"الانتخابات السلطوية وجماعات المعارضة في العالم العربي"
.Authoritarian Elections and Opposition Groups in the Arab World عنوان الكتاب في لغته: الانتخابات السلطوية وجماعات المعارضة في العالم العربي عنوان الكتاب:. المؤلف: جيل بوتورف.Gail. J. Buttorf.Palgrave Macmillan الناشر: سنة النشر:.2018 عدد الصفحات: 194 صفحة.
Authoritarian Elections and Opposition Groups in the Arab World
مقدمة
ارتبطت الانتخابات التعددية، تاريخيًا، بالأنظمة الديمقراطية، إلى درجة مثّل وجودها أو غيابها، طوال عقود، الفيصل بين الأنظمة الدكتاتورية والديمقراطية. وفي سياق ما بعد سقوط الاتحاد السوفياتي في أواخر القرن العشرين، أصبح الباحثون يواجهون ظاهرة سياسية جديدة، مثّلت لهم تحديًا مفاهيميًا ومعياريًا، وهي الانتخابات التعددية في سياق السلطوية، أو ما وصفه بعض الباحثين ب "الأنظمة الهجينة" 1 أو "السلطويات الانتخابية" 2. فإذا كانت الأنظمة السلطوية في الماضي تمنع النشاط السياسي التعددي وتلغي الانتخابات، أو حتى إذا سمحت بها، فإنها تحصرها في إطار نظام الحزب الواحد، فإن غالبية هذه الأنظمة اليوم، وعلى العكس من ذلك تمامًا، تنظّمها بل تفتح المجال للمشاركة فيها حتى للأحزاب المعاِرِضة لها أحيانًا. ومع هذا، بقيت هذه الأنظمة تفتقد العديد من عناصر الأنظمة الديمقراطية، من قبيل فصل حقيقي للسلطات والمحاسبة والاستقلال الفعلي للقضاء، إضافةً إلى أنّ النخب الحاكمة فيها، بقيت منخرطة في ممارسات غير ديمقراطية، مثل تقييد الحريات الفردية والجماعية، من قبيل حرية الصحافة وانتهاك الحقوق المدنية والسياسية للمواطنين والتحكم في نتائج الانتخابات، حتى وإن لم تشهد تزويرًا مفضوحًا لنتائجها 3. تمظهرت ممارسات"السلطوية الانتخابية" في عدد من الدول العربية 4، خصوصًا في تسعينيات القرن الماضي، والعشرية الأولى من القرن الحادي والعشرين من خلال جمع أنظمتها السياسية بين هيكلة مؤسساتية ديمقراطية ظاهريًا (تتجّل ى في وجود انتخابات تعددية 5 وبرلمانات وطنية تحضر فيها المعارضة بمستويات مختلفة وضمان حد أدنى من حرية التعبير... إلخ) وممارسات سلطوية في الحكم، اختلفت في حدّتها في المكان والزمان، متأرجحة في ذلك بين كفَتَي اللبرلة والقمع السياسَييَن، من دون أن تتحوّل إلى دول ديمقراطية. وعلى الرغم من أن الانتخابات التعددية في ظل الأنظمة الاستبدادية في العالم العربي، لم تكن مثالية، فإنها في المقابل فتحت لجماعات المعارضة آفاقًا وإمكانياٍتٍ للضغط على السلطة الحاكمة، لم تكن متاحة لها من قبل، على رأسها المقاطعة، تعاملت معها تلك الجماعات بأشكال مختلفة. لُيُطرح سؤال: ما الذي يدفع أحزاب المعارضة إلى القبول بالمشاركة في انتخابات تبدو حظوظ فوزها فيها منعدمة، أو في المقابل رفضها ذلك وتبنّي خيار المقاطعة؟ تحاول بوتورف، في كتاب الانتخابات السلطوية وجماعات المعارضة في العالم العربي، تقديم جواب عن هذا التساؤل وغيره، من خلال وقوفها عند الاستراتيجيات التي تتّبعها المعارضة خلال الانتخابات في السياق السلطوي العربي، منطلقةً في ذلك من أطروحة رئيسة، مفادها أنّ ما يحدد القرارات التي تتبنّاها المعارضة خلال الانتخابات السلطوية وبعدها ليست العوامل الانتخابية المتمثلة في حرية المسار الانتخابي ونزاهته فحسب، بل أيضًا قناعات المعارضة حول مدى قوة النظام القائم واستقراره. من هذا المنطلق، تقدم بوتورف كتابها، في ستة فصول وخاتمة، إطارًا نظريًا ومفاهيميًا للانتخابات السلطوية ورصدًا للاستراتيجيات التي تعتمدها المعارضة فيها، موظّفةً في ذلك مقاربات نظرية من حقل دراسة السلوك الانتخابي ومفهوم مراكز القوة power of Centers (الذي استلهمته المؤِّفلِة من عالم 6الاجتماع الأميركي آرثر ستينشكومب 2018-1933) التي تعتبرها الكاتبة البارومتر الذي تقيس به المعارضة قوة النظام واستقراره، ومن ثمة تشكّل قناعاتها وتصوّراتها لمدى احتمال استجابة النظام لمطالبها، وكذا حصولها على تنازلات منه. فتقييمات جماعات المعارضة للنظام وتصوّرها لمدى قوّته واستقراره، وكذا احتمال قبوله بمطالب الإصلاح من عدمه، تؤدي دورًا محوريًا في تحديد قراراتها تجاه الانتخابات، سواء التي شاركت فيها أو التي قاطعتها. تُخضع بوتورف فرضيتها للاختبار من خلال دراسة حالة حزبين معارضين: جبهة العمل الإسلامي في الأردن، وجبهة القوى الاشتراكية في الجزائر.
أولًا: المشاركة أو المقاطعة: استراتيجيات المعارضة في الانتخابات السلطوية
حينما يقترب موعد إجراء الانتخابات، تبدأ جماعات المعارضة بمواجهة سؤال ملحّ: أنشارك أم نقاطع؟ علمًاأنه في سياق الأنظمة السلطوية، لا المشاركة ولا المقاطعة تُعَتبَران خيارًا أفضل، فالمقاطعة قد تنجح،
فتؤدي إلى القيام بإصلاحات 7، وقد تفشل، فتؤدي بالمعارضة إلى خسارة مزدوجة، تفقد فيها أيّ فرصة مهما كانت ضئيلة للتأثير في السياسات عبر البرلمان، الذي يُعتبر بمنزلة منصّة تمِّكِنها من انتقاد النظام السياسي من جهة، وكسب مؤيدين من جهة أخرى (ص. 1) وتجدر الإشارة إلى أنّ اختيار جماعات المعارضة لقراَرَي المشاركة أو المقاطعة، لا يتمّ عشوائيًا، أو ينطلق من عدم، كما أنه قد لا يتمّ الاتفاق بين جميع أطرافها، حتى داخل التنظيم الواحد على خيار واحد، بل تنشأ مناقشات حادة بين فصائل الجماعة/ الحزب المعارض، حيث من المحتمل أن يؤدي تبنّي أحد الخيارين إلى انقسامات داخلية، يتعذّر حلّها لاحقًا (ص. 39-40) تعتبر بوتورف أنّ أول عامل يؤثر في قرارات المعارضة أو اختياراتها، قَُبَيل الانتخابات وبعدها، هو قلّة وعدم يقينية المعلومات التي تكون لديها حول النظام، ومآل الانتخابات التي سيتم إجراؤها. ففي الدول السلطوية التي تتحكم في نشر المعلومات وتوظّف أجهزة قمعية متمددة، يكون النظام مُِلًِّم ابمعارضيه ويعرف عنهم، أكثر مّم ا يعرفونه هم عنه، ومن ثمة، فغياب التوازن بين النظام والمعارضة بشأن المعلومات المحصلة لمصلحة الأول، يؤدي دورًا مهمًافي تشكيل الاستراتيجيات الانتخابية للمعارضة، بما فيها قرار المشاركة أو المقاطعة (ص. 42) يتمثل العامل الثاني، في نظر بوتورف، في درجة الاستقطاب الأيديولوجي بين النظام والمعارضة والتفضيلات السياسية لدى كل واحد منهما، خاصة في ما يتعلق بالمواضيع المختَلَف بشأنها، مثل الحريات والقواعد الانتخابية؛ فعلى هذا المستوى، لا يهمّ مدى تبنّي جماعات المعارضة الأيديولوجيا الديمقراطية، بقدر ما يهمّ وجود مسافة أيديولوجية واضحة بينها وبين النظام (ص. 43-44) عندما تقرّر المعارضة المشاركة في الانتخابات، فهذا لا يدل على رضاها عن العملية الانتخابية والسياق المؤثث لها، بقدر ما يعكس هذا القرار اعتبارها المشاركة هي الحل الأفضل، على الأقل مقارنة