انتخابات المؤتمر الوطني العام في ليبيا عام 2012: قراءة في ديناميات الانتخابات وتداعياتها

Ali Bin Musa علي بن موسى |

الملخّص

This paper examines the 2012 General National Congress (GNC) elections in Libya, analyzing their implications and the interpretations that framed them as a victory for the liberal bloc (the National Forces Alliance) over the Islamist faction (the Justice and Construction Party and its allies). The paper reveals that this interpretation lacks accuracy, highlighting that a significant number of winning independent candidates were affiliated with Islamist movements. It also argues that Islamists later succeeded in consolidating their control within the GNC, leveraging their alliances to pass laws that excluded their political opponents. These elections marked a turning point in Libya after the overthrow of Gaddafi, representing the country's first democratic experiment in building a new political system despite the challenges inherited from the previous era. The paper examines the electoral system, key competitors, election results, and internal conflicts within the GNC, concluding that Islamist dominance after 2012 challenges the idea of a liberal victory. Keywords: Libya, The 2012 General National Congress Election, The National Forces Alliance, The Justice and Construction Party.

The 2012 General National Congress Elections in Libya: An Analysis of Electoral Dynamics and Implications

تتناول هذه الدراسة انتخابات المؤتمر الوطني العام الليبي لعام 2012، وتحلل تداعياتها والتأويلات التي اعتبرتها انتصارًا للتيار الليبرالي (تحالف القوى الوطنية) على التيار الإسلامي (حزب العدالة والبناء وحلفاؤه.) تكشف الدراسة أن هذا التأويل يعوزه الدقة، حيث توضح أن عددًا كبيرًا من المستقلين الفائزين كانوا مرتبطين بالتيارات الإسلامية. كما تجادل بأن التيار الإسلامي نجح لاحقًا في فرض سيطرته داخل المؤتمر، مستفيدًا من تحالفاته لتمرير قوانين أقصت خصومه السياسيين. وتعد هذه الانتخابات نقطة تحول في ليبيا بعد إطاحة القذافي، حيث مثلت أول تجربة ديمقراطية لبناء نظام سياسي جديد رغم التحديات الموروثة عن الحقبة السابقة. ت بنى الدراسة على أربعة مباحث تناقش النظام الانتخابي، والقوى المتنافسة، ونتائج الانتخابات، وديناميات الصراع داخل المؤتمر، لتنتهي إلى أن الهيمنة السياسية للإسلاميين بعد 2012 تضعف فرضية انتصار الليبراليين. كلمات مفتاحية: ليبيا، انتخابات المؤتمر الوطني 2012، تحالف القوى الوطنية، حزب العدالة والبناء.

مقدمة

عقب سقوط نظام معمّر القذافي 2011-1969()، نتيجة انتفاضة شعبية اندلعت في شباط/ فبراير 2011، وتحوّلت سريعًا إلى تمرد مسلّح مدعوم بغارات جوية لحلف شمال الأطلسي "الناتو"، أدّت إلى انهيار أركانه كليّا، في تشرين الأول/ أكتوبر 2011؛ بدت ليبيا كأنها تدخل في مرحلة الانتقال نحو نظام ديمقراطي، برز أول ملامحه مع الإعلان الدستوري الصادر عن المجلس الوطني الانتقالي في آب/ أغسطس 2011 الذي أعقب تأسيس المجلس الوطني الانتقالي في شباط/ فبراير 2011 بناء على التوافق بين المجالس البلدية في المناطق "المحررة" من حكم القذافي، برئاسة وزير العدل السابق مصطفى عبد الجليل 1. حددت المادة 03 من الإعلان الدستوري ما يمكن اعتباره خريطة الطريق السياسية التي من المفترض أن تصل بالبلاد إلى عقد انتخابات عامة، وصياغة دستور جديد، حيث نصّت هذه المادة على: أنه "بعد إعلان التحرير، ينتقل المجلس الوطني الانتقالي المؤقت إلى مركزه الرئيسي بطرابلس، ويشكل حكومة انتقالية خلال مدة أقصاها ثلاثون يومًا، وخلال مدة لا تتجاوز تسعين يومًا من إعلان التحرير، يقوم المجلس بالآتي: أولًا، إصدار قانون خاص بانتخاب المؤتمر الوطني العام. ثانيًا، تعيين المفوضية الوطنية العليا للانتخابات. ثالثًا، الدعوة إلى انتخاب المؤتمر الوطني العام" 2. عانى المجلس الانتقالي الضعف والتخبّط الإداري لطبيعة الظروف التي نشأ فيها، والضغوط المتواصلة التي تمارسها عليه التشكيلات الثورية المسلّحة والقوى الاجتماعية المحلية المختلفة 3؛ ما دفعه إلى تعديل الإعلان الدستوري مرات عدة. من أبرز تلك التعديلات: أولًا، تعديل 13 آذار/ مارس 2012 4، الذي تم بموجبه إنشاء لجنة مستقلة، تتألف من ستين عضوًا، لصياغة الدستور، بدلًامن تعيينها بوساطة المجلس التأسيسي الذي كان سيشكله المؤتمر الوطني العام بعد انتخابه. ثانيًا، قيام المجلس الانتقالي، تحت ضغوط بعض القوى السياسية والاجتماعية في شرق البلاد المؤيدة لقيام نظام فدرالي - هذه القوى التي هدّدت بالاستقلال أو الإعلان عن حكم ذاتي - بتعديل دستوري آخر في 5 تموز/ 5يوليو 2012، قُسّمت فيه المقاعد المخصّصة للجنة صياغة الدستور بالتساوي بين الأقاليم الليبية التاريخية الثلاثة (طرابلس، وبرقة، وفزّان) 6. كما اشترط التعديل الجديد انتخاب اللجنة بالاقتراع المباشر، بدلًامن أن ينصّبها المؤتمر الوطني العام، كما كان مُقررًا. على الرغم من كل هذه الصعوبات، فإن السلطات الانتقالية نجحت في تهيئة الأجواء اللازمة لتنظيم ليبيا، أول مرة في تاريخها الحديث، انتخابات وُصفت بالحرة والنزيهة 7، لاختيار أعضاء المؤتمر الوطني العام، وذلك في 7 تموز/ يوليو 2012، بعد انقطاع دام نصف قرن تقريبًا  8، حتى وإن تخلّلت مرحلة ما قبل الانتخابات بعض المشكلات الأمنية والمناكفات السياسية. أسفرت نتائج انتخابات المؤتمر الوطني العام عن جسم سياسي مُشكّل من عدد من الأطراف السياسية المختلفة، ضمّت كلًا من تحالف القوى الوطنية بقيادة محمود جبريل  9، الفائز بغالبية المقاعد المتاحة للكيانات السياسية 3 9(مقعدًا من أصل 80)، يليه حزب العدالة والبناء (الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين الليبية ب 17 مقعدًا)، فمجموعة من

  1. Ali Abdullatif Ahmida, "The Libyan National Transitional Council: Social Bases, Membership and Political Trends," Reports , Al Jazeera Center for Studies, 30/10/2011, pp. 4-5, accessed on 23/6/2023, at: https://tinyurl.com/yrpha5z9
  2. المجلس الوطني الانتقالي المؤقت، "الإعلان الدستوري"،  2 الجريدة الرسمية  ، 2011/8/3، شوهد في 2023/10/20، في https://rb.gy/o25cmw:
  3. Melissa Salyk-Virk, "Airstrikes, Proxy Warfare, and Civilian Casualties in Libya," New America (2020), p. 18.
  4. 4  المجلس الوطني الانتقالي المؤقت، "التعديل الدستوري رقم 1() لسنة 2012 بشأن تعديل بعض فقرات المادة 0()3 من الإعلان الدستوري"، 2012/3/13، شوهد في 2023/10/21، فh يttps://bit.ly/3MapubO:
  5. 5  المجلس الوطني الانتقالي المؤقت، "التعديل الدستوري رقم)3(لسنة 2012 م"، 2012/7/5، شوهد في 2023/10/21، في https://bit.ly/402uNzT:
  6. 6  تتألف ليبيا من ثلاث مناطق تاريخية - طرابلس في الشمال الغربي، وبرقة في الشرق، وفزّان في الجنوب الغربي. اعترفت السلطات العثمانية بها مقاطعات منفصلة. جرى توحيدها تحت الحكم الإيطالي، لتشكل مستعمرة واحدة؛ ما أفسح المجال لتشكيل ليبيا المستقلة دولةً موحدة بعد انتصار قوات الحلفاء وطرد إيطاليا.
  7. 7  ينظر:  European Union Election Assessment Team in Libya, Final Report: General National Congress Election – 2012 (7/7/2012), accessed on 22/10/2023, at: https://shorturl.at/aowZ6
  8. 8  للمزيد حول تاريخ الانتخابات في ليبيا، ينظر: عابدين الدردير الشريف وراضية محمد المعداني، تاريخ الانتخابات في ليبيا 2014-1877 م (طرابلس، ليبيا: الهيئة العامة للثقافة،.) تجدر الإشارة هنا إلى أن آخر انتخابات رسمية أ 2019 جريت في ليبيا، كانت الانتخابات العامة المبكرة في 8 أيار/ مايو 1965، بعد أن حَل الملك إدريس الأول البرلمان السابق المنتخب في عام 1964. وُعُرف عن العملية الانتخابية في فترة المملكة السنوسية 1969-1951() افتقارها إلى النزاهة والشفافية. ينظر أيضًا:  Dieter Nohlen, Michael Krennerich & Bernhard Thibaut, Elections in Africa: A Data Handbook (Oxford: Oxford University Press, 1999), pp. 523-531.
  9. 9  محمود جبريل   2020-1952()، سياسي ليبي معارض، كان عضوًا في المجلس الوطني الانتقالي لإسقاط نظام القذافي منذ 5 آذار/ مارس 2011، شغل منصب أمين مجلس التخطيط الوطني ومدير مجلس التطوير الاقتصادي في عهد القذافي. بعد أحداث عام 2011 أنشأ تنظيمًاسياسيًا عُرف بتحالف القوى الوطنية. وشغل منصب رئيس وزراء ليبيا 5(آذار/ مارس 2011 – 23 تشرين الأول/ أكتوبر.)2011

الأحزاب الصغيرة، بتوجهات متعدّدة 24(مقعدًا)، في حين فاز 120 عضوًا بالمقاعد المخصّصة للمستقلين  10. تحوّل المؤتمر الوطني العام، الوليد، بسرعة إلى ساحة للاستقطاب السياسي الحاد الذي وصل إلى ذروته، بعد صدور قانون العزل السياسي، في أيار/ مايو 2013، الذي كان يهدف إلى حظر النشاط السياسي للأشخاص الذين شغلوا مناصب مدنية أو عسكرية بارزة في النظام السابق  11. اعُتبُر هذا القانون نقطة سلبية في مسار عملية الانتقال الديمقراطي في ليبيا، وعودة إلى الدكتاتورية باسم الثورة، علاوة على أن تطبيقه يعني عمليًا إفراغ البلاد من عدد معتبر من خبراتها وكفاءاتها. وبحلول عام 2014، أخذ المشهد السياسي الليبي ينهار شيئًا فشيئًا، خاصة بعد إعلان المؤتمر الوطني تمديد ولايته المنتهية في شباط/ فبراير 2014، ورفضه الاعتراف بشرعية مجلس النواب الُمُنتخب في 25 حزيران/ يونيو من العام نفسه، بعدما جاءت نتيجة انتخاباته "ظاهريًا" في غير مصلحة التيار الإسلامي وحلفائه الذين باتوا يسيطرون بصفة شبه كلية على المؤتمر الوطني العام  12. فكيف تحوّل المؤتمر الوطني العام، الذي قيل عنه إن الليبراليين فازوا في انتخاباته، إلى سيطرة التيار الإسلامي؟ وهل حقًا التيار الليبرالي هو الذي فاز أصلًافي انتخابات المؤتمر الوطني في عام 2012؟ من هذا المنطلق، تعود هذه الدراسة إلى التأويلات التي تبنّاها بعض المراقبين والمحللين السياسيين لنتائج انتخابات المؤتمر الوطني العام الليبي في عام 2012، باعتبارها انتصارًا واضحًا للتيار الذي وصف بالليبرالي (ممثلًا في تحالف القوى الوطنية) على التيار الإسلامي (بقيادة حزب العدالة والبناء وحلفائه من السلفيين) لتجادل في صحتها، حيث نحاج في هذا البحث بأن تأويل نتائج انتخابات المؤتمر الوطني، باعتبارها انتصارًا لليبراليين على الإسلاميين، أمر تعوزه الدقة لأسباب عدة، أبرزها: أولًا، إن عدم فوز التيارات الإسلامية بغالبية المقاعد في القوائم الحزبية لا يعني أن تيارات ليبرالية أو علمانية، بالمعنى الأيديولوجي - السياسي هي التي فازت بها؛ إذ تجوهلت حقيقة أن العدد الأكبر من المرشحين "المستقلين"، الفائزين 120(من أصل 212) في المقاعد الفردية، قد ارتبط بالتيارات الإسلامية في فترة ما قبل الانتخابات، أو تمت استمالته لاحقًا في الكتل البرلمانية التابعة للإسلاميين. وهو ما جعل من إجمالي المقاعد التي حصلت عليها التيارات الإسلامية وحلفاؤها مساويةً لعدد المقاعد التي فاز بها تحالف القوى الوطنية والمستقلون المرتبطون به، إن لم تزد عليها. ثانيًا، إذا كان الليبراليون هم حقًا من فازوا في الانتخابات، فكيف يمكن تفسير تمكّن الإسلاميين من تمرير القوانين التي صبّت على نحٍوٍ صريح في مصلحة إقصاء قيادات تحالف القوى الوطنية من العملية السياسية (كالقرار رقم 7 وقانون العزل السياسي)، وتقويض أهداف التحالف داخل المؤتمر. لتحقيق هذا الهدف، سُنُهيكل هذه الدراسة في أربعة مباحث. يبحث الأول في الفترة التمهيدية لانتخابات المؤتمر الوطني العام جريت في تموز/ يوليو التي أ 2012، بالوقوف على طبيعة النظام الانتخابي الذي أ جريت وفقه والحيثيات التي أحاطت باعتماد الحكومة الانتقالية نظامًا انتخابيًا مزدوجًا. في حين يُعرّف المبحث الثاني بالأطراف الأساسية للتنافس الانتخابي التي ستتمكن من الفوز بمقاعد داخل المؤتمر الوطني العام، خصوصًا من حيث تركيبتها وخلفيتها الاجتماعية والأيديولوجية وطبيعة علاقتها بالنظام السابق. أما المبحث الثالث، فسيعرض نتائج الانتخابات، ويجادل في صحة التأويلات التي دفعت بفوز من وُصفوا ب "الليبراليين"، بالوقوف على فئة المستقلين التي أحرزت غالبية مقاعد المؤتمر الوطني؛ هذه الفئة التي سُنُبّي نأن نسبة كبيرة منها محسوبة على التيارات الإسلامية. وسُيُفصّل المبحث الرابع القول في ديناميات الصراع داخل المؤتمر الوطني، وكيفية تمُّكُن التيار الإسلامي وحلفائه من الهيمنة على المؤتمر الوطني العام بحلول عام 2014؛ مما يسائل أطروحة فوز التيار الليبرالي في الانتخابات الليبية في عام 2012.

