تنافس الولايات المتحدة وروسيا والصين على أميركا اللاتينية
الملخّص
This paper discusses international competition in Latin America between the United States, Russia, and China. Whilst the United States aims to maintain its traditional influence in the region based on the Monroe Doctrine of 1823 , which made Latin America a zone of exclusive influence for the US due to its geographic and economic significance. Russia and China instead seek to challenge this influence, on the one hand in the face of American expansionism in their respective vicinities, and on the other to bring about a multipolar global order. Moreover, the region is of economic importance to those states. The study arrives at the basic conclusion that the US still has the greatest military and economic presence in Latin America, but Russia and China have managed to penetrate the region by establishing military relations with anti-US regimes, most prominently Venezuela, Cuba, and Nicaragua. Moreover, China has become an important trade partner to countries such as Brazil and Argentina, surpassed the US in trade volume with these states. Keywords: AUS Hegemony, Russia, China, Latin America, International Order.
The Competition between the United States, Russia, and China over Latin America
تتناول الدراسة التنافس الدولي في أميركا اللاتينية بين الولايات المتحدة الأميركية وروسيا والصين. فالولايات المتحدة تهدف إلى الحفاظ على نفوذها التقليدي في المنطقة استنادًا إلى مبدأ مونرو لعام 1823، الذي جعل أميركا اللاتينية منطقة نفوذ حصري لها بسبب أهميتها الجغرافية والاقتصادية. في المقابل، تسعى روسيا والصين لتحدي هذا النفوذ لمواجهة التوسع الأميركي في مناطقهما المجاورة، من ناحية، ولإقامة نظام دولي متعدد الأقطاب، من ناحية أخرى، فضلًا عن أهمية المنطقة اقتصاديًا بالنسبة إلى الدولتين. وتوصلت الدراسة إلى نتيجة أساسية مفادها أن الولايات المتحدة لا تزال تمتلك الحضور العسكري والاقتصادي الأكبر في أميركا اللاتينية، ولكنّ روسيا والصين تمكنتا من اختراق المنطقة، وذلك عبر إقامة العلاقات العسكرية مع الأنظمة المناوئة للولايات المتحدة وأبرزها فنزويلا وكوبا ونيكاراغوا. ولأن الصين أصبحت شريكًا تجاريًا مهمًا لدول في المنطقة مثل البرازيل والأرجنتين، استطاعت أن تتفوق على الولايات المتحدة في حجم التجارة مع تلك الدول. كلمات مفتاحية: الهيمنة الأميركية، روسيا، الصين، أميركا اللاتينية، النظام الدولي.
مقدمة
ترتب على انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991 تحوّل النظام الدولي من نظام ثنائي القطبية إلى أحادي القطبية بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، التي أصبحت القوة العظمى الوحيدة المهيمنة على الساحة الدولية بما تمتلكه من مقومات القوّة. وللحفاظ على هيمنتها اضطرت إلى تمديد قوتها، والتدخل في شؤون العالم التي تتوافق مع مصالحها، وهذه مهمة ليست بالسهلة وتتطلب الكثير من الموارد، وقد عرّفها بول كيندي ب "فرط الامتداد الإمبراطوري" 1. ومما زاد الأمر تعقيدًا أمام الولايات المتحدة ظهور العديد من الدول الكبرى التي ترفض الهيمنة الأميركية على النظام الدولي، وعلى رأسها روسيا والصين. وتبرز أهمية هاتين الدولتين في أن الأولى قوة متفوقة في المجال العسكري، فهي ثاني قوة عسكرية بعد الولايات المتحدة، وأعربت عن نيّتها تحويل النظام الدولي أحادي القطبية إلى نظاٍمٍ متعدد الأقطاب، وبيّنت ذلك في وثائقها التي تحدد مبادئ السياسة الخارجية الروسية، وأهدافها، وجاءت هذه الوثائق في أعوام 2000 و 2008 و 2013 و 2023 2. أما الصين، فهي قوّة اقتصادية كبرى، حيث بلغ إجمالي ناتجها المحلي في عام 2023، وفقًا لإحصائيات البنك الدولي، 17.79 ترليون دولار، لتحتل بذلك المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة التي ترليون دولار 3بلغ إجمالي ناتجها المحلي 27.36. وبيّنت بيجين في وثائقها الرسمية، وخاصة تقريَرَي المؤتمر الوطني للحزب الشيوعي الصيني، التاسع عشر في تشرين الأول/ أكتوبر 2017، والعشرين في تشرين الثاني/ نوفمبر 2022، أنها تسعى لتعزيز مكانتها عالميًا في إطار التشاركية العالمية، وأنها ترفض نظام أحادي القطبية، وتسعى لتحقيق نظام متعدد الأقطاب 4. شكّلت أميركا اللاتينية إحدى المناطق المهمة التي حاولت روسيا والصين منافسة الولايات المتحدة فيها، وبدأت الأخيرة بفرض هيمنتها عليها منذ عشرينيات القرن التاسع عشر، بموجب مبدأ مونرو 1823. وتمكّنت الولايات المتحدة من فرض هيمنتها على المنطقة طوال القرن التاسع عشر حتى منتصف القرن العشرين. وأدّى اندلاع الحرب الباردة إلى تمكين الاتحاد السوفياتي من اقتحام أميركا اللاتينية، وإقامة العديد من الحكومات الشيوعية مثل كوبا ونيكاراغوا. ومع نهاية الحرب الباردة ومطلع القرن الحادي والعشرين، تولّت الأنظمة اليسارية الحكم في بعض دول القارة مثل فنزويلا ونيكارغوا وبوليفيا، إلى جانب ظهور القوى الاقتصادية في المنطقة مثل البرازيل والأرجنتين. وعملت هذه الدول على التحالف مع روسيا والصين، حيث سمحت لها بالحضور على أراضيها، وإقامة الاستثمارات فيها، وذلك للحدّ من الهيمنة الأميركية عليها. وتبرز أهمية أميركا اللاتينية بالنسبة إلى روسيا والصين فيما يلي: أولًا، تحقيق التوازن الاستراتيجي مع الولايات المتحدة، وتأكيد دورهما بوصفهما قوتين فاعلتين في النظام الدولي، من جانب، والرد على محاولات النفوذ الأميركي في شرق أوروبا وشرق آسيا، من جانب آخر. ثانيًا، تحقيق أهداف اقتصادية عبر إقامة العلاقات التجارية للحصول على المواد الغذائية، وتصدير المنتجات الروسية والصينية إلى دول أميركا اللاتينية، وإقامة الاستثمارات في مجالات البنية التحتية والطاقة وغيرها. وأخيرًا، تهدف الصين إلى تقليل الاعتراف السياسي بتايوان لدى دول القارة 5. في ضوء ما سبق، تُعنى هذه الدراسة بمحاولات روسيا والصين اختراق أميركا اللاتينية، وتحاول الإجابة عن الأسئلة الآتية: ما مدى قدرة روسيا والصين على الحد من الهيمنة الأميركية على أميركا اللاتينية؟ وما أهمية هذا التحدي بالنسبة إليهما؟ وما تداعيات ذلك على مكانة الولايات المتحدة عالميًا؟ تجادل هذه الدراسة بأنّ الهيمنة الأميركية على أميركا اللاتينية التي جرى فرضها بموجب مبدأ مونرو بدأت في التراجع، وهذا ما تمثّل أساسًا في تمكّن كل من روسيا والصين من تعزيز وجودهما في المنطقة في المجالات الاقتصادية والعسكرية. وهو ما يعني أنه كلما تزايد تدخل الدولتين في القارة، تراجع تفرّد الهيمنة الأميركية على شؤون المنطقة؛ ما يؤدي إلى إضعاف مكانة الولايات المتحدة عالميًا. وتكتسي هذه الدراسة أهمية لأنّها تسلّط الضوء على الأنشطة الاقتصادية والعسكرية وأدوات القوة الناعمة، التي تقوم بها كل من روسيا والصين في أميركا اللاتينية في محاولة تحدي الهيمنة الأميركية وتهدف إلى البحث في مدى إمكانية الدولتين وقدرتهما على تحدي الولايات المتحدة التي تتمتع بنفوٍذٍ تاريخي في المنطقة منذ منتصف القرن التاسع عشر.