بالخيارات المتبقية، وذلك انطلاقًا من توقعاتها بشأن قوة النظام من جهة أولى، وتفضيلاتها السياسية من جهة ثانية، والتكلفة التي ستتكبّدها جراء تعبئتها احتجاجات ما بعد الانتخابات من جهة ثالثة؛ إذ إن تبنّيها خيار المشاركة خاضع بالضرورة لهذه العوامل الثلاثة. بمعنى أنه عندما ترى المعارضة النظام قويًا بما فيه الكفاية، وعندما تكون المسافة الأيديولوجية بينها وبين هذا الأخير ضئيلة، والتكاليف التي ستتحملها بعد تنظيمها احتجاجات ما بعد الانتخابات مرتفعة، فإن قرار المشاركة يبدو هو الأنسب؛ على اعتبار أن هذه المشاركة تمكّنها، على الأقل، من الحصول على مقاعد في البرلمان وموارد مادية تموّل بها حملاتها الانتخابية، خاصة عندما يكون ذلك التمويل مقرونًا بالمشاركة (ص. 44-45) في المقابل، تؤكد بوتورف أن خيار المقاطعة مرتبط أساسًا بقدرة المعارضة على تهديد النظام وزعزعة استقراره والقيام باحتجاجات ما بعد الانتخابات، لكن، تشير غالبية الدراسات عن المقاطعات الانتخابية إلى محدوديتها باعتبارها خيارًا، حيث إنّ مصيرها في المجمل هو الفشل، تاركةًالمعارضة في حالة أسوأ مما كانت عليه من قبل: مطالب غير مستجاب إليها، وحرمان من مقاعد برلمانية، على قلّتها، كان يمكن الفوز بها. لكن لماذا تختار تلك الجماعة/ الحزب المعاِرِض، باعتبارها/ باعتباره فاعلًاعقلانيًا، قرار المقاطعة، على الرغم من أنه يجعلها/ يجعله في وضع أسوأ؟ يجيب بعض الباحثين بأنّ أحزاب المعارضة "غبية سياسيًا"، وتفتقد "الفطنة الاستراتيجية"، وترفض بوتورف هذا التفسير، مؤكدةً أنّ المعارضة قبل اتخاذها أيّ قرار، تقوم بحسابات تخضع للمعلومة المتوافرة لديها ونوعها، وهذه المعلومات هي التي تشكّل في نهاية المطاف أساس الاستراتيجية التي تتبناها قبيل الانتخابات. إنّ قرار المقاطعة الذي تتخذه أحزاب المعارضة ليس نتيجة اللاعقلانية أو الغباء السياسي، بل هو نتيجة لغياب المعرفة اليقينية Uncertainty التي تتميز بها معلوماتها بشأن قوة النظام الحقيقية، فضلًاعن أن المعارضة عندما تقاطع الانتخابات، فإنها تدفع النظام إلى القيام بردة فعل، متمثلة في استجابة أو تجاهل يزوّد المعارضة بمعلومة إضافية حول قوة ذلك النظام ومدى قدرته على تحمّل الأزمة التي تلي مرحلة الانتخابات وإدارتها (ص. 45-46) بعد مقاطعتها الانتخابات؛ يكون أمام النظام خياران: أن يقوم بالإصلاحات التي تطالبه بها المعارضة، أو أن يتجاهلها. وتبنّيه أحد هذين الخيارين لا يكون أيضًا عشوائيًا، بل يخضع لمجموعة من المحدّدات، منها قوّته وحجم الدعم الذي يمكنه الحصول عليه من مراكز القوة لديه، إضافةً إلى ما ستؤول إليه تلك الإصلاحات من سياسات جديدة قد تكون بعيدة أو قريبة من تفضيلاته السياسية، وأخيرًا التكلفة التي سيتكبّدها في حال قمع الاحتجاجات التي ستنظّمها المعارضة في الفترة التي تعقب الانتخابات إذا قرّرت هي ذلك؛ فإذا كانت تكاليف القمع أضخم من تكاليف التعبئة، فحتى الأنظمة المستقرة ستستجيب لمطالب الإصلاح "عوض أن تخاطر بثمن إخماد مظاهرات ما بعد الانتخابات" (ص. 47)، هذا الإخماد الذي سيبدو غاليًا، بحسب تقديرها. في المقابل، عندما تكون تكاليف القمع هذه ضئيلةً مقارنة بتكاليف الإصلاح، تعتبر بوتورف أنّ النظام، حتى وإن كان ضعيفًا، سيتجاهل مطالب المعارضة وسيستمر في
مواجهتها عندما تقوم بالتعبئة للتظاهر بعد الانتخابات؛ لكن عندما تكون تكاليف القمع والإصلاح متقاربة، فإنّ استجابة النظام لمطالب المعارضة أو تجاهلها، تكون مرتبطة بمدى قوّته واستقراره فحسب، حيث يجنح النظام القوي والمستقر نسبيًا إلى تجاهل تلك المطالب، في حين يبدأ النظام الهش في تقديم تنازلات للمعارضة والاستجابة لمطالب الإصلاح (ص. 47) في الحالة التي يختار فيها النظام تجاهل الإصلاح الذي تطالبه به المعارضة، فإنّ هذه الأخيرة، يمكنها الاستمرار في دعوتها إلى الإصلاح، وذلك عن طريق تنظيم الاحتجاجات، أو يمكنها التراجع وتحمّل فشل المقاطعة. فإْنْ هي اختارت التعبئة والتظاهر 8، ستدفع ثمن اختيارها هذا، وسيدفع النظام ثمن الصمت أيضًا، أو قمع تلك المظاهرات. وإن هي اختارت التراجع، فإن النظام حتى وإن كان ضعيفًا، سيستمر في تجاهل مطالبها. في الحالات كلّها، يظهر أنّ المستفيد الوحيد من قرار التراجع الذي تتخذه المعارضة هو النظام، فمن جهة أولى يتفادى تكاليف الاحتجاجات التي لو نظمتها المعارضة لقمعها، ومن جهة ثانية يتخلّص من أصوات معارضة له داخل مؤسساته. أما المعارضة، فأسوأ خيار يمكن أن تتبنّاه بعد المقاطعة هو الرجوع إلى الخلف وتقبّل الفشل؛ وذلك لأسباب عدة، منها الخروج من اللعبة السياسية والحرمان من الوجود في البرلمان الذي يُعدّ بمنزلة منصّة تمكّنها من كسب مؤيّدين لها، ومجال يفسح لها التواصل ومخاطبة المواطنين على نحو مباشر عبر المؤسسات الرسمية (ص. 48-50)
ثانيًا: "مراكز القوة" وعلاقتها بمتانة النظام السياسي وقناعات المعارضة
تؤدي مراكز القوة، باعتبارها مرتكزات لسلطة النظام، دورًا بالغ الأهمية في تشكيل تصوّرات المعارضة حول النظام ومدى قدرته على إدارة الأزمة التي تثيرها احتجاجات المعارضة في مرحلة ما بعد الانتخابات، حيث يكون بقاء النظام وصموده مرتبطًا بحجم الدعم الذي تقدّمه له مراكز القوة لديه. تستقي بوتورف مفهوم "مراكز القوة" من عالم الاجتماع الأميركي ستينشكومب الذي ربطه بمفهوم آخر وهو الشرعية، والذي يعرّف "مراكز القوة لنظام معّين،]بأنها[تلك البنى المؤسساتية (الجيش مثلًا) والاجتماعية (جماعة إثنية معيّنة)، ضمن منظومة Ecosystem سياسية، إضافة إلى العوامل الخارجية (القوى الدولية مثلًا) التي يتوقف عليها استقرار النظام" (ص. 8)، والتي يمكنه استدعاؤها عند الحاجة إلى جعل سلطته أكثر قوّة وفاعلية مع صبغها بالمشروعية. ففي العالم العربي، ترتكز الأنظمة السياسية على مجموعة من الدعائم، أبرزها الدين والنسب (خاصة الأنظمة الملكية)، إضافة إلى الإرث التاريخي المتعلق بالمقاومة لنيل الاستقلال والانقلابات الثورية، مع الأخذ في الحسبان الأيديولوجيات العربية المختلفة أيضًا، مثل الناصرية والبعثية... إلخ. وباختلاف تلك الأسس والمرتكزات، تختلف مراكز القوّة من دولة إلى أخرى، ومن زمن إلى آخر، بل حتى المنطق الذي يتحكم في إرادة دعم النظام، يختلف من مركز قوة إلى آخر (ص. 58-59) تقسم مراكز القوة إلى ثلاثة أنواع رئيسة: مراكز قوة مجتمعية ومراكز قوّة مؤسساتية، ثم مراكز قوّة خارجية. فأول مصدر يمكن أن تنبثق منه مراكز القوة هو المجتمع وطبقاته المختلفة، المكوّنة من النخبة والتجار والعمال ورجال الدين؛ أما في حالة المجتمعات المنقسمة، فإن فئات مجتمعية بعينها، إثنية كانت أم دينية أم لغوية، هي التي تمثل آنذاك مركز قوة للنظام. أما