"دكتاتوريون مناورون"

Mounir Kchaou منير الكشو |

عنوان الكتاب في لغته: Spin Dictators. دكتاتوريون مناورون عنوان الكتاب:. المؤلف: سيرجي غيرايف ودانييل تريسمان.Sergei Guriev & Daniel Treisman سنة النشر:.2022.Princeton University Press الناشر: عدد الصفحات: 3.60

Spin Dictators

يسود إحساس بأن الاستبداد اليوم يختلف عن أشكال الاستبداد والدكتاتورية السابقة. فلئن اشترك مستبدو اليوم مع مستبدي الأمس في أنهم يستولون مثلهم بشراسة وعنف على جميع السلطات، فإنهم، خلافًا لسابقيهم، لا يلغون مؤسسات تمثيلية، مثل البرلمان، ولا يهاجمون الديمقراطية ويهجونها. وهذا السبب يجعل مستبدي اليوم، في نظر مؤلَفَي هذا الكتاب، الروسي سيرجي غيرايف والأميركي - البريطاني دانييل تريسمان، يمثلون طرازًا مختلفًا من الدكتاتورية، يسميانه "الدكتاتورية المناورة" Dictatorship Spin، في حين يسميان الطراز القديم "دكتاتورية الخوف"، الذي يعتمد على القمع والإرهاب أداةً وحيدة تقريبًا لفرض الانصياع لإرادة الحاكم. ينحدر مؤلّفا الكتاب من خبرتين مختلفتين، فغيرايف رئيس سابق للمعهد الجديد للاقتصاد في موسكو، وكان مستشارًا غير رسمي وكاتب خطابات ديمتري ميدفيديف، حين كان الأخير رئيسًا لروسيا 2012-2008()، وكان في الوقت نفسه مستشارًا حكوميًا، غير أنه اضطر إلى مغادرة روسيا عام 2013 بعد أن نقد الحكم الذي أصدره القضاء الروسي في شأن رجل الأعمال ميخائيل خودوركوفسكي Khodorkovsky Mikhail، وهو اليوم يتولى رئاسة مدرسة لندن للأعمال London Business School, LBS، بعد أن قضى سنوات في التدريس في معهد العلوم السياسية بباريس. أما تريسمان فهو أستاذ في العلوم السياسية بجامعة كاليفورنيا، نشر كتابًا عام 2011 عن تطور الأوضاع السياسية في روسيا من حقبة ميخائيل غورباتشوف إلى ميدفيديف. يهتم كتاب دكتاتوريون مناورون بما يسميه المؤلفان "الدكتاتورية المناورة" أو "الناعمة"، بحسب ما ينعتانها أحيانًا، وهي الفصيلة الجديدة من الحكام الدكتاتوريين، التي يريان أنها آخذة في الانتشار في السنوات الأخيرة، وهي تستغل الإمكانات الهائلة التي يوفرها العصر المعلوماتي لإحكام السيطرة والمراقبة على المجتمع والأفراد، ويضعانها في خانة ما يسميانه "الاستبداد المعلوماتي" 1. تحيل هذه التوصيفات إلى معنى دكتاتورية تستأثر بجميع سلطات الدولة وتتقن استخدام التكنولوجيات الحديثة، المعلوماتية منها بالخصوص، وتتوسل الحيلة والمناورة لإحكام قبضتها على السلطة والمجتمع، وتسعى لإغراء الشعب واستمالته بدلًامن قمعه وترهيبه، وتتجنب بذلك الأساليب الصدامية والإفراط في استعمال القوة والعنف وتحافظ على مؤسسات الديمقراطية التمثيلية القائمة بدلًا من إلغائها. يضم الكتاب تمهيدًا وثمانية فصول: الأول مدخل بعنوان "الخوف والمناورة"، والثاني بعنوان "أدّب لا تعاقب"، والثالث "الدعاية ما بعد الحداثية"، والرابع "الرقابة المعقولة"، والخامس "ديمقراطية للدكتاتوريين"، والسادس "النهب العالمي"، والسابع "المزيج التحديثي"، والفصل الثامن والأخير يطرح فيه المؤلفان السؤال عن "مستقبل المناورة." يستعير تعبير "دكتاتوريون مناورون" تعبيرًا إنكليزيًا شائعًا قريبًا منه، "الدكتور المناور"، وقد أ هو Spin Doctor طلق على شخص يكون غالبًا مساعدًا ومستشارًا لشخصية سياسية اعتلت سدّة الحكم أو قريبة من ذلك، متمكّن في فنون التواصل، يتولى تلميع صورتها لدى الناس من خلال التحكم في تقديم الأخبار التي تخصّها إلى الرأي العام، ومن ثم، التأثير في مواقف الناس وآرائهم في تلك الشخصية. ويقتضي ذلك بطبيعة الحال علمًاوكفاءة في تحويل اتجاهات الرأي العامّ وصناعة التوافقات والتسويات والتلاعب بالأحداث، بتضخيم بعضها وتهوين بعضها الآخر وتوظيف الدراسات لمؤشرات الرأي العام للتوصل إلى أفضل السبل للتأثير فيه. ويفترض كل ذلك استخدامًا حصيفًا لوسائل الإعلام والتواصل لحشد التأييد والولاء لرأس السلطة السياسية والثقة بقراراته وإضمار حسن النيّة في أعماله.

التحول من العنف إلى المناورة

يرصد المؤلفان التحول نحو الضرب الجديد من "الدكتاتورية المناورة" مع نهاية القرن العشرين، حيث شهد العالم تخيّل يالرجال الأقوياء في عديد أنحاء العالم عن بدلاتهم العسكرية، وإحجام معظمهم عن إظهار الشدة والبأس في التعامل مع معارضيهم، وتعمّد الكثير منهم حضور مؤتمر الأعمال السنوي في منتجع دافوس السويسرري وتبادل أطراف الحديث مع النخب الأوسع تأثيرًا في العالم، من قادة الدول ورجال الأعمال والخبراء في الاقتصاد والسياسة والعلاقات الدولية. وللتفاعل مع متطلبات هذا العالم الجديد، وظّف عديد الدكتاتوريين من الطراز الجديد خبراء في استطلاعات الرأي ومستشارين سياسيين وقانونيين واقتصاديين، ونظّموا، في بلدانهم، تجمعات سياسية واحتفالات شعبية دعوا فيها مواطنيهم إلى الالتقاء بالقيادة السياسية والحوار معها، وأرسلوا أبناءهم للدراسة في جامعات متقدمة غربية. ولم يكن ذلك ليعني، بطبيعة الحال، تغييرًا نوعيًا في أسلوب إدارتهم للحكم أو انفتاحًا على الخصوم السياسيين وعلى المجتمع، أو ارتخاءً لقبضتهم الأمنية على البلاد والعباد، بل أصبحوا أشدّ إدراكًا لفاعلية وسائل التحكّم والرقابة، وفي الوقت نفسه، أشد حرصًا على المحافظة

  1. Sergei Guriev & Daniel Treisman, "Informational Autocrats," The Journal of Economic Per spectives, vol. 33, no. 4 (Fall 2019), pp. 100-127.