تبدأ الدراسة بنقاش أدوات الهيمنة الأميركية ووسائلها على أميركا اللاتينية التي بدأت منذ منتصف القرن التاسع عشر واستمرت حتى نهاية القرن العشرين، ومن ثم تعرض محاولة الاتحاد السوفياتي تحدي الهيمنة الأميركية على المنطقة خلال فترة الحرب الباردة، وتستعرض النفوذ الروسي خلال القرن الحادي والعشرين في أميركا اللاتينية، ومن ثم تناقش النفوذ الصيني في القارة، من أجل المقارنة بين القوى الدولية الثلاث (روسيا، والولايات المتحدة، والصين) لمعرفة تداعيات النفوذ الروسي والصيني على مكانة الولايات المتحدة في المنطقة. تتخذ الدراسة من أميركا اللاتينية خلال العقدين الأول والثاني من القرن الحادي والعشرين حالةً دراسية للتنافس بين هذه القوى الدولية الثلاث. ومن أجل عرض المعلومات عرضًا متكاملًا، استخدم الباحث مجموعة مناهج؛ فقد استخدم المنهجين التاريخي والوصفي، لوصف المنطقة الجغرافية التي تتناولها الدراسة، وتطور الأحداث التاريخية فيها، وتوضيح كيف جرت الهيمنة الأميركية عليها، ولتوضيح الأدوات التي استخدمتها روسيا والصين لتعزيز وجودهما في المنطقة. واستخدم المنهج المقارن لتوضيح حجم الوجود العسكري والاقتصادي للقوى الثلاث في أميركا اللاتينية، وإجراء المقارنة بينها، لتبيان أي هذه القوى صاحبة النفوذ الأكبر حاليًا في المنطقة. واعتمدت الدراسة على نظريات العلاقات الدولية، وهي النظرية الواقعية الهجومية 6 والنظرية الليبرالية الجديدة. فالأولى، يجري استخدامها لتفسير أدوات القوة العسكرية التي استخدمتها الولايات المتحدة لفرض هيمنتها على أميركا اللاتينية، ومن ثم تفسير الأدوات العسكرية التي لجأت إليها روسيا والصين لتعزيز وجودهما في المنطقة في مواجهة الولايات المتحدة. أما النظرية الليبرالية الجديدة 7، فهي لتفسير الأدوات الاقتصادية، المتمثلة في التجارة والاستثمارات والقروض التي استخدمتها القوى الثلاث لترسيخ حضورها في المنطقة. يضاف إلى ذلك استخدام روسيا أدوات القوة الناعمة 8، مثل وسائل الإعلام الروسية الناطقة بالإسبانية، والكنيسة الروسية للتأثير في الرأي العام في دول أميركا اللاتينية، ونشر الثقافة الروسية. تجدر الإشارة إلى أن استخدام الباحثين لأكثر من نظرية في الدراسة ذاتها يعتبر توجهًا حديثًا نسبيًا في حقل العلاقات الدولية أ طِلَِقَ عليه مقاربة "الانتقائية التحليلية"، التي يجري استخدامها بسبب عدم قدرة نظرية بمفردها على تفسير الظواهر الدولية وتحليلها بصفة أكثر شمولًاودقة، من ناحية، وُتُعدّ الانتقائية طريقًا للخروج من فكرة استخدام نظرية واحدة، وإقصاء النظريات الأخرى المقابلة، من ناحية أخرى 9.
أولًا: أميركا اللاتينية: مفهومًا وتاريخًا
ظهر مصطلح أميركا اللاتينية أول مرة في القرن التاسع عشر، وذلك للتمييز بين سكان أميركا الشمالية (الأنكلو - ساكسون) وسكان الأراضي التي تقع في جنوب حدود الولايات المتحدة، بداية من المكسيك إلى نهاية القارة الجنوبية. وُتُقسم أميركا اللاتينية إلى ثلاثة أقسام، هي: أميركا الوسطى، ودول (جزر) الكاريبي، وأميركا الجنوبية 10. يذكر المؤرخون أنّ السكان الأصليين جاؤوا إلى الأميركتين من آسيا منذ حوالى سنة 00003 ق. م.، وشكّلوا عدّة حضارات في المنطقة مثل، الإنكا Inca، والأزتك Aztec، والمايا Maya. ووصل الأوروبيون إلى أميركا اللاتينية في نهاية القرن الخامس عشر، وذلك بعد قيام حركة استكشاف جغرافية انطلقت من إسبانيا والبرتغال لحقتها بقية الدول الأوروبية بخاصة فرنسا وبريطانيا وهولندا. وتولّد عن حركة الكشوفات الجغرافية خضوع قارة أميركا الشمالية للاحتلاَليَن البريطاني والفرنسي. أمّا أميركا اللاتينية فجرى تقسيمها بين إسبانيا والبرتغال، فالأخيرة سيطرت على البرازيل بحلول عام 1501. بينما حصلت إسبانيا على غالبية أميركا اللاتينية؛ إذ تمكّنت خلال الفترة 1521-1492 من السيطرة على أميركا الوسطى والكاريبي والمكسيك. وبحلول عام 1533 احتلت جميع دول أميركا الجنوبية، باستثناء البرازيل 11.
استمر الاستعمار الأوروبي في أميركا اللاتينية حتى بداية القرن التاسع عشر، وبحلول منتصف القرن نفسه أصبحت معظم دول القارة مستقلة عن الاستعمار الأوروبي، باستثناء كوبا وبورتوريكو وبنما، التي بقيت تحت الاستعمار الإسباني حتى حصلت على استقلالها في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. ظهرت عدة عوامل مكّنت هذه الدول من تحقيق الاستقلال، منها اندلاع الثورتين الأميركية 1799-1774، والفرنسية 1799-1789 12. وكان من أبرز قادة حركات التحرر في أميركا اللاتينية توسان لوفيرتير، وسيمون بوليفار، ودي سان مارتن. ومن الجدير بالذكر أن الولايات المتحدة قد دعمت تلك الحركات؛ لأنّها كانت تسعى للتخلص من الوجود الأوروبي في مناطق جوارها، تمهيدًا للهيمنة على المنطقة 13.
ثانيًا: أميركا اللاتينية: الساحة الخلفية للولايات المتحدة
إنّ التنافس الدولي على أميركا اللاتينية بدأ منذ قيام حركة الكشوفات الجغرافية في نهاية القرن الخامس عشر، والتي انبثق منها تقسيم القارة بين الدول الأوروبية. واشتدّ التنافس بين القوى الأوروبية عليها بعد قيام الثورة الصناعية في أوروبا في القرن الثامن عشر، بسبب تزايد حاجة أوروبا إلى المواد الخام الزراعية، والمعدنية، وإلى الأسواق لتصريف فائض منتجاتها 14. ولمواجهة التنافس الأوروبي على أميركا اللاتينية، من جهة، ونمو الاقتصاد الأميركي الناتج من التوسع الجغرافي 15 للولايات المتحدة، من جهة أخرى، أرادت الولايات المتحدة فرض هيمنتها على أميركا اللاتينية، ومنع وصول الدول الأوروبية إليها، باعتبارها منطقة استراتيجية لها بسبب قربها الجغرافي، ودورها في تأمين طرق التجارة البحرية، وغناها بالموارد الأولية، وسوقها الواسعة. في هذا السياق، وضع الرئيس الأميركي جيمس مونرو في خطابه عن "حالة الاتحاد" في 2 كانون الأول/ ديسمبر 1823 أسس السياسة الأميركية تجاه أميركا اللاتينية بصفة خاصة، وأصبح هذا الخطاب يُعرف فيما بعد باسم "مبدأ مونرو" 16. ويهدف هذا المبدأ إلى منع الدول الأوروبية من زيادة نفوذها في النصف الغربي من الكرة الأرضية، باعتبارها منطقة نفوذ حصرية للولايات المتحدة 17. بموجب مبدأ مونرو، استخدمت الولايات المتحدة الوسائل الثلاث، العسكرية، والاقتصادية، والسياسية، كلّ واحدة عند الحاجة، وجمعت بينها لوضع حد للاستعمار الأوروبي في أميركا اللاتينية، وفرض هيمنتها على المنطقة. وسيجري التركيز على الوسائل العسكرية والاقتصادية، واستثناء الوسائل السياسية المتمثلة في منظمة الدول الأميركية 18، وذلك لأنها لم تكن ذات فاعلية قصوى في تحقيق أهداف الولايات المتحدة خاصة في فترة الحرب الباردة. يعرف جون ميرشايمر الواقعي الهجومي، الهيمنة بأنّها امتلاك دولة ما مستوى من القوة تمكّنها من السيطرة على كل الدول الأخرى في النظام الدولي، ولا تملك أي دولة أخرى القدرة والإمكانات العسكرية
التي تسمح لها بمواجهة القوة المهيمنة 19. وفي إطار النظرية الليبرالية الجديدة يعرّف روبرت كوهين القوة المهيمنة بأنّها الدولة التي تسيطر على الدول الأقل منها قوة في النظام الدولي، وذلك من خلال التفوّق عليها في الموارد المادية، وأهمّها امتلاك القوة العسكرية، والتحكم في مصدر رأس المال العالمي، والسيطرة على المواد الخام، ورأس المال والأسواق المفتوحة، وامتلاكها ميزات تنافسية في إنتاج بضائع عالية القيمة، وضمانها سوقًا كبيرة مستوردة لمنتجاته ا 20.