بالنسبة إلى مراكز القوّة المؤسساتية، فتتمثّل في بعض المؤسسات، مثل الأحزاب السياسية والجمعيات/ النقابات المهنية، إضافة إلى بعض الأجهزة الحكومية، مثل الجهاز التشريعي والقضائي، وُتُعدّ المؤسسات العسكرية أحد أهم مراكز القوّة التي تؤدي دورًا حاسمًافي دعم النظام، أو إطاحته (حالة مصر في ثورة عام 2011 نموذجًا.) في حين تتجّل ىمراكز القوة الخارجية في الفواعل الدوليين، مثل المجتمع الدولي والمؤسسات الدولية التي تكرّس مبدأ سيادة الدول وحقّها في الوجود، بحسب ما يقتضيه منطق المصالح الاستراتيجية لكل فاعل على حدة (ص. 1-60)6 تختلف أهمية كل عنصر من هذه العناصر الثلاثة بحسب مجموعة من العوامل، أبرزها القوانين وتوزيع الموارد وموازين القوى داخل الدولة. فلمعرفة إذا ما كانت فئة اجتماعية ما، تُعَتبَر مركز قوة للنظام، يجب النظر أولًاإلى حجمها وحجم الموارد التي تمتلكها وتسيطر عليها، وكذا قدرتها على أن تشكّل تحالفًا غالبيًا (ص. 4)6 في حين تحدّد السلطاُتُ الرسمية الممنوحة لمؤسسة ما مراكَزَ القوة المؤسساتية، إضافة إلى مدى استقلاليتها عن السلطة التنفيذية وقدرتها على مراقبة هذه الأخيرة وتقويضها، ولا يتعلق الأمر هنا بالسلطات الرسمية المقررة دستوريًا فحسب، بل غير الرسمية أيضًا (ص. 2)6؛ لأنها تمثل بنفسها مصدر تأثير آخر، يمكن النظام اللجوء إليه عند الحاجة. في هذا الصدد، وقبل الحسم في اعتبار الجيش مركزًا من مراكز القوة المؤسساتية، يجب الأخذ في الحسبان ثلاثة أمور أساسية: هيكلته وأهدافه ومدى توغّله في النظام.
فالجهاز العسكري، إما أن يكون ذا طبيعة مؤسساتية، بهوية منفصلة عن هوية النظام، وتكون أهدافه ذات بعد وطني، متمثلة في الدفاع عن الوطن وحمايته، في حين تكون هوية هذا الجهاز ذي الطبيعة الباتريمونيالية ممزوجةً بهوية النظام، وتتّخذ أهداُفُه بعدًا مصلحيًا ضيّقًا، يتمثل في الرغبة في التوسع والثراء الفردي، بناءً على منطق المحسوبية وشبكة العلاقات الشخصية (ص. 4)6؛ وفي هذه الحالة، لا يمكن أن يكون الجيش مركز قوة للنظام، لأنهما في الحقيقة يمثلان الشيء نفسه. أخيرًا، تقوم مراكز القوة الخارجية على مبدأ المصالح الاستراتيجية التي تكسبها عبر منحها الدعم والمساعدات المالية الدولية، والتي غالبًا ما يجري صرفها في تقوية المؤسسات الأمنية في الدولة المستفيدة، خاصة الجيش، وتقوية شبكات العلاقات القائمة على المحسوبية والولاء الشخصي أيضًا. وتؤكد بوتورف أن هذا يبدو واضحًا جدًا عند التأمل في حالة الدول العربية التي لا يزال فيها الدعم الخارجي يمثّل إحدى أهم دعائم النظام، في مقابل حفاظه على الاستقرار والتحالف الاستراتيجي الذي تمنحه تلك الأنظمة لمراكز دعمها الخارجية (ص -63.)65 ترى مؤلفة الكتاب أنّ دول العالم العربي توفر ثلاث إشارات تساعد في تحديد مراكز القوى المجتمعية في مستوياتها الثلاثة. فعلى المستوى المجتمعي، تقف بوتورف عند ثلاثة عناصر: أولها، عدد السكان المتزايد، وما ينتجه من تحديات اقتصادية واجتماعية تمسّ، في الدرجة الأولى، فئة الشباب المهيمنة على الهرم السكاني العربي. وثانيها، ارتفاع نسبة الَّتَمدّن الذي أدى إلى تفاقم المشكلات المتعلقة بالبنى التحتية وازدياد الضغط الحضري. أما ثالثها، فهو تنامي تدخّل الدولة ووجودها في قطاعات عدة مرتبطة بالإدارة والأمن والاقتصاد، لتصبح بذلك الفاعل الأول والأقوى في تدوير عجلة الاقتصاد العربي. أما من الناحية المؤسساتية فيظهر أنّ الأحزاب السياسية في العالم العربي، لا يمكنها أن تمثل على نحو فردي مركز قوة للنظام، لأنها ضعيفة (باستثناء الأحزاب الحاكمة في الجمهوريات الرئاسية)، إّل ا إذا تحالف بعضها مع بعض، ليشكل ائتلافًا مع مؤيديها، آنذاك من المحتمل تحوّلها إلى مركز قوّة مؤسساتية. هناك استثناء وحيد لهذه القاعدة، هي الجماعات الإسلامية التي تقوّت في سياق غضب المواطنين وسخطهم على الوضعية الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشونها، موِّرفِة لهم الخدمات الاجتماعية، من رعاية وتطبيب وتعليم، وفي الوقت نفسه، ظافرة بأكبر عدد ممكن من المؤيدين الذين تكسبهم عن طريق المواعظ والخطب في المساجد، وكذا عن طريق العمل الجمعوي وحملات التطوع، ثم الانخراط في العمل السياسي الذي مَّكَنها بعد ذلك من التحوّل إلى أحزاب سياسية قوية ومستقلة (ص -65.)66 على المستوى المؤسساتي أيضًا، يظهر أن الجهازين التشريعي والقضائي لا يمكن اعتبارهما مركز قوة مؤسساتية للنظام، لأن مساءلتهما للسلطة التنفيذية تبقى، ببساطة، محدودةً، وهذه المحدودية في محاسبة الجهاز التنفيذي، هي التي تنتج برلمانات وأجهزة قضاء ضعيفة وغير مستقلة، بل خاضعة لمراقبة السلطة التنفيذية، وبهذا يبقى الجيش هو المؤسسة الوحيدة المرشحة لتكون مركز قوة للنظام، مع مراعاة ما تمت الإشارة إليه سابقًا، بأنه كي يمثّل الجيش مركز قوة للنظام، يجب عليه أّل ايكون باتريمونياليًا، أي أن تكون له القدرة على التصرف باستقلالية عن النظام الحاكم باعتباره جيشًا ذا طبيعة مؤسساتية (ص. 8-67)6 أما في ما يخص مراكز القوى الخارجية في المنطقة العربية، نظرًا إلى ما يتمتع به موقعها من أهمية استراتيجية، وما يحظى به العديد من دولها من ثروات طبيعية، مثل النفط والغاز، فإنها، دائمًا، محطّ اهتمام المجتمع الدولي وفواعله، وازدادت تلك الأهمية بعد هجمات 11 سبتمبر 2001 التي جعلت دول هذه المنطقة شريكة للولايات المتحدة الأميركية في معركتها ضدّ الإرهاب، ليحلّ بذلك هاجس استتباب الأمن في المنطقة، في مكان الصدارة، أمام دمقرطتها بالنسبة إلى الحكومات الغربية. إنّ منح مراكز القوة الخارجية دعمها لدولة معيّنة، مرتبٌطٌ بالموقع الجيوسياسي الذي تحتله هذه الأخيرة وأهميتها الاستراتيجية في تحقيق أمن الحكومات الغربية ومصالحها الاقتصادية والسياسية معًا (ص. 0-69)7 تقدّم بوتورف، منطلقةً من هذا الإطار التحليلي الثلاثي الأبعاد، تحليلًا عن استراتيجيات المشاركة أو المقاطعة لجماعات المعارضة وأحزابها في الانتخابات في العالم العربي من خلال الحالتين الأردنية والجزائرية. فما الخلاصات التي توصّلت إليها؟
ثالثًا: المعارضة في الأردن بين المقاطعة والمشاركة: جبهة العمل الإسلامي نموذجًا
تقف بوتورف في دراستها للحالة الأردنية، موظّفةًالإطار التحليلي الذي قدّمته في الفصل الثالث من كتابها 9، عند سلوك ثلاثة فاعلين رئيسين خلال الانتخابات وبعدها: النظام الملكي، وحزب المعارضة الرئيس المتمثل في جبهة العمل الإسلامي، ثم مراكز قوة النظام التي تحدّدها بمن تصفهم ب "الشرق أردنيين" و"الفلسطينيين" على المستوى الاجتماعي، والولايات المتحدة الأميركية على المستوى الدولي، في حين ترى أن هناك غيابًا لأي مركز قوّة مؤسساتي.
