سياسات "الإبادة الثقافية العميقة" في الحرب الإسرائيلية على غزة: منظور ثقافي - إعلامي

Basim Tweissi باسم الطويسي |

الملخّص

This study explores the concept of "deep cultural genocide" in the context of the Israeli war on Gaza in 2023 - 2024. It seeks to expand this concept to encompass tangible cultural genocide, which includes the systematic destruction or appropriation of heritage and cultural symbols, the erasure of identity, and dehistoricization. In addition to the deep cultural genocide aimed at depriving one party in the conflict of narrating events and presenting its narrative to the world, The study examines how this narrative facilitated the genocide, attempted to justify it, and contributed to the prolonged silence surrounding its continuation for many months.Utilizing a critical perspective grounded in cultural and media studies, the study incorporates the concepts of "c ultivation," "c ultural bias," and "m anufacturing consent." The findings reveal that during this war on Gaza, Israel transitioned from practicing slow cultural genocide, a method driven by colonial powers for over a century, to executing a "deep cultural genocide." This approach not only involved the systematic and direct destruction of Palestinian heritage and culture but also extended to efforts to extinguish the Palestinian narrative and prevent its dissemination to a global audience. Keywords: Israel, Gaza, Cultural Genocide, Propaganda, Media.

Deep Cultural Genocide in the Israeli War on Gaza: A Cultural-Media Perspective

تفحص هذه الدراسة مفهوم "الإبادة الثقافية" في حالة الحرب الإسرائيلية على غزة (2023 - 2024)، في محاولة لتطويره، ليتضمن الإبادة الثقافية العميقة التي تستهدف الأفعال التي ينتج منها حرمان طرف من أطراف الصراع من رواية الأحداث وتقديم سرديته حول ما يجري إلى العالم؛ والكيفية التي تعمل وفقًا لها هذه السردية كي ت مهّ د السبيل للإبادة ومحاولة تبريرها والصمت على استمرارها شهورًا طويلة، إضافة إلى الإبادة الثقافية المادية التي تشمل تدمير التراث والرموز الثقافية أو الاستيلاء المنهجي عليهما ومحو الهوية ونزع التاريخ. تعتمد الدراسة منظورًا نقديًا يستند إلى حقلي الدراسات الثقافية والإعلامية، بالاستفادة من مفاهيم "الغرس الثقافي" و"الانحياز الثقافي" و"تصنيع الموافقة." وتوضح النتائج كيف انتقلت إسرائيل في هذه الحرب من ممارسة الإبادة الثقافية البطيئة التي استمرت في ممارستها، مدفوعة بالقوى الاستعمارية على مدى أكثر من مئة عام، إلى الإبادة الثقافية العميقة التي جسّ دتها في هذه الحرب، والتي لم تتوقف عند التدمير الممنهج والمباشر للتراث الثقافي الفلسطيني، بل وصلت إلى محاولة إطفاء السردية الفلسطينية والحدّ من تأثيرها.

كلمات مفتاحية: إسرائيل، غزة، الإبادة الثقافية، الدعاية، الإعلام.

مقدمة

تركت الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة منذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023  آثارًا بالغةً في مختلف المستويات، ويبدو أنه لا يمكن التعرف إلى هذه الآثار على نحو دقيق إلا بعد سنوات قادمة؛ فهي إبادة جماعية بالمفاهيم القانونية والسياسية والإنسانية، وحرب جمعت العديد من التناقضات والمفاجآت والصدمات؛ وهكذا تبدو آثارها سياسيًا واستراتيجيًا وثقافيًا. تهدف هذه الدراسة إلى تناول الإبادة الثقافية التي تعرّضت لها مدن قطاع غزة وبلداتها خلال هذه الحرب من منظور ثقافي - إعلامي، وما تعرّضت له رواية الحرب من تشويه وتضليل، انطلاقًا من فرضية أن ما تعرّض له القطاع هو إبادة ثقافية عميقة؛ فإلى جانب الإبادة الجماعية الشاملة التي استهدفت أكثر من 100 ألف ضحية بين قتيل وجريح، بحسب أرقام وزارة الصحة في قطاع غزة حتى نهاية تموز/ يوليو 2024 1، ثمة إبادة موازية استهدفت نزع التاريخ ومحو الهوية باستخدام القوة المفرطة والمتوحشة، وأدوات القوة الناعمة والتضليل. وفي هذا الصدد، تسعى الدراسة للإجابة عن سؤال أساسي: كيف شكّلت هذه الحرب إبادة ثقافية عميقة؟ وفي سياق هذا السؤال، تناقش التصوّر الثقافي والإعلامي لوسائل الإعلام الغربية والخطاب السياسي للنخب السياسية الإسرائيلية والغربية ا لذي ساهم في التمهيد لهذه الإبادة أو تبريرها واستمرارها شهورًا طويلة. تعتمد الدراسة منهجية نوعية، باستخدامها تقنيات التحليل النوعي للكشف عن الأنماط والدلالات الثقافية والسياسية في النصوص الإعلامية والخطابات، من خلال مقاربة متعددة المستويات، شملت التحليل الثقافي المادي (تدمير المواقع الأثرية والرموز الثقافية)، واللغوي (استخدام اللغة الإعلامية لتبرير العنف)، والإعلامي (تحليل التأطير الإعلامي وتشكيل الصور النمطية.) وإضافة إلى ذلك، تستفيد الدراسة من مجموعة واسعة من الدراسات الأكاديمية والمصادر التاريخية ونماذج نظرية في الدراسات الإعلامية والثقافية، لتوضيح كيف تطوّرت هذه الإبادة من المفاهيم الاستعمارية القديمة إلى ما أ طلق عليه الإبادة الثقافية العميقة. تتناول الدراسة موضوعها من خلال ثلاثة مباحث رئيسة: يقدّم الأول الإطار النظري، ويقسم إلى مطلبين أساسيين: الأول المدخل التاريخي والثقافي لتطور مفهوم الإبادة الجماعية، والثاني يتناول الأطر النظرية في الدراسات الإعلامية والثقافية التي تُساهم في تفسير المفاهيم الأساسية ضمن سياق الإبادة الثقافية العميقة. أما المبحث الثاني، فيركز على ممارسات الإبادة الثقافية ضمن السياق الفلسطيني التاريخي، مشيرًا إلى "الإبادة الثقافية البطيئة." ويتناول المبحث الثالث مفهوم الإبادة الثقافية العميقة في الحرب الإسرائيلية على غزة من خلال ثلاثة مستويات: الأول يتعلّق بالتدمير الثقافي المادي، والثاني يختص بتحليل اللغة والإعلام، والثالث يعرض التأطير الثقافي للإبادة.

أولًا: الإطار النظري

1. الإبادة الثقافية: مدخل ثقافي - تاريخي

يُعدّ مفهوم "الإبادة الثقافية" من أكثر المفاهيم التي تحتمل مستويات متعددة من التحليل في الدراسات الثقافية والسياسية والقانونية، ومن أكثر الممارسات التي تعرّضت للتحايل، وعدم الاعتراف بها في القانون الدولي، ومن المنظمات الدولية، كما شهد المجتمع الدولي فشلًاتاريخيًا في إيجاد فهم موحّد للإبادة الثقافية الجماعية  2. يعود التصور المبكر لمفهوم الإبادة الثقافية إلى ر افائيل ليمكين 1959-1900() الذي دعا منذ ثلاثينيات القرن العشرين إلى تبنّي نظام قانوني عالمي لتحميل أفراد وحكومات مسؤولية الجرائم المرتكبة في حق جماعات مضطهدة في سياق تقديمه مفهوم الإبادة

  1. جرى التحقق من هذه الأرقام من مصادر متعددة، من بينها منظمة "إيروارز "
  2. البريطانية التي وجدت تطابقًا كبيرًا بين أرقام وزارة الصحة والواقع. ينظر: Airwars, "Israel and Gaza 2023," accessed on 11/4/2024, at: https://acr.ps/1L9zQVh 2  Elisa Novic, The Concept of Cultural Genocide: An International Law Perspective (Oxford: Oxford University Press, 2016).

الجماعية  3. وميّز في عام 1944 مكوّنًا ثقافيًا من مكوّنات الإبادة الجماعية، وأطلق عليه منذ ذلك الوقت "الإبادة الثقافية"، بل إنه حدّد أن للإبادة الجماعية بعدين: الأول الإبادة التي تقصد تدمير الجماعة وقتلها أو تهجيرها، والثاني الثقافي؛ أي تقويض أسلوب حياة الجماعة وتدمير ثقافتها 4. وعلى الرغم من أن "الحق في الحياة" يعلو على أيّ حق آخر، فإن آثار الإبادة الثقافية تُجسّد جريمة أكثر عمقًا وأضرارًا، فهي تستهدف وجود الجماعة وماضيها ومستقبلها، ولا تتوقف عند حاضرها المادي فحسب، لأنها تفكك الوجود السياسي والاجتماعي من خلال استهداف النسيج والمؤسسات للثقافة واللغة والمشاعر الوطنية والدين والاقتصاد، وتدمير الأمن الشخصي والحرية والصحة والكرامة  5. وامتدّ مفهوم الإبادة الثقافية ليشمل التدمير المنهجي للآثار التاريخية أو الدينية، أو تحويلها إلى استخدامات أجنبية، أو تدمير أو تشتيت الوثائق والعناصر ذات القيمة التاريخية أو الفنية أو الدينية والمخطوطات والمكتبات وتصفية المثقفين والرموز الثقافية والروحية  6. أعطى المفهوم الأصلي لجريمة الإبادة الجماعية، كما عرضه ليمكين، الإبادة الجماعية الثقافية مركز الصدارة. وفي الواقع، اعتقد ليمكين أن هناك حاجة إلى فئة قانونية جديدة على وجه التحديد، لأن الإبادة الجماعية لا يمكن اختزالها في القتل الجماعي  7. يميز القانون الدولي بين الحرب والتطهير العرقي والإبادة الجماعية على أساس القصد ونطاق العنف، فضلًاعن الأطر القانونية التي تحكم كل نوع من أنواع القتل الجماعي. وعلى الرغم من أن هذه الأفعال قد تتداخل، فإنها تشكّل مفاهيم منفصلة بموجب القانون الدولي؛ فالحرب هي نزاع مسلّح دولي أو غير دولي. والأدوات القانونية الأساسية التي تحكم الحرب هي اتفاقيات جنيف لعام 1949 وبروتوكولاها الإضافيان لعام 1977، التي تُحدّد القواعد المتعلقة بحماية المدنيين ومعاملة أسرى الحرب وإدارة الأعمال العدائية  8. وعلى الرغم من عدم وجود مصطلح محدد قانونيًا بموجب القانون الدولي، فإن التطهير العرقي يشير إلى الإزالة المنهجية لمجموعات عرقية أو دينية من منطقة معيّنة، غالبًا من خلال العنف والترهيب. وقد تُدرج الأفعال التي تشكّل تطهيرًا عرقيًا تحت مظلة الجرائم ضد الإنسانية، كما هو محدد في نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية. وقد تم الاعتراف بالتطهير العرقي في الممارسة العملية، على سبيل المثال، خلال الصراع في يوغوسلافيا السابقة 9. أما الإبادة الجماعية في اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها 1948()، فقد مُيّزت بأنها الأفعال المرتكبة بقصد تدمير جماعة قومية أو إثنية أو عنصرية أو دينية كلّيًا أو جزئيًا. ويشمل هذا التعريف قتل أعضاء الجماعة والتسبب لهم في أذى جسدي أو عقلي خطر، وفرض ظروف معيشية محسوبة عليهم لإحداث تدميرهم عمدًا  10. وفي حين أن الحرب والتطهير العرقي والإبادة الجماعية قد تنطوي كلها على عنف جماعي، فإن التمييز الأساسي يكون في النيّة أو القصد. فالحرب مدفوعة في المقام الأول بأهداف عسكرية، والتطهير العرقي بدوافع إقليمية وعرقية، والإبادة الجماعية مدفوعة بالرغبة والنيّة في إبادة مجموعة من البشر  11. كان جوهر الإبادة الجماعية في الأدبيات المبكرة ثقافيًا؛ بمعنى أنه هجوم منهجي على مجموعة من الناس واستهداف ثقافتهم وهويتهم؛ أي القتل الجماعي على أساس الهوية والثقافة، وهي جريمة موجّهة ضد الاختلاف نفسه. ومن المفارقات أن النص النهائي لاتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية لا يحظر الإبادة الجماعية الثقافية في حد ذاتها، ويختصر الإبادة الجماعية في القتل المادي للجماعة ذاتها. تعكس المناقشات التي جرت طوال سنوات عدة في الأمم المتحدة الناشئة، بشأن مسوّدة اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية، علاقات القوة الجديدة التي فرضت إرادتها في ضوء انتصارات الحرب العالمية

  1. مفهوم الإبادة الجماعية Genocide، مصطلح ابتكره المحامي والمدّعي العام البولندي رافائيل ليمكين لوصف سياسة العرق النازية في أوروبا المحتلة خلال الحرب العالمية الثانية. والمصطلح مزيج من الكلمة اليونانية Genos (العرق أو القبيلة) والكلمة اللاتينية Cide (القتل.) ينظر: Raphael Lemkin, Axis Rule in Occupied Europe: Laws of Occupation, Analysis of Government, Proposals for Redress (Clark, NJ: The LawBook Exchange, 1944).
  2. Ibid., p. 4.
  3. Damien Short, "Cultural Genocide and Indigenous Peoples: A
  4. Jeffrey S. Bachman, "An Historical Perspective: The Exclusion of
  5. Leora Bilsky & Rachel Klagsbrun, "The Return of Cultural Genocide?" European Journal of International Law , vol. 29, no. 2 (May 2018), pp. 373-396.
  6. The International Criminal Court, Rome Statute of the International Criminal Court (The Netherlands: 2021), accessed on 25/3/2024, at: https://acr.ps/1L9zQFy 9  Hannibal Travis, Ethnic Cleansing and Genocidal Intent: Conceptualizing Destruction of Local Populations, Global Studies Law Review, vol. 19, no. 4. 2021. https://papers.ssrn.com/sol3/pap 10  William A. Schabas, Genocide in International Law: The Crime of Crimes , 2 nd ed. (Cambridge: Cambridge University Press, 2009).
  7. Sociological Approach," The International Journal of Human Rights , vol. 14, no. 6 (2010).
  8. Cultural Genocide from the Genocide Convention," in: Jeffrey S. Bachman (ed.), Cultural Genocide Law, Politics, and Global Manifestations (London: Routledge, 2019).
  9. Steven R. Ratner, Jason Abrams & James Bischoff, Accountability for Human Rights Atrocities in International Law: Beyond the Nuremberg Legacy , 2 nd ed. (Oxford: Oxford University Press, 2001).