على واجهة ل "ديمقراطية" يريدون أن يظهروا من خلالها أمام مواطنيهم والعالم رعاةً لها. غير أنّ هذا التحول لم يكن عاًّمًا وشاملًا، ولم يقم به المستبدون كلّهم، على ما ينبّه المؤلفان، فرئيَسَا كوريا الشمالية كيم جونغ أون Kim Jong Un وسورية بشار الأسد يمّثلّان الطراز القديم لدكتاتورية الخوف للقرن العشرين، التي لا تزال مستمرة، مثلما تندرج في هذا الطراز أنظمة أخرى (الصين مثلًا) أدخلت تحديثًا على طرق تدبير الحكم بالاعتماد المكثف على الرقمنة والتكنولوجيات الحديثة. ولا يمنع استمرار مظاهر الصيغة القديمة لدكتاتورية الخوف، في نظرهما، من تأكيد وجود طراز محدّث من الدكتاتورية يعمل على تغيير مظهره الخارجي للتواؤم مع المستجدات التي حصلت في العالم وجعلت الصورة القديمة للزعماء الاستبداديين، التي جسّدها جوزيف ستالين Stalin Joseph 1924-1953)(، والأوغندي عيدي أمين دادا 2003-1925()، والعسكري التشيلي أوغستو بينوشيه Pinochet Augusto 2006-1915()، لم تعد تحظى بقبول من العالم مقابل صورة المناور الحاذق، مثل الرئيس الهنغاري فيكتور أوربانOrban Viktor، ورئيس الوزراء السنغافوري لي هسين لونغ Loong Hsien Lee، اللَذَين ظّل امحطّ تقدير وتسامح من معظم زعماء البلدان الديمقراطية، مع كل ما قاما به في بلديهما من انحرافات سلطوية خطيرة في خلال فترة حكمهما. ولذلك، يشدد المؤلفان على أنّ هذا "الجديد" ليس ضربًا جديدًا من الدكتاتورية، بل هو تغيير شكلي فقط، ويقولان: "يتمثل جوهر الدكتاتورية المناورة في إخفاء الاستبداد الفردي في مؤسسات ديمقراطية شكلية. ويتلاعب الاستبداديون المعاصرون بالانتخابات، ويبطلون المكابح والموازين، ويعيدون كتابة الدساتير ويملؤون المحاكم بالموالين لهم" (ص. 7)3 استنادًا إلى ما لاحظه صمويل هنتنغتون في كتابه الموجة الثالثة 1991() من أن موجات الديمقراطية تتلوها دومًا موجات مضادة لها تسعى إلى إعادة إحلال الدكتاتورية من جديد، يشير المؤلفان في الفصل الأول من الكتاب إلى أنه لا أمل، فيما يبدو لهما وفق المعطيات الخبرية المتوافرة، في أن تختفي الدكتاتورية من العالم نهائيًا، حتى في حالة الانتشار الواسع ل "الديمقراطية الانتخابية"، التي تمنح المحكومين فرصة إزاحة حكّامهم من السلطة. فرغم أن عام 2015 شهد تحوّل أكثر من نصف بلدان العالم إلى الديمقراطية الانتخابية، وأنّ نحو 25 في المئة منها غدت تستجيب لمعايير الديمقراطية الليبرالية (ص. 17)، لم تختف الدكتاتورية من العالم بل غّي رت أشكالها وتكيفت مع التطورات الداخلية لمجتمعاتها والمستجدات الدولية الطارئة. لذلك، تبدو لهما الدكتاتورية المناورة بمنزلة شكل الحكم الدكتاتوري المناسب للعصر الديمقراطي.

أشكال الحكم الدكتاتوري

يرصد الكتاب ثلاثة أشكال من الدكتاتورية عرفها العالم في القرن العشرين، الذي اشتدّ فيه عود الأنظمة الديمقراطية وأخذت تنتشر تدريجيًا. فالشكل الأول هو ذاك القديم التقليدي القائم على تحالف بين أسر حاكمة تقليدية ومحافظة وضباط وقيادات عسكرية، مثلما هي الحال في أنظمة بلدان يوغوسلافيا واليونان ورومانيا والبرازيل، وسواها. وقد تصدى هذا النمط من الدكتاتورية للموجة الأولى من الديمقراطية التي انطلقت بحسب هنتنغتون عام 18282. أما الشكل الثاني فهو ذاك الذي ظهر مع الدخول القويّ للجماهير والحشود معترك السياسة بعد الحرب العالمية الأولى، حين تمكّن ملايين العمال والمحاربين القدامى في أوروبا من الحصول على حق الاقتراع والإدلاء بأصواتهم أول مرة، في أعقاب حرب عالمية مدمرة سُفكت فيها دماء وخلّفت إحباطًا وريبة حيال قيم الحداثة والتقدم. وقد أدت هذه المشاركة الانتخابية الواسعة بداية ثلاثينيات القرن العشرين إلى صعود الحزب الفاشي في إيطاليا بزعامة بينيتو موسوليني والحزب النازي في ألمانيا بقيادة أدولف هتلر؛ وفي أوروبا الشرقية رسخت الأحزاب الشيوعية نفوذها فيما بقي من الإمبراطورية الروسية بزعامة الحزب البلشفي الروسي، وعملت على تصدير الشيوعية إلى سائر العالم. وقد سعت، في تلك الفترة، الحركات القومية الفاشيّة والحركات الشيوعية إلى تعبئة الطبقات الدنيا؛ لإحداث تغيير كيّل يفي المجتمع سواء لإقامة إمبراطورية إثنية أو قومية، مثلما هي الحال بالنسبة إلى النازيّة في ألمانيا والفاشيّة في إيطاليا، أو دولة البروليتاريا العالمية الموحّدة بالنسبة إلى الشيوعيين. وقدّمت هاتان الأيديولوجيتان، شأنها شأن كل العقائد، حقائق غير قابلة للنقاش والمساءلة وحوّلتا اهتمام الناس من واقعهم إلى يوتوبيا تحريرية تعمل على اجتراح حلول جذرية لمشاكل الناس تتحقق على المدى البعيد. وقد ألهم كل من لينين وستالين وهتلر وموسوليني عديد المقلّدين من الحكّام في أوروبا وخارجها. أما الشكل الثالث لدكتاتوريات القرن العشرين فقد جسّده، في نظر المؤلَفيَن، النمط الكوربوراتي Corporatist، الذي، خلافًا للنمط الثاني، لا ينشد تحشيد الجماهير وتعبئتها لأغراض سياسية، بل صرف اهتمامها عن السياسة وجعلها تتعلق بأهداف تخص جوانب من حياتها الخاصة والمهنية. ومن الأمثلة المهمة على ذلك الزعيمان المحافظان اللذان استوليا على السلطة إثر انقلاب عسكري، أنطونيو سالازار Salazar Antonio 1970-1889()، الذي حكم البرتغال في الفترة 1967-1932،

