الدوافع الفردية للمشاركة الانتخابية في العالم العربي: أيّ تأثير لتقييم مدى ديمقراطية النظام؟

Abdelkarim Amengay عبد الكريم أمنكاي | * Yasmine Lahnin ياسمين لحنين |

الملخّص

يعتبر عدد من المتخصصين في دراسة ما يسمى الانتخابات السلطوية، وهي التي تجري في سياق غير ديمقراطي، أن الدافع الرئيس للمواطنين للذهاب إلى التصويت في العالم العربي يكمن في الرغبة في تحقيق مصالح فردية (مادية على الأغلب) وفق منطق زبوني، سواء اتخذ شكل عملية بيع وشراء صريحة للأصوات، أو الحصول على خدمات أو امتيازات أثناء الحملة الانتخابية أو بعدها. في حين لم ت عر الدراسات حول المنطقة اهتمامًا كبيرًا، أو على الأقل كافيًا، للأثر المحتمل لتقييم المواطنين لمستوى ديمقراطية النظام الذي يعيشون تحته في المشاركة الانتخابية. من هذا المنطلق، تطرح هذه الدراسة السؤال البحثي التالي: إلى أيّ حد يُعدّ تقييم المواطنين في العالم العربي لمستوى ديمقراطية النظام السياسي من العوامل التي تؤّث ر في احتمالية مشاركتهم في الانتخابات أو الامتناع عن ذلك؟ للإجابة عن هذا السؤال، تمّ ت الاستعانة ببيانات الدورة الثامنة لاستطلاع المؤشر العربي لعام 2022 في تسع دول عربية (الأردن، تونس، الجزائر، العراق، الكويت، لبنان، مصر، المغرب، موريتانيا) وإخضاعها لتحليل الانحدار اللوجستي الثنائي، الذي أظهرت نتائجه أن تقييم الأفراد الإيجابي لمستوى الديمقراطية في بلدهم يعزز من احتمالية ذهابهم إلى التصويت، وذلك بغّض النظر عن العوامل الموضوعية التي قد تشير إلى الطبيعة غير الديمقراطية للنظام السياسي.

Individual Motives for Voter Turnout in the Arab World: What Impact Does the Evaluation of the Political System's Democratic Level Have?

كلمات مفتاحية: المشاركة الانتخابية، تقييم مستوى الديمقراطية، العالم العربي.

Several scholars studying the so-called authoritarian elections argue that the primary motivation for citizens to vote in the Arab world is the pursuit of individual (mostly material) interests driven by clientelism that may take the form of explicit vote-buying or granting services and privileges to electors. However, research overlooked the potential impact of citizens' evaluation of the regime's democratic level on electoral participation. The goal of this study is to fill this gap. The analysis of the eighth round of the Arab Opinion Index (2022) across nine Arab countries—Jordan, Tunisia, Algeria, Iraq, Kuwait, Lebanon, Egypt, Morocco, and Mauritania— reveals that individuals who perceive their country as more democratic are more likely to vote, regardless of objective indicators suggesting the undemocratic nature of the political system. Keywords: Electoral Turnout, Democracy Evaluation, Arab World.

مقدمة

في تسعينيات القرن العشرين، أدى التزايد الملحوظ في عدد الدول التي تحكمها أنظمة هجينة  1 إلى إعادة النظر في التصور الذي كان يهيمن على حقل دراسات الانتقال الديمقراطي، والذي كان يفترض أن الانتخابات التعددية هي ممارسة سياسية مرتبطة حصرًا بالأنظمة الديمقراطية. فعلى الرغم من انتشار الانتخابات التعددية في جل بلدان العالم في الفترة التي أعقبت سقوط المعسكر الشرقي، بما فيها الأنظمة غير الديمقراطية، فقد ظلت الانتخابات في هذه الأخيرة عملية متحَّكَمًافي مخرجاتها بوسائل متعددة  2، وغالبًا محسومة النتائج مسبقًا لصالح الأحزاب والمترشحين المحسوبين على الأنظمة القائمة، وإن اختلفت هذه الأنظمة في الحيز الذي تتركه لمعارضيها للحصول على مقاعد في المؤسسات التمثيلية كالبرلمانات والمجالس المحلية. وأدى هذا الوضع إلى إثارة تساؤلات عدة، من بينها تساؤل حول الأسباب الكامنة وراء ذهاب المواطنين إلى التصويت في مثل هذه الانتخابات ذات التأثير المحدود في بنية السلطة ومخرجات السياسات العامة للدولة. اعتبرت دراسات عديدة 3 (إن لم يكن أغلبها) انكبّت على تفسير المشاركة الانتخابية في الأنظمة غير الديمقراطية، بما فيها تلك التي انصبّ اهتمامها على دول العالم العربي، أن الدافع الأساسي وراء ذهاب المواطنين إلى التصويت فيما اصطلح عليه بعض الباحثين بالانتخابات السلطوية  4، هي العلاقات الزبونية Clientelism بين المترشحين والمصوتين؛ أي الدوافع المصلحية البراغماتية 5. وبحسب هذا التصور، لا يعدو أن يكون الذهاب إلى التصويت في السياقات غير الديمقراطية آلية أو وسيلة يسعى من خلالها الأفراد للحصول على مجموعة من المنافع، سواء أكانت موارد مادية (عينية أو نقدية) أم خدمات من الشخص أو التنظيم الحزبي الذي يصوتون له، والذي قد يصبح في حالات معيّنة نقطة الوصل الوحيدة لهم بمؤسسات الدولة، إلى درجة أن هؤلاء الُمُنتخبين قد يتحولون إلى بديل من الدولة في توفير الخدمات العمومية، وهو ما يُعرف في بعض السياقات العربية ب "نواب الخدمات" 6. إجمالًا، بقي تفسير المشاركة الانتخابية في العالم العربي حبيسًا للمقدمات النظرية لمقاربة الاختيار العقلاني، من دون إعطاء الاهتمام الكافي لعوامل أخرى إدراكية، من قبيل الدور المحتمل لمستوى الرضا عن النظام القائم في تحفيز المشاركة الانتخابية، على اعتبار أنه يصعب القبول بكون كل المواطنين الذي يذهبون إلى التصويت في العالم العربي هم مجرد "مصلحيين" لا يحرّكهم سوى البحث عن المنافع الذاتية أو تأمين "الواسطة." وتعدّ مسألة الرضا عن النظام السياسي متعددة الأبعاد وجدالية بالضرورة، سواء من حيث العناصر المشكّلة لها أو من حيث تمظهراتها، التي سنحاجّ بأن من أهمها في سياق العملية الانتخابية تقييم الأفراد لمستوى الديمقراطية في البلد، الذي يمكن أن يكون إيجابيًا، حتى في سياق الأنظمة غير الديمقراطية وفي ظل وجود عناصر مادية قد تخالف هذا التقييم، من قمع وتضييق على الحريات السياسية وما إلى ذلك. إن تقييم الأفراد لأيّ نظام سياسي لا تحكمه بالضرورة عناصر موضوعية، وقد يختلف فيه الأشخاص فيما بينهم حتى داخل البلد نفسه. فقد يرى البعض أن النظام القائم في بلدهم ديمقراطي، في حين يعتبره آخرون أقل ديمقراطية أو غير ديمقراطي على الإطلاق. ومن المتوقع أن تكون لهذه الاختلافات في تقييم مستوى ديمقراطية النظام أثر في السلوكات الانتخابية الفردية، على اعتبار الارتباط العميق لمفهوم الديمقراطية بالانتخابات (فلا ديمقراطية من دون انتخابات في السياق المعاصر.) وبناءً على هذا، تطرح الدراسة السؤال البحثي التالي: إلى أيّ حد يُعدّ تقييم المواطنين في العالم العربي لمستوى ديمقراطية النظام السياسي من العوامل التي تسمح بتفسير احتمالية مشاركتهم في الانتخابات أو الامتناع عن ذلك؟ للإجابة عن هذا السؤال، قُسمت الدراسة إلى أربعة مباحث. يستعرض المبحث الأول، انسجامًا مع الأهداف المسطرة لهذا العدد، المقاربات النظرية الكبرى 7 التي طُورت في حقل دراسات السلوكات السياسية لتفسير المشاركة الانتخابية، بما فيها مقاربة الاختيار العقلاني التي غلبت على شرح المشاركة الانتخابية في السياقات غير الديمقراطية بصفة عامة، والعربية منها بصفة خاصة، وذلك من خلال هيمنة توظيف مفهوم الزبونية الانتخابية في الدراسات السابقة، وفق

  1. Larry Diamond, "Elections without Democracy: Thinking about Hybrid Regimes,"  Journal of Democracy , vol. 13, no. 2 (2002), pp. 21-35.
  2. Andreas Schedler, "Elections without Democracy: The Menu of Manipulation,"  Journal of Democracy , vol. 13, no. 2 (2002), pp. 36-50.
  3. under "Elections Lust-Okar, Ellen Gandhi 4  Jennifer Authoritarianism,"  Annual Review of Political Science , vol. 12, no. 1 (2009),
  4. Carolina De Miguel, Amaney A. Jamal & Mark Tessler, "Elections in
  5. pp. 403-422.
  6. the Arab World: Why do Citizens Turn Out?"  Comparative Political Studies , vol. 48, no. 11 (2015), pp. 1355-1388. 6  جاسم العطاوي، "نواب الخدمات: نواب محبوبون ومرغوبون"، الأيام، العدد 10926، 2019/3/9، شوهد في 2024/8/9، في https://acr.ps/1L9zRbb: 7  سنقتصر هنا على المقاربات النظرية التي ركّزت على الخصائص والدوافع الفردية من دون التطرق إلى التفسيرات التي اعتمدت مقاربات بنيوية، كالمؤسساتية.

ما سيتبين في المبحث الثاني. في حين يعرض المبحث الثالث الإطار المنهجي، بما في ذلك قاعدة البيانات الموَّظَفة (الدورة الثامنة من استطلاع المؤشر العربي لعام 2022) والمتغيران التابع (المشاركة الانتخابية) والمستقل الرئيس (تقييم مستوى الديمقراطية) ومتغيرات التحكم الإدراكية والسوسيوديموغرافية والكيفية التي رُمزت بها في تحليل الانحدار اللوجستي الثنائي Regression Logistic Binary؛ وهو الأداة المنهجية الكمية المستخدمة لاختبار الفرضية الرئيسة للبحث. أما المبحث الرابع، فيناقش النتائج والخلاصات المتوصل إليها حول المحددات الفردية للمشاركة الانتخابية في دول العالم العربي، التي تسمح البيانات باختبار الفرضيات فيها، وهي: الأردن وتونس والجزائر والعراق والكويت ولبنان ومصر والمغرب وموريتانيا.

