الدفاع الهجين للدول الصغيرة: دروس وتداعيات استراتيجية من أوكرانيا وغزة (2014 - 2024)
الملخّص
إْنْ فشل الردُعُ وَت عثرت الدبلوماسية، كيف يمكن أن تدافع الدول الصغيرة عن نفسها في مواجهة خصوم أكبر، متفوقين عليها في العدد والعدة والعتاد؟ تهدف الدراسة إلى المساهمة في الإجابة عن السؤال البح يث المستمر بشأن كيفية تمُّك ن الأطراف الأقل عددًا والأضعف تسليحًا، أو الفئة القليلة، من تحقيق الغلبة عسكريًا، وليس سياسيًا أو إعلاميا فقط. ففي عصٍرٍ باتت فيه الحرب اللامتناظرة هي نوع الحرب الُمُ توقع والمستشرف، فإن فهم أساليب القتال التي ت مِّك ن القوّات الأصغر من الصمود أو الانتصار يكتسب أهمية بالغة لدى المحللين الاستراتيجيين والقادة العسكريين وصّن اع القرار السياسي على حٍّدٍ سواء. تعرف الدراسة للمرة الأولى مفهوم "الدفاع الهجين"، وتساهم في تعريف معدل لمفهوم "الأسلحة المشتركة في المجالات المتعددة"، وتختبر علاقتهما بمفاهيم "الفاعلية العسكرية" و"الفاعلية القتالية." ثم ت حّل ل بعضًا من فنون العمليات والتكتيكات التي توِّظ فها القوّات الأصغر نسبيًا، كحالة القوّات العسكرية والأمنية الأوكرانية، وكذلك القوّات غير الدولتية كحالة فصائل المقاومة الفلسطينية في غزة، لمواجهة خصوٍمٍ أكثر عددًا وعتادًا. وتستخلص الدراسة سبعة دروس مستفادة، وتختتم بتداعياتها المقارنة على السياسات الدفاعية للدول الصغيرة في المنطقة العربية وخارجها. كلمات مفتاحية: الدول الصغيرة، أوكرانيا، غزة، الدفاع الهجين.
Hybrid Defence for Small States: Strategic Lessons and Implications from Ukraine and Gaza (2014 - 2024)
مقدمة: "الفئة القليلة:" كيف تغلب أو تصمد عسكريًا؟
إن فشل الردُعُ وتَعثرت الدبلوماسية2، كيف يمكن أن تدافع الدول الصغيرة عن نفسها في مواجهة خصوم أكبر، متفوقين عليها في العدد والعدة والعتاد؟ في عصٍرٍ باتت فيه الحرب اللامتناظرة War Asymmetric هي نوع الحرب المتوقع والمستشرف، فإن فهم أساليب القتال التي مُتِ كِن القوّات الأصغر من الصمود أو الانتصار يكتسب أهمية بالغة لدى المحللين الاستراتيجيين والقادة العسكريين وصنّاع القرار السياسي على حٍّدٍ سواء. تُحلّل هذه الدراسة بعضًا من فنون العمليات Operational Arts والتكتيكات التي توِّظِفها القوّات الأصغر - مثل القوّات العسكرية والأمنية الأوكرانية، وكذلك القوّات غير الدولتية مثل فصائل المقاومة الفلسطينية في غزة - لمواجهة خصوٍمٍ أكثر عددًا وعتادًا، وأحيانًا تحقق بها انتصاراٍتٍ غير متوقعة عليهم 3. تهدف الدراسة إلى استخلاص دروس متعلقة بالفاعلية القتالية Combat Effectiveness والفاعلية العسكرية Military Effectiveness، وكذلك التداعيات الاستراتيجية على السياسات الدفاعية للدول الصغيرة في المنطقة العربية وخارجها. وُتَُعَدّ هذه الدراسة جزءًا من مشروع بحثي أشمل، يستقصي كيفية تكيّف القوى الأصغر وابتكاراتها في مواجهة خصوٍمٍ أكبر عبر أنحاء العالم، مُقِّدِمًا رؤى جديدة حول المشهد الاستراتيجي المتغِ ري في الحروب المعاصرة، وتداعياته على سياسات الدفاع والأمن القومي العربي. وتهدف كذلك إلى المساهمة في الإجابة عن السؤال البحثي المستمر بشأن كيفية تمُّكُن الأطراف الأقل عددًا والأضعف تسليحًا، أو الفئة القليلة 4، من تحقيق الغلبة عسكريًا، وليس سياسيًا أو إعلاميًا فقط. وعلى الرغم من الاختلافات الجوهرية على مستوى الأبعاد كافة، واجهت القوّات العسكرية والأمنية الأوكرانية وفصائل المقاومة الفلسطينية في غزة بقيادة كتائب عزّ الدين القسّام (الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية "حماس)" موقفًا متشابهًا: التفوق العددي والناري لخصٍمٍ أكبر وأكثر تطورًا في جميع مجالات العمليات السبعة 5. ومع ذلك، نجحت هاتان القوتان في إلحاق خسائر فادحة بالقوّات المهاجمة الأكبر حجمًا، وقوّضت قدراتها و/ أو إرادتها على تحقيق أهدافها الاستراتيجية المعلنة. ولا ترِّكِز الدراسة على هاتين الحالتين تفصيلًا؛ فذلك جزٌءٌ آخر من المشروع البحثي الأوسع. وإنما تركز على استخلاص الدروس المستفادة من العمليات القتالية لكٍّلٍ من القوّات العسكرية والأمنية الأوكرانية والمقاومة الفلسطينية في غزة، قد تستفيد منها دول صغيرة في العالم العربي وخارجه في سياساتها الدفاعية. تجادل الدراسة بأنّ القوّات المسلّحة الأوكرانية والمقاومة الفلسطينية في غزة لجأتا إلى استراتيجية "دفاع هجين" Strategy Defence Hybrid (سوف نعرفه لاحقًا)، تضَّمَنت استخدام تكتيكات وتقنيات وإجراءات عبر أربعة مجالات/ نطاقات عملياتية أو أكثر، وقد أدى ذلك إلى تعزيز فاعليتهما العسكرية والقتالية، وتخفيف آثار أحجام القوّات المناوئة وتفوق معداتها. وأدى الدفاع الهجين إلى إطالة فترة صمود القوّات الأصغر والأضعف نسبيًا. ويظُّلُ تأثير هذا النوع من الدفاع في استنزاف القوّات الأكبر غير حاسم. ففي حين سمحت الاستراتيجية للقوّات الأصغر باستنزاف القوّات الأكبر عسكريًا (وليس سياسيًا فقط)، فإنّ النتائج الإجمالية للاستنزاف والخسائر ظلت مقبولة من القوّات الأكبر حتى وقت كتابة الدراسة. قبل الُمضُي قدمًا، لا بدّ من الإشارة إلى بعض الاعتبارات المنهجية. أولًا، لا تركّز الدراسة على تحليل العمليات القتالية بقدر ما تركّز على استخلاص الدروس منها وتبسيطها 6. ثانيًا، لا تهدف الدراسة إلى كتابة تاريٍخٍ عسكري للحربين بين عاَمَي 2014 و 2024، بل تستعرض بعض الابتكارات العملياتية من أجل إبراز دروس محددة. مع ذلك، يظلّ التأريخ النقدي للعمليات القتالية في كٍّلٍ من أوكرانيا وغزة ثغرةً بحثية مهمة في أدبيات حقَل يدراسات الحرب War Studies والتاريخ العسكري. وأخيرًا، يبقى Military History التركيز منصًّبًا على الدروس التي يمكن أن تفيد الدول الصغيرة في سياساتها الدفاعية والأمنية.
تتوزع الدراسة على خمسة أقسام. يستهل القسم الأوّل بوضع تعريف علمي للدفاع الهجين وربطه بمفهوَمَي "الفاعلية العسكرية" و"الفاعلية القتالية"، مع مراجعة بعض الأدبيات ذات الصلة. ويستعرض القسم الثاني مسار التطوّر في الدفاع الهجين لدى القوّات العسكرية والأمنية الأوكرانية استنادًا إلى مراحل الحرب بين عاَمَي 2014 و 2024. في حين يقِّدِم القسم الثالث قراءةً للتكيّفات الدفاعية الهجينة لدى كتائب القسّام في غزة وغلافها، استنادًا إلى نماذج من العمليات القتالية في عاَمَي 2023 و 2024. أمّا القسم الرابع فيستخلص دروس الدفاع الهجين الأساسية لقوّات الدول الصغيرة. ويلخص القسم الخامس التداعيات الاستراتيجية.
أولًا: الدفاع الهجين: تعريف المفهوم
تُعدّ فكرة "الحرب الهجينة" قديمةً قَِدَم الحرب نفسها على الأرجح. فقبل الميلاد، أشار المنِّرظِ والقائد العسكري الصيني الشهير، صن تزو، إلى بعض عناصر المفهوم بتأكيده أهمية الحرب المعلوماتية والنفسية: "إنّ قمة التمُّيُز تكمن في كسر مقاومة العدو من دون قتال" 7. ولعلّ صن تزو كان لينبهر بالغزو الروسي لشبه جزيرة القرم عام 2014، حين احُتُلت أهم منطقة جيوستراتيجية في أوكرانيا، ثم ضُ مّت رسميًا بلا مقاومة مسلحة تُذكر تقريبًا 8. وفي القرن التاسع عشر، سلّط المنِّرظِ العسكري البروسي الشهير كارل فون كلاوزفيتز - المعروف أكثر بتنظيراته حول ما يعرف ب "الحرب التقليدية" 9 - الضوء على أهمية الاختراق والعمليات المعلوماتية والاستخباراتية 10. وفي القرن الحادي والعشرين، جادل جيمس ماتيس وفرانك هوفمان بأنّ الفاعلين الأقوى سوف يضطرون إلى دمج أنماٍطٍ وأساليب متعددة من الحرب - أو ما عُِرِف لاحقًا ب "الحرب الهجينة" - لتقليل تكاليفهم 11. وفي عام 2007، توسّع هوفمان في شرح هذا المفهوم وتطبيقاته، مشيرًا إلى دمج أنماط الحرب التقليدية وغير النظامية والمعلوماتية والإلكترونية والسيبرانية 12. وقد استخدم باحثون وممارسون آخرون مصطلحات مختلفة، لوصف الظاهرة نفسها أو أبعادًا مختارة منها أو أساليب محدّدة للقتال المركب نفسه 13؛ وذلك مثل مصطلحات "الحرب غير الخطّية" Warfare Non-Linear، و"الحرب الحدية"، Indirect Approach "، و"النهج غير المباشرLiminal Warfare و"عمليات المنطقة الرمادية" Operations Zone Grey. وأضاف المنظّرون العسكريون الصينيون المعاصرون مصطلحات مثل غير المقيّدة "الحرب " Unrestricted Warfare14، و"الحرب الثلاثية" Warfares Three The، إلى معجم الأدبيات 15، بينما استخدم محلّلون وممارسون عسكريون روس مصطلح "حرب الجيل الجديد" Warfare Generation New 16. وقد اعتمد عدد من الباحثين الغربيين (ثم دحضوا) مصطلح "عقيدة غيراسيموف" Gerasimov Doctrine17. وهو مصطلح مثير للجدل سُمّي باسم الجنرال فاليري غيراسيموف، المنظر العسكري ورئيس هيئة الأركان العامة الروسية، وذلك لوصف "حرب الجيل الجديد" الروسية وأحيانًا أبعاد محددة منها فقط. واستنادًا إلى هذه الخلفية، وفي سياق حصر نطاق هذه الدراسة، أ عِّرِف الدفاع الهجين بأنّه استراتيجية دفاعية تتبنّى توظيفًا مشتركًا لتقنيات