  1. صامويل هانتنجتون،  2 الموجه الثالثة: التحول الديمقراطي في أواخر القرن العشرين، ترجمة عبد الوهاب علوب (الكويت: دار سعاد الصباح للنشر، 1993)، الباب 1، ص.74

وفرنسيسكو فرانكو Franco Francisco 1975-1892()، الذي حكم إسبانيا في الفترة 1975-1936، فهذان الزعيمان أرادا إعادة ترسيخ النظام والطاعة الاجتماعية والتقدير للتراتبية Hierarchy الكاثوليكية التي اهتزت بفعل انتشار قيم الحداثة والتنوير، وتحديدًا، الحرية والمساواة. ففي تصورهما، لا يتحقّق الاستقرار السياسي والمجتمعي إلا بتوافر سلطة قوية قادرة على فرض وحدة المجتمع وصيانة البنية التراتبية للجماعة السياسية (ص. 18) لذلك، عملا على استبدال مؤسسة البرلمان، من حيث هي سلطة تشريعية فاعلة تمثّل الشعب عن طريق الاقتراع العامّ، بمجالس استشارية يُختار أعضاؤها من مجموعات المصالح؛ لتعّب رعن مصالحها ووجهة نظرها في كيفية صنع سياسات الدولة، وتقدّم النصح للقيادة السياسية في سبل التوفيق بين مصالح المجموعات المتنافرة. لذلك، توضع الكوربوراتية عادةً في تناقض مع النظام التعددي الذي تتنافس فيه مجموعات المصالح للفوز بمواقع القرار داخل الدولة حتى توجه السياسات نحو ما يخدم مصالحها. وعلى خلاف الفاشيين والشيوعيين الذين أقاموا دكتاتوريتهم على مشروع سياسي يحمل رؤية لمستقبل بعيد ومتخيل، سعى الزعماء الكوربوراتيون (فرانكو وسالازار) إلى العودة إلى ماٍضٍ، وإن كان متخيّلًاهو الآخر. ولئن شهد العالم إثر نهاية الحرب العالمية الثانية في أوروبا اندحار الفاشية في صيغتها الإيطالية والنازية الألمانية ونهاية نظام مستبد سلطوي في اليابان في آسيا، بقيت التوتاليتارية الشيوعية متحكمة في شرق أوروبا، وانتشرت في أماكن أخرى من العالم، وواصلت من جهة أخرى الكوربوراتية في إسبانيا والبرتغال إحكام قبضتها على السلطة، وأوجدت في أميركا اللاتينية بعض المقلدين لنموذجها في الحكم، مثل خوان بيرون Juan Peron في الأرجنتين. في الستينيات، ارتفع عدد الأنظمة الاستبدادية، بعد أن قامت دول ناشئة حديثًا، إثر حصولها في خمسينيات القرن العشرين وستينياته على الاستقلال ونيلها العضوية في الأمم المتحدة، بإقامة أنظمة ذات حكم فردي مطلق يمسك في كل منها رجل قويّ بجميع السلطات، في زمن تتالت فيه الانقلابات وفشلت محاولات إقامة أنظمة ديمقراطية وتحديثية في دول في أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية. ولئن اختار بعض هؤلاء الحكّام الأوتوقراطيين استنساخ نموذج الأنظمة الشيوعية أو الفاشية وسعوا إلى تحشيد الجماهير وتعبئتها لدعم سلطتهم وإعلان الولاء والطاعة لهم، مثلما هي الحال بالنسبة إلى عبد الناصر، سعى آخرون إلى الاستلهام من نموذج الأنظمة الكوربوراتية وتهدئة الخواطر بشغل الجماهير بمصالح فئوية ونقابية ودفعهم إلى الانخراط في اتحادات ونقابات وأحزاب تحظى بقبول السلطة السياسية، مثلما هي الحال مع بينوشيه في تشيلي وموبوتو سيسي سيكو في زائير.

دكتاتورية الخوف

يحاجّ المؤلفان بأن السمة الغالبة على دكتاتوريّي القرن العشرين، على الرغم من الاختلاف بينهم من حيث طبيعة الحكم والخلفية الأيديولوجية، تتمثل في لجوء معظمهم إلى العنف الشديد والتنكيل بمعارضيهم، وإن بدرجات متفاوتة. وفي معظم الأحيان، كانوا يجاهرون بأعمال القتل والتعذيب والسجن والإيقاف القسرري والاختطاف ويذيعونها على نحو مقصود ومدبر، فطغاة القرن العشرين يفتخرون بمغامراتهم الدموية ويحرصون على إعلام المواطنين بها ولا يتركونها طيّ الكتمان ولا يخجلون من ممارستها، بل، على العكس، نراهم يتبجحون على أعين الملأ بما ارتكبت أيديهم من أفعال. وفي ذلك بدوا، مثلما يلاحظ المؤلفان، كأنهم يعودون إلى نموذج العقاب الذي تخّل ىعنه الغرب مع مطلع القرن العشرين، بعد أن كانت العقوبات المروعة في أوروبا معتمدة على نحو واسع أثناء العصور الوسطى وأوائل العصر الحديث، وكانت تطبّق على كل جرم مهما كان قدره، سواء كان من الصغائر، من قبيل السررقة والاعتداء على الغير بالعنف وممارسة الشعوذة والسحر، أو الكبائر، مثل قتل الملك. وقد كان تعذيب المشتبه بهم على الدولاب أو حرق أجزاء من بدنهم أو شنقهم أو جرّهم على الأرض وسحلهم أو تقطيعهم إلى أرباع أمرًا دارجًا وشائعًا. وكانت عمليات الإعدام والتعذيب تُقام في أماكن عامة ويشَّجَع المواطنون على حضورها والتصفيق والتعبير عن الاستحسان. وكان تصميم كماشة التعذيب، التي هي عبارة عن إطار من الخشب فيه ثلاثة ثقوب يدخل في أوسطها رأس المجرم وفي الثقبين الآخرين ذراعاه، ثم يدار به وهو على تلك الحالة لإهانته أمام الناس، يستدعي المشاركة الشعبية وحضور الجماهير. أما الذين ينجون من العقوبة ولا يقضون نحبهم تحت التعذيب فكانت تُشوّه خ لقتهم بوسم جباه بعضهم وجدع أنوف بعضهم الآخر أو قطع آذانهم؛ حتى يقع وصمهم ولا يعودون إلى الحياة العادية كما كان الأمر من قبل. لكنّ ذلك انتهى مع عصر الحداثة المتأخرة، مثلما بّي نميشيل فوكو 1984-1926() في كتابه المراقبة والمعاقبة 3، الذي يحيل إليه المؤلفان (ص. 7)4 فقد شهد الغرب في العصر الحديث ثورة في مجال فلسفة العقاب وممارسته بدأت في الفترة 1840-1760، وتواصلت تفاعلاتها إلى مطلع القرن العشرين. وفي هذه المدة جرى التخيّل يعن تعمّد إلحاق الألم بذوي الُّشُبهة أو المذنبين وتعذيب أجسادهم لاقتلاع الاعترافات منهم أو للتشفّي، واسُتُبِدِل بالعقاب الجسدي عقوبات غير مرئية أكثر إنسانية مرفقة