الأدوات العسكرية
يؤكّد ميرشايمر أنّ الولايات المتحدة تعتبر دولة مهيمنة إقليمية في نصف الكرة الغربي على مدار الأعوام المئة الماضية على الأقل، وذلك لعدم وجود دولة أخرى في الأميركتين تمتلك قوة عسكرية تكفي لتهديدها. ويرى أيضًا أنّ الدول التي تحقق الهيمنة الإقليمية تسعى دائمًا لمنع القوى الكبرى الأخرى من النفوذ في إقليمها، وذلك للحفاظ على هيمنتها 21. استنادًا إلى رأي ميرشايمر، استخدمت الولايات المتحدة العديد من الأدوات العسكرية لفرض هيمنتها على دول أميركا اللاتينية، وهي: التدخل العسكري المباشر، ودعم الانقلابات العسكرية، وإقامة القواعد العسكرية، وفرض معاهدات الحماية. وهدفت واشنطن من اعتماد هذه الأدوات إلى: أولًا، ضمان سيطرتها على المناطق الاستراتيجية، وأبرزها قناة بنما؛ ثانيًا، القضاء على الأنظمة السياسية المعارضة لها، لتأمين مصالحها الاستثمارية والاقتصادية في المنطقة 22. بدأت الولايات المتحدة بالتدخل العسكري المباشر في أميركا اللاتينية منذ عهد الرئيس الأميركي جيمس بولك 1849-1845() الذي طالب بحق الولايات المتحدة في التوسع في الأميركتين، ومقاومة أي تدخل أوروبي في المنطقة بالأدوات الممكنة كلّها عملًابمبدأ مونرو 23. وأكّد ذلك الرئيس ثيودور روزفلت 1909-1901() في ما عُرف ب "سياسة العصا الغليظة" 24. وبموجب سياسات الرئيسين بولك وروزفلت، كثّفت واشنطن من تدخلاتها العسكرية المباشرة، ودعمها للانقلابات العسكرية في أميركا اللاتينية؛ إذ تُبّي نالإحصائيات أنّها تدخّلت في دول القارة عسكريًا 26 مرة خلال الفترة 1933-1858 25. وفي سياق الحرب الباردة، تدخلت الولايات المتحدة عسكريًا لمواجهة الشيوعية، ومن الأمثلة على ذلك، غزو غواتيمالا في حزيران/ يونيو 1954، وغزو كوبا في نيسان/ أبريل 1961، في ما عُرف بعملية "غزو خليج الخنازير"، لكنّها فشلت؛ ما أدى إلى اتباع واشنطن منذ عهد الرئيس ليندون بينز جونسون 1969-1963()، سياسة أكثر تشددًا تجاه النفوذ الشيوعي في أميركا اللاتينية، وذلك بموجب "مبدأ جونسون" 26. فقد غزت ودعمت الانقلابات العسكرية في أكثر من عشر دول في القارة، وأبرزها جمهورية الدومينيكان في عام 1965، وتشيلي عام 1973... إلخ 27. واستمرت سياسة واشنطن في دعم الانقلابات العسكرية حتى القرن الحادي والعشرين، مثل الانقلاب في فنزويلا عاَمَي 2002 و 2019، وبوليفيا عاَمَي 2008 و 2019 28. إلى جانب الأدوات العسكرية السابقة، أقامت الولايات المتحدة القواعد العسكرية، وفرضت معاهدات الحماية على دول أميركا اللاتينية، حيث التزمت بإنشاء القواعد العسكرية في القارة منذ بداية القرن العشرين، حتى أصبحت تمتلك في الوقت الحالي أكثر من عشر قواعد عسكرية دائمة، لعل أبرزها، قاعدة غوانتانامو في كوبا منذ عام 1903، وقاعدة عسكرية في نيكاراغوا في خليج فونسيكا منذ عام 1916، وقناة بنما 29 كذلك30. أما في القرن الحادي والعشرين، فقد قدّمت واشنطن الدعم العسكري للعديد من دول أميركا اللاتينية بعامة، وأميركا الوسطى والمكسيك بخاصة، لمواجهة التحديات الأمنية الجديدة، وأهمها الهجرة غير الشرعية، ومكافحة المخدرات. فبحسب إحصائيات معهد ستوكهولم
الدولي لأبحاث السلام، بلغ إجمالي المبيعات العسكرية الأميركية لدول أميركا اللاتينية خلال الفترة 2021-2000 ما يقارب 5.196 مليارات دولار، لتشكل بذلك 74 في المئة من إجمالي المبيعات العسكرية لدول المنطقة 31. نتج من الأدوات العسكرية امتلاك الولايات المتحدة أكبر حضور عسكري في القارة، كما بينّا سابقًا. إلى جانب ذلك، تمكّنت من القضاء على الأنظمة المعارضة لها في المنطقة، باستثناء كوبا ونيكاراغوا وفنزويلا وبوليفيا، التي ما زالت إلى الآن تحكمها أنظمة يسارية ترفض الهيمنة الأميركية على النظام الدولي، وعلى أميركا اللاتينية، لذلك تحالفت تلك الدول مع كل من روسيا والصين لموازنة النفوذ الأميركي في المنطقة.
2. الأدوات الاقتصادية
لجأت الولايات المتحدة إلى الأدوات الاقتصادية لتأمين استمرار هيمنتها على أميركا اللاتينية. وأهم تلك الأدوات إقامة الاستثمارات عبر الشركات الاقتصادية متعددة الجنسيات، وتقديم القروض والمساعدات الاقتصادية لدول القارة، إضافة إلى إقامة العلاقات التجارية معها. قامت الشركات الاقتصادية الأميركية منذ بداية القرن العشرين لغاية الآن باستثماراٍتٍ في العديد من دول أميركا اللاتينية، ونتج من ذلك تبعية دول القارة لها، وتمكّنت من السيطرة على الشؤون السياسية والاقتصادية لتلك الدول. يعرف روبرت غيلبين التبعية بأنّها إيجاد بدائل اقتصادية للسيطرة؛ إذ يجري استبدال الاستعمار الاقتصادي بالاستعمار السياسي الرسمي، لتحلّ السيطرة غير الرسمية المتمثلة في الشركات المتعددة الجنسيات محل الاستعمار السياسي الرسمي، وتعمل هذه الشركات على تمويل النخبة والحكومات الاستعمارية التي تسيطر على الدول النامية 32. كانت شركة الفواكه المتحدة الأميركية (يونايتد فروت United Fruit) من أبرز الأمثلة على الشركات المتعددة الجنسيات، التي تولّت منذ عام 1900 القيام بمشاريع السكك الحديدية في عدة دول في أميركا الوسطى (كوستاريكا، وغواتيمالا، والهندوراس، وبنما، وجمايكا) بهدف التجارة في الموز، خاصة أن هذه الدول جميعها يقوم اقتصادها أساسًا على إنتاج الموز، وبسيطرتها على تجارة الموز، استطاعت الشركة الهيمنَةَ على الشؤون السياسية والاقتصادية في هذه الدول، التي أصبحت تُعرف ب "جمهوريات الموز." وفي عام 1944، أصبحت شركة الفواكه تمتلك قطاع السكك الحديدية في دول أميركا الوسطى، والأسطول التجاري للسفن البخارية، وشركة الراديو والتلغراف، ونتيجة ذلك أ طلق عليها لقب "الأخطبوط" 33. بلغت قيمة الاستثمارات الأميركية في أميركا اللاتينية خلال الفترة 1980-1951 ما يقارب 179.2 مليار دولار، لتكون الولايات المتحدة بذلك المستثِمِر الأكبر في القارة 34. فبحلول منتصف الستينيات من القرن العشرين، سيطرت على الصناعات الاستخراجية والتحويلية للعديد من المواد الخام الاستراتيجية، بنسبة 99 في المئة من القصدير، و 90 في المئة من النحاس، و 95 في المئة من الرصاص، و 98 في المئة من الزنك، و 70 في المئة من الفضة، وأكثر من 50 في المئة من النفط 35. تابعت واشنطن إقامة الاستثمارات في أميركا اللاتينية طوال القرن العشرين حتى يومنا هذا. وتفيد إحصائيات شركة ستاتيستا الألمانية Statista المتخصصة في البيانات المالية أن إجمالي الاستثمارات الأميركية في القارة بلغ 6234. ترليونات دولار بحلول عام 2021، لتكون بذلك
المستثمر الأكبر في القارة 36. وبموجب هذه الاستثمارات، استطاعت الولايات المتحدة أن تهيمن على الشؤون السياسية والاقتصادية للعديد من دول أميركا اللاتينية مثل جمهوريات الموز وبنما وغيرها. ومن مظاهر هذه الهيمنة أن هذه الدول تدعم مواقف واشنطن في الأمم المتحدة في أغلب القضايا الدولية مثل، القضية الفلسطينية، والموقف الأميركي من الأزمات الدولية المتعلقة بروسيا خاصة الأزمة الأوكرانية. وإضافة إلى الاستثمارات، عملت الولايات المتحدة على تقديم القروض والمساعدات الاقتصادية لدول أميركا اللاتينية، خلال القرن الحادي والعشرين، لمواجهة الهجرة غير الشرعية، ومكافحة المخدرات والجريمة المنظمة، وحماية الممرات المائية خاصة لدول أميركا الوسطى والمكسيك، حيث بلغت قيمة هذه المساعدات 73 مليارًا منذ نهاية الحرب الباردة حتى عام 2019 37. إلى جانب الأدوات الاقتصادية السابقة، لجأت الولايات المتحدة إلى إقامة العلاقات التجارية مع دول أميركا اللاتينية منذ مطلع القرن العشرين، حتى تمكنت من الهيمنة على أسواق المنطقة. فقد عقدت اتفاقيات التجارة الحرة مع دول أميركا اللاتينية لبقاء أسواق الجدول 1() إجمالي التبادل التجاري بين القوى الدولية وأميركا اللاتينية 2000-2021
القارة مفتوحة أمام المنتجات الأميركية، والسيطرة عليها، والحصول على الموارد الخام خاصة النفط والموارد الأولية. ومن الأمثلة على اتفاقيات التجارة الحرة، اتفاقية نافتا 38NAFTA التي عقدتها مع كندا والمكسيك عام 1994، كما وقعت واشنطن اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الوسطى كافتا CAFTA عام 2006 39. وقد ساهمت هذه الاتفاقيات في تطوّر العلاقات التجارية بين الولايات المتحدة ودول أميركا اللاتينية، حتى تمكنت واشنطن من أن تصبح الشريك التجاري الأكبر لدول القارة بحلول عام 2021. فبحسب إحصائيات الأمم المتحدة للتجارة، كما يتبين في الجدول رقم 1()، بلغ إجمالي التبادل التجاري بين الولايات المتحدة ودول أميركا اللاتينية في عام 2021 ما يقارب 943 مليار دولار، لتشكّل بذلك 7.23 في المئة من إجمالي تجارة 40 المنطقة41.