و كتتيكات وإجراءات القوتين "الصلبة" و"الحادة" وذلك في أربعةٍ أو أكثر من مجالات العمليات السبعة، بهدف تعزيز الفاعلية القتالية أو العسكرية للقوّات أثناء مناورات دفاعية معلوماتية- صلبة. وبالنظر إلى طبيعة القوة الحادّة 18، يُعدّ المجال المعلوماتيي وتسليح الموارد المدنية Weaponization of Civilian Resources ركنين أساسيين في أيّ استراتيجية للدفاع الهجين؛ ما يُضفي التباسًا على الخطوط الفاصلة بين "القوّات النظامية" و"غير النظامية." ويمكن أن توَّظَف استراتيجيات الدفاع الهجين دولةٌ أو فواعل غير دولتية أو تحالف يجمع بين قوّات دولتية وغير دولتية. وغالبًا ما تشكّل الفواعل المسلحة غير الدولتية Actors Nonstate Armed، والفواعل "المدنية ذات الاستخدامات العسكرية Weaponised Nonstate Actors "، عنصرًا أساسيًا وأحيانًا حاسمًا، في أيّ استراتيجية دفاع هجين ناجحة. وقد تشمل هذه الفواعُلُ المتمردين على النظام القائم، أو الميليشيات الموالية للنظام القائم، أو تشكيلات المقاتلين الأجانب، أو تشكيلات المرتزقة، أو الشركات العسكرية والأمنية الخاصة 19. وتتعدد أنواع التحالفات بين الدولة وما دونها من فواعل؛ إذ تراوح بين تحالفات تكتيكية وعملياتية قصيرة الأجل، مبنية على تلاٍقٍ مصلحي محدود، وصولًاإلى تحالفات استراتيجية طويلة الأمد على أسس أيديولوجية أو عقائدية متينة، أو على علاقات "وكالة" مباشرة قد تصل إلى الاندماج المؤَّسسَي (ولو بصورة رمزية) ضمن القوّات المسلحة الرسمية للدولة. أمّا "الفواعل المدنية ذات الاستخدامات العسكرية"، فهي كيانات وأفراد ليسوا بالضرورة مسلحين؛ غير أنّ لهم دورًا جوهريًا في الدفاع الهجين (وفي الحرب الهجينة بصورة عامة)، مثل قراصنة السايبر، والمنّظمّات "المدنية" التي تكون واجهة مزيفة أو ترفع علمًامزيفًا False-Flag/False-Front وتهدف إلى تحقيق هدف عسكري في دولة الخصم، أو شبكات التهريب والاتجار بالبشر. يمكن تطبيق الدفاع الهجين في أيّ مجال أو ساحة تقريبًا، إلا أنّ فاعليته تتضاعف عند تفعيله في أربعة مجالاٍتٍ عملياتية أو أكثر بالتوازي 20، هي: المجال البري، والمجال المعلوماتيي/ الاستخباري، والمجال السيبراني، والمجال الإلكترومغناطيسي (اختصارًا الإلكتروني.) ولا تقلّ مجالات الجو والبحر والفضاء أهميةً عن ذلك، ولكن المجالات الأربعة الأولى تبقى مرتكزًا محوريًا لتحقيق الفاعلية العسكرية 21. وعادةً ما يبلغ أثر الدفاع الهجين ذروته على قوّات الخصم في البيئة الحَضر ية والمناطق العمرانية؛ إذ تتطلّب استراتيجيات الدفاع الهجين شبكات اتصالات، وبنية تحتية مدنية معَّقَدة، فضلًاعن شريحة سكانية ذات أهمية ديموغرافية وتعليم تقني وتكنولوجي مناسب. وتتوافر هذه الشروط البنيوية في المدن وضواحيها أكثر من البلدات، وفي البلدات أكثر من القرى والمناطق النائية. أمّا الخطط العملياتية وتكتيكات الدفاع الهجين، فيفوق عددها الألف وفئاتها/ تصنيفاتها بالعشرات 22، وهي متغّيةر ومتطوّرة باستمرار. وأعرُضُ فيما يلي أمثلةً تطبيقية مستقاة من الحروب على أوكرانيا وغزة، ومنها ما يمكن تسميته هنا ب "التصعيد الأفقي غير الدولتي"؛ أي تسليح فواعل/ قوّات غير Nonstate Horizontal Escalation دولتية وتعبئتها داخل مناطق العمليات وخارجها، وتكوين تحالفات مع منظمات مسلحة متمرّسة قتاليًا وتعزيز قدراتها العسكرية واستقطاب مقاتلين جدد لها، سواء أجانب أو محليين. وعادةً ما تتبنّى استراتيجيات الدفاع الهجين أسلوب "التسليح" أو التوظيف العسكري للبنية المدنية الحضرية Terrain Urban، عبر تكييف البنية التحتية، وتصميم خطوط للدفاع في العمق، وخلق تضاريس. هذا Subterranean Defence-in-Depth وطبقات تحت الأرض إضافة إلى تنفيذ مناورات متعددة المجالات بأسلحة مشتركة (نعرفها لاحقًا)، لتشمل مجال المعلومات/ الاستخبارات.
لكلّ ما سبق آثار مباشرة في الفاعلية القتالية والعسكرية. وُأ عرّف الفاعلية القتالية هنا بأنها معيار أداء القوة القتالية على المستويين التكتيكي والعملياتيي، مستندةً إلى جودة القوة وحجمها وهيكلها وقيادتها وروحها المعنوية وتسليحها وتدريبها وأساليب توظيفها وعوامل أخرى 23. ويسعى المفهوم لقياس كفاءة القوّة في التعامل مع الأسلحة وتنفيذ التكتيكات والحفاظ على التماسك والتنسيق تحت النيران والابتكار والتكيّف خلال القتال. أمّا "الفاعلية العسكرية" فهي مفهوم أوسع نطاقًا؛ إذ يصف الأداء العسكري الشامل على المستوى الاستراتيجي، مع التركيز على مدى قدرة المؤسسة العسكرية على توظيف مواردها القتالية وغير القتالية بكفاءة لتحويلها إلى قوة عسكرية تحقق هدفًا أو أهدافًا استراتيجية أو استراتيجية-كبرى Grand-Strategic. وبصورة نهائية، يعكُسُ المفهوم مدى قدرة المؤسسة العسكرية على ترجمة التوجيهات السياسية إلى نتائج عسكرية ناجحة. وبعد تعريف هذه المفاهيم، يستعرُضُ القسمان التاليان توظيف استراتيجيات الدفاع الهجين في أوكرانيا وغزة، مع الإشارة الموجزة إلى بعض أمثلة "الهجوم الهجين" المرتبطة بهما.
ثانيًا: كيف ت قاتل أوكرانيا؟ لمحة عامة عن الدفاع الهجين
منذ البداية الُمُبكرة للحرب (الهجينة) في شباط/ فبراير 2014، واجهت أوكرانيا سلسلةً من التحدّيات العسكرية المترابطة نتج منها خسارات لأراضيها ومخاطر مستمرة على أمنها القومي وسيادتها ووجودها أيضًا. فعلى المستوى المتوسط Meso-level، نتجت تلك التحدّيات من سبعة متغّي رات سببيّة: حجم القوّات (نقص الأفراد)، وجودة القوّات (تدريب محدود، ومعنويات منخفضة، وقدرة محدودة على تنفيذ مناورات بالأسلحة المشتركة على مستوى وحدات كبيرة)، وتوليد القوّات (قدرات محدودة على التعبئة الكلية والجزئية والمتدرّجة)، ومحدودية خطوط الدفاع في الأراضي المستهدفة 24، وضعف في المجالات العملياتية المهمة كالبحر والجو والمجال السيبراني والمجال المعلوماتيي/ الاستخباري (أدّت الثغرات في المجال الأخير إلى اختراقات عديدة على المستويين الأمني والعسكري)، ومشكلة التزام الحلفاء (مستوى التزام منخفض يتُرجم إلى قرارات متردّدة ومتأخرة)، وحلفاء غير دولِتِّييّن ذوي قدرات محدودة (تسليح متدٍّنٍ أو منعدم، ومستوى تنظيم منخفض.) ولم يعمل أيّ من حلفاء أوكرانيا غير الدولِتِّييّن خارج حدود أوكرانيا لعام 1991. وفي إطار تطوير استراتيجية الدفاع الهجين الأوكرانية، عوِلَِجَت هذه التحديات، بدرجاٍتٍ مختلفة من النجاح والإخفاق والتوقّف، بين عاَمَي 2014 و 2024. وفيما يلي لمحة عامة عن الانعكاسات العسكرية لتلك التحديات. على الرغم من كون أوكرانيا أكبر بلٍدٍ في أوروبا بعد روسيا الاتحادية 25، فقد عانت مشكلات الدول الصغيرة وهمومها. ففي 20 شباط/ فبراير 2014، كانت القوّات العسكرية والأمنية أقلّ عددًا وتسليحًا في جميع مجالات العمليات بلا استثناء من القوّات الروسية. وفي شهَرَي شباط/ فبراير وآذار/ مارس 2014، نفّذت القوّات الروسية عملية استخبارية - عسكرية متقنة: هجومًا هجينًا أفضى في النهاية إلى سقوط شبه جزيرة القرم الأوكرانية واحتلالها وضمّها رسميًا. استندت الاستخبارات والقوّات الأمنية الروسية إلى تكتيكاٍتٍ متعددة من "القوة الحادّة"، شملت منظمات "مدنية" مزيفة واجهةً لعمليات حشد وضغط وتعبئة لخدمة الهدف العسكري، وحملات دعائية وتضليلية مكثفة، وحربًا نفسية، إضافةً إلى اختراقات على مستوى كبار الضباط في المؤسستين العسكرية والأمنية الأوكرانيتين بهدف زعزعة الاستقرار 26. ولتأمين مكاسبها الاستراتيجية ب "القوة الصلبة"، شنّت القوّات الروسية عمليات اقتحام وإنزال جوي واسعة
النطاق، وعمليات برمائية بجنوٍدٍ يرتدون بزّاٍتٍ من دون شارات ممِّزيِة أو علم دولة (ُأ طلق عليهم "الرجال الخضر الصغار)"؛ وذلك لضمان الإنكار القابل للتصديق Deniability Plausible. وُتَُعَدّ العملية الروسية في القرم واحدةً من أنجح الهجمات الهجينة في تاريخ الحروب 27؛ إذ كشفت عن أوجه القصور الأوكرانية في أربعةٍ من المتغّي رات السبعة المذكورة أعلاه، وهي: جودة القوّات، وضعف المجالات الحاسمة خاصةً مجال المعلومات الاستخباراتية (وتحديدًا أفرع مكافحة التجسس والدعاية المضادّة)، وضعف التزام الحلفاء، وغياب تسليح الوطنيين الأوكرانيين (من فاعلين غير دولِتِّييّن ومجتمع مدني) في القرم، وضعف تنظيمهم أيضًا. وبعد القرم، كرّرت القوّات الموالية لموسكو عمليات هجومية هجينة مماثلة في عدّة مدن في شرق أوكرانيا وجنوبها، لا سّيمّا في إقليم الدونباس بدايةً من نيسان/ أبريل 2014 وما تلاه 28. وقاد هذه العمليات ضبّاط روس في الجيش والأجهزة الأمنية الروسية، لعل أشهرهم العقيد المتقاعد إيغور"ستريلكوف" غيركين 29. لكن نتائج هذه "الهجمات الهجينة" كانت بعيدةً عن النصر الروسي الكبير الذي تحقق في القرم. ففي مدن سلوفيانسك، وكراماتورسك، ودونيتسك، ولوهانسك، وماريوبول، وخاركيف، ودنيبرو، وأوديسا، تفاوتت النتائج بين نجاح وفشل. وكان أوضح إخفاق قد حََدَث في خاركيف؛ إذ لم يصمد إعلان "جمهورية خاركيف الشعبية" أكثر من ثلاث عشرة ساعة ما بين 7 و 8 نيسان/ أبريل 2014؛ فقد نجح الأوكرانيون الناطقون بالروسية في ثاني أكبر مدينة ناطقة بالروسية في أوكرانيا في إسقاط "الجمهورية" التابعة لروسيا بسرعة كبيرة، من خلال مزيج من المقاومة المدنية والعمل المسلح، النظامي وغير النظامي 30. في عام 2014 وما بعده، كانت أوكرانيا تتكيف على نحٍوٍ تفاعلي، وتعالج تدريجيًا بعض نقاط الضعف المذكورة أعلاه بما في ذلك تسليح تشكيلات الناشطين المتطوعين المحلية، وتعزيز جهود مكافحة الدعاية Counterpropaganda ومكافحة التجسس واستخبارات الخصم Counterintelligence. وقد تضاءل عنصر المفاجأة - الذي كان مُضاِعَِفَ قوةٍ رئيسًا في القرم في شباط/ فبراير وآذار/ مارس 2014 - أثناء أحداث خاركيف في نيسان/ أبريل 2014؛ ما أثّر في فاعلية عملية الدفاع الأوكراني هناك. وفشلت العملية الهجينة الروسية في خاركيف؛ لأنها كانت بصعوبة "هجينة" بالمعنى المعَّرَف سابقًا. فعلى النقيض من تجمّع القوّات الروسية الذي تجاوز 20 ألف جندي في شبه جزيرة القرم، كانت "القوة الصلبة" - سواء في شكل قوّات تقليدية أو قوّات غير نظامية - شبه معدومة في خاركيف. أمّا في مدن الدونباس وبلداتها، فحقّق الهجوم الهجين الذي نفذته قوّات أغلبها غير نظامي، ولكن بقيادة روسية نظامية أو نظامية -سابقة/ "متقاعدة"، نتائج متباينة؛ إذ نجح في مدينتي لوهانسك ودونيتسك، في حين تحوّلت النجاحات الأولية إلى فشٍلٍ في سلوفيانسك وكراماتورسك وماريوبول. وقد اسُتُعيدت هذه المدن وغيرها إبّان الهجوم المضاد الأوكراني الأول في صيف.2014 بين نيسان/ أبريل 2014 وشباط/ فبراير 2022، استثمرت أوكرانيا في تعزيز دفاعاتها الهجينة في شتى مجالات الحرب: البر والبحر والجو والفضاء والمجال الإلكتروني والسيبراني والمعلوماتيي/ الاستخباري. وشمل ذلك التنسيق الأولي، ثم الدمج النهائي، لتشكيلات المتطوعين المحليين المسلّحة ضمن إطار الحرس الوطني الأوكراني 31، إضافةً إلى تعزيز قوّات الاحتياط (ما يعرف ب "قوّات الدفاع الإقليمية)" 32، وزيادة كبيرة في موازنات الدفاع والأمن 33، وتحديث المعدات وتعزيز نشئت في نيسان/ أبريل أنشطة التدريب. وفي السياق الأخير، أ 2015 مجموعة التدريب المتعددة الجنسيات المشتركة-أوكرانيا JMTG-U، التي درّبت حتى عام 2021 أكثر من 20 ألف جندي، خصوصًا في مركز التدريب القتالي في يافوريف قرب مدينة لفيف 35. ومنذ عام 2015، خضع كل لواٍءٍ من ألوية المشاة والمدفعية والمدرعات 36 في أوكرانيا
