السياسية يمكن ترجمته إلى العربية على أنها "مجموعة العلاقات الإنسانية الثابتة التي تعكس علاقات القوة أو الهيمنة أو السلطة على نحو بارز."  Robert Dahl, L'analyse politique contemporaine , Iain Whyte (trad.) (Paris: Fayard, 1973), p. 28.
  4. 91  بوعوني، ص.10
  5. 92  بشارة، في المسألة العربية، ص.135 93  فوكوياما، ص.145
  6. 2019)، ص.16-14

وغنيّة بما فيها من قيم ومعتقدات واتجاهات ديمقراطية  95، مثلما سيكون من العبث السعي إلى "دمقرطة" أي ثقافة سياسية من دون سياق ديمقراطي يتيح لها إعادة بناء نفسها في إطار المنظومة السياسية الديمقراطية. فهما بمنزلة الوجهين للعملة الواحدة، وكلاهما يفضي حتمًاإلى الآخر  96. إلا أن مناط الإشكال في التجربة التونسية الانتقالية هو عدم اهتمام أصحاب القرار بضرورة تحقيق أعلى درجات الاندماج بين النظام السياسي الجديد والثقافة السياسية، في مقابل التركيز على المسألة الانتخابية. فبقي التباين بينهما سيد الموقف، وقد كان من أبرز مظاهره ما يلي: بروز سعيّد من خارج منظومة الحكم الديمقراطية من دون مراعاة أي انسجام منطقيّ مع مقتضياتها السياسية، كالانتماء - على الأقل - إلى حزب سياسي، أو امتلاك تاريخ نضالي مشرّف، أو التقدّم ببرنامج سياسي عملي، إلّ ما كان يصرح به من "تأسيس جديد"، لن يكون في الواقع إلّ نسفًا لمنظومة الحكم الانتقالية. ومع أنّ ذلك كان ينذر بشرخ حادّ في علاقة النظام السياسي الجديد بالثقافة السياسية التي كان يمثلها هذا الرجل وهو في طريقه إلى السلطة، فما من أحد أخذ هذا الأمر على محمل الجد، بل إنّ الذي حصل هو أن الأحزاب قد تزاحمت عليه في محاولة لاحتوائه وإقحامه في الصراع الدائر بينها، حتى أصبح في زعم كل حزب أنه مرشحه للرئاسية. دخول عبير موسي إلى البرلمان، وهي التي لم تؤمن يومًا بالانتقال الديمقراطي ولا بالعمل البرلماني ولم تُخْفِ قطّ عزمها على نسف منظومة الثورة التونسية والدعوة إلى الإقصاء والتسلّط. والمفارقة هنا أن النظام السياسي هو الذي سمح بوجودها من دون أن يحاول حماية نفسه منها بأيّ طريقة كانت، إلا بالرهان على الوعي السياسي للناخبين  97. فما كان منها، بعد أن مرت عبر الانتخابات، إلا أن حوّلت مجلس نوّاب الشعب إلى حلبة للصراع اليومي العنيف والمتشنّج مع رئاسة المجلس ومع النوّاب المخالفين لها، وعطّلت العمل البرلماني مرارًا بُغية النكاية بخصومها وفرض وجهة نظرها فرضًا. وظلّت طوال فترة عملها النيابي تروّج لخطاب إقصائي يدّعي امتلاك الحقيقة المطلقة، ولا يزيد إلا في ترذيل المشهد السياسي عمومًا والبرلماني خصوصًا. تعمّق الخلاف حول شكل نظام الحكم المختلط أو البرلماني المعدّل الذي كرّسه دستور 2014 إلى حدّ المجاهرة بالدعوة المخاتلة - مع اندلاع كل أزمة سياسية - إلى تعديله حتى يعود نظامًا رئاسيًا، على نحو ما كان سائدًا في زمن بن علي، وذلك بنيّة مبيّتة لإعادة السلطة التنفيذية إلى تغوّلها، ومن ثمّ تركيز السلطات في يد شخص "ملهم" يكون واحدًا أحدًا ليس كمثله شيء، مع إضعاف دور البرلمان في المقابل لتفويت أيّ فرصة على حركة النهضة حتى لا تشارك في الحكم بفاعلية، ويقع احتواء كل ما يكون منها من تأثير سياسي. تنامي التباين في المرجعيات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأيديولوجية، إلى حدّ تأزيم الوضع بالبلاد وتهديد شرعية النظام واستمراره. وغالبًا ما يكون هذا التباين حول نقطتين: أولاهما تتعلّق بطبيعة النمط المجتمعي، وثانيتهما تتعلّق بالدور الاقتصادي للدولة. فإذا كان العلمانيون بالنسبة إلى أولى النقطتين ينادون بدستور لائكي كلّيًا وبمجتمع حداثي متحرر في المطلق، ويصطفّون من دون تردّد في خندق الدفاع عن المثلية وحرية الدين والأقليات، وعن المساواة في الإرث وإلغاء عقوبة الإعدام، فإنّ الإسلامييّن - وحركة النهضة تحديدًا - عادة ما يتمسّكون بواجب التحفّظ عنها جميعًا. ولذلك يتشبّثون بموقفهم التقليدي من الدستور، وأن يكون مواكبًا لمنطق العصر، على ألّ يهمل مكانة الإسلام في الدولة وألّ يقصي المسألة الدينية من المجتمع. أما بالنسبة إلى النقطة الثانية، فقد كانت هي أيضًا موضع خلاف بين أحزاب في معظمها ذات توجّه قومي ويساري، وحتى حداثي، تدعو إلى الإبقاء على الدور المحوري للدولة في توجيه الاقتصاد والتحكم فيه، وأحزاب أخرى منها حركة النهضة تدعو إلى أن يقتصر دورها على التعديل والمراقبة مع منحى واضح نحو خيار اقتصاد السوق، فضلً عن الخلاف في مدنية الدولة التي وردت في الفصل الثاني من دستور 2014، وما أحدثته من شرخ في صفوف النخبة بين من يحاول ربطها بالعلمانية ومن يقيّدها بالمرجعية الإسلامية  98.