الثانية، واستمرار علاقات الاستعمار، حيث قادت أستراليا والولايات المتحدة الأميركية وفرنسا وبريطانيا والسويد وكندا حملة إلغاء الإبادة الجماعية الثقافية/ الإبادة العرقية من اتفاقية الإبادة الجماعية، في مقابل الجهود المؤيدة التي قادها الاتحاد السوفياتيي والهند وكوبا. وقد غيرت هذه الخطوة المحورية إطار التحليل، وأطلقت نقاشات مثيرة للجدل حول العناصر المميزة للتدمير الجسدي لشعٍبٍ ما وتشتته الثقافي  12. و اليوم، لا يزال تعريف الإبادة الجماعية يقتصر على التدمير البيولوجي لمجموعة ما، متجاوزًا الهجمات على وجودها التي تنطوي على اضطهاد ثقافتها أو ظاهرة "التطهير العرقي" 13. يكمن السبب الذي جعل القوى الاستعمارية تعارض بقوة إدراج الإبادة الجماعية الثقافية في "الحدّ من التزاماتها بموجب القانون الدولي" 14، وتجنّب توريط نفسها في جريمة الإبادة الجماعية، وتجنّب البحث في تاريخ الإبادة الجماعية الثقافية التي تعرّض لها العديد من الشعوب الأصلية. وقد شهدت حروب الاستعمار وحروب ما بعد الاستعمار أيضًا أشك لًا متعددة من الإبادة الثقافية، ولكن بقي التعريف القانوني للإبادة الجماعية يفتقر إلى توضيح محدد حول الطريقة التي تُرتَكَب بها على نحو محدد، حيث لا يذكر التعريف إّل اأن نيّة الإبادة تكون بتدمير جماعة عرقية، أو دينية، أو إثنية، أو قومية، والقتل الجسدي لها. أما المادة السابعة من مسوّدة إعلان الأمم المتحدة لحقوق الشعوب الأصلية UNDRIP، فقد استخدمت عبارة "إبادة ثقافية"، لكن حينما اعتمدت الأمم المتحدة هذا الإعلان، أسقطت مفهوم الإبادة الثقافية من النص المعتمد، نظرًا إلى عدم الاتفاق على تعريفه 15. ومرةً أخرى، عكست المناقشات القانونية والسياسية والثقافية التي استمرت بين عامي 1994 و 2007 استمرار الإرادة الاستعمارية برفض الاعتراف بالإبادة الثقافية. في حين بقي القانون الدولي الإنساني يحظر في الظروف كلها الاستهداف المتعمّد للمواقع الثقافية والدينية، ويبدو ذلك واضحًا في اتفاقية لاهاي لعام 1954 بشأن حماية الممتلكات الثقافية في حالة النزاع المسلح، والبروتوكول الثاني للاتفاقية في عام.1999 تضمّنت اتفاقية لاهاي لعام 1954، التي وقّعتها 133 دولة، عدم الإضرار بالتراث في ظل ظروف النزاع المسلح، وأصبح التدمير المتعمّد للممتلكات الثقافية يُعدّ في الأدبيات الدولية جريمة حرب، على الرغم من أن الاتفاقية لم توضع موضع التنفيذ إّل ابعد أكثر من خمسة عقود، وجرى تأكيدها في عام 2016 من خلال المحاكمة الأولى في المحكمة الجنائية الدولية لتدمير التراث في تمبكتو  16. لقد جسّدت المحاكمات الدولية والوطنية التي جرت في سياق الإبادة الجماعية المتعددة الأشكال والأماكن، والتي وقعت خلال الحرب العالمية الثانية وتزامنت مع تصاعد حركة حقوق الشعوب الأصلية، تماهيًا سياسيًا وأيديولوجيًا مصلحيًا مع إرادة المنتصر. وعلى الرغم من أن الأجواء الثقافية والإعلامية كانت تختصر الإبادة الجماعية في محرقة اليهود وسردية الهولوكوست، فإن تقاسمًاعجيبًا للعمل قد ساد؛ ففي الوقت الذي لم تحتِفِ فيه المحاكم بالإبادة الثقافية، كيّفت الحركة الثقافية والأكاديمية الغربية الإبادة الجماعية لليهود على أنها ثقافية. نلاحظ، على سبيل المثال، أن المحكمة البولندية اعترفت بالإبادة الجماعية ضد اليهود، إّل اأنها أدرجتها تحت الإبادة الجماعية ضد الشعب البولندي. وقد كانت مركزية الإبادة الجماعية الثقافية هي التي سمحت للمحكمة بتركيز الاهتمام على معاناة الشعب البولندي. وفي حين ركّزت المحاكمات الإسرائيلية التي أ جريت بعد عام 1948 على الإبادة الجماعية الجسدية، فقد بقي السرد الصهيوني طوال العقود اللاحقة يضع المسألة الثقافية اليهودية في صلب الهولوكوست، واعتبر أن حل الوطن القومي لليهود هو الرد المناسب على المحرقة، الأمر الذي احتاج إلى اختراع تكيّف ثقافي جديد. فعلى سبيل المثال، لم تتناسب الثقافة اليديشية مع القصة الصهيونية التي ربطت اللغة اليديشية بالشتات، بينما تطلّب إحياء الشعب اليهودي في أرض إسرائيل إحياء اللغة العبرية والارتباط بها  17. إن نيّة استبدال الاستقلال بالتبعية جزء لا يتجزأ من استمرار الاستعمار، ودليل على نيّة التدمير والنهب. وتقع الثقافة في صلب سياسات التبعية، وتؤدي دورًا مركزيًا فيها؛ فهي سيطرة جديدة لسياسات الاستعمار من خلال التدمير المتعمد والمنهجي الذي يستهدف مجموعات عرقية وثقافية. فالإبادة الجماعية الثقافية أصبحت الوسيلة التي تخلق بها سياسات التبعية وما بعد الاستعمار

  1. Shamiran Mako, "Cultural Genocide and Key International Instruments: Framing the Indigenous Experience," International Journal on Minority and Group Rights , vol. 19 (2012), pp. 175-194.
  2. Lindsey Kingston, "The Destruction of Identity: Cultural Genocide and Indigenous Peoples," Journal of Human Rights , vol. 14, no. 1 (2015).
  3. Bachman (ed.).
  4. Novic, p. 45.
  5. شهدت مواقع تراثية ودينية في مالي عمليات تدمير متعمد في عام 2012 لتسعة أضرحة والبوابة السرية لمسجد سيدي يحيى في موقع التراث العالمي لليونسكو في تمبكتو (مالي.) أصدرت المحكمة الجنائية الدولية في عام 2016 قرارًا تاريخيًا دان مرتكبي هذه الجريمة، وُيُعدّ هذا القرار هو الأول بموجب نظام روما الأساسي، ويشكل خطوة حاسمة لإنهاء الإفلات من العقاب على تدمير التراث الثقافي، ويؤكد القرارات السابقة التي اتّخذتها المحاكم الدولية، وُيُعزّزها في حكم مخصص بالكامل لتدمير التراث الثقافي. ينظر: UNESCO, "Timbuktu Trial: A Major Step Towards Peace and Reconciliation in Mali," 27/9/2016, accessed on 23/3/2024, at: https://acr.ps/1L9zQx1
  6. Bilsky & Klagsbrun, pp. 381-389.

السيطرة، وتحافظ عليها وتوسّعها لإثراء نفسها 18، كما كانت إبادة السكان الأصليين بعد الاتصال بهم. وبالنسبة إلى الإدارات الاستعمارية، فقد أصبحت الإبادة الجماعية الثقافية هي الطريقة الأكثر ملاءمة لمعالجة اندماج السكان الأصليين  19. لقد مر أكثر من ثمانية عقود على بدء دراسات الإبادة الجماعية، وطوال هذه المدة، بقيت مسألة الإبادة الثقافية جوهر هذه الأدبيات التي يمكن تقسيمها أربع مجموعات أساسية. المجموعة الأولى هي الدراسات التي أسست للمنظور الثقافي للإبادة الجماعية، والتي بدأت مع ليمكين الذي خصص فصلًامن كتابه لهذه المسألة، إلى جانب مجموعة من الأدبيات التي سلّطت الضوء على أوجه القصور في المعاهدة وتقديم مفاهيم وتعاريف بديلة للإبادة الجماعي، ومنها كذلك دراسة آدم جونز الذي قدّم فيها العديد من التعريفات للإبادة الجماعية  20، وعرضت إليسا نوفيتش تطوّر مفهوم الإبادة الثقافية في دراسات القانون الدولي المبكرة  21. ومع ذلك، عارض بعض الباحثين فكرة دمج الإبادة الثقافية في مفهوم الإبادة الجماعية، وأبرزهم وليام شاباس الذي ذهب إلى وجود صعوبات قانونية وسياسية تحول دون إدراج المفهوم في القانون الدولي  22. المجموعة الثانية هي دراسات الإبادة الجماعية في سياق المحرقة اليهودية "الهولوكوست"؛ فقد نشأ مفهوم الإبادة الجماعية إلى حد بعيد من السياق التاريخي للهولوكوست. وعلى هذا النحو، يجادل كجيل أندرسون بأن هناك ميلًابين الباحثين في مجال الإبادة الجماعية إلى تجاهل الإبادة التي لا تتناسب مع نموذج الهولوكوست المتمثل في القتل الجماعي، سعيًا وراء أيديولوجيا عنصرية 23. وبحسب داميان شورت، أصبح يُنظر إلى الهولوكوست باعتباره مث لًانموذجيًا أو حتى المثال الحقيقي الوحيد للإبادة الجماعية  24. أما المجموعة الثالثة فهي دراسات الإبادة الثقافية للشعوب الأصلية؛ فيذهب جوليان برغر إلى القول إن الشعوب الأصلية لا تواجه قتلًاجسديًا مباشرًا، ومع ذلك فإنهم قد يواجهون التفكك بوصفهم مجموعة عرقية متميزة من خلال تدمير خصائصها الثقافية المحددة  25. وتوثق بحوث هوكسن ومولدي وأندرسون تاريخ الإبادة الثقافية للشعوب الأصلية في شمال القارة الأميركية  26. وأخيرًا المجموعة الرابعة، وهي الدراسات المعاصرة التي بدأت منذ التسعينيات، ومعظمها على خلفية تداعيات جرائم حروب البلقان، ومن أبرزها توثيق ديانا أونسيويو التي عرضت كيف برر الزعماء الرومانيون والصرب سياسات الإبادة الجماعية التي انتهجوها بحجج قومية، حمايةً للهوية الوطنية وحفاظًا عليها 27. ونالت الإبادة الجماعية في رواندا اهتمامًا واضحًا في أدبيات الإبادة اللاحقة. وفي القرن الحادي والعشرين، ومع استمرار الإبادة التاريخية للشعب الفلسطيني، وتصاعدها تحديدًا في حروب غزة، ومع اندلاع حوادث إبادة جماعية في مناطق متعددة من العالم؛ في دارفور وجمهورية الكونغو الديمقراطية وميانمار وسورية، تبلورت ثلاثة مستويات تحليلية في تناول الإبادة الجماعية، وكلها جعلت الثقافة أساسية في مناقشاتها: المستوى الكلي (الدولي)، المتوسط (المحلي)، والجزئي (الداخلي/ الفردي) 28. لا يمكن فهم السياقات التاريخية التي تُعنى بمفهوم "الإبادة الثقافية العميقة" من دون فهم الأطر الفكرية التي برّرت العنف والتطهير العرقي واستعادة عنف الاستعمار بعد الحرب العالمية الثانية. ويلاحظ كيف أخذ مفهوم "الحروب الثقافية" في النمو في التسعينيات، ووجد في المناقشات الكبرى في الولايات المتحدة بعد ءاطغلاب ىطّغت الامطلو، دوعصلل ابحر لا ااجم تايييفوسلا داحتلاا رايهنا الإعلامي الثقافي، وبالغطاء الأكاديمي. وبحسب عبد الوهاب الأفندي، فقد عملت الأعمال الفكرية لبرنارد لويس Bernard Lewis Samuel Huntington 2018-1916(هنتنغتون وصمويل)، 2008-1927()، على خلق تبرير ثقافي للصراعات في القرن الحادي والعشرين. وعلى هذا الأساس يرى لويس، "أن تمرّد الفلسطينيين [...]على العدوان الإسرائيلي وداعميه الغربيين، ليس سببه الاحتلال

  1. Julian Burger, Report from the Frontier: The State of the World's Indigenous Peoples (New York: Bloomsbury Publishing, 1987), p. 31.
  2. Shamiran, p. 177.
  3. Adam Jones, Genocide: A Comprehensive Introduction , 3 rd ed. (London: Routledge, 2017), pp. 23-27.
  4. Novic, pp. 19-26.
  5. Schabas.
  6. Kjell Anderson, "Colonialism and Cold Genocide: Case of West Papua," in: Bachman (ed.), pp. 179-205.
  7. Short.
  8. Burger, p. 31.
  9. Benjamin Madley, An American Genocide: The United States and the California Indian Catastrophe, 184 6-1 873 (New Haven: Yale University Press, 2016); Walter L. Hixson, American Settler Colonialism: A History (London: Palgrave Macmillan, 2013); Gary Clayton Anderson, Ethnic Cleansing and the Indian: The Crime That Should Haunt America (Oklahoma: University of Oklahoma Press, 2016).
  10. Christophe Busch, "Demonic Transitions How Ordinary People Can Commit Extraordinary Evil," in: U ğ ur Ümit Üngör (ed.), Genocide: New Perspectives on its Causes, Courses and Consequences (Amsterdam: Amsterdam University Press, 2016).
  11. U ğ ur Ümit Üngör, "Genocide, an Enduring Problem of Our Age," in: Üngör (ed.).

والتهجير والقمع لغير اليهود، إنما مرجعه نقمة 'الرجل' المسلم على تراجع منزلته بسبب صعود الحضارة الغربية" 29، الأمر الذي سيتجّل ى بوضوح في أحداث 11 سبتمبر 2001 وما بعدها. لقد مارس الاستعمار الاستيطاني في فلسطين إبادة ثقافية بطيئة قبل قيام دولة إسرائيل وبعده 1948()، وتدفع الحرب الإسرائيلية على غزة إلى إضافة بعد جديد لمفهوم الإبادة الثقافية، يتجاوز محو التاريخ المادي والشواهد الأثرية والثقافية، إلى نشر ثقافة إلغاء الضحية ومحو صوته وجعله غير مرئي؛ وهي ثقافة إنكار الوقائع الموثّقة.