على المستوى الاجتماعي، يتميز الأردن بتركيبة مزدوجة، تشكّلها قبائل شرق الأردن من جهة، والأردنيون من أصل فلسطيني من جهة أخرى. بحسب بوتورف، يظهر هذا التمييز الهوياتي واضحًا جدًا عند التأمل في توزيع الاقتصاد والموارد؛ فالقطاع العام المتمثل في المؤسسات الأمنية والإدارية، يهيمن عليه الشرق أردنيون، في حين يوجد الفلسطينيون بصفة أكبر في القطاع الخاص. أما في يتعلق بالحياة السياسية فتبدو الأحزاب السياسية في الأردن ضعيفة ومن دون تأثير، باستثناء جبهة العمل الإسلامي التابعة لجماعة الإخوان المسلمين، وهو الحزب الأكثر ظهورًا وتنظيمًافي الأردن، شارك ثلاث مرات في الانتخابات التشريعية الأردنية 1993(و 2003 و 2007)، في مقابل مقاطعته لانتخابات عاَمَي 1997 و 2010 (ص. 91) أما مؤسساتيًا، فتتشكل القوات المسلحة الأردنية أساسًا من الشرق أردنيين، وذلك منذ تأسيس المملكة الهاشمية في عشرينيات القرن الماضي، التي قايضت بين ولاء القبائل للدولة ومنحهم امتيازات مالية وضريبية، إضافة إلى دمجهم في وظائف الجيش والدفاع، ليصبح بذلك الجيش مؤسسة قائمة على شبكة الولاء الشخصي والزبونية بين النظام والقبائل. لا يمكن أن يكون الجيش الأردني، إذًا، بسبب طبيعته الباتريمونيالية وعدم استقلاليته عن النظام، مركز قوة بحسب الإطار النظري المقدم. أخيرًا، يُعتبر الأردن دولة ريعية (جزئيًا) بسبب اعتمادها الكبير على المساعدات الخارجية وتحويلات العمالة المهاجرة في دول الخليج وغيرها. وعلى الرغم من حصوله على مساعدات مالية من فواعل دوليين، مثل الاتحاد الأوروبي ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، فإنّ أهم مركز قوة خارجي يحظى به الأردن هو الولايات المتحدة، التي لم تتوان في تقديمها حزمًا مالية كبيرة للنظام الأردني، الذي (بحسب ما تفيد به بوتورف) دعم سياساتها كلها في العراق، وسياسات إسرائيل في المنطقة (ص -70.)75 في الأردن، لطالما كان الخلاف على محتوى القانون الانتخابي نقطة خلاف متجددة بين النظام والمعارضة التي كانت دائمًا تنتقد التوزيع غير العادل للمقاعد الانتخابية لمصلحة العشائر البدوية على حساب المناطق الحضرية التي يعيش فيها الفلسطينيون بنسبة عالية. وعلى الرغم من أنّ الحكومة وضعت قانونًا انتخابيًا تتحكم من خلاله في مخرجات الانتخابات، فإنه ليس كافيًا لتفسير سلوك المعارضة في المشاركة أو المقاطعة. فتَبَنّي هذه الأخيرة قرار المشاركة في انتخابات عام 1993 مثلًا، كان في الحقيقة منسجمًامع تصوّراتها بشأن وضع النظام الملكي ومدى قوّته، إضافة إلى طبيعة الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي أثثت المشهَدَين المحلي والدولي آنذاك. بعد انتخابات عام 1989 التي عُرفت بشفافيتها ونزاهتها 10، بدأت الأزمة الاقتصادية في الأردن تنفرج. وساعد هذا التحسّن الذي لاحظته جبهة العمل الإسلامي في الوضعية الاقتصادية، في تشكيل قناعة تجاه مراكز قوّة النظام المجتمعية (الشرق أردنيون والفلسطينيون)، قائمة على استعداد هذه الأخيرة لتقديم دعمها الكامل للنظام في حال أصبح استقراره مهَّدَدًا. بحلول عام 1993، جرى استئناف العلاقات الثنائية بين الولايات المتحدة والأردن، إذ كانت المملكة الأردنية قد فقدت دعم حلفائها التقليديين، سواء داخل المنطقة العربية أم خارجها، جرّاء رفض الملك حسين انضمامه إلى التحالف الأميركي ضد العراق إبان حرب الخليج الأولى 1990()، أي إنه مع التأييد الشعبي الكبير الذي حظي به النظام الملكي من طرف الأردنيين والفلسطينيين في أعقاب انتخابات عام 1989، إضافة إلى الدعم الأميركي الذي كان محسومًا فيه مع اقتراب انتخابات عام 1993، اعتبرت المعارضة أن الوقت آنذاك ليس مناسبًا للسعي وراء المطالبة بالإصلاح من خلال المقاطعة، أو اتّباع استراتيجية في مرحلة ما بعد الانتخابات مثيرة للجدل، لتقرر بذلك المشاركة في انتخابات عام 1993 (ص. 92-98) على عكس ذلك، قرّرت جبهة العمل الإسلامي وغيرها من الأحزاب اليسارية الصغيرة مقاطعة انتخابات عام 1997، نتيجة لقراءة مغايرة للوضع. ففي نظر بوتورف، طرأت مجموعة من المستجدات التي اعتبرتها المعارضة، وعلى رأسها جبهة العمل الإسلامي، إشارات واضحة على تراجع قوّة النظام واستقراره، أوّلها، وربما أهمها كان توقيع معاهدة السلام مع إسرائيل عام 1994 التي أثارت غضب المجتمع الأردني بفئتيه، الأردنيين والفلسطينيين. ثانيًا، بدأت سلسلة من التحديات الاقتصادية تظهر إلى الوجود، مَخَِّفلِة وراءها موجة عارمة من الإحباط الشعبي الذي يدل على أن مراكز قوة النظام المجتمعية لن تكون داعمة كما كانت عام 1993، حيث كان من نتائجها حدوث اضطرابات وأعمال شغب، امتدت إلى معاقل الَمَلَكية التقليدية، قابلها النظام باستدعاء الجيش وفرض حظر التجوّل. في ظل هذه التطورات، اعتبرت جبهة العمل الإسلامي أنّ نسبة احتمال نجاح المقاطعة هي أكبر من السنوات الماضية. في المحصلة، لم تحقق المقاطعة أهدافها لأسباب، منها: سوء تقدير المعارضة لقوة النظام وحجم الدعم الشعبي الذي يحظى به في "المناطق البدوية" (أحد مراكز القوة المجتمعية)، وكذا تلقّيه دعمًاكبيرًا من مركز قوّته الخارجي، الولايات المتحدة، الذي تجلى على نحو أساسي في حجم المنح المالية والعسكرية التي تلقّاها بعد اتخاذ قرار المقاطعة، فضلًاعن أن
بعض الأعضاء في الجبهة، وتحديًا منهم لقرار المقاطعة، انشق وأعلن الترشح للانتخابات بصفته مرشّحًا مستقلًا، إضافة إلى أن المعارضة لم تقم بالترويج لحملة مقاطعتها، مخافة سخط الناس عليها، وحفاظًا على علاقتها بالملك (ص. 100-106) في المحصّلة، أصبح وضع جبهة العمل الإسلامي المعاِرِضة، بعد مقاطعتها انتخابات عام 1997، أسوأ مما كان عليه من قبل، فقد تراجعت شعبيتها، وأصبحت من دون تمثيلية في البرلمان، ما يعني فقدانها التواصل مع مؤيديها والرأي العام عبر المؤسسات الرسمية (ص. 106-112) أدّت، إذًا، مخرجات مقاطعة انتخابات عام 1997، إلى جانب مجموعة من المستجدّات المحلية والإقليمية، إلى تغّي رفي قناعات المعارضة بشأن مدى قوّة النظام الملكي وحجم تكلفة التعبئة للاحتجاجات، ما دفع جبهة العمل الإسلامي إلى العودة إلى المشاركة في انتخابات عاَمَي 2003 و 2007 على التوالي. من أبرز هذه المستجدات تربّع الملك عبد الله على عرش المملكة الهاشمية بعد وفاة والده الملك حسين عام 1999، وما صاحب ذلك من تعليق آمال كبيرة على الحاكم الجديد، بما في ذلك المعارضة التي قررت أن تتجنب القطيعة معه. تحسّنت أيضًا الأوضاع الاقتصادية للبلد، مقارنة بما كانت عليه عام 