أولًا: التفسيرات الفردية للمشاركة الانتخابية: المقاربات النظرية الكبرى

وفقًا ليان ماكلستر، ظهرت أولى الدراسات حول "من يصوّت ومن يمتنع عن ذلك قبل قرن من الزمن على أقل تقدير، [في حين] كانت الأسئلة حول المشاركة الانتخابية من بين أولى الأسئلة التي طُرحت في بدايات تطوير عينات المسوح الاجتماعية" 8. وعلى الرغم من هذا الظهور المبكر لسؤال الباحثين عن أسباب المشاركة الانتخابية، فإنه طوال عقود عديدة بقي حقل الدراسات الانتخابية  9 مركّزًا جل اهتمامه على دراسة التفضيلات الانتخابية للأفراد (أي ما الذي يفسر تصويت المواطنين لمترشح أو حزب أو سياسي معّين؟) أكثر منه على تحليل العوامل الكامنة وراء الذهاب إلى التصويت أو الامتناع عنه. وقد تغير هذا الوضع مع مطلع ثمانينيات القرن العشرين في ظل التراجع المطّرد الذي شهدته نسب المشاركة الانتخابية في عدد من الديمقراطيات الليبرالية والقلق الذي خلقه هذا الوضع بين أنصار الديمقراطية  10. فمثلًا، إذا كان معدل نسب المشاركة الانتخابية في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD قد فاق 80 في المئة في العقد الذي تلا نهاية الحرب العالمية الثانية، فإنه لم يُعُد يتجاوز 86 في المئة منذ عام 2011 11، ما أدى إلى تزايد غير مسبوق12 للأبحاث حول الموضوع، إلى درجة أن دجاو كانسلاو وبيني جيس اعتبرا أن "المواضيع في العلوم السياسية التي أنتجت هذا الكم من الأدبيات قليلة" 13. وظلت هذه الأدبيات في غالبيتها محصورة في (أو متأرجحة بين) المقاربات الثلاث الكبرى المهيمنة على حقل السلوكات الانتخابية: المقاربة   السوسيولوجية، والمقاربة السوسيونفسية14، ومقاربة الاختيار العقلاني  15، مع تفضيل للأخيرة في تفسير المشاركة الانتخابية في الأنظمة غير الديمقراطية. 1. المحددات السوسيو-اقتصادية للمشاركة الانتخابية تنطلق المقاربة السوسيولوجية من مقدمة نظرية مفادها أن التباين في الخصائص الفردية للأشخاص هو المدخل لشرح الاختلافات في سلوكهم الانتخابي، سواء تعلّق الأمر بتفسير تصويتهم لمترشح أو تيار سياسي معّين، أو فهم العوامل الكامنة وراء ذهابهم إلى التصويت من عدمه. فبحسب هذه المقاربة، يُعتبر الوضع السوسيو-اقتصادي للمواطنين بمنزلة العنصر الحاسم في تحديد أنماط المشاركة السياسية التي سيتبنّاها الأشخاص  16، بما فيها الانتخابية منها. فالأخيرة لا يمكن فصلها عن الخلفية الاجتماعية للأفراد أو انتمائهم الطبقي، سواء عرّفنا الطبقة على أساس اقتصادي أو ثقافي - هوياتي، وبغضّ النظر عن التغييرات التي طرأت على مفهوم الطبقة منذ القرن التاسع عشر في ظل التحولات التي سجّلتها عدة مجتمعات (الغربية منها على وجه الخصوص) بتحولها إلى "مجتمعات ما بعد صناعية" تهيمن عليها قيم ما بعد مادية  17.

  1. Ian McAllister,  Advanced Introduction to Elections and Voting
  2. 9  ذلك منذ نشأته في الولايات المتحدة الأميركية في أعقاب الحرب العالمية الثانية.
  3. André Blais & Daniel Rubenson, "The Source of Turnout Decline: New Values or New Contexts?" Comparative Political Studies , vol. 46, no. 1
  4. McAllister, p. 7.
  5. João Cancela & Benny Geys, "Explaining Voter Turnout: A Meta- analysis of National and Subnational Elections,"  Electoral Studies , vol. 42 (2016), p. 264.
  6. Ibid.
  7. 14 تُعرفان على التوالي بمدرسة كولومبيا ومدرسة مشيغان، نسبة إلى الجامعتين الأميركيتين اللتين شهدتا نشأة كل واحدة منهما. للمزيد حول الموضوع ينظر: Vincent Hutchings & Hakeem J. Jefferson, "The Sociological and Social- Psychological Approaches," in: Justin Fisher et al. (eds.), The Routledge Handbook of Elections, Voting Behavior and Public Opinion (London/ New York: Routledge, 2018), p. 21. 15  حول المقاربات الثلاث الكبرى في حقل السلوكات السياسية، ينظر.Fisher et al. (eds.):
  8. (Cheltenham, UK: Edward Elgar Publishing, 2022), p. 48.
  9. Paul F. Lazarsfeld, Bernard Berelson & Hazel Gaudet, The People's Choice: How the Voter Makes up his Mind in a Presidential Campaign (New York: Columbia University Press, 1968). 17  McAllister, pp. 85-87.
  10. (January 2013), pp. 95-117.

ثمة جدل مفاده أن الخصائص السوسيو-اقتصادية للشخص تُؤثر في سلوكه الانتخابي، وذلك من خلال تحديدها لثلاثة عناصر. أولها، طبيعة مصالحه الفردية وانتظاراته تجاه النظام السياسي بما فيها خلال اللحظة الانتخابية. ثانيها، الجماعة الاجتماعية التي ينتمي إليها (إثنية أو مهنية أو دينية أو غيرها) والتي قد يكون لها مصالحها الخاصة التي تسعى لتحقيقها أو الدفاع عنها في السياق الانتخابي. ثالثها، الشبكة أو الشبكات الاجتماعية التي ينخرط فيها أو هو عضو فيها، والتي قد تختلف في مدى قدرتها على التعبئة للدفع بأعضائها إلى المشاركة في الانتخابات أو التصويت لمترشح أو تيار سياسي معّين. ويفيد رواد المقاربة السوسيولوجية (بول لازارسفيلد وبرنار بيريلسون وهازل غوديت) 18، أنه عندما يكون الأفراد مندمجين في شبكات اجتماعية تشارك بنشاط في الانتخابات، تزداد احتمالية تعبئتهم للتصويت من خلال مزيج من الأعراف الاجتماعية والتأثير الشخصي وجهود التعبئة المباشرة التي يتعرض لها أفراد الجماعة  19، وهذا هو ما أشار إليه بعض الباحثين ب "نموذج التعبئة" 20. من هذا المنطلق، أظهرت دراسات عديدة أن هناك علاقة طردية بين الموقع السوسيو-اقتصادي للفرد في المجتمع واحتمالية انخراطه في الممارسات الديمقراطية المختلفة  21، في مقدمتها التصويت في الانتخابات. ويمكن الوقوف على هذا الموقع السوسيو-اقتصادي من خلال عدة عناصر من أهمها مستوى دخله، وطبيعة النشاط المهني الذي يزاوله، ومستواه التعليمي 22 (والتي تعتبر من بين أكثر المتغيرات الديموغرافية  23 التي وُظفت بوصفها مؤشرات عاكسة للفئة أو الجماعة السوسيو-اقتصادية التي ينتمي إليها الأفراد 24). فبحسب كلير ويليك وتالي مندلبرغ، "يعتبر الترابط [الإيجابي] بين التعليم والمشاركة الانتخابية من أقوى العلاقات [التي تم إثباتها] في العلوم السياسية" 25، في حين أن العديد من الدراسات بيّنت أن الدخل المنخفض له تأثير سلبي  26 في احتمالية ذهاب الأفراد إلى التصويت. وقد فسُرت هذه العلاقة بأربعة أسباب على الأقل. أولًا، يتمتع الأفراد ذوو المستويات التعليمية العالية والدخل المرتفع بفهم أعمق للقضايا السياسية، ما يؤدي إلى زيادة الاهتمام السياسي ومن ثم زيادة احتمالية ذهابهم إلى التصويت  27. فالتعليم،"الذي يعتبر من أقوى محددات المشاركة الانتخابية" 28، يساهم في تشكيل إدراك الفرد وفهمه للظواهر السياسية ومواقفه تجاهها  29. ثانيًا، يُعتقد أن المصالح الذاتية للأفراد الميسورين والمتعلمين تتماشى بصفة عامة مع استقرار النظام السياسي الديمقراطي، ما يعزز دافعهم للمشاركة الانتخابية. ثالثًا، يميل الأشخاص محدودو الموارد إلى تبني "توجهات غير مبالية تجاه النظام السياسي، لذا "يصعب على الأحزاب والمؤسسات تحفيزهم للتصويت" 30. رابعًا، يجادل البعض بأن "المشاركة السياسية عبارة عن فعل تقوده الموارد" 31. خلاصة القول، يخفض انتماء الفرد إلى الطبقات الاجتماعية الفقيرة أو الهشة من إمكانية انخراطه في العملية الانتخابية.

2. الاستعدادات النفسية والدوافع الإدراكية للمشاركة الانتخابية

ركّز النوع الثاني من الدراسات التي هدفت إلى شرح التفاوتات بين الأفراد على مستوى المشاركة الانتخابية على الأبعاد النفسية للمشاركة السياسية، والتي تجد أصلها في أعمال أنغس كامبل وزملائه  32 "(الآباء المؤسسون للمقاربة السوسيو -نفسية.)" فهم أول من طور مفهوم "الهوية الحزبية" Identification Party، للإشارة

  1. Lazarsfeld, Berelson & Gaudet.
  2. Kaat Smets & Carolien Van Ham, "The Embarrassment of Riches? A Meta-Analysis of Individual-Level Research on Voter Turnout,"  Electoral
  3. Ibid., p. 351.
  4. Ibid.
  5. Hutchings & Jefferson, p. 22.
  6. Eric Plutzer, "Demographics and the Social Bases of Voter Turnout," in: Fisher et al. (eds.), pp. 69-82.
  7. 24  وفقًا لإريك بلوتزر، ترجع جذور اهتمام باحثي السلوكات السياسية بها إلى أعمال رائدة مثل: "اختيار الشعب"، و"الرأي العام والديمقراطية الأميركية"، و"الناخب الأميركي." ينظر هذه الأعمال على التوالي: Lazarsfeld, Berelson & Gaudet; Valdimer Orlando Key, Public Opinion and American Democracy (New York: Knopt, 1961); Angus Campbell et al., The
  8. Claire Willeck & Tali Mendelberg, "Education and Political Participation,"  Annual Review of Political Science , vol. 25, no. 1 (2022), p. 91.
  9. Smets & Van Ham, p. 350. 27  Isabelle Stadelmann-Steffen & Daniela Koller, "What Type of Resources? Household Effects and Female Electoral Participation," Swiss Political Science Review , vol. 20, no. 4 (2014), pp. 529‑549.
  10. Studies , vol. 32, no. 2 (2013), pp. 344-359.
  11. Smets & Van Ham, p. 348.
  12. D. Sunshine Hillygus, "The Missing Link: Exploring the Relationship Between Higher Education and Political Engagement," Political Behavior , vol. 27, no. 1 (2005), pp. 25‑47.
  13. Eva Anduiza Perea, "Individual Characteristics, Institutional Incentives and Electoral Abstention in Western Europe," European Journal of Political Research , vol. 41, no. 5 (2002), p. 647.
  14. Smets & Van Ham, p. 348. 32  Campbell et al.
  15. American Voter (Chicago: Chicago University Press, 1960).