لثلاث دوراٍتٍ تدريبية على الأقلّ، تحت إشراف مدرّبين أميركيين أو بريطانيين أو كنديين، مع انقطاع تلك الدورات نتيجة انخراط الألوية في جولات القتال في الدونباس، ثم استئناف التدريبات المتقدّمة بعد العودة 37. وكذلك استثمرت أوكرانيا بين عاَمَي 2014 و 2022 في القدرات الدفاعية السيبرانية والإلكترونية 38، وأجرت عمليات فحص وتدقيق وتطهير في الأجهزة الأمنية والاستخبارات والعسكرية، لفصل بعض العناصر الموالية للكرملين وبعض مسؤولي الأمن الفاسدين أو مقاضاتهم. كانت جهود الإصلاح وتعزيز القدرات ضرورية، لتصميم استراتيجية الدفاع الهجين الأوكرانية ثم تطويرها، لحماية السيادة على الأراضي المتبقية للدولة الأصغر في هذا الصراع. إلا أنّ كل هذه الجهود لم تكن كافيةً لردع القوّات الروسية الأكبر حجمًابفارٍقٍ كبير. بحلول شباط/ فبراير 2022، وجدت أوكرانيا نفسها أمام مهمّة الدفاع عن نحو 3200 كيلومتر من الحدود البرية والبحرية مع روسيا وبيلاروسيا وشبه جزيرة القرم المحتلّة. وكحال الدول الصغيرة، تمّ التفوق الروسي، عددًا وعتادًا، في مجالات العمليات كلها. علاوةً على ذلك، وبسبب سوء التقدير الأوكراني لنقاط التوغل ومحاور تقدم الغزاة، نجحت القوّات الروسية في تحقيق نسب قوى عددية تجاوزت 5 إلى 1 في محاور الجنوب وأجزاء من محاور الشمال. فقد بلغت هذه النسب 10 إلى 1 في مقاطعة تشيرنيهيف (شمال شرق) إبان المعارك الشهيرة هناك 39. بين شباط/ فبراير 2022 وتشرين الثاني/ نوفمبر 2024، مرّت الحرب على أوكرانيا بسبع مراحل، وكلها تحمل دروسًا مهمة للدول الصغيرة (أو الأصغر نسبيًا.) وتعكس أهمية استراتيجية الدفاع الهجين التي اعتمدتها أوكرانيا منذ عام 2014 فصاعدًا. ففي شباط/ فبراير 2022، اخترقت الوحدات المدرّعة الروسية الدفاعات الأوكرانية في الشمال والجنوب؛ وبحلول نيسان/ أبريل - وهي نهاية المرحلة الأولى من الحرب - كانت أوكرانيا قد حرّرت أربع مقاطعات شمالية هي جيتومير وكييف وتشرنيهيف وسومي، فضلًاعن أجزاءٍ من مقاطعة خاركيف في شمال شرق البلاد. وقد أثمرت الاستثمارات في القوّات النظامية وقوّات الاحتياط والحرس الوطني، إلى جانب نوعية "التواصل الاستراتيجي" للقيادة السياسية، وجهود مكافحة الاختراقات الاستخباراتية منذ عام 2014، فضلًاعن توافر أعداد كبيرة من المدنيين ذوي الخبرة العسكرية والقتالية السابقة في الدونباس، وانتشارهم على نحٍوٍ عفوي وسريع للغاية في العاصمة والبلدات القريبة منها 41. مثلًا، في شباط/ فبراير 2022، كان في حوزة فصيلة احتياط تابعة لقوّات الدفاع الإقليمي في مقاطعة كييف (تتألف من 27 جنديًا) أحد عشر صاروخًا موجهًا مضادًا للدروع ATGM، شملت منظومات جافلين الأميركية Javelin وإنلو البريطانية NLAW؛ ما مُيّ ثّل عينة من النقلة النوعية مقارنةً بتسليح قوّات الاحتياط وتدريبها في شباط/ فبراير 2014 42. وقد تمكّن جنود لواء الرد السريع الرابع في الحرس الوطني الأوكراني، إلى جانب عناصر من الفيلق الجورجي (متطوّعون جورجيون - أوكرانيون)، ووحدات أخرى، من استنزاف وتعطيل قوّات نخبة روسية مكونة من عناصر من وحدات مظليين VDV وقوّات خاصة Spetsnaz خلال معركة مطار أنطونوف الشهيرة في هوستوميل (مقاطعة كييف.) وذلك قبل أن تدخل وحدات المدفعية النظامية التابعة للواء الميكانيكي 72 المعركة، وُتُدمّر مدرج المطار وتزيد من تدهور القوة المهاجمة 43. وأدى الانتصار الأوكراني في معركة هوستوميل (المعركة الأشمل في المقاطعة) إلى خفض التهديد القادم من الشمال الغربي للعاصمة كييف، وإفشال محاولة تطويقها. وفي الشمال الشرقي، أثبتت الاستثمارات في الألوية المدرّعة التقليدية جدواها كذلك؛ إذ أدّت طواقم الدبابات دورًا محوريًا في استراتيجية الدفاع الهجين-في-العمق Defence-in-depth Hybrid الأوكرانية. فقد منحت الدبابات القوّات الأوكرانية مزيدًا من القدرة على الحركة مع الحماية والقوة النارية، في وقٍتٍ كانت فيه هذه القوّات تُطبّق أسس هذه الاستراتيجية بحذافيرها: الأرض مقابل الوقت، والحركة مقابل الاستنزاف. فهي تتخّل ىعن أجزاء من الأرض لكي ت منح بعض الوقت للاستعداد وتعتمد على المناورة لإطالة أمد، وزيادة حدة، استنزاف الخصم. وكعينة نوعية، نجح اللواء المدرع الأول (المعروف بلواء سيفيريا) في صمود أسطوري أمام وحدات مشتركة من جيش حرس الدبابات الروسي الأوّل وجيش الأسلحة المشتركة الحادي والأربعين، وذلك على الرغم من التفوّق العددي الروسي الساحق. ولم يكتِفِ لواء سيفيريا بصدّ محاولة غزو مدينة تشيرنيهيف، إنما قوّض كذلك تقُّدُم القوّات الروسية في اتجاه العاصمة كييف من محور شمال الشرق، كما أثخن في جيش حرس الدبابات الأول؛ ما جعله غير فعّال قتاليًا مؤقتًا 44.
وأظهرت المرحلة الأولى من الحرب مدى أهمية البنية التحتية (المدنية) تحت الأرض وتسليحها لعمليات الدفاع الحضري 46. وقد تجلى ذلك، في المقام الأول، في الدفاع عن ماريوبول، بقيادة اللواء السادس والثلاثين من مشاة البحرية وفوج "آزوف" للقوّات الخاصة 47. وعلى الرغم من سقوط المدينة، فقد تمكّنت قوة تضم حوالى 0004 جندي أوكراني من إشغال تشكيل عسكري روسي بحجم فرقة من الجيش الثامن والخمسين للأسلحة المشتركة - وهو يُعدّ أفضل الوحدات الروسية أداءً في المرحلة الأولى من الغزو الشامل 48. وبفضل التوظيف الفعّال للبنى التحتية الجوفية المدنية 49، ظلّ أكثر من 15 ألف جندي روسي عالقين في قتاٍلٍ عنيف ضد قوةٍ أوكرانية أصغر بكثير، داخل ماريوبول في مرحلة حاسمة من الحرب. وقد منع القتال إعادة انتشارهم وتوظيفهم للحسم في محاور الشمال (في اتجاه كييف) أو الشرق (في اتجاه كراماتورسك) أو جنوب الغرب (في اتجاه أوديسا.) واستمرّ هذا الوضع حتى المرحلة الثانية، وصولًا إلى أيار/ مايو.2022 أمّا المرحلة الثانية من الحرب، فقد استمرّت خلال صيف وخريف 2022، وتميّزت بمبارزات المدفعية الاستنزافية في الدونباس مع محدوديةٍ في المناورة. وقد أبرزت هذه المرحلة أهمية وجود تحالفاتٍ عسكرية موثوقة واستثماراٍتٍ مستدامة في الصناعات الدفاعية المحلية، لا سّيمّا في إنتاج قذائف المدفعية. وقد تفوّقت المدفعية الروسية تفوّقًا كميًا في هذه المرحلة؛ ما أدّى إلى سقوط مدينة ليسيتشانسك، تبعها سقوط مقاطعة لوهانسك برمّتها في تموز/ يوليو 2022. وكانت لوهانسك المقاطعة الوحيدة التي سقطت (مؤقتًا) كلًّيًا تحت الاحتلال الروسي، منذ سقوط شبه جزيرة القرم - وهي جمهورية أوكرانية ذاتية الحكم - في آذار/ مارس.2014 أما المرحلة الثالثة من الحرب، فدارت في خريف 2022، واتّسمت بسلسلة من الهجمات الأوكرانية المضادة، التي أدّت إلى تحرير معظم مقاطعة خاركيف إضافةً إلى تحرير مدينة خيرسون، العاصمة الإقليمية الوحيدة التي استولت عليها القوّات الروسية خلال الغزو الشامل في عام 2022. وقد أظهرت معركة تحرير خيرسون الدور الحاسم لأنظمة المدفعية الصاروخية الموجّهة الغربية الصنع، مثل منظومة الهيمارس HIMARS M142. في حين كشف الهجوم المضاد في خاركيف عام 2022 عن الاحتياج الشديد إلى كم كبير من ناقلات الجنود المدرعة والمركبات القتالية المدرعة ومركبات المشاة القتالية والدبابات، وكذلك توفير إسناٍدٍ جوي قريب (على خطورته.) وفي هذه المرحلة، كانت الوحدات المدرعة الأوكرانية مستنزفة وتعاني نقصًا في الإمدادات، ومع ذلك شنّت الألوية الميكانيكية الأوكرانية هجوم خاركيف المضاد بقوةٍ هجينة 50، مستخدمةً سيارات مدنية رباعية الدفع وشاحنات خفيفة مدرّعة جزئيًا بشكل يدوي بدائي. وعلى الرغم من الطبيعة الهجينة للقوة المدرعة، فقد حققت "الاقتحامات الخاطفة" في عمق الأراضي المحتلة نجاحًا ملحوظًا، بزعزعة مؤخرات القوّات الروسية وقطع خطوط التواصل البري بينها. وبصورةٍ عامة، أكّدت المرحلة الثانية أهمية الاستثمار الواسع والطويل الأمد في التدريب والتجهيز لمناورات الأسلحة المشتركة، وأكدت تفوّق بعض المنظومات الغربية الصنع - لا سّيمّا في مجال المدفعية الصاروخية وقذائف المدفعية الأنبوبية - وذلك من حيث المدى والدقة والقدرة على الحركة السريعة والقوة النارية الدقيقة والكثيفة. وقد أكّدت المرحلة الثالثة، شأنها شأن المراحل اللاحقة، مدى محورية عامل القوى البشرية (حجم القوة ومستويات معنوياتها)، وأهمية التجنيد المبكر وقدرات التعبئة السريعة. وبدرجةٍ أقل، سلطت المرحلة الضوء على أهمّية جودة القوّات من حيث التدريب والمعدات. فبسبب نقص القوى العددية تحديدًا، عجزت الوحدات الأوكرانية عن استثمار حالة الانهيار الروسي وتحرير الجيوب الباقية في مقاطعة خاركيف، أو تحرير بعض المواقع الضعيفة نسبيًا في شمال مقاطعة لوهانسك. لتتوقف العمليات في لوهانسك المحتلة، منهيةً المرحلة الثالثة بانتصاٍرٍ عملياتيي لأوكرانيا 51. أمّا المرحلة الرابعة (شتاء 2023-2022) فشهدت حملة جوية روسية عنيفة، تسبّبت في أضرار بالغة في البنى التحتية المدنية الأوكرانية؛ ما أعاد إبراز أهمية أنظمة الدفاع الجوي المتحركة والكثيفة ومتعددة المدى، بالنظر إلى المساحة الجغرافية لأوكرانيا. وجاءت المرحلة الخامسة في ربيع 2023، لتبِ نيأهمية القوّات غير الدولتية في إطار استراتيجية