  1. 94  حسين علوان، إشكالية بناء الثقافة السياسية في الوطن العربي (بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 2009)، ص.12-11
  2. 95  نوير، ص 24؛  Yehudah Mirsky, "Democratic Politics, Democratic Culture," Orbit , vol. 37, no. 4 (Fall 1993), pp. 567-580.
  3. 96  كان مجلس نواب الشعب قد صدّق على مشروع قانون أساسي متعلق بإتمام وتنقيح قانون الانتخابات والاستفتاء، يوم 18 حزيران/ يونيو 2019، يستبعد فيه من الترشح
  4. للانتخابات كل من يثبت قيامه بخطاب لا يحترم النظام الديمقراطيّ وقيم الدستور، أو يدعو إلى العنف والتمييز بين المواطنين، أو يمجّد انتهاكات حقوق الإنسان، إلا أن الرئيس قايد السبسي رفض ختمه. 97  فرج بالحاج، سجال العلمنة والإسلام السياسي في تونس (تونس: مجمع الأطرش، 2016)، ص 108-98؛ لمياء ناجي، "مدنية الدولة"، في: قراءات في دستور الجمهورية الثانية (تونس: مجمع الأطرش، 2017)، ص.62-31

جنوح بعض الشرائح السياسية إلى رفض القبول بنتائج الانتخابات كلما لم توافق اختياراتهم، وركونهم من ثمّ إلى التبرير "المؤامراتي" لهزائمهم، تارة بتعلّة الغش والتزوير، وتارة بتعلّة التمويل الأجنبي وشراء الأصوات، بل حتى بقصور وعي الشعب في بعض الأحيان. والحال أن قبولهم بتلك النتائج - وإن كانوا لا يرتضونها - هو الشرط الأول لتعميم "ثقافة التسامح والتفاهم المتبادل" الضامنة لاستقرار الديمقراطيات، بدلً من الأهواء المحازبة والأهواء المنحازة  99. ولذلك عندما يعلن فوكوياما أنّ مواطنين لا يبلغ تعلّقهم بأفكار الحكم الدستوري إلى حدّ الهوس يكونون أعجز من أن يُبقوا ديمقراطيّتهم على قيد الحياة  101، لا نملك إلا أن نأخذ قوله على محمل الجد والتأمل فيه عميقًا. تجاهل ثقافة الجماهير ودورها في استقرار الديمقراطية في عصر انتشار شبكات التواصل الاجتماعي والفضاء الافتراضي من دون أن يقابلها إصرار من النخب على أهمية التمسك بالنظام الديمقراطي  102، ومن دون أي محاولة لتجذير قيم الديمقراطية وتحويل إجراءاتها إلى عادات وأعراف مقبولة في السياسة حتى لا ترتد عكسيًا على النظام السياسي في مراحل أزماته  103. عدم شعور الأفراد بالولاء للنظام السياسي الجديد، على غرار ما ظهر مثلً في النقاشات البؤرية التي تناولناها آنفًا، والتي أعرب الكثير من المشاركين فيها عن عدم ثقتهم إطلاقًا بالهياكل التنظيمية لهذا النظام  104. ولئن مثّل ذلك مؤشرًا قويًا على تآكل شرعيته وتزايد عجزه عن تخطي الأزمات والمصاعب، فضلً عن صعوبة حمل أولئك الأفراد على القبول بقراراته السياسية المؤلمة، فإنه كان كافيًا ليدق ناقوس الخطر تجاه عمليّة ترسيخ الديمقراطية على المدى الطويل  105، وهو ما سبق أن نبّه إلى خطورته فوكوياما حينما شدّد على أن المواطنين ما لم يؤمنوا بأنهم جزء من الكيان السياسي نفسه، فإن مآله أن يفشل برمته وظيفيًا 106.