إلى الارتباط العاطفي 33 بحزب سياسي معّين، الذي عندما يكون قويًا فقد يؤدي إلى زيادة الانخراط السياسي للأفراد  34، بما ذلك المشاركة الانتخابية، من منطلق أن التعلق العاطفي بحزب أو تيار سياسي معّي نسيكون محفزًا للذهاب للتصويت له، ما يرفع تلقائيًا من المشاركة الانتخابية. وبغضّ النظر عن الانتقادات التي تعرّض لها مفهوم الهوية الحزبية (بما فيها الدفع بعدم صلاحيته لتفسير السلوكات الانتخابية خارج السياق الأميركي الذي طُور فيه) 35، فإن المقاربة السوسيو-نفسية أثارت اهتمام الباحثين بالتأثير المحتمل للعوامل النفسية والإدراكية في تفسير الظواهر الانتخابية، على وجه الخصوص الوقوف على "الدور الذي تؤديه التوجهات Attitudes والاستعدادات النفسية Psychological Predispositions من قبيل الاهتمام السياسي، والتحزب [والإحساس الفردي ب] الفاعلية السياسية في تفسير المشاركة الانتخابية" 36. فمثلًا، أظهرت دراسات عديدة (غالبيتها حول المشاركة الانتخابية في الديمقراطيات الغربية) أن "نسبة معتبرة من المواطنين لا تعدّ التصويت مجرد حق، بل هو واجب أخلاقي أيضًا يتعين على المواطن الجيد Good Citizen تأديته" 37. كما تَبّي نأيضًا أن "للمعتقدات الدينية تأثيرًا عميقًا في سلوكات [المواطنين] المؤمنين [...] بما فيها [...] المشاركة السياسية التقليدية" 38، والمشاركة الانتخابية أحد أهم أنواعها. من التوجهات التي حظيت باهتمام الباحثين في علاقتها بالمشاركة الانتخابية ما يسمى بالتوجهات الديمقراطية Attitudes Democratic (أو ما يصطلح عليها أيضا بالتوجهات Attitudes towards Democracy التي) الديمقراطية تجاه تعكس مواقف الأفراد من الديمقراطية بوصفها نظامًا سياسيًا من خلال ثلاثة أبعاد: البعد العاطفي الذي يعكس مستوى تفضيل الفرد للديمقراطية مقابل السلطوية بوصفها نظامًا سياسيًا، والبعد الإدراكي الذي يعّب رعن مستوى فهم معنى الديمقراطية ومحتواها، والبعد التوجهي Conative الذي "يستحضر النيات السلوكية تجاه الديمقراطية" 39. وقد أظهرت دراسات عديدة أن الأفراد الذين لديهم مستوى عاٍلٍ من التوجهات الديمقراطية هم أكثر ميلًاإلى الذهاب إلى التصويت من غيرهم، سواء في الدول الأوروبية بشقيها الغربي والشرقي  40 أو في عدد من الدول النامية41. وفي مقابل ذلك، درس عدد من الباحثين أثر مستوى الرضا عن كيفية اشتغال النظام الديمقراطي القائم في البلد في نسب المشاركة الانتخابية، حيث تبّي ن أن احتمالية ذهاب الأفراد إلى التصويت تميل إلى الارتفاع مع ارتفاع مستوى رضاهم عن كيفية اشتغال الديمقراطية في البلد  42.

3. الحسابات المصلحية دافعًا للمشاركة الانتخابية

أما التقليد الثالث الذي وُظّف في دراسة المشاركة الانتخابية على مستوى الأفراد فهو الذي يتبنّى المنطلقات النظرية لمقاربة الاختيار العقلاني، الذي ينكبّ على تحليل السلوك الانتخابي من خلال عدسة حسابات المصلحة الذاتية  43. فقد اعتبر أنتوني داونز (صاحب كتاب نظرية اقتصادية للديمقراطية  44) أن الناخبين يدلون بأصواتهم للحزب الذي يعتقدون أنه سيوفر لهم أكبر قدر من المنافع، آخذين في الاعتبار التكاليف والفوائد السياسية، فحسب، التي تؤثر فيهم مباشرة من خلال نتيجة التصويت  45، وهي المدخل لفهم المشاركة الانتخابية. بمعنى أن هذه المقاربة تنطلق من "مفهمة قرار الذهاب إلى التصويت باعتباره نتيجة لحسابات شخصية للتكلفة [المترتبة على الذهاب إلى التصويت] مقابل المنفعة" 46 المتوقع جنيها. فالأفراد سيتكلفون عناء الذهاب إلى التصويت فقط إذا اعتبروا أن المنافع

  1. McAllister, p. 34.
  2. Ibid., p. 40.
  3. Ibid., pp. 34-36.
  4. Smets & Van Ham, p. 344.
  5. Carol Galais & André Blais, "Do People Feel more of a Duty to Vote in some Elections?"  West European Politics , vol. 39, no. 4 (2016), p. 755.
  6. Daniel Stockemer & Susan Khazaeli, "Electoral Turnout in Muslim- Majority States: A Macro-Level Panel Analysis," Politics and Religion , vol. 7, no. 1 (2014), p. 84; نقلًاعن:
  7. Youngho Cho, "Democratic Attitudes and Political Participation in the Developing World,"  The Korean Journal of International Studies , vol. 13, no. 1 (2015), pp. 63-87.
  8. Jeffrey A. Karp & Caitlin Milazzo, "Democratic Scepticism and Political Participation in Europe," in: Juliet Pietsch, Michael Miller & Jeffrey Karp (eds.),  Public Opinion and Democracy in Transitional Regimes (London/ New York: Routledge, 2017), pp. 105-118.
  9. Cho.
  10. Kimmo Grönlund & Maija Setälä, "Political Trust, Satisfaction and Voter Turnout,"  Comparative European Politics , vol. 5 (2007), pp. 400-422.
  11. Benny Geys, "'Rational' Theories of Voter Turnout: A Review," Political Studies Review , vol. 4, no. 1 (2006), pp. 16‑35.
  12. Anthony Downs, An Economic Theory of Democracy (New York: Happer & Row, 1957).
  13. Ibid. 46  Ibid.; نقلًاعن.Smets & Van Ham:
  14. Anthony Gill, "Religion and Comparative Politics,"  Annual Review of Political Science , vol. 4, no. 1 (2001), pp. 117-138.

التي سيجنونها من المشاركة الانتخابية أعلى من التكلفة التي ستترتب عليها. وإن كانت الدراسات لا تتفق بالضرورة حول طبيعة المنافع التي تدخل في عملية المفاضلة هذه. فمثلًا، يجادل البعض بأن المنفعة المتوقعة هي نجاح المترشح المفضل لدى الفرد أو ضمان عدم فوز الأكثر كرهًا عنده  47. وعلى الرغم من ذلك، تبقى المنافع الاقتصادية هي الأكثر حضورًا في الدراسات الحديثة المندرجة تحت مقاربة الاختيار العقلاني، والتي عملت على اختبار فرضيات متعلقة بمدى تأثير عناصر مثل: التقييم الفردي للوضع الاقتصادي للبلد، ومقارنة الأفراد بين المترشحين والمنافع الشخصية المتوقعة وتكلفة التصويت على احتمالية المشاركة في الانتخابات  48. ولم يقتصر توظيف مقاربة الاختيار العقلاني في شرح الدوافع الكامنة وراء المشاركة الانتخابية أو الامتناع عن التصويت في سياق الديمقراطيات الغربية، بل نعتقد أنها الإطار النظري الأكثر استعمالًافي تفسير الإقبال على التصويت في سياقات غير ديمقراطية أو سلطوية (وإن كان على نحو غير صريح)، بما فيها الدراسات التي انصبّت على دراسة المشاركة الانتخابية في العالم العربي، فماذا تخبرنا هذه الدراسات حول دوافع التصويت في الأنظمة غير الديمقراطية، والعربية منها على وجه الخصوص؟

ثانيًا: المشاركة الانتخابية في الأنظمة غير الديمقراطية: إكراه أم بحث عن منافع؟

تثير مشاركة المواطنين في الانتخابات في ظل الأنظمة غير الديمقراطية تساؤلًامثيرًا للاهتمام هو: ما الذي يدفع الناس إلى التصويت في ظل أنظمة حكم يكون فيها تأثير اختياراتهم في السلطة محدودًا جدًا، إن لم يكن منعدمًا؟ ففي هذه الأنظمة التي تبدو نتائج انتخاباتها محسومة سلفًا، وحيث تكون المعارضة إما مقيدة أو مقموعة، قد يتوقع المرء أن يسود الشعور بعدم الاكتراث بين الناخبين، أو أن تقاطع أعداد كبيرة منهم الانتخابات. وقد ركّزت غالبية الدراسات السابقة، في تفسيرها لهذا الأمر، على عنصرين: الإكراه وملازمة الخوف من قمع النظام، والبحث عن المنافع الفردية في إطار العلاقات الزبونية. برز الإكراه، سواء كان بدنيًا (كالعنف الجسدي) أو معنويًا (كالتخويف والتهديد)، عاملًاتفسيريًا قدّمته بعض الدراسات لتفسير مشاركة الناخبين في الأنظمة غير الديمقراطية، خصوصًا تلك التي تتميز بمستوى عاٍلٍ من القمع، حيث تصبح عملية الذهاب إلى المراكز الانتخابية للتصويت في مثل هذه السياقات القمعية ممارسة هدفها الحفاظ على الذات، وليس تعبيرًا عن الإرادة الحرة أو اختيار سياسي  49، سواء كان ذلك الإكراه ناتجًا من النظام السلطوي نفسه، أو من جماعات تُقيّد حرية الناخب تحت وطأة التهديد في بيئة قهرية، حتى لو لم يكن النظام في حدّ ذاته سلطويًا 50. لكن على الرغم من معقوليته، فإن هذا التفسير لا يأخذ في الاعتبار الاختلافات الموجودة بين الأنظمة غير الديمقراطية، ولا حتى كون أن بعض الأنظمة السلطوية الأكثر قمعًا قد تحظى بدعم "صادق" من نسبة معينة من المواطنين الذين قد تكون لهم توجهات سلطوية أو تفضيل أيديولوجي للنظام القائم أو مصالح مرتبطة به، كالحالات التي قد تكون فيها الطائفية السياسية منتشرة. إن طبيعة النظم السياسية التي تجري في ظلها الانتخابات تستدعي قلعتي امدنع لاثًاامف، اهنيب ةدوجولام تافلتاخلاا رابتعلاا ف يذخلاأ لاثًاام الأمر بالأنظمة غير الديمقراطية، لا يمكن الجزم من دون تدقيق بأن المواطنين يتعرّضون فيها بالضرورة للإكراه للمشاركة في الانتخابات، أو على الأقل قد لا يكون الإكراه على المستوى نفسه أو من النوع نفسه في جميعها؛ أي قد تكون في العديد من الدول ذات الحكم غير الديمقراطي مشاركة شعبية من دون أن يكون عامل الإكراه كافيًا لشرحها. وقد بيّنت بعض الدراسات أنه حتى في السياقات غير الديمقراطية قد ينظر المواطنون إلى التصويت بوصفه واجبًا مدنيًا أو التزامًا أخلاقيًا تمامًا مثل نظرائهم في المجتمعات الديمقراطية. فعلى سبيل المثال، قدم أورا جون رويتر في دراسة تناولت الانتخابات الروسية لعام 2016، بيانات مسحية تفيد أن 2.29 في المئة فقط من المستجيبين أخبروا بتعرضهم للتهديد للمشاركة فيها  51.

  1. John Aldrich & Libby Jenke, "Turnout and the Calculus of Voting: Recent Advances and Prospects for Integration with Theories of Campaigns and Elections," in: Fisher et al., p. 84.
  2. Smets & Van Ham, p. 353.
  3. Emilee Booth Chapman, "The Distinctive Value of Elections and the Case for Compulsory Voting," American Journal of Political Science , vol. 63, no. 1 (2019), pp. 101‑112.
  4. Jeff Fisher, "Electoral Conflict and Violence," IFES White Paper , no. 1, International Foundation for Electoral Systems (2002), accessed on 8/8/2024, at: https://acr.ps/1L9zQyA
  5. Ora John Reuter, "Civic Duty and Voting Under Autocracy," The Journal of Politics , vol. 83, no. 4 (2021), pp. 1602-1618.