التأطير والغرس الثقافي والتأسيس لفهم الإبادة الثقافية العميقة

يعم ل الغرس الثقافي Cultivation على التشكيل التراكمي الطويل المدى للمدركات والمعتقدات، نتيجة التعرّض المستمر لوسائل الإعلام، حيث يتماهى الأفراد مع ما يستهلكونه من محتوى إعلامي ومنتجات ثقافية، ما يتيح تشكيل الواقع الاجتماعي وسهولة التأثير والتحكم، أو إعادة بناء البيئة الرمزية. واستخدم جورج غربنر 2005-1910() في نظريته مصطلح "الغرس"، ليعني عملية خلق وعي مشترك بين جميع السكان، والحفاظ على هذا الوعي من خلال التأثير في الجميع لقبول المعتقدات نفسها  30. ويبدو هذا المدخل النظري أحد المداخل الملائمة لفهم دور وسائل الإعلام والصناعات الثقافية في عملية بناء السردية الثقافية المؤيدة لإسرائيل، وتحديدًا في الغرب، في مقابل الإبادة الثقافية البطيئة لرواية الطرف الآخر؛ أي جعله غير مرئي وغير مسموع ومشوّهًا إذا فرض حضوره على نحو ما. تعت مد الثقافة الإنسانية على رواية القصص أكثر من أيّ شيء آخر، وهي مصدر أساسي لبناء الأنظمة الإدراكية للبشر؛ من حكايات خرافية وقصص واقعية وجادة وسخيفة ومخيفة ومرعبة، وقصص الأسرة والقبيلة وقصص القرية والمدينة وقصص مضحكة وأخرى حزينة. والتاريخ بحسب هذه النظرية رواية للقصص، في حين أصبحت وسائل الإعلام أكبر مصدر للقصص منذ مطلع القرن العشرين، وأكبر حكّاء ملهم في التاريخ  31. وبح سب غربنر، تتكوّن عملية الغرس من خطوتين: التعلم والبناء. في الخطوة الأولى، يتعلّم الناس ويحتفظون بالمعلومات العرضية عند تعرّضهم للرسائل الإعلامية، وفي الخطوة الثانية، يقومون باستخدام هذه المجموعة من المعلومات العرضية لبناء الاعتقاد  32. تتجاوز مسألة "التأطير الإعلامي" التحيّز المباشر في الأخبار إلى دور وسائل الإعلام بإعادة بناء الواقع ومنح الأحداث معنى خاصًا؛ أي التأثير الطويل المدى في الاتجاهات والمعتقدات والقيم، وكيف تمنح الثقافات تفسيرًا للأحداث، وتحديدًا الخارجية، من خلال شبكات من الدلالات والمعاني  33. ويشير التأطير ببساطة إلى عملية إعلامية تقوم على "الانتقاء والتأكيد" باستخدام أساليب عديدة. وقد نشُرت عشرات البحوث التي تناولت تأطير الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني بوساطة الإعلام الغربي، من خلال الكلمات والجمل والأوصاف ونبرة الصوت التي تستخدمها التغطية، وغيرها من الأساليب التي تترك أثرًا عميقًا وبعيد المدى. وقد طوّر روبرت إنتمان 1993() هذه الفكرة، حيث عَّرّف التأطير بأنه عملية اختيار "بعض جوانب الواقع المتصور، وجعلها أكثر بروزًا في المحتوى الإعلامي" 34. واللغة هي المحور الأساسي للتأطير، لأن الكلمات والنبرة والاستراتيجيات البلاغية يمكن أن تؤكد أفكارًا معينة، في حين تقلل من أهمية أفكار أخرى. ويمكن أن يبني تكرار عبارات أو استعارات معيّنة سردًا يؤثر في الرأي العام والفهم. يعتمد التأطير إلى حد بعيد على الاستخدام الاستراتيجي للغة، لتوجيه إدراك الجمهور وتصوراتهم. ومن خلال استخدام الكلمات والعبارات المختارة بعناية، يمكن أن تشكّل وسائل الإعلام كيفية إدراك الأفراد للأحداث الإخبارية وردّات أفعالهم تجاهها. فعلى سبيل المثال، في التقارير السياسية، يمكن أن يؤدي استخدام مصطلح "إرهابي"، بدلًا من "مقاوم للاحتلال"، إلى تغيير كبير في تفسير الجمهور للجهات الفاعلة المشاركة في الصراع  35.

  1. عبد الوهاب الأفندي، "الثقافة سلاحًا: حروب الثقافة في الولايات المتحدة ومصر "، تبُّين، مج 12، العدد 54 (صيف.)2023
  2. George Gerbner et al., "Living with Television: The Dynamics of the Cultivation Process," in: J. Bryant & D. Zillmann (eds.), Perspectives on Media Effects (Mahwah, NJ: Lawrence Erlbaum Associates, 1986), pp. 17- 40.
  3. George Gerbner, "The Stories We Tell," Peace Review: A Journal of Social Justice , vol. 11, no. 1 (1999).
  4. W. James Potter, "What does the Idea of Media Cultivation Mean?" Journal of Broadcasting & Electronic Media , vol. 66, no. 4 (2022), pp. 540-564.
  5. Ke Jiang, George A. Barnett & Laramie D. Taylor, "Dynamics of Culture Frames in International News Coverage: A Semantic Network Analysis," International Journal of Communication , vol. 10 (2016), pp. 3710-3736.
  6. Robert M. Entman, "Framing: Toward Clarification of a Fractured Paradigm," Journal of Communication , vol. 43, no. 4 (December 1993), pp. 51-58.
  7. Maxwell McCombs & S. I. Ghanem, "The Convergence of Agenda Setting and Framing," in: S. Reese, O. Gandy & A. Grant (eds.), Framing Public Life: Perspectives on Media and Our Understanding of the Social World (Mahwah, NJ: Lawrence Erlbaum Associates, 2001), pp. 67-83.

ثانيًا: الإبادة الثقافية في السياق الفلسطيني: التعرية ومحو التاريخ

يُعدّ المركّب الجغرافي- التاريخي للأرض الفلسطينية فريدًا ومميزًا؛ فهي بلاد فريدة من نوعها في موقعها على مفترق طرق القارات الثلاث، آسيا وأوروبا وأفريقيا، وارتباطها بالديانات التوحيدية الثلاث اليهودية والمسيحية والإسلام، ما جعلها تشكّل التراث الروحي والديني لأكثر من نصف البشرية جمعاء، إضافة إلى ثرائها الثقافي والتراثي الذي يحتضن أقدم مدن التاريخ، وأقدم المستوطنات الزراعية وطبقات من التعاقب التاريخي المستمر عبر حقب زمنية متعددة وطويلة.

ووفقًا لهذه الخلفية، شكّلت الإبادة والاستهداف الثقافيان لتاريخ فلسطين وهويتها جوهر السياسات التي اتبعتها القوى الاستعمارية والحركة الصهيونية العالمية قبل إنشاء الدولة الإسرائيلية، وشهدت عقود ما بعد النكبة عام 1948 تصاعدًا في تبنّيها.

1. سياسات التعرية ومحو التاريخ

يُصنّف داود عبد الله ثلاثة متطلّبات وضعها الآباء المؤسسون للكيان الإسرائيلي الوليد في عام 1948 لإنشاء دولة يهودية خالصة لكل اليهود، تتجاوز التحدي الكبير المتمثل في المشكلة الديموغرافية الفلسطينية. وُتُفّس رهذه المتطلّبات جانبًا من الإبادة الثقافية البطيئة والتراكمية على مدى مئة عام، التي شهدت موجات عنف وتوحش كبرى، لذا مارست إسرائيل سياسات استبعدت مبدأ عودة اللاجئين الذين طُردوا من أرضهم في عاَمَي 1948 و 1967، في مقابل الهجرة والاستيطان، وانتهجت سياسات للفصل العنصري في عموم فلسطين التاريخية، وسياسات تدمير المؤسسات الثقافية ورموز الهوية الفلسطينية، وبناء تصور عالمي مختلف للجغرافيا الفلسطينية  36. وإلى جانب التدمير الثقافي التراكمي، عمدت إسرائيل تاريخيًا إلى الاستيلاء الثقافي المنهجي Systematic Cultural Appropriation؛ وهو سلوك عدواني تاريخي، وصل إلى ذروته في عصر الاستعمار الأوروبي، الأمر الذي يفسر ما يعرف اليوم بالمتاحف العالمية في المدن الغربية التي جمعت ما استولت عليه القوى الاستعمارية من آثار وممتلكات ثقافية  37؛ أي الاستيلاء المنهجي الجزئي أو الكلي والتدمير الكلي أو الجزئي لعناصر ثقافة أخرى. وفي عام 1950، أصدرت إسرائيل "قانون أملاك الغائبين" الذي يمنح السلطات الإسرائيلية صلاحية الاستيلاء على المنقولات والممتلكات كلها غير المنقولة لسكان المناطق العرب أو الفلسطينيين. وفي عام 1957، صدّقت إسرائيل على اتفاقية لاهاي لعام 1954 التي تحمي الممتلكات الثقافية في أوقات الحرب. لكن بعد مرور عقد، أي في عام 1967، انتهكتها عندما استولى الجنود الإسرائيليون على المتحف الفلسطيني الأثري في القدس الشرقية، والمعروف الآن باسم متحف روكفلر، على الرغم من أن الجيش الأردني لم يستخدمه للأغراض العسكرية مطلقًا  38. كما أنّ هناك أكثر من 12000 موقع أثري وتراث ثقافي في الضفة الغربية المحتلة (بما في ذلك القدس) وقطاع غزة، هيمن الاحتلال الإسرائيلي عليها منذ عام 1967، وتوّل ىالسيطرة على عمليات التنقيب الأثري والحماية في الأراضي المحتلة  39. وفي عام 2002، أدّى بناء الجدار العازل إلى تدمير مئات المواقع الأثرية والتراثية والثقافية الفلسطينية، في حين جرى عزل مئات المواقع الفلسطينية الأخرى بالكامل وضمّها إلى إسرائيل  40. لقد عمد الإسرائيليون إلى الاستيلاء الثقافي المنهجي على التراث الثقافي الفلسطيني المادي وغير المادي، الممتد من تقاليد التطريز والأزياء، إلى

  1. Daud Abdullah, "A Century of Cultural Genocide in Palestine," in: Bachman (ed.).
  2. Luma Zayad, "Systematic Cultural Appropriation and the Israeli- Palestinian Conflict," The DePaul Journal of Art, Technology & Intellectual Property Law (JATIP) , vol. 28, no. 2 (Spring 2018).
  3. Ibid., pp. 69-99.
  4. Abdullah, pp. 229-239.
  5. Ahmed A. Rjoob, "The Impact of Israeli Occupation on the Conservation of Cultural Heritage Sites in the Occupied Palestinian Territories: The Case of 'Salvage Excavations'," Conservation and Management of Archaeological Sites , vol. 11, no. 3-4 (2009), pp. 214-235.

الطعام والعلاقة بالطبيعة  41. وتوضح نظرة إلى قائمة الرموز الوطنية لدولة إسرائيل حجم الاستيلاء الثقافي الذي يتجاوز التراث الثقافي الفلسطيني إلى التراث الثقافي في المشرق العربي، وبلاد الشام تحديدًا، ولم يسلم من ذلك حتى نسب الكلب الكنعاني الذي ينتشر في المشرق العربي إلى اليهود، واعتماده الكلب الوطني لإسرائيل، واعترف بهذا الاتحاد الدولي للكلاب في عام 1963. وفي عام 2007، أقرّت إسرائيل الزيتون الفلسطيني باعتباره الشجرة الوطنية لها، وشقائق النعمان، والأثواب الفلكلورية وغيرها  42. تعتبر الكلمات والأسماء التي تشير إلى الأماكن والجغرافيا والأشخاص والأحداث والأفعال والأشياء أمرًا بالغ الأهمية في السرد والتأثير، إذ إنها جزء من الأنظمة الثقافية التي تُنظّم وتحدد الطريقة التي يرى بها الناس العالم، والطريقة التي يتصوّرون بها الأحداث، ومن خلالها يتّخذون المواقف والأحكام. بدأت عملية محو أسماء الأماكن العربية واستبدالها بأسماء عبرية في وقت مبكر، منذ عشرينيات القرن العشرين. وأخذت هذه العملية تتبلور بوساطة ما كان يشار إليها باسم "لجنة التسمية." وفي عام 1949، أصبحت أعمال هذه اللجنة جزءًا من رؤية الصندوق القومي اليهودي الذي قام بمساعدة علماء الآثار والجغرافيين ورجال الدين اليهود بتسريع عملية "عبرنة" جغرافية فلسطين. كما ارتبطت هذه العملية بمحاولة اختراع ذاكرة وذكريات مع الأرض الجديدة باعتبارها أرضًا قديمة في الذاكرة  43. تبدو خطورة تعرية الجغرافيا الفلسطينية من أسمائها التاريخية ودلالاتها الثقافية، بوضوح آثارها في نظم التعلم والغرس الثقافي، وفي دور وسائل الإعلام في بناء التصوّر العالمي للصراع؛ فالكلمات والأسماء هي أساس وصف الأحداث، وتشكّل مصدر بناء المعرفة والقوة، فهي سلطة قادرة حتى على تفكيك الحجج المعقدة، ثم تهميشها وإسكاتها. وبصورة مماثلة، تبنّت وسائل الإعلام الغربية، عقودًا طويلة، مفردات السرد الإسرائيلي من أسماء وكلمات وأوصاف بغزارة وفاعلية، الأمر الذي يدفع المتلّقيّن إلى بناء تصوّرات منحازة من دون عناء كبير، وإصدار أحكام أخلاقية منسجمة مع القيم السائدة 44. وفي هذا السياق، طالما ولّد الاستعمار خطابات تنطوي على مفاهيم وكلمات غرائبية لوصف الأراضي المحتلة بأنها عذراء غير مأهولة، وأرض مشاع، وأراٍضٍ مجهولة وغير مكتشفة، ووصف السكان الأصليين بالبرابرة والهمج والبدائيين  45. واتّبعت الحركة الصهيونية الكثير من مفردات الخطاب الاستعماري القديم، بل تجاوزت الخطاب الاستعماري حينما أنكرت السكان الأصليين. وقد كان لمقولة الكاتب الصهيوني إسرائيل ز انغويل Zangwill Israel 1926-1864() "أرض بلا شعب، لشعب بلا أرض" 46، فعٌلٌ سحري في الصحافة ووسائل الإعلام الغربية في النصف الأول من القرن العشرين  47. ولعل عام 1901 الذي نشر فيه زانغويل هذه العبارة، في مجلة Liberal Review، كان البداية الرمزية لمسار الإبادة الثقافية بمعناها العميق والبطيء في الوقت نفسه. وقد كان لهذه العبارة فعل السحر بفعل وسائل الإعلام في القرن العشرين التي لم تسَعَ للبحث عن أدلّة أو توثيق، فتجاوزت دلالات العبارة المفهوم الجغرافي والديموغرافي إلى معنى ثقافي عميق. صوّر الإعلام الغربي، على مدى مئة عام، فلسطين التاريخية بأنها خالية من السكان والثقافة، وعمل مع ماكينة الدعاية الإسرائيلية على تعريتها الثقافية  48؛ أي جسّد نموذج "العُريّ الثقافي" Bareness Cultural، واعتبر فلسطين جرداء وخالية من الثقافة، وصوّر الشعب الفلسطيني أنه هامشي  49، وعلى مدى عقود، كان الفلسطينيون شعبًا غير مرئي في الإعلام الغربي. لقد مارست الصحافة الأميركية "التحيّز الانتقائي"، بحسب تعبير إدوارد سعيد، لمصلحة الرواية الإسرائيلية منذ بدء الصراع، من خلال الحدّ من الخطاب النقدي حول الصهيونية وإهمال وجهة النظر الفلسطينية البديلة. ولطالما ضخّمت السرديات الإعلامية الغربية صورة "الديمقراطية الإسرائيلية"، وصورة "إسرائيل الضحية" 50. وفي

  1. 44  Julie Peteet, "Words as Interventions: Naming in the Palestine-Israel Conflict," Third World Quarterly , vol. 26, no. 1 (2005), pp. 153-172. 45  Ibid., p. 159.
  2. ينظر على سبيل المثال: هالة فؤاد، 42 الفلكلور الفلسطيني بين السرقات الإسرائيلية وتحديات طمس الهوية (القاهرة: مكتبة دار جزيرة الورد، 2021)؛  Amanda Weingarten, "Cultural Appropriation and Conflict: The Case of the Canaan Dog in Israel and Palestine," Anthropology Today , vol. 29, no. 5 (2013), pp. 14-17; Meir Litvak, "Appropriating the Past: Israeli Strategies in Reframing Palestinian Cultural Symbols," Middle Eastern Studies , vol. 45,
  3. 50  Edward W. Said, The Question of Palestine (New York: Vintage Books,
  4. ينظر على سبيل المثال: محمد حمزة غانم، 41 رموز الهوية في التراث الفلسطيني (القاهرة: دار النهضة العربية للنشر والتوزيع، 2008)؛ ماهر الشريف، الهوية الفلسطينية:
  5. الشتات والانتماء (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2007.)
  6. Abdullah, pp. 229-234.
  7. Adam M. Garfinkle, "On the Origin, Meaning, Use and Abuse of a Phrase," Middle Eastern Studies , vol. 27, no. 4 (1991), pp. 539-550.
  8. Walid Khalidi, "The Ownership of the United States and Palestine, 1917-1948," Journal of Palestine Studies , vol. 21, no. 3 (1992), pp. 4-20. 49  Abdullah, pp. 230-234.
  9. no. 1 (2009), pp. 45-61.
  10. 43  Boaz Neumann, Land and Desire in Early Zionism (Waltham, MA: Brandeis University Press, 2011).