1997، ووطّد الملك الجديد العلاقات مع الولايات المتحدة التي قدّمت له مساعدات مالية، في مقابل دعمه لها في حرب الخليج الثانية (ص. 109) في تلك المرحلة، كانت جبهة العمل الإسلامي تواجه تحديات عدة، أولها النقاشات الداخلية المحمومة التي كانت بين المتشددين والمعتدلين، وما تلاها من انشقاقات في الحزب. وثانيها الضربة القاضية التي وَّجَهها النظام للحركة عبر إغلاق المركز الإسلامي، الذي كان بمنزلة بوابة تواصلية بين الحزب والشعب الأردني، حيث كانت الأنشطة والخدمات التي يقدمها للمواطنين وسيلة فعالة تمكّنه من توسيع شبكته الاجتماعية (ص. 112) منح التأمُلُ في المناخ السائد في المملكة وخارجها، المعارضَةَ مجموعةً من المعطيات المتعلقة بها وبالنظام. أولًا، لن تتردد مراكز قوة النظام الملكي (المجتمعية والخارجية) في تقديم دعمها له عند الحاجة. ثانيًا، لا تستطيع المعارضة أن تضغط على النظام أو تهدده، على نحو حقيقي، باحتجاجات ما بعد الانتخابات. ثالثًا، الصراعات الداخلية في الحزب وما ترتب عليها من انقسامات. جعلت هذه المعطيات المعارضة تتوصل إلى أنّ النظام الذي تواجهه، ما زال قوًّيًا، وأنّ تكاليف المقاطعة والتعبئة الشعبية وحشد المؤيدين لاحتجاجات ما بعد الانتخابات ضخمة جدًا. وبما أنّ النظام لن يستجيب لمطالباتها بالإصلاح، نظرًا إلى عدم قدرتها على الضغط عليه ضغطًا حقيقًّيًا، فإن الحل الأنسب في ظل هذه الظروف، هو المشاركة في الانتخابات (ص. 106) عادت جبهة العمل الإسلامي إلى تبنّي استراتيجية المقاطعة قبيل انتخابات عام 2010 البرلمانية في ظل الأوضاع التالية: 1() تدهور الأوضاع الاقتصادية والارتفاع الصارخ للأسعار، 2() اشتداد الأزمة الاجتماعية المتمثلة في الصراعات القبلية والتوتر الهوياتي بين الشرق أردنيين والأردنيين من أصل فلسطيني،)3(تراجع شعبية النظام الناتجة من انتشار الفساد المالي وتراجع الحريات. أضف إلى ذلك أنّ المعارضة رأت أنّ الولايات المتحدة تحت إدارة الرئيس الجديد آنذاك، باراك أوباما 2017-2009()، لن تدعم النظام الأردني ضد احتجاجات المطالبة بالإصلاح والانفتاح السياسي. وبما أنّ التزوير والاحتيال الصارخ اللَذَين ط ل اانتخابات عام 2007 المحلية والبرلمانية، انتقلا من معرفة المعارضة بهما إلى المواطنين، فإنّ الرأي العام مهيّأٌ لمقاطعة الانتخابات (ص. 113-118) كلها عوامل جعلت المعارضة تؤمن بأنّ وقت التغيير الذي تصبو إليه قد حان، وأنها قادرة على جعل النظام يغّي رالقانون الانتخابي (ص. 112) بعد إعلان المقاطعة، لم تكن ردة فعل النظام مختلفة عن سابقتها خلال انتخابات عام 1997، فقد قرر تجاهل مطالب المعارضة بالإصلاح، وما تغّي رفي الحقيقة هو سلوك المعارضة بعد مقاطعة الانتخابات، فعلى عكس تراجعها وتقبّلها فشل المقاطعة عام 1997، وإيمانًا منها بأن الفوائد التي سُتُجنى أكثر من الخسائر التي يمكنها أن تتكَّبَدها، قررت عدم الاستسلام والقيام بمظاهرات في المرحلة التي أعقبت انتخابات عام 2010، وذلك من دون ترخيص لها من السلطات (ص. 119)
رابعًا: المعارضة وسلسلة المقاطعات في الجزائر: حزب جبهة القوى الاشتراكية نموذجًا
خلال ثمانينيات القرن العشرين، مرّت غالبية دول العالم العربي بفترة عصيبة؛ فقد كان جُّلُها يعاني أزمة اقتصادية وانفجارًا ديموغرافيًا واجتماعيًا، أَّجَجه الانسداد السياسي الناتج من تغلغل السلطوية. ولم تكن الجزائر استثناءً من ذلك؛ فقد عاشت مرحلة من الاضطرابات، اتّسمت بالركود الاقتصادي والتنافس على السلطة بين النظام والإسلاميين، إلى جانب ما سُمّي "الربيع الأمازيغي"، وما حَّفَ به من أعمال شغب. فدفع هذا الغليان الشعبي الرئيس الجزائري آنذاك الشاذلي بن جديد 1992-1979() إلى البدء في عملية الانفتاح السياسي، التي كانت أولى خطواتها صوغ دستور جديد عام 1989، شرّع، بموجبه، للأحزاب السياسية في البلاد (ص 129.) بعد سنتين من الاستفتاء على الدستور الجديد، وفي كانون الأول/ ديسمبر 1991،
شهدت الجزائر أوّل انتخابات تشريعية، وفازت فيها الجبهة الإسلامية بغالبية ساحقة. لم يتقبل الجيش هذا الفوز للحزب الإسلامي، أي الجبهة، فتدخّل لإلغاء الدورة الثانية من الانتخابات، وهكذا عاد مرة ثانية إلى الحكم بطريقة مباشرة عن طريق المجلس الأعلى للدولة 11، وذلك طوال ثلاث سنوات، في الفترة 1995-1992. وأدّى هذا التصرف إلى نشوب ما يمكن وصفه بحرب أهلية 26(كانون الأول/ ديسمبر 8–1991 شباط/ فبراير 2002)، أو ما يعرف في الجزائر ب "العشرية السوداء"، وهي مرحلة من الصراع الدموي بين الجيش وقوات الأمن وجماعات إسلامية مسلّحة، أودت بحياة الآلاف من الجزائرين. على الرغم من ذلك، بقيت العملية السياسية مستمرة في البلاد، فجرى تنصيب الأمين زروال رئيسًا 1999-1994()، وفق ما أفرزته نتائج أول انتخابات رئاسية وُصفت بالنزاهة وبمشاركة شعبية واسعة، وجرى تنظيم انتخابات تشريعية، عام 1997، شاركت فيها الأحزاب كلها، بما فيها حزب جبهة القوى الاشتراكية المعارض الذي قاطع الانتخابات الرئاسية السابقة والاستفتاء الدستوري عام 1996. وتحطّمت تلك الآمال كلها التي وضعها الفاعلون السياسيون والشعب بُرَُّمَته في الرئيس الجديد عقب عام 1997، فقد سيطر حزبه (التجمع الوطني الديمقراطي) على أكبر عدد من المقاعد، على الرغم من أن تأسيسه كان قبل بضعة شهور فقط من إجراء الانتخابات، وخلّفت المشكلات الاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة في نفوس المواطنين شعورًا باليأس والغضب، من دون نسيان العنف الذي ما زال مستمرًا بين الجيش والجماعات الإسلامية (ص. 130) وفق الإطار التحليلي الذي وضعته بوتورف، فإنّ فهم الدوافع وراء قرارات المقاطعة أو المشاركة التي اتخذها حزب جبهة القوى الاشتراكية منذ عام 1995، يتطلّب تحديد مراكز قوى النظام الجزائري على المستويات الاجتماعية والمؤسساتية والخارجية. فالعلاقة بالبعد الاجتماعي ومركز القوة على المستوى المجتمعي في الجزائر، وعلى عكس مراكز القوة المجتمعية في الأردن التي يشكّلها الانقسام الإثني بين الشرق أردنيين والأردنيين الفلسطينيين، يشكّلها التفاوت الجيلي بين الشباب والأكبر سًّنًا (ص. 76) فبعد نيل الجزائر استقلالها عام 1962، تولّت جبهة التحرير الوطني الحكم، باعتبارها الحزب الَأْولْى به، نظرًا إلى المعركة الطويلة والشرسة التي خاضتها الجبهة مع الاحتلال الفرنسي، وستصبح هذه السردية بعد ذلك أداةً يبرّر بها النظام حكمه السلطوي. ولّدت هذه السردية التأسيسية، في العقود الموالية، انقسامًا مجتمعيًا بين فئة الشباب الذين