  1. 3  ميشيل فوكو، المراقبة والمعاقبة: ولادة السجن، ترجمة علي مقلد (بيروت: مركز الإنماء القومي، 1990)، يراجع على نحو خاص الفصلان 1 و.2

أحيانًا بمحاولات إعادة التأهيل، قصد إعادة الإدماج داخل المجتمع، واختفت الإعدامات في الساحات العامة، وأصبح التعذيب مستنكرًا ومستهَجَنًا وليس من أعمال السلطة والحكم مثلما كان من قبل. أما المؤسسة السجنية فُأ عيد تأهيلها ومراجعة دورها، وبات يُنَظَر إليها على أنها مؤسسة إصلاحية أكثر منها قصاصية. أمّا دكتاتوريو القرن العشرين فقلبوا اتجاه التاريخ، ورفضوا حساسية الليبراليين المعاصرين تجاه العنف وأقبلوا عليه من دون تحفّظ، ومزجوا بين التكنولوجيات الحديثة للإنتاج المكثف للبضائع ووسائل النقل والتواصل والأسلحة المتطورة والأهداف القديمة للمعاقبة من حيث هي تشٍّفٍ وانتقام لسلطة صاحب السيادة وإلحاق للألم وإشاعة للخوف. وبذلك، أعادوا ترسيخ الوجه العمومي القبيح للقمع السياسي على أمل أن يحظى بمشاركة المخلصين من السكان، وحوّلوا القتل إلى حدث عام. ففي كوريا الشمالية أمر كيم يونغ إيل Il Jong Kim 2011-1941() كتيبة عسكرية بإعدام أحد مديري المصانع رميًا بالرصاص أمام ملعب مزدحم بمئة وخمسين ألف متفرج. وفي غينيا الاستوائية، أمر فرانسيسكو ماسياس نغيما) بقتل مئة وخمسين 1979-1924(Francisco Macías Nguema من أعدائه في ملعب كرة القدم في العاصمة بحضور جمهور عريض وفي أجواء احتفالية، وفي السودان، أعدم الرئيس الأسبق جعفر النميري، في كانون الثاني/ يناير 1985، أحد أبرز خصومه المفكر والسياسي محمود محمد طه أمام ألف من الملاحظين (ص. 47) وعملت الدكتاتوريات العنيفة على إعادة تشكيل المجتمع على نحٍوٍ يمكّن من استخراج أكثر قدٍرٍ من الموارد والغنائم من السكان، ولردع كل نزوع إلى المعارضة أو الاحتجاج 4. ولئن لم تركن كلها إلى العنف بنفس الدرجة من الوحشية لم تكن تتورع، حين تستخدمه، عن الجهر به وحتى تقديمه للناس في شكل مشهدي لبثّ الرعب في نفوس المحكومين. وقد سيطر جميع الدكتاتوريين كلّيًا على وسائل الإعلام العامة، وحظروا وسائل الإعلام الخاصة، وضيّقوا على الصحافة الأجنبية، وأرهبوا الإعلاميين المتمسكين باستقلاليتهم، وعملوا على استمالتهم بالإغراء بالمال؛ حتى يتجندوا للدعاية للسلطة السياسية والتعبير عن الولاء لها. وحرصوا أيضًا على عزل بلدانهم عن العالم الخارجي؛ لمنع تسرّب الأفكار أو الآراء والمعلومات التي يستشعرون فيها خطرًا عليهم وعلى نظامهم السياسي. ومع أنهم يزعمون أنهم وشعبهم في وحدة صماء لا تنفلت عراها، شجب معظم دكتاتوريي القرن العشرين الديمقراطية البرلمانية مثلما هي مكرسة في الغرب، وزعم كثير منهم أنهم بصدد بناء أنظمة سياسية جديدة تتفوق عليها. وفي حين استولى بعضهم على مصطلحات الديمقراطية والجمهورية وحرفوا معناها لإزالة ما يحيل إلى التعددية السياسية أو القيود التي تضعها الديمقراطية الليبرالية على الحكم، مثل الفصل بين السلطات واستقلال القضاء والمراجعة الدستورية وضمان احترام حقوق الإنسان والالتزام بمبدأ سيادة القانون، فضّ ل زعماء آخرون من مرحلة ما بعد الاستقلال، مثل الغاني كوام نيكروماه Nkrumah Kwame، مهاجمة الديمقراطية باعتبارها إرثًا استعمارًّيًا، ورأوا في الانتخابات التي تجري في ظل تعددية حزبية تركة خلفها المستعمرون بعد رحيلهم، واعتبروا أنّ المؤسسات البرلمانية تقيّد فاعلية الحكّام ولا تنتج إّل االخراب والفوضى والفساد والمحسوبية والبؤس (ص. 20) أما موبوتو فقد عُرف بقولته الشهيرة "الديمقراطية ليست لأفريقيا" (ص. 21) قام، إذًا، نموذج دكتاتورية الخوف على قمع كل رأي معارض وإحكام القبضة على وسائل الإعلام ومعاقبة منتقدي النظام. وقد سعى معظم دكتاتوريّي الخوف إلى فرض أيديولوجيا ما ومهاجمة الديمقراطية التعددية ومنع السيلان الحر للمعلومات العابرة للحدود، واعتماد الترهيب والتخويف أسلوبًا في الحكم. وفي مقابل هذا النمط من الدكتاتورية التي عرفها العالم منذ بدايات القرن العشرين، يرصد المؤلفان بروز تحوّل مهمّ مع بداية الألفية الجديدة بإحجام عديد الأوتوقراطيين والرجال الأقوياء في دول غير ديمقراطية عن اعتماد العنف أسلوبًا في الحكم، فهوغو تشافيز Chávez Hugo، الضابط السابق في فريق المظلّيين في الجيش الفنزويلي، الذي انُتُخب عام 1998 رئيسًا للبلاد، صادر عمليًا الإعلام الوطني وجعله وسيلته لخطب ودّ الفقراء، وتمكّن من تهميش المعارضة من دون الإفراط في القمع، باستثناء عدد محدود ممّن زعمت السلطات تورّطهم في محاولة انقلابية ضدها. وفي سنغافورة، سطع نجم لونغ، الزعيم التكونوقراطي الذي حصل على تكوينه في جامعة كمبردج في بريطانيا وخلف والده لي كوان يو Lee Kuan Yew على رأس حزب العمل الشعبي، وفاز برئاسة الحكومة من دون منافس جدّي يُذكر، وحكم البلاد مدة عشرين سنة 2024–2004()، ولم يوجد سجناء رأي في فترة حكمه. وفي روسيا، أفلح فلاديمير بوتين، إلى حدود تاريخ غزو أوكرانيا 2022()، بحسب ما يرى المؤلفان، في الحفاظ على الواجهة الديمقراطية لبلاده، إذ إن رجال أمنه ومساعديه برعوا في التحرش على نحو خفيّ بمعارضيه والفتك بهم من دون ترك آثار بيّنة وملاحقتهم أمام المحاكم؛ بسبب قضايا مفتعلة وملفقة. وقد حظي هؤلاء الحكّام

  1. 4  يلمّح المؤلفان إلى أنّ نموذج التنمية الاقتصادية الذي يتوافق مع طبيعة الحكم الاستبدادي التقليدي، هو ذاك الذي يسمّيه أسيموجلو وروبنسون بالنموذج الاستخراجي Extractive مقابل النموذج الإدماجي Inclusive. ينظر: دارون أسيموجلو وجيمس أ. لماذا تفشل الأمم: أصول السلطة والازدهار والفقر، ترجمة بدران حامد (القاهرة روبنسون،: الدار الدولية للاستثمارات الثقافية، 2015.)