المقابل، بقيت الصحافة الغربية تقدم "خبراء" إسرائيليين أو غربيين موالين للرواية الإسرائيلية لشرح الوقائع الفلسطينية وإيجاد سياق لها. ويخلق هذا التمثيل الانتقائي للحقائق شكلًامن أشكال السيطرة الأيديولوجية التي تقمع الروايات البديلة، وُتُعزّز الأيديولوجيا الصهيونية من خلال هذا الشكل من الهيمنة الثقافية  51. يثبت العمل الذي قام به غابرييل بيتربيرغ أن تاريخ الاستيلاء والسيطرة والمحو المادي لا يمكن أن يُفهم من دون فهم المجالات الخطابية والأيديولوجية والإعلامية، التي أعطت غطاءً للأجندة السياسية الصهيونية، ما ساعد في ترسيخ مكانتها المهيمنة. ووفقًا لهذا التحليل، هناك ثلاثة محددات للسرد الصهيوني، الأول هو "نفي المنفى" الذي يبني تخيّلًالاستمرارية بين الماضي القديم للسيادة اليهودية التوراتية، والحاضر في استيطان فلسطين. والثاني هو "العودة إلى الأرض"، الذي مُيّ كّن اليهود من إعادة تمثيل القصة التوراتية للخروج وإعادة إحياء الأرض التي اعتبروها "خرابًا." والثالث رفض الاعتراف بأيّ تاريخ ذي معنى أو أصيل لا يرتبط باليهود ومعاملة العرب الفلسطينيين باعتبارهم جزءًا من البيئة الطبيعية؛ أي عدم الإلغاء التام لإضفاء نوع من الصدقية على السرد، مع تهميشهم شبه الكامل  52. وحينما وجدت إسرائيل تناقضًا بين الأرض المتخيّلة والموعودة، والأرض الواقعية، راحت تسعى لنزع المعنى والقداسة عن الأرض؛ أي العمل ضمن الشروط الاستعمارية والاعتداء على المعنى وتدميره  53. وهكذا تبدو خطورة الإبادة الثقافية؛ فهي تسبق الإبادة العرقية وتكملها. ومنذ بداية الحركة الصهيونية، لم تعترف بالجماعة العرقية الفلسطينية، فكانت مهمتها الأساسية محو وجودها ثقافيًا وتاريخيًا. وصوّرت الصهيونية وإسرائيل الفلسطينيين على أنهم أشباح غير مرئيين، ولا وجود لهم. وعلى هذا الأساس، أشارت أبحاث عديدة إلى دور وسائل الإعلام في تأطير صورة فلسطين والفلسطينيين بصفتهم صناعة الأنظمة العربية القومية المتعصبة وأعداء الصهيونية؛ فالأنظمة العربية هي التي تخوض الحروب باسم الفلسطينيين، وهي التي تعادي إسرائيل وتتفاوض معها  54.

الإبادة البطيئة والغرس الثقافي

ذهبت دراسات ثقافية - سياسية عديدة إلى تصوير صراع السرديات بين الإسرائيليين والفلسطينيين باعتباره يدور حول الروايات الفردية (الحرب والسلام والروايات حولهما)، في مقابل الروايات الجماعية؛ والروايات الوطنية (كيف نرى أنفسنا)، في مقابل الروايات حول الآخرين (كيف نرى الآخرين)؛ والروايات الناعمة (التاريخية)، في مقابل الروايات الصعبة (الدينية والعقائدية)؛ والروايات الأسطورية، في مقابل الروايات الواقعية  55. وقد يكون جانب من هذا التصور صحيحًا، لكن الأمر الذي لا يُلتفت إليه هو الوصول العادل والمتساوي للروايتين. يمتد هذا التصور ليشمل صورة فلسطين التي رسمتها الدعاية الصهيونية ووسائل الإعلام الغربية في النصف الأول من القرن العشرين، وصورة المهاجرين اليهود، والحلم الصهيوني والوطن الموعود، وصولًاإلى الرواية الإسرائيلية لحرب 1948 وإقامة إسرائيل والاقتلاع المتزامن للفلسطينيين، في حين كانت الرواية الفلسطينية المناقضة تمامًا شبه غائبة في الإعلام العالمي. لقد صاغت إسرائيل، مدعومةً بالقوى الاستعمارية، مسارًا تاريخيًا دشّن صيغة من الإبادة الثقافية البطيئة عبر عقود الصراع الماضية التي أفضت إلى حرمان الطرف الفلسطيني من رواية الأحداث وتقديم سرديته حول ما يجري إلى العالم، مع مسار آخر من محو تدريجي لتاريخ البلاد الأصلي ونزع هويتها. وتكمن خطورة هذا النوع من الإبادة في قوّته التراكمية، وفي الغرس الثقافي الطويل المدى عبر وسائل الإعلام والصناعات الثقافية المتعددة، إلى جانب أن التحّولّات البطيئة تؤسس لعمق غير مباشر، وتخلق حالة من التطبيع والقبول لدى الآخرين. أنتجت آليات احتكار الأخبار والقصص من وسائل الإعلام مفهوم الاتجاه السائد، أو وسائل الإعلام الرئيسة Media Mainstream The. وساد هذا المفهوم في النصف الثاني من القرن العشرين  56 لتفسير الأنماط المتشابهة لتغطية وسائل الإعلام الكبرى للأحداث، ويبدو أنه محاولة للتخفيف من حدّة مفهوم تصنيع الموافقة Manufacturing Consent الذي برز في النصف الأول من القرن ذاته، والذي قدّم اقتراحًا تفسيريًا لتأثير وسائل الإعلام والسياسيين

  1. Ibid., pp. 192-205.
  2. Gabriel Piterberg, The Returns of Zionism: Myths, Politics and Scholarship in Israel (London/ New York: Verso, 2008).
  3. 55  Mohammed S. Dajani Daoudi & Zeina M. Barakat, "Israelis and Palestinians: Contested Narratives," Israel Studies , vol. 18, no. 2 (Summer 2013), pp. 53-69. 56  Kurt Lang & Gladys Engel Lang, "Noam Chomsky and the Manufacture of Consent for American Foreign Policy," Political Communication , vol. 21, no. 1 (2004), pp. 93-101.
  4. William Gamson, Talking Politics (Cambridge: Cambridge University
  5. 53 بلال عوض سلامة، في معنى الأرض: استعادة الذات الفلسطينية (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2021
  6. Press, 1992); Susan Dente Ross, "Framing of the Palestinian-Israeli Conflict in Thirteen Months of New York Times Editorials Surrounding the Attack of September 11, 2001," Conflict & Communication Online , vol. 2, no. 2 (2003).

في تشكيل الرأي العام  57. بينما بقي مفهوم وسائل الإعلام الرئيسة، وهي الوسائل التي تبني الاتجاه السائد، يشير إلى مهمتها الأساسية في "صنع الموافقة." لقد وجدت دراسات عديدة أن وسائل الإعلام الغربية غالبًا ما تُظهر انحيازًا إلى مصلحة إسرائيل، متأثرةً بالتحالفات السياسية والعوامل الثقافية وملكية وسائل الإعلام. ويمكن أن يتجّل ىذلك في الاستخدام غير المتناسب للمصادر الإسرائيلية، وتأطير الفلسطينيين في المقام الأول بوصفهم معتدين، والتقليل من تأثير الإجراءات الإسرائيلية 58. ولم تحَظَ تلك الدراسات في الأوساط العامة وفي وسائل الإعلام بأيّ اهتمام، في حين بقي السرد شبه الأحادي يُغذّي مخزون الغرس الثقافي الذي شكّل معتقدات أجيال من الشعوب الغربية حول الصراع، بل عملت آليات تدفّق المعلومات والأخبار التي شكّلت عالمًا من القصص حول إسرائيل والإسرائيليين، وحالة شبه غياب لفلسطين والفلسطينيين، على تحويل أعمال المقاومة من فعل مشروع وفق الشرعية الدولية، إلى أدلّة تدعم السردية الإسرائيلية المغروسة تاريخيًا، حيث يؤدي الاتجاه السائد؛ أي تعميم وجهة نظر واحدة، أو تأطير نهٍجٍ أو جماعةٍ ما، دورًا في خلق ظاهرة أخرى أسهمت في الغرس الثقافي البطيء، وهي ظاهرة التضخيم والتردد المتواتر Resonance، فحينما تقع أحداث تتفق، ولو جزئيًا، مع الغرس التراكمي الذي تعرّض له مستهلكو الإعلام، تُضَّخَم هذه الأحداث مرات ومرات، ويبدو أن الجمهور يصبح مستعًّدًا لتصديق هذا التضخيم  59. لم تقتصر الصيغة التي اتّبعتها إسرائيل بعد حرب عام 1948 على تغيير أسماء مئات القرى والبلدات الفلسطينية وبناء قاموس لغوي لوصف الأحداث والأشخاص، بل امتدت لتشمل تشكيل أنظمة ثقافية ولغوية تقوم على البناء من جهة، والهدم من جهة أخرى. وتمَّثَل البناء في إعادة تصور جديد لليهودي بصفته الصهيونية، في محاولة لقطع الصلة بصورة اليهودي الأوروبي في القرن الثامن عشر، وواكب هذا التحول تطور اللغة العبرية النامية، وشمل أيضًا تغيير أسماء الأشخاص والعائلات اليهودية التي كانت معروفة في أوروبا قبل قرن أو أكثر. ويمكن اعتبار ما حدث أنه أقرب إلى طقوس عبور تاريخية ربطت الهوية بالمكان الجديد، وقطعت الصلة مع الزمان القريب، واخترعت زمانًا تاريخيًا متخيّلًافي سبيل تصديق الرواية الإسرائيلية وتبريرها. وُظّف هذا الزمان الثقافي المتخيل- أي التاريخ الثقافي المصنّع - أيضًا في صنع "وطنية إسرائيلية" من خلال إعادة تشكيل الذاكرة اليهودية، في مقابل عملية الهدم الثقافي المادي وغير المادي للفلسطينيين، إلى جانب التهجير ونزع الملكية والحصار والتجويع والاستيطان والقتل والاعتقال. وخلال صنع الزمان المتخيّل، شكّلت الكلمات والمسمّيات التي تُطَلَق على الأحداث، والأوصاف والأدوار التي تُلَحَق بالأشخاص والكيانات، أساس تشكيل السرد الإسرائيلي، ومن ثم المدخل القوي إلى تأطير القضايا والأحداث في وسائل الإعلام. أدركت إسرائيل، في عام 2009، بعد حربها على لبنان عام 2006 في لبنان وحربها على قطاع غزة /2008 2009، أن صورتها في العالم قد لحقها بعض الضرر، فأجرت منظمة "مشروع إسرائيل"، وهي مجموعة مقرّها في واشنطن، دراسة موسعة تجيب عن سؤاٍلٍ: "كيف تُعيد إسرائيل دمج صورتها في وسائل الإعلام الرئيسة؟"، وأعدّت أيضًا وثيقة صاغها الخبير الجمهوري فرانك لونتز، بعنوان قاموس مشروع إسرائيل60، وهو قاموس موجّه إلى القادة الإسرائيليين والمدافعين عن إسرائيل  61، يتناول استراتيجيات استخدام الخطاب السياسي والمصطلحات بعناية، وهو ما لاحظناه في كيفية توظيف القادة السياسيين الإسرائيليين والأميركيين له، على حد سواء، خلال الحرب على غزة المذكورة.

ثالثًا: الإبادة الثقافية العميقة في الحرب الإسرائيلية على غزة

في حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة، وظّف الإسرائيليون خبراتهم التاريخية وُعُدّتهم التكنولوجية وعلاقاتهم السياسية في فرض صيغة أخرى، تنقل مفهوم الإبادة الثقافية البطيئة التي مارستها عبر عقود الصراع، إلى الإبادة الثقافية العميقة التي لم تكتِفِ بتدمير المادي للثقافة الفلسطينية ورموزها في قطاع غزة، بل سعت لإسكات الرواية الفلسطينية أو المؤيدة للفلسطينيين ومحوها.