يرفضونها، لأنهم لم يعيشوا في مرحلة الاستعمار وويلاته، وفئة الأكبر سنًا، الذين بحكم معايشتهم لتلك المرحلة صاروا أكثر تقبّلًاوتطبيعًا مع النظام وممارساته (ص. 8)7 أما على المستوى المؤسساتي، وعلى غرار الحالة الأردنية، فإن السلطتين التشريعية والقضائية، بعيدتان كل البعد عن أن تكونا مركز قوة، وذلك بسبب محدودية السلطات الممنوحة لكليهما، خاصة مراقبة الصلاحيات الممنوحة للرئيس. أما الأحزاب السياسية، فقد بقيت محظورة طوال الثلاثين عامًا التي أعقبت الاستقلال، لذلك فالمؤسسة الوحيدة التي تمثل مركز قوة للنظام الجزائري هي الجيش. فعلى عكس الهيكلة الباتريمونيالية التي تَُهَندس الجيش الأردني القائم على التوازنات الشخصية بين النظام والبدو، فإنّ للجيش الجزائري بنيةً مؤسساتيةً قائمة على الّت راتبية والاستقلالية، ليكون بذلك أحد أبرز مراكز القوة على المستوى المؤسساتي في الجزائر (ص. 79) وعند البحث في مراكز القوى الخارجية، نجد أن النظام، منذ تأسيس أول حكومة بعد الاستقلال، استهل بحثه عن حلفاء خارجيين يدعمونه، بين الرئيس هواري بومدين 1978-1965() الذي اتّجه نحو الشرق، وبالضبط نحو الصين والاتحاد السوفياتي آنذاك، وَخَلَفه الرئيس بن جديد الذي فَّضَ ل التحالف مع الغرب، وتعزّز هذا التحالف بالفعل بعد الانقلاب العسكري عام 1992 12، حيث قدّمت فرنسا والولايات المتحدة دعمهما السياسي والاقتصادي الكامل للنظام الجزائري، وعيًا منهما بالأهمية الاستراتيجية التي تحظى بها الجزائر التي بقيت (على خطى الأردن نفسها) تستفيد من القروض والمساعدات المالية الكبيرة التي يقدمها لها الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، ليصبحا بذلك مركز قوة للنظام الجزائري (ص. 75-80) أعلن الرئيس زروال استقالته، عام 1998، مِصّرِحًا بإجراء انتخابات رئاسية في أوائل عام 1999، قاطعتها في حينها المعارضة. ولم يكن قرار المقاطعة هذا سوى نتيجة لقراءتها للوضع الداخلي للبلاد. فقد كانت الجزائر تعيش أوضاعًا اقتصادية صعبة، وقد شلّت الإضرابات الاجتماعية القطاعات كلها في البلاد، إضافة إلى تدهور الوضع الأمني، وانتهاك حقوق الإنسان المتمثل في التعذيب والاختطافات القسرية، وتهديد حرية الصحافة واستقلاليتها. وبعد فوز عبد العزيز بوتفليقة 2019-1999() في الانتخابات التي كان فيها المرشح الوحيد، قررت المعارضة تنظيم مسيرة وطنية تعّب رمن خلالها عن رفضها لنتائج الانتخابات، وإبرازها أن الرئيس بوتفليقة ليس لديه أي شرعية، لكن لم يكن أمام النظام إّل احظر هذه المسيرة ورفض السماح للمعارضة
بتنظيم أي تظاهرة في مختلف المدن الجزائرية، بل منع السفر إلى العاصمة، ونشر رجال الشرطة والأمن. وهكذا، فشلت المعارضة في الضغط على النظام كي يستجيب للإصلاحات التي كانت تنادي بها. يعود تجاهل النظام لتلك المطالب واستمراره في القمع إلى حصوله على دعم مراكز القوة لديه، سواء المحلية، وعلى رأسها الحزب التاريخي جبهة التحرير الوطني والمتحالفون معه، مثل التجمع الوطني الديمقراطي وحركة مجتمع السلم، وغيرها من المؤسسات التي تدور في فلكه، مثل الاتحاد العام للعمال الجزائريين ومجلس المجاهدين، وغيرهما. وعَّب ر قسم كبير من الرأي العام الجزائري عن دعمه لبوتفليقة، واعتبره فرصة أفضل من أجل تحقيق الأمن والاستقرار. فعلى الرغم من استياء المواطنين من أداء النظام السياسي، فإن رغبتهم وتوقهم إلى الخروج من العنف، كانا كافَييَن لمنح الدعم الشعبي لبوتفليقة. أما خارجيًا، فقد رحّبت فرنسا والدول الغربية الأخرى به رئيسًا جديدًا للبلاد، داعيةً إلى المصالحة واستئناف العلاقات بين الجزائر والمجتمع الدولي، إضافة إلى دعم الجيش باعتباره أحد مراكز قوة النظام (ص. 131-134) لم تتغير الأوضاع كثيرًا خلال الولاية الأولى لبوتفليقة، بل استمرت المآزق الاقتصادية والاجتماعية التي أججتها الاحتجاجات الشعبية في منطقة القبايل، المعقل التاريخي لحزب جبهة القوى الاشتراكية، الأمر الذي أدى بأحزاب المعارضة إلى أن ترجّح كفّة المقاطعة مرة أخرى، قبيل انتخابات عام 2002. وبما أن تكاليف القمع كانت منخفضة في الحالة الجزائرية، فإن النظام اتّجه إلى خيار التجاهل والصمت مجددًا (ص. 142-151) ومع أن الظروف الاقتصادية والاجتماعية المحيطة بانتخابات عام 2004 الرئاسية، وانتخابات عام 2007 التشريعية كانت مشابهة للسياق السائد قبيل انتخابات عاَمَي 1999 و 2002، باستثناء الوضعية الأمنية التي تحسّنت كثيرًا 13، فإّن اختيارات المعارضة كانت متباينة في انتخابات عاَمَي 2004 و 2007 على التوالي. فبينما بقي حزب جبهة القوى الاشتراكية متمسكًا بخيار المقاطعة، قرّر حزب التجمع الوطني الديمقراطي المشاركة فيها. يعود الاختلاف الملاَحَظ في سلوك الحزبين المعاِرَِضَ ين إلى المحددات الأربعة التي تشِّكِل استراتيجياتهما الانتخابية. أولًا، من ناحية القناعات بقوة النظام واستقراره، وتأملًافي الانقسامات الحاصلة في قاعدة دعم بوتفليقة التي أدّت إلى تراجع دعم الجيش وبعض أعضاء جبهة التحرير الوطنية له، توصّلت جبهة القوى الاشتراكية إلى أن النظام صار ضعيفًا ومهددًا، ومن ثمة فهو أكثر قابلية إلى الاستجابة لمطالب الإصلاح أكثر من أيّ وقت مضى. ثانيًا، ومن ناحية تكلفة التعبئة لاحتجاجات ما بعد الانتخابات، وبما أنّ النظام لم يعد قويًا بما يكفي، فإنّ قرار قمعه تلك الاحتجاجات سيكلّفه الكثير، مقارنة بما يمكن أن تخسره الجبهة، الذي يبدو ضئيلًافي نظرها. أخيرًا وفي ما يتعلق بالاستقطاب الأيديولوجي، فإن حزب جبهة القوى الاشتراكية كان دائمًا بعيدًا أيديولوجيًا عن النظام، رافضًا بذلك أيّ محاولة من هذا الأخير لاحتوائه، ومن ثمة مقاطعته على نحو دائم ومستمر. أضف إلى ذلك عوامل أخرى تتمثل في شخصية قائد الحزب الحسين آيت أحمد، المعروف بمعارضته للنظام منذ عام 1963، وما يتمتع به من تجربة سياسية طويلة، تميّزت بالتزامه هو وغيره من قيادات الحزب الأخرى، بالمبادئ والمثل السياسية، من دون نسيان الدعم الشعبي الكبير الذي تحظى به الجبهة في القبائل (ص. 151-156) في المقابل، قَّرَر حزب التجمع الوطني الديمقراطي المعاِرِض الانضمام إلى تحالف النظام، بدءًا بدعمه اتفاقية العفو، وانتهاء بقبوله بحقيبتين وزاريتين، الأمر الذي أدّى إلى تقلّص المسافة الأيديولوجية بينهما، خاصة أن زعيم الحزب، سعيد سعدي، يميل أكثر إلى تيار ما يوصف ب "النقد البنّاء" للنظام، من دون رفض تام له. بعد ذلك التقارب الأيديولوجي، وبفعل التكاليف الباهظة التي سيتحمّلها جراء تعبئته للمظاهرات، لم يكن التجمع الوطني الديمقراطي قادرًا على تهديد النظام حقيقة، بل كان يؤمن إيمانًا حاسمًابأن مقاطعة انتخابات عام 2004 الرئاسية، مثلًا، لن تقوّض النظام، بقدر ما ستعطي دفعة قوية لبوتفليقة. ومن هنا، فإنّ الخيار الأفضل بالنسبة إليه هو المشاركة في الانتخابات. على الرغم من المشكلات المحلية وخسارة دعم الجيش وبعض أعضاء جبهة التحرير الوطنية، وبفعل نجاحه في القضاء على التمرد الإسلامي واستتباب الأمن في البلاد، فإن النظام الجزائري استطاع المحافظة على قدرته على جذب دعم مراكز قوة أخرى له، سواء المجتمعية كالجيل القديم من المجتمع الجزائري، أو الخارجية كالمجتمع الدولي، أضف إلى ذلك أنّ ظهور حزب التجمع الوطني الديمقراطي منافسًا لحزب الجبهة، كان أمرًا إيجابيًا بالنسبة إليه. وبهذا تكون جبهة القوى الاشتراكية التي كانت وما زالت معارضة حقيقية للنظام، قد أخطأت في حساباتها لمدى قوة النظام واستقراره (ص. 157)