الأقوياء الثلاثة، الذين عملوا دومًا على الانفتاح على العالم وتنظيم انتخابات دورية، بنسبة رضا مرتفعة من شعوبهم.

قواعد الدكتاتورية المناورة

يقدّم المؤلفان خمس قواعد يريانها ضرورية لنجاح الدكتاتورية المناورة. تتمثل الأولى في أن يكون الدكتاتور ذا شعبية مرتفعة، لذلك، ينبغي له أن يجتهد في السيطرة على معتقدات الناس وتصوراتهم عنه وعن نظامه وواقعه. وتفيد الدراسة الِخ برية، في نظر المؤلَفيَن، أنّ الزعماء الثلاثة، لونغ وتشافيز وبوتين، تمكّنوا من السيطرة على شعوبهم من خلال التركيز على تشكيل الرأي العامّ، أكثر من التركيز على أساليب القمع العنيف والترهيب، وعلى إزالة أسباب التمرد بدلًا من قمع الاحتجاجات، فقد أدركوا جيدًا أنهم عندما يفوزون بحب الناس تتلاشى أسباب الثورة، ويجنح الجميع إلى طلب السلم والأمن، ولن يستمع أحد إلى دعوات المعارضين للعصيان والاحتجاج. وكثيرًا ما ينجح الدكتاتوريون من الطراز الجديد في حصر نزعات التمرد في فئة صغيرة ضعيفة ومعزولة لا تؤثّر في شعبية المستبدّ، فليس الدكتاتوريون المناورون مجرد طغاة عنيفين من المدرسة القديمة حدّثوا أساليبهم في الحكم وأدخلوا حيلًاجديدة في تدبيرهم للسلطة، بل إنهم صاغوا نهجًا متميزًا ومتسقًا داخليًا. فالتلاعب بوسائل الإعلام، وهندسة طرائق الحصول على الشعبية وأساليبها، وتزييف الديمقراطية، والحدّ من الركون إلى العنف والانفتاح على العالم ضمن حدوٍدٍ ما، كل هذه العناصر تتكامل لإنتاج نموذج للحكم لاليبرالي Illiberal آخذ في الانتشار. وبدلًا من ترهيب المواطنين وإجبارهم على الخضوع، يستخدم الدكتاتوريون المناورون الخداع ليكسبوا تأييد الناس. لذلك، ينشغلون بمعدلات قبول الشعب لهم ولسياساتهم ويتوخّون نفس الطرائق والأساليب التي سبق أن أوصى مكيافيلي الأمراء بها حتى يحافظوا على رضا المحكومين عنهم. وعلى رأس هذه الوسائل تأتي بطبيعة الحال الإنجازات الاقتصادية ومعدلات النمّو Growth، إذ إن الرفاه المادي في كل الأنظمة السياسية يزيد من شعبية السلطة السياسية القائمة. ويدرك الدكتاتوريون المناورون جيدًا أنّ النمو الاقتصادي المطّرد والدائم صعب المنال في عالم متغير تسوده نسبة عالية من اللايقين. لذلك، نراهم يعدّون العدة للأوضاع الصعبة التي تنخفض فيها معدلات النموّ، وينتشر الفقر، وترتفع البطالة. ولئن اعتمد دكتاتوريو الخوف على القمع والتلويح به لمنع الاحتجاجات والانتفاضات حين يتعطل النمو وتتردى الأوضاع المعيشية للسكان، يحتفظ دكتاتوريو المناورة بالقمع ملاذًا أخيرًا يعتمدونه في الحالات القصوى، حين لا يكون هناك بدّ من اعتماد أساليب المدرسة التقليدية؛ إذ إنهم يعرفون أنه سيكلّفهم التضحية بشعبية تصعب استعادتها من جديد. أما القاعدة الثانية فهي استخدام شعبية الدكتاتور لتعزيز النفوذ. وهنا تكمن أهمية التحكم في الإعلام، ولا سيما حين لا تكون الوقائع إلى جانب الدكتاتوريين ويكونون في حاجة إلى تزييف المعلومات والمعطيات والأرقام، والتلاعب بها، والسيطرة على مصادرها ومنع أي جهة أخرى من النفاذ إليها. ولئن لم يكن الأوائل الذين جعلوا التلاعب بالمعلومات والأخبار أداتهم في الحكم، إذ سبقهم في ذلك كل الدكتاتوريين سواء كانوا سلطويين أو توتاليتاريين، فإن الدكتاتوريين الجدد لا ينشدون فرض أيديولوجيات متكاملة أو مراسم ولاء وتأييد أو إثارة الحمية الوطنية وإشاعة الخوف في نفوس الأهالي والسكان، بل يعتمدون خطابًا يحاول بثّ رسائل طمأنة للمواطنين. ويبين المؤلفان، في الفصل الثالث "الدعاية ما بعد الحداثية"، أن الدكتاتوريين المناورين بدلًامن أن يستخدموا وسائل الإعلام للترويج لصورة كاذبة عن أنفسهم وعن نظامهم السياسي مثلما فعلت وسائل الإعلام في فترة النازية مع هتلر أو الفاشية مع موسوليني أو الشيوعية مع ماو تسي تونغ أو ستالين أو نظام البعث مع حافظ الأسد، يعلمون أن الدعاية بهذا الأسلوب لم تعد تنفع وأن الناس لا يصدقونها مثلما تثبت الدراسات التاريخية والوقائع والتجارب. فبدلًا من إشاعة الخوف، يعمل الدكتاتوريون المناورون على ترويج صورة الحاكم الكفء وتعويض خطاب العنف بخطاب الإنجاز، وبدلًامن إرهاب المواطنين يسعون إلى الحصول على دعمهم بإبراز مهاراتهم القيادية ديعولا نم لادًاابو، مهتمدخ ف يمهينافتو " لاإّااو اعيطم نك " نوعفري، شعار: "انظروا إلى العمل الرائع الذي نقوم به" (ص. 83) وبدلًامن الركون إلى مصادرة الصحف وحجب المواقع الإعلامية على شبكات الإنترنت، على نطاق واسع، مثلما يفعل الدكتاتوريون التقليديون، يُغرق هؤلاء هذه الشبكات بمعلومات تهدف إلى تحويل اهتمام المستخدمين ويوظفون المشاكل التقنية التي يسببونها عن قصد لجعل وصول مواطنيهم إلى بعض المواقع عسيرًا وقليلًا. فهذه الأنظمة تعلم جيدًا أنّ الرقابة قد تلفت انتباه المواطنين إلى وجود محتوى فاضح تسعى السلطات للتستر عليه بحجبه. لذلك، يكون التصرف الذكيّ في جعل الخبر يختفي حقًا أو ينصرف اهتمام الناس عنه. وللقيام بذلك، يحتاج الدكتاتور المناور إلى استقطاب متعلمين ومثقفين وخبراء في الاقتصاد والسياسة والإعلام وخريجي مدارس عليا وجامعات كبرى لهم ارتباطات وشبكة علاقات عالمية واسعة. ولئن كان هذا الصنف من الدكتاتوريين قادرًا على استقطاب هذه الشريحة من المواطنين وتوظيفها لمصلحته يعجز دكتاتوريو الخوف عن القيام بذلك؛ لأنهم