  1. Edward S. Herman & Noam Chomsky, Manufacturing Consent: The Political Economy of the Mass Media (London: The Bodley Head, 1988); Walter Lippmann, Public Opinion (New York: Simon and Schuster, 1997 [1922]).
  2. Edward W. Said, Covering Islam: How the Media and the Experts Determine How we See the Rest of the World (New York: Vintage Books, 1997); Greg Philo & Mike Berry, Bad News from Israel (London: Pluto Press, 2004); Howard Friel & Richard Falk, Israel-Palestine on Record: How the New
  3. L. J. Shrum, "Processing Strategy Moderates the Cultivation Effect," Human Communication Research , vol. 27, no. 1 (January 2001), pp. 94-120. 60  Frank Luntz, The Israel Project's 2009: Global Language Dictionary. The Israel Project for Security (California: Freedom and Peace, 2009).
  4. York Times Misreports Conflict in the Middle East (London/ New York: Verso, 2007); Noam Chomsky, Fateful Triangle: The United States, Israel, and the Palestinians (Boston: South End Press, 1999).
  5. M. Reza Behnam, "Uncovering Israeli Propaganda: Wars to Wage with Words to Bamboozle," Counter Punch , 16/8/2023, accessed on 23/12/2023, at: https://acr.ps/1L9zQxP

لقد برزت أساليب دعائية وأطروحات عديدة استخدمها الخطاب السياسي والإعلامي الإسرائيلي في هذه الحرب بصيغ متناقضة. لكن، يرجع هذا الخطاب، من الناحية الثقافية، إلى ثلاثة مصادر أساسية تقليدية: الأول، التصور التاريخي والثقافي لليهودي الضحية، استنادًا إلى أطروحات معاداة السامية والهولوكوست، والثاني، الأساس الديني - الثقافي الذي صاغ القرب الديني بين بعض المذاهب المسيحية واليهودية، والمتبلور في الصهيونية الدينية، والثالث، التصوّر الأخلاقي التاريخي للدولة الإسرائيلية وجيشها، الذي صاغته وسائل الإعلام الغربية والصناعات الثقافية وفق نموذج "الغرس الثقافي." لا يمكن فهم سياق التطور نحو الإبادة الثقافية العميقة من دون فهم التحّولّات التي شهدها المجتمع والسياسة في إسرائيل في آخر ثلاثة عقود، مع تصاعد اليمين المتطرف وازدياد الشعبوية السياسية. وفي هذا الشأن، تصف إيفا إيلوز الآليات التي اتّبعها الخطاب السياسي، وتحديدًا خطاب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، في تصعيد خطاب الشعوبية والاشمئزاز من الآخرين، بالسيطرة على أربعة مشاعر رئيسة، هي: الخوف والاشمئزاز والاستياء وحب الوطن 62. والواقع أن الجمع بين هذه المشاعر الأربعة وحضورها المستمر في الساحة السياسية، هما اللذان غذّيا مشاعر الشعبوية الإسرائيلية قبيل أحداث 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023. وقادت الشعبوية المتصاعدة في إسرائيل آلية قوية للبناء القمعي للآخر. وتتألف هذه السياسة من الاشمئزاز الممزوج بالخوف من مواجهة الآخر الخِطِر، وزادت هذه المشاعر الربط بين الشعبوية والعنصرية والعنف والاعتقاد أن الآخر - تحديدًا الفلسطيني - منحرٌفٌ وأدنى شأنًا؛ وهنا يعمل الاشمئزاز آليةً لتبرير العنف  63. يشير مفهوم الإبادة الثقافية العميقة إلى الإبادة الثقافية بأبعادها المادية المتمثلة في تدمير التراث الثقافي والمواقع التاريخية والمعنوية المرتبطة بنزع التاريخ والهوية والرموز، وبالسردية؛ أي حرمان طرف من رواية ما حدث. وُتُعدّ هذه الإبادة عميقة، لأنها تحدث بالتزامن مرة واحدة، وفي مكان واحد، وفي وقت قصير. وفي ضوء ذلك، يتناول هذا المبحث مفهوم الإبادة الثقافية العميقة في الحرب الإسرائيلية على غزة في ثلاثة مطالب: الأول التدمير الثقافي المادي، والثاني اللغة والإعلام، والثالث التأطير الثقافي للإبادة.

من الإبادة الثقافية العميقة في غزة: التدمير الثقافي المادي

إن تدمير التراث خلال الصراع المسلح ظاهرة واسعة الانتشار في العقود الأخيرة، إذ شهد العالم تدمير تماثيل بوذا في باميان، وجسر موستار، ومكتبات تمبكتو وتدمر متحف الموصل ومقبرة بولديني هوري، وأحيانًا قد تكون هذه الأعمال عرضية، وليست منهجية 64. ولكن ما حدث خلال الحرب الإسرائيلية على غزة خلاف ذلك، إذ اتسم التدمير للمواقع التراثية والتعليمية بطابع منهجي مقصود. يضم قطاع غزة تراثًا ثقافيًا منوّعًا، يعود إلى أكثر من خمسة آلاف عام، وتشير المسوحات الأثرية التي جرت فيه على مدار القرن الماضي، إلى وجود 130 موقعًا أثريًا موثّقًا 65. ويوجد فيه أيضًا نحو 325 موقعًا أثريًا وتراثيًا، أو مبنى تاريخيًا، منها ثلاثة مواقع أثرية مسجلة على اللائحة التمهيدية لمواقع التراث العالمي التابعة لليونسكو، وهي: موقع البلاخية "أنثيدون" وهو ميناء غزة القديم، وتل أم عامر "دير القديس هيلاريون" وهو موقع تراث ثقافي، ووادي غزة وهو موقع تراث طبيعي  66. وفي كانون الثاني/ يناير 2024، أدرجت اليونسكو مؤقتًا موقع دير القديس هيلاريون في غزة، وهو أحد أقدم الأديرة في الشرق الأوسط وأكبرها، على القائمة الدولية للممتلكات الثقافية الخاضعة للحماية المعززة، وهو أعلى مستوى من الحصانة

  1. Eva Illouz, The Emotional Life of Populism: How Fear, Disgust, Resentment, and Love Undermine Democracy (Hoboken, NJ: Wiley, 2023).
  2. Ibid., pp. 42-66.
  3. Caitlin Procter, "Israel Is Systematically Destroying Gaza's Cultural Heritage," Jacobin (2024), accessed on 12/5/2024, at: https://acr.ps/1L9zRhz
  4. حمدان طه، "إدارة الآثار تحت الاحتلال في فلسطين"، تحولات مشرقية، العدد 9 (كانون الثاني/ يناير 2016)، ص.47-15
  5. حمدان طه، "تدمير التراث الثقافي في غزة"، ورقة سياسات، مؤسسة الدراسات الفلسطينية 2024()، شوهد في 2024/3/29، في: https://acr.ps/1L9zQTu

يمكن أن تمنحه اليونسكو، وذلك بعد تعرضه للقصف الإسرائيلي في تشرين الثاني/ نوفمبر 2023 67. لقد رصدت مؤسسات وطنية فلسطينية ومؤسسات دولية عديدة حالة التدمير والإبادة الثقافية الممنهجة للإرث الثقافي الفلسطيني في هذه الحرب؛ منها المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، وحركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها BDS، ووزارة الثقافة الفلسطينية، والشبكة العربية لمنظمات المجتمع المدني من أجل حماية التراث الثقافي، والمجلس الدولي للمتاحف العربية ICOM-Arab، كما رصدت مؤسسة مبادرة التراث من أجل السلام ولجنة إيكوموس فلسطين الأضرار التي أصابت نحو 23 موقعًا. وفي الوقت الذي تعترف هذه المؤسسات كلها بصعوبة رصد الأضرار التي لحقت بالبيئة التراثية وتقييمها في ظروف استمرار الحرب، فمن المتوقع أن نجد بعض التباين في الأرقام، لكن، تتفق هذه المؤسسات على حجم الضرر الكبير والإبادة الممنهجة التي تعرّضت لها البيئة التراثية في غزة. وبحسب مكتب الإعلام الحكومي في غزة، حتى مطلع عام 2024، دمرت إسرائيل على نحو كامل أو جزئي 200 معلم أثري وتراثي في القطاع، عمر بعضها يزيد على 3000 عام، من أصل 325 موقعًا أثريًا وتراثيًا في غزة  68؛ أي تدمير نحو 60 في المئة من المواقع الأثرية والتراثية والتاريخية. أما اليونسكو، فقد رصدت تدمير 14 موقعًا أثريًا وثقافيًا، بحسب التقييم الذي تُجريه بوساطة الأقمار الصناعية، والذي يقوم به معهد الأمم المتحدة للتدريب والبحث  69. ووفقًا لوزارة الثقافة الفلسطينية في تقريرها الثالث، فقد دمّرت إسرائيل 9 مواقع أثرية، و 195 مبنى تاريخيًا، و 12 متحفًا، و 24 مركزًا ثقافيًا، وقتلت 14 كاتبًا وأديبًا وفنانًا خلال الشهور الثلاثة الأولى من الحرب  70. وبحسب منظمة التراث من أجل السلام، دمّرت إسرائيل 100 موقع أثرى وتراثي في المئة يوم الأولى من الحرب 71. تعرضت العديد من المواقع الأثرية في قطاع غزة لعمليات استهداف عسكري وتدمير خلال الحرب، منها تل السكن، جنوب مدينة غزة، الذي يعود إلى العصر البرونزي المبكر، وموقع تل العجول الذي يمثل تاريخ غزة في العصر البرونزي الوسيط والمتأخر، كما تعرّضت آثار تل المنطار ومقامات الشيخ علي المنطار والشيخ رضوان لأعمال تدمير واسعة، وأيضًا موقع البلاخية الذي يمثل ميناء غزة القديم "أنثيدون"، ومحيط دير القديس هيلاريون الأثري في موقع تل أم عامر للقصف  72، وقلعة برقوق، إحدى أهم قلاع المماليك في فلسطين وتقع في خانيونس، والتي يعود تاريخها إلى القرن الرابع عشر الميلادي، وقصر الباشا الذي يعود تاريخه إلى القرن الثالث عشر، ويسمى قلعة الرضوان أو قلعة نابليون، بناه السلطان الظاهر بيبرس، نشئ في عام ومبنى "سيباط" العلمي الذي أ 1806، و"حمام السمرة" الذي يعود تاريخه إلى الحقبة المملوكية، وُسُمي بهذا الاسم بسبب قربه من الحي الذي كان يسكنه أفراد من الطائفة السامرية في غزة، وبيت السقا الأثري في الشجاعية الذي يعود إلى القرن السابع عشر، وُيُعتبر أول منتدى اقتصادي في فلسطين، وتل رفح الأثري الذي يعود إلى عام 1400 ق. م.، وموقع تل العجول، أحد أهم المواقع الأثرية الذي أقيمت عليه مدينة كنعانية، ولم تسلم حتى المقابر التاريخية من القصف والتدمير، وأبرزها مقبرة دير البلح 73. ولحق التدمير أيضًا المسجد العمري الكبير في وسط مدينة غزّة، وهو المسجد الأكبر والأقدم في القطاع ويعود تاريخه إلى 1400 عام، وُدُمرت مئذنته ومكتبة المخطوطات الإسلامية فيه التي تعد أحد أبرز كنوز المخطوطات. وتعرّض مسجد السيد هاشم، وهو أحد المساجد التاريخية المهمة في مدينة غزّة، للتدمير الجزئي. وقصفت الطائرات الإسرائيلية مسجد الظفر دمري، وهو مسجد أثري يعود إلى العهد المملوكي. ودمّرت 117 مسجدًا تدميرًا كليًا، و 208 مساجد تدميرًا جزئيًا 74. كما دمرت كنيستين تاريخيتين في القطاع، هما: كنيسة القديس برفيريوس التاريخية، المعروفة محلّيًا باسم "الكنيسة الأرثوذكسية"، والتي تعدّ ثالث أقدم كنائس العالم، وأقدم كنيسة في غزّة، حيث يعود تاريخ بنائها الأصلي إلى عام 074 م، أما الثانية فهي الكنيسة البيزنطية التي تقع في بلدة جباليا، شمال القطاع، التي يزيد عمرها على 1600 عام، إذ يعود تاريخ تشييدها إلى عام 444 م 75. وتعرضت المتاحف والمكتبات ودور المخطوطات للتدمير، ومنها متحف رفح الذي كان مقصدًا لدارسي تاريخ غزة وتراثها، ومتحف خانيونس، أو القرارة، المشيد في

  1. Michaela Millender & Nicolette Lyubarsky, "When Protectors Become Perpetrators: The Complexity of State Destruction of Cultural Heritage," Global Observatory , 24/4/2024, accessed on 1/5/2024, at: https://acr.ps/1L9zQKj
  2. طمس الوجود الثقافي والتراثي... إسرائيل تدمر 200 موقع أثري في غزة"، التلفزيون العربي، 2023/12/29، شوهد في 2024/4/20، في: https://acr.ps/1L9zQKj
  3. اليونسكو، "قطاع غزة: تقييم الأضرار"، شوهد في 2024/9/1، في: https://acr.ps/1L9zR8r
  4. وزارة الثقافة الفلسطينية، 70 التقرير الأولي الثالث حول أضرار القطاع الثقافي: الحرب على قطاع غزة 7 أكتوبر 7-2023 يناير 2024 (غزة:.)2024
  5. Ahmed Al-Barsh, "Report on the Impact of the Recent War in 2023 on the Cultural Heritage in Gaza Strip - Palestine," Heritage for Pease,
  6. طه، "تدمير التراث الثقافي في غزة."
  7. المرجع نفسه.
  8. وزارة الثقافة الفلسطينية. 75  Al-Barsh.
  9. 7/11/2023, accessed on 28/4/2024, at: https://acr.ps/1L9zR3G

عام 1958، ويضم قطعًا أثرية تعود إلى الحقبتين البيزنطية والرومانية، إلى جانب مجموعة من القطع الكنعانية، تقدّر بنحو 3000 قطعة أثرية، ولم يتبَّقَ منه سوى شظايا الفخار والزجاج المكسور 76، وسبيل السلطان عبد الحميد، ومتحف العقاد الذي يضم مجموعات غنية من المخطوطات والوثائق القديمة، والمركز الثقافي الأرثوذكسي في تل الهوا، ومبنى بلدية غزة التراثي، والمتحف الوطني في غزة، ومبنى الأرشيف المركزي لقطاع غزة في مقر بلدية غزة الذي يحتوي على تفاصيل العمل البلدي في المدينة. وفي أعقاب القصف، ظهرت صور لأفراد من الجيش الإسرائيلي وهم يقومون بنهب الكتب والتحف الموجودة في المكتبة. وإضافة إلى ذلك، استهدفت الطائرات الإسرائيلية التراث الثقافي غير المادي الذي تُنسج من خلاله الذاكرة الوطنية، فقد قصفت عشرات من ورش التطريز الفلسطيني ومتاجر الأواني الفخارية الشهيرة التي كانت تُصنع في حي الفواخير في مدينة غزة  77. ولحق التدمير أيضًا، على نحو كامل أو جزئي، 19 جامعة وكلّية جامعية، منها الجامعة الإسلامية بغزة وجامعة الأزهر وجامعة الإسراء، وهناك خمس من أصل ست جامعات دُمرت تدميرًا شبه كامل. وحوّل الجيش الإسرائيلي بعض هذه الجامعات إلى ثكنات عسكرية. وعمومًا، دمرت إسرائيل نحو 90 في المئة من مؤسسات التعليم العالي في قطاع غزة، وفقًا لنشرة للمرصد الأورومتوسطي، وأفادت أن إسرائيل استهدفت على نحو متعمد ومحدّد شخصيات أكاديمية وعلمية وفكرية في القطاع، فقتلت العشرات منهم في غارات مباشرة استهدفت منازلهم من دون سابق إنذار، ووثقت قائمة تضّم 95 أستاذًا جامعيًا استشهدوا في الغارات الإسرائيلية حتى 20 كانون الثاني/ يناير 2024، من بينهم ثلاثة رؤساء جامعات  78. كما استهدفت عددًا من الفنانين المعرفين79. حتى نهاية كانون الثاني/ يناير 2024، دمّر الجيش الإسرائيلي أو ألحق أضرارًا بنحو 80 في المئة من المدارس الموجودة في قطاع غزّة، بحسب تقييم أجرته مجموعة التعليم في الأراضي الفلسطينية المحتلة التابعة للأمم المتحدة  80. وأشار تقرير آخر للأمم المتحدة إلى أن ما يجري في غزة أقرب إلى تدمير ممنهج لنظام التعليم الفلسطيني على نحو شامل، وهو عمل يعرف باسم "القتل المدرسي." ويشير هذا المصطلح إلى الإبادة المنهجية للتعليم من خلال اعتقال المعلمين والطلاب والموظفين أو احتجازهم أو قتلهم، وتدمير البنية التحتية التعليمية 81. تعدّ الحرب العالمية الثانية إحدى أسوأ الحروب في التاريخ التي استهدفت تدمير المواقع الأثرية والمتاحف والمكتبات والرموز الثقافية، حيث استهدف النازيون على نحو منهجي المكتبات ومواقع التراث الثقافي في أنحاء أوروبا كلها، كما لم تسلم المعالم الثقافية الألمانية والإيطالية من ضربات دول الحلفاء. وفي سراييفو في عام 1992، هاجمت قوات الصرب عمدًا المكتبة الوطنية والجامعية للبوسنة والهرسك ودمّرتها. وتعرضت المكتبة الوطنية في بغداد للنهب في عام 2003، في حين كانت القوات الأميركية تقف متفرجة 82. ولكنّ المفارقة تكمن في أن عمليات التدمير التي استهدفت المعالم الثقافية الفلسطينية في قطاع غزة، ضمن رقعة جغرافية محدودة، غير مسبوقة من حيث حجمها ونوعها. ومنذ الحرب العالمية الثانية، أصبحت الإبادة الثقافية محتوى جذابًا، تحتل صدارة أولويات الأخبار الساخنة في الإعلام الغربي باعتبارها جزءًا من معركة القيم. وقد وثّقت مئات الأفلام والوثائقيات التدمير الذي تعرضت له المواقع الثقافية والتراث الثقافي أثناءها، ما ساهم في بناء سرديات كبرى شكّلت جانبًا مهمًامن الانشغالات السياسية والثقافية في القرن العشرين. واستمر الإعلام الغربي في توثيق عشرات الأمثلة لتدمير التراث الثقافي في الحروب التي دارت في مناطق النزاعات إبان الحرب الباردة وما تبعها من حروب، الأمر الذي لم يحدث إلى هذا الوقت في حالة الإبادة الفلسطينية.