في مقابل الإكراه، ركّزت مجموعة من الدراسات حول العالم العربي على مركزية الزبونية  52 في تفسير اختيار الناخبين المشاركة في الانتخابات 53. يعرّف حافظ عبد الرحيم الزبونية السياسية بأنها "عملية، يلتزم الطرف الأول بتوفير مكافأة مادية [...] بما يُلزم الطرف الثاني – بشكل صريح أو ضمني – توفير المقابل المتمثل في تقديم المساندة السياسية والدعم لإدراك منصب سياسي مرغوب فيه [للطرف الأول"] 54. ويحاجّ العديد من الباحثين بأن الناخبين في العالم العربي ينظرون إلى الانتخابات على نحو أساسي بوصفها فرصة لتأمين منافع مادية؛ أي إن أهم عنصر يجعل مواطني المنطقة يتحفزون للذهاب إلى صناديق الاقتراع هو تحصيلهم فوائد ملموسة، مثل الأموال، أو الوظائف، أو مشاريع البنية التحتية، أو المساعدات الاجتماعية، من خلال دعم مترشحين إما تربطهم بهم علاقات شخصية، أو هم جزء من شبكاتهم الاجتماعية في إطار علاقة تبادل منافع زبونية، إلى درجة أن كارولينا دي ميغيل وأماني جمال ومارك تسلر اعتبروا أن الأشخاص الذين يلجؤون إلى ما يسمى في مجتمعات المشرق العربي ب "الواسطة" يكونون أكثر احتمالًاللذهاب إلى التصويت مقارنة بمن يمتنعون عن اللجوء إلى هذه الممارسة الزبونية 55. وكذلك اعُتبُرت الزبونية الانتخابية تفسيرًا لميل الناخبين إلى الإدلاء بأصواتهم لصالح مترشحين ينتمون إلى قبيلتهم أو عائلتهم أو مجتمعهم المحلي، حيث يتوقعون أن يكون هؤلاء الممثلون أكثر استجابة لاحتياجاتهم ومصالحهم الخاصة 56. بهذا المعنى، يصبح قرار التصويت في العالم العربي عبارة عن عملية مفاضلة حسابية براغماتية بين الفوائد والتكاليف المحتملة للمشاركة، بدلًامن المبادئ المجرّدة للواجب المدني أو الأيديولوجيا السياسية 57، بما فيها "الإغراءات التي تِعِد بمنافع خاصة للمصوتين من قبيل الهدايا، والوظائف، والأموال، ومزايا أخرى" 58. فمثلًا، يشير عبد الحليم مهورباشة في بحثه عن "اتجاهات فئة الشباب الجامعي نحو المشاركة في الانتخابات الرئاسية في الجزائر" لعام 2019، إلى أن أكثر من ثلث أعضاء العينة التي وظّفها في دراسته صرّحوا بأن مشاركتهم في الانتخابات تحرّكها دوافع مالية محضة متعلقة بعملية بيع الأصوات وشرائها  59. وحتى الانتخابات التونسية لعام 2014، التي على الرغم من كونها انتخابات جرت في سياق متفق على ديمقراطيته، وما "وصفت به من نزاهة وشفافية واستجابة في مجملها للمعايير الدولية، تؤكد [وقائع الميدان] تسرّب بعض علامات الزبونية" فيها 60. وفي مقابل ذلك، شرع عدد من الباحثين خلال السنوات الأخيرة في مراجعة الدور التفسيري للدوافع المادية في المشاركة الانتخابية في الأنظمة غير الديمقراطية، حيث أظهرت دراسة عابرة للدول أجراها فيران مارتينيز ولي مورغنبيسر، شملت 108 دول ذات أنظمة سلطوية، خلال الفترة 2011-1960، أن للزبائنية الانتخابية في الحقيقة تأثيرًا سلبيًا في نسبة المشاركة الانتخابية  61. بل أكثر من ذلك، قدّمت ناتالي ليتسا حججًا عن الدور المركزي الذي يؤديه تمثّل التصويت واجبًا مدنيًا Civic Duty والدور الإيجابي للمشاركة الانتخابية في "تحسين الديمقراطية" في زيادة احتمالية المشاركة الانتخابية في سياق غير ديمقراطي  62. ومن هذا المنطلق، نقترح دراسة الدور المحتمل الذي يضطلع به تقييم الأفراد لمستوى ديمقراطية النظام السياسي الذي يعيشون تحته في دفعهم إلى الذهاب إلى التصويت في الانتخابات في العالم العربي، باعتباره عاملًالم ينل في اعتقادنا الاهتمام الكافي في الدراسات السابقة، والذي يختلف مفاهيميًا عن التوجهات الديمقراطية والرضا عن اشتغال الديمقراطية اللذين أشرنا إليهما عند الحديث عن الدوافع الإدراكية للتصويت في المبحث السابق. بمعنى أننا نسعى لمعرفة إلى أيّ حد يمكن أن يكون بعض المواطنين الذين يذهبون إلى التصويت في العالم العربي يقومون بذلك من منطلق أنهم يعتبرون النظام الذي يعيشون في

  1. 52  في سياق الانتخابات يشير جوناثان هوبكن إلى وجود نوعين من الزبونية الانتخابية. يتمثل الأول فيما يسميه "الزبونية القديمة"، التي تقوم على تقديم الراعي Patron "حماية عامة" للزبائن، وهم في هذه الحالة المصوتون، مقابل تصويتهم له. أما النوع الثاني وهو "الزبونية الجديدة"، ف "يأخذ فيها الحزب السياسي دور المنظّم [الراعي]، لكنه لا يعمل
  2. De Miguel, Jamal & Tessler.
  3. 54  حافظ عبد الحليم، "الممارسة الانتخابية في تونس بين الركح والكواليس: الانتخابات التشريعية 2014، قراءة في نتائج دراسة ميدانية"، في: التعبئة الانتخابية في تونس: دراسة
  4. De Miguel, Jamal & Tessler.
  5. 62  Natalie Wenzell Letsa, "Expressive Voting in Autocracies: A Theory of Non-economic Participation with Evidence from Cameroon,"  Perspectives on Politics , vol. 18, no. 2 (2020), pp. 447-448.
  6. وسيطًا بين الزبون والدولة، وإنما يستخدم موارد الدولة للفوز بالدعم الانتخابي للزبون." ينظر:
  7.  Jonathan Hopkin, "A 'Southern Model' of Electoral Mobilisation? Clientelism and Electoral Politics in Spain,"  West European Politics , vol. 24, no. 1 (2001), p. 116.
  8. 59  عبد الحليم مهورباشة، "اتجاهات فئة الشباب الجامعي نحو المشاركة في الانتخابات سياسيات عربية، مج 3، العدد الرئاسية في الجزائر"، 13 2015()، ص.116-102 60  عبد الحليم، ص.97
  9. حالة الانتخابات التشريعية 2014 (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.662016)، ص
  10. Ferran Matinez i Coma & Lee Morgenbesser, "Election Turnout in Authoritarian Regimes,"  Electoral Studies , vol. 68 (2020).
  11. 56  Bethany Shockley & Justin J. Gengler, "Social Identity and Coethnic Voting in the Middle East: Experimental Evidence from Qatar," Electoral Studies , vol. 67 (2020). 57  Ibid. 58  Eva Wegner & Francesco Cavatorta, "Revisiting the Islamist-Secular Divide: Parties and Voters in the Arab World,"  International Political Science Review , vol. 40, no. 4 (2019), p. 559.

ظله فعلًانظامًا ديمقراطيًا، وذلك بغضّ النظر عن المؤشرات الموضوعية التي قد تعاكس هذا التقييم، مقترحين في ذلك اختبار الفرضية الرئيسة التالية: في العالم العربي، كلما جنح الأفراد إلى اعتبار النظام السياسي لبلدهم ديمقراطيًا، ارتفعت احتمالية مشاركتهم في الانتخابات.

ثالثًا: الإطار المنهجي: قاعدة البيانات والمتغيرات

لاختبار الفرضية الرئيسة المقدّمة في المبحث الأول من هذه الدراسة، سنوظّف البيانات التي يوفّرها المؤشر العربي في دورته الثامنة لعام 2022. والمؤشر هو "برنامج لقياس الرأي العام العربي في المجالات السياسية والثقافية والاجتماعية"  63 يشرف عليه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في قطر منذ عام 2011. وإذا كان الاستطلاع في الدورة الثامنة، الذي "نفّذ ميدانيًا خلال الفترة [الممتدة] من أيار/ مايو [إلى] كانون الأول/ ديسمبر 2022"، شمل ثلاث عشرة دولة عربية  64، فإننا سنوظف البيانات المتعلقة بتسع دول فحسب، هي: الأردن وتونس والجزائر والعراق والكويت ولبنان ومصر والمغرب وموريتانيا، بما يضمن تنوعًا في العينة من حيث انتماء هذه الدول إلى أقاليم مختلفة من العالم العربي، ويأخذ في الاعتبار التنوع والاختلافات بين الدول العربية، سواء في طبيعة أنظمتها السياسية أو خصائصها الاجتماعية والاقتصادية. تتضمن قاعدة بيانات المؤشر العربي في دورته الثامنة عدة أسئلة مهمة لموضوع بحثنا، أبرزها سؤالان متعلقان بالمشاركة الانتخابية. أولهما، وهو الذي يحمل الرقم 053 في استمارة المؤشر "(هل قمت بالتصويت في آخر انتخابات وطنية (انتخابات نيابية/ تشريعية/ رئاسية) والتي جرت بتاريخ...؟)"، وثانيهما، وهو الذي يحمل رقم 123 في الاستمارة ذاتها "(هل تنوي أن تصوّت في الانتخابات النيابية/ التشريعية القادمة؟.) سيشكل السؤال الأخير الأساس للمتغير التابع 65Variable Dependent الذي سنسميه "المشاركة الانتخابية"، وهو عبارة عن متغير ثنائي يأخذ القيمة الرقمية 1() بالنسبة إلى الأشخاص الذي صرّحوا بأنهم سيذهبون إلى التصويت، والقيمة الرقمية 0() بالنسبة إلى الذين صرّحوا بأنهم لن يصوّتوا في الانتخابات التشريعية/ النيابية المقبلة. وكذلك السؤال الذي يُطلب فيه من المستجيبين تقييمهم لمستوى الديمقراطية في بلدهم على سلّم من 1 (البلد غير (البلد ديمقراطي تمامًا) 66ديمقراطي على الإطلاق) إلى 10، والذي هو أساس المتغير المستقل الرئيس للدراسة Independent Variable الذي سنطلق عليه "تقييم الديمقراطية." أما النوع الثالث من المتغيرات الذي سنوظفه، فهو ما يُتعارف عليه في التحليل الإحصائي بمتغيرات التحكم Variables Control، وهي كالتالي: أولًا، "تقييم نزاهة آخر انتخابات"، وهو متغير يعكس تقييم الأفراد لمدى نزاهة آخر انتخابات أ جريت في البلد. وقد جرى الوصول إليه من إجابات المشاركين عن السؤال التالي "بشكل عام، كيف تقيّم نزاهة آخر انتخابات وطنية (انتخابات نيابية/ تشريعية/ رئاسية) جرت في تاريخ)...(؟" وطرحت على المستجيبين ثلاثة اختيارات: 1(") تميزت بنزاهتها المطلقة"؛ 2(") كانت نزيهة، مع وجود بعض المشكلات"؛)3(" لم تكن نزيهة." وقد أعيد ترميز هذه الإجابات ليأخذ متغير "تقييم نزاهة آخر انتخابات" شكل متغير ثنائي يميز بين من يعتبر أن "الانتخابات كانت نزيهة" بإعطائه القيمة الرقمية 1()، ومن يعتبرها أنها "لم تكن نزيهة" بإعطائه القيمة الرقمية 0(.) بمعنى أنه تم تجميع الفئتين المرمزتين 1(2() و) في السؤال الأصلي لتشكيل الفئة رقم 1() في متغير "تقييم نزاهة الانتخابات." وهنا نفترض أن الأشخاص الذين يعتبرون أن آخر انتخابات في بلدهم لم تكن نزيهة لن يكون لهم حافز كبير للذهاب إلى التصويت في الانتخابات المقبلة، وذلك في غياب أيّ تغيير حقيقي أو واضح في طبيعة أو بنية النظام السياسي القائم في بلدهم منذ آخر انتخابات جرت فيه. وهو الأمر الذي لم يحصل في أيّ دولة من دول الدراسة باستثناء ربما تونس 67 التي لم يطرح فيها سؤال تقييم الانتخابات السابقة، إضافةً إلى الكويت. بعبارة أخرى، سيكون هذا المتغير جزءًا من النموذج التحليلي فقط في سبع دول: الأردن، الجزائر، العراق، لبنان، مصر، المغرب، موريتانيا.