خاتمة

على الرغم من الانحسار الذي عرفه مفهوم الثقافة السياسية بسبب النقد الذي تعرض له في السبعينيات، سواء من جهة التشكيك في قدرته على تفسير حركة التغيير الاجتماعي وضبط توجهات الناس في سلوكهم  107، أو من جهة الحساسية مما قد ينطوي عليه من انحياز ثقافي نظرًا إلى كونه وضع على منوال التقليد الغربي في نحت المفاهيم، ولا سيما منها ما يتعلّق بالحداثة أو بثقافة المواطنة بكل ما تقتضيه من إيمان بالقيم العلمانية والليبرالية  427، فإن هذا المفهوم ما لبث أن عاد بقوة مع أواخر الثمانينيات في أدبيات العلوم السياسية. واليوم، بسبب ما حصل في تونس منذ 25 تموز/ يوليو 2021، تزداد الحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى تجديد استعمال مفهوم الثقافة السياسية في صيغته "الموندية"، وذلك لما يختزنه من فاعلية إجرائية في فهم مغاليق التجربة التونسية  ؛ وذلك ليس لكونية هذا المفهوم التي تبقيه على نحو أوسع من أن ينحصر في الثقافة الغربية وحدها، بل لما أتاحته التجربة التونسية من اختبار حقيقي لمتانة الارتباط بين الثقافة السياسية ومآل الانتقال الديمقراطي أيضًا. وإذ توصلت هذه الدراسة إلى جملة من النتائج المعتبرة؛ ربما كان أهمّها خسارة الرهان على النخب لفشلها خاصة في الارتقاء بالمسألة الديمقراطية إلى مستوى القضية الوطنية، إلى جانب خسارة الرهان أيضًا على المؤسسات الديمقراطية بحكم هشاشتها الناجمة أساسًا عن اختزال دورها في ما هو إجرائي شكلي بمعزل عن عمقه القيمي والثقافي الذي هو شرط تحصينها الديمقراطي، فإنها لم تنَسَ أن تلحّ، من جهة أخرى، على أن ثقافة سياسية مكبلة بالقيم غير الديمقراطية سيستعصي عليها أن تذهب بعيدًا، وستتحول رغم أنفها إلى عائق جدّي أمام تطور النظام السياسي الجديد؛ وذلك لأحد سببين: إمّا لكون الثقافة السياسية السائدة في الأحزاب أو الإعلام أو المدارس أو الصحافة لم تنضج بعُدُ لدعم مثل هذا النظام وتعزيز وجوده، وإما لعجز هذا النظام نفسه عن توليد الثقافة الديمقراطية التي يحتاج إليها من أجل تأمين استمراره واستقراره عند الأزمات. من هنا كان التطبيع بين الثقافة السياسية السائدة والنظام السياسي الجديد في الحالة التونسية أمرًا مستعصيًا، بما خلق حالة من التوتر

