النظام الانتخابي والأزمة السياسية في تونس بين عاَمَي 2011 و 2021: هل كان للعتبة الانتخابية أن تخلق حكومات مستقرة؟
الملخّص
This paper analyzes the impact of the results of the legislative elections on the political process in Tunisia during the period from 2011 to 2021. It discusses the negative impact of the electoral system on the results of the legislative elections in general, and on the political process as a whole in particular. Due to the difficulty of the political parties that won first place in the legislative elections to obtain the required majority that enables them to bear responsibility for the political process alone during the parliamentary period. This created a state of parliamentary fragmentation that affected the Assembly of the Representatives of the People in three electoral cycles in 2011 , 2014 , and 2019 which led to the disruption of the legislative and electoral role of the Assembly, and the multiplicity and instability of governments. This paper also discusses proposals to amend the Tunisian Election and Referendum Law, which include a proposal to adopt an electoral threshold, and the impact of applying the electoral threshold on the representation of political parties in the Tunisian Assembly of People's Representatives, and on the political process. Keywords: Legislative Elections, National Constituent Assembly, Parliamentary Fragmentation, Electoral Threshold, Tunisia.
The Electoral System and Political Crisis in Tunisia (2011 – 2021): Could the Electoral Threshold Have Created Stable Governments?
تحلل هذه الدراسة تأثير نتائج الانتخابات التشريعية في العملية السياسية في تونس خلال الفترة 2011 - 2021، فتناقش التأثير السلبي للنظام الانتخابي في نتائج الانتخابات التشريعية عمومًا، وفي العملية السياسية برمتها خصوصًا، وذلك بسبب صعوبة حصول الأحزاب السياسية الفائزة بالمرتبة الأولى في الانتخابات التشريعية على الأغلبية المطلوبة التي تمّك نها من تحمّ ل مسؤولية العملية السياسية منفردة خلال الفترة النيابية، الأمر الذي خلق حالة من التشتت البرلماني، أصابت مجلس نواب الشعب في ثلاث دورات انتخابية خلال الأعوام 2011 و 2014 و 2019، وأدى إلى تعطيل الدور التشريعي والانتخابي للمجلس، وتعدد الحكومات وعدم استقرارها. وتناقش هذه الدراسة مقترحات تعديل قانون الانتخابات والاستفتاء التونسي، وتتضمن اقتراح اعتماد عتبة انتخابية، فضلًا عن مسألة تأثير تطبيق هذه العتبة في تمثيل الأحزاب السياسية في مجلس نواب الشعب التونسي، وفي العملية السياسية. كلمات مفتاحية: الانتخابات التشريعية، المجلس الوطني التأسيسي، التشتت البرلماني، العتبة الانتخابية، تونس.
مقدمة
شهدت تونس خلال الفترة الممتدة بين 14 كانون الثاني/ يناير 2011 (تاريخ سقوط نظام الرئيس زين العابدين بن علي) و 25 تموز/ يوليو 2021 (تاريخ حلّ الرئيس قيس سعيّد مجلس نواب الشعب في الخطوة التي وصفها معارضوه ب "الانقلاب الدستوري)"، إجراء ثلاث دورات انتخابية تشريعية للمجلس الوطني التأسيسي ومجلس نواب الشعب، في الأعوام 2011، و 2014، و 2019، وفقًا لنظام القائمة النسبية المغلقة على مستوى الدوائر الانتخابية، مع الأخذ بطريقة أكبر البقايا 1. وقد سمح هذا النظام الانتخابي للقوائم الانتخابية الحزبية والائتلافية والمستقلة الحاصلة على عدد قليل من الأصوات بالفوز بمقاعد في مجلس نواب الشعب التونسي؛ ما صعّب حصول أي حزب من الأحزاب السياسية على الأغلبية داخل المجلس، بل إنه خلق حالة من التشتت السياسي داخله، وأثّر سلبًّيًا في عمله المتعلق بالتصديق على مشاريع القوانين، وانتخاب أعضاء الهيئات الدستورية المستقلة التي تتطلّب الحصول على أغلبيات مختلفة تتدرج من الأغلبية البسيطة، فالأغلبية المطلقة، وصولًاإلى أغلبية الثلثين. وانعكس هذا التشتت في المجلس أيضًا على القدرة على تشكيل حكومة منسجمة وقوية؛ إذ يضطر الحزب الفائز بالمرتبة الأولى في الانتخابات إلى تقديم تنازلات للأحزاب السياسية الأخرى من أجل عقد تحالفات سياسية وتشكيل حكومة ائتلافية كثيرًا ما تكون غير منسجمة أيديولوجيًا أو سياسيًا، من أجل تأمين الأغلبية المطلوبة لنيل الثقة، وأدّى هذا الأمر إلى عدم استقرار الحكومات وتعاقبها على نحو سريع. دفع هذا الوضع الحكومة التونسية، برئاسة يوسف الشاهد، في 26 أيلول/ سبتمبر 2018، ثم كتلة حركة النهضة في مجلس نواب الشعب، في 24 كانون الثاني/ يناير 2020، إلى تقديم مقترحات لتعديل قانون الانتخابات والاستفتاء رقم 16() لسنة 2014، يتضمن اقتراحًا بإقرار عتبة انتخابية في حدود 5 في المئة 2، بحيث لا يحق للقوائم الانتخابية المترشحة الاشتراك في عملية توزيع المقاعد ما لم تحصل على النسبة المطلوبة من إجمالي الأصوات التي جرى الإدلاء بها على مستوى الدائرة الانتخابية، وفقًا لاعتقاد مفاده أنّ إقرار عتبة انتخابية سيعمل على التقليل من عدد الأحزاب داخل مجلس نواب الشعب، وتسهيل عملية إيجاد أغلبية، وتشكيل ائتلاف أغلبي مساند لحكومة تتمكن من ممارسة صلاحياتها طوال الفترة النيابية، ومن ثم سيعمل على حل أزمة الحكم في البلاد. ومن هذا المنطلق، تحاول هذه الدراسة الإجابة عن السؤال التالي: إذا كانت الأزمات المتوالية التي عرفها العمل في المجلس في تونس منذ عام 2011، على نحو أو آخر، نتاَجَ النظام الانتخابي النسبي الذي جرى تبنيه في أعقاب الربيع العربي، فهل كان لاعتماد عتبة انتخابية أن يؤدي إلى مخرجات مختلفة؟ بعبارة أخرى، هل كان للعتبة الانتخابية أن تؤدي إلى نتائج مختلفة جوهريًا؛ بالقدر الذي يسمح بالجزم أنها كانت ستولّد تركيبة نيابية تحكمها ديناميات مغايرة للديناميات التي شهدها مجلس نواب الشعب التونسي خلال الأعوام 2011 و 2014 و 2019؟ تهدف هذه الدراسة إلى الإجابة عن ذلك من خلال الوقوف على ثلاثة عناصر: أولًا، محددات النظام الانتخابي الذي جرت وفقه الانتخابات التشريعية في دوراتها الثلاث، والنتائج التي أسفرت عنه. ثانيًا، تأثير نتائج هذه الانتخابات في العملية السياسية، سواء في دور مجلس نواب الشعب التشريعي والانتخابي، أو في عملية تشكيل الحكومات، وكيفية توليد التقييم السلبي للعمل في المجلس، من جانب بعض الأطراف السياسية، حاجةً إلى ضرورة تعديل القانون الانتخابي، من أجل "عقلنة" المشهد في المجلس، خصوصًا عبر اعتماد عتبة انتخابية في هذا القانون. ثالثًا، تحليل الأثر المحتمل لاعتماد العتبة الانتخابية في تمثيل الأحزاب السياسية في مجلس نواب الشعب التونسي، وفي العملية السياسية كلها، عبر تأثيرها في عمل مجلس نواب الشعب التشريعي والانتخابي، وتشكيل الحكومات. وبناءً عليه، ستجري هيكلة هذه الدراسة في ثلاثة محاور رئيسة، هي: الانتخابات التشريعية في الجمهورية التونسية؛ وتأثير نتائج الانتخابات التشريعية التونسية في العملية السياسية؛ والأثر المحتمل لإعمال العتبة الانتخابية.