أولًا: التمهيد لانتخابات المؤتمر الوطني العام

جاءت انتخابات المؤتمر الوطني العام، في 7 تموز/ يوليو 2012، جزءًا من الإعلان الدستوري الذي أعلنه المجلس الوطني الانتقالي، الذي أ في آب/ أغسطس 2011 ضيفت إليه لاحقًا ثلاثة تعديلات دستورية، يتعلّق معظمها بانتخابات المؤتمر الوطني العام، حيث نقل التعديل الأول، الصادر في 3 آذار/ مارس 2012، صلاحية التصديق على نتائج الانتخابات من المؤتمر الوطني إلى المفوضية الوطنية العليا

  1. 10  على الرغم من غياب محتوى أيديولوجي واضح لدى تحالف القوى الوطنية الموصوف بالليبرالي تارةً، وبالقومي تارةً أخرى، فإن الخلفية الأيديولوجية تبدو أكثر وضوحًا بالنسبة إلى التيار الإسلامي الذي يقوده حزب العدالة والبناء وحلفاؤه من السلفيين، والشخصيات الدينية الأخرى. ينظر: Karim Mezran, Fadel Lamen & Eric Knecht, "Post-revolutionary Politics in Libya: Inside the General National Congress," Atlantic Council, 21/5/2013, p. 1.
  2. 11 وُِّسَِعَ الحظر لاحقًا ليشمل أي فرد حصل على عضوية منظّمة أو عِمِل ضمن المؤسسات الرسمية في عهد القذّافي.
  3. 12  نتج من هذا الوضع أزمة شرعية، تحوّلت إلى حرب أهلية شاملة وانقسام سياسي وإداري على مستوى الدولة الليبية ككل، حيث ظهر برلمانان وحكومتان متوازيتان، إحداهما في طبرق، شرق ليبيا، والأخرى في العاصمة طرابلس، لكل منهما أذرعها العسكرية وحلفاؤها الخارجيون.

للانتخابات  13. في حين حدّد التعديل الثاني، الصادر في 10 حزيران/ يونيو 2012، موعد الانتخابات، لُتُعقد بعد 270 يومًا من إعلان "التحرير"، بعد أن كان من المفترض أن تُعقد بعد 240 يومًا. ثمّ قام المجلس الانتقالي بالتعديل الثالث، في 5 تموز/ يوليو 2012، الذي قام على إلغاء قراره (المجلس) المرتبط بمنح المؤتمر الوطني الحق في تعيين أعضاء الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور واستبدله باختيار أعضاء هذه الهيئة عن طريق الاقتراع المباشر من المواطنين، حيث أصبح دور المؤتمر مقتصرًا على تحديد معايير انتخابات الهيئة وضوابطها  14. تأثرت أجواء ما قبل الانتخابات بنوع التغيير الذي شهدته ليبيا بعد سقوط نظام القذافي؛ إذ أ عيد تشكيل الخريطة السياسية بطريقة راديكالية صبّت في مصلحة العديد من القوى المحلّية اللامركزية (المجالس المحلّية المناطقية والميليشيات المسلّحة بانتماءاتها المختلفة، بما فيها الجماعات الجهادية، والتيارات الفدرالية) التي شُكّلت خلال الحرب ضد القذافي، ثم تحوّلت، بالتدرّج، إلى قوى تُطالب علنًا بحصة من الريع، وتسعى لاختبار قدرتها على إرباك المشهد السياسي، بما يضمن مصالحها المادية، في ظل وجود سلطة مركزية انتقالية ضعيفة ومتّبعة سياسة التهدئة مع مختلف الأطراف؛ ما عرقل مسار العملية السياسية وأعاق إعادة بناء مؤسسات الدولة  15. تجلّت سياسة التهدئة التي اتّبعها المجلس الوطني الانتقالي، نتيجة الضغط الممارس عليه، في تعديلاته المتكرّرة للنظام الانتخابي الُمُقترح لانتخاب المؤتمر الوطني العام. فعلى سبيل المثال، قرّر المجلس بعد انتقاد بعض التيارات الإسلامية للكوتا النسائية، إلغاء مقترحه المتعلّق بتخصيص 10 في المئة من المقاعد للنساء في المؤتمر الوطني، على أن تضم القوائم الحزبية مرشّحين من النساء والرجال بالتناوب  16. كذلك، أصبحت مسألة المقاعد المخصصة للمستقلين والقوائم الحزبية موضَعَ إرباٍكٍ بالنسبة إلى المجلس الانتقالي؛ حيث يفيد جيسون باك وهيلي كوك أن جماعة الإخوان المسلمين الليبية فضّ لت زيادة عدد المقاعد المخصّصة للأحزاب، اعتقادًا منها أنها قادرة على تعظيم فرصها بالفوز بأكبر عدد ممكن من المقاعد عن طريق القوائم الحزبية، في حين اعتبرت الأطراف المناوئة للإسلاميين أن تخصيص العدد الأكبر من المقاعد للأحزاب يعني فوز الإسلاميين في الانتخابات المقبلة  17. في هذا الصدد، حذّر أعضاء اثني عشر حزبًا من ذوي الميول الإسلامية، اجتمعوا في ما عُرف بمنتدى الأحزاب الوطنية، من أنه في حال خُصّصت نسبة قليلة من المقاعد للأحزاب، فإن غالبية المقاعد ستذهب إلى مرشّحين من خلفيات قبلية. ومن ثمّ، سُيُهيمن مرشحو القبائل الأكبر على كل المقاعد في المؤتمر الوطني العام. وأصدر أعضاء هذه الأحزاب (من ذوي الميول الإسلامية) بيانًا ختاميًا، أعلنوا فيه أن "النظام الانتخابي المقترح لا يؤدّي إلى تمثيل حقيقي لقطاعات المجتمع كافة، بل سينتج منه تمثيل تطغى عليه الاعتبارات القبلية وتأثير أصحاب المال" 18. يمكن فهم تأييد غالبية تيارات الإسلام السياسي الليبية لزيادة عدد المقاعد المخصّصة للأحزاب، ومعارضتها سنّ سياسات انتخابية تعتبرها داعمة للقوى القبلية أو الجهوية أو الإثنية، لسببين: أولًا، أيديولوجي - هوياتي، متعلّق بالتأكيد على وحدة "الأمة" التي ينبغي لها أن تكون عابرة للانتماءات القبلية والجهوية والإثنية  19؛ ثانيًا، وظيفي، اعتقدت من خلاله التيارات الإسلامية أنها، بقدراتها التنظيمية وخطابها، ستتمكّن من تعبئة الشارع الليبي وحشده ليصوّت لها في الانتخابات؛ نظرًا إلى المكانة التي يحظى بها الإسلام بين الليبيين. في المقابل، اعتبرت الأطراف المتخوّفة من فوز حركات الإسلام السياسي، التي لم تكن قد شكّلت كيانات حزبية أو هيئات سياسية منظّمة بعد، أن من شأن تخصيص غالبية المقاعد للقوائم الحزبية أن يؤدي إلى سيطرة إسلامية محتملة على أجهزة النظام السياسي الجديد في لبيبا  20. من هنا، ظل هذا التنافس المحتدم بين الإسلاميين وخصومهم قائمًا، ووصلت سياسة التهدئة التي اتّبعها المجلس الوطني الانتقالي، استجابة لضغوط القوى المحلّية اللامركزية وبعض التشكيلات الثورية المسلّحة التي باتت تتهم علانية قيادات المجلس بالتآمر على "الثورة" وتهميش "الثوار" ومدنهم، إلى حد إصدار المجلس، في نيسان/ أبريل

  1. 13  ينظر: المجلس الوطني الانتقالي المؤقت، "التعديل الدستوري رقم 1() لسنة 2012 بشأن تعديل بعض فقرات المادة 0()3 من الإعلان الدستوري"، 2012/3/13، شوهد في 2024/8/18، في https://bit.ly/3xGfKSy:
  2. 14  لمزيد من التفاصيل حول الأطر القانونية لانتخاب المؤتمر الوطني العام، ينظر: خيري عمر، "النظام الانتخابي وأزمات المرحلة الانتقالية في ليبيا"، في: ليبيا: تحديات الانتقال الديمقراطي وأزمة بناء الدولة، أحمد قاسم حسين (محرر) (الدوحة/ بيروت: المركز العربي
  3. Jason Pack, Karim Mezran & Mohamed Eljarh, "Libya's Faustian
  4. Libya's NTC Adopts Election Law, Drops Women Quota," Alarabiya News , 28/1/2012, accessed on 21/10/2023, at: https://bit.ly/3tJ3K0B
  5. Jason Pack & Haley Cook, "The July 2012 Libyan Election and the Origin of Post-Qadhafi Appeasement," Middle East Journal , vol. 69, no. 2 (Spring 2015), p. 183. 18  Taha Zargoun & Oliver Holmes, "Libyan Parties Reject Draft Election Law," Reuters , 15/1/2022, accessed on 21/10/2023, at: https://reut.rs/45Ipc35 19  Pack & Cook, p. 183.
  6. للأبحاث ودراسة السياسات، 2022)، ص.90-87
  7. Bargains: Breaking the Appeasement Cycle," Atlantic Council (May 2014), pp. 18-19.
  8. Youssef Mohammed Sawani, "Dynamics of Continuity and Change," in: Jason Pack (ed.), The 2011 Libyan Uprisings and the Struggle for the Post Qadhafi Future (New York: Palgrave Macmillan, 2013), p. 65.

2012، قانونًا شكّل بموجبه ما يُعرف بهيئة النزاهة. والغرض منه هو منع مسؤولي النظام السابق من الترشّح للانتخابات  21، أ ضيف إليهم أعضاء المجلس الانتقالي نفسه، وأعضاء مكتبه التنفيذي ورؤساء المجالس المحلية، وأعضاء المفوضية الوطنية العليا للانتخابات وموظفوها في الدوائر الانتخابية المختلفة. بعد فترة وجيزة، بدأت هيئة النزاهة بممارسة سلطتها، وُطُرد وكيل وزارة الصحة السابق عادل أبو شوفة وسفير ليبيا في روما سابقًا، عبد الحفيظ قدّور، من منصبيهما. وُأ قيَلَ المهدي صالح الجربي (عضو البعثة الليبية في الأمم المتحدة.) ولم يمض الكثير من الوقت، حتى وجّهت الهيئة أنظارها صوب المجلس الانتقالي نفسه، وأقالت عددًا من أعضائه (عبد القادر المنساز ممثل مدينة الخمس، وإبراهيم الحضيري العضو عن مدينة سبها، ومحمد رمضان سيدي ممثل غات، وعلي توفيق الشتوي عن طرابلس الكبرى) 22. ويقدّر عدد الذين استبعدتهم الهيئة من الترشّح لانتخابات المؤتمر الوطني العام بنحو 003 شخص 23. في ظل استمرار سياسة التهدئة (أو المهادنة) الُمُتّبعة من المجلس علن في 6 تموز/ يوليو الانتقالي، أ 2012، عن تعديل دستوري جديد للمادة 30 24، بسبب مخاوف من إفشال العملية الانتخابية برمّتها، بعد أن حاولت بعض الأطراف المحسوبة على القوى الفدرالية، في شرق البلاد  25، وقف العملية الانتخابية بتخريبها عددًا من المكاتب الانتخابية في مدينَتَي طبرق وبنغازي  26، كما أُحرقت مستودعات تضم بعض المواد اللوجستية والتجهيزات الخاصة بصناديق الاقتراع في مدينة إجدابيا  27، إضافة إلى إغلاق مسلّحين تابعين لمجلس إقليم برقة خمسة صّم امات نفطية  28. وعلى الرغم من تجاهل المجلس الانتقالي في السابق مطالب القوى الفدرالية، في خصوص توزيع مقاعد المؤتمر الوطني العام بالتساوي بين أقاليم ليبيا الثلاثة في البداية، فإن حرصه على إنجاح العملية الانتخابية دفعه، في النهاية، إلى تعديل الإعلان الدستوري  29 والحفاظ على سلامة العملية الانتخابية التي لم تتجاوز نسبة الخروق فيها داخل مراكز الاقتراع ال 6 في المئة، من أصل 1500 مركز انتخابي  30. قُسّمت المقاعد الانتخابية: أولًا، استنادًا إلى التعداد السكاني لليبيا في عام 2006، حيث بلغ عددهم 5.3 ملايين نسمة، بحيث يكون لكل 27000 مواطن مقعٌدٌ واحٌدٌ؛ ثانيًا، بحسب التوزيع الجغرافي وفقًا لأربع مناطق، حصلت بموجبها المنطقة الغربية على 100 مقعد، والشرقية 06، والجنوبية 13، والوسطى 9 31، ثم قُسّمت الدوائر الانتخابية في تلك المناطق ليصل مجمل عددها إلى 13 دائرة

  1. 21  تضمّنت القائمة: أعضاء أو قادة الحرس الثوري وأعضاء اللجان الثورية ورؤساء الاتحادات الطلابية بعد عام 1976، وأولئك الذين اشتهروا بتمجيد نظام القذافي أو أفكار الكتاب الأخضر، سواء عبر وسائل الإعلام المختلفة أم في الخطب العامة، والذين اتخذوا موقفًا معاديًا لثورة 17 فبراير 2011، إما عن طريق التحريض أو المساعدة أو التواطؤ، والذين دينوا أيضًا بالفساد أو نهب المال العام، والذين شاركوا بأي صفة في سجن الليبيين وتعذيبهم، وارتكبوا أو شاركوا في أعمال عدائية ضد الليبيين المعارضين، سواء في خارج ليبيا أم في داخلها، واستولوا على الممتلكات الخاصة للمواطنين أو شاركوا في الاستيلاء عليها، والذين تراكمت ثرواتهم في ليبيا أو في الخارج بطرائق غير مشروعة، كذلك من كان لديهم تعاملات تجارية مع أبناء القذافي أو المقرّبين منه، وتقلّدوا سابقًا مناصب قيادية مرتبطة مباشرة بأبناء القذافي
  2. 22  أليسون بارغيتر، "الأصلاء والدخلاء في ليبيا الجديدة"، سياسات عربية، مج 2، العدد 11 (تشرين الثاني/ نوفمبر 2014)، ص.30
  3. Wolfram Lacher, Libya's Fragmentation Structure and Process in Violent
  4. 24  تم في هذا التعديل كما ذكرنا سابقًا، تقسيم عدد المقاعد بالتساوي بين الأقاليم الليبية
  5. 25  عانت منطقة شرق ليبيا المعروفة تاريخيًا بإقليم برقة، على الرغم من أنها تحتوي على أهم موانئ تصدير النفط في البلاد، التهميش والإهمال في ظل نظام القذافي (شأنها شأن العديد من المدن والمناطق الليبية الأخرى)، لكنها تميّزت بكونها المنطقة التي مثّلت شرارة الانتفاضة عليه في عام 2011. في 6 آذار/ مارس 2012، أعلنت مجموعة من القوى الاجتماعية (غالبيتهم من كبار السن، من أعيان القبائل الريفية وبعض التشكيلات المسلحة في المنطقة) الحكم الذاتي للإقليم، مع الإعلان عن تأسيس مجلس برقة الإقليمي الانتقالي، باعتبارها مقاطعة تمتّعت بالحكم الذاتي إلى حد بعيد في الفترة 1963-1951، عندما كانت ليبيا تُحكم كملكية فدرالية. ينظر: Issam Fetouri, "Libyan Leader Says Autonomy Call a Foreign Plot," Reuters , 6/3/2012, accessed on 22/10/2023, at: https://reut.rs/408kWbL
  6. George Grant, "Pro-Federalist Protesters Storm Election Offices in Tobruk and Benghazi," Libya Herald , 1/7/2012, accessed on 22/10/2023, at: https://bit.ly/3Scxkpc
  7. Libya Election Materials Destroyed in Ajdabiya Fire," BBC News , 5/7/2012, accessed on 22/10/2023, at: https://bbc.in/3MbIYNe 28  Jay Deshmukh, "Gunmen Close Five Libya Oil Terminals ahead of Vote," Modern Ghana , 5/7/2012, accessed on 22/10/2023, at: https://bit.ly/3S9TN6v
  8. ومؤسساتهم، والذين تلقوا جوائز أو أمولًامن النظام السابق بطرائق غير مشروعة، وأخيرًا من حصل على درجة أكاديمية في مواضيع مرتبطة ب الكتاب الأخضر، إضافة إلى أعضاء مجلس قيادة الثورة والضباط الوحدويين الأحرار. ينظر: المجلس الوطني الانتقالي، "قانون رقم 26() لسنة 2012 م بشأن الهيئة العليا لتطبيق معايير النزاهة والوطنية"، 2012/4/4، شوهد في 2023/10/21، في https://bit.ly/490s0LI:
  9. 29  تم في هذا التعديل تقسيم عدد المقاعد بالتساوي بين الأقاليم الليبية التاريخية (طرابس، وبرقة، وفزّان) لانتخاب الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور، حيث خصّص 20 مقعدًا لكل إقليم، بغض النظر عن تعداد السكان غير المتوازن بين الأقاليم الثلاثة، وذلك على عكس توزيع مقاعد المؤتمر الوطني العام الذي أعطى المنطقة الغربية أكبر عدد من المقاعد بسبب احتوائها على النسبة الأكبر من السكان، كذلك تضمّن التعديل أن تكون الهيئة منتخبة مباشرة من الشعب، بدلًامن تعيينها من المؤتمر الوطني المزمع انتخابه. 30  مصطفى عمر التير، الثورة الليبية: مساهمة في تحليل جذور الصراع وتداعياته (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2020)، ص.386 " انتخابات المؤتمر الوطني في ليبيا: بين تجاذبات النّخب والديناميّة المجتمعيّة"،  31 تقدير موقف، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات (حزيران/ يونيو 2012)، ص -56، شوهد في 2024/8/18، في https://bit.ly/46SpSUA:
  10. Conflict (London: I. B. Tauris, 2020), p. 28.
  11. المعروفة تاريخيًا (طرابلس، وبرقة، وفزّان) داخل الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور، حيث خُصّص 20 مقعدًا لكل إقليم، كذلك تضمّن التعديل أن تكون الهيئة منتخبة مباشرة من الشعب، بدلًامن تعيينها من المؤتمر الوطني المزمع انتخابه.