  1. قيس سعيد البرلمان المنتخب ديمقراطيًا واحتكاره السلطات في تموز/ يوليو 2021، ينظر: "خريطة قيس سعيد: أتحل أزمة تونس أم تعمقها؟"، تقدير موقف، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2021/12/21، شوهد في 2024/8/9، في: https://acr.ps/1L9zR1K
  2. 63  ينظر نتائج الدورة الثامنة من استطلاع المؤشر العربي: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، المؤشر العربي 2022، برنامج قياس الرأي العام العربي (الدوحة: كانون الأول/ ديسمبر 2022)، شوهد في 2024/8/9، في: https://acr.ps/1L9zR6x
  3. 64  المرجع نفسه. وتضم لائحة الدول التي شملتها الدورة الثامنة ما يلي: الأردن، تونس، الجزائر، السعودية، السودان، العراق، فلسطين، الكويت، لبنان، ليبيا، مصر، المغرب، موريتانيا، قطر، بما مجموعه 48336 مستجيبًا بمعدل 2400 شخص في كل بلد.
  4. 65  على عكس السؤال رقم 053، فإن السؤال رقم 123 طُرح في كل الدول، لذا فإنه يسمح بتغطية جميع دول الدراسة، كما يتميز بكونه يتمحور حول نوع واحد من الانتخابات (التشريعية) في كل البلدان.
  5. 66  السؤال المطروح هو كالتالي: "على فرض وجود مقياس متدرج من 10-1، بحيث يعني الرقم 1() أن "البلد غير ديمقراطي على الإطلاق"، والرقم 10() يعني أن "البلد ديمقراطي تمامًا"، ويمكنك أن تختار أيّ رقم يعّب رعن رأيك في مستوى الديمقراطية في بلدك، فأين تضع بلدك على هذا السلّم؟
  6. 67  للمزيد عن النكسة الديمقراطية التي عرفها هذا البلد في أعقاب حل الرئيس التونسي

ثانيًا، متغير "انتشار الفساد" الذي يعكس تقييم الأفراد لمدى انتشار الفساد المالي والإداري في بلدهم على سلّم ممتد من 1() "(غير منتشر على الإطلاق)" إلى 4() "(منتشر جدا)"، حيث إننا نتوقع أنه كلما اعتبر الأفراد أن الفساد منتشر في بلدهم كان ذلك دافعًا لعدم المشاركة الانتخابية. ولهذا المتغير في الحقيقة أهمية خاصة في إطار النقاش مع الأدبيات التي تعتبر أن الدوافع المصلحية هي عنصر مهم في تفسير المشاركة الانتخابية في العالم العربي  68. فإذا كان الفساد المالي والإداري منتشرًا في بلد معّين، فليس هناك سبب منطقي يدفع إلى الاعتقاد أن الانتخابات ستسلم منه، لأنها في الحصيلة بوصفها عملية سياسية لا يمكن فصلها عن السياق الاجتماعي التي تجري فيه. ومن هذا المنطلق، فإذا ما أظهر لنا التحليل الإمبريقي أن اعتبار الأفراد أن الفساد منتشر في بلدهم يرفع من احتمالية ذهابهم إلى التصويت، فإن ذلك قد يشير إلى أن المحفز للمشاركة الانتخابية قد يكون دوافع مصلحية  69. ثالثًا، "الثقة بالحكومة"، ويقيس مستوى ثقة المستجيبين بحكومة بلدهم على سلّم من 1() إلى 4()، حيث يشير الرقم 1() إلى أن المستجيب "لا يثق على الإطلاق" بالحكومة، في حين يعكس الجواب رقم 4() "ثقة كبيرة" بها. ويوَّظَف هذا المتغير في التحليل مؤشرًا على مستوى الثقة بالمؤسسات السياسية في البلد، حيث إننا نفترض أن الأفراد الذين لديهم مستوى منخفض من الثقة السياسية يكونون أقل احتمالًاللذهاب إلى التصويت في الانتخابات. رابعًا، متغير "الاهتمام السياسي"، الذي تراوح قيمته الرقمية ما بين 1(4() و)، حيث إن الأفراد الذي اختاروا الرقم 4() "مهتمون جدًا بالشؤون السياسية في البلد"، أما الذين اختاروا الرقم 1() فهم "غير مهتمين على الإطلاق" بها. ونفترض، وذلك وفق ما ذهبت إليه العديد من الدراسات الإمبريقية السابقة  70، أن الاهتمام السياسي له علاقة إيجابية بالمشاركة الانتخابية، حيث يعزّز من احتمالية الذهاب إلى التصويت؛ أي كلما ارتفع الاهتمام السياسي، ارتفعت احتمالية الذهاب إلى التصويت. خامسًا، متغير "الشبكات الاجتماعية" الذي يرصد مدى انخراط الأفراد في جماعات قد تدفعهم إلى التصويت (الأحزاب والتيارات السياسية، وجمعيات المجتمع المدني، والنقابات، والرابطات العائلية والدينية)، وذلك وفق ما عُرض في المبحث الأول من الدراسة حول الدور التي تؤديه مثل هذه الشبكات في الدفع بالمشاركة السياسية. وقد جرى تشكيل هذا المتغير من خلال تجميع القيم الرقمية لخمسة متغيرات ثنائية ترد في قاعدة بيانات المؤشر العربي تسأل المستجيبين عن عضويتهم في كل واحدة من هذه المجموعات (الرقم 1() بالنسبة إلى الجواب بنعم؛ والرقم 0() الجواب بلا.) وتراوح القيمة الرقمية لمتغير "الشبكات الاجتماعية" من 0() للأفراد الذين ليسوا أعضاءً في أيّ منها، و)5(للأشخاص الذين هم أعضاء في جميعها. ونفترض أنه كلما ارتفع مستوى انخراط الشخص في شبكات متعددة (أي ارتفعت القيمة الرقمية لمتغير الشبكات الاجتماعية)، ارتفعت احتمالية ذهابه إلى التصويت. عدد من المتغيرات السوسيو اقتصادية سادسًا، -والديموغرافية. أولها، "الوضع الاقتصادي للفرد"، وهو متغير يأخذ قيمًاتراوح بين 1() بالنسبة إلى المستجيبين الذين أشاروا إلى أن الوضع الاقتصادي لأسرهم سيئ جدًا، و 4() للذين صرّحوا بأن الوضع الاقتصادي لأسرهم جيد جدًا. ثانيها، "مستوى التعليم"، ويتشكل من أربع فئات بأربع قيم رقمية متصاعدة 1(() أمي/ ملمّ [بالقراءة]، 2() أقل من الثانوي،)3(مستوى الثانوي، 4() أعلى من الثانوي.) وبالنسبة إلى الوضع الاقتصادي، نفترض أنه كلما ارتفع الوضع الاقتصادي لأسرة الفرد ارتفعت احتمالية تصويته في الانتخابات، في حين أن أثر تعليم الشخص يحتمل فرضيتين: الأولى، علاقة إيجابية، بمعنى أنه كلما ارتفع مستوى تعليمه ارتفعت احتمالية ذهابه إلى التصويت، وفق ما قدّمناه في المبحث الأول من الدراسة. والثانية، علاقة سلبية؛ أي إن ارتفاع مستواه التعليمي قد يؤدي إلى خفض احتمالية ذهابه إلى التصويت على اعتبار أن الأفراد الأكثر تعلمًاقد يكونون أكثر اعتقادًا أن الانتخابات في سياق غير ديمقراطي لها أثر محدود، ومن ثم لا طائلة من الذهاب للمشاركة. سابعًا، متغير العمر وهو مشكّل من خمس فئات (من 18 إلى 24 عامًا)، و(من 25 إلى 43 عامًا)، و(من 35 إلى 44 عامًا)، و(من 45 إلى 45 عامًا) و(ما فوق 55 عامًا)، مرمّزة بقيم رقمية من 1 إلى 5 على التوالي. فمنذ عقود، تُظهر الدراسات "أن احتمالية ذهاب المواطنين الأكبر سنًا للتصويت هي أعلى من صغارهم" 71؛ أي إن هناك ترابطًا سلبيًا بين العمر والمشاركة الانتخابية. ومن هذا المنطلق، نفترض أنه في عينة الدراسة لدينا كلما ارتفعت الفئة العمرية، ارتفعت احتمالية الذهاب إلى التصويت، والعكس صحيح.

  1. 68  من الناحية المبدئية، ليس هذا المتغير مثاليًا لقياس الدوافع الزبونية ومدى تأثيرها في احتمالية الذهاب إلى التصويت بين أفراد عينة الدراسة، ولكن إزاء غياب سؤال صريح في المؤشر العربي لسنة 2022 بهذا الخصوص، فإننا نوظّف هذا المتغير.
  2. 69  وذلك من دون استبعاد أن الذهاب إلى التصويت قد تكون وراءه الرغبة في دعم مترشحين غير فاسدين أو دوافع أخرى.
  3. 70  للمزيد عن الموضوع، ينظر.Smets & Van Ham, p. 354:
  4. André Blais, Elisabeth Gidengil & Neil Nevitte, "Where does Turnout Decline Come from?" European Journal of Political Research , vol. 43, no. 2 (2004), p. 221. المصدر: من إعداد الباحَثيَن استنادًا إلى بيانات الدورة الثامنة لاستطلاع المؤشر العربي.2022

أخيرًا، متغيَرَا "الجنس و"محل الإقامة"، وهما عبارة عن متغيرين ثنائيين يأخذان القيمة 0() للإناث، والقيمة 1() للذكور بالنسبة إلى متغير الجنس، و 0() للساكن في الأرياف و 1() للساكن في المجال الحضري/ المدينة بالنسبة إلى متغير محل الإقامة. وهنا يمكن الافتراض أنه "لعوامل ثقافية" قد تكون احتمالية ذهاب الذكور إلى التصويت أعلى من الإناث في العالم العربي، كما هو الشأن أيضًا بالنسبة إلى سكان الأرياف مقارنةً بسكان المدن، حيث من المحتمل أن تكون لروابط القرابة الأقوى في الأرياف (بما فيها القبلية) دور إيجابي في تحفيز الذهاب إلى التصويت، وفقًا لما تشير إليه المقاربة السوسيولوجية المشار إليها في المبحث الأول من الدراسة.