أولًا: الانتخابات التشريعية في الجمهورية التونسية
يعود اختيار النظام الانتخابي الذي عُِمِل به في تونس في الانتخابات التشريعية، خلال الفترة 2021-2011، إلى الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي 3، وكانت
| الدوائر الانتخابية في التراب التونسي | الدوائر الانتخابية في الخارج | ||||||
|---|---|---|---|---|---|---|---|
| الدائرة الانتخابية | عدد المقاعد | الدائرة الانتخابية | عدد المقاعد | الدائرة الانتخابية | عدد المقاعد | الدائرة الانتخابية | عدد المقاعد |
| تونس 1 | 9 | باجة | 6 | سيدي بوزيد | 8 | فرنسا 1 | 5 |
| تونس 2 | 8 | الكاف | 6 | قفصة | 7 | فرنسا 2 | 5 |
| أريانة | 8 | سليانة | 6 | توزر | 4 | إيطاليا | 3 |
| منوبة | 7 | جندوبة | 8 | صفاقس 1 | 7 | ألمانيا | 1 |
| بن عروس | 10 | القيروان | 9 | صفاقس 2 | 9 | القارة الأميركية وبقية الدول الأوروبية | 2 |
| بنزرت | 9 | سوسة | 10 | قابس | 7 | ||
| نابل 1 | 7 | المنستير | 9 | مدنين | 9 | ||
| نابل 2 | 6 | المهدية | 8 | تطاوين | 4 | الدول العربية وبقية دول العالم | 2 |
| زغوان | 5 | القصرين | 8 | قبلي | 5 | ||
هذه الهيئة قد هدفت من خلاله إلى ضمان أوسع تمثيل ممكن في المجلس الوطني التأسيسي المكلّف بصوغ دستور جديد للبلاد.
1. محددات النظام الانتخابي التونسي بعد الثورة
تطرّق المرسوم رقم)35(، لعام 2011، المتعلق بانتخاب المجلس الوطني التأسيسي، إلى النظام الانتخابي الذي سيجري الأخذ به في الانتخابات التأسيسية؛ إذ نص على أن يجري التصويت على القوائم الانتخابية المغلقة في دورة واحدة، على مستوى الدوائر الانتخابية (الفصل)33، ويتم توزيع المقاعد على أساس التمثيل النسبي داخل كل دائرة، مع الأخذ بأكبر البقايا (الفصل 2.)3 كما نص المرسوم نفسه على أن يختار الناخب إحدى القوائم الانتخابية المترشحة، من دون شطب أو مساس بترتيب المترشحين (الفصل 4)3، ومن ثم استناد المقاعد إلى القوائم، باعتماد الترتيب الوارد في كلّ منها عند تقديم الترشحات (الفصل)36 4. الجدول)1(عدد المقاعد المخصصة للدوائر الانتخابية في التراب التونسي وفي الخارج
وقد نص المرسوم أيضًا على أن تشكّل كل ولاية (محاَفَظة) دائرةً واحدةً، أو تتكوّن من عدة دوائر، على أن يتم ضبط عدد المقاعد المخصصة لكل دائرة انتخابية على قاعدة نائب لكل 06 ألف ساكن، وعلى أّل ايتجاوز عدد المقاعد المخصصة لكل دائرة 10 مقاعد، وعلى أن يُسند مقعدان إضافيان إلى الولايات التي يقلّ عدد سكانها عن 270 ألف ساكن، كما يُسند مقعد إضافي إلى الولايات التي يراوح عدد 3 و)33 5سكانها بين 270 ألفًا و 005 ألف ساكن (الفصلان 1. ووفقًا لذلك، وبناءً على اقتراح من الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، أصدر رئيس الجمهورية المؤقت، فؤاد المبزع 15(كانون الثاني/ يناير – 13 كانون الأول/ ديسمبر 2011)، أمرًا يتعلق بتقسيم الدوائر الانتخابية، وضبط عدد المقاعد المخصصة لها، وتم تحديد العدد الإجمالي للمقاعد بالمجلس الوطني التأسيسي ب 217 مقعدًا، وحدد العدد الإجمالي للدوائر الانتخابية ب 33 دائرة (الفصل 1)، كما حدد عدد المقاعد المخصصة للدوائر الانتخابية بالتراب التونسي ب 199 مقعدًا، توزع على 27 دائرة انتخابية، وحدد عدد المقاعد المخصصة للدوائر
الانتخابية بالنسبة إلى التونسيين في الخارج ب 18 مقعدًا، توزع على 66 دوائر انتخابية (الفصل 2، وذلك كما هو مبّي نفي الجدول).1( ) بعد إقرار الدستور التونسي في 27 كانون الثاني/ يناير 2014، جرى التوافق على الإبقاء على هذا النظام الانتخابي في انتخاب مجلس نواب الشعب 7، وتمّ التنصيص عليه في القانون الأساسي للانتخابات والاستفتاء رقم 16() لسنة 2014، الذي يمثل الإطار القانوني المنظم لانتخاب أعضاء مجلس نواب الشعب، وقد أكد القانون نظام القائمة النسبية المغلقة على مستوى الدوائر الانتخابية (الفصلان 107 و 108.) كما نص القانون رقم 16() نفسه على أن يتم تقسيم الدوائر الانتخابية، وُيُضبط عدد مقاعدها استنادًا إلى قانون (الفصل 106)، لكن جرى تعليق العمل بنص هذا الفصل إلى حين صدور القانون المتعلق بتقسيم الدوائر الانتخابية، من خلال التنصيص، على نحو واضح، على أن يتم الاعتماد على تقسيم الدوائر الانتخابية نفسه وعدد المقاعد المعتمد في انتخاب المجلس الوطني التأسيسي (الفصل)173 8. واشترط القانون أن يُقدّم مطلب الترشّح إلى الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، متضمنًا، وجوبًا، أسماء المرشحين وترتيبهم داخل القائمة (الفصل 21)، كما اشترط أن تُقدم الترشحات على أساس مبدأ التناصف بين النساء والرجال، وقاعدة التناوب بينهم داخل القائمة (الفصل 24)، والقائمة التي لا تحترم هذا المبدأ، فإنها لا تُقبل 10. وفي ما يخص طريقة تحديد الفائزين، أكد قانون الانتخابات التونسي أن توزيع مقاعد مجلس نواب الشعب على القوائم الانتخابية، سيكون في مرحلتين. ففي المرحلة الأولى، يجري توزيع المقاعد على أساس طريقة الحاصل الانتخابي، ويتمّ تحديده بقسمة إجمالي الأصوات التي جرى الإدلاء بها على مستوى الدائرة الانتخابية على عدد المقاعد المخصصة لتلك الدائرة، وُيُسند إلى القائمة الانتخابية عدد مقاعد بقدر عدد المرات التي حصلت فيها على الحاصل الانتخابي. وإذا لم توَّزَع مقاعد في المرحلة الأولى، فإنه يجري توزيعها في المرحلة الثانية على أساس طريقة أكبر البقايا على مستوى الدائرة، وإذا تساوت بقايا قائمتين أو أكثر، فيجري تغليب المرشّح الأصغر سنّا، وُتُسند المقاعد إلى القوائم الانتخابية باعتماد الترتيب الوارد في كل منها (الفصل)110 11. ولم يتطرق هذا القانون إلى مسألة العتبة الانتخابية في انتخاب أعضاء مجلس نواب الشعب، على الرغم من أن بعض الدول التي تأخذ بنظام القائمة النسبية يفرض اجتياز نسبة حسٍمٍ (عتبة انتخابية) محددة للحصول على تمثيل في الهيئة المنتخبة؛ فإذا كانت هذه النسبة مرتفعة (كما كانت عليه الحال في تركيا، طوال عدة عقود، مع عتبة 10 في المئة)، فإنّ ذلك سيؤدي إلى استبعاد الأحزاب الصغيرة، وحرمانها من الحصول على تمثيل لها، بينما قد تسمح لهم بذلك نسبة حسمٍ منخفضة (كما هي الحال في هولندا)، في حين لا تفرض دول أخرى نسبة حسٍمٍ على الأحزاب السياسية المشاركة في العملية الانتخابية؛ ما يسمح لكل الأحزاب السياسية الاشتراك في عملية توزيع المقاعد، ومن ثم إمكانية حصول الأحزاب على تمثيل لها في الهيئة المنتخبة 12.