ثالثًا: روسيا وأميركا اللاتينية
لا يمكن قراءة الدور الروسي في أميركا اللاتينية في القرن الحادي والعشرين بمعزل عن سياق التدخل السوفياتي في المنطقة خلال فترة الحرب الباردة. ورثت روسيا المكانة السياسية والشخصية القانونية للاتحاد السوفياتي، والأهمّ أنّها لم تشكّل قطعًا مع العلاقات التاريخية السوفياتية. فقد عملت بعد تولي فلاديمير بوتين حكم البلاد عام 2000 على إحياء العلاقات الروسية - الكوبية، وتقديم الدعم العسكري والاقتصادي للحكومات اليسارية التي ترجع جذورها إلى الحرب الباردة، خاصة في فنزويلا ونيكاراغوا. وفي إطار ذلك، سيجري تناول التدخل السوفياتي في أميركا اللاتينية خلال فترة الحرب الباردة، والتدخل الروسي في أميركا اللاتينية خلال القرن الحادي والعشرين.
التدخل السوفياتي في أميركا اللاتينية
كان نجاح الثورة الكوبية بقيادة فيدل كاسترو عام 1959 أحد العوامل الرئيسة التي مكّنت الاتحاد السوفياتي من اقتحام أميركا اللاتينية 42. قدّم القادة السوفيات الدعم العسكري والاقتصادي والسياسي لكوبا لعدة أهداف كان أهمّها: أولًا، أنّ كوبا قدمّت للاتحاد السوفياتي موطئ قدم في أميركا اللاتينية لمنافسة الولايات المتحدة في المنطقة؛ ثانيًا، الرد على توسّع قوات حلف شمال الأطلسي "ناتو" في مناطق جوار الاتحاد السوفياتي، خاصة في تركيا واليونان 43. وقد ردّت الولايات المتحدة على قيام الثورة الكوبية بفرض العقوبات الاقتصادية على هافانا. ولمواجهة تلك العقوبات، عقد كاسترو تحالفًا عسكريًا واقتصاديًا مع السوفيات في حزيران/ يونيو 1960، الأمر الذي شكّل تهديدًا للهيمنة الأميركية على أميركا اللاتينية. فقد بلغت قيمة المساعدات العسكرية التي حصلت عليها كوبا من موسكو من مليارات دولار 44منتصف عام 1960 إلى عام 1986 ما يقارب 9. أدّى التحالف السوفياتي - الكوبي إلى قيام الولايات المتحدة بغزو كوبا فيما عُِرِف بعملية خليج الخنازير عام 1961، لإسقاط كاسترو، لكن العملية فشلت. ونتيجة للغزو الأميركي، أرسل الاتحاد السوفياتي قواته العسكرية لحماية كوبا؛ إذ وصل عدد الجيوش السوفياتية في كوبا إلى حوالى 04 ألف جندي بنهاية عام 1962 45. وخلال تشرين الأول / أكتوبر 1962، وضعت القيادة السوفياتية الصواريخ الباليستية في كوبا، لحماية نظام كاسترو من الولايات المتحدة. اكتشف الأميركيون وجود الصواريخ السوفياتية في كوبا في 14 تشرين الأول/ أكتوبر 1962، ونتج من ذلك تفاقم الأزمة بين واشنطن وموسكو، التي أصبحت تُعرف بأزمة الصواريخ الكوبية، وقد سُِّوِيت الأزمة بوساطة الأمم المتحدة في 28 من الشهر نفسه 46. شكّل الدعم العسكري السوفياتي لكوبا تحديًا مباشرًا للهيمنة الأميركية، فمن خلال هذا الدعم، أصبحت هافانا قاعدة عمليات للاتحاد السوفياتي من أجل توسيع نفوذه في أميركا اللاتينية، وذلك عبر تقديم الدعم العسكري للجبهات والأحزاب اليسارية في القارة خلال الفترة 1983-1965. ومن الأمثلة على ذلك الأحزاب الشيوعية في فنزويلا والبرازيل والأرجنتين وبوليفيا، وحركة القوات المسلحة الثورية الكولومبية (فارك FARC) في كولومبيا، وحكومة سلفادور أليندي في تشيلي، وجبهة التحرير الوطني الساندينية في نيكاراغوا... إلخ 47. تجدر الإشارة إلى أن الولايات المتحدة تمكّنت من القضاء على معظم ثورات الجبهات اليسارية أو الحد من خطرها على الأقل، باستثناء ثورة جبهة التحرير الوطني الساندينية في نيكاراغوا، بقيادة دانييل أورتيغا الذي تمكن من السيطرة على الحكم في تموز/ يوليو 1979. وقدّم الاتحاد السوفياتي الدعم العسكري والاقتصادي لحكومة دانييل أورتيغا من عام 1981 إلى عام 1986، وذلك ردًا على دعم واشنطن لمجموعة الكونترا للانقلاب على أورتيغا. فقد بلغت قيمة المساعدات السوفياتية العسكرية لنيكاراغوا 805 ملايين دولار بحلول عام 1986. أما من حيث المساعدات الاقتصادية السوفياتية، فقد لبّت موسكو حاجات ماناغوا من النفط بنسبة تراوح بين 80 و 90 في المئة، و 70 في المئة من حاجتها إلى القمح 48. وبدأ الدعم العسكري والاقتصادي السوفياتي لحلفائه في أميركا اللاتينية، بالتراجع منذ عام 1987، بسبب استنزاف الموارد السوفياتية حتى انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991
التدخل الروسي في أميركا اللاتينية
ورثت روسيا عن الاتحاد السوفياتي قوّته العسكرية والنووية، إضافة إلى 76 في المئة من مساحته، لتكون أكبر دولة من حيث المساحة في العالم. وظهرت عدة عوامل مكنتها من التغلغل في أميركا اللاتينية، لعل أهمها العلاقات السوفياتية التاريخية مع دول القارة. فقد شكّل بقاء كاسترو في الحكم حتى القرن الحادي والعشرين نموذجًا لدول أميركا اللاتينية في تحدي الهيمنة الأميركية؛ وهذا ما تبّي نفي صعود العديد من الأنظمة اليسارية المناوئة للولايات المتحدة في نهاية القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين، وخاصة في فنزويلا ونيكاراغوا وبوليفيا، علاوة على ظهور القوى الاقتصادية في المنطقة، وخاصة البرازيل والأرجنتين اللتين تتفقان مع وجهة النظر الروسية في إقامة التعددية القطبية 49. أرادت روسيا من وجودها في أميركا اللاتينية تحقيق عدة أهداف، أهمها: أولًا، أهداف جيوسياسية، تتمثّل في الردّ على توسّع حلف الناتو في شرق أوروبا. وثانيًا، تشكّل أميركا اللاتينية أهمية اقتصادية لموسكو؛ فالأخيرة تنظر إلى المنطقة على أنّها سوق مهمة للمبيعات العسكرية الروسية، والأسمدة. إضافة إلى ذلك، تشكّل المنطقة مج لًا مهمًاللاستثمارات الروسية في قطاعات الطاقة والتعدين. وهذا ما يحقّق المنفعة الاقتصادية لروسيا، ويمكّنها من تحسين اقتصادها. فضلًا عن ذلك، أرادت الحد من تداعيات العقوبات الاقتصادية الغربية على الاقتصاد الروسي، وذلك عبر توفير المنتجات الغذائية والزراعية، بدلًامن المنتجات الأميركية والأوروبية. وثالثًا، ترى موسكو أنّ نفوذها في القارة يعزّز من رؤيتها في إقامة نظام دولي متعدد الأقطاب، عبر التحالف مع البرازيل والأرجنتين 50. ويظهر اهتمام روسيا في أميركا اللاتينية في ما ورد في وثائقها الرسمية التي كان أهمها، استراتيجية الأمن القومي عام 2008، التي بيّنت في الفقرة 1(:)4 أن روسيا ستسعى لإقامة الشراكة الاستراتيجية مع البرازيل، وتعزيز التعاون الاقتصادي والسياسي مع الأرجنتين والمكسيك وكوبا وفنزويلا 51. وأكدت الفقرة 92() من مفهوم السياسة الخارجية الروسية عام 2013 تعزيز العلاقات التجارية، وإقامة الاستثمارات في مجالات الطاقة والاتصالات وغيرها من دول المنطقة. وأكدّت ذلك أيضًا الفقرة 98() من استراتيجية الأمن القومي لعام 2016. وأخيرًا، بيّنت الفقرة 58/2() من عقيدة السياسة الخارجية الروسية عام 2023 أن البرازيل وفنزويلا ونيكاراغوا وكوبا حلفاء استراتيجيون بالنسبة إلى روسيا 52. استخدمت روسيا منذ مطلع القرن الحادي والعشرين الوسائل العسكرية والاقتصادية، ووسائل القوة الناعمة لزيادة نفوذها في أميركا اللاتينية.