انتخابية  32. وفي حين بدا أن المنطقة الغربية قد استحوذت على أكثر من نصف مقاعد المؤتمر الوطني، فإن قيمة ذلك قلّت عمليًا بالتعديل الدستوري الصادر عن المجلس الانتقالي في 13 آذار/ مارس 2012، الذي جعل من قرارات المؤتمر لا تُقرّ إّل ابموافقة ثلثي أعضائه 34. أما في ما يتعلّق بالنظام الانتخابي، فقد اعُتُمد النظام الانتخابي المختلط Mixed Electoral System الذي يتضمن نظاَمَي الغالبية والتمثيل النسبي لانتخاب 200 عضو في المؤتمر الوطني. فبالنسبة إلى المقاعد المخصصة للأفراد المستقلين، اعُتُمد نظام الغالبية، على أن يكون النظام المتّبع هو نظام الفائز الأول للدوائر الفردية (أي سيكون الفائز في المقعد هو المرشّح الذي يحصل على أكبر عدد من الأصوات) وفي حالة وجود دوائر انتخابية تحتوي على أكثر من مقعد واحد، يتم اعتماد نظام الصوت الواحد غير القابل للنقل Singlenon Transferable Vote، وفي حالة تساوي عدد أصوات مرشحين أو أكثر، تُجرى عملية قرعة بينهم. في حين انُتُخب المرشحون للكيانات السياسية على أساس نظام التمثيل النسبي في قوائم انتخابية مغلقة، تُقدّمها الكيانات السياسية في الدوائر الانتخابية المخصصة لذلك  35. وقد بلغ إجمالي عدد المرشّحين لانتخابات المؤتمر للأفراد 36الوطني 0837 مرشّحين: 1207 للكيانات، و 2501. انعكس نظام الغالبية الُمُخصّص للترشيحات الفردية في أمرين مهمين: أولًا، التفاوت الشاسع بين المرشحين الفائزين في عدد الأصوات الحاصلين عليها، ففي الوقت الذي حصل أقل مرشّح فائز على 276 37، احتاج مرشح فائز آخر إلى صوتًا في دائرة تازربو  40207 أصوات في دائرة بنغازي للفوز بمقعده. ثانيًا، حصول غالبية المرشحين الفائزين على نسب أقل من 20 في المئة من إجمالي عدد الأصوات الُمُعّب ر عنها 38. عزّز النظام الانتخابي المعتمد أيضًا هيمنة الطابع المحّل ي والشخصي على العملية السياسية، بالنسبة إلى المرشحين المستقلين الفائزين بالعدد الأكبر من مقاعد المؤتمر الوطني العام 120(مقعدًا)، وحتى بالنسبة إلى الكيانات السياسية الصغيرة، خصوصًا الأحزاب التي فازت بمقعد واحد (ينظر الجدول 2)، حيث فازت غالبيتها بذلك المقعد في المناطق الريفية المهمشة لخدمة برامج محلّية تتعلّق بوعود تحقيق التنمية وتحسين الخدمات؛ ما نتج منه أنه باستثناء الأعضاء المستقلين المتحالفين، أو المرتبطين بأحد الكيانات السياسية الكبرى قبل الانتخابات، أصبح الأعضاء الباقون عرضة للتنازع بين الأطراف السياسية المتصارعة على السلطة داخل المؤتمر الوطني العام، منذ الإعلان عن نتائج انتخابه في 7 تموز/ يوليو.2012

ثانيًا: أطراف الصراع داخل المؤتمر الوطني العام

يهدف هذ المبحث إلى تسليط الضوء على أهم الكيانات السياسية التي تنافست على دخول المؤتمر الوطني العام في انتخابات تموز/ يوليو 2012، ومن أبرزها تحالف القوى الوطنية والتيارات الإسلامية على اختلافها (حزب العدالة والبناء - الذراع السياسية للإخوان المسلمين في ليبيا، والسلفيون على اختلاف مجموعاتهم، إضافة إلى عدد من القيادات السياسية الثورية والدينية الأخرى.)

1. تحالف القوى الوطنية

نشأ تحالف القوى الوطنية بصفته تحالفًا انتخابيًا، ولم يُبَنَ على أي حركة سياسية سابقة. وتشبه بنيُتُه الائتلاَفَ الموسّع أكثر مما تشبه الحزب السياسي؛ إذ ضم في صفوفه قرابة ال 44 تنظيمًاسياسيًا، ونحو

  1. 32  هنالك تضارب بين النتائج التي أعلنتها المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، والعدد الفعلي لأعضاء المؤتمر الوطني العام، حيث تشير النتائج، كما أعلنتها المفوضية، إلى فوز 212 مترشّحًا، على الرغم من كون عدد أعضاء المؤتمر الوطني يجب أّل ايتجاوز ال 200، بحسب قانون انتخابات المؤتمر الوطني العام الذي أقرّه المجلس الوطني الانتقالي. وبحسب النتائج المعلنة، فإن توزيع الدوائر الانتخابية هو كالتالي: بالنسبة إلى الكيانات السياسية: المنطقة الغربية)37(، الشرقية 24()، الوسطى 4()، الجنوبية 17()؛ أما بالنسبة إلى الأفراد: المنطقة الغربية)67(، الشرقية 8()3، الوسطى)5(، الجنوبية 20(.) ينظر: المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، الإدارة المركزية للانتخابات، "نتائج الكيانات السياسية لانتخابات المؤتمر الوطني العام 2012"، شوهد في 2023/10/23، في: https://bit.ly/3FtC8io؛ المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، الإدارة المركزية للانتخابات، "نتائج المرشحين الأفراد لانتخابات المؤتمر الوطني العام "2012 2012()، شوهد في 2023/10/23، في: https://bit.ly/3Mb4VMx؛ للمزيد حول تفاصيل الدوائر الانتخابية، بما فيها عدد الناخبين وعدد المقاعد المخصصة لكل دائرة، ينظر: عمر، ص.106-105 33   " انتخابات المؤتمر الوطني في ليبيا: بين تجاذبات النّخب والديناميّة المجتمعيّة"، ص.6
  2. 34  المجلس الوطني الانتقالي، "قانون رقم 4() لسنة 2012 ميلادي بشأن انتخاب المؤتمر الوطني العام"، 2012/1/28، شوهد في 2023/10/23، في: https://bit.ly/492zuxH أما بالنسبة إلى توزيع المقاعد، فيتم بحسب الخطوات التالية: أولًا، يحدد المتوسط الانتخابي لكل دائرة انتخابية بتقسيم العدد الكلي للأصوات الصحيحة للدائرة الانتخابية على المجموع الكلي للمقاعد المخصصة لتلك الدائرة. ثانيًا، يقسم المجموع الكلي لأصوات الكيان السياسي في تلك الدائرة على المتوسط الانتخابي. ويجب توزيع عدد المقاعد على الكيانات السياسية وفقًا للأعداد الصحيحة لناتج القسمة. ثالثًا، في حالة بقيت مقاعد في الدائرة الانتخابية، يتم توزيعها
  3. 35  المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، الإدارة المركزية للانتخابات، "نتائج الكيانات السياسية لانتخابات المؤتمر الوطني العام 2012"؛ المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، الإدارة المركزية للانتخابات، "نتائج المرشحين الأفراد لانتخابات المؤتمر الوطني العام."2012 36  مدينة صغيرة تقع في إحدى واحات جنوب شرق ليبيا.
  4. على أساس أكبر البواقي. رابعًا، في القوائم الفائزة، يتم تخصيص المقاعد بحسب الترتيب التنازلي. خامسًا، بعد تخصيص المقاعد، تعتبر هذه المقاعد للكيانات السياسية وليست للمرشحين.
  5. 37  عمر، ص 114؛ بعد التحقّق من بيانات المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، الإدارة المركزية للانتخابات، "نتائج الكيانات السياسية لانتخابات المؤتمر الوطني العام 2012"؛ المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، الإدارة المركزية للانتخابات، "نتائج المرشحين الأفراد لانتخابات المؤتمر الوطني العام."2012

236 منظّمة مجتمع مدني ذات توجهات متعدّدة 39. عِمَِلَ زعيمه السابق، محمود جبريل 2020-1952()، رئيسًا لمجلسي التخطيط الوطني والتنمية الوطنية الاقتصادية في فترة الانفتاح التي شهدتها ليبيا، مع تعاظم دور ابن القذافي سيف الإسلام في الحياة السياسية الليبية، ضمن مشروع ما يعرف ب "ليبيا الغد")2010-2006( 40. على الرغم من صلات جبريل الجيّدة بالنظام السابق في عقده الأخير، فإنه انشق عنه مع اندلاع الانتفاضة، وبرز قائدًا سياسيًا في المجلس الوطني الانتقالي، حتى أصبح رئيسًا لمكتبه التنفيذي في الفترة آذار/ مارس-تشرين الأول/ أكتوبر 2011 41. ضم التحالف قيادات من خلفيات متعددة، وكان أبرزها رجال الأعمال والتكنوقراط الليبيين الذين حاولوا القيام بأدوار إصلاحية في العقد الأخير لنظام القذافي. يُعد عبد المجيد مليقطة أحد أبرز هؤلاء القادة، وهو رجل أعمال من مدينة الزنتان 136(كلم جنوب غرب طرابلس)، كان على صلة جيّدة بالنظام السابق، لكنه شكّل لواء ثوريًا في مدينته خلال الانتفاضة، وأدّى دورًا فاعلًافي السيطرة على مدينة طرابلس في آب/ أغسطس 2011. ضم التحالف كذلك، شخصيات شابة وبعض الأعيان المعروفين، كما مثّلت الطبقة الوسطى المتعلّمة، وخلفيات بعض العائلات الاجتماعية والاقتصادية البارزة، القاسم المشترك بين أعضائه، خاصة في المدن الكبرى، مثل طرابلس وبنغازي 42. جعلت الصلاُتُ السابقة لجبريل وبعض قادة ائتلافه بنظام القذافي، تحالَفَ القوى الوطنية، هدفًا سهلًالنقد التيارات الإسلامية والثورية المتشدّدة، بعدما أكّد العديد من قادتها عدم رغبتهم في التعاون مع جبريل وأعضاء تحالفه، باعتبارهم "أزلامًا" للنظام السابق 43. ولمواجهة هذه الحملة وضمان الفوز في الانتخابات، اعتمد جبريل نهجًا انتخابيًا بشّقيّن: أولًا، لم يُعر اهتمامًا للاتهامات الموجهة إليه في هذا الخصوص (علاقته بالنظام السابق)، وركّز في المقابل على تقديم نفسه بصفته تكنوقراطيًا وخبيرًا في التنمية الاقتصادية، مستفيدًا من تجربته العملية في مجال الأعمال التجارية والمؤسسات الدولية؛ ثانيًا، حاول الاستفادة من حقيقة كونه أوَلَ رئيس وزراء ليبي بعد الانتفاضة، وسلّط الضوء على دوره في حصول المجلس الانتقالي على الاعترافات الدولية عن طريق علاقاته بالدول العربية والغربية  44. ضمن استراتيجيته لإنجاح حملته الانتخابية؛ عمل تحالف القوى الوطنية في المدن التي حِظَِيَ فيها جبريل بشعبية قوية على تقديم مرشّحيه الأقل حظًا بالفوز، في حين تم التركيز على شخصية جبريل ومشروعه التنموي بصفة أكبر في الأرياف والمناطق النائية، حيث لم يكن لاسمه وزٌنٌ كبيٌرٌ هناك. وذلك، من أجل إقناع الشخصيات المحلّية التي تحظى بالنفوذ في تلك المناطق، بالترشّح ضمن قائمة التحالف 45، وبأنه لم يكن في تحالف القوى الوطنية حضور يُذكر لرموز معارضة المنفى سابقًا  46. فقد عمل التحالف على استقطاب مجموعة من الشخصيات البارزة اجتماعيًا، وإن لم يكن لها أُّيُ ماٍضٍ سياسي، كلاعب كرة القدم المشهور أحمد بن صويد في مدينة بنغازي، والشيخ الصوفي عبد اللطيف المهلهل في طرابلس  47. وساهم كذلك موقف تحالف القوى الوطنية المعتدل من القوى الاجتماعية المحسوبة على نظام القذافي، خاصة في مدن سرت وبني وليد والعزيزية وترهونة، ومناطق شاسعة من فزّان في جنوب ليبيا، في توسيع قاعدته الشعبية 48.

2. تحالف الإسلاميين

على الرغم من أن الإسلاميين لا يمكن اعتبارهم المفجّر الحقيقي لانتفاضة 17 فبراير 2011، فإنهم كانوا جزءًا رئيسًا منها. برز دورهم أكثر خلال القتال ضد قوات القذافي، خصوصًا في أعقاب سقوط العاصمة طرابلس، حيث بدا مقاتلو بعض الفصائل المحسوبة قياداتها على الجماعة الليبية المقاتلة  49 كأنهم يسيطرون على العاصمة بعد طرد قوات القذافي منها. ما يهمنا هنا هو تسليط الضوء على التيارات الإسلامية التي قبلت بالعمل السياسي، والتي أصبحت جزءًا رئيسًا من المؤتمر الوطني العام بعد فوزها بمقاعد في انتخابات تموز/ يوليو.2012

  1. Michel Cousins, "Mahmoud Jibril, Elected Head of Alliance of
  2. للمزيد حول مشروع ليبيا الغد، ينظر: يوسف محمد جمعة الصواني،  39 ليبيا: الثورة وتحديات بناء الدولة (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2013)، ص.106-63
  3. Mezran, Lamen & Knecht, p. 3.
  4. Wolfram Lacher, "Fault Lines of the Revolution Political Actors, Camps and Conflicts in the New Libya," Research Paper , SWP (2013), p. 10.
  5. صوان: الذين اختاروا جبريل هم أنصار القذافي"،  42 سكاي نيوز عربية، 2012/7/12، شوهد في 2024/6/25 في،:؛ محمد أعماري، https://acr.ps/1L9zOyE"الصلابي: الجزيرة نت على محمود جبريل أن يرحل"،، 2011/9/13، شوهد في 2024/6/25، https://tinyurl.com/48zmybnt ف: ي
  6. Mezran, Lamen & Knecht, p. 3. 44  Ibid.
  7. National Forces," Libya Herald , 15/3/2012, accessed on 10/3/2023, at: https://rb.gy/5wmnmn
  8. 45  ربما باستثناء معارض المنفى السابق، علي الترهوني (رئيس التيار الوطني الوسطي) المتحالف مع تحالف القوى الوطنية والفائز بمقعدين في انتخابات المؤتمر الوطني العام.
  9. Lacher, "Fault Lines," p. 11.
  10. Ibid., pp. 12-13.
  11. 48  الجماعة الليبية المقاتلة هي عبارة عن تنظيم مسلح، يحمل فكر السلفية الجهادية. أنشأته مجموعة من الشباب الليبيين الذين عادوا إلى ليبيا بعد أن شاركوا في الحرب الأفغانية - السوفياتية. قام بعمليات مسلحة في مواقع مدنية وأمنية في ليبيا، في تسعينيات القرن العشرين، بهدف إسقاط نظام القذافي. إّل اأن القوات المسلحة الليبية وأجهزة الأمن قضت عليه، واعتقلت مجموعة كبيرة من أعضائه، وفي عام 2009 قام زعماء الجماعة بمراجعة أفكارهم وقدّموا اعتذارًا للدولة، الأمر الذي أدّى إلى إطلاق سراحهم.