2. نتائج الانتخابات التشريعية التونسية
جرت في تونس ثلاث دورات انتخابية تشريعية في تشرين الأول/ أكتوبر خلال الأعوام 2011 (المجلس التأسيسي) و 2014 و 2019 (مجلس نواب الشعب.) ويعرض الجدول 2() نتائج الأحزاب والقوائم الحزبية التي حصلت على المراتب الأربع الأولى، إضافة إلى مجموع الأحزاب التي فازت بما بقي من المقاعد. أسفرت نتائج الانتخابات التأسيسية التي جرت في 23 تشرين الأول/ أكتوبر 2011 عن فوز 27 قائمة انتخابية بمقاعد المجلس الوطني التأسيسي، البالغ عددها 217 مقعدًا، وقد تصدّرتها حركة النهضة، 89 مقعدًا، يليها حزب المؤتمر من أجل الجمهورية، 29 مقعدًا، فالعريضة الشعبية للحرية والعدالة والتنمية، 26 مقعدًا، فالتكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات، 20 مقعدًا، فالحزب الديمقراطي التقدمي، 16 مقعدًا، إلى جانب ستة أحزاب حصلت ما بين مقعدين وخمسة مقاعد، وحصول 16 قائمة انتخابية على مقعد واحد في المجلس. فإذا ما استثنينا الأحزاب الأربعة الأولى، وهي الأحزاب الوحيدة التي تمكّنت من الفوز ب 20 مقعدًا فأكثر، ومن ثم استحوذت على 164 مقعدًا، فإن المقاعد ال 53 المتبقية، توزعت على 23 قائمة انتخابية؛ ما يشكّل تقريبًا ربع مقاعد المجلس. أما في الانتخابات التشريعية التي جرت في 26 تشرين الأول/ أكتوبر 2014، فيتضح من خلال الجدول 2()، أن نتائجها أسفرت عن فوز
| مجلس نواب الشعب 2019 | مجلس نواب الشعب 2014 | المجلس الوطني التأسيسي 2011 | ||||||
|---|---|---|---|---|---|---|---|---|
| النسبة | عدد المقاعد | القائمة | النسبة | عدد المقاعد | القائمة | النسبة | المقاعد | املقائمة |
| 23.96 | 52 | حركة النهضة | 39.63 | 86 | حركة نداء تونس | 41.01 | 89 | حركة النهضة |
| 17.51 | 38 | قلب تونس | 31.80 | 69 | حركة النهضة | 13.36 | 29 | المؤتمر من أجل الجمهورية |
| 10.14 | 22 | التيار الديمقراطي | 7.37 | 16 | الاتحاد الوطني الحر | 1 ا1.98 | 26 | العريضة الشعبية للحرية والعدالة والتنمية |
| 9.68 | 21 | ائتلاف الكرامة | 6.91 | 15 | الجبهة الشعبية | 9.22 | 20 | التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات |
| 38.71 | 84 | بقية المقاعد موزعة على 27 قائمة | 14.29 | 31 | بقية المقاعد موزعة على 14 قائمة | 24.43 | 35 | بقية المقاعد موزعة على 23 قائمة |
| 100 | 217 | المجموع | 100 | 217 | المجموع | 100 | 217 | المجموع |
18 قائمة انتخابية بمقاعد مجلس نواب الشعب، البالغ عددها 217 مقعدًا؛ إذ حصل حزب حركة نداء تونس على 86 مقعدًا، يليه حركة النهضة، 96 مقعدًا، ثم الاتحاد الوطني الحر، 16 مقعدًا، فالجبهة الشعبية، 15 مقعدًا، فحزب آفاق تونس، 8 مقاعد، إلى جانب خمسة أحزاب حصلت ما بين مقعدين وأربعة مقاعد، وحصول 8 قوائم انتخابية على مقعد واحد في المجلس. وإذا ما استثنينا الأحزاب الحاصلة على المراتب الأربع الأولى التي استحوذت على 186 مقعدًا، فإن بقية المقاعد ال 13، تقاسمها 14 قائمة انتخابية؛ أي ما يمثّل تقريبًا 14 في المئة من مقاعد المجلس. أما في ما يخص ثالث انتخابات تشريعية التي جرت في 6 تشرين الأول/ أكتوبر 2019، فإن نتائجها أسفرت عن فوز 13 قائمة انتخابية بمقاعد مجلس نواب الشعب، البالغ عددها 217 مقعدًا؛ مع عودة حركة النهضة إلى التصدر ب 25 مقعدًا، يليها حزب قلب تونس، 83 مقعدًا، ثم التيار الديمقراطي، 22 مقعدًا، فائتلاف الكرامة، 21 مقعدًا، فالحزب الدستوري الحر، 17 مقعدًا، فحركة الشعب، 15 مقعدًا، فحركة تحيا تونس، 14 مقعدًا، إلى جانب سبعة أحزاب حصلت ما الجدول)2(النتائج الرسمية للانتخابات التشريعية التونسية في الأعوام 2011 و 2014 و 2019
بين مقعدين وأربعة مقاعد، إضافة إلى حصول 17 قائمة انتخابية على مقعد واحد في المجلس. وإذا استثنينا الأحزاب والقوائم الانتخابية المحتلة للمراتب الأربع الأولى التي حصلت في مجموعها على 133 مقعدًا، فإن المقاعد ال 84 المتبقية توزّعت على 27 قائمة انتخابية؛ أي ما يمثّل تقريبًا 93 في المئة من مقاعد المجلس. يرى بعضهم أن نتائج الانتخابات التشريعية التي عرضناها لا تعكس في الحقيقة أي تشتت للمشهد في مجلس نواب الشعب، وُيُستدلّ على ذلك، من خلال أن التركيبة في المجلس التي أفرزتها انتخابات عام 2014 التشريعية تكوّنت من كتلتين كبرَييَن تملكان 155 مقعدًا؛ أي ما نسبته 27 في المئة من مقاعد المجلس؛ لحزب نداء تونس 86 مقعدًا، أي ما نسبته 40 في المئة من المقاعد، ولحركة النهضة 96 مقعدًا، أي ما نسبته 23 في المئة، وُيُرى أن تشتت المجلس هو لاحق بالعملية الانتخابية (وليس نتاجًا لها)، ويعود عدم استقراره، في الأساس، إلى تفتت الكتلة الأكبر لحزب نداء تونس 13؛ إذ تعرّضت للعديد من
الانقسامات والانشقاقات بسبب الصراع بين قياداته العليا، خاصة مع حافظ السبسي (نجل الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي ومؤسس الحزب)، وقد عملت هذه الانقسامات على تجزيء الحزب إلى أحزاب صغيرة، وكانت البداية باستقالة ثُلث أعضاء الكتلة بقيادة محسن مرزوق الذي أسس كتلة الحرة التي تحوّلت في ما بعد إلى حزب حركة مشروع تونس، الأمر الذي أدى إلى تراجع كتلة حزب نداء تونس إلى المرتبة الثانية. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل إن عددًا من الأعضاء المستقيلين، وعددًا من أعضاء الكتل الأخرى في المجلس، أسسوا كتلة الائتلاف الوطني داخل مجلس نواب الشعب التي تحوّلت في ما بعد إلى حزب حركة تحيا تونس، برئاسة رئيس مجلس الوزراء يوسف الشاهد، وهو ما أدّى إلى تراجع كتلة حزب نداء تونس إلى المرتبة الثالثة، وقد تسببت هذه الانشقاقات في خسارتها أكثر من نصف نوّابها؛ ومن ثم، فإن التشتت في المجلس لم ينتجه النظام الانتخابي، بقدر ما أنتجته الانقسامات 14. وإذا كانت هذه القراءة للنتائج لا تخلو من الصواب في المطلق، فإنها، تبقى في نظرنا، نسبية ومرتبطة بسياق مجلس نواب الشعب المنبثق من انتخابات عام 2014، ولا يمكن جعلها أساسًا أو حجة كافية للحكم بغياب أي تأثير لطبيعة النظام الانتخابي في تشتت المشهد في المجلس؛ إذ إن الخلاصة عن وجود هذا التأثير أو انعدامه، يجب أن تنطلق من القراءة المقارنة لنتائج الانتخابات الثلاثة، موضوع الدراسة، التي تسمح بالوقوف على العناصر التالية: أولًا، نلاحظ في الانتخابات التشريعية الثلاثة 2011(و 2014 و 2019) أنه لم يتمكن أي حزب في المرتبة الأولى فيها من الحصول على ما يكفي من المقاعد لضمان الأغلبية المطلقة المطلوبة لتشكيل حكومة، من دون الحاجة إلى دخوٍلٍ في تحالفات مع كتل نيابية أخرى، بل أكثر من ذلك؛ ما فتئت حصة الحزب المتصدر لنتائج الانتخابات تتراجع من انتخابات إلى أخرى، من 41 في المئة في انتخابات عام 2011، إلى 40 في المئة في انتخابات عام 2014، إلى أقل من 24 في المئة في الانتخابات التشريعية في عام.2019 ثانيًا، يمكن اعتبار مجلس نواب الشعب المنبثق من انتخابات عام 2014 بمنزلة البرلمان الأقل تشتتًا من بين المجالس الثلاثة موضوع الدراسة، على اعتبار أنه المجلس الذي عرف فوز أقل عدد من القوائم الانتخابية بمقاعد في المجلس، بل إن هذه الانتخابات الوحيدة كان يكفي متصدَّرَيها (نداء تونس وحركة النهضة)، من الناحية العددية، أن يتحالفا، ليحصلا على أغلبية مطلقة مريحة، متمثلة في 155 مقعدًا، وهو ما يفوق ثلثي مقاعد المجلس. لكن واقع الحال أنه، في ضوء نتائج الانتخابات، لم يكن في إمكان أي فاعل سياسي وحده أن يفرض أجندته، أو حكومته، من دون اللجوء إلى تحالفات مع كتل أخرى، حتى لو لم تعرف كتلة حزب نداء تونس التفتت الذي عرفته لاحقًا. ثالثًا، يعتبر المجلس المتولّد من انتخابات عام 2019 أكثر المجالس النيابية الثلاثة تشتتًا. فهو ليس المجلس الذي عرف فوز أكبر عدد من القوائم الانتخابية فحسب، بل هو أيضًا المجلس الوحيد الذي لا يمكن، من الناحية العددية، أن يُكتفى فيه بتحالف كتلتين لضمان الأغلبية؛ إذ لا يمكن الحصول عددًّيًا على الأغلبية إّل ابتحالف ثلاث كتل على الأقل. تؤكد هذه العناصر الثلاثة، في نظرنا، تشتت المشهد في مجلس نواب الشعب التونسي في أعقاب الانتخابات التشريعية في دوراتها الثلاث، ولا يمكن فصل هذه العناصر عن طبيعة النظام الانتخابي المعتمد منذ عام 2011. فكيف كان تأثير تشتت النتائج المتولّدة من النظام الانتخابي في العملية السياسية التونسية؟
ثانيًا: تأثير نتائج الانتخابات التشريعية التونسية في العملية السياسية
كان للنظام الانتخابي، عبر تأثيره في نتائج الانتخابات التشريعية، أثر في العملية السياسية برمّتها، وذلك بسبب صعوبة حصول أي حزب من الأحزاب السياسية على الأغلبية في مجلس نواب الشعب، نتيجةً لنظام التمثيل النسبي الذي جرى تبنّيه في أعقاب الثورة التونسية 2011(.) وقد أدّى هذا الأمر إلى حالة من التشتت في المجلس الذي انعكس سلبًّيًا على مستويين: أولهما، عدم الاستقرار الحكومي، أي
الحؤول دون تشكيل حكومات منسجمة وقوية ومستقرة. ثانيهما، تعطيل فاعلية الدور التشريعي في عملية إقرار القوانين التي تحتاج إليها تونس من أجل القيام بالإصلاحات الضرورية، وكذا الدور الانتخابي للمجلس المتمثل في اختيار أعضاء هيئات دستورية أخرى.