من الإبادة الثقافية العميقة: اللغة والإعلام

تقدّم القراءة الثقافية للتغطية الإعلامية الغربية لحرب الإبادة الإسرائيلية على غزة أدلّة جديدة على نتائج نموذج الغرس الثقافي البطيء والتراكمي الذي مارسه الإعلام الغربي التقليدي على مدى سبعة عقود من عمر الصراع، والمتمثل في الغرس الثقافي العميق من جهة، وفي فجوة الغرس الثقافي لدى الأجيال الشابة والوسائل

  1. Indlieb Farazi Saber, "A 'Cultural Genocide': Which of Gaza's Heritage sites have been Destroyed?" Aljazeera , 14/1/2024, accessed on 14/3/2024, at: https://acr.ps/1L9zQp2
  2. Procter.
  3. Israel's Demolition of Educational Institutions, Cultural Objects in Gaza is Additional Manifestation of Genocide," Euro-Med Human Rights Monitor, 16/2/2024, accessed on 1/9/2024, at: https://acr.ps/1L9zQRe
  4. Procter.
  5. United Nations, "Gaza: UN Experts Decry 'Systemic Obliteration' of Education System," UN News , 18/4/2024, ac cessed on 23/4/2024, at: https://acr.ps/1L9zQpn
  6. United Nations, "UN Experts Deeply Concerned Over 'Scholasticide' in Gaza," United Nation Human Rights, 18/4/2024, ac cessed on 1/5/2024, at: https://acr.ps/1L9zQUM
  7. Peter G. Stone, Joanne Farchakh-Bajjaly (eds.), The Destruction of Cultural Heritage in Iraq (Woodbridge, UK: Boydell & Brewer Ltd., 2008); Peter G. Stone & Joanne F. Bajjaly (eds.), War and Cultural Heritage: Iraq, Afghanistan, and Palestine (London: Routledge, 2008).

الجديدة من جهة أخرى؛ الأمر الذي قاد إلى محاولة منع الرواية الفلسطينية من الوصول إلى العالم أو تشويها.

أ. حجم التضخيم

كشفت التغطية الإعلامية الغربية لهذه الحرب، وتحديدًا في الشهور الأولى منها، عن حجم التأثيرات العميقة التي أوجدتها التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الغربية في أجيال من النخب الغربية على مدى عقود الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي. وتوصف هذه التغطية بالإغراق الإعلامي في تغطية أحادية الاتجاه، عملت على تصنيع الإجماع، أو الاتفاق على رواية واحدة، والتحيّز العميق إلى هذه الرواية، في حين وقعت وسائل إعلام غربية رئيسة في فخ التوجيه السياسي منذ اللحظة الأولى لبناء السرد الإخباري. فقد تبنّت الولايات المتحدة وأوروبا الغربية الرواية الإسرائيلية التي قدّمها نتنياهو حول عملية "طوفان الأقصى"، وردّدها مسؤولون غربيون، ووسائل الإعلام الرئيسة الغربية، من دون أدنى تفعيل لقواعد التحقّق الإخباري وفحص الروايات والمزاعم أو الصور والفيديوهات، ومن دون وجود صوت للطرف الآخر، أو الحدّ الأدنى من تمثيله، وتحديدًا في الأيام الأولى من الحرب  83. لقد ساهم هذا النمط تاريخيًا من التغطية الإعلامية في عملية غرس ثقافي طويل وتراكمي في المجتمعات الغربية، وتحديدًا في أوساط الأجيال التي نشأت وترعرعت في عصر وسائل الإعلام التقليدية التي ما زال التلفزيون المصدر الرئيس للأخبار لديها  84. وعمليًا، لا يوجد تباين حقيقي في أخبار الشؤون الخارجية في وسائل الإعلام الرئيسة الغربية؛ أي إن التغطية متشابهة نسبيًا، الأمر الذي طالما خلق الاتجاه الواحد في التأثيرات، وهو ما أثبتته دراسات متعددة، وفي موضوعات منوّعة 85. كانت الأجيال التي تعرّضت لهذا الغرس الثقافي التراكمي أكثر استعدادًا لقبول التوجيه السياسي حول الحرب وتصديقه، والأخطر قبول حجم التضخيم الكبير الذي قام في الغالب على تضخيم ما حدث في صباح 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 بالادّعاء أن المقاتلين الفلسطينيين قتلوا الأطفال والمراهقين واختطفوا معوّقين ومسنين واغتصبوا النساء، وقتلوا حتى الحيوانات. وقد شكّلت هذه القصص محور التغطية الإعلامية الغربية، وتحديدًا في الشهر الأول من الحرب؛ وهنا يمكن تفسير التباين بين موقف النخب التقليدية والمؤسسات المؤيدة للرواية الإسرائيلية التي تبنّتها وسائل الإعلام الغربية، من جهة، ومواقف الشباب وطلبة الجامعات من جهة أخرى، فالأجيال الجديدة لم تتعرض للغرس الثقافي الطويل الأمد، ولا تتلقّى أخبارها من وسائل الإعلام الرئيسة. لقد بقيت أعمال المقاومة الفلسطينية، طوال عقود، عمليات محدودة بالمفهوم الاستراتيجي للصراع، بينما الحروب الكبيرة مع إسرائيل فخاضتها الجيوش العربية، وهذه أول مرة يبرز فيها الفلسطينيون قادرين على مواجهة واسعة مع الإسرائيليين وإلحاق خسائر كبيرة بهم. وقد شكّلت هذه الواقعة تطبيقًا عمليًا لمفهوم "التضخيم الثقافي"؛ أي حينما تتوافق تجارب الحياة الواقعية للجمهور مع ما جرى غرسه لديه على مدى فترات طويلة، ما يؤدي إلى تضخيم تأثيرات الغرس أو القبول بالتضخيم؛ وهو ما حدث في تغطية أحداث 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023.

ب. اللغة والتطبيع مع الإبادة

شكّل استخدام اللغة وتوظيفها السياسي والثقافي دورًا مهمًافي بناء التصورات حول الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني على مدى عقود طويلة، وقد كشفت هذه الحرب عن تحّولّات جعلت من اللغة سلاحًا آخر في بناء السرديات، وتوزيع القوة والعدالة. وبحسب الفاعلين، هناك علاقة معقدة بين مستويين لاستخدام اللغة في الصراع: الأول يتمثل في الخطاب السياسي للقادة السياسيين، والثاني في استخدام وسائل الإعلام. في التاريخ الطويل للصراع، أبدى الساسة الإسرائيليون حرصًا معيّنًا في استخدام اللغة، متسترين خلف التصور الأخلاقي للدولة الإسرائيلية وفكرة "طهارة سلاح الجيش الإسرائيلي." وعلى الرغم من أن تاريخ اليمين الإسرائيلي لا يخلو من استخدام اللغة المولّدة للعنف، فإن هذه الحرب كشفت عن مستوى غير مسبوق من الحدّة والفجاجة؛ إنها اللغة التي تُطَبَع مع العنف وتجعله مطلوبًا وضروريًا، بل تشكّل مقدمة للإبادة وُتُبرّرها. يُعدّ التلاعب باللغة أداة استعمارية قديمة لتبرير الهيمنة، حيث صيغت الكلمات والعبارات التي تمهّد للسيطرة على السكان الأصليين ومصادرة الأراضي والموارد. وقدّمت الدراسات العديد من الأمثلة التي جعلت من اللغة سلاحًا رديفًا في الإبادة، ولعل أشهرها الإبادة التي مارسها الهوتو في حق التوتسي في رواندا في عام 1994، حيث تحالف

  1. باسم الطويسي، "تغطية الإعلام الغربي للحرب الإسرائيلية على غزة"، 83 تقييم حالة، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2023/10/31، شوهد في 2024/3/22، فh يttps://acr.ps/1L9zR8k:
  2. George Gerbner & Larry Gross, "Living with Television: The Violence Profile," Journal of Communication , vol. 26, no. 2 (1976), pp. 172-199.
  3. Shanto Iyengar & Donald R. Kinder, News that Matters: Television and American Opinion (Chicago: University of Chicago Press, 1987); Maxwell McCombs & Donald L. Shaw, "The Agenda-Setting Function of Mass Media," Public Opinion Quarterly , vol. 36, no. 2 (1972), pp. 176-187.

السياسيون مع وسائل الإعلام في لعبة اللغة المهينة التي خلقت ارتباطات مع العنف الذي تحوّل إلى إبادة جماعية كبرى، جرّدت مجموعة كاملة من الأشخاص من إنسانيتهم، حينما وُصف التوتسي بالصراصير التي تستحق الموت والسحق، وكانت قوة الكلمات لا تقل عن قوة المناجل والسكاكين التي استخدمت في الإبادة الكبرى  86. وفي كمبوديا، وصف الخمير الحمر مواطنيهم بأنهم "ديدان" و"طفيليات." ولعل المثال الأكثر شهرة هو الدعاية النازية التي اجتاحت أوروبا في الأيام الأولى من الحرب العالمية الثانية، والتي صوّرت اليهود بأنهم فئران وقمل ينشر الوباء في الأرض  87، وفي الأغلب تشكّل هذه التعبيرات مقدمات تبرر الإبادة. منذ وقت مبكر، استخدمت الصهيونية والقوى الاستعمارية، ثم إسرائيل، "لعبة اللغة" لأهداف متعددة، بدءًا بخلق الالتباس وتشتت الفهم، ثم للتبرير والتطبيع والقبول. ويلاحظ، على سبيل المثال، استخدام مفهوم "الوطن القومي لليهود" في مؤتمر بال الأول في عام 1897، ثم في نص وعد بلفور في عام 1917. وبعد حرب عام 1948، استخدمت إسرائيل مفهوم "المسألة الديموغرافية" للتعبير عن السكان الأصليين، وتبرير نمط الاستعمار الاستيطاني الذي لا يكتفي باحتلال الأرض، بل طرد السكان وإحلال مهاجرين مكانهم. وأصبح مفهوم "الأراضي المتنازع عليها" يُعّب رعن الأراضي التي احُتُلّت في عام 1967، وُيُسمى اللاجئون الذين يحاولون العودة إلى أراضيهم "المتسللين." وفي السبعينيات، طوّر الخطاب السياسي والإعلامي الإسرائيلي والغربي مفهوم "حق إسرائيل في الوجود" الذي أ ضفيت عليه هالة مقدسة. وفي عام 1987، أطلق الفلسطينيون على حركتهم السلمية للتخلّص من الاحتلال مفهوم الانتفاضة، وفيما بعد أصبح يترجم في العديد من الأدبيات ووسائل الإعلام المؤيدة لإسرائيل باعتباره ظاهرة تعني الإبادة الجماعية لليهود. وفي عام 2002، رُوّج للجدار العازل تحت مسمى "السياج الأمني" 88. كانت اللغة التي اسُتُخدمت في الخطاب السياسي الإسرائيلي، والتي ردّدها قادة غربيون، وردّدتها على نحو مباشر أو غير مباشر وسائل إعلام غربية رئيسة، أحد الأسس التي مهّدت للإبادة التي مارسها الجيش الإسرائيلي في حق الفلسطينيين وبرّرتها، بدءًا بوصف نتنياهو في أكثر من مناسبة الحرب الدائرة بأنها "صراع بين أبناء النور وأبناء الظلام، بين الإنسانية وشريعة الغاب"، وهو وصف مملوء باعتبارات دينية وأيديولوجية ممعنة في الكراهية؛ أي إنه صراع لا بداية له، ولا نهاية له، منذ زمن سحيق، وأن الحرب الحالية تعكس هذه الكراهية المتأصلة، مرورًا بقول وزير الدفاع الإسرائيلي حينها يوآف غالانت في وصف الفلسطينيين: "إننا نحارب حيوانات بشرية" 89، وصولًاإلى دعوة وزير التراث الإسرائيلي عميحاي إلياهو الذي صرّح في حديث لإذاعة إسرائيلية باحتمالية قصف غزة بقنبلة نووية  90. استمرت هذه اللغة في تغذية الخطابين السياسي والإعلامي بعبارات مثل: "الإسرائيليون يخوضون حربًا دفاعًا عن قيم الحضارة"، و"القضاء على الوحوش"، و"يجب أن تقف كل الأمم مع الإنسانية"، و"الأعمال البربرية التي ارتكبها مقاتلو حماس"، و"اغتصاب النساء"، و"فصل الرؤوس عن الأجساد"، و"إحراق أسر وهي تعانق بعضها." وقد بدأت هذه السردية سياسية، ثمّ إعلامية، ووردت هذه الأوصاف على ألسنة رئيس الوزراء الإسرائيلي ورئيس الأركان ووزير الدفاع ووزير الخارجية، وكذلك الرئيس الأميركي جو بايدن ووزير خارجيته أنتوني بلينكن، وغيرهم 91. تسعى اللغة التي تُطِّبِع العنف والتوحش لخلق قبول واسع لدى الجمهور الآخر لأيّ ادّعاء؛ فعلى سبيل المثال، حينما كانت إسرائيل تضرب المناطق المدنية المكتظة بالسكان في غزة بقنابل الفوسفور الأبيض، وتعترف علنًا بشنّ غارات جوية على سيارات الإسعاف، وتحاصر