رابعًا: النتائج والتحليل

لاختبار الفرضية الرئيسة للدراسة المتعلقة بعلاقة تقييم مستوى الديمقراطية في البلد باحتمالية المشاركة الانتخابية، سنلجأ إلى استعمال تقنية تحليل الانحدار اللوجستي الثنائي التي تبرّرها الطبيعة الثنائية للمتغير التابع (كونه أنه يمكن أن يأخذ قيمتين: 1() سيذهب إلى التصويت في الانتخابات البرلمانية/ التشريعية القادمة؛ 0() لن يذهب إلى التصويت في الانتخابات البرلمانية/ التشريعية القادمة.) وقبل استعراض نتائج تحليل الانحدار، سنتوقف قليلًاعند الشكل)1(نسب المشاركة الانتخابية في آخر انتخابات

بعض عناصر الإحصاء الوصفي الخاصة بنسب المشاركة الانتخابية في الدول التي يشملها البحث، إضافة إلى تقييم المواطنين لمستوى الديمقراطية بها. 1. المشاركة الانتخابية وتقييم الديمقراطية: ما الصورة الكلية؟ في بيانات الدورة الثامنة للمؤشر العربي لعام 2022، أجاب 18706 مستجيبين عن سؤال المشاركة الانتخابية المستقبلية في الدول التسع التي تشملها الدراسة (الأردن، تونس، الجزائر، العراق، الكويت، لبنان، مصر، المغرب، موريتانيا.) ومن بين هؤلاء، صرّح 10559 مواطنًا بأنهم سيذهبون إلى التصويت في الانتخابات التشريعية القادمة 2022؛ أي 456. في المئة من المستجيبين، في مقابل 43.5 في المئة صرّحوا بأنهم سيمتنعون عن الذهاب إلى التصويت. ويعرض الشكل 1() مقارنة بين نسب الأفراد الذين صرّحوا بأنهم سيشاركون في الانتخابات التشريعية القادمة (المتغير التابع للدراسة) مقابل نسبة الأفراد الذين صرّحوا بأنهم شاركوا فعليًا في آخر انتخابات برلمانية أو رئاسية جرت في بلدهم، وذلك في كل بلد من البلدان التي تغطيها العينة التي نوظّفها، باستثناء تونس والكويت اللتين لم يُطرح فيهما سؤال المشاركة في آخر انتخابات.

كما يظهر من خلال الشكل 1()، فإن نسب المشاركة التي صرّح بها المستجيبون حول آخر انتخابات برلمانية أو رئاسية جرت في بلدهم تراوح ما بين 29 في المئة في الجزائر و 86 في المئة في موريتانيا. وهي أرقام في مجملها جد قريبة من نسب المشاركة الفعلية (أو على الأقل الرسمية) المسجّلة في تلك الانتخابات وفقًا لما ظهر من مراجعتنا لقواعد البيانات الانتخابية للمؤسسة الدولية من أجل الديمقراطية والدعم الانتخابي  72 التي تقوم على تجميع بيانات المشاركة الانتخابية في مختلف دول العالم، بما فيها دول العالم العربي. وهذا الأمر في الحقيقة يشير إلى جودة البيانات التي تقدّمها الدورة الثامنة من المؤشر العربي، وأنها تضمن مستوى عاليًا من الموثوقية والتمثيلية لما هي عليه آراء هذه المجتمعات وتوجهاتها في المنطقة. ومن جهة أخرى، تراوح نسب الأفراد الذين صرّحوا بأنهم سيذهبون إلى التصويت في الانتخابات البرلمانية/ التشريعية المقبلة في بلدهم بين 36 في المئة في الأردن و 27 في المئة في الكويت، بفارق بسيط عن موريتانيا التي كانت النسبة فيها 17 في المئة. وهكذا يبين الشكل 1() أنه إجمالًاهناك تقارب بين نسبة المشاركة في آخر انتخابات التي سجّلها كل بلد ونسب المشاركة المحتملة في الانتخابات التشريعية المقبلة (خصوصًا في الأردن والعراق ولبنان وموريتانيا.) وُتُستثنى من ذلك الحالتان الجزائرية والمصرية اللتان يوجد فيهما فارق كبير بين نسبة الأفراد الذين صرّحوا بأنهم شاركوا في آخر انتخابات جرت في بلدهم ونسبة الأفراد الذين أشاروا إلى أنهم سيصوتون في الانتخابات التشريعية المقبلة، وهذا الفارق يتجاوز عشرين نقطة مئوية. ويشير هذا الفارق إلى احتمالية أن يكون انخفاض نسبة المشاركة في آخر انتخابات شهدها البلدان قبل تجميع بيانات المؤشر العربي في عام 2022 مرتبطًا بعناصر سياقية خاصة 73بالانتخابات في مصر التي جرت في تشرين الأول/ أكتوبر 2020، وفي الجزائر في حزيران/ يونيو 2021 74. ويدعم هذه الاحتمالية وجود نسبة أعلى كثيرًا من المواطنين الذين عّب روا عن رغبتهم في المشاركة في الانتخابات التشريعية المقبلة في كلا البلدين، وهذا عكس الأردن مثلًا، الذي كانت فيه كلتا النسبتين متقاربتين ومنخفضتين، ما يشير إلى أن انخفاض المشاركة الانتخابية في الانتخابات البرلمانية في الأردن قد يكون مرتبطًا بعوامل هيكلية، وليست ظرفية. فمثلًا، في الحالة الجزائرية يمكن المحاجة بوجود عنصرين، على الأقل، يمكن أن يشّكلّا مدخلًا لتفسير انخفاض المشاركة في الانتخابات التشريعية لعام 2021. أولهما، أن تلك الانتخابات كانت "أول انتخابات برلمانية [ُنُظمت في البلاد] بعد [رحيل الرئيس عبد العزيز] بوتفليقة" 75، الذي أ جبر على ترك السلطة في أعقاب الحراك الشعبي الجزائري عام 2019. وعلى الرغم من هذا التحول، فإنه لم يسجّل أيّ تغيير حقيقي في بنية طبيعة النظام السياسي في الجزائر الذي ظل يصنّف في إطار الأنظمة غير الحرة بحسب مؤشر بيت الحرية 76. ثانيهما، كون الانتخابات التشريعية في الجزائر هي في الأصل انتخابات ثانوية مقارنةً بالانتخابات الرئاسية، وهو ما يوافق ما اصُطُلح عليه في الأدبيات دراسة الانتخابات ب "انتخابات الدرجة 77الثانية" Elections Second-order، وهي الانتخابات التي لمخرجاتها تأثير ضعيف في السياسات العامة للدولة، ومن ثم يكون محفز مشاركة المواطنين فيها أضعف مقارنةً ب "انتخابات الدرجة الأولى" Elections First-order 78 ذات التأثير الأهم أو المحوري. وفي الحقيقة، يشير هذا العنصر إلى أن الاختلافات المهمة في نسبة المشاركة الانتخابية بين الدول العربية قد تكون مرتبطة بمدى الوزن أو التأثير الفعلي للانتخابات في مخرجات العملية السياسية. في هذا الصدد، يلاحظ أن الدول الثلاث التي تسجّل أعلى نسبة في التصريح بالاستعداد للذهاب إلى التصويت في الانتخابات البرلمانية/ التشريعية المقبلة (الكويت وموريتانيا وتونس) كلها دول صُنفت أنظمتها السياسية في إطار الأنظمة "الحرة نسبيًا" في مؤشر بيت الحرية لعام 2024 (وفق ما أشرنا إليه سابقًا.) وفي مقابل ذلك، فإن ثلاثًا من الدول الأربع التي سجّلت أقل قيم في نسبة المشاركين الذين أعربوا عن استعدادهم للتصويت في الانتخابات البرلمانية/ التشريعية في بلدهم (الأردن والعراق والجزائر) هي بلدان تصنّف أنظمتها السياسية أنها "غير حرة" وفق مؤشر بيت الحرية المشار إليه، وهذا يشير إلى ضعف دور الانتخابات التشريعية والمجالس البرلمانية في التأثير في بنية النظام، ما قد يعكس ترابطًا، على الأقل على المستوى

  1. 72  يمكن الوصول إلى البيانات في: " Voter Turnout Database," International Institute for Democracy and Electoral Assistance (International IDEA), accessed on 9/8/2024, at: https://acr.ps/1L9zQDB
  2. 73   " أهم المحطات الانتخابية التي مرت بها مصر منذ 2011 دويتشه فيله "،،
  3. 74  وليد بدران، "الانتخابات التشريعية في الجزائر 2021: ما الذي يجب معرفته عن بي بي سي عربي أول انتخابات برلمانية بعد بوتفليقة؟،، 2021/6/10، شوهد في 2024/8/9،
  4. 75  المرجع نفسه.
  5. 76  يمكن الاطلاع على المؤشر في."Global Freedom Status": 77  Karlheinz Reif, Hermann Schmitt & Pippa Norris, "Second‐order Elections,"  European Journal of Political Research , vol. 31, no. 1‐2 (1997), pp. 109-124. 78  Ibid., p. 111. المصدر: المرجع نفسه.
  6. 2023/12/10، شوهد في 2024/8/9، في https://acr.ps/1L9zQsf:
  7. فh يttps://acr.ps/1L9zRhx:

الكلي بين نسبة المواطنين المستعدين للانخراط في العملية الانتخابية ومستوى الحرية السياسية الفعلي في البلد. أما الشكل 2() فيوزع إجابات المشاركين عن سؤال تقييم الديمقراطية (المتغير المستقل) بعد أن صنفناها إلى ثلاث فئات: أولئك الذين يعتبرون أن مستوى الديمقراطية منخفض (الأشخاص الذين قيّموا مستوى الديمقراطية في بلدهم من 1 إلى 4)، وأولئك الذين يعتبرون أن مستوى الديمقراطية مرتفع (الذين قيّموا مستوى الديمقراطية في بلدهم من 7 إلى 9)، وأخيرًا أولئك الذين يعتبرون مستوى الديمقراطية في بلدهم متوسطًا (القيمتان 5 و.)6 صحيح أن هذا التقسيم لا يخلو من بعض الذاتية من حيث معيار تحديد حدود كل فئة (مثلًا، لماذا كان تحديد الفئة الأولى في مستوى الإجابة 4 وليس 3 أو 2)، لكن هذا الأمر ليس في نظرنا إشكاليًا، لأن هذا التصنيف مجرد أداة لتحسين مقروئية البيانات بهدف وصفي لا غير. يسمح الشكل 2() بالوقوف عند بعض النقاط. أولًا، تراوح نسب المشاركين الذين يعتبرون أن مستوى الديمقراطية منخفض في بلدهم ما بين 16 في المئة في الجزائر (أقل نسبة) و 46 في المئة في العراق (أعلى نسبة.) كما يسجل العراق أقل نسبة من المواطنين الذين يعتبرون أن مستوى الديمقراطية فيه مرتفع، حيث لا تتجاوز هذه النسبة 23 في المئة فيه، تليه الجزائر ب 26 في المئة. بمعنى أن العراقيين هم أقل شعوب العينة يعتبرون أنهم يعيشون في بلد ديمقراطي، يليهم في الشكل)2(تقييم المستجيبين للديمقراطية في دول عينة الدراسة

ذلك اللبنانيون ب 44 في المئة. وفي مقابل ذلك، تبرز الجزائر بوصفها الدولة التي تسجّل أعلى نسبة من المواطنين في العينة الذين صرّحوا أن مستوى الديمقراطية في بلدهم متوسط بنسبة تبلغ 85 في المئة من المستجيبين؛ أي تقريبًا الثلثين. وهي بهذا تشكّل حالة خاصة، حيث إن هذه الفئة تقف في كل الدول الأخرى عند حدود 03 في المئة في المتوسط. أما المغرب ولبنان، وباعتبارهما من الدول الأربع ضمن قائمة الدول التسع التي تشملها الدراسة، ويصنفان وفقًا لمؤشر بيت الحرية ضمن الدول "الحرة نسبيًا"، فإنهما يقدّمان صورة متناقضة فيما يخص تقييم مواطنيهما المستجيبين لمستوى الديمقراطية في بلديهما. فكما تقدّم، يعتبر 44 في المئة من اللبنانيين في العينة أن مستوى الديمقراطية في بلدهم منخفض، و 28 في المئة يعتبرونه مرتفعًا. في حين أن الصورة معاكسة في المغرب، إذ يقيّم 44 في المئة من المغاربة مستوى الديمقراطية في بلدهم بأنه مرتفع، و 28 في المئة يقيّمونه بأنه منخفض. وهذه النتيجة في الحقيقة غير متوقعة، حيث كان من المنتظر (على الأقل من الناحية المبدئية) ألا يختلف توزيع إجابات المواطنين كثيرًا بين هذين البلدين عندما يتعلق الأمر بتقييم مستوى الديمقراطية فيهما، لكونهما لا يختلفان كثيرًا فعليًا في مستوى ديمقراطية نظاميهما السياسيين، على الأقل بحسب مؤشر بيت الحرية، وإن كانت بنية نظاميهما السياسيين في الحقيقة مختلفة

جذريًا (جمهورية تحكمها الطائفية السياسية في لبنان في مقابل ملكية دستورية ذات بعد تاريخي تقليداني في المغرب.) ويؤكد هذا الأمر أن تقييم المواطنين لمستوى الديمقراطية في أيّ بلد قد لا تحكمه بالضرورة عوامل موضوعية مرتبطة بمدى فعلية ديمقراطية النظام، بل قد تتداخل في تحديده عناصر أخرى، وهو ما يوافق الأطروحة التي انطلقنا منها لبناء الإشكالية البحثية.