1. تعدد الحكومات وعدم استقرارها
عرفت تونس منذ عام 2011 أزمات متتالية للحكم، متمثلة في تعاقب عدد كبير من الحكومات وعدم استقرارها وعجزها عن القيام بأي إصلاحات محورية تقتضيها المرحلة. ولا يمكن فصل هذا الأمر عن حالة التشتت في المجلس التي أفرزها النظام الانتخابي المعمول به (كما عرضناها في المحور الأول) الذي لا يسمح عمليًا لأي حزب بالفوز بالأغلبية المطلقة في المجلس 15؛ ما جعل الحزب الفائز بأكبر عدد من المقاعد مضطرًا، في كل مرة، إلى عقد تحالفات سياسية مع عدد من الكتل الأخرى من أجل تأمين هذه الأغلبية التي مُتّ كّنه عند تشكيل الحكومة من نيل ثقة المجلس 16، على الرغم من التنافر السياسي والأيديولوجي الذي قد يكون موجودًا بين الكتل المتحالفة. هذا ما حصل فعليّا منذ انتخابات عام 2011، وإْنْ بدرجات متفاوتة في الحدة. وكما رأينا سابقًا، أسفرت انتخابات المجلس الوطني التأسيسي في ذلك العام عن فوز حركة النهضة بالمرتبة الأولى، لكن ذلك قد كان من دون تمكّنها من تأمين الأغلبية المطلقة، على الرغم من تصدّرها المشهد في مجلس نواب الشعب بفارق كبير متمثل في 06 مقعدًا مقارنةً بالحاصل على المرتبة الثانية (حزب المؤتمر من أجل الجمهورية.) وقد أجبر هذا الأمر حركة النهضة، ذات التوجه الإسلامي، على التحالف مع حزبين علمانيين: حزب المؤتمر من أجل الجمهورية وحزب التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات، لتشكيل حكومة ما سُمي إعلامًّيًا "الترويكا" (الثلاثي)، برئاسة حمادي الجبالي 23(كانون الأول/ ديسمبر 19-2011 شباط/ فبراير)2013 17. ولم يكن هذا التحالف قُّطُ خيارًا طوعيًا حتّمه تقارب البرامج الانتخابية لتلك الأحزاب، بل فرضته نتائج وواقع سياسي وانتخابي 18. نتج من هذا التحالف اتفاق على تقاسم المناصب على مستوى الرئاسات الثلاث: الدولة، والحكومة، والبرلمان، من خلال التوافق على ترشيح الأمين العام لحركة النهضة حمادي الجبالي لرئاسة الحكومة، وزعيم حزب التكتل الديمقراطي مصطفى بن جعفر لرئاسة المجلس الوطني التأسيسي، ومحمد المنصف المرزوقي، زعيم حزب المؤتمر، لرئاسة الجمهورية. وفي الحقيقة، لم يكن التوافق سهلًا، فقد واجه تشكيل الحكومة صعوبات في توزيع الحقائب الوزارية وتقاسمها بين الأحزاب الثلاثة، خاصةً في ما يتعلق بالحقائب السيادية، فأحدث هذا الأمر شروخًا متفاوتة داخل الأحزاب نفسها؛ إذ اختار عدد من مؤسسي حزب المؤتمر من أجل الجمهورية الانفصال عنه، وتكوين حركة مستقلة، كما شهد حزب التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات حركة استقالات جماعية من المكتب الوطني للتكتل وعدد من مكاتبه الجهوية 19. بعد اغتيال المعارض شكري بلعيد، الأمين العام لحزب حركة الوطنيين الديمقراطيين الموحد، والمنسق العام للجبهة الشعبية (ائتلاف مكوّن من 13 حزبًا سياسيًا وعدد كبير من المستقلين)، في 6 شباط/ فبراير 2013، دخلت البلاد في أزمة سياسية، أدت برئيس الحكومة إلى الإعلان عن أنه قرر تشكيل حكومة كفاءات وطنية، لا تنتمي إلى أي حزب سياسي، من أجل تسيير أمور البلاد حتى إجراء انتخابات مبكرة 20. ونظرًا إلى فشله في تشكيلها، أعلن (الجبالي) استقالته من منصبه في 19 شباط/ فبراير 2013؛ وبعدها، كلّف الرئيُسُ المرزوقي القيادَّيَ في حركة النهضة علي العريض، ووزير الداخلية في حكومة الجبالي، بتشكيل حكومة جديدة 13( آذار/ مارس 9-2013 كانون الثاني/ يناير
سرعان ما تأزّم الوضع السياسي التونسي مرة أخرى بعد اغتيال النائب عن حركة الشعب محمد البراهمي، عضو المجلس الوطني التأسيسي، المنسق العام لحزب التيار الشعبي والقيادي في ائتلاف الجبهة الشعبية، في 25 تموز/ يوليو 2013، فأعلن في أثره 42 نائبًا انسحابهم من المجلس الوطني التأسيسي. إضافة إلى ذلك، علّق رئيس المجلس مصطفى بن جعفر، في 6 آب/ أغسطس 2013، أعماله إلى حين إجراء حوار وطني جدّي 21. دفع هذا الوضع في مجلس نواب الشعب والوضع السياسي المتأزم، أربع منظمات وطنية تونسية كبرى: الاتحاد العام التونسي للشغل، والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية، والهيئة الوطنية للمحامين بتونس، والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، إلى تقديم مبادرة في 17 أيلول/ سبتمبر 2013، لرعاية حوار وطني شامل من أجل تسوية الأزمة السياسية. ومن مخرجات هذا الحوار وجوب تقديم علي العريض استقالة حكومته، وتكليف مهدي جمعة، وزير الصناعة في حكومة العريض، بتشكيل حكومة تكنوقراط 29( كانون الثاني/ يناير 26-2014 كانون الثاني/ يناير)2015 22. بعد إعلان نتائج الانتخابات التشريعية في عام 2014، تكرر مشهد المفاوضات الشاقة لتشكيل الحكومة؛ إذ اضطر حزب نداء تونس، الفائز بالمرتبة الأولى، إلى عقد تحالفات سياسية مع عدد من الكتل الأخرى لتشكيل الحكومة، وقد اختار الحزب أن ترأس الحكومة شخصية مستقلة هي الحبيب الصيد 5(شباط/ فبراير 0-20153 تموز/ يوليو.)2016 في 23 كانون الثاني/ يناير 2015، قدّم الصيد مقترحه لتشكيلة حكومته من 40 عضوًا، لكن لم يلَقَ ذلك تأييدًا واسعًا لدى القوى الفاعلة في المشهد السياسي، بسبب الاقتصار على ضم ممثلين عن حزب نداء تونس والاتحاد الوطني الحر وعدد من التكنوقراط، وتجاُهُل أحزاب ذات وزٍنٍ في مجلس نواب الشعب، وفي مقدمها حركة النهضة الحاصلة على المرتبة الثانية في المجلس، وائتلاف الجبهة الشعبية، وحزب آفاق تونس الذي يُعدّ حليفًا لحزب نداء تونس 23. وقررت حركة النهضة عدم تزكيتها في البرلمان، وكذلك حزب آفاق تونس، كما أعلنت شخصيات من داخل نداء تونس نفسه عن رفضها هذه الحكومة، وعدم تزكيتها في المجلس، علاوةً على موقف أحزاب اليسار المنضوية تحت ائتلاف الجبهة الشعبية؛ ما اضطر رئيس الحكومة المكلّف إلى الدخول في مفاوضات جديدة مع الأحزاب، لإجراء تعديلات على تركيبة حكومته، يُراعي فيها التوازنات السياسية وحجم الأحزاب الممثلة في المجلس 24، وقد تمخّض عنها عرض تشكيلة جديدة مكوّنة من ستة أحزاب، فنالت ثقة مجلس نواب الشعب في 5 شباط/ فبراير 2015 25. لكن بعد مرور أقل من سنة ونصف على تنصيبها، وفي 03 تموز/ يوليو 2016، صوّت مجلس نواب الشعب التونسي بسحب الثقة منها، وذلك لإفساح المجال أمام مبادرة الرئيس الباجي قائد السبسي التي قدّمها في 2 حزيران/ يونيو 2016، والتي تضمّنت تشكيل حكومة وحدة وطنية يشارك فيها كل من: الاتحاد العام التونسي للشغل واتحاد الصناعة والتجارة والصناعات التقليدية وبقية مكوّنات المعارضة الراغبة في تحمل أعباء الحكم، للتخفيف من حدة الاحتقان الاجتماعي، وسُتُمكن هذه الحكومة من العودة إلى العمل والإنتاج 26. ووفقًا للمبادرة الرئاسية، تم تكليف القيادي في حزب نداء تونس يوسف الشاهد، ووزير الشؤون المحلية في حكومة الصيد بتشكيل حكومة جديدة 26(آب/ أغسطس 27-2016 شباط/ فبراير)2020 27. وفي أعقاب الانتخابات التشريعية في عام 2019، فشلت حركة النهضة، التي حلّت في المرتبة الأولى، في ضمان الأغلبية التي تسمح لحكومة الحبيب الجملي المقترحة (وهي حكومة كفاءات وطنية خالية من الأحزاب السياسية) بنيل الثقة في 10 كانون الثاني/ يناير 2020. وأدّى