غير مستعدين للتنازل عن قدر من نفوذهم والقبول بقدر محدود من الاستقلالية لوسائل الإعلام. ويدرك الدكتاتور المناور أنه يتعين عليه الحؤول دون أن يقوّض العارفون Informed بحقائق الأمور شعبيته ويحركوا الجمهور ضده. ويعتمد الكثير منهم طريقة شراء صمت هؤلاء بالمال حتى يصرفوا اهتمامهم عنهم وعن سياساتهم أو انتدابهم للدعاية لمصلحتهم. وذلك ما قام به بوتين في روسيا ونور سلطان أبيشولي نزارباييف في كازاخستان، حيث انتدبت شبكات التلفزيون الموالية للسلطة في هذين البلدين خرّيجي الجامعات الأكثر موهبة وكفاءة. في حين عمد زعماء آخرون، مثل ألبرتو فوجيموري رئيس بيرو السابق وأوربان في هنغاريا، إلى إغداق الرشوة والامتيازات والمكافآت على مالكي المحطّات الإعلامية الخاصة ومديريها وتمكينهم من فرص الحصول على السبق الصحفي لتغطية الأنباء والإعلانات الحكومية. فدكتاتوريّو هذه النسخة الجديدة يعرفون أنّ القيود المشددة والفاضحة على وسائل الإعلام تأتي بنتائج معاكسة لما يريدونه منها وتجعل الناس ينصرفون عن الإعلام المحلي لفائدة الإعلام الخارجي. لذلك، يخففون أحيانًا من قبضتهم على وسائل الإعلام لتمكينها من هامش من الحرية الخاضعة للرقابة. ولئن صادر دكتاتوريو الخوف الكتب والصحف الخاصة، انطلاقًا من رؤية بأن الإعلام العام ينبغي له أن يكَّرَس للدعاية لهم، يكتفي الدكتاتوريون المناورون بدفع كل نقد إلى هامش الاهتمام العامّ ولا تهمّهم آراء وتصريحات عن أشخاصهم وسياساتهم يُدَل ىبها على انفراد أو علنًا أمام عدد صغير من الأنفار، بل إنه لا يضيرهم حتى أن يكون للمثقفين المعارضين صحف ومجلات توَّزَع في الداخل وبرامج تلفزيونية تُبثّ على الكابل وعلى الأقمار الصناعية، وأن يكون للصحافة ووسائل الإعلام الأجنبية مراسلون ومكاتب تغطّي الأحداث، ما دام إقبال الجمهور عليها ضعيفًا وما دامت الجماهير العريضة مؤيدة لنظام الحكم وتستمع فقط إلى نقد الدكتاتور لمعارضيه وتشكيكه في دوافعهم ووطنيتهم وولائهم للشعب واحترامهم لسيادة البلاد، في حين لا تلقى نداءات المعارضة وخطاباتها صدى لديهم. أما القاعدة الثالثة فهي الظهور بمظهر الزعيم الديمقراطي. فعلى صعيد الانتخابات وتجديد العهدة لا يخشى الدكتاتوريون المناورون أمرًا مباغتًا ما دامت شعبيتهم مرتفعة وتعاطف الجمهور معهم قوًّيًا؛ لذلك، ينظمون انتخابات واستفتاءات يفوزون بها بنسٍبٍ ترضي غرورهم ونرجسيتهم من دون حاجة كبيرة إلى تزييفها. فُيُجرون التنقيح الدستوري الذي يريدونه ويعيّنون أنصارهم في المحاكم وفي الهيئات العليا المشرفة على الانتخابات أو ذات الصلة بها، مثل مفوضيات الانتخابات والمحاكم الدستورية ومفوضيات الشفافية ومقاومة الفساد والمجالس العليا للقضاء، وغيرها. وهذه هي الطريقة التي اعتمدها، على سبيل الذكر، الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي شارف على أن يفوز بالانتخابات الرئاسية لعام 2023 من الدور الأول، بحصوله على 9.54 في المئة من الأصوات. فالأنظمة ذات الحكم الفردي المناور تنظّم انتخابات لا تكون شكلية فحسب بل ذات نسبة مهمّة من التنافسية من دون أن تؤدي إلى تداول فعلي على السلطة. ويستشهد المؤلفان بدراسة ستيفن ليفتيسكي ولوكان ووي في كتاب السلطوية التنافسية، التي بينت أن عديد الانتخابات التي نظّمها دكتاتوريون مناورون، لئن لم تكن عادلة ومنصفة لم تكن فاقدة للحرية تمامًا (ص. 22) 5. فالأحزاب المعارضة تنافس الدكتاتور في الانتخابات، وأحيانًا تتوافر لديها فرص للفوز، وإن كانت ضئيلة. وقد وثّقت الدراسات في العلوم السياسية عديد الحيل والانتهاكات للقوانين السارية من إدارة الدولة وأساليب سيطرة الدكتاتوريين على وسائل الإعلام، ومنع المنافسين منها؛ لتأمين الانتصار مع الإيهام بطابعها التنافسي والحرّ. ويرى المؤلفان أن الديمقراطية تحظى اليوم بتأييد واسع في أغلب المجتمعات مهما كان تاريخها وطبيعة النظام السياسي الذي يحكمها، ونجد تكتلات من الدول والمنظمات الديمقراطية الليبرالية تشجع على اعتماد الديمقراطية ونمط الحكم الذي يحظى بقبول واسع من المحكومين. وإن اختار دكتاتوريو الخوف تحدّي هذه التكتلات والشبكات والتصدي لهذا التيار العالمي الداعي إلى الدمقرطة، يتظاهر، في المقابل، الدكتاتوريون المناورون باعتناق الديمقراطية واحترام حريات مواطنيهم من دون أن يغّي روا جوهريًا أسلوبهم في الحكم ويعترفوا بالتعددية ويقبلوا بإدارة الخلاف مع معارضيهم عبر الحوار والاحتكام إلى صناديق الاقتراع، في إطار انتخابات حرة تنافسية نزيهة وعادلة. وقد بدت هذه الطريقة للمؤلَفيَن ناجحة؛ لأنها مثّلت حيلة انطلت على الكثير من المتابعين للأوضاع السياسية في داخل هذه البلدان وخارجها، وجعلت الكثير من الحكومات في البلدان الديمقراطية مستعدة للتعاون والشراكة مع هذه الأنظمة، متعللةً في أحيان كثيرة بأنها بلدان في طريقها نحو الديمقراطية الكاملة. والقاعدة الرابعة لهذا الطراز من الدكتاتورية توصي بالانفتاح على العالم الخارجي (الفصل 6.) فخلافًا لدكتاتورية الخوف التي غالبًا ما أوصدت حدودها وضيّقت على السفر منها وإليها وعلى تناقل المعلومات، تستفيد الدكتاتورية المناورة من المظهر الديمقراطي الذي تبدو عليه للانفتاح على نحو مدروس على العالم الخارجي. فهي تقيّد،