أ. الإخوان المسلمون

علن عن تأسيس حزب العدالة والبناء، في 3 آذار/ مارس أ 2012، حزبًا سياسيًا ذا مرجعية إسلامية  50. وذلك، في إطار استراتيجية جماعة الإخوان المسلمين الليبية لكسب تأييد قطاعات أكبر من المجتمع الليبي، ولحرصها على طمأنة المشكّكين في أجنداتها بسبب قبول بعض قادتها، مع غيرها من الجماعات الإسلامية الأخرى، بمشروع للمصالحة مع النظام السابق في عقده الأخير، ضمن ما يُعرف ببرنامج المراجعات الفكرية الذي أطلقته الدولة الليبية، بقيادة سيف الإسلام، للحوار مع المعارضة الإسلامية  51. أكّد الحزب أيضًا أنه مفتوح لجميع الليبيين بمختلف أطيافهم، وليس لأعضاء جماعة الإخوان فحسب، في الوقت الذي تعامل الحزب مع الاتهامات الموجّهة إليه في خصوص علاقاته بالتنظيم الدولي في الخارج، من خلال تأكيد استقلاله عن جماعات الإخوان المسلمين في أماكن أخرى في المنطقة (خاصة مصر) 52. كانت جماعة الإخوان، قبل الانتفاضة، محظورة شأنها شأن بقية الأحزاب والتيارات السياسية الإسلامية، أو اليسارية الأخرى. في أثناء الانتفاضة ضد القذافي، أسّس الإخوان المسلمون مجموعة من المؤسسات الإغاثية والإعلامية، أشهرها منظمة نداء الخير الخيرية التي استخدمتها الجماعة لإقامة روابط مالية بينها وبين المنظمات الحكومية وغير الحكومية الليبية، وبين بعض الدول الخليجية التي قدّمت مساعدات للمعارضة الليبية في أثناء الانتفاضة  53. وبالتدرج، أصبحت هذه المنظمة وغيرها أداة من الأدوات التي تستخدمها الجماعة لإعادة تقديم نفسها للمجتمع. في الوقت الذي أنشأت كذلك عددًا من المنصّات الإعلامية، مثل منصة شباب ليبيا وسبيل الرشاد ومطبوعة المنارة لإيصال رسائلها إلى المجتمع الليبي 54. تمتّعت جماعة الإخوان بنفوذ سياسي قوي داخل المجلس الانتقالي، حيث يُعتقد أنها حظيت بوجود 15-12 ممثلًا لها من بين 40 عضوًا  55، على الرغم من عدم إعلان أي عضو منهم عن انتمائه إلى الإخوان المسلمين رسميًا 56. توّل ىبعض أعضائها أيضًا مناصب وزارية في حكومة جبريل الأولى، مثل عبد الله شامية (وزير الاقتصاد) وسالم الشيخي (وزير الأوقاف والشؤون الدينية.) وتمكّن الإخوان من الحفاظ على نفوذهم حتى في الحكومات اللاحقة، بعدما عُّي نالأمين بلحاج رئيسًا للجنة الُمُكلّفة بإعداد قوانين انتخابات المؤتمر الوطني العام، وناصر المانع ناطقًا رسميًا باسم حكومة عبد الرحيم الكيب الانتقالية 57. لم تُعلن جماعة الإخوان رسميًا عن وجود أذرع عسكرية لها خلال الانتفاضة، لكن بعض أعضائها شكّلوا كتائب عسكرية مقاتلة على الأرض في الفترة آذار/ مارس (اندلاع الثورة-)تشرين الأول/ أكتوبر 2011 (مقتل القذافي)؛ أهمهم، فوزي بوكتف (مهندس النفط وأحد أعضاء الجماعة الذي عُّي نلفترة قصيرة نائبًا لوزير الدفاع بعد ازدياد نفوذه حتى أصبح قائدًا لاثنتين من أكبر الميليشيات العسكرية في 58شرق ليبيا: لواء 17، وميليشيا راف الله السحاتي فبراير ) 59.

ب. السلفيون

لم يشكّل السلفيون كيانات سياسية كبيرة لافتقارهم إلى قيادة موحّدة وعدائهم الأيديولوجي للديمقراطية الحزبية  60 نظاَمَ حكٍمٍ؛ إذ يرونه مخالفًا للشريعة الإسلامية. إّل اأن بعضهم قِبِل بالعملية الانتخابية وانضم إليها براغماتيًا، إما عبر القوائم الحزبية، وإما عن طريق المستقلين. وهناك من يُقدّر عددهم ب 27-25 عضوًا في المؤتمر الوطني 61.

  1. Muslim Brotherhood Forms Party in Libya," Aljazeera , 4/3/2012, accessed on 25/10/2023, at: https://bit.ly/3tXWKwS
  2. 50  لمزيد من التفاصيل حول برنامج المصالحة الذي يقوده سيف الإسلام مع الإسلاميين الليبيين، ينظر: Noman Benotman, Jason Pack & James Brandon, "Islamists," in: Pack (ed.),
  3. Ronald Bruce St John, "Libyan Election Breaks Arab Spring Pattern,"  The International Spectator , vol. 47, no. 3 (2012), p. 15.
  4. Florence Gaub,  The Gulf Moment: Arab Relations Since 2011  (Pennsylvania :US Army War College Press, 2015), pp. 15-20, 24,
  5. 60  Mary Fitzgerald, "Introducing the Libyan Muslim Brotherhood, " Foreign Policy , 2/11/2012, accessed on 25/10/2023, at: https://rb.gy/fpugo5
  6. 54  يقدّر علي عبد اللطيف أحميدة أعضاء المجلس الوطني الانتقالي بأربعين عضوًا، ينظر:.Ahmida, pp. 4-5
  7. Benotman, Pack & Brandon, p. 218.
  8. Ibid. 57  تعتبر كتيبة 17 فبراير إحدى أكبر الميليشيات المسلحة في شرق ليبيا وأقواها، حيث تضم ما بين 1500 و 0035 عضو، كانت تموّلها وزارة الدفاع، انتشرت في الكفرة وشرق ليبيا جزءًا من قوة درع ليبيا، كما كانت تحرس سابقًا البعثة الدبلوماسية الأميركية في بنغازي، عشية هجوم 11 أيلول/ سبتمبر 2012. للمزيد، ينظر: David Kirkpatrick, Suliman Ali Zway & Kareem Fahim, "Attack by Fringe Group Highlights the Problem of Militias," The New York Times , 15/9/2012, accessed on 25/10/2023, at: https://rb.gy/ivqomb
  9. pp. 202-206; ينظر أيضًا: التقرير المطوّل الذي أعدّه وأشرف عليه أبرز قياديي الجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة: عبد الحكيم الخويلدي بالحاج [وآخرون]، دراسات تصحيحية في مفاهيم الجهاد والحسبة والحكم على الناس [(د. م:]. [د. ن].،.)2009
  10. Pack, Mezran & Eljarh, p. 31. 59  أطلقت معظم التيارات السلفية التي انضمت إلى اللعبة السياسية، على كياناتها، اسم التجمع، بدلًامن الحزب.
  11. 28-29; "Libya and the Gulf: Revolution and Counter-Revolution," Hurst , 26/12/2011, accessed on 26/6/2024, at: https://tinyurl.com/2c4awbuv
  12. 53  Susan Tarkowski Tempelhoff & Manal Omar, "Stakeholders of Libya's February 17 Revolution," United States Institute of Peace (January 2012), p. 7.

تجدر الإشارة إلى أن السلفيين لم يكونوا كتلة متجانسة داخل المؤتمر الوطني، بل نُظّموا داخل كتل برلمانية مختلفة. تُعدّ الكتلة التي شكّلها 10 أعضاء مستقلين، ومرتبطين بتجمع الأصالة الذي حَِظَِيَ بعلاقات وثيقة مع مفتي ليبيا الشيخ الصادق الغرياني، من أكثر الكتل السلفية قوةً، حيث فاز أعضاؤها في طرابلس ب 8 مقاعد من أصل 14 للمستقلين 62. أما الكتلة الثانية، فقد ارتبطت بالجماعة الليبية المقاتلة، وضمّت السلفيين المعروفين بنشاطهم المسلّح خلال الانتفاضة، من أبرزهم، عبد الوهاب القايد 63، الفائز مرشّحًا مستقلًا عن مدينة مرزق في الجنوب، على الرغم من كونه عضوًا في تجمّع الأمة الوسط، إضافة إلى 5 أعضاء مستقلين مرتبطين بحزب الوطن 64، بزعامة عبد الحكيم بلحاج (قائد مجلس طرابلس العسكري 65 والقيادي السابق في الجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة.) هناك آخرون لم تكن انتماءاتهم واضحة؛ على الرغم من الاشتباه بكونهم سلفيين، وبعضهم قادة لميليشيات عسكرية 66 (النائبان محمد الكيلاني 67 ومصطفى التريكي، من مدينة الزاوية.) منذ سقوط نظام القذافي، بات الإسلاميون بطيفهم الواسع (إخوان، وسلفيون، وشخصيات دينية) مع عدد من قياديي المعارضة في المنفى سابقًا، وممّثلّي بعض المدن والمناطق التي اعتبرت معاقل "للثورة" والكفاح المسلح ضد القذافي 68، يشكّلون معسكرًا موحدًا، تتخّذ غالبيته موقفًا سياسيًا راديكاليًا ضد كل ما اعُتبُر جزءًا من النظام السابق، في مقابل الموقف المعتدل الذي سلكه تحالف القوى الوطنية تجاه القوى المحسوبة على نظام القذافي، الذي أتى في الأساس جزءًا من خطته الانتخابية لتوسيع قاعدته الشعبية، لكن ما لبث هذا الصراع يتمظهر داخل أعمال المؤتمر الوطني العام.

ثالثًا: قراءة في نتائج انتخابات المؤتمر الوطني العام

عكست نتائج انتخابات المؤتمر الوطني العام في 7 تموز/ يوليو 2012 طبيعة النظام الانتخابي الذي تبناه المجلس الوطني الانتقالي، والذي هو في جوهره نتاج حرص المجلس الانتقالي في مرحلة التمهيد للانتخابات على طمأنة مختلف القوى الاجتماعية والسياسية والعسكرية بصعوبة هيمنة جهة واحدة على المؤتمر الوطني المنتخب، باعتباره السلطة السياسية الأعلى في البلاد، التي كانت أهم تجلّياتها، كما سبقت الإشارة إليه في المبحث الأول، في تخصيصه العدد الأكبر من المقاعد للمستقلين، واشتراط موافقة ثلثي الأعضاء لإقرار القوانين الصادرة عن المؤتمر الوطني العام. كان الهدف من هذه الخطوات، على الأقل نظريًا، تسهيل تحقيق التوافق بين مختلف الأطراف السياسية في المؤتمر الوطني على بعض الأمور الحاسمة، مثل تشكيل حكومة وحدة وطنية وإقرار مشروع لصياغة دستور جديد، لكنها عمليًا فشلت في ذلك، كما سيتبّي نلاحقًا. كما يُبّي نالجدول 1()، تمخّض عن انتخابات المؤتمر الوطني العام في 7 تموز/ يوليو فوز الكيانين السياسيين الأساسيين اللذين برزا في المرحلة التمهيدية (تحالف القوى الوطنية، وحزب العدالة والبناء) بالعدد الأكبر من المقاعد المخصصة للأحزاب السياسية في المدن الحضرية الساحلية الكبرى، مثل طرابلس وبنغازي ومصراتة والزاوية؛ فمن أصل 93 مقعدًا فاز بها تحالف القوى الوطنية، كان منها 9 مقاعد في طرابلس، و 7 في بنغازي، و 3 في مصراتة، و 4 في الزاوية. في المقابل، من أصل 17 مقعدًا فاز بها حزب العدالة والبناء، كانت 4 منها في

  1. Lacher, "Fault Lines," p. 12.
  2. 62  عبد الوهاب القايد، عضو سابق رفيع المستوى في الجماعة الإسلامية المقاتلة. وكان شقيقه الأصغر عضوًا بارزًا أيضًا في تنظيم القاعدة، وهو معروف باسم أبو يحيى الليبي، قُتل في عام 2012 في باكستان.
  3. 63  فشل حزب الوطن الذي أسسه بلحاج في الفوز بأي مقعد ضمن القوائم الحزبية، على الرغم من محاولة ظهوره بمظهر مدني؛ حيث كانت إحدى مرشحاته امرأة غير محجّبة.
  4. 64  يتألف المجلس العسكري في طرابلس من أعضاء سابقين في الجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة، ينظر.Pack, Mezran & Eljarh, pp. 29-30:
  5. Lacher, "Fault Lines," pp. 11-12.
  6. 66 قُتل في اشتباكات عسكرية في منطقة ورشفانة في عام 2014: "مقتل نائب إسلامي العربية ليبي سابق في معارك غرب طرابلس"،، 2014/9/17، شوهد في 2023/10/25، فh يttps://bit.ly/49mBu4b:
  7. 67  مثل مصراتة والزاوية ومدن جبل نفوسة وأحياء كبرى داخل مدينة طرابلس، مثل تاجوراء وسوق الجمعة. المصدر: من إعداد الباحث استنادًا إلى: المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، الإدارة المركزية للانتخابات، "نتائج الكيانات السياسية لانتخابات المؤتمر الوطني العام 2012، شوهد في 2023/10/23 "، في https://bit.ly/3FtC8io:

طرابلس، و 2 في بنغازي، و 2 في مصراتة، و 2 في الزاوية 69. في المقابل،

اسم الحزبالمنطقة
تجمع لبيك وطنيسبها والشاطئ
التجمع الوطني بوادي الشاطئسبها والشاطئ
الوطن والنماءسبها والشاطئ
تجمع الأمة الوسطأوباري ومرزق
القائمة الليبية للحرية والتنميةأوباري ومرزق
كتلة الأحزاب الوطنيةأوباري ومرزق
الوطن للتنمية والرفاهسرت والجفرة
تيار شباب الوسطسرت والجفرة
تجمع الأصالة والتجديدطرابلس
تجمع الأصالة والتقدمطرابلس
الرسالةبنغازي
ليبيا الأملالزاوية
الحكمةإجدابيا
المجموع15

فازت معظم الكيانات الصغيرة التي خُصّص لها مقعد أو مقعدان في المناطق الأكثر تهميشًا على الصعيد الاقتصادي والخدمي في جنوب ليبيا ووسطها، لجاذبيتها المحلية ووعودها بتحسين الخدمات. حملت بعض تلك الكيانات قاعدتها الاجتماعية أحيانًا تحت اسم الكيان نفسه، الذي يشير إلى اسم المنطقة أو الجهة المترشّح عنها، كتجمع وادي الحياة للديمقراطية والتنمية، والتجمع الوطني بوادي الشاطئ. فوادي الحياة ووادي الشاطئ من أسماء المدن الصغيرة الواقعة في الجنوب الليبي، والتي تعاني تهميشًا كبيرًا على الُصُعد كافة (ينظر الجدول.)2 الجدول)1(نتائج الكيانات السياسية التي حصلت على أكثر من مقعد واحد في انتخابات المؤتمر الوطني في عام 2012

القوائم الحزبيةعدد المقاعد
تحالف القوى الوطنية39
حزب العدالة والبناء (الإخوان المسلمون)17
الجبهة الوطنية3
الاتحاد من أجل الوطن2
التيار الوطني الوسطي2
تجمع وادي الحياة والديمقراطية والتنمية2
المجموع65

الجدول)2(نتائج الكيانات السياسية التي حصلت على مقعد واحد فقط في انتخابات المؤتمر الوطني في عام 2012

اسم الحزبم المنطقة
الوطني الليبيم سبها والشاطئ
الركيزةسبها والشاطئ

أما بالنسبة إلى الأعضاء المستقلين الفائزين، وإن كانوا من الناحية القانونية لم يترشحوا باسم تنظيمات سياسية، فإن نسبة مهمة منهم مرتبطة بالتيارات الإسلامية أو القوى الثورية المتحالفة معها، كما سيظهر معنا. فعلى الرغم من أنه كان، ولا يزال، من الصعب أن يُحدد بدقة الانتماء السياسي للمستقلين الذين تمكّنوا من الفوز بمقاعد في المؤتمر الوطني العام، فإن تقريرًا مهمًاللباحث الألماني المتخصص بالشؤون الليبية، ولفرام لاشر، بعنوان "خطوط صدع الثورة: الفاعلون السياسيون والمعسكرات والصراعات في ليبيا الجديدة" 70، يرصد توزّعهم (بحسب ارتباطاتهم بالكيانات السياسية الكبرى قبل الانتخابات، كما هو مُبّي نفي الجدول)3 بين أربع جهات: أولًا، المرتبطون بتحالف القوى الوطنية 25(عضوًا)؛ ثانيًا، المرتبطون بحزب العدالة والبناء 17()، في حين يصل عدد المرتبطين بالسلفيين والقوائم الوطنية الصغيرة إلى 33، بينما يبلغ عدد المستقلين غير المرتبطين بأي كيان سياسي 55 بحسب التقرير 71.