هذا الوضع إلى ما يُعرف دستورًّيًا ب "حكومة الرئيس" 28 التي تعني قيام رئيس الجمهورية بتكليف الشخصية الأقدر من أجل تشكيل حكومة، لكن بعد إجراء مشاورات مع الأحزاب والائتلافات والكتل النيابية، وإذا لم يحصل رئيس الحكومة المكلف على ثقة البرلمان، فيجب على الرئيس حل البرلمان، والدعوة إلى انتخابات تشريعية جديدة (الفصل)89 30. وفي هذا السياق، كلّف رئيس الجمهورية، قيس سعيّد، إلياس الفخفاخ، القيادي في حزب التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات، بتشكيل حكومة ائتلافية جديدة 27(شباط/ فبراير 15-2020 تموز/ يوليو)2020 31. بعد خمسة أشهر على تولي الفخفاخ المنصب، قدّم استقالته إلى رئيس الجمهورية، في 15 تموز/ يوليو 2020، نتيجةً لسحب أربع كتل نيابية الثقة منه: حركة النهضة، وائتلاف الكرامة، وقلب تونس، والمستقبل، على خلفية اتهامه بالتورط في تضارب مصالح، بعد الكشف عن امتلاكه أسهمًافي شركة خاصة لتدوير النفايات، متعاقدة مع الدولة 32. وفي إثر هذا الوضع، كلّف سعيّد، هشام المشيشي، وزير الداخلية في حكومة الفخفاخ، بتشكيل حكومة جديدة 2(أيلول/ سبتمبر 25-2020 تموز/ يوليو)2021 33. وكانت هذه الحكومة هي الحكومة الثانية التي تنال ثقة مجلس نواب الشعب التونسي خلال ستة أشهر بعد انتخابات عام 2019، والحكومة الثالثة التي يتم تشكيلها في عام 2020، واستمرت هذه الحكومة حتى حلّها سعيّد ضمن الإجراءات الاستثنائية التي أعلنها في 25 تموز/ يوليو.2021
2. تعطيل دور مجلس نواب الشعب التشريعي والانتخابي
يضطلع مجلس نواب الشعب في تونس، وفقًا لأحكام الدستور، بدور محوري في وضع القوانين والتصديق عليها وإنشاء المؤسسات الدستورية الضامنة لتحقيق انتقال ديمقراطي؛ فللمجلس دور مهم في تأسيس حياة سياسية ديمقراطية، من خلال دوره التشريعي، سواء في ما يتعلق بالتشريع في مواد تتعلق بالحقوق والحريات، أو في ما يتعلق بوضع النظام القانوني للهيئات الدستورية المستقلة، وله أيضًا دوٌرٌ انتخابي مهٌّمٌ يمكن من خلاله إنشاء عدد من المؤسسات الدستورية المستقلة 34. بالنسبة إلى الدور التشريعي للمجلس، فإنّ الدستور التونسي أكد الأغلبية المطلوبة من أعضاء المجلس للتصديق على مشاريع القوانين، وحدّدها في ما يتعلق بمشاريع القوانين الأساسية بالأغلبية المطلقة لأعضائه، وحدّدها أيضًا في ما يتعلق بمشاريع القوانين العادية بأغلبية أعضائه الحاضرين، واشترط في هذه الأغلبية أّل اتقل عن ثلث أعضاء المجلس (الفصل 4.)6 إضافة إلى ذلك، حدّد الدستور مواضيع القوانين التي تُدرج تحت قوانين أساسية، وهي تتمثل في تنظيم الهيئات الدستورية المستقلة، وتنظيم العدالة والقضاء، وتنظيم الإعلام والصحافة والنشر، وتنظيم الأحزاب والنقابات والجمعيات والمنظمات والهيئات المهنية وتمويلها، وتتمثل كذلك في القانون الانتخابي، والحريات وحقوق الإنسان، والأحوال الشخصية، والواجبات الأساسية للمواطنة، والسلطة المحلية، وتنظيم الجيش الوطني، وتنظيم قوات الأمن الداخلي والديوانة، والميزانية، والتمديد في مدة مجلس نواب الشعب، والتمديد في الفترة الرئاسية، والموافقة على المعاهدات (الفصل)65 35. وبالنسبة إلى الدور الانتخابي للمجلس، فإنّ الدستور التونسي أكد أن ينتخب أعضاء المجلس أعضاء الهيئات الدستورية المستقلة بأغلبية معزّزة، أي بأغلبية الثلثين (الفصل 125)، وحدّدها الدستور بخمس هيئات: الهيئة العليا المستقلة للانتخابات (الفصل 126)، وهيئة الاتصال السمعي والبصري (الفصل 127)، وهيئة حقوق الإنسان (الفصل 128)، وهيئة التنمية المستدامة وحقوق الأجيال القادمة (الفصل 129)، وهيئة الحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد (الفصل 130)، إضافة إلى) 36انتخاب 4 من أعضاء المحكمة الدستورية (الفصل .118
وقد أدّت حالة التشتت في مجلس نواب الشعب التي أفرزها النظام الانتخابي المعمول به في الانتخابات التشريعية إلى تعطيل دوره التشريعي والانتخابي؛ ما جعل الحكومات المتعاقبة تواجه صعوبات في تمرير مشاريع القوانين الأساسية داخل المجلس بالأغلبية المطلقة لأعضائه 37، لأنه لا توجد أي كتلة نيابية قادرة بمفردها على تمريره ب 109 أصوات. فبالنسبة إلى التشريع، نجد أن عدد القوانين التي صدرت عن المجلس، خلال فترة عمله، في الفترة كانون الأول/ ديسمبر -2014 تموز/ يوليو 2019، 133 قانونًا. وعلى الرغم من ذلك، فإن نسبة عالية منها هي قوانين تصديق على اتفاقيات وبروتوكولات تعاون وشراكة وقروض وهبات ومساعدات، وهي قوانين لا تحتوي في أغلبها إّل اعلى مادة قانونية واحدة، تُقرّ بالموافقة على المعاهدة، ويبلغ عددها 189 قانونًا؛ أي ما نسبته 157. في المئة. أما القوانين المتبقية، وعددها 142 قانونًا، فمنها 45 من القوانين تمس مباشرةًالحقوق والحريات، بما نسبته 16.3 في المئة، علمًاأن مصدر أغلب هذه القوانين كان من الحكومة، بينما كانت المبادرات التشريعية قليلة في هذا المجال 38. أما بالنسبة إلى إرساء الهيئات الدستورية المستقلة، فنجد أن المجلس الوطني التأسيسي لم يتمكن من إرساء أي منها، باستثناء الهيئة العليا المستقلة للانتخابات التي أنشأها وأصدر قانونها الأساسي رقم 16() لسنة 2014، المتعلق بالانتخابات والاستفتاء، الصادر في 27 أيار/ مايو 2014. ومع نهاية الفترة النيابية 2019-2014()، لم يصدر عن مجلس نواب الشعب إّل اقانونان متعلقان بالهيئات الدستورية المستقلة؛ الأول، هو القانون الأساسي رقم 9()5 لسنة 2017، المتعلق بهيئة الحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد، في 24 آب/ أغسطس 2017؛ والثاني هو القانون الأساسي رقم 1()5 لسنة 2018، المتعلق بهيئة حقوق الإنسان، في 29 تشرين الأول/ أكتوبر 2018 39. أما بقية الهيئات المستقلة الأخرى، المتمثلة في هيئة الاتصال السمعي والبصري وهيئة التنمية المستدامة وحقوق الأجيال القادمة، فلم