2. التوجهات الديمقراطية وأثرها في المشاركة الانتخابية

يقدم الجدول 1() نتائج تحليل الانحدار اللوجستي الكلي 79 الذي نسعى من خلاله لاختبار الفرضية الرئيسة لهذه الدراسة، والتي نذكّر بأن المتغير التابع فيها "المشاركة الانتخابية" يأخذ قيمتين؛ أي 1() بالنسبة إلى الأفراد الذين صرّحوا بأنهم سيذهبون إلى التصويت في الانتخابات البرلمانية/ التشريعية المقبلة في بلدهم، و 0() بالنسبة إلى الذين صرّحوا بأنهم لن يذهبوا إلى التصويت في الانتخابات البرلمانية/ التشريعية المقبلة في بلدهم. وُتُظهر نتائج النماذج المقدّمة في الجدول وجود ترابط إيجابي ذي دلالة إحصائية قوية بين تقييم الأفراد لمستوى الديمقراطية في بلدهم واحتمالية المشاركة الانتخابية من خلال الذهاب إلى التصويت. فكلما ارتفع مستوى اعتبار الأفراد أن بلدهم ديمقراطي ارتفعت أرجحية Odds أن يكونوا ضمن مجموعة الأفراد الذين صرحوا بأنهم سيذهبون إلى التصويت في الانتخابات التشريعية المقبلة. وتتأكد هذه العلاقة سواء في النموذج 1() الذي لا يتضمن أًّيًا من متغيرات التحكم، أو في النماذج 2() و)3(و 4() التي أ درج فيها تباعًا متغيرات التحكم ذات الطبيعة الإدراكية/ المعرفية، ثم المتغيرات السوسيو-ديموغرافية، وأخيرًا تقييم مدى نزاهة آخر انتخابات تشريعية أو رئاسية جرت في البلد، ما يعكس متانة هذه العلاقة من الناحية الإحصائية. وَيَثبت تماسك هذه العلاقة حتى حين القيام بتحليلات الانحدار اللوجستي على مستوى كل بلد على حدة (ينظر الملحق.) في التفاصيل، يظهر النموذج 4() أنه إذا قارنا بين مجموعتين من المستجيبين لهم المواقف والتوجهات السلوكية والخصائص السوسيو-اقتصادية والديموغرافية نفسها بالنسبة إلى كل متغيرات التحكم، والمواقف نفسها من مدى نزاهة آخر انتخابات جرت في بلدهم، فإن ارتفاعًا بدرجة واحدة على سلم تقييم الديمقراطية في البلد الذي يمتد من 1() (البلد ليس ديمقراطيًا على الإطلاق) إلى 10() (البلد ديمقراطي تمامًا) في إحدى المجموعتين سيرافقه ارتفاع ب 12 في المئة تقريبًا في أرجحية ذهاب أعضاء تلك المجموعة إلى التصويت. وزيادة في توضيح العلاقة بين تقييم مستوى الديمقراطية في البلد والمشاركة الانتخابية، يقدّم الشكل)3(ما يسمى في التحليل الكمي ب "الاحتمالات المتوقعة" probabilities Predicted لذهاب تصويت الأفراد بحسب مستوى تقييم الديمقراطية في بلدهم انطلاقًا من النموذج التحليلي)3(المقدّم في الجدول 1()، عند وضع قيم كل المتغيرات الأخرى في النموذج عند المتوسط. يبُرز المنحى في الشكل)3(وجود علاقة إيجابية مطّردة بين التزايد في تقييم الأفراد لمستوى الديمقراطية في بلدهم واحتمالية ذهابهم إلى التصويت في الانتخابات البرلمانية/ التشريعية المقبلة. فاحتمالية تصويت الأفراد الذين يعتبرون أن "بلدهم غير ديمقراطي تمامًا" (أي القيمة 1() في الشكل) لا تتجاوز 46 في المئة. ويعني هذا عمليًا أن احتمالية أّل ايشارك هؤلاء في الانتخابات هي أعلى من أن يشاركوا فيها، لكون قيمة الاحتمالية أصغر من 0.50 (وهي القيمة التي تكون فيها احتمالية الذهاب إلى التصويت أو الامتناع عن التصويت متساوية تمامًا.) وفي مقابل ذلك، فإن احتمالية ذهاب الأشخاص إلى التصويت الذين يعتبرون أن "بلدهم ديمقراطي تمامًا" (أي القيمة 10() في الشكل) تتعدى 17 في المئة. وهذا يعني أن احتمالية أن يكون أفراد هذه الفئة من بين الذين سيذهبون إلى التصويت هي أعلى كثيرًا من أن يكونوا من بين الذين لن يشاركوا في الانتخابات. وأكثر من ذلك، يمكن ملاحظة أنه انطلاقًا من القيمة 4() على سلّم تقييم الأفراد لمستوى الديمقراطية في بلدهم، تصبح احتمالية أن يذهب أفراد العينة إلى التصويت أعلى من أن يمتنعوا عن ذلك. مُتِ كِن نتائج النموذج 4() من تحليل الانحدار اللوجستي الثنائي المقدّمة في الجدول 1() من الوقوف أيضًا عند وجود ترابط قوي بين مدى اعتبار الأفراد أن آخر انتخابات جرت في بلدهم نزيهة، وأرجحية المشاركة في الانتخابات التشريعية المقبلة. وتبدو هذه العلاقة من أقوى العلاقات التي تكشف عنها التحليلات الإحصائية المقدّمة في هذه الدراسة، حيث إنه عند المقارنة بين مجموعتين من المواطنين لديهم التقييم نفسه لمستوى الديمقراطية في البلد والتوجهات السلوكية والخصائص السوسيو والمواقف -اقتصادية والديموغرافية نفسها بالنسبة إلى كل متغيرات التحكم المدمجة في نموذج تحليل الانحدار رقم 4()، فإن أولئك الذين يعتبرون أن آخر انتخابات جرت في بلدهم كانت نزيهة تكون أرجحية ذهابهم إلى التصويت في الانتخابات المقبلة 83. مرات أرجحية الذين صرّحوا بأنها

  1. 79  الذي يستعمل بيانات الدول التسع مجتمعة في نموذج تحليل الانحدار اللوجستي الثنائي بتأثيرات ثابتة Fixed-effects، مع تجميع للأخطاء المعيارية على مستوى البلدان Errors Standard Clustered. يستثني النموذجان)3(و 4() على التوالي المشاركين في الكويت وتونس لكون سؤال تقييم نزاهة الانتخابات السابقة لم يطرح فيهما، أما سؤال السكن في وسط حضري أو ريفي فلم يطرح في الكويت. تشير النجمات في الجدول إلى مستوى الدلالة الإحصائية: * (p<0.001(***،(p<0.01) **،p<0.05).) الفئات المرجعية للمتغيرات الفئوية هي كالتالي: العمر 44-35(سنة)، الجنس (ذكر)، مقر السكن (حضري)، التعليم (المستوى الثانوي)، البلد (المغرب.)
النموذج)4(النموذج)3(النموذج)2(النموذج)1(المتغيرات
نسب الأرجحية Ratios Odds
***1.117***1.154***1.171***1.204مستوى الديمقراطية في البلد
.3***864نزاهة آخر الانتخابات
*1.234***1.389***1.383الثقة بالحكومة
1.0100.9651.007انتشار الفساد
***1.427***1.613***1.606الاهتمام السياسي
*1.142**1.190**1.178الوضع الاقتصادي الشخصي
*1.205*1.2161.152الشبكات الاجتماعية
0.8500.9050.892الجنس (أنثى+)
1.1641.144مقر السكن (ريفي)
الفئات العمرية
1.1441.0981.090العمر)24-18(
1.0541.0421.030العمر)34-25(
1.007*1.233**1.247العمر)54-35(
1.159*1.300*1.290العمر 55(فما فوق)
الفئات التعليمية
0.8330.9730.952أمي/ ملم بالقراءة
0.9281.0050.956أقل من الثانوي
1.092**1.276**1.245أعلى من الثانوي
الدول
*0.905*0.908**0.851***0.592الأردن
--------***2.570***2.450***2.099تونس
*1.2821.0991.064***1.174الجزائر
***1.556***1.647***1.607***1.184العراق
----------------*1.297***2.818الكويت
***2.219***2.166***2.038***1.542لبنان
**1.267***1.438***1.533***2.073مصر
***2.819***2.687***2.753***2.845موريتانيا
***0.044***0.367***0.041***0.324الثابت
8413159891768018200عدد الملاحظات N

عدد الملاحظات N18200

الجدول)1(تحليل الانحدار اللوجستي الثنائي للمشاركة الانتخابية

الشكل)3(الاحتمالات المتوقعة للذهاب إلى التصويت بحسب تقييم مستوى الديمقراطية في البلد

لم تكن نزيهة. وهذه العلاقة المتينة إحصائًّيًا، وتتبين أيضًا عند تحليل البيانات الخاصة بكل دولة على حدة من تلك التي طُرح فيها سؤال تقييم نزاهة انتخابات، أي في كل من الأردن والجزائر والعراق ولبنان والمغرب موريتانيا ومصر (ينظر الملحق.) أما بالنسبة إلى علاقات بقية متغيرات التحكم باحتمالية المشاركة الانتخابية، وكما تُظهر ذلك نتائج تحليل الانحدار، فإنه تثبت لكل من متغيرات "الثقة بالحكومة" و"الاهتمام السياسي" و"الوضع الاقتصادي الشخصي" علاقة إيجابية دالة إحصائيًا مع احتمالية المشاركة الانتخابية كما يظهر في الجدول 1(.) فالنموذج 4() مثلًا يبين أن العناصر التي ترفع من أرجحية المشاركة الانتخابية هي: 1() الثقة المرتفعة بالحكومة، 2() الوضع الاقتصادي الشخصي الجيد،)3(الاهتمام العالي بالسياسة، 4() الانخراط في الشبكات الاجتماعية، بما فيها مؤسسات المجتمع المدني. في حين أن الأمية أو التعليم المحدود أو انتماء الشخص إلى فئة الشباب أو الإناث يخفّض من أرجحية المشاركة الانتخابية وإن كانت هذه العلاقة لا تثبت إلا في النموذجين 2() و)3(وذلك عند اعتبار كل قيم المتغيرات الأخرى متساوية. مع ضرورة الوعي بوجود تفاوتات بين الدول التسع في مدى تأثير بعض هذه المتغيرات في سياقات دون أخرى بحسب ما تُظهره التحليلات الإحصائية على مستوى كل بلد (ينظر الملحق)، كما هو الحال بالنسبة إلى متغير الجنس في الأردن ومصر، حيث إن النساء أقل جنوحًا إلى الذهاب إلى التصويت من الرجال، في حين أن باقي الدول لا تثبت فيها علاقة دالة إحصائية لهذا المتغير مع احتمالية المشاركة الانتخابية. في الحصيلة، تؤكد هذه النتائج صحة الفرضية الرئيسة التي قدّمناها في هذه الدراسة، والتي مفادها أنه في العالم العربي كلما ارتفع تقييم الأفراد لمستوى ديمقراطية النظام السياسي في بلدهم، ارتفعت احتمالية مشاركتهم الانتخابية، على الأقل عندما يتعلق الأمر بمواطني الدول التسع التي شملتها الدراسة. وَتَثُبُت متانة هذه النتيجة في عينة تتشكل من مواطنين عرب ينتمون إلى دول تمثّل مختلف أقاليم العالم العربي، وذلك بغضّ النظر عن الاختلافات الموجودة بين هذه الدول، سواء في طبيعة الأنظمة السياسية التي تحكمها، أو في مستوى الحريات وهامش المشاركة السياسية التي تسمح به لمواطنيها، والتي تبقى في مجملها أنظمة غير ديمقراطية وفقًا لجل التصنيفات الدولية، وإن لم تكن كلها تصنّف أنظمةً سلطوية خالصة.