  1. 98  فوكوياما، ص.144
  2. 105  Michael Thoppson, Richard Ellis & Aron Wildavsky, Cultural Theory (San Francisco: Westview Press, 1990), p. 215; نوير، ص 8، 39،.44
  3. 101  المرجع نفسه، ص.424
  4. 102   " هل فشلت الديمقراطية التونسية في إقناع الشباب التونسي؟."
  5. 103  المرجع نفسه.
  6. 104  فوكوياما، ص.145
  7. 99  المرجع نفسه، ص.145
  8. 106  عبد السلام علي نوير، "الاتجاهات المعاصرة في دراسة الثقافة السياسية"، عالم الفكر، مج 04، العدد 1 2011()، ص 14،.43
  9. 107  كمال الهلالي، "هل انتهت الثورة في تونس وبدأ التاريخ؟ مقابلة مع حّم ادي الجمهورية الرديسي"،، 2022/7/7، شوهد في 2022/7/15، في: https://bit.ly/3S4NkWv
  10. 100  بشارة، الانتقال الديمقراطي وإشكالياته، ص.427

والشرخ أودت به إلى مصيره المأساوي المحتوم؛ وهو الانهيار. ولكن هذا الانهيار قد نبّه في الآن نفسه إلى أنّ أيّ بناء ديمقراطي سليم لا يفترض أن يتمّ بطريقة مجتزأة ومزاجية، بل ينبغي أن يتمّ في ظل رؤية شمولية للديمقراطية لا تقف عند مجرّد التأليف بين المقاربة الاستراتيجية (أو النخبوية) والمقاربة المؤسسية، بل تأخذ في الاعتبار أيضًا أهمية الثقافة الديمقراطية السائدة في المجتمع، ودرجة التلاؤم بينها وبين النظام السياسي الجديد.

المراجع

العربية

اتجاهات الرأي العام التونسي نحو التجربة الديمقراطية." سياسات عربية. وحدة استطلاع الرأي العام. مج 9، العدد 52 (أيلول/ سبتمبر.)2021 آلموند، جابرييل إيه. وجي. بينجهام باول (الابن.) السياسة المقارنة: دراسات في النظم السياسية العالمية. ترجمة أحمد علي أحمد عناني. مراجعة أحمد حمودة. القاهرة: مكتبة الوعي العربي،.1980 بالحاج، فرج. سجال العلمنة والإسلام السياسي في تونس. تونس: مجمع الأطرش،.2016 بشارة، عزمي. الانتقال الديمقراطي وإشكالياته: دراسة نظرية وتطبيقية مقارنة. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2020. _______. في المسألة العربية: مقدمة لبيان ديمقراطي عربي. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2018 بن جعفر، مصطفى. الطريق العسير نحو الديمقراطية. حوار مع فانسون جيسار. تونس: نرفانا،.2014 بن عاشور، رافع. المؤسسات والنظام السياسي بتونس. ط.3 تونس: مجمع الأطرش،.2019 بن عاشور، عياض. تونس: ثورة في بلاد الإسلام. تونس: سراس للنشر،.2018 بوعوني، لزهر. الأنظمة السياسية والنظام السياسي التونسي. تونس: مركز النشر الجامعي،.2002 تجربة الانتقال الديمقراطي في تونس 2020-2010: معضلات التوافق والاستقطاب. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2021 التدبير الحر للجماعات المحلية. أعمال ملتقى انتظم في 29-28 تشرين الثاني/ نوفمبر 2019. كلية الحقوق والعلوم السياسية. تونس. بدعم من مؤسسة هانس سيدل الألمانية. تونس: Sotepa Grafic،. 2021 سياسات عربية الجمعاوي، أنور. "تونس: العبور إلى الديمقراطية.". مج 2، العدد 7 (آذار/ مارس.)2014