يتمّ النظر في مشاريع القوانين المتعلقة بها، على الرغم من إيداعها في المجلس منذ عام 2018 40. وعلى الرغم من صدور قانوَن يهيئة الحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد وهيئة حقوق الإنسان، فإنه لم تبدأ أي هيئة من هاتين الهيئتين العمل؛ نظرًا إلى عدم انتخاب أعضاء كل منهما. أما بالنسبة إلى المحكمة الدستورية التي تُعدّ من الأعمدة الأساسية للنظام السياسي الديمقراطي التي نص عليها دستور عام 2014، فقد نص الدستور التونسي على أن يتم إنشاؤها خلال مدّة أقصاها سنة واحدة من تاريخ الانتخابات التشريعية (الفقرة 5 من الفصل 148.) وبناءً عليه، يكون مجلس نواب الشعب ملزمًا بإصدار القانون الأساسي لهذه المحكمة واختيار قُضاتها في مدّة لا تتجاوز 26 تشرين الأول/ أكتوبر 2015 42. وعلى الرغم من هذا الإلزام، فإن صدور القانون الأساسي رقم 0()5 لسنة 2015، المتعلق بالمحكمة الدستورية، تأخر إلى 3 كانون الأول/ ديسمبر 2015، وهو ما يعني تأخر المجلس في انتخاب أعضاء المحكمة. وتتكوّن المحكمة الدستورية، وفقًا للدستور، من 12 عضوًا؛ إذ يُعّي نكل من رئيس الجمهورية، ومجلس نواب الشعب، والمجلس الأعلى للقضاء، أربعة أعضاء (الفصل)118 44، وقد نص قانون المحكمة الدستورية على أن يتم تعيين أعضاء المحكمة الدستورية تباعًا من جانب مجلس نواب الشعب والمجلس الأعلى للقضاء ورئيس الجمهورية (الفصل)10 45، وهو أمٌرٌ يعني أّل ا تنظر جهة في ملف التعيين إّل ابعد إتمام الجهة التي تسبقها النظر فيه. وبعد مرور نحو 7 سنوات من انقضاء الأجل الدستوري وصدور قانون المحكمة الدستورية، نجد أنه لم يتم تطبيقه؛ نظرًا إلى فشل مجلس نواب الشعب في انتخاب الأعضاء الأربعة الذين يجب أن ينتخبهم 46. ولا يُرجع بعضهم ذلك إلى صعوبة توفير أغلبية الثلثين
لتمرير أي قرار، وهو ما كانت تملكها الأغلبية الحاكمة آنذاك، بل إلى عدم اتفاق الكتل النيابية، وخصوصًا الكبيرة منها، على أسماء المرشحين 47. فعلى سبيل المثال، نجد أن رئاسة مجلس نواب الشعب واللجنة الانتخابية 48 احتاجت إلى سنتين كاملتين في ضبط الترشحات لعضوية المحكمة الدستورية؛ بسبب الخصومات بين الأحزاب السياسية، وسعي كل منها لفرض مرور مرشحيه إلى مرحلة التصويت.
ثالثًا: إعمال العتبة الانتخابية: ما الأثر المحتمل؟
أظهر المحوران السابقان أن التشتت في مجلس نواب الشعب الذي تولّد من النظام الانتخابي الذي اعتمدته تونس في أعقاب "ثورة الياسمين" - وإن كان لا يمكن الذهاب إلى حد الجزم بأنه المسؤول الوحيد عن الأزمات المتعاقبة التي عرفتها البلاد منذ عام 2011 - لا يمكن إنكار وجود دوٍرٍ محوري له في غياب الاستقرار الحكومي وعدم قيام المجلس أيضًا بدوره على أحسن وجه، بل كان له دور في جعِلِ المؤسسة التشريعية أحد مصادر التأزم التي عرفتها الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية التونسية طوال نحو عقد من الزمن. وقد كوّن هذا الأمر قناعةً لدى جزء من النخب السياسية التونسية بأن أحد مخرجات هذا الوضع هو "عقلنة" المشهد في المجلس عبر تعديل القانون الانتخابي وإقرار عتبة انتخابية. من هنا، قدّمت الحكومة التونسية، برئاسة يوسف الشاهد، في 26 أيلول/ سبتمبر 2018، مقترحًا لتعديل قانون الانتخابات، جاء في فصله الأول إلغاء أحكام الفقرة الثالثة (الفصل 110) من قانون الانتخابات، التي تنص على أن "لا تعتمد الأوراق البيضاء في احتساب الحاصل الانتخابي"، واستبدالها بالفقرة التالية: "لا تحتسب الأوراق البيضاء والأصوات الراجعة للقائمات التي تحصلت على أقل من 5 في المئة من الأصوات المصرّح بها على مستوى الدائرة في احتساب الحاصل الانتخابي." ونص المشروع في فصله الثاني على إضافة فقرة جديدة إلى (الفصل 110) من القانون، تُدرج مباشرةً بعد الفقرة الثالثة، وتنص على القول: "لا تدخل في توزيع المقاعد القائمات المترشحة التي تحصلت على أقل من 5 في المئة من الأصوات المصرّح بها على مستوى الدائرة" 49. جاء في شرح أسباب تعديل القانون الذي تقدّمت به الحكومة أن هذه المرحلة تفرض على القيادة السياسية التماس أفضل الوسائل حتى تتحقق أهداف الانتقال الديمقراطي، من دون صعوبات كبرى. وهذا الأمر يفرض اعتماد مفهوم النجاعة والمردودية للنظام الانتخابي كلّه، ولطريقة الاقتراع على وجه الخصوص؛ إذ إن منطق التمثيل الصوري للكل هو منطق يصلح في بداية مرحلة الانتقال الديمقراطي. وأضافت الحكومة ما مفاده أن أغلب الدول التي تعتمد نظم التمثيل النسبي تفرض عتبة انتخابية بمستويات عالية، أحيانًا، تصل إلى 10 في المئة من إجمالي الأصوات المصرّح بها، ضمانًا للنجاعة التي تقتضي توفير الأرضية القانونية اللازمة لإيجاد أغلبية، أو على الأقل ائتلاٍفٍ أغلبٍّيٍ قادٍرٍ على تحمّل العهدة النيابية طوال المدة المحدّدة لها 50. تعدّدت الآراء بشأن مقترح تعديل قانون الانتخابات وإدراج عتبة انتخابية بنسبة 5 في المئة بين مؤيد ومعارض. رأى المعارضون أنّ من شأن إقرار عتبة انتخابية بنسبة 5 في المئة التأثيَرَ على نحو مباشر في نتائج الانتخابات النهائية، وإقصاَءَ أحزاب المعارضة والأحزاب الصغيرة والمستقلين من الفوز بمقاعد في مجلس نواب الشعب، وأن ذلك ينسف أحد أبرز مبادئ الديمقراطية، وهو التعددية الحزبية، في مقابل تقوية هيمنة الأحزاب الكبرى، على الرغم من أن تونس لا تزال في مراحلها الأولى في المسار الانتقالي الذي يقتضي فسح المجال
للتعددية والتنوع 51. ومن خلال منظور المعارضين، فإنّ من يعتقد أن إقرار عتبة انتخابية سيعمل على إيجاد حل لأزمة الحكم مخطئ؛ لأنّ نظام التمثيل النسبي مع أكبر البقايا في الأساس يجعل من تحقيق حزب واحد الأغلبيَةَ المطلقة أمرًا بالغ الصعوبة، ثم إنّ اعتماد عتبة انتخابية سيؤدي إلى انحصار التمثيل في المجلس في حزبين كبيرين أو أكثر، لكنه سيحرم الحزب المتصدر من إمكانية إجراء تحالفات مع كيانات قد تكون صغيرة، مع أنها أقرب إليه أيديولوجيًا وسياسيًا. وبناءً عليه، فإن اعتماد عتبة انتخابية مرتفعة، تجعل من "التحالف المكره" أمرًا حتمًّيًا 52، مع كل ما يعنيه ذلك من إمكانية حدوث أزمات داخل الحكومة ومجلس نواب الشعب واستمرار الأزمات السياسية التي يؤمل من العتبة الانتخابية حلّها. في المقابل، رأى المؤيدون أن الغاية من إقرار هذه العتبة هي ترشيد الترشح للانتخابات، وتجميع الأصوات، والحد من التشتت في المجلس، وإيجاد حلّ لأزمة الحكم التي تعانيها البلاد من جرّاء تعدّد الحكومات وعدم استقرارها، وعدم قدرتها على