خامسًا: مناقشة: الانتخابات السلطوية بين أهداف النظام ودوافع المعارضة
إن مفهوم "الانتخابات السلطوية"، باعتباره الظاهرة السياسية التي يتمحور حولها كتاب بوتورف الذي عرضنا أطروحته الأساسية والعناصر الإمبريقية التي قدّمتها صاحبته، في محاولة منها الاستدلال على صحّتها من خلال تحليلها قرارات المقاطعة أو المشاركة التي اتخذتها جبهة العمل الإسلامي في الأردن، وجبهة القوى الاشتراكية في الجزائر منذ تسعينيات القرن الماضي، حظي بدراسة واسعة من جانب الباحثين المتخصصين، سواء في دراسة الأنظمة السلطوية أو حقل الدراسات الديمقراطية والدمقرطة. في هذا الصدد، حظيت مسألتان بقسط وافر من الدراسة. أولاهما، طبيعة الأهداف التي تسعى الأنظمة غير الديمقراطية لتحقيقها من وراء قبولها بالتعددية الحزبية ومشاركة معارضين لها في الانتخابات (وحتى القبول بفوزهم ببعض المقاعد.) ثانيتهما، تحديد الأسباب التي تجعل المعارضة تقبل بالمشاركة في عملية انتخابية هي على يقين تامّ أن ليس لها أيّ فرصة للفوز فيها. كما أنّ مفهوم مراكز القوى ليس غائبًا تمامًا عّم اسبق من الدراسات. في علاقة بالنقطة الأولى، يشدد أندرياس شيدلر، الباحث الذي ارتبط اسمه بمفهوم "السلطوية الانتخابية"، على أنّ الدافع الرئيس للتلاعب بالانتخابات في هذه الأنظمة هو ضمان هيمنة الحزب الحاكم، من دون أن يكون ذلك بالضرورة مرادفًا لرغبةٍ في تغيير ديمقراطي حقيقي 14. في الاتجاه نفسه، تشير ميشيل كامينغز إلى أن الأحزاب السياسية في النظام غير الديمقراطي قد تكون وسيلة يستخدمها النظام لتوسيع قاعدته الشعبية وإضفاء الشرعية على سلطته 15، مع الاحتفاظ بالسيطرة على العملية السياسية 16. خلافًا لذلك، يجادل بعض الباحثين في أن الانتخابات حتى في السياق السلطوي، يمكن أن تكون لها تأثيرات إيجابية في مسار الحرية والديمقراطية. وتتبنّى إيلين لوست أوكر هذا الاتجاه، حيث تناقش في دراستها عن المعارضة والتلاعب السياسي، أن الانتخابات حتى تحت الحكم السلطوي، يمكنها أن تفتح مساحات للتنافس السياسي والمشاركة العامة، ما قد يتيح المجال مع مرور الوقت للتحولات الديمقراطية 17. في هذا الصدد، وفي علاقة بالسياقات التي تشهد انتقالاٍتٍ سياسيةً، تشير الدراسات إلى أن التفاعل بين السلطة والمعارضة يكون حاسمًا في تحديد مسار التغيير. مثلًا، يرى غييرمو أودونيل أن الأنظمة السلطوية قد تضطر إلى تقديم تنازلات للمعارضة في مراحل معيّنة لضمان بقائها، وهو ما يتماشى مع نظرية الكاتب حول استراتيجيات المشاركة أو المقاطعة 18. ومع ذلك، يجادل باحثون آخرون في أن هذه التنازلات قد تكون سطحية، ولا تؤدي إلى تغيير حقيقي. فمايكل بروبست يذهب إلى القول إن العديد من الأنظمة السلطوية قد تقدم تنازلات تكتيكية، فحسب، لتهدئة المعارضة، بينما تواصل هي الاحتفاظ بالسيطرة الكاملة على اللعبة السياسية 19. أما بالنسبة إلى النقطة الثانية المتعلقة بدوافع قبول المعارضة المشاركة في الانتخابات (ما يمثّل الإشكالية المركزية للكتاب)، فتعتبر بياتريس ماجلوني أنّ جماعات المعارضة تشارك في الانتخابات السلطوية لُتُظهر وجودها، أو لتحصل على تنازلات من النظام، كما أنها تشارك في الانتخابات غالبًا للحفاظ على هيكلها التنظيمي، وتجنّب الانقسامات وتجنيد مناصريها، والبقاء مرئية في أعين النظام، بل أحيانًا تأمين تنازلات سياسية 20، إلى درجة أن بعض الدراسات الحديثة ذهب إلى اعتبار أن أحزاب المعارضة التي تنخرط في الانتخابات التي تسهر عليها الأنظمة السلطوية، قد تمثّل تهديدًا للنظام إذا استمرت في تطوير قواعد جماهيرية واسعة، حيث يعتبر لاري دايموند أن وجود أحزاب سياسية فعالة في الأنظمة السلطوية قد يؤدّي تدريجًا إلى زيادة الضغوط من أجل الديمقراطية، حتى لو كان النظام يحاول جاهدًا التحكم فيها 21. على النقيض من هذا الموقف المتفائل، فإن آخرين مثل ستيفن ليفيتسكي ولوكاس واي اعتبرا أن المشاركة في الانتخابات السلطوية
غالبًا ما تؤدي إلى استيعاب جماعات المعارضة، وإضعاف قدرتها على التعبئة بفاعلية ضد النظام؛ ومن ثمّة، خطر استيعاب جماعات المعارضة في النظام السلطوي، بدلًامن تحدّيه 22. وهذا أقرب إلى ما تراه بوتورف التي اعتبرت أن المقاطعة هي التي تراها أحزاب المعارضة أداةً للضغط على النظام، من خلال حرمان الانتخابات التي ينظّمها من صبغة المشروعية، في حين أن المشاركة هي نتيجة لاعتبار المعارضة نفسها أضعف من الضغط على النظام للقبول بمطالبها بالإصلاح، وبناءً عليه، تجنّب الدخول في مواجهة معه 23. أما أطروحة "مراكز القوة" التي تمثّل الإطار النظري الذي يقوم عليه تفسير بوتورف باختيارات المعارضة أو المشاركة في الانتخابات في العالم العربي، ودورها في تحديد قوة النظام، فتجد دعمًالها، على الأقل في بعدها المؤسساتي، في أعمال صامويل هنتنغتون الذي يناقش أهمية الهيكلة المؤسساتية في الحفاظ على استقرار النظام 24. ومع ذلك يجادل بعض الباحثين بأن التركيز على المراكز المؤسسية للسلطة يقلل من أهمية الشبكات غير الرسمية وأنظمة الولاء والمحسوبية في استقرار الأنظمة السلطوية. فمثلًا، تشير كتابات بريان تايلور، على سبيل المثال، إلى أن الشبكات الشخصية داخل الجيش يمكن أن تكون أشد أهمية لاستقرار النظام أكثر من كونه مؤسسة رسمية ومهيكلة 25، أي إنه على عكس ما تذهب إليه بوتورف، حتى ما تصفه بالجيوش الباتريمونيالية، يمكن أن يمثّل مركز قوى. وأما على مستوى العنصر الخارجي، فيرى ليفيتسكي وواي أن الفاعلين الخارجيين يمكنهم أن يدعموا الأنظمة السلطوية أو يقوّضوها بناءً على المصالح الجيوسياسية