  1. Steven Levitsky & Lucan A. Way, Competitive Authoritarianism: Hybrid Regimes after the Cold War (New York: Cambridge University Press, 2010), Chap. 2.

بحسب الظروف، نشاط وسائل الإعلام الأجنبية وترحّب في نفس الوقت بتدفّق الزائرين والسياح ورؤوس الأموال عليها، وما يصحب ذلك من معطيات ومعلومات، وتنظر في سبل الاستفادة منها. وتبدي أيضًا انفتاحًا على المؤسسات الدولية وتسعى إلى الانضمام إليها لكنها تعرقل في نفس الوقت أيّ دور أو مهمة لها لا ترتاح إليها. أما القاعدة الخامسة فتوصي بتجنّب القمع العنيف أو على الأقل إخفائه عند الاضطرار إلى اللجوء إليه. ففي المجتمعات الحديثة يُفقد القمع والتنكيل الوحشي بالمنشقين الُحُكّام حبّ الناس؛ لذلك يعتبر الدكتاتوريون المناورون العنف البّي ن ضد المحكومين علامة فشل وضعف في حكمهم لا علامة قوة. وحين يشتغل نموذجهم في الحكم جيدًا ويكون الحاكم حائزًا شعبية واسعة لا يكون ترهيب المواطنين العاديين نافلًافحسب بل ضاًّرًا أيضًا، ويؤدي إلى نتائج عكسية تقوّض صورة القائد المستنير التي يريد أن يبدو عليها الدكتاتور المناور. غير أن ذلك، مثلما ينبّه المؤلفان، لا يعني أن الدكتاتوريين المناورين مسالمون؛ إذ إنهم يمكن أن يتحوّلوا قساة ووحشيين عندما يتعلق الأمر بخطٍرٍ حقيقي يهددهم، مثل ما يكون الأمر في حالة نشوب حرب أهلية أو تمرد عرقي أو إثني. ويقدّم في هذا السياق فوجيموري في بيرو مث لًاساطعًا على ذلك، حين قمع بوحشية وتشٍّفٍ جماعة الدرب المنير الماوية، أو بوتين في حرب روسيا الثانية على الشيشان التي أعلنها عام 1999 وأدت إلى عشرات الآلاف من القتلى (ص. 18) يختلف أتباع هذا النموذج من الدكتاتوريين من حيث مشاربهم وتوجهاتهم الفكرية والقضايا التي يناصرونها وطريقة وصولهم إلى الحكم. فتشافيز رئيس فنزويلا السابق، أو رفاييل كوريا Correa Rafael رئيس الإكوادور السابق، أو أندريس مانويل لوبيز أوبرادور Andres Obrador Lopez Manuel رئيس المكسيك السابق أيضًا، يساريو الهوى، في حين يصنّف آخرون أنفسهم على جهة اليمين، مثل أوربان رئيس حكومة المجر الحالية وطيب أردوغان رئيس تركيا الحالي. بعضهم شعبويون، مثل تشافيز وكوريا وأوبرادور، يهاجمون باستمرار ما يعتبرونه "النخب المتنفذة" و"الدولة العميقة"، مدّعين الدفاع عن الشعب ضدهم، في حين بدا بوتين ولي كوان يو حريَصيَن على دعم الدولة ومؤسساتها وعدم الانسياق وراء خطابات التشكيك في خدمة أعوانها وموظفيها للشعب. أما رئيس تركيا أردوغان فاعتمد تمشّيًا آخر تمَّثَل في مهاجمة الدولة العميقة وفي نفس الوقت تعيين أنصاره وأشياعه في مؤسساتها. ولئن اعتنق البعض مثل المجري أوربان نزعة محافظة ثقافيًا تعمل على تأجيج مشاعر إثنية معادية للمهاجرين، سعى آخرون أمثال نزارباييف رئيس كازاخستان إلى تعزيز التماسك الديني والإثني للمجتمع. فضلًا عن ذاك تختلف الدكتاتوريات المناورة من حيث أشكالها المؤسساتية. ففي الكثير منها يغلب على الحكم الطابع الشخصي ما يجعله ينزع إلى تركيز السلطة بين يَدَي حاكم فرد، في حين تكون أخرى ذات نظام برلماني تعددي مع وجود حزب مهيمن، مثلما هي الحال في ماليزيا وسنغافورة، وأخرى ذات طابع عسكري مثلما هي حال الجزائر، في عهد الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، لكنها رغم ذلك تظل تشترك في جملة السمات التي أسلفنا ذكرها. ويرى المؤلفان أنّ عدد دكتاتوريات الخوف في تناقص؛ إذ إنها كانت تمثّل في سبعينيات القرن العشرين 60 في المئة من مجموع الدول، لتنخفض إلى 20 في المئة، في العشر سنوات الأولى من الألفية الجديدة، في حين ارتفع عدد الدكتاتوريات المناورة من 13 في المئة إلى 53 في المئة (ص. 1)3