القيام بأي إصلاحات؛ نظرًا إلى عدم قدرة أي كتلة نيابية بمفردها على تمرير مشاريع القوانين الأساسية بالأغلبية المطلقة. وقد كان لعدم فرض عتبة انتخابية في انتخابات المجلس الوطني التأسيسي، بعد ثورة 14 كانون الثاني/ يناير 2011، مبرراته أيضًا؛ ومن بينها توسيع قاعدة المشاركة السياسية أمام كل الأطياف لكتابة دستور توافقي 53. أما في الوقت الراهن، فإن البلاد في حاجة إلى "الغربلة" وتنظيم العمل الحزبي وزيادة ترشيده، وحثّ الأحزاب الصغرى على البحث عن المشترك في ما بينها، ولا سيما أنّ كل تجارب البلدان التي مرت بثورات، تشير إلى حدوث انفجار حزبي في البداية. لكن بعد سنوات، تبدأ الأحزاب والفاعلون السياسيون في التفكير في عقلنة المشهد السياسي والحزبي، وتعتبر العتبة الانتخابية خطوة أولى في هذا الاتجاه لقيام نظام سياسي مستقر 54. على الرغم من الاعتراضات، فإن مجلس نواب الشعب صدّق في 18 حزيران/ يونيو 2019، بأغلبية كبيرة، على تعديل قانون الانتخابات وإدراج عتبة انتخابية بنسبة 3 في المئة في الانتخابات التشريعية (في نوع من الحل الوسط بين عتبة 5 في المئة وغياب العتبة)، وقد شارك في عملية التصويت 172 نائبًا، من إجمالي أعضاء المجلس، البالغ عددهم 217 نائبًا، وحظي مشروع القانون على موافقة 128 نائبًا، بنسبة 4.427 في المئة، واعتراض 03 آخرين، بينما تحفّظ 14 نائبًا عن الإدلاء بأصواتهم 55. لكن رئيس الجمهورية لم يصدّق على قانون الانتخابات المعدل، الأمر الذي جعل الهيئة العليا المستقلة للانتخابات تدعو إلى تطبيق قانون الانتخابات المعتمد في الانتخابات السابقة في إجراء الانتخابات التشريعية في تشرين الأول/ أكتوبر 2019؛ لكون الهيئة لا يمكنها اعتماد قانون الانتخابات المعدل إّل ابعد نشره في الرائد الرسمي . ونتيجةً لما أفرزته الانتخابات التشريعية (التي جرى عرضها في المحور الأول من هذه الدراسة) بشأن عدم تمكّن أي حزب من الأحزاب الكبرى من الحصول على نسبة مريحة مُتّ كّنه من تشكيل الحكومة، تقدمت كتلة حركة النهضة في مجلس نواب الشعب، في 24 كانون الثاني/ يناير 2020، بمقترح تعديل قانون الانتخابات، طالبت فيه بإيجاد عتبة انتخابية بنسبة 5 في المئة؛ بحيث لا تسمح للقوائم الانتخابية التي لا تتخطى هذه العتبة من الحصول على مقاعد في مجلس نواب الشعب . لكن هل كان لنتائج الانتخابات التشريعية أن تكون، جوهرًّيًا، مختلفة لو جرى اعتماد عتبة انتخابية؟ لمعرفة تأثير تطبيق العتبة الانتخابية المحتمل في تمثيل الأحزاب السياسية في مجلس نواب الشعب التونسي، سنقارن بين النتائج الرسمية للانتخابات التشريعية التونسية في عام 2019 والنتائج المحتملة في حالة اعتماد العتبة الانتخابية بنسبة 3 المئة تارةً، ونسبة 5 في المئة تارةً أخرى، مع الاحتفاظ بعناصر النظام الانتخابي المتبقية نفسها، من دون تغيير (طبيعة الدائرة الانتخابية والمقاعد المخصصة لكل واحدة منها، وكيفية احتساب الحاصل الانتخابي، وكيفية توزيع المقاعد المتبقية.) يعرض الجدول)3(معطيات المقارنة لنتائج القوائم الانتخابية الثماني الأولى التي حصلت على مقاعد في الانتخابات التشريعية في عام 2019، والتي أسفرت عن فوز 13 قائمة انتخابية، حزبية ومستقلة. وُتُظهر النتائج أن العتبة الانتخابية بنسبة 3 في المئة لو أنها طُبّقت، لتراجع عدد القوائم الانتخابية الحاصلة على مقاعد في مجلس نواب الشعب إلى 25، وَلَنتج من تطبيقها (التي صدّقها المجلس) ارتفاع عدد مقاعد حركة النهضة إلى 07 مقعدًا، بدلًامن 25 مقعدًا، ما نسبته 2.263 في المئة، وحصول حزب قلب تونس على 47 مقعدًا،
| المقاعد مع عتبة 5 في المئة | املمقاعد مع عتبة 3 في المئة | املمقاعد من دون عتبة انتخابية | املقائمة | |||
|---|---|---|---|---|---|---|
| النسبة المئوية | العدد | النسبة المئوية | العدد | النسبة المئوية | العدد | |
| 37.79 | 82 | 32.26 | 70 | 23.96 | 52 | حركة النهضة |
| 24.42 | 53 | 21.66 | 47 | 17.51 | 38 | قلب تونس |
| 7.37 | 16 | 8.29 | 18 | 10.14 | 22 | التيار الديمقراطي |
| 8.29 | 18 | 8.29 | 18 | 9.68 | 21 | ائتلاف الكرامة |
| 7.83 | 17 | 8.76 | 19 | 7.83 | 17 | الحزب الدستوري الحر |
| 5.07 | 11 | 5.07 | 11 | 6.91 | 15 | حركة الشعب |
| 3.23 | 7 | 4.61 | 10 | 6.45 | 14 | حركة تحيا تونس |
| 0 | 0 | 0.92 | 2 | 1.84 | 4 | حركة مشروع تونس |
| طريقة أكبرر البقايا | طريقة الحاصل الانتخابي | المقاعد | ||
|---|---|---|---|---|
| النسبة المئوية | العدد | النسبة المئوية | العدد | |
| 76.04 | 165 | 23.96 | 52 | المقاعد من دون عتبة انتخابية |
| 50.69 | 110 | 49.31 | 107 | المقاعد مع عتبة 3 في المئة |
| 35.48 | 77 | 64.52 | 140 | المقاعد مع عتبة 5 في المئة |
بدلًامن 83 مقعدًا، ما نسبته 21.66 في المئة، أي إنهما سيحصلان معًا على 117 مقعدًا، بدلًامن 90 مقعدًا، ما نسبته 9253. في المئة؛ الأمر الذي كان من الممكن أن يسمح (على الأقل من الناحية العددية) بإمكانية تشكيل حكومة تقتصر على حزبين بدلًامن عدة أحزاب. كان تقليل عدد القوائم الانتخابية في المجلس سيحصل أيضًا في حال اختيار عتبة انتخابية تساوي 5 في المئة. وحينئذ، يتراجع عدد القوائم الانتخابية الحاصلة على مقاعد في المجلس من 13 إلى 18 قائمة، مع ارتفاع عدد مقاعد حركة النهضة إلى 82 مقعدًا، بدلًامن 25 مقعدًا، الجدول)3(أثر العتبة الانتخابية في نتائج انتخابات مجلس نواب الشعب عام 2019
الجدول)4(أثر العتبة الانتخابية في توزيع مقاعد مجلس نواب الشعب على القوائم الانتخابية بطريقَتَي الحاصل الانتخابي وأكبرر البقايا
ما نسبته 937.7 في المئة، وحصول حزب قلب تونس على 53 مقعدًا، بدلًامن 83 مقعدًا، ما نسبته 24.42 في المئة، أي إنهما سيحصلان معًا على 135 مقعدًا، بدلًامن 90 مقعدًا، ما نسبته 2.216 في المئة. وهذا الأمر يسمح، مرة أخرى، بإمكانية تشكيل حكومة ائتلافية مستقرة، على الأقل من الناحية العددية. وحتى إن رفض الحزب الفائز بالمرتبة الثانية المشاركة في الحكومة، فإن الحزب الفائز بالمرتبة الأولى يمكنه التحالف مع كتل نيابية أخرى أقل عددًا من أجل تشكيل الحكومة وَنَيل الثقة، على عكس حالة غياب عتبة انتخابية؛ إذ يجد الحزب