التي يقتضيها تدخّلهم 26، ومن هنا، يمكن المعارضة أن تتخذ قراراتها بالمشاركة أو المقاطعة متأثّرةً بهذا العنصر الخارجي، كما يذهب إلى ذلك الكتاب، وكما هو موضح في "تأثير الارتداد" الذي ناقشته مارغريت كيك وكاثرين سيكينك؛ حيث يؤدي الضغط الدولي إلى زيادة المعارضة المحلية والمقاومة الداخلية ضد الأنظمة السلطوية 27، من دون أن يعني ذلك أنّ وجود ضغط خارجي على النظام سيخدم بالضرورة المعارضة، حيث يمكن النظام أن يفتت الدعم الشعبي للمعارضة من خلال تصويرها ب "العميلة" أو المدعومة من الخارج. أخيرًا، يُعتبر اختيار المقاطعة أو المشاركة في الانتخابات أمرًا حاسمًا للجماعات المعارضة. وُتُظهر الأبحاث الحديثة أن المقاطعات يمكن أن تؤدي إلى احتجاجات بعد الانتخابات، خاصة عندما ترى المعارضة أن العملية الانتخابية شابتها عيوب كثيرة 28. في المقابل، يشكك بعض الباحثين في فاعلية المقاطعات؛ بحجة أنها غالبًا ما تفشل في تحقيق النتائج المرجوّة، ويمكن أن تترك الجماعات المعارضة في موقٍفٍ أضعف غير قادرة على التأثير في السياسات من الداخل. يشير هذا النقد إلى أنّ المقاطعات، على الرغم من أنها ضرورية أحيانًا، فإنه يمكن أن تكون سلاحًا ذا حدّين 29. وكما أبرزت بوتورف من خلال حالة مقاطعة جبهة العمل الإسلامي للانتخابات الأردنية عام 1993، فإن ذلك لا يؤدي في المحصلة إلى فشل المقاطعة فحسب، بل إلى إضعاف المعارضة وتقليص قاعدتها الشعبية.
خاتمة
تقدّم جيل بوتورف، في كتابها موضوع المراجعة، أطروحة تفسيرية لفهم سلوك التنظيمات الحزبية المعارضة في المنطقة العربية، إزاء مسألة المشاركة في الانتخابات من عدمها، على الرغم من عدم توافر الشروط كلها المتعارف عليها لانتخابات تنافسية ديمقراطية حقيقية. وتسعى لتحقيق هذا الهدف من خلال توظيفها إطارًا تحليليًا يقف عند الظروف السياقية المؤثثة للانتخابات، مجتمعيًا ومؤسساتيًا ودوليًا، التي تعتبرها المحدد للاستراتيجيات التي ستتبناها الأحزاب المعارضة. في الحقيقة، يفتح هذا الكتاب آفاقًا واسعة للبحث والتأمل النظري والإمبريقي حول الظاهرة المدروسة، ويوفر أرضية خصبة يمكن الارتكاز عليها لمزيد من الدراسات المستقبلية لاختبار مدى صلاحية مفهوم مراكز القوى إطارًا نظريًا يوفّر تفسيرًا لقرارات المعارضة بالمشاركة أو المقاطعة في دول أخرى غير الأردن والجزائر.
في هذا الصدد، نعتبر أنّ من بين القضايا والإشكاليات التي يمكن أن تكون موضوعًا لتلك الدراسات، والتي من أهمها في نظرنا ثلاث مسائل: أولًا، التعمّق في فكرة اعتبار الحكومات الغربية مركز قوة خارجيًا للسلطويات الانتخابية العربية ودورها البارز الذي تقوم به في تشكيل معتقدات المعارضة، حول مدى قوة النظام وإرادته وقدرته على القيام بالإصلاحات، خصوصًا، كما أشرنا إلى ذلك في المناقشة، فإنّ الدراسات السابقة حول الموضوع توصلت إلى نتائج متضاربة. ثانيًا، ضرورة الأخذ في الحسبان الربيع العربي وما أفضى إليه من مخرجات، وتأثير استراتيجيات المعارضة في الدول العربية، وما قدّمته لأحزاب المعارضة من معلومات حول قوّة السلطويات الانتخابية العربية في الدول التي بقيت فيها قائمة، والتي ظهرت في بدايات المرحلة أنها قبلت بالإصلاحات، وما لبثت أن تبين أنها لم تكن سوى تنازلات مرحلية. ثالثًا، مؤسسة الجيش وأهميتها في السياق العربي، بوصفها أحد مراكز القوة المحتملة، وعلى وجه الخصوص تصنيف الجيوش الباتريمونيالية يحتاج إلى تعمق أكبر. فهذه الجيوش في المنطقة قد تختلف من حيث قدرتها وقوّتها واحترافيتها، وحتى مستوى تركيبتها الإثنية. فإلى أيّ حد يمكن أن تؤثّر الاختلافات في طبيعة الجيوش حتى داخل الصنف الواحد (باتريمونيالي في مقابل مؤسسي)، في قراءة المعارضة لقوة النظام واستراتيجياتها الانتخابية؟
المراجع
Beaulieu, Emily. Electoral Protest and Democracy in the Developing World. Cambridge: Cambridge University Press, 2014. Cummings, Michael A. The Politics of Hegemony: Authoritarian Regimes in Africa. New York: Cornell University Press, 2009. Diamond, Larry. Developing Democracy: Toward Democratization Worldwide. USA: Johns Hopkins University Press, 1999. _______. "Elections without Democracy: Thinking about Hybrid Regimes." Journal of democracy. vol. 13, no. 2 (2002). Frankel, Matthew. "Threaten but Participate: Why Election Boycotts are a Bad Idea." Brookings Institution. no. 19 (2010). Huntington, Samuel P. Political Order in Changing Societies. New Haven: Yale University Press, 1968. Keck, Margaret E. & Kathryn Sikkink. Activists beyond Borders: Advocacy Networks in International Politics. New York: Cornell University Press, 1998. Levitsky, Steven & Lucan Way. Competitive Authoritarianism: Hybrid Regimes after the Cold War. Cambridge: Cambridge University Press, 2010. Lust-Okar, Ellen. "The Management of Opposition: Formal Structures of Contestation and Informal Political Manipulation in Jordan." Comparative Politics. vol. 36, no. 3 (2004). Magaloni, Beatriz. Voting for Autocracy: Hegemonic Party Survival and its Demise in Mexico. Cambridge: Cambridge University Press, 2006. Masoud, Tarek. "Explaining Election Boycotts in the Arab World." Journal of Democracy. vol. 32, no. 1
O'Donnell, Guillermo. Transitions from Authoritarian Rule: Reflections on Latin America and Europe. Notre Dame: University of Notre Dame Press, 1991. Probst, Michael. Modern Authoritarianism: How Regimes Maintain Control in a Changing World. New Haven: Yale University Press, 2007. Schedler, Andreas. "The Menu of Manipulation." Journal of Democracy. vol. 13, no. 2 (2002). _______. "The Logic of Electoral Authoritarianism." Electoral Authoritarianism: The Dynamics of Unfree Competition. vol. 1, no. 6 (2006). Stinchcombe, Arthur L. Constructing Social Theories. Chicago: University of Chicago Press, 1968. Taylor, Brian. Politics and the Russian Army: Civil- Cambridge: Relations, Military Cambridge University Press, 2003. Wegner, Eva Islamist Opposition in Authoritarian Regimes: The Party of Justice and Development in Morocco. USA: Syracuse University Press, 2011.