أ. الوسائل العسكرية
تركّزت الوسائل العسكرية الروسية في تقديم الدعم وإجراء المناورات وعقد الاتفاقيات العسكرية، مع فنزويلا بالأساس، ونيكاراغوا وكوبا وبوليفيا بدرجة أقل. فوفقًا لإحصائيات معهد ستوكهولم، بلغ إجمالي المبيعات العسكرية الروسية لأميركا اللاتينية، كما يتبين في الجدول)2(، 7824. مليارات دولار في الفترة 2021-2000، لتحتلّ بذلك المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة. وُتُعدّ فنزويلا الحليف الاستراتيجي لروسيا في القارة، والمستورد الأول للأسلحة العسكرية الروسية. فقد بلغت قيمة وارداتها 8513. مليارات دولار، لتشكّل بذلك 74.1 في المئة من إجمالي الصادرات العسكرية الروسية لدول المنطقة 53. يتبّي نمن الجدول 2() أنّ المبيعات العسكرية الروسية لدول أميركا اللاتينية خاصّة لفنزويلا قد شهدت ارتفاعًا ملحوظًا خلال الفترة 2010-2005؛ إذ بلغت أكثر من 2 مليار دولار، وكذلك قُدّرت بأكثر من مليار دولار إبان الفترة 2015-2011. وُيُفِّس رهذا الارتفاع في هاَتيَن الفترَتيَن تحديدًا، على الأرجح، توتر العلاقات الروسية - الأميركية، نتيجة أزمَتَي جورجيا وأوكرانيا 54. علاوة على ذلك، أرسلت روسيا في آذار/ مارس 2019 المستشارين العسكريين، والمعدات العسكرية، ومقاتلين من شركة فاغنر العسكرية الروسية، وذلك بهدف حماية الرئيس نيكولاس مادورو من الانقلاب الذي دعمته الولايات المتحدة بقيادة خوان غوايدو 55.
الجدول 2() إجمالي المبيعات العسكرية من روسيا والولايات المتحدة لدول أميركا اللاتينية 2000-2021
إضافة إلى فنزويلا، وفّرت روسيا لنيكاراغوا ما يقارب 90 في المئة من احتياجاتها العسكرية، وزوّدتها بمعدات استخباراتية متطورة، ودرّبت قواتها خلال الفترة 2016-2013 56، كما قدّمت قروضًا لكوبا بقيمة 034 مليون دولار خلال الفترة 2019-2014، لتحديث صناعتها العسكرية 57. إلى جانب المبيعات العسكرية، عملت روسيا على إجراء المناورات العسكرية مع حلفائها في أميركا اللاتينية لإثارة التحديات أمام الولايات المتحدة، والرد على إجراءات الأخيرة في محاولة ضم دول الجوار الروسي إلى حلف الناتو، خاصة جورجيا وأوكرانيا. وقد جاءت المناورة العسكرية الأولى بعد أزمة جورجيا في تشرين الثاني/ نوفمبر 2008، والمناورة الثانية في تشرين الأول/ أكتوبر 2014 بعد ضم شبه جزيرة القرم 58. وأجرت روسيا أربع مناورات عسكرية خلال الفترة 2021-2019 بالتعاون مع القوات الفنزويلية فوق ولاية أبوري، المتنازع عليها مع كولومبيا. وتكمن خطورة المناورات العسكرية على واشنطن في أنّها كانت قريبة من حدودها؛ ما يشكّل "إزعاجًا" لها 59. عقدت روسيا الاتفاقيات العسكرية مع فنزويلا ونيكاراغوا وكوبا، لتعزيز حضورها العسكري في المنطقة. ومن الأمثلة التي تبين ذلك، نتج من زيارة الرئيس بوتين إلى كوبا في تموز/ يوليو 2014، الاتفاق بين البلدين على استئناف عمل قاعدة التجسس الروسية لوردس Lourdes التي توقّف العمل فيها عام 2001 60. وعقد وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو الاتفاقيات العسكرية مع كل من نيكاراغوا وفنزويلا وكوبا، ونصت على: أولًا، تسهيل وصول السفن الحربية الروسية إلى موانئ تلك الدول دون الحاجة إلى إذن مسبق، وإمكانية وضع قواعد عسكرية بحرية في تلك الدول. وثانيًا، العمل على تدريب الضباط العسكرّييّن في المدارس العسكرية الروسية. وثالثًا، افتتاح مركز
عسكري لمكافحة المخدرات 62 في نيكاراغوا تشُرف عليه روسيا63. أخيرًا، عقدت سبع اتفاقيات عسكرية مع حلفائها خلال الفترة 2022-2019، ونصت على تسهيل وصول القوات العسكرية الروسية لموانئ فنزويلا ونيكاراغوا وكوبا، وتعزيز التعاون العسكري معها. وذلك ردًا على انسحاب الولايات المتحدة من معاهدة الصواريخ متوسطة المدى عام 2019، واندلاع الأزمة الأوكرانية عام 2022 64. نتج من هذه الوسائل العسكرية تمكّن موسكو من توطيد وجودها العسكري في أميركا اللاتينية، حيث تعد ثاني أكبر مصدر للمبيعات العسكرية لدول المنطقة بعد واشنطن، كما ساهم الدعم العسكري في الحفاظ على بقاء حلفاء روسيا في الحكم، وزيادة قدراتهم العسكرية. وهذا تسبّب في إزعاج الولايات المتحدة "واستفزازها"؛ إذ شعرت بتهديد أمنها القومي، وتجلى ذلك في تصريحات وزير الخارجية الأميركي السابق ريكس تيلرسون: "إنّ الوجود الروسي المتزايد في أميركا اللاتينية مقلق[...]وإنّ المنطقة لا تحتاج إلى قوى إمبريالية جديدة" 65. وأخيرًا، نتج من الدعم العسكري الروسي لفنزويلا ونيكاراغوا وكوبا أن استطاعت روسيا التأثير في القرار السياسي لحلفائها. فقد دعمت تلك الدول موقف موسكو في الأزمات الدولية أو امتنعت عن التصويت على القرارات الدولية التي تدينها، وخاصة في أزمة جورجيا عام 2008، وأزمة شبه جزيرة القرم عام 2014، وأزمة أوكرانيا عام 2022 66.
ب. الوسائل الاقتصادية
كانت الاستثمارات الاقتصادية والعلاقات التجارية من أبرز الأدوات الاقتصادية التي استخدمتها روسيا لتعزيز وجودها في أميركا اللاتينية. وقد عملت شركات الطاقة الروسية الكبرى، وأبرزها غازبروم Gazprom، وروس نفطRosneft على إقامة الاستثمارات في مجال الطاقة والنفط؛ إذ بلغت قيمة الاستثمارات الروسية في فنزويلا 17 مليار دولار، وذلك خلال الفترة 2005 – أيلول/ سبتمبر 2020، وكان من هذه الاستثمارات 10 مليارات دولار على شكل ديون مستحقة للشركات الروسية 67. وبسبب هذه الاستثمارات أصبحت روسيا تتمتع بنفوٍذٍ واسع في قطاع الطاقة في فنزويلا، ومن الأدلة على ذلك حصول موسكو على 04 في المئة من أرباح شركة النفط الوطنية الفنزويلية المملوكة للحكومة بتروليوس دي فنزويلا PDVSA. وامتلكت الشركات الروسية في عام 2015 ما يقارب 94 في المئة من ملكية مصفاة "ستيغو/ CITGO" الأميركية بعد تأميمها. إلى جانب ذلك، أخذت شركة غاز بروم في عام 2017 حق تطوير حقول الغاز البحرية على سواحل فنزويلا لمدة 03 عامًا. وبحلول نهاية عام 2021 تمكّنت شركة روس نفط من السيطرة على 66 في المئة من صادرات شركة النفط الفنزويلية الحكومية 68. إض افة إلى الاستثمارات الروسية في فنزويلا، قدّمت روسيا القروض لبعض دول أميركا اللاتينية، مثل بوليفيا، والبرازيل، وجمايكا، وغيانا. وفي مقابل ذلك، أقامت موسكو الاستثمارات في بعض القطاعات الحيوية لتلك الدول، بخاصة في مجال الطاقة والمعادن. فقد أصبحت الشركات الروسية تمتلك 50 في المئة من العائدات المالية للشركة البوليفية للنفط مقابل قروض بقيمة 1303. مليارات دولار 69. إضافة إلى ذلك، تمتلك الشركات الروسية 54 في المئة من ملكية شركة TNK-BP، و 55 في المئة من حصة شركة Rio Petro البرازيليتين لإنتاج النفط. واستحوذت على 90 في المئة من أسهم شركة تعدين البوكسيت الحكومية في دولة غيانا، و 79 في المئة من إنتاج البوكسيت في جمايكا 70. وأقامت روسيا العلاقات التجارية مع دول أميركا اللاتينية، فقد كانت هذه العلاقات محدودة في بداية عام 2000؛ إذ بلغت حوالى 2.4 مليار دولار، غير أنها شهدت تطورًا ملحوظًا بعد اندلاع أزمتي جورجيا عام 2008، والأزمة الأوكرانية عام 2014، وفرض العقوبات الاقتصادية على روسيا، حيث لجأت الأخيرة إلى دول المنطقة لتعويض المنتجات الغذائية الأوروبية. وبموجب ذلك، ارتفع إجمالي التبادل
التجاري بين روسيا ودول أميركا اللاتينية من 2.4 مليار دولار عام 2000 إلى 14.4 مليار دولار عام 2008، ووصل إلى 15 مليار دولار عام 2014، وبلغ 19.8 مليار دولار عام 2021 71. جعلت العلاقات التجارية الروسية مع دول أميركا اللاتينية من روسيا شريكًا تجاريًا مهمًاللبرازيل والمكسيك والإكوادور والأرجنتين. فقد ساهمت تلك الدول نسبيًا في العقوبات الأميركية على الاقتصاد الروسي، وذلك عبر حصول موسكو على المواد الغذائية من دول القارة بديلًامن المنتجات الغربية والأميركية، من ناحية، وتصدير المنتجات الروسية إليها، من ناحية أخرى. فروسيا تستورد من تلك الدول المواد الغذائية بنسبة 53 في المئة من إجمالي ورادتها من المنطقة. أمّا الصادرات الروسية إليها، فتمثلت في الأسمدة المعدنية 44(في المئة)، والفحم الحجري 23.5(في المئة)، والحديد الصلب 20(في المئة)، وغيرها 72. كما حققت بعض المكاسب السياسية من علاقاتها التجارية مع البرازيل والمكسيك والأرجنتين والإكوادور، حيث امتنعت تلك الدول عن التصويت لإدانة روسيا في أزمة جورجيا عام 2008، والضم الروسي لشبه جزيرة القرم عام 2014. أما في أزمة أوكرانيا الأخيرة، فعلى الرغم من إدانة روسيا في الأمم المتحدة، فإنها لم تلتزم بفرض العقوبات الاقتصادية عليها 73.