"هجوم هجين" فعّال. فقد تركت مجموعة فاغنر Group Wagner بصمةً مهمّة، على الرغم من انسحابها شبه الكامل من أوكرانيا، بعد تمرّدها في حزيران/ يونيو 2023 52؛ إذ استنزفت المجموعة، مع حلفائها في وحدات المظليين ووحدات المدفعية وسلاح الجو الروسي، بعض الألوية الأوكرانية الأكثر خبرةً وكفاءةً خلال معركة باخموت. ومع أنّ معدلات الاستنزاف البشري رجّحت كفّة أوكرانيا بنسبة خسائر متبادلة تقديرية Ratio Exchange Loss بلغت 5:1 لصالحها، فقد منحت معركة باخموت القوّات الروسية الوقت الكافي لتحسين دفاعاتها في الجنوب، استعدادًا لهجوم مضاد أوكراني متوقع في الصيف 53. وفي نهاية تلك المرحلة، تمكنت مجموعة فاغنر غير النظامية من احتلال باخموت، محقّقةًانتصارًا عملياتيًا، بينما كانت القوّات النظامية الروسية تواجه صعوباٍتٍ في التقدم على بقية الجبهات في التوقيت نفسه. وقد اتّسمت المرحلة السادسة بهجوٍمٍ مضاد أوكراني في صيف 2023، لم يحقّق النتائج المرجوّة لأسباٍبٍ متعدّدة، لكنه أعطى أوكرانيا، وكذلك أيّ قوّةٍ تمثّل دولة صغيرة (أو أصغر نسبيًا) وتتابع الميدان، دروسًا قيّمة في الحرب الهجينة والتقليدية على حٍّدٍ سواء 54. وفي حين تعّثتر العمليات البرية خلال تلك المرحلة، سجّلت أوكرانيا نجاحًا أكبر في المجال البحري. فقد اضطّرت قيادة أسطول البحر الأسود الروسي وبعض معدّاته إلى الانسحاب من القرم، بسبب مزيٍجٍ من الضربات الدقيقة القصيرة المدى وتكتيكات المركبات غير المأهولة فوق سطح البحر "(الدرونز" البحرية - USVs) وتحته (المركبات الغاطسة/ الغواصات الصغيرة غير المأهولة)UUVs 55. ومن ثمّ من دون امتلاك قوة أسطول تقليدي، تمكّنت أوكرانيا عبر ما يعرف ب "أسطول البراغيث" Fleet Flea وتقنيات الضرب عن بعد، شاملًاابتكارات في تكتيكات المركبات غير المأهولة وتوظيفاتها، من إنزال خسائر كبيرة بالقوّات الروسية وإجبارها على إعادة تموضع استراتيجي لأسطولها في البحر الأسود. فقد انسحبت من القرم المحتلّة إلى نوفوروسيسك في روسيا الاتحادية وأوتشامتشير في أبخازيا (الانفصالية) بجورجيا. وسمح الانسحاب لأوكرانيا بتصدير ملايين الأطنان المتريّة من الحبوب والزيوت خلال موسم 2024-2023، وذلك عبر الجزء الغربي من البحر الأسود، بمعنى كسر الحصار البحري عسكريًا. أخيرًا، دارت المرحلتان السابعة والثامنة من الحرب في ربيع وصيف 2024، وأسفرتا عن تقدٍّمٍ روسي جديد في جنوب الدونباس، تلاه هجوٌمٌ مضاٌدٌ أوكراني متعدد الألوية - صار في حجم فيلق للأسلحة مشتركة نجح في احتلال أجزاءٍ - من مقاطعة كورسك، غربي روسيا. وكما في الهجمات المضادة لعامي 2022 و 2023، قدّمت عملية كورسك في آب/ أغسطس 2024 دروسًا مهمّة للطرف الأصغر، وسأوضّ ح ذلك في الأقسام اللاحقة من هذه الدراسة.
ثالثًا: كيف ت قاتل حماس؟ ة الدفاع الهجين في غّز (2023 - 2024)
قادت كتائب عزّ الدين القسّام، في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، هجومًا متعدد المجالات بالأسلحة المشتركة في "غلاف غزّة." وقد مثلت عملية "طوفان الأقصى" مناورة اختراق هجومية نموذجية - كما تُدرّس في بعض كتب الدلائل الميدانية لقوّات مشاة وقوّات خاصة نظامية - اقتحمت خلالها كتائب القسّام "الجدار الحديدي" لإسرائيل. وكان الهجوم مفاجئًا؛ ما ضاعف من فتكه Lethality؛ إذ لم يكن قادة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية يتوقّعون هجومًا بهذا التعقيد والضخامة.
نُفّذ الهجوم كتسلُسُل اختراٍقٍ تقليدي: إخماد وإعماء وتأمين وتقليص واقتحام، ولكن بقوّات غير نظامية، وبمعدات بعضها غير تقليدي. تمكنت كتائب القسّام من إخماد بعض منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية بَصَْلْياٍتٍ كثيفة من المدفعية الصاروخية غير الموجّهة. وفي الوقت نفسه، عمدت الكتائب إلى إعماء وحدات وكاميرات الرصد والاستطلاع الإسرائيلية، لمنع مراقبة نقاط الاختراق ومسارات التقدّم، وذلك عبر الدمج بين مسّي رات تجارية مسلّحة ووحدات القنص. لكنّ القسّام لم تستطع - أو لم ترد - تأمين نقاط الاختراق في الجدار الإسرائيلي؛ ما أتاح لتنظيمات أخرى ومدنيين مسلّحين الدخول إلى مستوطنات غلاف غزة، فازداد حجم القوة المهاجمة، ولكن في المقابل فَقَدت الكتائب جزءًا من السيطرة على عمليّتها 57. نُفّذ الهجوم بتشكيٍلٍ قسامي في حجم لواء صغير، هاجم بًّرًا بقوة مشاة خفيفة ومحمولة في حجم كتيبة معززة أو فوج صغير، ومن البحر بوحدتيي مشاة بحرية، ومن الجو بوحدة شراعيين صغيرة ومتحركة Paragliders Motorised. وكان المجال الاستخباري/ المعلوماتيي حاضرًا في العملية، إضافة إلى المجال الإلكتروني 58. وُيُظهر التنسيق بين وحداٍتٍ متعددة في مجالات عمليات مختلفة مستوى متقدمًا من الفاعلية القتالية؛ وهو ما يتطلب تدريبًا مكثّفًا على القيادة والسيطرة والاتصالات بين الوحدات وداخل كل الوحدة. وتقديريًا، يحتاج هجوم كهذا إلى تدريب واستعدادات قد تستغرق أكثر من سنتين. وفي 27 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، شنّت القوّات الإسرائيلية هجومًا برّيًا على قطاع غزة، عقب نحو ثلاثة أسابيع من الغارات الجوية. وبحلول نهاية كانون الأول/ ديسمبر 2023، كانت القوّات الإسرائيلية قد نشرت ما يقارب 20 لواء - ما يعادل أكثر من ست فرق نظامية - داخل قطاع غزّة. وعلى سبيل المقارنة التاريخية، فإن الجيش الإسرائيلي هَزم، في حزيران/ يونيو 1967، جيشًا مصريًا أكبر منه في سيناء خلال نحو 35 ساعة بتوظيف ثلاث فرق فقط 59. وعلى مدار أكثر من عاٍمٍ واحد، نفّذت كتائب القسّام استراتيجية دفاٍعٍ هجين في العمق؛ ما صَعّب على القوّات الإسرائيلية - المتفوّقة عددًا وعتادًا - تحقيق نصٍرٍ عملياتيي، فضلًاعن نصٍرٍ استراتيجي 60. وتقوم أعمدة الدفاع الهجين لدى كتائب القسّام على كثيٍرٍ من العناصر المشتركة مع ما طُِّبِق في أوكرانيا، خلال المراحل الأولى والثالثة والخامسة من الحرب الشاملة التي بدأت عام 2022. وتشمل هذه العناصر: الدفاع في العمق تحت الأرض، وتسليح البيئة الحضرية، والتركيز على تكتيكات المشاة الخفيفة بما فيها فرق "قتل الدروع" والقناصة، وتسليح المسّي رات التجارية، وعقد تحالفات مع قوى غير دولتيّة إقليمية Forces Nonstate Regional، إضافةً إلى تنفيذ عمليات مكثّفة في المجال المعلوماتيي/ الاستخباري. أمّا في المراحل الُأ خرى للحرب الشاملة على أوكرانيا، فقد كانت أوجه التشابه أقل؛ نظرًا إلى تفاوت القدرات العسكرية بين القوّات المسلّحة الأوكرانية ZSU والحرس الوطني الأوكراني NGU وجهاز الأمن الأوكراني SBU وغيرها من المؤسسات العسكرية والأمنية الأوكرانية من ناحية، وفصائل المقاومة الفلسطينية من ناحية أخرى. ومع ذلك، مثّلت أوكرانيا وغزّة الطرف الأصغر المدافع (الأولى في إطار الدولة، والثانية في إطار تنظيمات دون الدولة.) أعدّت كتائب القسّام بنيةً تحتية بالغة التعقيد ومزدوجة الاستخدام 61، مثّلْتْ خطوط دفاع حضرية متشابكة. وضمّت هذه الخطوط شبكات أنفاٍقٍ متعددة المستويات في محافظات غزّة الخمس 62. وِلَِخَلق بيئة حضرية مُمَّكَنة عسكريًا فوق الأرض، شملت التحضيرات مباني متصلة بممرات سرية، وفتحات لإطلاق الصواريخ في جدران المباني، ونقاط تحصن حضرية مترابطة، ومواقع مخصصة للقناصة، وحقول نيران متشابكة ومناطق قتل Zones Kill في