  1. Lynne Tirrell, "'Listen to What You Say': Rwanda's Post-Genocide Language Policies," New England Journal of Public Policy , vol. 27, no. 1 (May 2015), accessed on 1/9/2024, at: https://acr.ps/1L9zQGG
  2. Ammara Maqsood & Amandas Ong, "Language Is a Powerful Weapon in the Israel-Palestine Conflict," New Lines Magazine , 27/11/2023, accessed on 1/3/2024, at: https://acr.ps/1L9zQt9
  3. Isabella Hammad & Sahar Huneidi, "The Uses and Abuses of Language in Israel's War on Palestinians," The Nation , 21/12/2023, accessed on 5/5/2024, at: https://acr.ps/1L9zQNR
  4. نحارب حيوانات على هيئة بشر... وزير الدفاع الإسرائيلي يوجه بفرض حصار شامل على قطاع غزة"، الجزيرة مباشر، يوتيوب، 2023/10/9، شوهد في 2024/9/1، فh يttps://acr.ps/1L9zQZG:
  5. عميحاي إلياهو... من هو الوزير الإسرائيلي الذي صرح باحتمالية قصف بي بي سي عربي غزة بقنبلة نووية؟"،، 2023/11/6 شوهد في، 2023/12/23، فh يttp://tinyurl.com/yvk5ua6h:
  6. تعويض الهامش بما يلي: هناك العديد من التصريحات التي أدلى بها مسؤولون إسرائيليون وغربيون، من أبرزها: كلمة رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو بعد عملية طوفان الأقصى 2023/10/9، ينظر: الجزيرة نت "نتنياهو متوعدًا: حماس طلبت الحرب وستواجهها"،، 2023/10/10، شوهد في 2024/10/23، في: https://acr.ps/1L9zS99؛ كلمة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكونغرس الأميركي، 2024/7/24، ينظر: "كلمة نتنياهو أمام الكونغرس الأميركي"، الحدث، يوتيوب، شوهد في 2024/10/23، في: https://acr.ps/1L9zRVh؛ المؤتمر الصحافي لوزير الخارجية الأميركي في تل أبيب، 2023/10/12، ينظر: " U.S. Secretary of State Blinken Meets with Israeli Prime Minister Netanyahu," U.S. Embassy Jerusalem, YouTube, 12/10/2023, accessed on 23/10/2024, at: https://acr.ps/1L9zRTi; كلمة الرئيس الأميركي جو بادين حول عملية طوفان الأقصى، 2023/10/10، ينظر: " Israel at war: President Biden delivers remarks [RAW]," FOX 9 Minneapolis-St. Paul, YouTube, 10/10/2023, accessed on 23/10/2024, at: https://acr.ps/1L9zRxR

المستشفيات وتقصفها، استمر السياسيون ووسائل الإعلام في تكررا الرواية القائلة إن ما تقوم به إسرائيل هو دفاع عن النفس. وتجعل هذه اللغة، إلى جانب الوصف القاسي للعدو وإنزاله مكانة متدنية وشيطنة أفعاله، معاناته مستحقة، أو مسألة لا تستحق المبالاة، بل قد تستدعي الاحتفاء بها؛ حيث يُصَّوَر على أنه تهديد وجودي للمجتمع. وعلى مستوى وسائل الإعلام، وتحديدًا وسائل الإعلام الغربية الرئيسة، فإلى جانب ترداد ما يَِرِد على ألسنة الساسة الإسرائيليين وتبنّيه، عمدت هذه الوسائل إلى استخدام قاموس من الكلمات والعبارات المساندة للرواية الإسرائيلية والمعِّمِقة لنهج نزع إنسانية الفلسطينيين وشيطنتهم، حيث وصفت وسائل إعلام أميركية وأوروبية، بما فيها بي بي سي، المدنيين الفلسطينيين في الكثير من الأحيان بأنهم "يموتون" من الغارات الجوية بدلًامن "ُيُقتلون"، في حين أن بعض هذه الوسائل كانت تطلب من ضيوفها الذين يُعتبرون أكثر قربًا إلى وجهة النظر الفلسطينية، إدانة حماس على الهواء في سلوٍكٍ لم تألفه وسائل الإعلام في البلدان الديمقراطية حتى في أحلك الظروف. وفي هذا السياق، تستدعي هذه الوسائل مقولة من دعاية حرب فيتنام، تتحدث عن حرص هذا الجيش الدائم على تقليل الآثار الجانبية للحرب Damage Collateral، التي تقع في كل عمل عسكري. وهذا التطرف عند وسائل الإعلام الكبرى، من خلال الوقوف خلف السياسيين، والدخول في لعبة السرد والأيديولوجيا واللغة وخلق الزمن الجماعي واستدعاء ذكريات الغرس الثقافي، يختصره أستاذ الفلسفة فييي جامعة أكسفورد بريان كلوغ في مقالة يُذكّر فيها بمقالة نشرها جورج أورويل في عام 1946 بعنوان "اللغة الإنكليزية والسياسة"، وُيُسقط ما جاء فيها على التغطية الغربية للحرب في غزة. فيقول أورويل: "اللغة السياسية[...]مصممة لجعل الأكاذيب تبدو صادقة والقتل محترمًا، إنهم ينشئون الكلمات والعبارات التي تعطّل التفكير، في هذه المرحلة، تصبح العلاقة الخاصة بين السياسة وانحطاط اللغة واضحة." إن كلمات وعبارات مثل "الهدنة الإنسانية" ليست سوى فترة راحة مؤقتة من تدمير أحياء بأكملها وقتل عائلات بأكملها، و"الدفاع عن النفس" يرمز إلى القصف الشامل، و"الإخلاء الطوعي" يرمز إلى التطهير العرقي، أما "الإرهابيون" فهم الشعب الفلسطيني بأكمله 92.

3. المستوى الثالث: التأطير الثقافي

استخدمت وسائل الإعلام الإسرائيلية والغربية الأساليب الإعلامية واللغة والثقافة في تأطير الحرب الإسرائيلية على غزة، بما يخدم السردية الإسرائيلية، وما يحقق أكبر فائدة من تاريخ الغرس الثقافي حول الصراع الذي بات يشكّل مظلة من الاتجاهات والمعتقدات لدى أجيال من الغربيين، الأمر الذي يبدو في القراءة الأولية حالةً من التأطير العميق الذي يحاول تقديم فهم للأحداث وبناء تصوّر للحرب وأطرافها، قد لا يتصل مع الواقع في الكثير من المحددات.

أ. التأطير التقليدي العميق

شهدت التغطية الإخبارية للصراع الفلسطيني - الإسرائيلي في هذه الحرب تكثيفًا ملحوظًا للأطر الإخبارية التي طالما اسُتُخدمت تاريخيًا، وبرزت في هذا الشأن قوة استخدام إطار شيطنة الفلسطينيين وتأطير المقاومة بالإرهاب. المحطة الأولى هي وصف ما جرى بأنه "هولوكوست جديدة" في مخاطبة لحساسية الذاكرة الغربية ضد النازية والهولوكوست. وفي المحطة الثانية، طوّر القادة الإسرائيليون والإعلام الإسرائيلي صورة أخرى، فربطوا صورة حركة حماس ومقاتليها بالقاعدة لإنعاش ذاكرة الأميركيين والزعم أنهم يواجهون عدًّوًا واحدًا. والثالثة، ربط صورة حماس ومقاتليها بتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش" لتبرير عمليتي القتل والتدمير، واعتبار أن القضاء على حماس يتطلّب الأدوات والأساليب التي اُّتُبعت في القضاء على داعش  93. وفي الشهور الأخيرة، باتت وسائل الإعلام الغربية الرئيسة تتماهى مع الأطروحة الإسرائيلية التي تربط بين وقف إطلاق النار من جهة، واستمرار الإرهاب وتصاعد معاداة السامية من جهة أخرى  94. وبرز أيضًا إطار نزع السياق من التغطيات الأولى للحرب، حيث يسعى هذا التأطير لبناء واقٍعٍ جديد يصوّر الأزمات والحروب في السياق الفلسطيني - الإسرائيلي على أنها مجرد حوادث طارئة نتيجة تعديات الفلسطينيين، وتتجاوز تاريخ الصراع وقضية الاحتلال، وحقوق الإنسان والحقوق المدنية، والحقوق الاقتصادية والسياسية، والكرامة الإنسانية، ويقدّم سياقًا أكثر ملاءمة لتفوّق الهيمنة والعنصرية الغربية التقليدية في سياقها الاستعماري. حاولت التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الرئيسة تقديم العمليات العسكرية الإسرائيلية في إطار الدفاع عن النفس، في مقابل "الإرهاب" الفلسطيني، وأن كل ما تقوم به الآلة العسكرية يُعدّ ضمن قواعد الحرب، ويأتيي في إطار الدفاع عن النفس. وهناك محاولة تأطير أخرى في هذا السياق مؤداها أن المقاومة الفلسطينية تستخدم المدنيين دروعًا بشرية.

  1. Brian Klug, "George Orwell, Gaza, and 'The Debasement of Language',"
  2. الطويسي. 94  Hammad & Huneidi.
  3. Contending Modernitie , 15/12/2023.

يوفر إطار "الدفاع عن النفس" سردية تبريرية لأيّ عمل تقوم به إسرائيل، ويبرر الإبادة الجماعية للمدنيين والتهجير القسري الذي عّب ر عنه نتنياهو في أول ظهور إعلامي له بعد هجوم حماس، بقوله: "يا سكان غزة: ارحلوا الآن، لأننا سنعمل بقوة في كل مكان" 95. وبقيت وسائل إعلام رئيسة كثيرة، أميركية وبريطانية، تستخدم مفهوم "الإخلاء"، بدلًامن المفاهيم المتعارف عليها في أدبيات القانون الدولي، مثل "التهجير القسري" و"التطهير العرقي" 96.

ب. التنميط الثقافي للضحايا

قام تاريخ الدعاية الصهيونية، ثم الإسرائيلية، على أطروحة الضحية؛ فاليهود بحسبها ضحية معاداة السامية والهولوكوست وكراهية الغرب والإرهاب والعرب. وعلى مدى أكثر من سبعة عقود ونصف العقد، خاض الفلسطينيون والإسرائيليون حربًا أخرى على سردية الضحية: من يقنع العالم بأنه هو الضحية؟ لقد جاء التصور الإسرائيلي لهجوم 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 على نحو مطابق لأطروحة الضحية، بل كان فرصةً تقفز من خلالها إسرائيل مجددًا إلى حضن العالم للمزيد من التعاطف والدعم، وترميم التصور الأخلاقي المفترض. وضمن عنوان الضحية، قام الخطاب الدعائي الإسرائيلي خلال هذه الحرب على استدعاء ثقافة اليهودي الضحية من خلال تقديم مئات الرسائل عبر الكلمات والصور والمشاهد التي تخلق التعاطف، وتدعو إلى تذكير العالم بأنّ إسرائيل لا تزال الضحية الكبرى في العالم. وقد رسّخت الدعاية الإسرائيلية والإعلام الغربي فكرة تنميط الضحايا "الجديرين"، في مقابل الضحايا "غير الجديرين" التي تُعّب رعن سمة ثقافية عنصرية بالغة البشاعة والتعقيد. وعلى الرغم من الأمثلة التاريخية التي قدّمتها دراسات عدة، فإن الممارسات التي قدّمتها التغطية الإعلامية الغربية للحرب الإسرائيلية على غزة تتفوّق على ما سبقها  97. وحاول القادة الإسرائيليون والأميركيون دفع الإعلام إلى تصوير الضحايا الفلسطينيين بأنهم أقل إنسانية، وأقل مكانة من الإسرائيليين. وردّدت البرامج الحوارية ومقالات الرأي العديد من الأوصاف التي أطلقها سياسيون لوصف ما ارتكبه مقاتلون فلسطينيون في 7 تشرين الأول/ أكتوبر. فللضحايا الإسرائيليين أسماء وعناوين وُأ سر وأحلام ومستقبل كان ينتظرهم، وأطفال ينتظرونهم على طاولة العشاء، أما الضحايا الفلسطينيون، فهم مجرد أرقام. حاولت إسرائيل تبرير عدد الضحايا الفلسطينيين المدنيين الكبير جدًا في أماكن وجودهم، وأن حماس "تستخدمهم دروعًا بشرية"، الأمر الذي ردّدته وسائل إعلام عديدة، من دون التمييز بين الضحايا الذين قُتلوا بسبب مكانهم، والضحايا الذين قُتلوا بسبب هويتهم  98. وطوال عقود، رددت وسائل الإعلام الغربية الخطاب السياسي الإسرائيلي في وصف الأحداث في الشرق الأوسط، وأمعنت في وصف الإسرائيليين بأنهم ضحايا العنف الفلسطيني والعربي  99، ودأبت في البحث عن سياق ثقافي وفضاء آخر لفهم صورة هذه الضحية بربطها بالمحرقة وذكريات الهولوكوست. وفي أكثر التغطيات اعتد لًا، يوصف هؤلاء بالضحايا، في مقابل الضحايا من الجانب الفلسطيني 100. لقد ناقش نوعم تشومسكي في أكثر من مؤلف مسألة جدارة الضحايا ومقدار الاهتمام والغضب الذي تثيره محنتهم. ويسلّط الضوء على مفارقة السياسيين الذين يُعّب رون عن سخطهم على الفظائع التي ترتكبها الدول المعادية، في حين أنهم يتجاهلون أو حتى يدافعون عن الجرائم المماثلة التي ترتكبها دول حليفة أو دولهم، وكيف تردد وسائل الإعلام الرئيسة هذا الخطاب. وتؤكد هذه المعاملة التفضيلية أن علاقات القوة هي التي تشكل الخطاب الأخلاقي  101، وهو ما أشارت إليه إيلوز في تحليلها التحولات في المجتمع والسياسة الشعبوية في إسرائيل التي تعمل على إزالة مستمرة للحقائق التاريخية التي تُستبدل بمساحات خيالية كبيرة، لا يمكن اختراقها بالواقع، وكلما ارتفع معدّل الشعبوية السياسية، كانت هناك إمكانية أكبر لتبرير العنف؛ بينما تمتلئ تلك المساحات بإسقاطات عاطفية وسيناريوهات جنونية في تفسير الوقائع  102. وفي سياق حروب غزة السابقة، رصدت دراسة غريغ فيلو ومايك بيري هذا التنميط للضحايا خلال الفترة 2009-2000، وتحديدًا في الحرب الإسرائيلية على غزة في عام /2008 2009، وقدّمت أدلّة على أن الضحايا الفلسطينيين لم يعاروا اهتمامًا كالضحايا الإسرائيليين، ورصدت أيضًا تفاوتًا في التغطية بين وفيات الفلسطينيين والإسرائيليين، مع استخدام

  1. ينظر: "كلمة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو"، قناة الجزيرة، يوتيوب، 2023/10/9، شوهد في 2024/3/15، في https://acr.ps/1L9zQsS:
  2. ينظر المزيد حول تاريخ وأساليب التطهير العرقي الذي مارسته إسرائيل في فلسطين: إيلان بابيه، التطهير العرقي في فلسطين، ترجمة أحمد خليفة (بيروت: مؤسسة الدراسات
  3. Greg Philo & Mike Berry, More Bad News from Israel (London: Pluto
  4. Patrick Wolfe, "Settler Colonialism and the Elimination of the Native," Journal of Genocide Research , vol. 8, no. 4 (2006).
  5. Ross.
  6. Neil Caplan, "Victimhood in Israeli and Palestinian National Narratives," The Middle East Book Review, vol. 3, no. 1 (2012), pp. 1-19. 101  David Barsamian & Noam Chomsky, Propaganda and the Public Mind: Conversations with Noam Chomsky (Boston: South End Press, 2001). 102  Illouz, pp. 163-164.
  7. الفلسطينية،.)2007
  8. Press, 2011).