ج. وسائل القوة الناعمة
لجأت روسيا إلى وسائل القوة الناعمة لتوطيد نفوذها في أميركا اللاتينية، وتمثّل ذلك في وسائل الإعلام الروسية الحكومية، بالأساس، والكنيسة الأرثوذكسية الروسية، بصفة ثانوية. وقد وسّعت روسيا وسائل الإعلام الروسية الرسمية الحكومية في مختلف مناطق العالم بعامة، وأميركا اللاتينية بخاصة. ومن أهمّ هذه الوسائل: Sputnik، Voices of Russia، و Russia Today (RT TV،) TASS News و، وغيرها. تقدّم هذه الوسائل خدماتها باللغة الإسبانية في دول أميركا اللاتينية، حيث تعمل على نشر الروايات التي تدعم وجهة النظر الروسية، للتأثير في الرأي العام في المنطقة ضد الولايات المتحدة. ومن الأمثلة على ذلك: أولًا، أن التدخل الروسي في أوكرانيا هو "ردة فعل طبيعية" على توسّع الناتو في شرق أوروبا، ودعم واشنطن "للنازيين" في أوكرانيا. وثانيًا، أن الولايات المتحدة تعمل على خلق أزمة غذاء عالمية من خلال فرض العقوبات على الأسمدة الروسية والصادرات الغذائية، وهذا يتسبب في تعرض العالم لمجاعة 74. وثالثًا، أن العقوبات الاقتصادية التي تفرضها الولايات المتحدة على كوبا ونيكاراغوا وفنزويلا تؤدي إلى الفقر والهجرة والمشاكل الإنسانية والأزمات الاقتصادية في هذه الدول. وأخيرًا، تعمل القنوات الروسية على الترويج للتعددية القطبية ومواجهة الهيمنة الأميركية، فقد ذكرت القنوات الروسية مصطلح متعدد الأقطاب 264 مرة خلال الفترة 2022-2018. كما استخدمت مصطلح "الاستعمار" لوصف النفوذ الغربي في شرق أوروبا وأميركا اللاتينية، ومصطلح "مناهضة الاستعمار" لوصف السبب الذي يدفع روسيا والدول غير الغربية لتشكيل سياسة التحالفات ضد واشنطن 75. فضلًاعن ذلك، حاولت القنوات الروسية التأثير في نتائج الانتخابات في أميركا اللاتينية. ومن الأمثلة على ذلك، دعمت قناة RT في عام 2018 ترشيح زعيم حركة فارك لوندونو لرئاسة كولومبيا، ودعمت المرشح اليساري أندريس مانويل في المكسيك 76. حققت وسائل الإعلام الروسية نجاحًا "معنويًا" في خدمة أهداف السياسة الخارجية الروسية في مواجهة الولايات المتحدة، ففي استطلاع رأي أجرته منظمة لاتينوبارمومتر Corporación Latinobarómetro في 18 دولة 77 في أميركا اللاتينية خلال الفترة 2018-2016 حول موقف مواطني تلك الدول من تأييد إقامة العلاقات مع روسيا أو الولايات المتحدة، أبدى 82.4 في المئة من الأشخاص رأيًا داعمًاأو داعمًاإلى حٍدٍ ما للولايات المتحدة في عام 2016، وتراجعت النسبة إلى 71.9 في المئة عام 2018. في المقابل، كان 56.3 في المئة من الآراء داعمًاأو داعمًاإلى حٍدٍ ما لروسيا في عام 2016، ووصلت النسبة إلى 71.3 في المئة في عام 2018، فأصبحت قريبة جدًا من الولايات المتحدة 78.
واستخدمت روسيا الكنيسة الأرثوذكسية وسيلةً لتعزيز الهوية الروسية، وللتأكيد أنها تسعى لتعزيز وجودها في المنطقة بكل الوسائل. في سياق ذلك، صحب الرئيس بوتين البطريرك الروسي كيريل في زيارة في الفترة 22-11 شباط/ فبراير 2016، شملت رؤساء الكنائس الكاثوليكية في كوبا وباراغواي والبرازيل، لنشر قيم المسيحية الأرثوذكسية 79.
رابعًا: الصين تدخل أميركا اللاتينية
يأتي النفوذ الصيني في أميركا اللاتينية في سياق رؤية الصين لدورها في العالم، حيث بّي نالرئيس الصيني شي جي بينغ أنه يريد تعزيز مكانة بلاده عالميًا، وإقامة نظام دولي متعدد الأقطاب. ويظهر اهتمام الصين بأميركا اللاتينية فيما ورد في وثائقها الرسمية التي كان أهمها، "الكتاب الأبيض" لعام 2008، الذي ذكر أنّ الصين تسعى لإقامة العلاقات مع دول أميركا اللاتينية على أساس التعاون في مجالات مختلفة، أبرزها التجارة، والاستثمارات، والبنية التحتية، والتنويع في مصادر الطاقة، والمجالات السياسية والثقافية المختلفة، "بهدف إقامة عالم متعدّد الأقطاب، وتحقيق مصلحة جميع الشعوب"، وتم تأكيد هذه الأهداف في "الكتاب الأبيض الثاني" عام 2016 80. في إطار ذلك، وقّعت الصين شراكات استراتيجية شاملة - وهو أعلى تصنيف تمنحه لحلفائها الدبلوماسيين - مع الأرجنتين والبرازيل وتشيلي والإكوادور والمكسيك والبيرو وفنزويلا 81. تسعى الصين من زيادة نفوذها في أميركا اللاتينية لتحقيق أهداف استراتيجية واقتصادية وسياسية. وتتمثّل هذه الأهداف في موازنة النفوذ الأميركي في منطقة شرق آسيا، والردّ على القواعد العسكرية التي أقامتها الولايات المتحدة في بحر الصين الجنوبي، وذلك من خلال تقديم الدعم الاقتصادي والعسكري للأنظمة اليسارية المناوئة للولايات المتحدة، ووضع أ نموذجًا بديلًا من الأدوات الأميركية، مثل الاعتماد على البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية (في تقديم AIIB Asian Infrastructure Investment Bank) القروض والمساعدات لدول المنطقة بدلًامن البنك الدولي 82. أمّا الأهداف الاقتصادية، فتشمل سعي الصين للحصول على المصادر الأولية، وأهمّها، موارد الطاقة والمعادن التي تحتاج إليها، لتعزيز نموها الاقتصادي وضمان استمراريته، وحاجتها إلى توفير الأمن الغذائي لمواطنيها. وترى بيجين أنّ دول القارة تشكّل سوقًا واسعة للمنتجات الصينية. وإلى جانب تلك الأهداف، تهدف الصين من تعزيز وجودها في المنطقة إلى تقليل الاعتراف السياسي بتايوان لدى دول القارة 83. وقد استخدمت الصين الوسائل الاقتصادية على نحو أساسي، والوسائل العسكرية على نحو ثانوي، لتحقيق أهدافها السابقة، وزيادة نفوذها في أميركا اللاتينية.
الوسائل الاقتصادية
تمثّلت الأدوات الاقتصادية في إقامة العلاقات التجارية والاستثمارات، وتقديم القروض لدول أميركا اللاتينية. تُعدّ الصين الشريك التجاري الثاني لأميركا اللاتينية بعد الولايات المتحدة، فبحسب إحصائيات منظمة الأمم المتحدة للتجارة، بلغ إجمالي التجارة الصينية 84 مع دول أميركا اللاتينية 5444. مليار دولار بحلول عام 2021، وذلك كما تبين في الجدول 1()، وهي تشكّل 7 في المئة من إجمالي التجارة العالمية بالنسبة إلى بيجين. وتعتبر البرازيل الشريك التجاري الأول للصين، حيث تستحوذ على 6.83 في المئة من إجمالي التجارة الصينية مع دول المنطقة 85.