الشوارع والأزقة - التي يُحَتَمل توغل قوّات الاحتلال فيها - لوحدات الهاون (مدفعية المشاة) ووحدات "قتل المدرعات" (المسلحة بصواريخ موجهة أو غير موجهة.) أما تحت الأرض، فقد مثَّلَت البنية التحتية هناك جوهر خطوط الدفاع لدى كتائب القسّام؛ إذ جرت مواءمتها كلّيًا مع استراتيجيتها للدفاع الهجين. وتضمّنت هذه البنية تحت الأرض ممرّات خفيّة بين النقاط الحصينة، وممرّات للتنقل تحت خطوط التواصل الأرضي بين القوّات الإسرائيلية وتحت محاور تقدّمها، إضافةً إلى أنفاق للتخزين وللوجستيات، وأنفاق للمقاتلين، وأنفاق أعمق للقيادات وأطر السيطرة. وأتاحت هذه التحضيرات لكتائب القسّام وغيرها من الفصائل تنفيذ استراتيجية دفاع هجين بمرونةٍ عالية؛ بحيث كان صمودها أكثر من عاٍمٍ في مواجهة القوّات الإسرائيلية - التي تتمتع بتفوٍّقٍ ساحق في كل مجالات العمليات السبعة - أمرًا عسيرًا من دون هذه البنية، سواء فوق الأرض أو تحتها. وقد أدّت شبكة الأنفاق المتعددة المستويات، تحت الأرض وفوقها، إلى توسيع نطاق ساحة المعركة الحضرية في غزّة، مانحةًالمقاومة عمقًا استراتيجيًا غير تقليدي، سمح لها بالتراجع التكتيكي والتقدّم العملياتيي عند الحاجة. وكان من العسير على القوّات الإسرائيلية تدمير - أو حتى تقليص - خطوط الاتصال بين وحدات القسّام وحلفائها من الفصائل الأخرى، الواقعة فوق الأرض أو تحتها. وقد منحت الأنفاق كتائب القسّام مرونةً في التنقّل وحمايةً لوحداتها، وعزّزت قدرتها على الفتك، بفضل عنصر المفاجأة في الغارات والكمائن؛ إذ تستطيع وحدات القسّام الظهور من مواضع غير متوقعة، بما فيها مناطق ومواقع يُعتقد أنّ القوّات الإسرائيلية قد سيطرت عليها وأخرجتها منها سابقًا. وحتى تاريخ كتابة هذه الدراسة، ما تزال مجمّعات الأنفاق العامل الرئيس الُمَُّمَِكِن للمقاومة الفلسطينية في غزّة من المناورة، في حين تشكّل الأنقاض التي أحدثتها القوّات الإسرائيلية عاملًاثانويًا مساعدًا. وواجه جيش الاحتلال صعوباٍتٍ كبيرة في تدمير أو حتى تصعيب نمط مناورات كتائب القسّام الهجومية، القائم على الانتقال بين القتال فوق الأرض، ثم تحت الأرض، ثم العودة إلى القتال فوق الأرض مجددًا 63. دفاعيًا، اعتمدت القسّام علي مجموعات مشاة خفيفة راجلة - مكوّنة عادةً من 3 إلى 5 مقاتلين - وعلى عدد غير كبير من الصواريخ الموجهة المضادة للدروع، وأعداد أكبر من القذائف الصاروخية غير الموجّهة بعضها برؤوس تراُدُِفِيّة لهزيمة واختراق الدروع التفاعلية المركبة على دبابات الميركافا، وعلى بعض العربات المدرعة للمشاة الميكانيكية. وعلى الرغم من أن هذه المجموعات ذات حجم صغير وتسليح خفيف وصواريخ غير موجهة (في الأغلب)، فقد شكلت تحديًا كبيرًا للمدرعات الإسرائيلية وكذلك للمشاة الآلية والمترجلة. فعادةً ما كانت تشنّ هذه المجموعات الراجلة هجماٍتٍ على مسافاٍتٍ قريبة لا تتجاوز 50 مترًا؛ ما قلّص فاعلية أنظمة الحماية النشطة APS 64. وقد جرى تقديم عدة تفسيرات لذلك، من قبيل أن النظام كان معطلًا، أو مستهلكًا ونفدت ذخيرته، أو لم يعمل ضمن هذه المسافات القصيرة لتجنب النيران الصديقة وإصابة جنود المشاة الإسرائيليين. وربما استخدمت كتائب القسّام بعض أنظمة الحرب الإلكترونية، للتشويش على أجهزة أنظمة الحماية النشطة للاستشعار أو تعطيل خطوط رؤيتها. كذلك، أدّت وحدات القناصة - سواء الخفيفة أو الخارقة للدروع - دورًا مهمًا، وإن كان أقل فتكًا مقارنةً بمدفعية الهاون والقذائف المضادة للدروع؛ إذ أعاقت عناصر قوّات المشاة الإسرائيلية المترجلةواستنزفتها، قبل أن تتحصّن قناصة المقاومة في الأنقاض أو الأنفاق. وقد مثّلت التحالفات مع القوى غير الدولتيّة ركيزةً أخرى في استراتيجية الدفاع الهجين لحركة حماس، جزئيًا من خلال ما يمكن أن نسميه هنا "التصعيد الأفقي غير النظامي." فقد عقدت الحركة جملةً من التحالفات التكتيكية والاستراتيجية مع إيران وقوى غير دولتيّة مدعومة إيرانيًا في المنطقة 65. ومع أنّه من المرجح أن هجوم 7 تشرين الأول/ أكتوبر لم يكن منسّقًا مسبقًا مع حلفاء حماس، فإنّ "محور المقاومة" صَعّد أفقيًا في المنطقة بأكملها. فمنذ 8 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، أخذت المواجهات بين حزب الله وحلفائه في جنوب لبنان وإسرائيل منحى تصاعديًا سريعًا، من حيث الحدّة والنطاق والوتيرة والمدة. وبحلول منتصف شباط/ فبراير 2024، كانت أعداد الصواريخ المطلقة من جنوب لبنان تتجاوز بانتظام ما يُطلق من غزّة. وفي شهَرَي آذار/ مارس ونيسان/ أبريل 2024، وصلت وتيرة قصف حزب الله إلى قرابة مئة صاروخ يوميًا، مقتربةً من معدّل حرب تموز/ يوليو 2006 التي استمرّت 34 يومًا بمتوسٍطٍ بلغ نحو 120 صاروخًا غير موجٍّهٍ يوميًا. وحتى خريف 2024، ظلّت هذه المواجهات دون الارتقاء إلى مستوى حرب برية مع إسرائيل. كان التمركز الإسرائيلي على الحدود الشمالية
خلال شتاء وبداية ربيع 2024 يبدو دفاعيًا 66، بتشييد خطوط دفاع في العمق، قبل أن يتبدل التمركز سريعًا إلى هجوم لتشنّ إسرائيل حملةً متعددة المجالات ضد حزب الله في لبنان 67. لم يقتصر التصعيد بعد هجمات 7 تشرين الأول/ أكتوبر على جنوب لبنان فحسب؛ إذ شهدت الضفة الغربية تصاعدًا ملحوظًا في عمليات المقاومة. كما برز "أنصار الله" (المعروفون بالحوثّييّن) طرفًا آخر من خارج الجبهات المباشرة في غزة وجنوب لبنان. فمنذ 19 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، وجّه الحوثيون ضرباٍتٍ بعيدة المدى إلى إسرائيل، إضافة إلى هجماٍتٍ قصيرة المدى وحتّى إنزال جويّ، استهدفوا بكل ذلك سفنًا تجارية وأصولًاعسكرية بحرية في البحر الأحمر. وقد نتجت من هذه الهجمات غير الدولتيّة تأثيرات عسكرية، شملت ما يُعرف ب "الإشارات الاستراتيجية" Signalling Strategic، والحرب النفسية، والعمليات المعلوماتية، إلى جانب استنزاف أنظمة الدفاع الجوي الإسرائيلية، وتثبيت عدّة فرق عسكرية في الشمال على الحدود اللبنانية، وإرسال قطع حربية بحرية أميركية وغربية إلى البحر الأحمر 68. أخيرًا، ومنذ هجمات 7 تشرين الأول/ أكتوبر، شهد المجال المعلوماتيي أنشطة مكثّفة، شملت توثيق الاشتباكات، والغارات، والكمائن، والمناورات، والعمليات النوعية مثل عمليات ضرب المدرعات وتعطيلها وعمليات القنص، وغيرها. وفي هذا المجال، تواصل التوظيف الدفاعي للوسائط الإعلامية بغية تعزيز الدعاية العسكرية، واستقطاب المجنّدين الجدد للقسام، وتعبئة الموارد من الأنصار طوال حرب غزّة. وقد أظهرت حماس تفوّقًا ملحوظًا في هذا المجال من بين مجالات العمليات، وفي استخدام "القوة الحادّة" نسبيًا. فقد نجح الإعلام العسكري لحماس في التأثير في البيئة الإقليمية - ليس في الأوساط العربية فحسب، بل خارجها أيضًا - وذلك على الرغم من خسائرها العسكرية وتدمير أجزاء واسعة من قطاع غزة. وفي سياق الإبراز التقليدي لقدرات القوّة الحادّة، وجّهت كتائب القسّام رسائل مباشرة إلى المجتمع الإسرائيلي؛ ما عمّق الشروخ والاستقطاب بين بعض شرائح المجتمع (وخاصةً أهالي الرهائن وداعميهم) وبين حكومة بنيامين نتنياهو وحلفائها (التي تبنت عمليًا أولوية القضاء على حماس وتدمير جناحها المسلح على تحرير الرهائن.) وعلى الرغم من هذا الأداء في ميدان الحرب المعلوماتية، تبقى دراسة هذه العمليات في حاجة إلى أبحاٍثٍ إضافية لتحليلها وتقييم تأثيراتها النهائية. فبصورةٍ عامّة، لا تزال "القوّة الحادّة" واستخداماتها لدى القوّات غير الدولتيّة في إطار استراتيجيات الدفاع الهجين أجندة بحثية جديدة قيد الاستكشاف69.
رابعًا: دفاع الدول الصغيرة: سبعة دروٌسٌ ميدانية
تسلّط المراجعُةُ أعلاه والملاحظات المقاِرِنة الضوَءَ على سمات استراتيجيَتيَن من الدفاع الهجين، لجأ إليهما طرفان أصغر حجمًا وأضعف نسبيًا. وعلى الرغم من خصوصية بعض هذه السمات للحالتين
الأوكرانية والغزّية، فإن الدروس الدفاعية الُمُستخَلَصة قابلة للتطبيق، وقد تكون مفيدة في سياقات أخرى. يستخلص هذا القسم دروسًا يمكن توظيفها في سياسات الدفاع واستراتيجياته لدى الدول الصغيرة، مع التركيز على عامَل يحجم القوّات Manpower Size/ Force وجودتها Quality Force، إضافةً إلى بنية القوّات Structure Force، ومحورية الطبيعة الهجينة، لتشمل العمليات المتعددة المجالات Multi-domain وعمليات الأسلحة المشتركة Combined Arms، وكل ذلك بهدف تعزيز الفاعلية العسكرية. 1. الدرس الأول: الاستثمار في قوّات الاحتياط عمومًا، تضطلع قوّات الاحتياط بدور محوري في أي استراتيجية دفاٍعٍ هجين لقوةٍ أصغر، سواء أكانت تلك القوة دولتيّة أم غير دولتيّة. وكما تُظهر النماذج والعيّنات الميدانية في أوكرانيا وغزة وغيرهما، توِّرفِ قوّات الاحتياط وحدات غير مكلفة لتضاعف حجم القوّات، وتعوّض بعض نقاط الضعف التي يفرضها اللاتناظر Asymmetry؛ ومن ذلك تعزيز قدرات التعبئة السريعة، وقابلية زيادة حجم القوة Scalability، ودعم الصمود الوطني، وتقديم أطر/ هياكل لوحدات مرنة وسريعة الاستجابة، والاستفادة من المهارات المهنية/ التخصصية لدى المدنيين في عدة مجالات عملياتية، ومن ثمّ مضاعفة كم القدرات ونوعها. ومن منظور الخصم، يعكس هذا كلّه جاهزية رادعة، أو قد تضفي أثرًا رادعًا. وقد أثّر كل ما سبق ذكره من عوامل في الفاعلية العسكرية في كٍّلٍ من أوكرانيا وغزة، كما ظهر في معارك مقاطعة كييف وغيرها بأوكرانيا، بينما اعتمدت غزّة على رصيٍدٍ واسع من الأفراد المدربين عسكريًا - ولو تدريبًا غير منتظم - ما ضاعف حجم قوّات المدافعين عن القطاع، حتى من دون الانضمام الرسمي إلى كتائب القسّام. يهدف استثمار الدول الصغيرة في قوّات الاحتياط إلى تعزيز الكمّ والنوع معًا. فالحكومات المعنية، يمكنها أن تستفيد من بدايات التدريب المبكرة في الثانويات والجامعات، بحيث ينخرط الأفراد، في أدوار مختلفة، حتى بلوغهم سنّ التقاعد 70؛ بما يمنح فترة زمنية طويلة لتعزيز المهارات وصقلها، وتكرار التدريبات، وتوسيع قاعدة الاحتياط وتنُّوُعها. وعلى صعيد الجودة، تؤدي برامج التدريب الأساسي الشامل، والتدريبات "التنشيطية/ التذكيرية" المنتظمة، والتدريبات المتقدمة المتخصصة، ووجود هياكل قيادية وتنظيمية واضحة، إلى تسريع عملية التعبئة وتعزيز الكفاءة العملياتية. أمّا تبسيط إجراءات الاستدعاء أثناء عملية التعبئةٍ، التي جاءت عفويّة تقريبًا في المراحل الأولى من الحربين على أوكرانيا وغزة، فيزيد من سرعة الاستجابة خلال الأزمات الأمنية والدفاعية الطارئة. وختامًا، يساعد التعاون الدولي التفاعلي المستمر مع الحلفاء، وتبنّي أفضل الممارسات، على تحسين برامج تدريب وتوظيف قوّات الاحتياط، كما برهنت الحالة الأوكرانية بصورةٍ جليّة ما بعد عام 2014 71.