من الخوف إلى المناورة

يقدّم الكتاب، في فصله السابع بعنوان "المزيج التحديثي"، جملة من العوامل التي دفعت إلى التحوّل من الخوف إلى المناورة. وهي، إجمالًا، ثلاثة: العامل الأول، هو الانتقال من المجتمعات الصناعية إلى المجتمعات ما بعد الصناعية، والثاني هو العولمة الاقتصادية وانتشار الثورة المعلوماتية، والثالث بروز ما يُسمّى "النظام الليبرالي العالمي." وقد مثّلت هذه العوامل تحولات متسارعة عرفها العالم منذ انهيار المعسكر الشيوعي وانتهاء الحرب الباردة والاستقطاب الثنائي بين الرأسمالية والشيوعية؛ فالتحديث والعولمة أوجدا ضغوطًا على الحكّام الدكتاتوريين لدفعهم إلى الانفتاح على العالم. وقد مثّلت الدكتاتورية المناورة، في نظر المؤلَفيَن، الأسلوب الذي سعى الحكام المستبدون من خلاله لمقاومة هذه الضغوط، بتجنب إقامة ديمقراطية حقيقية وتبنّي ما يمكن عدّه شكلًامزيفًا منها. وكلما تواصل هذا التيار التحديثي والعولمي ازدادت هذه الضغوط على الدكتاتوريين، لا سيما في البلدان التي لا تمتلك ثروات نفطية كبيرة، على نحٍوٍ يدفعها إلى اعتماد "الديمقراطية" أو صيغة مشوّهة منها. وفي الوقت نفسه، يمكن أّل اينتهج المستبدون سبيل المناورة، بل الوقوف ضد هذا التيار بمحاولة إيقاف مسار التحديث أو عكس اتجاهه. ويقدم المؤلفان مث لًاعلى ذلك يتمثل في ما قام به بوتين بعد عام 2011، حيث أذن لمعاونيه بتدمير مبادرات التحديث التكنولوجي العالية التي أطلقها ميدفيديف في فترة حكمه، وعمل على إبعاد الاستثمارات الغربية، وتسبب في عقوبات اقتصادية لبلده بشنّه هجمات عسكرية على أوكرانيا، لكنّ روسيا عانت بسبب ذلك سنواٍتٍ من الركود الاقتصادي وتصاعدًا لوتيرة القمع السياسي. لذلك، يرى المؤلفان أن الدكتاتوريين أنفسهم أمام معضلة، فإيقاف مسار

التحديث يمكن أن يتسبب في الأزمة التي يخشونها، وهي الركود الاقتصادي وما ينجر عنه من مشاكل اجتماعية، وعدم استقرار سياسي، إضافةً إلى أنّ التنمية الاقتصادية والاجتماعية تخيفهم؛ لأنها تحرر طاقات داخل المجتمع تزيد في شعبية مطالب الديمقراطية والحرية، في حين أنّ النمو الاقتصادي يمكّنهم من البقاء في الحكم. ويؤدي إيقاف مسار التنمية، عادةً، إلى انخفاض معدلات النمو وتآكل شعبية الزعيم، ما يدفعه إلى اللجوء إلى القمع سبيلًالحماية حكمه. وقد أثبت القمع عدم فاعليته في المجتمعات الحديثة والمنفتحة على العالم، على نحو يدفع الدكتاتوريين إلى التخلي عن سياسة الإرهاب وإثارة الخوف وتوخّي حكم أوتوقراطي مناور. ولئن بدت، في رأي المؤلَفيَن، الدكتاتورية المناورة هي السبيل الوحيد المعقول للأنظمة الاستبدادية لمواجهة تضافر العوامل التي يتضمنها مزيج التحديث، باعتبار أنّ تجميد مسار التحديث (على النحو الذي قام به بوتين) لا يقدّم حًّل ادائمًا وسياسة مستقرة، يظل ذلك، بحسب ما يبين المؤلفان في الفصل الثامن، رهين استمرار فاعلية المزيج التحديثي. غير أنه ليس هناك ما يضمن استمرار مسار التحديث على الصعيد العالمي، ولا استمرار العولمة الاقتصادية، ولا دوام فاعلية النظام الليبرالي العالمي، ففي الولايات المتحدة، قرّر الرئيس دونالد ترامب، في عهدته الأولى 2021-2017()، الانسحاب من اتفاقيات التجارة العالمية وفرض رسومًا جمركية على البضائع الواردة من الصين وأوروبا، وهو ما يبدو اتجاهًا آخذًا في الترسّخ، مع تصاعد حدّة الموجة الحمائية ونزع العولمة Deglobalization على الصعيد الدولي. ويرى المؤلفان أنّ نزع العولمة وتفكيك العلاقات الاقتصادية بين الدول الغنية والفقيرة يؤديان إلى إضعاف الدافع لدى الدكتاتوريين للتحول إلى الديمقراطية أو اعتماد المناورة والإيهام بتبنّيها، فقد بيّنت الدراسات في العلوم السياسية، مثل دراسة ستيف هيس وريتشارد أيدو  6 التي يستشهد بها المؤلفان (ص. 200)، أنّ البلدان التي تتلقى تمويلًامن الصين تحديدًا، وعلى نحو أقل من الغرب، تركن أكثر من غيرها إلى القمع السياسي الأشد قسوة، ففي تنزانيا، مثلًا، رفع الرئيس جون ماغوفولي John Magufuli وتيرة مضايقة الصحافيين والتضييق على ناشطي المجتمع المدني مع تدفق الأموال من بجين، وحرص على شكر الصين على تقديم المساعدات من دون شروط، خلافًا لما تجري عليه الأمور عادةً مع الدول الغربية. ويبدو لنا أن هذا الاتجاه آخذ في الترسخ مع صعود الصين إلى مرتبة القوة العظمى والدعم القويّ الذي تقدّمه هي وروسيا للأنظمة الاستبدادية، وهو ما يؤسس، بحسب الكاتبة الأميركية آن أبِلِباوم في كتابها "الأوتوقراطية وشركاؤها" 7، شبكات استبداد، تسعى شيئًا فشيئًا لإطاحة شبكات الديمقراطية ومساعدة المستبدين، الذين يعانون ضغوطًا غربية لتغيير طريقتهم في حكم مواطنيهم، على مقاومة هذه الضغوط والإمعان في القمع والتضييق على الحريات، والاعتداء على حقوق شعوبهم.

  1. Steve Hess & Richard Aidoo, "Democratic Backsliding in Sub-Saharan
  2. Africa and the Role of China's Development Assistance," Commonwealth & Comparative Politics , vol. 57, no. 4 (2019), pp. 421–444. 7  Anne Applebaum, Autocracy, Inc.: The Dictators Who Want to Run the World (New York: Douleday, 2024).

المراجع

العربية

أسيموجلو، دارون وجيمس أ. روبنسون. لماذا تفشل الأمم: أصول السلطة والازدهار والفقر. ترجمة بدران حامد. القاهرة: الدار الدولية للاستثمارات الثقافية،.2015 فوكو، ميشيل. المراقبة والمعاقبة: ولادة السجن. ترجمة علي مقلد. بيروت: مركز الإنماء القومي،.1990 هانتنجتون، صامويل. الموجه الثالثة: التحول الديمقراطي في أواخر القرن العشرين. ترجمة عبد الوهاب علوب. الكويت: دار سعاد الصباح للنشر،.1993

الأجنبية

Applebaum, Anne. Autocracy, Inc.: The Dictators Who Want to Run the World. New York: Douleday, 2024. Guriev, Sergei & Daniel Treisman. "Informational Autocrats." The Journal of Economic Per spectives. vol. 33, no. 4 (Fall 2019). Hess, Steve & Richard Aidoo. "Democratic Backsliding in Sub-Saharan Africa and the Role of China's Development Assistance." Commonwealth & Comparative Politics. vol. 57, no. 4 (2019). Levitsky, Steven & Lucan A. Way. Competitive Authoritarianism: Hybrid Regimes after the Cold War. New York: Cambridge University Press, 2010.