تشكّل المواد الخام والمعادن 44 في المئة من إجمالي الواردات الصينية من دول المنطقة، والمواد الغذائية بنسبة 33 في المئة، والنفط 11 في المئة. أمّا الصادرات الصينية لدول القارة فشملت الإلكترونيات والسلع الاستهلاكية وغيرها 86. يتبين من ذلك، أن السوق اللاتينية تكتسي أهمية حيوية بالنسبة إلى بيجين، فهي الشريك التجاري الأكثر أهمية لدول أميركا الجنوبية؛ إذ تمتلك 25 في المئة من إجمالي تجارة البرازيل وتشيلي والأرجنتين، لتتفوّق بذلك على الولايات المتحدة التي بلغت حصتها 15 في المئة من إجمالي تجارة تلك الدول 87. إضافة إلى العلاقات التجارية، استخدمت الصين الاستثمارات وسيلةً اقتصادية، ابتغت من خلالها أساسًا تسهيل عملية التجارة ونقل الموارد الخام بين دول أميركا اللاتينية ومنطقة شرق آسيا. فقد بََلَغَ إجمالي الاستثمارات الصينية في أميركا اللاتينية 171.9 مليار دولار، وذلك منذ مطلع القرن الحالي حتى عام 2021 لتشكل بذلك 11 في المئة من إجمالي الاستثمارات الخارجية في أميركا اللاتينية، وتحتل المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة. تركّزت الاستثمارات الصينية في قطاع المواد الخام بنسبة 64 في المئة من إجمالي الاستثمارات، وفي التصنيع بنسبة 23 في المئة، والخدمات بنسبة 27 في المئة، لا سيما في مجال النقل والبنية التحتية 88. وسعت الصين لضمّ أميركا اللاتينية لمبادرة الحزام والطريق، لتسهيل عملية التجارة بين شرق آسيا والمنطقة 89. قد ينتج من هذه الاستثمارات تمكّن الصين من تعزيز نفوذها في القارة لفترة طويلة، خاصّة أنّه كان ما نسبته 8.63 في المئة من عمليات الاستثمارات في مجالات الطاقة وبعض قطاعات التعدين والبنية التحتية لتعزيز انضمام دول أميركا اللاتينية لمبادرة الحزام والطريق. ومن الأمثلة على ذلك، تمكّن الشركات الصينية من شراء العديد من الحصص السوقية لشركات برازيلية بحلول عام 2020، ومنها استحواذ شركة هواوي الصينية على 04 في المئة من شركات الاتصالات في البلاد 90. وفي شباط/ فبراير 2018، حصلت الشركات الصينية على امتياز لمدة 03 عامًا بإدارة 90 في المئة من شركة محطة باراناغوا، وهي ثاني أكبر محطة شحن في البرازيل 91. وبحلول عام 2019، أصبحت الصين تمتلك أهم الشركات لإنتاج النفط والنحاس والطاقة الكهربائية والطاقة النووية في العديد من دول أميركا اللاتينية، وأبرزها، البيرو، والأرجنتين، وتشيلي 92. إلى جانب الأدوات الاقتصادية السابقة، عملت الصين على تقديم القروض والمساعدات المالية والطبية لدول أميركا اللاتينية، فقد بلغت قيمة القروض التي قدمتها الصين لدول المنطقة 141 مليار دولار، وذلك خلال الفترة 2021-2000. وحصلت فنزويلا على 62.5 مليار دولار من إجمالي هذه القروض، وأخذت البرازيل 0.53 مليار دولار 93. وعملت بيجين على مساعدة دول أميركا اللاتينية في مواجهة فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19-) في محاولة لتحسين صورتها، وكسب تأييد الحكومات الإقليمية. وشملت المساعدات تشيلي والبرازيل والأرجنتين والمكسيك والبيرو 94. يتبين من حجم القروض التي قدمتها الصين لدول أميركا اللاتينية أن بيجين أصبحت صاحبة النفوذ الأكبر في مجال القروض والمساعدات المالية لدول المنطقة، متفوقة بذلك على الولايات المتحدة 73(مليار دولار)، وروسيا 0(3 مليار دولار.) وهذا قد يكون من المؤشرات المهمّة التي توضّ ح تمكن بيجين من تعزيز نفوذها في المنطقة على المدى البعيد. فالقروض الصينية ساهمت في سيطرة الصين على العديد من قطاعات البنية التحتية في الدول المتلقية للقروض. وتمكنت الصين من التأثير في القرار السياسي للدول المقترضة، فقد ألغت بنما والسلفادور وجمهورية الدومينيكان اعترافها بتايوان خلال عامي 2018-2017 مقابل قروض ومساعدات قُدّرت بحوالى 13. مليارات دولار 95. وتراجعت البرازيل عن قرار سابق بمنع شركة هواوي من تطوير شبكات الجيل الخامس في البلاد، بعد أسابيع من حصولها على ملايين اللقاحات الصينية 96.
الوسائل العسكرية
شملت الوسائل العسكرية الصينية المبيعات العسكرية، والمشاركة في قوات حفظ السلام والبعثات العسكرية، والقيام بمناورات عسكرية، وعقد اتفاقيات التعاون الدفاعي. وهدفت الصين من هذه الأدوات إلى تعزيز حضورها في المنطقة، وتأكيد دورها قوةً فاعلة في النظام الدولي. بلغ إجمالي المبيعات العسكرية الصينية لدول أميركا اللاتينية، استنادًا إلى إحصائيات معهد ستوكهولم، 831 مليون دولار خلال الفترة 2021-2000، لتشكّل 6 في المئة من حجم المبيعات العسكرية للمنطقة. ووصلت حصة فنزويلا من هذه المبيعات إلى 631 مليون دولار؛ أي حوالى 76 في المئة من إجمالي المبيعات، وأما بقية الدول مجتمعة فقد بلغت حصتها 200 مليون دولار. وما يفسرر الدعم الأكبر لفنزويلا هو سعي الصين لضمان استمرار تدفق النفط الفنزويلي إليها بأسعار مخفضة عبر حماية نظام مادورو من الانقلابات العسكرية التي تدعمها الولايات المتحدة 97. وشاركت الصين في مهمة قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في هاييتي عام 2004، وأرسلت السفن لأغراض الإغاثة الإنسانية في حالات الكوارث والفيضانات فيما عرف ب "سفينة السلام" مع العديد من الدول، لعل أبرزها الأرجنتين وتشيلي وكوبا والمكسيك وفنزويلا والبرازيل 98. وعقدت الصين اتفاقية تعاون عسكري مع الأرجنتين في شباط/ فبراير 2015 لتعزيز وجودها العسكري في المنطقة، وأبرز ما تضمنته الاتفاقية: أولًا، تحديث القوات الأرجنتينية، والقيام ببرامج تبادل عسكرية بين الدولتين لتبادل الخبرات العسكرية بينهما؛ ثانيًا، التعاون في مجال الفضاء، وبناء محطات الطاقة النووية للأغراض السلمية 99. وفي إطار ذلك، أقامت الصين محطة تتبع أقمار صناعية في الأرجنتين عام 2016، بنظام تتبع الأقمار الصناعية الصيني "بايدو" البديل عن النظام الأميركي GPS""، وأقامت محطات أخرى في تشيلي والبرازيل وغيانا. وهي تُستخدم للأغراض المدنية، بالأساس، إلا أنه يمكن استخدامها لجمع المعلومات الاستخباراتية. وقد حذر الأدميرال كريج فالر قائد القيادة الجنوبية من ذلك في قوله: "تعمل الصين على توسيع نطاق عملها في مجالات البنية التحتية الرئيسة، الأمر الذي يمكنها من جمع المعلومات الاستخباراتية عن الولايات المتحدة" 100. أخيرًا، أجرت الصين العديد من المناورات العسكرية خلال الفترة 2020-2003، كان أبرزها مناورات عسكرية مشتركة مع القوات البحرية التشيلية البرازيلية عام 2013، وأربع مناورات مع فنزويلا خلال الفترة 2017-2016، ومناورات أخرى مع كل من كولومبيا وبيرو وكوبا 101.
خاتمة: تداعيات النفوذ الروسي والصيني على الهيمنة الأميركية
يتب ين من خلال هذه الدراسة أنّ أميركا اللاتينية أصبحت ساحة تنافس بين القوى الدولية الثلاث، وهي القوى التعديلية، روسيا والصين، التي تهدف إلى تغيير النظام الدولي من أحادي القطبية إلى متعدّد الأقطاب، أما الولايات المتحدة، فإنها تسعى للحفاظ على هيمنتها على القارة. في سياق ذلك، توصلت الدراسة إلى نتيجة أساسية مفادها أن واشنطن لا تزال تمتلك الحضور العسكري الأكبر في أميركا اللاتينية، إلى جانب أنها الشريك التجاري الأول لدول القارة، وخاصة لمنطقتي الكاريبي والمكسيك. ورغم ذلك، فإن الصين وروسيا قد تمكنتا من تعزيز وجودهما في المنطقة باستخدام الوسائل العسكرية والاقتصادية. فقد تبّي نأن الصين تنافس الولايات المتحدة اقتصاديًا في أميركا اللاتينية، وتحقق تقدمًا ملحوظًا، فهي تقدّم القروض لدول القارة بشروط ميرّسر ة، حتى تفوّقت عليها في ذلك. وهي تقيم العلاقات التجارية، حتى أصبحت الشريك التجاري الثاني للمنطقة بعد الولايات المتحدة. إلى جانب ذلك، تستثمر بيجين في القطاعات الحيوية لدول القارة، وقد يؤدي ذلك إلى تمكّنها من الهيمنة على الشؤون الاقتصادية والسياسية للدول التي تقيم فيها تلك الاستثمارات وتقدم لها؛ الأمر الذي يمكّنها من تعزيز وجودها في المنطقة على المدى البعيد. أما روسيا، فإن وجودها في المنطقة يعتبر ضعيفًا مقارنة بالنفوذين الأميركي والصيني. ويمكن وصف الدور الروسي في أميركا اللاتينية بأنه "مزعج لأميركا." فروسيا تتمتع بنفوٍذٍ عسكري في عدد محدود من دول المنطقة، وهي: فنزويلا، بالأساس، وبدرجة أقل كوبا ونيكاراغوا. أما الأدوات الاقتصادية، فإنها لم تشكّل تهديدًا للهيمنة الأميركية؛ لأن حجم
العلاقات الاقتصادية الروسية مع دول أميركا اللاتينية يعتبر متواضعًا أمام حجم العلاقات الاقتصادية الصينية والأميركية في المنطقة. بناء على ما سبق، وفي سبيل استشراف المستقبل، يمكن الاستنتاج، أن الصين، على الأرجح، ستكون القوة القادرة على تغيير شكل النظام الدولي من أحادي القطبية إلى متعدد الأقطاب؛ نظرًا إلى قوتها الاقتصادية الصاعدة، وامتلاكها مقومات القوة الكامنة، المتمثلة في ثروة الدولة وعدد سكانها 130. أما روسيا، فعلى الرغم من سعيها الدائم لتحقيق تعددية قطبية، فإنه، وإن تحقق ذلك، فستكون قطبًا غير مكتمل، في نظام تتزعمه كل من الصين والولايات المتحدة، ولن تستطيع روسيا المجابهة منفردة، وإنما ستبقى متكئة على الصين، من ناحية، وتتسلح بقوتها العسكرية النووية حصرًا، من ناحيةٍ أخرى.