الفائز بالمرتبة الأولى نفسه مضطرًا إلى التحالف مع عدد كبير من الكتل النيابية إن أراد تشكيل الحكومة وَنَيل الثقة. إن أحد العوامل التي تؤدي إلى تقليل عدد القوائم الانتخابية التي تنجح في الفوز بمقاعد برلمانية، عند اعتماد عتبة انتخابية، هو تأثير الأخيرة في نسبة المقاعد التي توزّع بين القوائم المترشحة من خلال طريقة الحاصل الانتخابي، في مقابل تلك التي يتم توزيعها من خلال طريقة أكبر البقايا، فالطريقة الأولى، هي الطريقة الأساسية لتوزيع المقاعد، بينما الطريقة الثانية، هي طريقة تكميلية، تستخدم في حال وجود مقاعد متبقية لم يتم توزيعها وفقًا للطريقة الأولى. فكما بّي ن الجدول 4()؛ كلما ارتفعت العتبة الانتخابية من 0 في المئة (غياب العتبة) إلى 3 في المئة، فإلى 5 في المئة، ازداد عدد المقاعد التي توزع بين القوائم الانتخابية على أساس طريقة الحاصل الانتخابي، في مقابل تناقص تلك التي يتم توزيعها على أساس طريقة أكبر البقايا داخل كل دائرة انتخابية. عمليًا، هذا يعني أن توزيع المقاعد بين القوائم المترشحة، مع اعتماد عتبة انتخابية، يؤدي على نحو تلقائي إلى تقليل احتمال حصول القوائم الانتخابية التي لم يصل مجموع أصواتها المتحصل عليها داخل الدائرة الانتخابية إلى مستوى الحاصل الانتخابي. يتضح مما سبق أن اعتماد عتبة انتخابية في الانتخابات التشريعية التونسية في عام 2019، كان سيؤدي فعليًا إلى الحد، ولو نسبيًا، من مستوى تشتت المشهد في مجلس نواب الشعب الذي عرفه المجلس منذ عام 2011. وقد بلغ التشتت في المجلس المنبثق من انتخابات عام 2019 مستويات غير مسبوقة في تاريخ الديمقراطية التونسية الفتيّة؛ ما جعل تونس تنغمس في أزمة حكومية جديدة لم تعرفها من قبل، على اعتبار أنها على خلاف سابقاتها التي أعقبت انتخابات المجلس الوطني التأسيسي في عام 2011، ومجلس نواب الشعب في عام 2014، لم تعرف طريقها إلى التوافقات (التي كانت تبقى دائمًا مؤقتة، وفي أحيان كثيرة مجرد تأجيل للأزمة)؛ ذلك أنّ الفرقاء السياسيين كانوا يتمكّنون من التوصل إليها، وإن بعد مساومات ومشاحنات حادة. وهذا الأمر قد أدّى في نهاية المطاف إلى منعطف 25 تموز/ يوليو 2021، وقد حلّ بعده الرئيس التونسي قيس سعيّد مجلس نواب الشعب، واحتكر سلطاته الدستورية؛ مثلما يتبّي نذلك على نحو مفصّل في مراجعة كتاب "الانتخابات التشريعية والرئاسية " في تونس عام.2019
خاتمة
وقفنا في محاور هذه الدراسة عند تأثير نتائج الانتخابات التشريعية في العملية السياسية في تونس بين عاَمَي 2011 (تاريخ سقوط نظام الرئيس زين العابدين بن علي) و 2021 (تاريخ حلّ الرئيس قيس سعيّد مجلس نواب الشعب المنبثق من انتخابات عام 2019)، وقد حاججنا بأنه كان لها تأثير سلبي في العملية السياسية برمّتها. إن تلك النتائج لا يمكن فصلها عن طبيعة النظام الانتخابي الذي اعتمدته تونس طوال أكثر من 10 سنوات، المتمثل في النظام الانتخابي النسبي الذي تُوزّع فيه المقاعد البرلمانية بين القوائم الانتخابية المترشحة داخل كل دائرة انتخابية على أساس طريقة الحاصل الانتخابي بداية، ثم بطريقة أكبر البقايا، فضلًاعن غياب أي عتبة انتخابية. وقد ترتّب على هذا الأمر عدم استقرار حكومي يمكن وصفه ب "الهيكلي"، وغياب الفاعلية عن الدور التشريعي والانتخابي لمجلس نواب الشعب. فقد شهدت تونس خلال الفترة المدروسة تعاقب سبع حكومات منذ انتخاب المجلس الوطني التأسيسي في عام 2011، غاب عنها كلها الاستقرار؛ إذ لم تتم أي واحدة منها دورة نيابية كاملة. فبعد أول دورة انتخابية تشريعية في عام 2011، عرفت البلاد ثلاث حكومات، هي: حكومتان ائتلافيتان، وحكومة مستقلة. وبعد ثاني دورة انتخابية في عام 2014، شهدت البلاد حكومتين ائتلافيتين. أما بعد ثالث دورة انتخابية في عام 2019، فقد شهدت البلاد ثلاث حكومات في عام واحد؛ منها واحدة منها لم تنل ثقة البرلمان، وحكومتان حصلتا على ثقة البرلمان، إحداهما كانت ائتلافية، والثانية من المستقلين. كما شهد مجلس نواب الشعب تعطّلًاملحوظًا لدوره التشريعي والانتخابي، وخاصةً فيما يتعلق بإصدار قوانين الهيئات الدستورية المستقلة، وفيما يتعلق باختيار أعضاء تلك الهيئات، الأمر الذي أوجد فراغًا مؤسساتيًا لمؤسسات جاء على ذكرها الدستور التونسي، وحدد الآجال اللازمة لإنشائها. بيّنا في هذه الدراسة، كذلك، أنه لو جرى اعتماد عتبة انتخابية 3(أو 5 في المئة) في الانتخابات التشريعية في عام 2019، لكان ترتّب على ذلك مشهد نيابي أقل تشتتًا. أخيرًا، يبقى السؤال: هل كان هذا الأمر كافيًا ليمنع وقوع تونس في تلك الأزمة الحكومية والسياسية التي أدت في الحصيلة إلى تعطيل المنظومة النيابية الناتجة من ثورة الياسمين برمتها؟ يصعب الجزم بذلك، لأن المضيّ في مثل هذا، ادّعاء لا يمكن أن يتم من دون أن يقع الباحث في نوع من "الخيال السياسي" Fiction Political، على اعتبار أنه يدخل في إطار الفرضيات التي لا يمكن إثباتها ولا دحضها علميًا. يضاف إلى ذلك أن التفسير السببي بمتغير واحد قَّلمَا يكون رصينًا؛ بالنظر إلى أنه لا يمكن تجاهل التراكم في الممارسة - أو حتى الثقافة
السياسية للنخب - الذي خلّفته تقريبًا 10 سنوات من المناكفات والمشاحنات، بل حتى الصراعات الحامية في المشهد السياسي التونسي داخل مجلس نواب الشعب وخارجه. وحتى إن كان لا يمكن فصل الصراعات عن التشتت في مجلس نواب الشعب الذي أنتجه النظام الانتخابي، فليس هناك ضمانة من أن مجرد تغيير النظام الانتخابي الذي كان له دور حاسم في خلق ذلك التشتت سيؤدي على نحو تلقائي إلى اختفائه، على الأقل في المدى القصير.
المراجع
التائب، عائشة. "الترويكا الحاكمة في تونس: حصاد العام بين صعوبات الممارسة وجسامة التحديات." سياسات عربية. مج 1، العدد 1 (آذار/ مارس.)2013 الجمعاوي، أنور. "الحكومة الائتلافية في تونس: قراءة في الملامح سياسات عربية. مج 3، العدد والتداعيات والتحديات." 13 (آذار/ مارس.)2015 ____.___ "المشهد السياسي في تونس: الدرب الطويل نحو التوافق." سياسات عربية. مج 2، العدد 6 (كانون الثاني/ يناير.)2014 سياسات عربية. مج ____.___ "تونس: العبور إلى الديمقراطية." 2، العدد 7 (آذار/ مارس.)2014 الجمهورية التونسية. دستور الجمهورية التونسية. شباط/ فبراير.2014 رينولدز، أندرو [وآخرون.] أشكال الُنُظم الانتخابية. ترجمة أيمن أيوب. ط 2. السويد: المؤسسة الدولية للديمقراطية والانتخابات،.2010 العلي، زيد. "دستور تونس الجديد: تحليل سياقي." سياسات عربية. مج 4، العدد 18 (كانون الثاني/ يناير.)2016 نويرة، أسماء [وآخرون.] الانتخابات التشريعية والرئاسية في تونس عام 2019: الحقل السياسي والسلوك الانتخابي وحراك النخب. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2022