حريق، إيليا. "التراث العربي والديمقراطية: الذهنيات والمسالك." المستقبل العربي. السنة 22، العدد 251.)2000(الحوكي، شاكر. "معضلة العدالة الانتقالية في تونس من المسارات سياسات عربية. مج المرتبكة إلى التحديات المرتقبة." 8، العدد 74 (تشرين الثاني/ نوفمبر.)2020 الخوري، فؤاد إسحاق. الذهنية العربية: العنف سيد الأحكام بيروت/ لندن: دار الساقي،.1993 دايموند، لاري. روح الديمقراطية: الكفاح من أجل بناء مجتمعات حرة. بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر،.2014 دوفرجيه، موريس. المؤسسات السياسية والقانون الدستوري. ترجمة جورج سعد. ط 2. بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر؛ المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع،.2014 دي تانسي، ستيفن. علم السياسة: الأسس. ترجمة رشا جمال. بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر،.2012 الرديسي، حمادي. "تونس بين تدعيم الديمقراطية وتفكيك الدولة." سياسات عربية. مج 4، العدد 18 (كانون الثاني/ يناير.)2016 سليمة، بن حسين. "مفهوم اقتراب الثقافة السياسية عند غابريال مجلة المفكر. مج آلموند وسيدني فيربا." 16، العدد 2.)2021(سورنن، غيورغ. الديمقراطية والتحول الديمقراطي: السيرورات والمأمول في عالم متغير. ترجمة عفاف البطاينة. بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2015 شرابي، هشام. النقد الحضاري للمجتمع العربي في نهاية القرن العشرين. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.1999 علوان، حسين. إشكالية بناء الثقافة السياسية في الوطن العربي. بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع،.2009 فوكوياما، فرانسيس. الهوية: مطلب الكرامة وسياسات الاستياء. ترجمة مجاب الإمام. الدوحة: منتدى العلاقات العربية والدولية،.2019 فيبر، ماكس. الأخلاق البرروتستانية وروح الرأسمالية. ترجمة علي مقلد. بيروت: مركز الإنماء القومي، [د. ت.]. قراءات في دستور الجمهورية الثانية. تونس: مجمع الأطرش، 2017. اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا.) الطبقة الوسطى في البلدان العربية: قياسها في التغيير. بيروت.2014: منظمة بوصلة. التقرير السنوي حول تقدم إرساء اللامركزية في تونس. تونس: كانون الثاني/ يناير.2020 نوير، عبد السلام علي. "الاتجاهات المعاصرة في دراسة الثقافة عالم الفكر. مج السياسية." 04، العدد 1 (تموز/ يوليو– أيلول/ سبتمبر.)2011

الأجنبية

Almond, G. "Comparative Political Systems." Journal of Politics. vol. 18, no. 3 (August 1956). _________. A. Discipline Divided: Schools and Sects in Political Science. London: Sage publications, 1990. Almond, Gabriel A. & G. Bingham Powell Jr. Comparative Politics: A Developmental Approach. Boston, MA: Little, Brown and Company, 1966. Almond, Gabriel A. & Sidney Verba. The Civic Culture: Political Attitudes and Democracy in Five Nations. Newbury Park, CA: Sage Publications, 1989. Apter, David E. "Institutionalism Reconsidered." International Social Science Journal. vol. 43, no. 3 (August 1991). Beau, Nicholas & Dominique Lagarde. L'exception tunisienne. Paris: Seuil, 2014. Ben Achour, Rafaa. "De l'enterrement de la cour constitutionnelle à l'enterrement de la constitution du 27 janvier 2014." Revue française de droit constitutionnel. no. 130 (2022). Dahl, Robert. L'analyse politique contemporaine. Iain Whyte (trad.). Paris: Fayard, 1973. Diamond, L. & M. Plattner. The Global Resurgence of Democracy. Baltimore: Johns Hopkins University Press, 1993. Elster, Jon & Rune Slagstad (eds.). Constitutionalism and Democracy. Cambridge/ New York: Cambridge University Press, 1988.

Genieys, William. "Nouveaux regards sur les élites du politique." Revue française de science politique. vol. 56, no. 1 (2006). Kamrava, Mehran. "Political Culture and a New Definition of the Third World." Third World Quarterly. vol. 16, no. 4 (1995). _________. Democracy in the Balance: Culture and Society in the Middle East. New York: Chatman House Publishers, 1998. Kedourie, Elie. Democracy and Arab Political Culture. 2 nd ed. London: Frank Cass and Co. Ltd, 1994. Mirsky, Yehudah. "Democratic Politics, Democratic Culture." Orbit. vol. 37, no. 4 (Fall 1993). O'Donnell, Guillermo & Philippe Schmitter. "Transitions from Authoritarian Rule." Tentative Conclusions about Uncertain Democracy. 2 nd ed. Baltimore: The John Hopkins University Press, 1989. Thoppson, Michael, Richard Ellis & Aron Wildavsky. Cultural Theory. San Francisco: Westview Press, 1990. Weber, Max. Économie et société. Paris: Pocket, 1995. Yerkes, Sarah. "The Tunisia Model: Lessons from a New Arab Democracy." Foreign Affairs (November/ December 2019). at: https://acr.ps/1L9zOBl