  1. 68  ينظر: المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، الإدارة المركزية للانتخابات، "نتائج الكيانات السياسية لانتخابات المؤتمر الوطني العام."2012 المصدر: المرجع نفسه.
  2. Lacher, "Fault Lines."
  3. 70  للاشر اتصالات وثيقة بدوائر سياسية وأمنية رفيعة في ليبيا ما بعد القذافي، كما تشير أبحاثه التي كتبها عن ليبيا من عام 2011 إلى الآن. فعلى سبيل المثال، ينظر عدد المقابلات التي أجراها مع مسؤولين سياسيين وعسكريين رفيعين، والمعلومات التي حصل عليه في كتابه:. Lacher, Libya's Fragmentation المصدر: Wolfram Lacher, "Fault Lines of the Revolution Political Actors, Camps and Conflicts in the New Libya," Research Paper , SWP (2013), p. 9.

الجدول)3(توزيع الأعضاء المستقلين داخل المؤتمر الوطني العام

المقاعد الفرديةعدد المقاعد
المستقلون المرتبطون بتحالف القوى الوطنية25
المستقلون المرتبطون بحزب العدالة والبناء
(الإخوان المسلمون)
17
المستقلون المرتبطون بالسلفيين والقوائم الوطنية
الصغيرة
33
المستقلون غير المرتبطين بأحزاب وقوائم55
المجموع120

ضلّلت نتائج انتخابات الكيانات السياسية في المؤتمر الوطني العام عددًا من وسائل الإعلام، ومجموعة من المراقبين السياسيين، حينما أوّلوا فوز تحالف القوى الوطنية 9(3 مقعدًا من أصل 80)، بفارق شاسع عن حزب العدالة والبناء التابع لجماعة الإخوان المسلمين 17(مقعدًا) ضمن القوائم الحزبية، بأنه انتصار فريد للتيار الليبرالي والعلماني في الانتخابات الليبية على التيار الإسلامي  72، مثلما جاء في عناوين وكالات أنباء معروفة: "جبريل يحقق فوزًا ساحقًا في الانتخابات على الإسلاميين" 73، ومنصّات إعلامية معروفة أيضًا: "الانتخابات الليبية: تصدّر الليبراليين وانتكاسة للإسلاميين" 74. اكتسبت تلك السرديات أهمية أكبر حينما اسُتُخدمت للقول إن ليبيا مثّلت حالة استثنائية بالنسبة إلى دول "الربيع العربي" التي شهدت نجاحًا انتخابيًا لافتًا للتيارات الإسلامية، سواء الإخوان المسلمون في مصر، أم حركة النهضة في تونس، كما حاولت أن تثبت ذلك دراسة لباحث مهتم بالشأن الليبي بعنوان "الانتخابات الليبية تكسر نمط الربيع العربي" 75. مبدئيًا، تعتبر التأويلات السابقة غير دقيقة في نظرنا لثلاثة أسباب: أولًا، لأن الانتصار الحقيقي من ناحية الأكثرية العددية حقّقه المستقلّون 76المرشّحون ال 120 الذين هيمن على غالبيتهم الطابع المحلي للسياسة (العائلي 77، والجهوي، والقبلي) أو الشخصي. وذلك، خاصة، أن معظمهم في البداية لم يُعلن عن انحيازه بوضوح إلى أحد الكيانات السياسية الكبرى بعينه، وإن ارتبط بعضهم به، على الأقل شكليًا قبل إعلان نتائج الانتخابات 78. ثانيًا، نعتقد أن وصف "ليبرالي"، كما هو متعارف عليه في سياق نشأته الغربية، لا ينطبق في أحسن الأحوال إّل اعلى عدد قليل جدًا من أعضاء تحالف القوى الوطنية أو المستقلين المرتبطين به. فمثلًا، زعيم التحالف نفسه، محمود جبريل (الذي مُِنِع من الترشّح للانتخابات بسبب قرار هيئة النزاهة)، صرَّحَ بعد الانتخابات مباشرة بأن تحالف القوى الوطنية ليس كيانًا علمانيًا أو ليبراليًا  79، إنما يحمل أجندة متعلّقة بإصلاح الاقتصاد والتنمية الوطنية. بل حتى على صعيد المناورة السياسية،

  1. 71  ينظر على سبيل المثال: Mustafa Fetouri, "Why the Islamists Lost in Libya," Al-Monitor , 14/7/2012, accessed on 24/10/2023, at: https://rb.gy/pfgofg; Omar Ashour, "Libya's Defeated Islamists," Brookings, 17/7/2012, accessed on 24/10/2023, at: https://acr.ps/1L9zOpT; Hadeel Al Shalchi & Marie-Louise Gumuchian, "Libya's Jibril in Election Landslide over Islamists," Reuters , 12/7/2012, accessed on 24/10/2023, at: https://shorturl.at/lzDLZ; "Liberals Claim Lead in Libyan Election," France 24 , 8/7/2012, accessed on 24/10/2023, at: https://bit.ly/4720Zph;
  2. Al Shalchi & Gumuchian.
  3. 73   " الانتخابات الليبية: تصدر الليبراليين وانتكاسة للإسلاميين."
  4. St John, pp. 13-19.
  5. 75  فاز معظم المستقلين، إما بسبب دعم عائلاتهم وقبائلهم، وإما لكونهم شخصيات بارزة اجتماعيًا في مناطقهم، وُتُبّي نلنا نتائج الانتخابات أن المرشحين المستقلين حصلوا على قرابة 20 في المئة من مجمل الأصوات، بل إن أكثر من نصفهم لم يحصل على أكثر من 10 في المئة منها، ففي مدينة بنغازي وحدها، على سبيل المثال، انُتُخب 6 أعضاء من بين 9 مستقلين، بأقل من 2 في المئة من الأصوات فقط. ينظر: المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، الإدارة المركزية للانتخابات، "نتائج المرشحين الأفراد لانتخابات المؤتمر الوطني العام."2012
  6. 76  فاز عدد من المستقلين، وحتى من المرشّحين عن القوائم الحزبية، مستفيدين في حملاتهم الانتخابية من الماضي السياسي لعائلاتهم ذات السمعة الأرستقراطية - البرجوازية، التي أدّت دورًا سياسيًا واقتصاديًا قبل استحواذ القذافي على السلطة في عام 1969. ومن أبرز هؤلاء: عبد الرحمن السويحلي (مصراتة)، وأحمد لنقي وصالح جعودة (بنغازي)، وعبد الجليل سيف النصر (سبها.) لطالما اعُتبُروا، بغض النظر عن كونهم مرشّحين انتخابيين، ممثلين أيضًا لشبكات تجارية واقتصادية يقودها أفراد من أقاربهم وعائلاتهم في مدنهم. ينظر: Lacher, "Fault Lines," p. 10. 77  Mezran, Lamen & Knecht, p. 1.
  7. أمين محمد، "قراءة في نتائج انتخابات ليبيا"، الجزيرة نت، 2012/7/10، شوهد في 2023/10/24، في: https://bit.ly/405PICh؛ "الانتخابات الليبية: تصدّر الليبراليين وانتكاسة للإسلاميين"، دويتشه فيله، 2012/7/18، شوهد في 2023/10/24، في: https://bit.ly/3tD99pG؛ سكاي نيوز عربية "الليبراليون يعلنون تقدمهم بانتخابات ليبيا"،، 2012/7/8، شوهد في 2023/10/24، في https://bit.ly/3tMMwPR:
  8. Don't Call Us Secular, Says Libyan Poll Favourite," The Independent , 10/7/2012, accessed on 25/10/2023, at: https://bit.ly/3S9aIWN يُقدّم مقطع الفيديو التالي دليلًاواضحًا على عدم ادّعاء محمود جبريل، زعيم تحالف القوى الوطنية، للعلمانية أو الليبرالية، ينظر: 08" محمود جبريل رده عمن وصموه بالعلمانية"، يوتيوب، 2023/10/25، شوهد في 2023/10/25، في: https://bit.ly/3tM1ZQa

أكّد جبريل التزامه بمبادئ الشريعة الإسلامية  80. وهناك من اعتبر أن ما وصف "بفوز" تحالف القوى الوطنية في القوائم الحزبية يُعزى إلى جاذبية مشروعه التنموي الذي وعد من خلاله الليبيين بنظام أكثر انفتاحًا من الناحيتين السياسية والاقتصادية، وليس لكونه كيانًا سياسيًا محكومًا بعقيدة أيديولوجية ليبرالية علمانية، قد تتصادم مع القيم الاجتماعية والثقافية المحافظة لغالبية الليبيين في العموم. ثالثًا، يبدو أن عدد المقاعد التي حصل عليها التيار الإسلامي (إخوان، وسلفيون) مع حلفائهم من المستقلين، والقوائم الصغيرة، مساٍوٍ، إن لم يزد على عدد المقاعد التي حصل عليها تحالف القوى الوطنية والمستقلون المرتبطون به  81. من بين العديد من أعضاء الكيانات الصغيرة والمستقلين من لم يرتبط مباشرة بأٍّيٍ من الكتل السياسية الكبيرة؛ إذ سادت تحالفات ذات طابع شخصي ومؤقت في كثير من الأحيان. من هذه الكيانات، حزب الجبهة الوطنية بزعامة محمد المقريف (أول رئيس للمؤتمر الوطني العام والفائز حزبه بثلاثة مقاعد.) وعلى الرغم من أن عددًا من الفائزين من المستقلين كانوا من أعضاء حزب الجبهة، فإن الحزب لم يعمل بصفته كتلة برلمانية واضحة، وبدلًامن ذلك، دخل في تحالفات متغّيةر مع بقية الكيانات والمستقلين  82. هنالك أيضًا مجموعة قليلة العدد، تُقدّر ب 10 نواب، تحمل رؤى تسعى لتحقيق نظام فدرالي، معظمهم من شرق ليبيا، وبعضهم من الجنوب. ونظرًا إلى صغر حجم هذه الكتل، فإنها لم تستطع الحفاظ على استقلاليتها وانحازت في معظم الأحيان إلى إحدى المجموعات الأكبر، بحسب القضية المطروحة  83. نجادل بأن إعادة قراءتنا لنتائج انتخابات المؤتمر الوطني العام تساهم في فهم كيف استطاع الإسلاميون وحلفاؤهم تمرير القوانين التي صبّت على نحٍوٍ صريح في مصلحة إقصاء قيادات تحالف القوى الوطنية عن العملية السياسية، وتقويض مكاسبه العددية داخل المؤتمر. ومثال على ذلك القرار رقم 7 وقانون العزل السياسي، عبر النظر في مآلات نتائج الانتخابات التي لم تحكمها نتائج التصويت فحسب، بل شملت عوامل أكثر تعقيدًا، مثل التوظيف السياسي للميليشيات العسكرية وقوى أخرى، من خارج المؤتمر الوطني، للتأثير في نتائج التصويت داخله، والتنافس حول الأعضاء المستقلين.

رابعًا: ديناميات الصراع في المؤتمر الوطني العام

ما إن بدأت أعمال المؤتمر الوطني العام، في أعقاب الإعلان عن نتائج الانتخابات، حتى أصبح البرلمان الليبي المنتخب، باعتباره أعلى سلطة سياسية في البلاد، مسرحًا لصراعات سياسية حامية، ساءلت صحة سردية فوز التيار الليبرالي للمشهد البرلماني الليبي، وذلك في ثلاث محطات: تشكيل الحكومة، وتمرير القرار رقم 7، وإقرار قانون العزل السياسي.