2. الدرس الثاني: التعبئة الذكية
تُظِهِر المراجعُةُ المقارنة أعلاه أنّ معضلة القوى البشرية/ العددية، وحجم القوّات، تركا آثارًا استراتيجية وعملياتية بالغة في كٍّلٍ من أوكرانيا وغزة. وانطلاقًا من كونها مشكلةً بنيوية تواجه الدول الصغيرة نسبيًا، فستستمر في تأثير ممتد Impact Protracted في الفاعلية العسكرية والنتائج المرحلية والنهائية للحروب. لذا، فإنّ "التعبئة الذكية" Mobilization Smart وتطبيقاتها، تَُعَدّ درسًا مهمًا يهدف إلى معالجة بعض جوانب معضلة القوة العددية. يشير مفهوم التعبئة الذكية إلى التوظيف الاستراتيجي والتفعيل الأمثل للأفراد، بمن فيهم الاحتياط والمجندون والمدنيّون العاملون في قطاعات الدفاع والأمن، على نحٍوٍ يزيُدُ الكفاءة والجاهزية والاستغلال الأمثل للموارد الدفاعية. ويتمثل أحد الأبعاد الأساسية (والهجينة) للتعبئة الذكية في دمج المدنيين في الأدوار ذات التأثير العسكري، كالتحليل المعلوماتيي والاستشرافي. وبإسناد مهمات التحليل الأمني والعسكري إلى مدنيين مدربين، يُتاح للجنود التركيز على الواجبات العملياتية والتدريبية؛ ما يعزّز حجم القوة العاملة والفاعلية العامة. وُطُرحت هذه الفكرة أثناء الحرب على أوكرانيا لمعالجة معضلة القوة العددية؛ فقد أثبت العديد من المدنيين، بمن فيهم الإناث، امتلاكهم مهارات قيّمة في تحليل البيانات والأمن السيبراني والدراسات الأمنية والثقافية والإعلامية والصحافية والتاريخية والاجتماعية وتعدد اللغات؛ وهي مهارات مرتبطة مباشرةً بالمجال المعلوماتيي للحرب. ومن خلال تكليف المدنيين المدربين بمهمات تحليلية، يمكن أن يخصص الجنود المزيد من الوقت للتدريب والاستعداد والعمليات الميدانية أو الراحة والعلاج، قبل إعادة الانتشار لجولة أخرى من القتال. ولأن معظم الدول الصغيرة لا تجند الإناث تجنيدًا إجباريًا، فإن معظم الوظائف التحليلية يمكن أن تقوم بها مُحللات مدنيات.
الدرس الثالث: البنية التحتية المُمَك ن ة
كان لتوظيف تكتيكات الدفاع في العمق تحت الأرض Subterranean Defence-in-Depth الوحدات لدى سواء
الأوكرانية المدافعة عن مدينة ماريوبول 72، أو لدى المقاومة الفلسطينية في المحافظات الخمس لقطاع غزّة، أثٌرٌ كبير في الفاعلية القتالية في مواجهة قوى أكبر، كما سبق شرحه. مع ذلك، فإن الحربين في أوكرانيا وغزة تثبتان أنه ينبغي تفادي القتال في المدن والمراكز الحضرية - إذا كان هذا خيارًا واقعيًا - سواءً من القوّات المهاجمة أو القوّات المدافعة. فمن جهة المهاجمين، سيؤدي القتال في البيئة الحضرية إلى تقييد وحدات كبيرة لفتراٍتٍ طويلة مع ارتفاٍعٍ شبه مؤكد في عدد الخسائر، وجميعها أموٌرٌ يصعب على القوّات الأصغر تحملها. أمّا بالنسبة إلى المدافعين، فإذا كانت المراكز الحضرية غير مهيّأةٍ مسبقًا، فستتحوّل البنية التحتية المدنية، مثل المستشفيات والمخابز ومرافق الطاقة والمياه والمدارس والجامعات والمباني السكنية، إلى "دروٍعٍ" للمدافعين عنها. وستتلقى هذه البنية التحتية الضربات عنهم، ولذلك ستستقبل القوة النيرانية للمهاجمين، سواء من البر أو الجو أو البحر. وقد يخلق تدمير هذه المرافق معضلات استراتيجية وأمنية ومجتمعية كبرى خلال الحرب وبعدها، ولا سّيمّا في الدول الصغيرة التي تتكوّن من عدد قليل من المدن والمراكز الحضرية. من هنا، يعدّ الإعداد المسبق والتنظيم الجيّد للبنية التحتية المدنية درسًا بالغ الأهمية، ليس لحماية القوة المدافعة الأصغر حجمًا فحسب، وإنما أيضًا لحماية المراكز الحضرية ذاتها، سواء أكانت بلدةً أم مدينة. ويشمل الإعداد تمكين البنية التحتية وتسليحها، وتكييف منشآٍتٍ ومرافق مدنية مختارة لأغراض دفاعية في سياق استراتيجية دفاع هجين شاملة، وتوظيف البيئة الحضرية لتعزيز القدرات العسكرية بهدف إرباك خطة المهاجم؛ وهو ما بدا جليًا في معارك قطاع غزّة ومقاطعة كييف ومدينة ماريوبول. ويتضمّن "تسليح" البنية التحتية إنشاء عناصر تمكينية، أو مَُمَكّنة للقوّات، مثل شبكات أنفاق للدفاع الحضري، ومباٍنٍ متصلة، ومناطق استهداف محَّدَدة، وخنادق حضرية، ومواقع مخفية لمدفعية المشاة والمدفعية الصاروخية، وهياكل خرسانية متعدّدة المداخل والمخارج فوق الأرض وتحتها، ومخازن حصينة للدشم Revetments، ومصائد الدبابات Tank-traps، وعوائق أخرى، فضلًا عن مستودعاٍتٍ للخدمات اللوجستية. الدرس الرابع: لتحقيق الفاعلية لا مفر من العمليات المتعددة المجالات بالأسلحة المشتركة كما يتبين مما سبق، تزيد احتمالات تحقيق نصر غير متوقع Upset ضد خصٍمٍ متفوّق، باعتماد القوة الأصغر على عملياٍتٍ متعددة المجالات بالأسلحة المشتركة 73، بوصفها الدعامة الرئيسة في أي استراتيجية لدفاٍعٍ هجين. أ عرّف "العمليات المتعددة المجالات بالأسلحة المشتركة" هنا على أنها عمليات عسكرية تعتمد على التوظيف المنسق لأفرع عسكرية متعددة في بعض المجالات أو كُلّها (البرّية والجوية والبحرية والسيبرانية والإلكترونية والمعلوماتية والفضائية) بغية تحقيق تأثيراٍتٍ متزامنة ومتكاملة في جبهات القتال نحو هدٍفٍ مشترك 74. وبدمج القدرات القتالية عبر عدة مجالاٍتٍ، وتوظيف مزيٍجٍ من التكتيكات التقليدية وغير النظامية، تتمكّن القوى الأصغر - على أقل تقدير - من تعزيز فاعليتها القتالية، وخفض خسائرها، وموازنة العديد من مكامن التفوّق لدى الخصم/ الخصوم الأكبر. ولتحقيق فاعلية عسكرية أكبر للقوّات الأصغر، ينبغي تضمين مبدأ العمليات المتعددة المجالات في العقيدة العسكرية وفي أساليب توظيف القوة وسبل انتشارها. ويجب أن يظهر هذا التوجه في تصميم/ تأسيس القوّات وأفرعها، وهيكلتها، واقتناء وتجهيز معداتها، وبرامج تدريبها. وقد برزت نماذج ناجحة لعمليات متعددة المجالات بالأسلحة المشتركة لدى كٍّلٍ من القوّات المسلّحة الأوكرانية ZSU والحرس الوطني الأوكراني NGU وجهاز الأمن الأوكراني SBU في معارك مقاطعة كييف ومنطقة الدونباس، وعمليات شبه جزيرة القرم والبحر الأسود، وعملية الغزو المضاد في كورسك الروسية؛ وكذلك لدى كتائب القسّام في عملية طوفان الأقصى بغلاف غزة.
الدرس الخامس: "القتال عن بعد" ف عّال ويتطور
مُتِ ثِل الحرب عن بُعد، وخاصةً Remote Warfare توظيف السيرات الجوية، أو السيرات البحرية أو الغاطسة، أو
من أنظمة الأسلحة "المستقلة غيرها " 75أو شبه المستقلة Autonomous/ Semi-autonomous Systems، تقدمًا نوعيًا وكميًا في توظيف القوة عبر ضربات من مسافات مختلفة. ذلك أّن توظيف أنظمة المسيرات المختلفة، على عيوبها الكثيرة، يُسهم في تعزيز الفاعلية القتالية، إن لم يرتِقِ إلى مستوى الفاعلية العسكرية. ولذا، فإن استثمار الموارد فيها، من حيث الاقتناء والتدريب والصيانة والتحديث، يستحق العناء، فالاعتماد المتزايد على هذه الأنظمة، يبُرز أهميتها في أي مسرح عمليات، بسبب تكلفتها المنخفضة نسبيًا، ودقتها العالية، ومداها، وقدرتها على حماية الأفراد، فضلًاعن ميزاتها في عمليات الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع والاتصالات، وتحسين القدرات فيما يعرف ب "المناورات العمودية"، وتحسين فاعلية تكتيكات الحرمان المناطقي/ منع الدخول Area-denials وغيرها من فئات التكتيكات. وبسبب توجيه قذائف المدفعية والراجمات باستخدام المسّي رات، زادت دقة الضربات في المجالين البري والبحري، لتتيح هذه الأنظمة تفوقًا عملياتيًا وتكتيكيًا مع تقليل الخطر على الأفراد. ولهذا، وكما تبّي نفي أوكرانيا وغزة وغيرهما 76، تَُعَدّ هذه الأنظمة من عناصر التمكين الأساسية للقوّات الأصغر. فهي ت مكن هذه القوّات من فرض القوة Projection Power، وتعزيز الردع، وتسريع ما يعرف بحلقة "الكشف والقتل" (أي المدة الزمنية بين كشف موقع الهدف، و"خدمته" أو تدميره) 77، وتنفيذ عملياٍتٍ مؤثرة مع الحد الأدنى من التدخل البشري. وكما لوحظ في العمليات البحرية الأوكرانية في البحر الأسود، لم تعد هذه الأنظمة مجرّد مضاعف آخر للقوة يعالج أزمات نقص أعداد الجنود/ البحارة/ مشاة البحرية أو قلة كم الذخيرة أو عدم وجود قطع بحرية لدى قوّات الدولة الأصغر/ الصغيرة، بل باتت تعيد صياغة التخطيط العملياتيي من ناحية، ونتائج العمليات العسكرية في مجالات الحرب اللامتناظرة من ناحية أخرى. فقد مكّنت قوة بحرية أوكرانية صغيرة من تحدي أسطول تقليدي ضخم - مثل أسطول البحر الأسود الروسي - ومن إلحاق هزيمة عملياتية به في غرب البحر الأسود.
الدرس السادس: التحالفات مع القوى غير الدولتية فاعلة عملياتيًا غير حاسمة استراتيجيًا
أقامت كٌّلٌ من أوكرانيا وسلطة حماس في غزة تحالفاٍتٍ مع قوى إقليمية غير دولتيّة في إطار استراتيجياتهما للدفاع الهجين. ففي حالة حماس، كانت هناك تحالفات مع الحوثيين في اليمن، وحزب الله في لبنان، وتنظيمات ما يُعرف ب "المقاومة الإسلامية" في العراق. في حين دعمت أوكرانيا قوّات للمعارضة المسلّحة الروسية 78 والسورية79 والمالية 80، إضافةً إلى التشكيلات المسلحة للناشطين الأوكرانيين (خلال معارك)2015-2014 81؛ وهي تشكيلات أُدمجت لاحقًا في صفوف القوّات المسلّحة الأوكرانية والحرس الوطني الأوكراني. ساهمت هذه التحالفات في زيادة القدرة على التصعيد الأفقي، وتوسيع نطاقه ضمن الدفاع الهجين. فقد عِمِلت التنظيمات المتحالفة غير الدولتية مضاعفًا للقوة، ووسّعت نطاق العمليات الجغرافي، واشتبكت خارج الحدود المباشرة للحربين. ففي مقاطعات بريانسك وبلغورود وكورسك في روسيا الاتحادية، وفي لبنان واليمن وسورية والعراق في الشرق الأوسط، عملت القوّات غير الحكومية على توسيع مناطق العمليات وتقييد المزيد من موارد القوّات المهاجمة (الأكبر) واستنزافها. وبسبب تلك القدرة على التصعيد الأفقي عبر توسيع رقعة العمليات ومساحتها -دتّها أو مدّتها بالضرورة وليس ح - على جبهاٍتٍ ومسارح متعددة، تعقّدت وُصُِّعَِبَت سبل الاستجابة العملياتية للخصوم الأكبر. ويستفيد هذا النهج من الطبيعة اللامركزية والانتشار الجغرافي للقوّات غير الدولتية، وخبراتها القتالية في تعزيز الدفاع الهجين بطريقة فعّالة، من حيث التكلفة والتأثير. لكن هذا الأسلوب من الحرب غير النظامية ينطوي على مخاطر عديدة عند توظيفه؛ إذ يأتيي
بعوائد تكتيكية وعملياتية ملموسة، بينما تظل نتائجه الاستراتيجية مختلطة وغير حاسمة، ومن ثمّ موضع جدٍلٍ شديد ومتعدد الأبعاد 82.