خاتمة

سعت هذه الدراسة للمساهمة في النقاش العلمي حول الأسباب الكامنة وراء المشاركة الانتخابية في العالم العربي من خلال البحث في العلاقة بين تقييم مستوى ديمقراطية النظام السياسي القائم واحتمالية الذهاب إلى التصويت. وأظهر التحليل المقدّم فيها أن الأشخاص الذين يميلون إلى اعتبار بلدهم ديمقراطيًا هم أكثر ميلًاإلى المشاركة الانتخابية، حتى إذا كانت معطيات الواقع السياسي تعاكس هذا التقييم الذاتي للأفراد. وُتُسائل هذه النتائج الأطروحة التي تجعل من الدوافع المصلحية والزبائنية المحرك الأساسي للمشاركة الانتخابية في دول العالم العربي، من دون أن يعني ذلك أن هذه الدوافع لا تحضر أو لا تؤدي دورًا في تفسير السلوكات الانتخابية في المنطقة، ولكن نتائج الدراسة تحاجّ بأنها ليست ربما الوحيدة ذات القيمة التفسيرية عندما يتعلق الأمر بالمشاركة الانتخابية في سياق يُوصف بأنه غير ديمقراطي. وتبّي نلنا أيضًا أن العديد من المتغيرات التي أظهرت الأبحاث تأثيرها إيجابيًا أو سلبيًا في المشاركة الانتخابية في السياقات الديمقراطية الغربية، أو ما يُصطلح عليه ب "الديمقراطيات العريقة"، كالاهتمام السياسي وتقييم الوضع السوسيو-اقتصادي الشخصي، أو السن لها هي أيضًا تأثير محتمل في المشاركة الانتخابية في دول العالم العربي التي شملتها الدراسة، بل أكثر من ذلك في الاتجاه نفسه الذي تظهره تلك الأبحاث، ما يدل على أهمية جعل الفحص الإمبريقي للأطر التفسيرية المهيمنة في حقل الدراسات الانتخابية التي تم تطويرها في سياقات غير عربية بمنزلة الَحَكم الذي يُفصل به حول صلاحيتها من عدمها في شرح السلوكات الانتخابية في العالم العربي، من دون أن يعني ذلك عدم السعي لتطوير أطر نظرية بديلة يكون في وسعها تقديم تفسير أفضل للسلوكات الانتخابية في المنطقة، أو عدم القدرة على ذلك.

المراجع

العربية

التعبئة الانتخابية في تونس: دراسة حالة الانتخابات التشريعية 2014. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2016 "خريطة قيس سعيد: أتحل أزمة تونس أم تعمقها؟." تقدير موقف. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات..2021/12/21 فh يttps://acr.ps/1L9zR1K: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. المؤشر العربي 2022. برنامج قياس الرأي العام العربي. الدوحة: كانون الأول/ ديسمبر 2022 في https://acr.ps/1L9zR6x:. مهورباشة، عبد الحليم. "اتجاهات فئة الشباب الجامعي نحو المشاركة في الانتخابات الرئاسية في الجزائر." سياسات عربية. مج 3، العدد 13.)2015(

الأجنبية

Blais, André & Daniel Rubenson. "The Source of Turnout Decline: New Values or New Contexts?" Comparative Political Studies. vol. 46, no. 1 (January 2013). Blais, André, Elisabeth Gidengil & Neil Nevitte. "Where does Turnout Decline Come from?" European Journal of Political Research. vol. 43, no. 2 (2004). Campbell, Angus et al. The American Voter. Chicago: Chicago University Press, 1960. Cancela, João & Benny Geys. "Explaining Voter Turnout: A Meta-analysis of National and Subnational Elections."  Electoral Studies. vol. 42 (2016). Chapman, Emilee Booth. "The Distinctive Value of Elections and the Case for Compulsory Voting." American Journal of Political Science. vol. 63, no. 1 (2019). Cho, Youngho. "Democratic Attitudes and Political Participation in the Developing World."  The

Korean Journal of International Studies. vol. 13, no. 1 (2015). De Miguel, Carolina, Amaney A. Jamal & Mark Tessler. "Elections in the Arab World: Why do Citizens Turn Out?"  Comparative Political Studies. vol. 48, no. 11 (2015). Diamond, Larry. "Elections without Democracy: Thinking about Hybrid Regimes."  Journal of Democracy. vol. 13, no. 2 (2002). Downs, Anthony. An Economic Theory of Democracy. New York: Happer & Row, 1957. Fisher, Jeff. "Electoral Conflict and Violence." IFES White Paper no. 1. International Foundation for Electoral Systems (2002). at: https://acr.ps/1L9zQyA Fisher, Justin et al. (eds.). The Routledge Handbook of Elections, Voting Behavior and Public Opinion. London/ New York: Routledge, 2018. Galais, Carol & André Blais. "Do People Feel more of a Duty to Vote in some Elections?"  West European Politics. vol. 39, no. 4 (2016). Gandhi, Jennifer & Ellen Lust-Okar. "Elections under Authoritarianism."  Annual Review of Political Science. vol. 12, no. 1 (2009). Geys, Benny. "'Rational' Theories of Voter Turnout: A Review." Political Studies Review. vol. 4, no. 1 (2006). Comparative and "Religion Anthony. Gill, Politics."  Annual Review of Political Science. vol. 4, no. 1 (2001). Grönlund, Kimmo & Maija Setälä. "Political Trust, Satisfaction and Voter Turnout."  Comparative European Politics. vol. 5 (2007). Hillygus, D. Sunshine. "The Missing Link: Exploring the Relationship Between Higher Education and Political Engagement." Political Behavior. vol. 27, no. 1 (2005). Hopkin, Jonathan. "A 'Southern Model' of Electoral Mobilisation? Clientelism and Electoral Politics in Spain."  West European Politics. vol. 24, no. 1

i Coma, Ferran Matinez & Lee Morgenbesser. "Election Turnout in Authoritarian Regimes."  Electoral Studies. vol. 68 (2020). Key, Valdimer Orlando. Public Opinion and American Democracy. New York: Knopt, 1961. Lazarsfeld, Paul F., Bernard Berelson & Hazel Gaudet. The People's Choice: How the Voter Makes up his Mind in a Presidential Campaign. New York: Columbia University Press, 1968. Letsa, Natalie Wenzell. "Expressive Voting in Autocracies: A Theory of Non-economic Participation with Evidence from Cameroon."  Perspectives on Politics. vol. 18, no. 2 (2020). McAllister, Ian. Advanced Introduction to Elections and Voting. Cheltenham, UK: Edward Elgar Publishing, 2022. Perea, Eva Anduiza. "Individual Characteristics, Institutional Incentives and Electoral Abstention in Western Europe." European Journal of Political Research. vol. 41, no. 5 (2002). Pietsch, Juliet, Michael Miller & Jeffrey Karp (eds.).  Public Opinion and Democracy in Transitional Regimes. London/ New York: Routledge, 2017. Reif, Karlheinz, Hermann Schmitt & Pippa Norris. "Second‐order Elections."  European Journal of Political Research. vol. 31, no. 1‐2 (1997). Reuter, Ora John. "Civic Duty and Voting Under Autocracy." The Journal of Politics. vol. 83, no. 4 (2021). Schedler, Andreas. "Elections without Democracy: The Menu of Manipulation."  Journal of Democracy. vol. 13, no. 2 (2002).

Shockley, Bethany & Justin J. Gengler. "Social Identity and Coethnic Voting in the Middle East: Experimental Evidence from Qatar." Electoral Studies. vol. 67 (2020). Smets, Kaat & Carolien Van Ham. "The Embarrassment of Riches? A Meta-Analysis of Individual-Level Research on Voter Turnout."  Electoral Studies. vol. 32, no. 2 (2013). Stadelmann-Steffen, Isabelle & Daniela Koller. "What Type of Resources? Household Effects and Female Electoral Participation." Swiss Political Science Review. vol. 20, no. 4 (2014). Stockemer, Daniel & Susan Khazaeli. "Electoral Turnout in Muslim-Majority States: A Macro-Level Panel Analysis." Politics and Religion. vol. 7, no. 1 (2014). "Voter Turnout Database." International Institute for Democracy and Electoral Assistance (International IDEA). at: https://acr.ps/1L9zQDB Wegner, Eva & Francesco Cavatorta. "Revisiting the Islamist-Secular Divide: Parties and Voters in the Arab World."  International Political Science Review. vol. 40, no. 4 (2019). Willeck, Claire & Tali Mendelberg. "Education and Political Participation."  Annual Review of Political Science. vol. 25, no. 1 (2022).

ملحق

تحليل الانحدار اللوجستي الثنائي للمشاركة الانتخابية

موريتانياالمغربممصرلبنانالكويتالعراقالجزائرتونسالأردناألمتغيرات
نسب الأرجحية Ratios Odds
***1.137***1.266**1.120***1.122***1.338**1.059**1.689***1.075*1.060تقييم الديمقراطية في البلد
***1.137***3.698**5.942***5.077-------***3.055***529.001-------***3.410نزاهة آخر انتخابات
**1.3101.005***1.8870.969***1.316***1.278**3.120***1.652***1.300الثقة بالحكومة
1.2100.9281.1891.330***1.270*0.7601.0230.9490.949انتشار الفساد
***2.047***1.5271.207***1.507***1.458***1.332**3.496***1.806*1.146الاهتمام السياسي
***1.3901.063*1.3190.9461.0881.0561.4521.076**1.272الوضع الاقتصادي الشخصي
**1.245*0.813***1.424***1.502**1.1151.1580.924*1.3401.268الشبكات الاجتماعية
1.2090.921***0.5360.9240.8440.8850.7760.957*0.723الجنس (أنثى)
0.753**1.4601.246*1.585-------0.9461.862*1.348*1.714مقر السكن (ريفي)
*1.062**1.7930.7251.1060.9170.79718.54*0.7031.37624-18 عامًا
1.205***2.1760.7331.2900.7900.6890.4720.8600.9564-253 عامًا
0.8811.4880.6630.9991.2660.7872.665**1.7371.1574-455 عامًا
0.992*1.6830.6671.3340.967*0.5972.181***1.832*1.645فوق 55 عامًا
0.6420.8200.8150.6230.9981.2440.6651.0730.815أمي/ ملم بالقراءة
0.9280.8950.7680.971***0.5350.9931.0170.9910.935أقل من الثانوي
0.8051.3121.1400.9820.8871.0761.7441.2060.838أعلى من الثانوي
*0.058***0.118***0.0830.323***0.0461.197**0.000***0.090***0.246الثابت
14321200116713441691152539120301354عدد الملاحظات N