المراجع
العربية
حسين، محمد شاكر محمد. "تراجع دور الولايات المتحدة في أميركا مجلة الخدمة الاجتماعية. العدد اللاتينية." 55 (كانون الثاني/ يناير.)2016 حمشي، محمد. "الانتقائية التحليلية في العلاقات الدولية." سياسات عربية. مج 5، العدد 28 (أيلول/ سبتمبر.)2017 الزوكة، محمد خميس. جغرافية العالم الجديد. بيروت: دار المعرفة الجامعية،.2000 عبد العال، محمود جمال. "الأزمة الفنزويلية وتقاطعات الجغرافيات السياسية." آفاق سياسية. العدد 04 (آذار/ مارس.)2019 غرنفيل، ج. آ. س. الموسوعة التاريخية العسكرية لأحداث القرن العشرين. مج 4. ترجمة ومراجعة علي مقلد. بيروت: الدار العربية للموسوعات،.2012 غيلبين، روبرت. الاقتصاد السياسي للعلاقات الدولية. ترجمة مركز الخليج للأبحاث. دبي: مركز الخليج للأبحاث،.2004 كينيدي، بول. نشوء وسقوط القوى العظمى. ترجمة مالك البديري الأردن: الأهلية للنشر والتوزيع،.2007 محمود، صدفة محمد. "أميركا اللاتينية والكاريبي على خريطة الحزام والطريق." السياسة الدولية. العدد 216 (نيسان/ أبريل.)2019 مرسي، محمد أحمد. "القوة في الصراع الدولي: فنزويلا نموذجًا." السياسة الدولية. العدد 218 (تشرين الأول/ أكتوبر.)2019 مكاوي، نجلاء سعيد. الحرب الباردة في أميركا اللاتينية. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2012 ميرشايمر، جون. مأساة سياسة القوى العظمى. ترجمة مصطفى محمد قاسم. الرياض: النشر العلمي والمطابع،.2012 ناي، جوزيف س. القوة الناعمة وسيلة النجاح في السياسة الدولية. ترجمة محمد توفيق البجيرمي. الرياض: مكتبة العبيكان،.2007 نصيف، نزيه. "الاستعمار الأميركي في أميركا اللاتينية." المجلة/ الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر. العدد 128 (آب/ أغسطس.)1967
نعمة، يونس عباس. "الاستيطان الإسباني في أمريكا اللاتينية)". مجلة مركز بابل للدراسات الإنسانية 1600-1492(. العدد 4 (كانون الأول/ ديسمبر.)2019 نومان، عصام عبد الحسين. "مبدأ مونرو: دراسة في تحليل المضمون مجلة العلوم الإنسانية. 1898-1823(مج.") 23، العدد 1 (آذار/ مارس.)2016 النيرب، محمد. المدخل في تاريخ الولايات المتحدة الأميركية حتى 1877(). ج 1 القاهرة: دار الثقافة الجديدة.،.1997 هلال، رضا محمد. "أميركا اللاتينية نصف قرن للخروج من شرنقة الفناء الخلفي." السياسة الدولية. العدد 200 (نيسان/ أبريل.)2015
الأجنبية
Berg, Ryan & Rubi Bledsoe. "How Russia Tries to Sway Latin America on Ukraine." Americas Quarterly. 11/3/2024. at: https://acr.ps/1L9zP8O Bitar, Sebastian E. US Military Bases, Quasi-bases, and Domestic Politics in Latin America. London: Palgrave Macmillan, 2016. Chindea, Irina A. et al. Great Power Competition and Conflict in Latin America. California: Rand Corporation, 2023. Del Aguila, Juan M. "Soviet Activities and U.S. Interests in Latin America." World Affairs. vol. 149, no. 2 (Fall 1986). Ellis, Evan. "Russia in the Western Hemisphere: Assessing Putin's Malign Influence in Latin America and the Caribbean." Center for Strategic International Studies (July 2022). at: https://acr.ps/1L9zOy3 Ellis, R. Evan. The New Russian Engagement with Latin America: Strategic Position, Commerce, and Dreams of the Past. Washington DC: Strategic Studies Institute, 2015. Evanson, Robert K. "Soviet Economic and Military Trade in Latin America: An Assessment." World Affairs. vol. 149, no. 2 (Fall 1996). Farah, Douglas & Caitlyn Yates. "Great Power Competition in Latin America." The Fletcher Forum of World Affairs. vol. 44, no. 2 (Summer 2020). Farah, Douglas & Román D. Ortiz. "Russian Influence Campaigns in Latin America." United States Institute of Peace. no. 522 (October 2023). Gilderhus, Mark T., David C. LaFevor & Michael J. LaRosa. The Third Century U.S.–Latin American Relations since 1889. Maryland: Rowman & Littlefield, 2017. Hess, Maximilian. "Rusal's Bauxite Mine and Potential Russian Meddling in Guyana's Election." Foreign Policy Research Institute. 8/4/2020. at: https://acr.ps/1L9zP1n Jeifets, Víctor. "Russia is Coming Back to Latin America: Perspectives and Obstacles." Regional Integration Yearbook for Latin America and the Caribbean. no.11 (2015). Keohane, Robert & Joseph Nye. "Power and International Revisited." Interdependence Organization. vol. 41, no. 4 (Autumn 1987). Keohane, Robert O. After Hegemony: Cooperation and Discord in the World Political Economy. New Jersey: Princeton University Press, 1984. La Barca, Guiseppe. International Trade in the 1970s: The US, the EC and the Growing Pressure of Protectionism. London: Giuseppe La Barca, 2013. Leonov, Nikolai. "Soviet Intelligence in Latin America During the Cold War." Lecture and Dialogue. Tim Ennis (trans.). no. 73 (1999). at: https://acr.ps/1L9zOpi
Livingstone, Grace. America's Backyard: The United and Latin America from the Monroe Doctrine the War on Terror. New York: Zed Books, 2009. Medina, Daniela Rojas. "Growing Audiences and Influence: Russian Media in Latin America." Digital World. 9/6/2022. at: https://acr.ps/1L9zOni Meyer, Peter J. "U.S. Foreign Assistance to Latin America and the Caribbean: Trends and FY2017 Appropriations." Congressional Research Service.
Prinsloo, Cyril. "Bolsonaro and the BRICS: Bull in a China Shop?" South African Institute of International Affairs (March 2019). Quer, Diego, Laura Rienda & Rosario Andreu. "Chinese Investments in Latin America: An Analysis of Host Country Determinants." Journal of Evolutionary Studies in Business. vol. 4, no. 2 (July- December 2019). Raza, Werner & Hannes Grohs. "Trade aspects of China's presence in Latin America and the Caribbean." European Parliament- Directorate-General for External Polices (November 2022). Renehan Jr, Edward J. The Monroe Doctrine: The Cornerstone of American Foreign Policy. New York: Infobase Publishing, 2007. Rouvinski, Vladimir. "Understanding Russian Priorities in Latin America." Kennan Cable- Wilson Center. no. 20, 3/2/2017. Roy, Diana. "China's Growing Influence in Latin America." Council on Foreign Relation. 15/6/2023. at: https://acr.ps/1L9zOiG Rupprecht, Tobias. Soviet Internationalism after Stalin Interaction and Exchange between the USSR and Latin America during the Cold War. Cambridge: Cambridge University Press, 2015. Sanchez, W. Alejandro. "Geo Security 101: Washington and Moscow 's Military Bases in Latin America." Council on Hemispheric Affairs. 5/6/2014. at: https://acr.ps/1L9zOEW Shuya, Mason. "Russian Influence in Latin America." Journal of Strategic Security. vol. 12, no. 2 (2019). Van Sang, Nguyen & Nguyen Thi Kim Tiene. "The Monro Doctrine (1823): Origins, Principles and Effects." Journal of Science-The University of Danang. vol. 8, no. 5 (December 2018). Williams, Mark Eric. Understanding U.S.–Latin American Relations. New York: Routledge, 2012. Wilson, Jordan. "China's Military Agreements with Argentina: A Potential New Phase in China-Latin America Defense Relation." U.S China Economic and Security Review Commission. 5/11/2015. at: https://acr.ps/1L9zPbT