7. الدرس السابع: الميزانية للفاعلية
أخيرًا، يُعاد تأكيد درٍسٍ قديم مستخَلَص من الحروب على أوكرانيا وغيرها من الحروب، يتمثل في ضرورة "تكييف" الموازنة الدفاعية، بحيث تركز على تعزيز الفاعلية عوضًا عن التقنيات المستجدة أو الأنظمة المعقدة. ويبقى هذا التوجه عنصرًا محوريًا في الجاهزية العسكرية، خصوصًا لدى الدول الصغيرة في بيئاٍتٍ أمنية تشمل عدم التكافؤ العسكري بين الجيران أو محدودية الموارد. ففي عمليات الاستحواذ على أنظمة السلاح، تبرز أهمية مراعاة القدرات العملياتية ومستويات التدريب والاحتياجات التكتيكية والعملياتية والاستراتيجية للدولة الأصغر وقوّاتها، وذلك لضمان توجيه الموارد نحو أنظمةٍ يمكن أن يوظفها الجنود بفاعلية وكفاءة، بدلًامن اقتناء تقنياٍتٍ متقدمة قد تظل غير موظفة على نحٍوٍ ملائٍمٍ بسبب ضعف التدريب، أو عدم واقعية اندماجها في العقيدة العسكرية للقوّات الأصغر، أو تعارضها لوجستيًا مع الإمكانات المتاحة فتبقى عبئًا على القوّات الصغيرة أو هدفًا سهلًاللخصوم الأكبر، أو الافتقار إلى استراتيجية تكامل متماسكة لهذه الأنظمة. وينبغي تسليط الضوء هنا على أهمية أن تكون الأسلحة والمعدات قابلة للصيانة في ساحات المعارك وخارجها، مع وجود سلاسل توريد مستدامة لقطع الغيار والذخائر؛ ذلك أنّ الأنظمة المعقدة أو فائقة التطوّر يمكنها أن تخلق اختناقات لوجستية، في بيئاٍتٍ تشهد معارك أو تعاني شحّ الموارد. وقد بيّنت الحرب على أوكرانيا أهمية تفادي الفجوة بين برامج الشراء والحقائق العملياتية، وضرورة تضمين خطط الاقتناء لفقرات خاصة، بإجراءاٍتٍ تدريبية شاملة وقابلة للتوسّع، حتى لا تُهدر فاعلية الأنظمة المتقدمة. وُيُعدّ تكامل مسارات التدريب مع سياسات التسلّح أمرًا ذا تأثير استراتيجي؛ إذ إن فاعلية أي منظومةٍ سلاح تعتمد على المستوى التدريبي والمهاري للأفراد، كما تعتمد على المنظومة نفسها. وتظهر الحالة الأوكرانية، لا سّيمّا في معركة هوستوميل عام 2022 وفي عموم معارك الهجوم المضاد عام 2023، كيف مُيِ كِن توليفة من التكيّف والتدريب واقتناء الأنظمة الفعّالة - وإن كانت قديمة نسبيًا - أن تتيح للقوة الأصغر التفوّق على خصوٍمٍ أكبر، أو العكس (أي كيف يمكن أن يهدر الاقتناء غير الملائم فاعلية الأنظمة المتقدمة، ويعرّض القوّات الصغيرة لخسائر كبيرة.) فبالنسبة إلى الدول الأصغر، تبرز أهمية إعطاء أولوية للأداء السابق/ التاريخي لمنظومة السلاح المرشحة للاختيار (ومن ثّم موثوقية الاعتماد عليها وكيفية تطورها)، وسهولة الاستخدام، وقابلية التوظيف في ساحة المعركة، بدلًامن التركيز المطلق على وجاهة التقنيات الأعلى تطوّرًا وسمعتها؛ وذلك تفاديًا للمخاطرة بتكرار نتائج الهجوم المضاد لأوكرانيا عام 2023، وما شابهه من إخفاقات عالية التكلفة بشريًا وماديًا 83.
خامسًا: التداعيات الاستراتيجية على الدول الصغيرة
تُعدّ دولة قطر أحد أبرز النماذج لدولة صغيرة نسبيًا تسعى للتغلب على التحديات البنيوية والجيوستراتيجية الكبيرة المذكورة أعلاه؛ إذ قامت على المستوى الاستراتيجي باستثمارات كبيرة وناجعة في تطوير قدراتها الدفاعية والأمنية وترقيتها؛ ما عزّز من قدرتها على الردع، وكذلك من فاعليتها. وشملت هذه الخطوات توقيع صفقات كبرى لشراء أنظمة تسليح متقدمة، وإبرام شراكاٍتٍ دفاعية استراتيجية، وتنفيذ تدريباٍتٍ مشتركة بانتظام لصقل المهارات الخاصة بعمليات الأسلحة المشتركة مع الحلفاء، فضلًاعن تفعيل الخدمة الوطنية، وزيادة حجم القوّات المسلّحة في المجالات البرية والبحرية والجوية 84. وشهدت الدولة كذلك تطوّرات مهمّة في المجالات السيبرانية والإلكترونية والمعلوماتية والفضائية، واستثمرت في التعليم الأمني والعسكري . وإلى جانب ذلك، استثمرت قطر في صناعتها الدفاعية المحلية، كما تجّل ىفي تأسيس شركة "برزان القابضة" لمجالات ومعدات الدفاع والأمن . وفي هذا السياق، طورت الدولة الصناعات العسكرية الوطنية لتعزيز قدراتها على الاكتفاء والاعتماد على الذات في اللوجستيات والمعدات العسكرية، وتحقيق استقلالية استراتيجية مستدامة في الدفاع والأمن. أما على مستوى المحاكاة العملياتية، فُيَُعَدّ من المفيد بالنسبة إلى الدول الصغيرة بالمنطقة أن تحاكي وُتُدِّبرِ قوّاتها، كما لو أنها تعمل في بيئات
شبيهة بالقرم الأوكرانية أو غزّة الفلسطينية؛ أي الدفاع عن مناطق حضرية ذات ساحل خلفي وعمق جغرافي (طبيعي) محدود أمام عدوّ متفوق عدديًا يقاتل بتشكيلات في حجم فرق. فقدرة القوة الأصغر على صد قوة هجومية أكبر حجمًا، في عدة مجالات، هي في صميم الفاعلية العسكرية، وتساهم على نحٍوٍ مباشر في تعزيز إشارات القدرة على الردع العملياتيي من الدولة/ الدول الصغيرة. فبالنسبة إلى هذه الدول، فإن الدروس المستخلصة من الدفاع الهجين قد تؤثّر في متغيرات عدّة، تشمل التسلّح، وربط الاقتناء بالتكامل والتدرب، والتحرك Mobility، والتحالفات، والعمل البيني المشترك Interoperability، فضلًاعن التعاون المدني - العسكري. وكان لهذا المتغير الأخير على وجه التحديد - والذي مثله نهج الدمج الشامل للمجتمع في العمل الدفاعي Approach Whole-of-society الذي جرى تبنيه في مراحل زمنية محددة في أوكرانيا وغزة - تأثيران استراتيجيان مباشران هما: تعزيز الصمود، وزيادة الفاعلية عند الطرف الأصغر المدافع عن أرضه. وفيما يخصّ التسلّح، أحدثت عدّة فئات من منظومات السلاح في أوكرانيا وغزّة تأثيرًا استراتيجيًا غير متناسب مع تكلفتها أو حجمها. ومنها فئة منظومات صواريخ الدفاع الجوي المحمولة على الكتف MANPADS؛ إذ أدّى انتشارها في مقاطعة كييف إلى مواجهة التهديدات الجوية في أجواءٍ متنازع عليها، مثل ما حدث في عملية مطار أنطونوف في شباط/ فبراير 2022. وفي المقابل، أدّت ندرة هذه الفئة من المنظومات في كٍلٍ من مدينة ماريوبول وقطاع غزّة إلى منح السلاح الجوي الروسي والإسرائيلي - بمختلف طرازاته الجوية المأهولة وغير المأهولة، والثابتة الجناح والمروحيات - تفوقًا ساحقًا في كل الارتفاعات: منخفضة ومتوسطة وعالية. وقد أثبتت فئة الصواريخ الموَّجَهة المضادة للدروع فاعليتها الكبيرة في التضاريس الحضرية والوعرة؛ ما أعاق - وأحيانًا أوقف - توغل المدرّعات وخصوصًا في شمال قطاع غزّة عام 2023 وفي مقاطعَتَي كييف وتشيرنيهيف عام 2022. وتعددت طرائق التوظيف الفعّالة للمسيرات غير المأهولة في المجالين الجوي والبحري، لتشمل مهمات الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع والتوجيه والاتصال، إضافةً إلى تنفيذ ضرباٍتٍ عالية الدقة على مدى قصير ومتوسط، بتكلفةٍ وعبء لوجستي أقل نسبيًا. ومع كل ذلك، ظلّت فئات فرع المدفعية - الصاروخية أو الأنبوبية - "ملوك المعركة البرية" لفاعليتها المستمرة في أوكرانيا. بينما برهنت مدفعية المشاة (فئة مدفعية الهاون) وفئة العبوات الناسفة المرتجلة - Improvised Explosive Devices, IEDs وخاصة الخارقة للدروع/ الُمَُتَشكّلة بالانفجار - على مستويات عالية من الفتك في غزة. أمّا فيما يخصّ التوافق بين استراتيجيات الاقتناء وهيكل القوة وبرامج التدريب، فُتُذكّر دراسة حالة القوّات المسلحة الأوكرانية بأهمية الاقتناء القائم على التدريب Training-centric Procurement ""، إذ إن إلمام الجنود واعتيادهم توظيَفَ أنظمة الأسلحة القديمة نسبيًا، غالبًا ما ينتج منه فاعلية تفوق آثار التطور التكنولوجي للأنظمة الأحدث، وخاصة الأنظمة غير المتكاملة أو التي لم تُدمج ولم يُتدرب عليها تدريبًا مناسبًا وُمَُطَوّلًا. ولهذا، فإن تجنب الاعتماد المفرط على التقنيات المعقدة التي تتجاوز قدرات التدريب والجاهزية التشغيلية للقوة الأصغر درس ضروري. ومن التداعيات الاستراتيجية، في إطار مفهوم الفاعلية القتالية للدول الأصغر، الحاجة المستمرة إلى الحركة، والمرونة في الانتشار المكاني، واللامركزية النسبية في مواجهة الخصوٍمٍ الأكبر والأكثر مركزيةً وتنظيمًا تقليديًا. ويمكن الإشارة إلى مثالين بارزين من أوكرانيا وغزّة لهما تداعيات على القدرات العسكرية للدول/ الأطراف الصغيرة/ الأصغر. يتمثل الأوّل في تكتيكات "الأسراب الكثيفة" Tactics Swarming، والثاني في أُطُر القيادة والسيطرة الموزّعة. فقد برهنت أوكرانيا، عبر استخدام مركبات جوية وبحرية غير مأهولة، فاعلية هجمات الأسراب الكثيفة (والصغيرة نسبيًا) ضد الأصول البحرية أو الجوية الكبيرة، كما حصل في البحر الأسود ومحيط شبه جزيرة القرم. أما في غزة، فقد ساعد توزّع أطر القيادة والسيطرة وأسلوب "القيادة بالمهمات" على سرعة اتخاذ القرارات الميدانية من ناحية ، وعلى الحماية النسبية للقيادات العليا وتأخير نتائج عمليات "قطع الرؤوس" Strikes Decapitation الإسرائيلية، من ناحيةٍ أخرى. أخيرًا، أظهرت حروب أوكرانيا وغزّة (وغيرهما) الأهمية النسبية لأدوات الحرب السيبرانية والإلكترونية، على الرغم من محدودية التأثير والفتك لأدوات المجال السيبراني في العمليات الكبيرة تحديدًا، على غير المتوقع . ومع ذلك، تُعُّدُ استثمارات الدول الصغيرة في
القدرات السيبرانية والإلكترونية ركنًا أساسيًا في أي استراتيجية دفاٍعٍ هجين فعالة؛ إذ مُتّ كّن القوّات الأصغر من تعطيل اتصالات القوّات الأكبر، والتشويش على أنظمة استخبارات الإشارة، وعلى الترددات الخاصة بتوجيه الذخيرة وبربط المسيرات بقادتها وُمُوجِّهِيَهَا، وذلك على سبيل المثال لا الحصر. ويسمُحُ أيضًا توظيف التقنيات التجارية ذات الاستخدام المزدوج - المدني والعسكري - في هذين المجالين بتوفير حلوٍلٍ فعالة في مهمات الاستطلاع والمراقبة والاستخبارات، والاستهداف/ دقة النيران، والوعي بالموقف الميداني Awareness Situational. ويتيح انخفاض تكلفة هذا النوع من التكنولوجيا ذات الاستخدام المزدوج زيادة أعدادها كمًا، وتوظيفها على مستوى الوحدات الصغيرة، في حجم فصائل أو أصغر، في إطار استراتيجية دفاع هجين شاملة.