أكثر لكلمات مثل "قتل" و"مجزرة" لوصف وفيات الإسرائيليين. كما تستخدم القنوات الإعلامية أسلوب التشكيك في المعلومات المتعلقة بفلسطين عبر استخدام عبارة "ادّعاء" عندما يتعلق الأمر بعدد القتلى في صفوف الشعب الفلسطيني  103.

خاتمة

حاولت هذه الدراسة تطوير مفهوم الإبادة الثقافية العميقة في سياق الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، وبيّنت الأدلة كيف انتقلت إسرائيل في حرب الإبادة على غزة من مفهوم الإبادة الثقافية البطيئة التي استمرت في ممارستها مدفوعة بالقوى الاستعمارية على مدى أكثر من مئة عام وقبل إنشاء "دولة إسرائيل"، إلى الإبادة الثقافية العميقة التي جسّدتها في هذه الحرب. وقد مارست الحركة الصهيونية والقوى الاستعمارية و"دولة إسرائيل" بعد عام 1948 نموذج الإبادة الثقافية البطيئة التي شملت عمليات التدمير المباشر للتراث الثقافي للشعب الفلسطيني، وعمليات الاستيلاء الممنهج على عناصر ثقافية ورموز فلسطينية وعربية، وامتد هذا النهج إلى عناصر التراث الثقافي المادي وغير المادي، مستهدفًا تعرية التاريخ والجغرافيا ونفي الهوية، بالتزامن مع مستوى آخر من الإبادة الثقافية الذي هدف إلى إطفاء السردية الفلسطينية ومنع وصولها إلى العالم عبر عمل ممنهج، يتمثل في "الغرس الثقافي" البطيء الذي مارسته وسائل الإعلام والصناعات الثقافية المتعددة. اعتمدت هذه الدراسة منظورًا نقديًا مركّبًا بُني على الاستفادة من الدراسات الثقافية والإعلامية، ورجعت إلى أبحاث أكاديمية عدة قدّمت أدلةً على نموذج الغرس الثقافي البطيء في سياق تغطية وسائل الإعلام الغربية الرئيسة للصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، ما يوضح تفاعلًامعقّدًا بين التحيّز والتأطير والتمثيل، وتأثيرها الطويل المدى في الرأي العام الغربي. وبيّنت الدراسة أن حرب الإبادة على غزة كشفت عن عمق التأثيرات الثقافية في دور وسائل الإعلام في بناء التصورات حول هذه الإبادة، حيث نقلت هذه الحرب نموذج الإبادة الثقافية البطيئة إلى الإبادة الثقافية العميقة التي لا تتوقف عند التدمير الممنهج والمباشر للتراث الثقافي الفلسطيني، بل وصل إلى محاولة إطفاء السردية الفلسطينية ومنع وصولها إلى العالم، وهو ما يفّس راستمرار حرب الإبادة أكثر من عام ونصف العام، حتى كتابة هذه السطور. لقد مارست الدعاية الإسرائيلية المصحوبة بتأييد من وسائل إعلام رئيسة غربية محاولة احتكار رواية الحرب وبناء تصور عالمي حول المعتدي والمعتدى عليه، والضحية. وضرب هذا العمل الممنهج عميقًا، مستفيدًا من التاريخ الطويل للغرس الثقافي البطيء الذي مارس طوال عقود تغذية ثقافية وإخبارية منحازة، وعمل على تضخيم ما حدث في 7 تشرين الأول/ أكتوبر وتصويره بصورة مرعبة، تخلق شكلًا من أشكال الرعب الأخلاقي. وأخيرًا، وظّف نموذج الانحياز العميق اللغة والتأطير في رواية الأخبار وبناء التصور حول الحرب، الذي لا يخلو من التحيّز الثقافي والعنصرية، حيث انتقل التلاعب باللغة من السياسيين إلى وسائل الإعلام والنخب، كما برزت الأطر الإخبارية التي عملت على شيطنة الفلسطينيين ونزع الإنسانية عنهم، مع نزع السياق التاريخي عن الحرب، وتصوير الإبادة الجماعية في إطار الدفاع عن النفس.

  1. Philo & Berry, pp. 87-101.

المراجع

العربية

الأفندي، عبد الوهاب. "الثقافة سلاحًا: حروب الثقافة في الولايات تبُّين. مج المتحدة ومصر." 12، العدد 54 (صيف.)2023 بابيه، إيلان. التطهير العرقي في فلسطين. ترجمة أحمد خليفة. بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية،.2007 سلامة، بلال عوض. في معنى الأرض استعادة الذات الفلسطينية. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2021 الشريف، ماهر. الهوية الفلسطينية: الشتات والانتماء. بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2007. طه، حمدان. "إدارة الآثار تحت الاحتلال في فلسطين." تحولات مشرقية. العدد 9 (كانون الثاني/ يناير.)2016 ________. "تدمير التراث الثقافي في غزة." ورقة سياسات. مؤسسة الدراسات الفلسطينية 2024(:.) في https://acr.ps/1L9zQTu الطويسي، باسم. "تغطية الإعلام الغربي للحرب الإسرائيلية على غزة." تقييم حالة. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. 2023/10/31 في https://acr.ps/1L9zR8k:. غانم، محمد حمزة. رموز الهوية في التراث الفلسطيني. القاهرة: دار النهضة العربية للنشر والتوزيع، 2008. فؤاد، هالة. الفلكلور الفلسطيني بين السرقات الإسرائيلية وتحديات طمس الهوية. القاهرة: مكتبة دار جزيرة الورد،.2021 وزارة الثقافة الفلسطينية. التقرير الأولي الثالث حول أضرار القطاع الثقافي: الحرب على قطاع غزة 7 أكتوبر 7-2023 يناير 2024. غزة: 2024. اليونسكو. "قطاع غزة: تقييم الأضرار." في: https://acr.ps/1L9zR8r

الأجنبية

Al-Barsh, Ahmed. "Report on the Impact of the Recent War in 2023 on the Cultural Heritage in Gaza Strip - Palestine." Heritage for Pease. 7/11/2023. at: https://acr.ps/1L9zR3G Anderson, Gary Clayton. Ethnic Cleansing and the Indian: The Crime That Should Haunt America. Oklahoma: University of Oklahoma Press, 2016. Bachman, Jeffrey S. (ed.). Cultural Genocide Law, Politics, and Global Manifestations. London: Routledge, 2019. Barsamian, David & Noam Chomsky. Propaganda and the Public Mind: Conversations with Noam Chomsky. Boston: South End Press, 2001. Bilsky, Leora & Rachel Klagsbrun. "The Return of Cultural Genocide?" European Journal of International Law. vol. 29, no. 2 (May 2018). Bryant, J. & D. Zillmann (eds.). Perspectives on Media Effects. Mahwah, NJ: Lawrence Erlbaum Associates, 1986. Burger, Julian. Report from the Frontier: The State of the World's Indigenous Peoples. New York: Bloomsbury Publishing, 1987. Caplan, Neil. "Victimhood in Israeli and Palestinian National Narratives." The Middle East Book Review. vol. 3, no. 1 (2012). Chomsky, Noam. Fateful Triangle: The United States, Israel, and the Palestinians. Boston: South End Press, 1999. Daoudi, Mohammed S. Dajani & Zeina M. Barakat. "Israelis and Palestinians: Contested Narratives." Israel Studies. vol. 18, no. 2 (Summer 2013). Entman, Robert M. "Framing: Toward Clarification of a Fractured Paradigm." Journal of Communication. vol. 43, no. 4 (December 1993). Friel, Howard & Richard Falk. Israel-Palestine on Record: How the New York Times Misreports Conflict in the Middle East. London/ New York: Verso, 2007. Gamson, William. Talking Politics. Cambridge: Cambridge University Press, 1992.

Garfinkle, Adam M. "On the Origin, Meaning, Use and Abuse of a Phrase." Middle Eastern Studies. vol. 27, no. 4 (1991). Gerbner, George & Larry Gross. "Living with Television: The Violence Profile." Journal of Communication. vol. 26, no. 2 (1976). Gerbner, George. "The Stories We Tell." Peace Review: A Journal of Social Justice. vol. 11, no. 1 (1999). Herman, Edward S. & Noam Chomsky. Manufacturing Consent: The Political Economy of the Mass Media. London: The Bodley Head, 1988. Hixson, Walter L. American Settler Colonialism: A History. London: Palgrave Macmillan, 2013. Illouz, Eva. The Emotional Life of Populism: How Fear, Disgust, Resentment, and Love Undermine Democracy. Hoboken, NJ: Wiley, 2023. "Israel's Demolition of Educational Institutions, Cultural Objects in Gaza is Additional Manifestation of Genocide." Euro-Med Human Rights Monitor. 16/2/2024. at: https://acr.ps/1L9zQRe Iyengar, Shanto & Donald R. Kinder. News that Matters: Television and American Opinion. Chicago: University of Chicago Press, 1987. Jiang, Ke, George A. Barnett & Laramie D. Taylor. "Dynamics of Culture Frames in International News Coverage: A Semantic Network Analysis." International Journal of Communication. vol. 10

Jones, Adam. Genocide: A Comprehensive Introduction. 3 rd ed. London: Routledge, 2017. Khalidi, Walid. "The Ownership of the United States and Palestine, 1917-1948." Journal of Palestine Studies. vol. 21, no. 3 (1992). Kingston, Lindsey. "The Destruction of Identity: Cultural Genocide and Indigenous Peoples." Journal of Human Rights. vol. 14, no. 1 (2015). Lang, Kurt & Gladys Engel Lang. "Noam Chomsky and the Manufacture of Consent for American Foreign Policy." Political Communication. vol. 21, no. 1 (2004). Lemkin, Raphael. Axis Rule in Occupied Europe: Laws of Occupation, Analysis of Government, Proposals for Redress. Clark, NJ: The LawBook Exchange, 1944. Lippmann, Walter. Public Opinion. New York: Simon and Schuster, 1997 [1922]. Litvak, Meir. "Appropriating the Past: Israeli Strategies in Reframing Palestinian Cultural Symbols." Middle Eastern Studies. vol. 45, no. 1 (2009). Luntz, Frank. The Israel Project's 2009: Global Language Dictionary. The Israel Project for Security. California: Freedom and Peace, 2009. Madley, Benjamin. An American Genocide: The United States and the California Indian Catastrophe, 184 6-1 873. New Haven: Yale University Press, 2016. Mako, Shamiran. "Cultural Genocide and Key International Instruments: Framing the Indigenous Experience." International Journal on Minority and Group Rights. vol. 19 (2012). McCombs, Maxwell & Donald L. Shaw. "The Agenda- Setting Function of Mass Media." Public Opinion Quarterly. vol. 36, no. 2 (1972). Millender, Michaela & Nicolette Lyubarsky. "When Protectors Become Perpetrators: The Complexity of State Destruction of Cultural Heritage." Global Observatory. 24/4/2024. at: https://acr.ps/1L9zQKj Neumann, Boaz. Land and Desire in Early Zionism. Waltham, MA: Brandeis University Press, 2011.

Novic, Elisa. The Concept of Cultural Genocide: An International Law Perspective. Oxford: Oxford University Press, 2016. Peteet, Julie. "Words as Interventions: Naming in the Palestine-Israel Conflict." Third World Quarterly. vol. 26, no. 1 (2005). Philo, Greg & Mike Berry. Bad News from Israel. London: Pluto Press, 2004. ________. More Bad News from Israel. London: Pluto The Press, 2011. Piterberg, Gabriel. The Returns of Zionism: Myths, Politics and Scholarship in Israel. London/ New York: Verso, 2008. Potter, W. James. "What Does the Idea of Media Cultivation Mean?" Journal of Broadcasting & Electronic Media. vol. 66, no. 4 (2022). Ratner, Steven R., Jason Abrams & James Bischoff. Accountability for Human Rights Atrocities in International Law: Beyond the Nuremberg Legacy. 2 nd ed. Oxford: Oxford University Press, 2001. Reese, S., O. Gandy & A. Grant (eds.). Framing Public Life: Perspectives on Media and Our Understanding of the Social World. Mahwah, NJ: Lawrence Erlbaum Associates, 2001. Rjoob, Ahmed A. "The Impact of Israeli Occupation on the Conservation of Cultural Heritage Sites in the Occupied Palestinian Territories: The Case of 'Salvage Excavations'." Conservation and Management of Archaeological Sites. vol. 11, no. 3-4 (2009). Ross, Susan Dente. "Framing of the Palestinian-Israeli Conflict in Thirteen Months of New York Times Editorials Surrounding the Attack of September 11, 2001." Conflict & Communication Online. vol. 2, no. 2 (2003). Said, Edward W. The Question of Palestine. New York: Vintage Books, 1992. ______. Covering Islam: How the Media and the Experts Determine How We See the Rest of the World. New York: Vintage Books, 1997. Schabas, William A. Genocide in International Law: The Crime of Crimes. 2 nd ed. Cambridge: Cambridge University Press, 2009. Short, Damien. "Cultural Genocide and Indigenous Approach." Sociological A Peoples: International Journal of Human Rights. vol. 14, no. 6 (2010). Shrum, L. J. "Processing Strategy Moderates the Cultivation Effect." Human Communication Research. vol. 27, no. 1 (January 2001). Stone, Peter G., Joanne Farchakh-Bajjaly (eds.). The Destruction of Cultural Heritage in Iraq. Woodbridge, UK: Boydell & Brewer Ltd., 2008. ________ (eds.). War and Cultural Heritage: Iraq, Afghanistan, and Palestine. London: Routledge, 2008. The International Criminal Court. Rome Statute of the International Criminal Court. The Netherlands: 2021. at: https://acr.ps/1L9zQFy "Timbuktu Trial: A Major Step Towards Peace and Reconciliation in Mali." UNESCO. 27/9/2016. at: https://acr.ps/1L9zQx1 Tirrell, Lynne. "'Listen to What You Say': Rwanda's Post- Genocide Language Policies." New England Journal of Public Policy. vol. 27, no. 1 (May 2015). at: https://acr.ps/1L9zQGG Travis, Hannibal. "Ethnic Cleansing and Genocidal Intent: Conceptualizing Destruction of Local Populations". Global Studies Law Review. vol. 19, no. 4. 2021.https://papers.ssrn.com/sol3/pap

Üngör, U ğ ur Ümit (ed.). Genocide: New Perspectives on its Causes, Courses and Consequences. Amsterdam: Amsterdam University Press, 2016. Weingarten, Amanda. "Cultural Appropriation and Conflict: The Case of the Canaan Dog in Israel and Palestine." Anthropology Today. vol. 29, no. 5 (2013). Wolfe, Patrick. "Settler Colonialism and the Elimination of the Native." Journal of Genocide Research. vol. 8, no. 4 (2006). Zayad, Luma. "Systematic Cultural Appropriation and the Israeli-Palestinian Conflict." The DePaul Journal of Art, Technology & Intellectual Property Law (JATIP). vol. 28, no. 2 (Spring 2018).