1. تشكيل الحكومة وتمرير القرار رقم 7

بدأت أولى بوادر الصراع بين المعسكرين بعد الانتخابات مع تشكيل أول حكومة منبثقة من المؤتمر الوطني العام، برئاسة معارض المنفى السابق المقرّب من الإسلاميين، مصطفى أبو شاقور، في أيلول/ سبتمبر 2012، بعدما حصل في الدورة الثانية لانتخاب رئيس الحكومة على 96 صوتًا، متفوّقًا على منافسه محمود جبريل بصوتين. وكان ذلك إشارة يمكن اعتبارها هي الأولى على عدم صحة أطروحة فوز الأطراف الموصوفة بالليبرالية أو العلمانية بانتخابات المؤتمر الوطني العام في عام 2011. لم يتمكن أبو شاقور من البقاء في منصبه، حيث عُِزَِلَ منه بعد أقل من شهر، حينما فشلت حكومته في نيل ثقة غالبية أعضاء المؤتمر  84. فأفسحت إقالته الفرصة أمام تشكيل حكومة جديدة

  1. جبريل يدعو إلى ائتلاف واسع ويعلن التزامه بمبادئ الشريعة"،  79 رصد، 2012/7/9، شوهد في 2023/10/25، في: https://rb.gy/txbqxe؛ في الواقع، لا يمكن فهم موقف جبريل هذا بمعزل عن الحملة الشرسة التي شنّها ضده خصومه من الإسلاميين، التي وصلت إلى حد أن مفتي الديار الليبية، الشيخ الصادق الغرياني، أصدر بنفسه فتوى تحرّم انتخاب تحالف القوى الوطنية، واتهم قياداته بمعاداة الشريعة الإسلامية. ينظر: "تسجيل صوتي الشيخ الصادق يفتي بحرمة التصويت لحزب محمود"، يوتيوب، 2012/7/7، شوهد في 2023/10/25، في: https://bit.ly/3skCQeX؛ "محاضرة يوم الجمعة، مسجد عقبة 2-3 الشيخ الصادق الغرياني"، يوتيوب، 2012/7/9، شوهد في 2023/10/25، في: https://bit.ly/47eDr0r
  2. 80  وصل عدد إجمالي المقاعد التي حصل عليها تحالف القوى الوطنية مع حلفائه المستقلين إلى 66 مقعدًا، فاز ب 93 منها التحالف رسميًا في القوائم، فاز ب 2 منها التيار الوطني الوسطي المعروف بتحالف قائده علي الترهوني مع جبريل، إضافة إلى 25 مستقلًا مرتبطين بالتحالف كما رصدهم لاشر (ينظر الجدولان 1 و.)3 أما بالنسبة إلى الإسلاميين وحلفائهم، فقد حصلوا على إجمالي 27 مقعدًا، توزعت كالتالي: 17 مقعدًا رسميًا لحزب العدالة والبناء في قوائم الكيانات السياسية، إضافة إلى حلفائه، مثل الجبهة الوطنية الفائز ب 3 مقاعد، ومقعدان لحزب الاتحاد من أجل الوطن، بزعامة السويحلي (العضو البارز في كتلة الوفاء لدماء الشهداء التي مهّدت الطريق أمام إقرار قانون العزل السياسي)، و 17 مقعدًا للمستقلين المتحالفين مع حزب العدالة البناء، وأخيرًا 33 مقعدًا للسلفيين والكيانات الصغيرة
  3. Lacher, "Fault Lines," p. 12. 82  Mezran, Lamen & Knecht, pp. 4-5.
  4. التي سنثبت كيفية استمالة معظمها لمصلحة الكتل البرلمانية التابعة للإسلاميين في إقرار القرار رقم 7 وقانون العزل السياسي. قارن الجدولين.)3(1() و
  5. إقالة أبو شاقور بعد رفض النواب لحكومته"،  83 الجزيرة نت، 2012/10/7، شوهد في 2023/10/27، في https://bit.ly/46OxfMV:

برئاسة علي زيدان، المعارض السابق في المنفى 85 والمقرّب من تحالف القوى الوطنية  86. قد يبدو أول وهلة أن تحالف القوى الوطنية أسقط حكومة أبو شاقور وعّي نزيدان بدلًامنه، لكن الحيثيات المحيطة بتشكيل حكومة زيدان لا تؤكد هذا الأمر. فقد تم تشكيل هذه الحكومة بعد نيلها ثقة 105 أعضاء من أصل 132 حضروا الجلسة 87، في حين أن عدد أعضاء المؤتمر الوطني المنتخبين 212. تكوّنت الكتلة الداعمة لحكومة زيدان من مزيج معقّد من التحالف الوطني والإسلاميين وممثّلين لأطراف محلّية، وأتت في الأساس لتحقّق توازنًا سياسيًا ومناطقيًا. فاحتفظ التكنوقراط بالمناصب السيادية في الحكومة 88، في حين شغل بقية الوزارات مرشحون عن التحالف والإسلاميين بالتناوب، كذلك كانت الحال في ما يخص وكلاء الوزارات 89. اعتبر بعضهم أن اختيار زيدان أتى لافتقاره إلى قاعدة نفوذ شخصية خاصة به؛ ما جعله ظاهريًا لا يشكّل أي تهديد للقوى الإسلامية داخل المؤتمر، على الرغم من كونه مبدئيًا مقرّبًا من التحالف 90. أضف إلى ذلك أن القوى الإسلامية والمتحالفين معها من الثوار السابقين ظهروا منذ أول وهلة أقوى بفعل الدور الذي قامت به هيئة النزاهة في إضعاف خصومهم؛ حيث لم تمنع الصيغة التوافقية، التي شُكّلت بها حكومة زيدان، هيئَةَ النزاهة 91 من عرقلتها، بعد أن باتت تتدخّل حتى في عمل أعضاء المؤتمر الوطني المنتخبين ديمقراطيًا. في يوم أداء اليمين الدستورية، تغيّب 8 أعضاء من الحكومة بعد أن أوقفتهم الهيئة وحققت معهم  92. أصبح عمل هيئة النزاهة أشبه بلجنة التطهير التي تضع المعايير اللازمة لمن يسمح له بأن يكون جزءًا من النظام السياسي الجديد في ليبيا، ومن لا يسمح له. فمن بين خمسة عشر عضوًا في المؤتمر الوطني العام الذين استبعدتهم الهيئة، تسعة منهم محسوبون على مدن أو مناطق اعُتبُرت ضد "الثورة"، ثلاثة منهم كانوا أعضاء في التحالف، إضافة إلى مستقلين مرتبطين به. يضاف إلى ذلك أنه بسبب قرارات هيئة النزاهة، لم يكن للطوارق أي تمثيل في المؤتمر الوطني العام من أيلول/ سبتمبر 2012 إلى أيار/ مايو 2013، وهم الذين نظر إليهم بصفتهم أنصارًا لنظام القذافي، كما شُطبت عضوية ممثل بلدة بني وليد بحلول كانون الثاني/ يناير 2013. ومن ثمّ لم تتمكن هذه الأطراف داخل المؤتمر من ممارسة أي تأثير في التعيينات الوزارية أو النقاش حول العملية الدستورية  93، علمًاأن مصالحهم تعارضت مع مصالح التيار الإسلامي وحلفائه الثوار، في ما سنصطلح عليه في ما يلي ب "المعسكر الإسلامي – الثوري." بدأ المعسكر الإسلامي - الثوري في المؤتمر الوطني بإظهار مواقفه المتصلبة إزاء القوى المحسوبة على نظام القذافي، في ما اعتبره دفاعًا عن "الثورة" من "أزلام النظام السابق." ففي تشرين الأول/ أكتوبر 2012، ضغط الإسلاميون وحلفاؤهم في اتجاه شنّ عملية عسكرية ضد مدينة بني وليد 180(كيلومترًا جنوب شرق طرابلس)، بدعوى احتضانها عددًا من فلول النظام السابق  94. فقد تحدّت مجموعة من القوى فيها النظام السياسي الجديد منذ البداية  95، وتفاقمت التوترات بعد احتجاز بعض المسلّحين في المدينة رهائن من مدينة مصراتة، من بينهم مقاتل سابق ممن ألقوا القبض على معمر القذافي في سرت، الذي توَيّف متأثرًا بجراحه بعد اختطافه قريبًا من بني وليد  96؛ ما دفع عددًا من أعضاء المؤتمر، بقيادة عبد الرحمن السويحلي، المنحدر من مدينة مصراتة، وزعيم حزب الاتحاد من

  1. 84  فاز حزب زيدان (حزب الوطن للتنمية والرفاه) بمقعد واحد في قائمة الكيانات السياسية، في حين أن زيدان نفسه انتخب عضوًا مستقلًاعن مسقط رأسه في منطقة الجفرة، جنوب ليبيا.
  2. 85  ظهرت بوادر علاقات زيدان بتحالف القوى الوطنية من خلال تحركاته المبكرة ضد الإسلاميين وحلفائهم، ففي كانون الأول/ ديسمبر 2012، جرد زيدان وزير الإسكان علي حسين الشريف، أحد رموز الإخوان المسلمين، من سلطاته وعين مكانه نائبه. علاوة على ذلك، فقد تجاوز زيدان مرشحًا من جماعة الإخوان المسلمين لمنصب وزير الشؤون الدينية، واختار بدلًا من ذلك عبد السلام أبو سعد، المحسوب على التحالف، وهو شخص يُنظر إليه على نطاق واسع على أنه قريب من النظام السابق. ينظر: 4 p. Knecht, & Lamen.Mezran,
  3. ليبيا: حكومة زيدان تنال ثقة المؤتمر الوطني العام"،  86 دويتشه فيله، 2012/10/31، شوهد في 2023/10/27، في https://bit.ly/3Qbv4fn:
  4. 87  لم يكن لدى وزراء الخارجية والداخلية والدفاع والعدل والمالية ظاهريًا انتماء واضح
  5. 88  على سبيل المثال مُثّلت الفصائل الثورية والإسلامية بشخصيات مثل القيادي السابق للجماعة الليبية المقاتلة خالد الشريف والتهامي بوزيان، وكلاَءَ لوزارة الدفاع، والعضو السابق في الجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة عبد الباسط بوحليقة وكيلًالوزارة الداخلية.
  6. Lacher, Libya's Fragmentation , p. 29.
  7. 90  للمزيد عن كيفية تشكّل الهيئة وآلية عملها، ينظر: المجلس الوطني الانتقالي، "قانون رقم 26() لسنة 2012 م بشأن الهيئة العليا لتطبيق معايير النزاهة والوطنية."
  8. 91  بارغيتر، ص.28 92  Lacher, "Fault Lines," p. 13.
  9. لأي من التيارين السياسيين المتنافسين داخل المؤتمر الوطني العام؛ حيث عَُنّي جميعهم من خارج المؤتمر.
  10. Lacher, Libya's Fragmentation , p. 30.
  11. 94   " موالون للقذافي يقتلون 4 من الثوار ويسيطرون على بعض مناطق بني وليد"، بي بي سي عربي، 2012/1/23، شوهد في 2023/10/27، في: https://rb.gy/vowehs؛ "مقتل 10 الجزيرة نت ثوار في بني وليد"،، 2012/1/24، شوهد في 2023/10/27، فh يttps://bit.ly/3QHSHha:
  12. 95   " وفاة المقاتل الليبي الذي شارك في إلقاء القبض على العقيد معمر القذافي في باريس"، فرانس 24، 2012/9/27، شوهد في 2023/10/27، في: https://bit.ly/3SogWC0

أجل الوطن  97، إضافة إلى نواب آخرين من زليتن98 ومصراتة وسوق الجمعة وتاجوراء، للضغط على المؤتمر الوطني من أجل إصدار ما عُرف بالقرار رقم 7 الذي خوّل كتائب تابعة لميليشيات درع ليبيا99 في مدينَتَي مصراتة والزاوية، بالهجوم على مدينة بني وليد؛ فأدّى ذلك إلى تشريد آلاف المدنيين، إضافة إلى نهٍبٍ وتدمير للعديد من المباني والمؤسسات والمنازل داخل المدينة  100. جرى التصويت على قرار رقم 7 في غياب أكثر من ثلث النواب، كما غادر العديد منهم قاعة المؤتمر ليتجنّبوا التصويت على القرار الذي أقّر في النهاية ب 65 صوتًا، في مقابل 7 أصوات ضده، في حين امتنع 55 عضوًا آخرين عن التصويت  101. على الرغم من التأييد الضعيف الذي حصل عليه القرار، مقارنةً بعدد نواب المؤتمر، فإنه ما كان ليرى النور من دون ضغط قوة عسكرية على الأرض تابعة سياسيًا للمعسكر الإسلامي - الثوري، في الوقت الذي زعم الناطق باسم المؤتمر الوطني العام، عمر حميدان 102، أن الميليشيات عثرت على ابن القذافي خميس مقتولًافي بني وليد لشرعنة العملية العسكرية  103. أوضحت هذه العملية أن تحالف القوى الوطنية، إضافة إلى عدم امتلاكه الغالبية العددية داخل المؤتمر، أصبح عاجزًا عن القيام بأي دور حقيقي داخله، أو التأثير في قراراته حتى لحماية مصالح فئات اجتماعية وسياسية قد تكون أقرب إليه من غيره. وذلك بعدما وجد نفسه أمام التوظيف العلني للميليشيات المسلّحة في الصراع السياسي داخل المؤتمر الوطني، وما رافق ذلك من تزايد في إجراءات "الشرعنة" للعديد من الميليشيات التي أصبحت تابعة شكليًا لوزارتي الدفاع والداخلية اللتين امتلكتا صلاحيات التوظيف والتجنيد، بناءً على معايير ذات طبيعة الزبونية - مسيّسة. وتدريجًا، أصبحت مشاهد اقتحام الميليشيات المسلّحة مقرّ المؤتمر الوطني أمرًا عاديًا  104. استمدت معظم الميليشيات المسلّحة شرعيتها من حملها السلاح وقتالها ضد نظام القذافي، لكن تواطؤ النخب السياسية مع قادتها، وضعف الحكومات المتعاقبة في التعامل معها، أدّيا دورًا كبيرًا في إضفاء شرعية مؤسسية على عملها، على الرغم من الوعود والمقترحات التي قُدّمت عبر الجهات الرسمية بشأن نزع سلاح الميليشيات وإعادة بناء الجيش.

2. التصويت على قانون العزل السياسي

بعد نجاح المعسكر الإسلامي - الثوري في إقرار القرار رقم 7، اتجه بعد ذلك مستغلًاضعف خصمه إلى الضغط في اتجاه تمرير مشروع قانون العزل السياسي، الهادف إلى إقصاء كل من عمل ضمن النظام السابق، وذلك بطريقة أكثر شمولية من تلك التي حدّدتها هيئة النزاهة وعملت على تطبيقها. تعود الجذور الأولى لقانون العزل السياسي إلى الإعلان الدستوري الذي أصدره المجلس الانتقالي وشكّل بموجبه هيئة النزاهة. وعلى الرغم من أن الهيئة قد أقصت عددًا

  1. 96  طرح حزب الاتحاد من أجل الوطن نفسه حزبًا وطنيًا برؤى مناهضة للمركزية، لكنه يرفض النموذج الفدرالي كما تطرحه القوى الفدرالية في شرق البلاد. يقع مقر هذا الحزب في مصراتة، ويعارض بشدة أولئك الذين خدموا في نظام القذافي، بمن فيهم أولئك الذين أعلنوا انشقاقهم عن نظام القذافي وانضموا إلى المجلس الوطني الانتقالي. فاز الحزب بمقعدين ضمن القوائم الحزبية في المؤتمر الوطني العام وفقًا للأصوات التي حصل عليها في مدينة مصراتة فحسب، على الرغم من أنه حاول الظهور بمظهر وطني. ينظر: Lacher, "Fault Lines," p. 9.
  2. 97  على الرغم من أن زليتن تحسب على المدن التي لم تلتحق بركاب "الثورة." وهو ما ينبّهنا إلى أهمية الدوافع والمصالح الشخصية المؤقتة في اتخاذ بعض النواب الممثلين لبعض المناطق والمدن قراراتهم، من أجل دعم أحد أطراف الصراع داخل المؤتمر الوطني.
  3. 98  كتيبة درع ليبيا أو (قوة درع ليبيا) هي تجمع لمجموعة كتائب مسلحة كانت ضمن كتائب الثوار الذين ساهموا في إطاحة نظام القذافي، لها حضور في العديد من مناطق ليبيا بعد انتفاضة 17 فبراير، واكتسبت سمعة بأنها تابعة للإسلاميين، وبتوجهات محسوبة على الإخوان المسلمين تحديدًا، مع أنها ظاهريًا تتبع وزارة الدفاع الليبية. للمزيد حول ميليشيات درع ليبيا وكيفية تشكّلها، ينظر: Wolfram Lacher & Peter Cole, "Politics by Other Means Conflicting Interests in Libya's Security Sector,'' Small Arms Survey Graduate Institute of International and Development (May 2014), pp. 39-52.
  4. 99  أثارت تداعيات العملية استياء أوساط مختلفة داخل المجتمع الليبي؛ خاصة في مدينة بنغازي التي تعتبر شرارة الانتفاضة ضد نظام القذافي، ما يشير إلى تعقّد كبير في وجهات نظر القوى السياسية والشعبية تجاه التعامل مع المدن والمناطق المحسوبة على النظام السابق. ينظر: "اقتحام مجمع المؤتمر الوطني العام ومقر قناة خاصة ببنغازي على خلفية قصف بني وليد"، فرانس 24، 2022/10/22، شوهد في 2023/10/27، في: https://bit.ly/40pTRkr
  5. Lacher, "Fault Lines," p. 13.
  6. 101  تجدر الإشارة هنا، إلى أن عمر حميدان، كان مرشّحًا عن تحالف القوى الوطنية الذي عارض الحملة العسكرية على مدينة بني وليد.
  7. 102   " عمر حميدان يؤكد مقتل خميس نجل الطاغية"، يوتيوب، 2012/10/20، شوهد في 2023/10/27، في https://rb.gy/9rzfw9:
  8. اقتحام مقر المؤتمر الوطني الليبي وتأجيل التصويت على حكومة زيدان"،  103 دويتشه، 2012/10/30، شوهد في 2023/10/27، في https://bit.ly/40oiGNy: فيله