خاتمة
تناولت الدراسة سؤلًا بحثيًا أساسيًا وراهنًا يتمحور حول كيفية تحقيق الدول الصغيرة فاعليةً قتاليةً وعسكريةً كبيرةً ضد خصوٍمٍ متفوقين عليها في العدد والعدة والعتاد. واعتمدت الإجابة على تحليٍلٍ مقارن للمعارك في أوكرانيا وغزّة وغلافها، حيث أبدى الطرفان الأصغر في الحالتين قدرةً على الصمود والتكيّف وفرض تكاليف ميدانية باهظة على خصوٍمٍ أكبر كثيرًا، من خلال تبني استراتيجيات للدفاع هجين. وقد بّي نالتحليل المقارن دروسًا مهمة للدول الصغيرة في المواجهات العسكرية اللامتناظرة. جادلت الدراسة بأنّ الدفاع الهجين، حين يُبنى على عملياٍتٍ متعدّدة المجالات بأسلحة مشتركة، يعزّز الفاعلية القتالية للقوة الأقل عددًا والأضعف تسليحًا. وبتوظيف خليٍطٍ من البنية التحتية في البيئة الحضرية والشبكات تحت الأرضية، والتحالفات غير الدولتية، وأنظمة الحرب عن بُعد، استطاعت القوى الأصغر تقليل آثار بعض مواطن الضعف العددي واللوجستي، ومن ثمّ التأثير إيجابيًا في نتائج المعارك والعمليات. وسلطت نتائج الدراسة الضوء على ضرورة الاستثمار في قوّات الاحتياط، وتفعيل التعاون المدني - العسكري وترقيته، واقتناء منظومات فعّالة ومتسقة مع التدريب وقدرات التوظيف. إضافة إلى ذلك، تبرز أولوية الاستدامة في خطوط الدعم اللوجستي وتبني هياكل قيادة مرنة بصفتها ركائز لا غنى عنها، لتحمّل الطرف الأصغر صراعات عالية الحدة وطويلة المدة. بالنسبة إلى المخططين العسكريين وصناع السياسات في الدول الصغيرة، تُوضّ ح دروس أوكرانيا وغزّة الحاجة الملحّة إلى وضع أطٍرٍ استراتيجية للدفاع الهجين، تُراعي السياقات الجيوسياسية، بهدف تحييد التفوّق التقليدي لدى الخصم الأكبر. ففي المحصلة، سيعتمد نجاح الدول الصغيرة في بلوغ مستوياٍتٍ عالية من الفاعلية العسكرية، لا القتالية فقط، على قدرتها على توظيف الحلول الإبداعية والابتكار المستمر، ودمج التكيف مع اللاتناظر في العقائد العسكرية والتدريبات العملياتية والتكتيكية، مع مرونة البنية الهيكلية والتوفيق بين مسارات الاستحواذ على (أو اقتناء) المنظومات المتقدمة تكنولوجيًا وبرامج التدريب. لا يُعدّ الدفاع الهجين مجرّد استراتيجيةٍ للنجاة والبقاء، بل هو سبيل إلى حفظ السيادة وتعزيز الردع وإعادة صياغة الحسابات الاستراتيجية لدى الخصوم أيضًا. فمبادئ الدفاع الهجين، لا تقتصر على التنظير الاستراتيجي، بل إنها أساليب حرٍبٍ مُجَّرَبة في ساحات المعارك لتعزيز صمود القوّات الأصغر أو تحقيق الغلبة لها، ورفع كفاءتها العملياتية وسط تعقيدات الحروب الحديثة. فلم يُعُد الدفاع الهجين خيارًا رفاهيًا للدول الصغيرة أو الأطراف الأضعف، سواء كانت دولة أو حركة مقاومة؛ بل غدا ضرورةًاستراتيجية، في حالة فشل الدبلوماسية والردع، لتحقيق مستوياٍتٍ أعلى من الفاعلية القتالية، والفاعلية العسكرية في نهاية المطاف، ومن ثمّ زيادة احتمالات النصر الاستراتيجي ل "الفئة القليلة."
المراجع
العربية
اسعيدي، إبراهيم. "تطور السياسة الدفاعية القطرية بعد أزمة الحصار." دراسات. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. 2020/9/17 في https://tinyurl.com/2zmy5uuz:. تاراسيوك، تاراس، وبترو بوركوفسكي وأليكسي غاران. "من مستضعفين إلى سادة حرب حديثة: تحوّل الحركات القومية الأوكرانية)". أوراق استراتيجية. 2023-2022(رقم. 16 المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات..2024/5/12 فh يttps://tinyurl.com/2s3zmcwt: حرب حزيران/ يونيو 1967: مسارات الحرب وتداعياتها. أحمد حسين (محرر.) الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2020 عاشور، عمر. "تصاعد الفاعلية القتالية للتنظيمات المسلحة أوراق استراتيجية. رقم في العالم العربي وخارجه." 2. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات..2020/8/17 فh يttps://bit.ly/4eTnbpv: ________. "من الهجوم المضاد إلى الغزو المضاد: كيف غزت القوّات المسلحة الأوكرانية روسيا؟" تحليلات استراتيجية. رقم 9. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات..2024/9/17 https://tinyurl.com/3bs84 st فm ي: ________. "الأداء القتالي للقوّات الإسرائيلية في غزة ولبنان: ملاحظات على المستوى العملياتيي 2024-2023()". تحليلات استراتيجية. رقم 10. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. 2024/10/7 في https://tinyurl.com/bdz7v22z:. ________. كيف يقاتل نتظيم الدولة "داعش"؟ التكتيكات العسكرية في العراق وسورية وليبيا ومصر. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2022
الأجنبية
Abuamer, Majd. "Gaza's Subterranean Warfare: Palestinian Resistance Tunnels vs. Israel's Military Strategy." Studies in Conflict & Terrorism (May 2024). Al-Dorani, Mohamed. Cyber War: Qatar Blockade and the GCC Countries. Independent Publishing Platform, 2018. Ashour, Omar. How ISIS Fights: Military Tactics in Iraq, Syria, Libya and Egypt. Edinburgh: Edinburgh University Press, 2021. Benedictus, Kent De. Russian 'Hybrid Warfare' and the Annexation of Crimea: The Modern Application of Soviet Political Warfare. London: I.B. Tauris, 2021. Biddle, Stephen. Military Power: Explaining Victory and Defeat in Modern Battle. Princeton, NJ: Princeton University Press, 2004. Bowen, Andrew S. "Ukrainian Military Performance and Outlook," In Focus , Congressional Research Service. 21/10/2024. at: https://tinyurl.com/5n74zbnp Byman, Daniel. "Understanding Hamas and Hezbollah's Uses of Information-Technology." CSIS Briefs (July 2023). at: https://tinyurl.com/59hdrzen Clausewitz, Carl von. On War. Michael Howard & Peter Paret (ed. & trans.). Princeton: Princeton University Press, 1976. Delaneo, Igor. "Russia Black Sea Fleet in the 'Special Military Operation' in Ukraine." Foreign Policy Research Institute Report (February 2024). at: https://tinyurl.com/5n86dpvh Freedman, Lawrence. Command: The Politics of Military Operations from Korea to Ukraine. London: Allen Lane, 2022. ________. The Future of War: A History. New York: Public Affairs, 2017. Galeotti, Mark. "I'm Sorry for Creating the 'Gerasimov at: Policy. Foreign Doctrine'." https://tinyurl.com/y5ytmx2k Gerasimov, Valery. "The Value of Science is in the Foresight: New Challenges Demand Rethinking
the Forms and Methods of Carrying Out Combat Operations." Military Review (January- February 2016). Halper, Stefan. "China: The Three Warfares." Washington, DC: Office of Net Assessment (2013). Hart, B. H. Liddell. Strategy: The Indirect Approach. London: Faber & Faber, 1941. Hegghammer, Thomas. "The Rise of Muslim Foreign Fighters: Islam and the Globalization of Jihad." International Security. vol. 35, no. 3 (Winter
Hoffman, Frank G. "Conflict in the 21 st Century: The Rise of Hybrid Wars." Potomac Institute for Policy Studies (December 2007). Ingram, Haroro J. "Three Traits of the Islamic State's Information Warfare." The RUSI Journal. vol. 159, no. 6 (2014). Jackson, G. N. "Defining Liminal Warfare: The UK's Approach." RUSI Journal., vol. 163, no. 2 (2021). Jones, Seth G. et al. "The Coming Conflict with Hezbollah." CSIS Briefs. Center for Strategic & International Studies (March 2024). at: https://tinyurl.com/23ktzus3 Kaushal, Sidharth. "Ukraine's Naval Campaign and the Sinking of the Moskva: Implications for the War at Sea." RUSI Commentary (April 2022). Keegan, John. The Face of Battle: A Study of Agincourt, Waterloo, and the Somme. New York: Viking Press, 1976. Kilcullen, David. The Dragon and the Snakes: How the Rest Learned to Fight the West. Oxford: Oxford University Press, 2020. Malet, David. Foreign Fighters: Transnational Identity in Civil Conflicts. Oxford: Oxford University Press, Margolin, Jack. The Wagner Group: Inside Russia's Mercenary Army. London: Reaktion Books, 2024. Maschmeyer, Lennart. "The Subversive Trilemma: Why Cyber Operations Fall Short of Expectations." International Security. vol. 46, no. 2 (2021). ________. "There is no Cyber Shock and Awe: Plausible Threats in the Ukrainian Conflict." War on the Rocks. 8/2/2022. at: https://tinyurl.com/ytn2k6ms Mattis, James N. & Frank G. Hoffman. "Future Warfare: The Rise of Hybrid Wars." U.S. Naval Institute Proceedings. vol. 131, no. 11 (November 2005). Mazarr, Michael J. Mastering the Gray Zone: Understanding a Changing Era of Conflict. Carlisle Barracks, PA: U.S. Army War College Press, 2015. Millett, Allan R. & Williamson Murray (eds.). Military Effectiveness. 3 vols. Boston: Allen & Unwin, 1988. Perkins, David G. "Multi-Domain Battle: Driving Change to Win in the Future." Military Review. vol. 97, no. 6 (November-December 2017). Posen, Barry R. The Sources of Military Doctrine: France, Britain, and Germany Between the World Wars. Ithaca, NY: Cornell University Press, 1984. Qiao, Liang & Xiangsui Wang. Unrestricted Warfare. Beijing: PLA Literature & Arts Publishing House, 1999. Reiter, Dan. How Wars End. Princeton: Princeton University Press, 2009. Shamir, Eitan. Transforming Command: The Pursuit of Mission Command in the U.S., British, and Israeli Armies. Stanford: Standard University Press, 2011. Shapovalova, Natalia & Balázs Jarábik, "How Eastern Ukraine Is Adapting and Surviving: The Case of Kharkiv." Carnegie Europe. 12/9/2018. at: https://tinyurl.com/jvy447jb
Singer, W. Corporate Warriors: The Rise of the Privatized Military Industry. Ithaca, NY: Cornell University Press, 2003. Smeets, Max. No Shortcuts: Why States Struggle to Develop a Military Cyber-Force. Oxford: Oxford University Press, 2022. Solmaz, Tarik. "'Hybrid Warfare': One Term, Many Meanings." Small Wars Journal. vol. 25. 25/2/2022. at: https://tinyurl.com/bdh4emkn Sweijs, Tim & Mattia Bertolini. "How Wars end War Terminations: Insights for the Russia-Ukraine War." The Hague Centre for Strategic Studies (May 2022). at: https://tinyurl.com/bdz2u8ns The United States Army Special Operations Command. "'Little Green Men': A Primer on Modern Russian Unconventional Warfare Ukraine 2013-2014." Fort Bragg (2022). at: https://tinyurl.com/mv7udr7x Thomas, Dominik. Moltke Meets Confucius: The Possibility of Mission Command in China. Baden- Baden: Tectum Verlag, 2016. Tzu, Sun. Art of War. London: Oriental Books, 1994. van Creveld, Martin. Command in War. Cambridge, MA: Harvard University Press, 1985. Virginia Page Fortna. Peace Time: Cease-Fire Agreements and the Durability of Peace. Princeton: Princeton University Press, 2004. Walker, Christopher & Jessica Ludwig. "From 'Soft Power' to 'Sharp Power': Rising Authoritarian Influence in the Democratic World." National Endowment for Democracy Report (December 2017). ________. "The Meaning of Sharp Power: How Authoritarian States Project Influence." Foreign Affairs. 16/11/2017. at: https://acr.ps/1L9zQsV Weiss, M. A. "The Evolution of 'Non-Linear Warfare' in Russian Military Doctrine." Journal of Strategic Studies. vol. 42, no. 2 (2019). Wider, Werner. " Auftragstaktik and Innere Fuhrung: Trademarks of German Leadership." Military Review (September-October 2002).