كبيرًا من الليبيين المحسوبين على نظام القذافي من المشاركة في الحياة السياسية، فإن عملها ظلّ يصطدم بالقضاء من حين إلى آخر في ما أصبح يشبه معركة قانونية بين من يرغب في رؤية جميع خصومه السياسيين خارج المشهد السياسي، ومن يحاول البقاء فيه. سارع عدد من النواب المحسوبين على المعسكر الإسلامي – الثوري، في 24 كانون الأول/ ديسمبر 2012، إلى وضع مقترحات أولية متعلّقة بقانون العزل السياسي، بما يضمن امتداده إلى خارج المؤتمر ليشمل جميع العاملين سابقًا في المؤسسات والشركات وحتى القضاء  105. لم يمض يومان حتى صوّت المؤتمر الوطني على مقترح في خصوص إقرار قانون العزل السياسي، وتعيين لجنة خاصة من الخبراء القانونيين وممثّلين عن المؤتمر لصياغة مسوّدة خاصة به. وعلى الرغم من التصويت على المقترح بغالبية 125 صوتًا داخل المؤتمر 106، فإن تحالف القوى الوطنية أظهر معارضة قوية لمقترح القانون؛ ولم تتمحور اعتراضاته عليه في كونه سيفرغ البلاد من الخبرات والكفاءات التي تحتاج إليها فحسب، إنما بالتأكيد على أن القانون في حال إقراره سيقصي عددًا كبيرًا من أعضائه، وعلى رأسهم زعيمه محمود جبريل  107. في هذا السياق، أسّس النائب الإسلامي عبد الوهاب القايد (في كانون الثاني/ يناير 2013) كتلة برلمانية سُمّيت كتلة "الوفاء لدماء الشهداء"، يقدّر عددها بنحو 06 عضوًا 108، معظمهم تابعون للتيار الإسلامي (إخوان مسلمون، وسلفيون)، أما البقية فتابعة للمعسكر الثوري (نواب من بعض مدن جبل نفوسة، ومعارضو المنفى سابقًا)، فضلًاعن أعضاء لم تُعرف انتماءاتهم بصفة واضحة بعد  109. في المقابل، شكّل تحالف القوى الوطنية في آذار/ مارس 2013 كتلة "يا بلادي"، بالتحالف مع بعض الأعضاء المستقلين من مناطق جنوب ليبيا ووسطها، ويقدّر عددها بنحو 40-20 عضوًا 110. كشف ظهور الكتل البرلمانية المختلفة عن دخول الصراع بين النخب السياسية الليبية مرحلة جديدة من الاستقطاب، التي بدت فيها موازين القوى العددية داخل المؤتمر الوطني العام تصب بكل وضوح في مصلحة التيار الإسلامي والمتحالفين معه من القوى الثورية. على هذا الأساس، تحركت القوى السياسية المؤيدة لقانون العزل السياسي لفرضه، بعدما شكّلت تحالفًا قويًا داخل المؤتمر الوطني، بقيادة عبد الرحمن السويحلي  111، زعيم حزب الاتحاد من أجل الوطن، بالتعاون مع كتلَتَي حزب العدالة والبناء، والوفاء لدماء الشهداء. تجدر الإشارة هنا إلى أن المعسكر الإسلامي - الثوري لم يكتف بحشد نوابه المناصرين لإصدار القانون داخل المؤتمر فحسب، بل حاول كذلك تعبئة الشارع، بإنشائه ما أ طلق عليها "تنسيقيات العزل السياسي" في أكثر من مدينة، للمطالبة بإقرار القانون 112. حصل المعسكر الإسلامي - الثوري كذلك على دعم كبير من التيار الإسلامي المرتبط بمفتي الديار الليبية الشيخ الصادق الغرياني الذي أيد قانون العزل السياسي واعتبره أكثر من ممتاز، وأنه في حال تم تطبيقه، فستكون تلك هي البداية لتحقيق أهداف الثورة 113. ليس هذا فحسب، بل ذهب إلى الحد الذي اعتبر في ما يشبه الفتوى أن التظاهر من أجل تأييد القانون يُعدّ فرض كفاية على الليبيين  114. في الجهة الأخرى، حاول تحالف القوى الوطنية عرقلة صدور قانون العزل السياسي باتباعه تكتيكات مختلفة: أبرزها طلبه تعديل القانون ليقتصر تطبيقه على الذين ارتكبوا أعمالًاإجرامية فحسب، ومطالبته باستثناء من انشقّوا عن النظام وانحازوا إلى الانتفاضة في بدايتها، كما تغيّب بعض أعضائه عن جلسات المؤتمر للحيلولة دون اكتمال النصاب اللازم للتصويت على القانون. نتيجة لذلك، اتجه المعسكر الإسلامي - الثوري إلى الميليشيات المسلحة من أجل إقرار القانون  115. في 6 آذار/ مارس 2013، اقتحم نحو 00-3005 شخص، معظمهم من المسلّحين، اجتماعًا للمؤتمر الوطني كان يعقد في مقر بديل من مقرّه الأصلي في ضواحي طرابلس. وعلى الرغم من أن الاجتماع لم يحضره سوى 26 نائبًا، فإن المقتحمين احتجزوهم قرابة يوم كامل، ورفضوا السماح

  1. GNC Members Issue Statement on 'Isolation Law'," Libya Herald , 24/12/2012, accessed on 29/10/2023, at: https://rb.gy/ix5xai
  2. ليبيا تقر قانون 'العزل السياسي' لفلول القذافي"،  105 دنيا الوطن، 2012/12/26، شوهد في 2023/10/30، في https://bit.ly/3QDw5y0:
  3. 106  بارغيتر، ص 3.2
  4. 107  خيري عمر، "الأزمة الدستورية في ليبيا: أبعاد الصراع بين المكونات السياسية "، سياسات عربية، مج 3، العدد 13 (آذار/ مارس 2015)، ص.32-31
  5. Lacher, Libya's Fragmentation , p. 30.
  6. يا بلادي... كتلة برلمانية جديدة في ليبيا"،  109 أخبار اليوم، 2013/3/12، شوهد في
  7. 110   " المداخلة الكاملة لعبد الرحمن السويحلي بخصوص العزل"، يوتيوب، 2013/3/6، شوهد في 2023/10/29، في https://rb.gy/k2kf9y:
  8. تنسيقية العزل السياسي تعلن تمسّكها بإصدار قانون العزل السياسي"،  111 وكالة الأنباء الليبية، 2013/3/7، شوهد في 2023/10/29، في: https://rb.gy/o2aipo؛ ى توّل قيادة "تنسيقيات العزل السياسي" المنظّر السابق للجماعة الليبية الإسلامية المقاتلة، سامي الساعدي، بالتعاون مع المجلس الأعلى لثوار ليبيا. ينظر: "كلمة الشيخ سامي الساعدي، اعتصام العزل السياسي 2013/3/5"، مركز صبراتة الإعلامي، يوتيوب، 2013/3/6، شوهد في 2023/10/29، في https://rb.gy/izufgs:
  9. مفتي ليبيا: قانون العزل السياسي المطروح أكثر من ممتاز"،  112 ليبيا المستقبل، 2013/2/20، شوهد في 2023/10/29، في https://rb.gy/lj6doi:
  10. 113   " مهم جدًا الشيخ الصادق الغرياني بتاريخ 2013/4/6 الخروج لمظاهرة العزل السياسي واجب على الليبيين"، يوتيوب، 2013/4/7، شوهد في 2023/10/29، في: https://rb.gy/jjh6vs 114  بارغيتر، ص 3.4
  11. 2023/10/29، في https://rb.gy/rpuhqq:

بدخول الطعام والشراب إليهم، بل تفاقم الأمر ليصل إلى حد الاعتداء

جهة التصويتعدد الأصوات بنعم
الرسالة1
النائبة نعيمة رمضان دلف (لم ُيُعثر على
بيانات الجهة المترّشّحة عنها، لكنها صوتت
بنعم على إقرار القانون)
1
المجموع163

جسديًا على بعض النواب، بمن فيهم رئيس المؤتمر الوطني نفسه محمد المقريف الذي تعرّضت سيارته لوابل من الرصاص  116. وفي 29 و 03 نيسان/ أبريل 2013 على التوالي، حاصرت الميليشيات العسكرية القادمة من مصراتة، بالمشاركة مع ميليشيات من طرابلس والزاوية وبعض المدن في غرب البلاد، وزارَت يالعدل والخارجية من أجل الضغط على المؤتمر الوطني والحكومة، لإصدار قانون العزل السياسي 117. الجدول)4(المصوّتون بنعم على قانون العزل السياسي وعدد الأصوات

جهة التصويتعدد الأصوات بنعم
النواب المستقلون100
تحالف القوى الوطنية27
حزب العدالة والبناء (الإخوان المسلمون)17
التيار الوطني الوسطي2
الاتحاد من أجل الوطن2
الجبهة الوطنية2
الحزب الوطني الليبي1
ليبيا الأمل1
تجمع لبيك وطني1
التجمع الوطني بوادي الشاطئ1
تجمع الأصالة والتقدم1
تجمع الأصالة والتجديد1
الوطن والنماء1
تجمع وادي الحياة للديمقراطية والتنمية1
تجمع الأمة الوسط1
الوطن للتنمية والرفاه1
كتلة الأحزاب الوطنية1

كتلة الأحزاب الوطنية 1 المجموع 163

صوّت المؤتمر الوطني على القانون أخيرًا في 5 أيار/ مايو 2013، في جلسة حضرها 168 نائبًا، اختار 163 منهم التصويت لمصلحة إقرار القانون، في مقابل 5 صوتوا ضده، بينما تغيّب نحو 20 عضوًا عن الجلسة. أما بالنسبة إلى الاثني عشر عضوًا المتبقين من إجمالي عدد نواب المؤتمر الوطني ال 200، فلم يتسنّ لنا العثور على بياناتهم، أو أماكنهم خلال عقد الجلسة، ونرجّح أن عددًا منهم كان قد استقال أو عُِزَِلَ من هيئة النزاهة. جاءت المادة الأولى 118 في قانون العزل السياسي بصيغة متطرفة للغاية، إلى الحد الذي يستحيل تطبيقها عمليًا؛ على اعتبار أن الصيغة النهائية لم تفرّق بين المنصب وسلوك صاحبه، خاصة إن علمنا أن الدولة، في عهد نظام القذافي الذي استمر مدة 42 عامًا، كانت مصدر الدخل الوحيد لدى الغالبية العظمى من السكّان المعتمدين على الرواتب الحكومية. فهذه الصيغة تعني ضمنيًا إمكانية طرد معظم النواب من مناصبهم (لأن معظمهم عملوا موظفين في دولة القذافي)، إّل اأنهم لأسباب انتهازية شخصية، أو بسبب الخوف، صوّتوا عمليًا ضد أنفسهم. ومن بين هؤلاء النواب المقريف، رئيس المؤتمر الوطني الذي شغل منصب سفير، قبل أن ينشق عن القذافي في بداية الثمانينيات، ويشكّل جبهة الإنقاذ الوطني المعارضة في المنفى، وجمعة اعتيقة نائب رئيس المؤتمر الوطني، والرئيس السابق لمنظمة القذافي لحقوق الإنسان  119.

  1. 115   " مسلحون وسط حشد من المحتجين يطلقون النار على سيارة رئيس المؤتمر الليبي "،
  2. 116   " العزل السياسي في ليبيا: مسلحون يحاصرون وزارة العدل للمطالبة بإقصاء رموز بي بي سي عربي القذافي"،، 2013/4/30، شوهد في 2023/10/29، في: https://rb.gy/yuyoti؛ بي بي سي عربي "مسلحون يحاصرون مقر وزارة الخارجية في ليبيا"،، 2013/4/28، شوهد في 2023/10/29، في https://bbc.in/3QoKFYW: المصدر: من إعداد الباحث اعتمادًا على البيانات المتوفّرة في بث جلسة العزل على الهواء مباشرة في قناة ليبيا الوطنية: "التصويت بالاسم لأعضاء المؤتمر الوطني حول قانون العزل السياسي (للذكرى")، يوتيوب، 2013/5/5، شوهد في 2023/10/30، فh يttps://bit.ly/3s8UcLR: 117  تحظر المادة الأولى في قانون العزل السياسي كل من عمل في النظام السابق 2011-1969()، ممن توّل ىالمناصب والوظائف العامة، إضافة إلى كل من يشتبه بإفساده الحياة السياسية والاقتصادية في البلاد خلال عهد القذافي. للمزيد من التفاصيل، ينظر: المؤتمر الوطني العام-ليبيا، "قانون رقم 13() لسنة 2013 م في شأن العزل السياسي والإداري"، 2013/5/8، شوهد في 2023/10/30، في https://bit.ly/49mDrxx:
  3. رويترز، 2013/3/6، شوهد في 2023/10/29، في: https://reut.rs/3QG2ior؛ كذلك للمزيد من التفاصيل، ينظر شهادة رئيس المؤتمر الوطني السابق في برنامج "شاهد على العصر" الجزيرة، ينظر: "شاهد على العصر| محمد المقريف في قناة 17() قانون العزل السياسي ومحاولة اغتيال المقريف"، قناة الجزيرة، يوتيوب، 2020/3/22، شوهد في 2023/10/29، فh يttps://bit.ly/3Mqqf0t:
  4. 118  صرّح محمد المقريف (الرئيس السابق للمؤتمر الوطني) في لقاء معه ضمن برنامج "شاهد على العصر" في عام 2020، بأن قانون العزل السياسي كان من أكثر القوانين ظلمًافي مرحلة ما بعد القذافي، لأنه لم يفرّق بين من عمل موظفًا عاديًا في الدولة، ومن أجرم في حق الشعب الليبي. ينظر: "شاهد على العصر| محمد المقريف 17(.")

عمومًا، أثبتت نتائج التصويت اتساق موقف المعسكر الإسلامي - الثوري، بعدما تمكّن من تحقيق غالبية تصويتية عبر كتلَتَي الوفاء لدماء الشهداء، وحزب العدالة والبناء الذي صوت أعضاؤه ال 17 لمصلحة القرار، إضافة إلى المستقلين وبعض الكيانات الصغيرة 120 (معظمها من مناطق ضعيفة التمثيل عسكريًا واقتصاديًا في النظام الجديد، وتقع ضمن وسط ليبيا وجنوبها تحديدًا.) يضاف إلى ذلك الدور الحاسم للميليشيات العسكرية التي اعُتُمدت وسيلَةَ ضغط، وظّفها المعسكر الإسلامي - الثوري ببراعة. تكشف نتائج التصويت، كذلك عن تناقض كبير في موقف تحالف القوى الوطنية؛ حيث صوّت 27 عضوًا من أعضائه لمصلحة إقرار القانون، على الرغم من أنه صُمَّمَ خصّيصًا لإقصاء قياداته وعلى رأسهم زعيمه محمود جبريل، في مقابل تغيّب 7 منهم عن الجلسة، وتصويت 3 منهم فقط ضد القرار.

في الحصيلة، أدّى الضغط الذي شكلته الميليشيات المسلحة إلى تسريع إقرار قانون العزل السياسي الذي أثبت أيضًا أن الإسلاميين، على الرغم من عدم تحصيلهم غالبية مقاعد القوائم الحزبية في انتخابات تموز/ يوليو 2012، من جهة، يتمتعون في المؤتمر الوطني العام بكتلة متماسكة وقوية، لا تقتصر على الأعضاء المنتخبين باسم حزب العدالة والبناء، الذين أظهروا ولاءً أقوى كثيرًا من أولئك المرتبطين بالتحالف الوطني. ومن جهة أخرى، أثبتوا قدرتهم على الاستفادة من علاقتهم بالحكومات المتعاقبة لبناء قدرات تنظيمية، اسُتُخدمت لزيادة نفوذهم السياسي، وتوظيف الميليشيات المرتبطة بهم مباشرة أو المتحالفة معهم من القوى الثورية المسلحة في حالة لجأ خصومهم في المؤتمر الوطني العام إلى تعطيل عمله، مثلًامن خلال عدم توفير النصاب القانوني اللازم للتصويت على القوانين التي تتطلب غالبية معينة. تمِّكِن أيضًا الظروف المحيطة بفرض قانون العزل السياسي من فهم أفضل لطبيعة تحالف القوى الوطنية، الذي هو أشبه بتحالف انتخابي أكثر من كونه حزبًا سياسيًا محكومًا بأيديولوجيا واضحة. ففي الوقت الذي نجحت فيه استراتيجياته الانتخابية في زيادة قاعدته التصويتية، فإن هيكله الواسع والمصمّم أساسًا للفوز بانتخابات المؤتمر الوطني العام انعكس سلبيًا على أدائه داخل المؤتمر. فقد ظهر بأداءٍ ضعيف، وفاقد لأي نوع من التماسك، والولاء الطويل الأمد لبرامجه وأجنداته. وهو ما مكّن خصومه من الإسلاميين وحلفائهم من تقويض شرعيته السياسية - الانتخابية بسهولة، بما يتوافق مع مصالحهم، مستفيدين من تماسكهم الأيديولوجي. بعد إقرار القانون، استقال كل من رئيس المؤتمر محمد المقريف 121 ونائبه جمعة اعتيقة  122. وُنُصّب نوري أبو سهمين، النائب الأمازيغي والعضو في كتلة الوفاء لدماء الشهداء، رئيسًا للمؤتمر الوطني العام  123. لم ينتظر أبو سهمين كثيرًا لبدء العمل على استكمال سياسات المعسكر الإسلامي - الثوري، من أجل ضمان الحفاظ على المكاسب التي أ حرزت بعد إقرار قانون العزل السياسي، ولإزاحة المزيد من المنافسين حتى المعتدلين والتوافقيين منهم. فانتحل صفة "القائد الأعلى للقوات المسلّحة" باعتباره رئيسًا لأعلى سلطة سياسية في البلاد، واستخدم أيضًا صلاحياته في زيادة الميزانيات المخصّصة للميليشيات العسكرية المتحالفة مع المعسكر الذي ينتمي إليه، إضافة إلى تأسيسه ميليشيات جديدة، عرفت باسم "غرفة عمليات ثوار ليبيا" 124.

  1. 119  على سبيل المثال: حزب (لبيك وطني في مدينة سبها)، وحزب (الحكمة في إجدابيا)، حزب (تجمع وادي الحياة للديمقراطية والتنمية في أوباري.)
  2. 120   " استقالة رئيس المؤتمر العام الليبي محمد المقريف بعد إقرار قانون 'العزل السياسي "'، بي بي سي عربي، 2013/10/30، شوهد في 2023/3/14، في: https://bbc.in/3FKxDAh
  3. استقالة النائب الأول لرئيس البرلمان الليبي"،  121 وكالة الأنباء السعودية، 2013/7/16، شوهد في 2023/10/31، في https://rb.gy/6kybpa:
  4. انتخاب نوري أبو سهمين رئيسًا للبرلمان الليبي"،  122 بي بي سي عربي، 2013/6/25، شوهد في 2023/10/31، في https://bbc.in/3QJtaEl:
  5. 123  في حزيران/ يونيو 2013، جمع رئيس المؤتمر الوطني العام أبو سهمين بعض الميليشيات السابقة التابعة لوزارة الدفاع، تحت اسم "غرفة عمليات الثوار الليبيين"، وكلّفها بتوفير الأمن لطرابلس في تموز/ يوليو 2013. ومنح أبو سهمين نفَسَه صلاحيات القائد العام للجيش الوطني الليبي ورئيس غرفة عمليات الثوار في البداية. ينظر: Pack, Mezran & Eljarh, pp. 47-48.

في وقت ظل المؤتمر الوطني العام يسير في طريق مسدودة، بدأت الأطراف التي شعرت بأنها أ قصيت من العملية السياسية (تحالف القوى الوطنية وميليشيات الزنتان، وبعض القوى المحسوبة على النظام السابق والقوى الفدرالية، وبقايا ضباط الجيش النظامي المهمّشين بقيادة خليفة حفتر) في إلقاء اللوم أكثر فأكثر على المؤتمر الذي اعُتبُر مختطفًا من الإسلاميين. وأصبح ينظر إلى العمل العسكري على أنه التكتيك الأنجح بعد فرض المعسكر الإسلامي - الثوري القرار رقم 7 وقانون العزل السياسي، وباتت جميع الأطراف الأخرى تراهن على العنف في تحقيق أهدافها. دخلت ليبيا مرحلة الحرب الأهلية الشاملة، بدءًا بإعلان حفتر عملية "الكرامة"، في 16 أيار/ مايو 2014 125؛ وهي حملة عسكرية استهدفت في الأساس مجموعة من الميليشيات المسلّحة التابعة لفصائل ثورية وأخرى إسلامية، بعضها جهادي (كتنظيم أنصار الشريعة)، والمتحالفة سياسيًا مع القوى المسيطرة على المؤتمر الوطني. سارعت الأطراف السياسية المتصارعة مع المعسكر الإسلامي - الثوري إلى تأييد عملية الكرامة، فقد أصدر تحالف القوى الوطنية بيانًا دعا فيه إلى تأييد العملية، بوصفها عملية وطنية يقوم بها الجيش الليبي لتخليص البلد من التطرّف والإرهاب، مشدًّدًا على ضرورة "أن تلتزم قيادات الجيش الوطني الُمُشاِرِكة في العملية بالوعد الذي قطعته أمام نفسها والشعب بعدم التدخل في شؤون الحياة السياسية بأي شكل وحماية المسار الديمقراطي الذي اختاره الليبيون في الثورة" 126. بعد يومين من بيان حفتر، شنت ميليشيتا القعقاع والصواعق هجومًا على المؤتمر الوطني العام، خلال جلسته المخصّصة للتصويت على حكومة أحمد معيتيق، وذلك في خطوة اعتبرها خصومهم بداية لانقلاب عسكري وشيك، خطّط له حفتر، بالتنسيق مع ميليشيات مدينة الزنتان الُمُستهدفة معظم قياداتها بالعزل السياسي، خاصة أن المتحدّث السابق باسم عملية الكرامة الرائد محمد الحجازي كان قد صرّح أن وحدات تابعة للجيش الليبي قد أخذت في النزول إلى شوارع العاصمة الليبية لتخليصها من الجماعات المتطرّفة والمتحالفين معها، بعد تعليق عمل مؤسسات الدولة كافة  127. أدّت العملية العسكرية التي كان يقودها حفتر في شرق البلاد، تزامنًا مع التحرّكات العسكرية لميليشيات الزنتان في غربها، إلى ظهور عملية فجر ليبيا 128 في عملية استباقية لمنع "نقل" عملية الكرامة إلى غرب البلاد. وقبل أن يؤدي مجلس النواب اليمين الدستورية، شنّت ميليشيات فجر ليبيا هجومًا في 13 تموز/ يوليو 2014 على طرابلس، وتمكّنت من فرض سيطرتها عليها في نهاية آب/ أغسطس 2014 .

خاتمة

بعد مرور قرابة أكثر من عقد على انتخاب المؤتمر الوطني العام، في تموز/ يوليو 2012، تعود هذه الدراسة لتراجع التأويلات التي رافقت الإعلان عن نتائج انتخاباته، حيث بيّنا فيها أن الأطروحة القائلة إن المسار الانتخابي الليبي أسفر عن فوز التيار الليبرالي على حساب التيار الإسلامي غير دقيقة، إن لم تكن "ُمُضلّلة"؛ على اعتبار إغفال طبيعة النظام الانتخابي الذي جعل فئة المستقلين التي أريد لها أن تكون نظريًا مستقلة عن التكتلات السياسية، لكنها، في الحقيقة، لم تكن غالبية أفرادها، عمليًا، كذلك. وذلك لأن نسبة من هؤلاء النواب كانت قريبة من التيار الإسلامي أو المجموعات الثورية لأسباب أيديولوجية أو مناطقية حتى قبل انتخابهم، أو لأن المعسكر الإسلامي - الثوري تمكّن من ضمان إصفافهم إلى جانبه في المؤتمر الوطني العام، لأسباب مصلحية، أو بالإكراه عن طريق توظيف القوة الضاغطة للميليشيات، حيث محاصرة المؤتمر، أو حتى السيطرة على مقرّه ودخول جلساته إن لزم الأمر. مما سبق، نخلص إلى أن الانتخابات التشريعية الليبية في عام 2012، وما تلاها من صراعات داخل أعمال المؤتمر الوطني العام، لم تكن في جوهرها أيديولوجية، أو على الأقل لم تكن الأيديولوجيا قلبها أو المحدد الأساس للعملية السياسية، بل تمحورت في مجملها حول دور أو موقع عناصر النظام السابق في منظومة السلط الجديدة التي كانت قيد التشكّل. وكان ذلك بين طرف سعى لاحتكار جميع مكتسبات انتفاضة 17 فبراير (المعسكر الإسلامي - الثوري)، وآخر اعتبر نفسه خاسرًا فعليًا أو محتملًافي النظام الناشئ، مع توالي عمليات عزل أطرافه وإقصائهم من السلطة في النظام الجديد. وظهر هذا الأمر

  1. Aimen Majeed & Moutaz Ahmed, "Hafter Launches Benghazi Attack on Islamists," Libya Herald , 16/5/2014, accessed on 21/3/2023, at: https://bit.ly/49mGBBs
  2. تحالف القوى الوطنية يعلن تأييده 'كرامة ليبيا"'،  125 بوابة الوسط، 2014/5/21، شوهد في 2023/11/1، في https://rb.gy/buufi9:
  3. 126   " مواجهات في طرابلس واقتحام مقر المؤتمر الوطني الليبي"، دويتشه فيله، 2014/5/18، شوهد في 2023/11/1، في https://bit.ly/46WgJdZ:
  4. 127  فجر ليبيا هو تحالف مجموعة ميليشيات إسلامية  - ثورية في ليبيا من أبرزها: درع ليبيا الوسطى، غرفة ثوار ليبيا في طرابلس، وميليشيات تنحدر أساسًا من مناطق مصراتة، إضافة إلى ميليشيات من مدن غريان والزاوية وصبراتة، علاوة على ميليشيات تُسمّى "الحرس الوطني" بقيادة وكيل وزارة الدفاع وعضو الجماعة المقاتلة الليبية السابق خالد الشريف، كذلك اعتبر تحالف ما يسمى مجلس ثوار بنغازي المستهدف من عملية حفتر امتدادًا عسكريًا لعملية فجر ليبيا في شرق البلاد. ينظر: "عملية 'فجر ليبيا"'، الجزيرة نت، 2014/8/23، شوهد في 2023/11/2، في https://bit.ly/47gTgUE:
  5. ميليشيات 'فجر ليبيا' الإسلامية تعلن سيطرتها على مطار طرابلس الدولي"،  128 فرانس، 2014/8/23، شوهد في 2023/11/2، في https://bit.ly/3Qo5ofr: 24

جليًا في الطريقة التي فُرض بها القرار رقم 7 والعزل السياسي، والتي كما رأيناها، تمت بمساعدة أطراف من خارج المؤتمر الوطني العام وتحت تهديد بعض الميليشيات المسلّحة المتقاطعة مصالحها مع التيار الإسلامي - الثوري المتشدد في المؤتمر. وهو ما أدّى إلى تعميم الاقتناع بأن العنف المسلّح هو السبيل الوحيد، إما لفرض الهيمنة على السلطة بالنسبة إلى الطرف الأول، وإما لضمان عدم الإقصاء من الحياة السياسية بالنسبة إلى الطرف الثاني. فكانت حصيلة مماثلة لما كان سائدًا في عهد القذافي؛ أي مزيدًا من تركيز السلطة خارج المؤسسات الرسمية للدولة.

المراجع

العربية

"انتخابات المؤتمر الوطني في ليبيا: بين تجاذبات النّخب والديناميّة المجتمعيّة." تقدير موقف. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات (حزيران/ يونيو 2012.) فh يttps://bit.ly/46SpSUA: بارغيتر، أليسون. "الأصلاء والدخلاء في ليبيا الجديدة." سياسات عربية. مج 2، العدد 11 (تشرين الثاني/ نوفمبر 2014.) التير، مصطفى عمر. الثورة الليبية: مساهمة في تحليل جذور الصراع وتداعياته. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2020. الشريف، عابدين الدردير وراضية محمد المعداني. تاريخ الانتخابات في ليبيا 2014-1877 م. طرابلس، ليبيا: الهيئة العامة للثقافة،

ليبيا الثورة وتحديات بناء الدولة الصواني، يوسف محمد جمعة.. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2013 عمر، خيري. "الأزمة الدستورية في ليبيا: أبعاد الصراع بين المكونات سياسات عربية. مج 3، العدد السياسية." 13 (آذار/ مارس

ليبيا: تحديات الانتقال الديمقراطي وأزمة بناء الدولة. أحمد قاسم حسين (محرر.) الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2022 المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، الإدارة المركزية للانتخابات. "نتائج الكيانات السياسية لانتخابات المؤتمر الوطني العام 2012 في https://bit.ly/3FtC8io:". ____.___ "نتائج المرشحين الأفراد لانتخابات المؤتمر الوطني العام 2012 في https://bit.ly/3Mb4VMx:". بالحاج، عبد الحكيم الخويلد [وآخرون.] دراسات تصحيحية في مفاهيم الجهاد والحسبة والحكم على الناس. [د. م:].].[د. ن،.2009

الأجنبية

Ahmida, Ali Abdullatif. "The Libyan National Transitional Council: Social Bases, Membership and Political

Trends." Al Jazeera Center for Studies. 30/10/2011. at: https://tinyurl.com/yrpha5z9 Ashour, Omar. "Libya's Defeated Islamists." Brookings. 17/7/2012. at: Https://Shorturl.At/Qux38 European Union Election Assessment Team in Libya. "Final Report-General National Congress Election – 2012." 7/7/2012. at: https://shorturl.at/aowZ6 Fitzgerald, Mary. "Introducing the Libyan Muslim Brotherhood." Foreign Policy. 2/11/2012. at: https://rb.gy/fpugo5 Gaub, Florence.  The Gulf Moment: Arab Relations Since 2011. Pennsylvania: US Army War College Press, 2015. Lacher, Wolfram. "Fault Lines of the Revolution Political Actors, Camps and Conflicts in the New Libya." Research Paper. SWP (2013). _______. Libya's Fragmentation Structure and Process in Violent Conflict. London: I. B. Tauris, 2020. Lacher, Wolfram & Peter Cole. "Politics by Other Means Conflicting Interests in Libya's Security Sector.'' Small Arms Survey Graduate Institute of International and Development (May 2014). Mezran, Karim, Fadel Lamen & Eric Knecht. "Post- revolutionary Politics in Libya: Inside the General National Congress." Atlantic Council. 21/5/2013. Nohlen, Dieter, Michael Krennerich & Bernhard Thibaut. Elections in Africa: A Data Handbook. Oxford: Oxford University Press, 1999. Pack, Jason (ed.). The 2011 Libyan Uprisings and the Struggle for the Post Qadhafi Future. New York: Palgrave Macmillan, 2013. Pack, Jason & Haley Cook. "The July 2012 Libyan Election and the Origin of Post-Qadhafi Appeasement." Middle East Journal. vol. 69, no. 2 (Spring 2015). Pack, Jason, Karim Mezran & Mohamed Eljarh. "Libya's Faustian Bargains: Breaking the Appeasement Cycle." Atlantic Council (May 2014). St John, Ronald Bruce. "Libyan Election Breaks Arab Spring Pattern." The International Spectator. vol. 47, no. 3 (2012). Tempelhoff, Susan Tarkowski & Manal Omar. "Stakeholders of Libya's February 17 Revolution." United States Institute of Peace (January 2012).