تنامي ظاهرة العسكرة في السودان: المظاهر والأسباب والتداعيات
الملخّص
This research aims to shed light on the continuous rise of the military's role in Sudanese politics, the efforts of civilian forces to contain this phenomenon, and the outcomes of these efforts. It focuses on the manifestations, causes, and consequences of the growing militarization during the three periods of military rule in Sudan. The research hypothesizes that the political role of the Sudanese military forces has steadily increased, leading to widespread militarization of the political, social, and economic spheres in Sudan and a continuous decline of democracy. This is attributed to party conflicts, the weakening of civil society, and the decline of a political culture supportive of democracy. Limiting the political role of the military and containing the phenomenon of militarization requires an agreement between civilian and military forces on a comprehensive national project, the development of political parties, the strengthening of civil society capacities, the promotion of democratic culture, the improvement of military oversight mechanisms, and the enhancement of democratic transition processes. Keywords: Militarization, Democratic Transition in Sudan, Military, Political Parties, Armed Militias.
The Rise of Militarization in Sudan: Manifestations, Causes, and Implications
تهدف هذه الدراسة إلى تسليط الضوء على التصاعد المستمر لدور العسكريين في السياسة السودانية، وجهود القوى المدنية لمحاصرة هذه الظاهرة، ونتائج هذه الجهود. وتركز على مظاهر تنامي العسكرة وأسبابها ونتائجها خلال فترات الحكم العسكري الثلاث في السودان. وتفترض أن الدور السياسي للعسكريين السودانيين ظل يتصاعد باستمرار، وتبعت ذلك عسكرة واسعة للحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وتراجٌعٌ مستمٌرٌ للديمقراطية، وذلك بسبب الصراعات الحزبية وتراجع قوة المجتمع المدني وضعف الثقافة السياسية المناصرة للديمقراطية. ويقت يض تحجيم الدور السياسي للعسكريين ومحاصرة ظاهرة العسكرة اتفاق القوى المدنية والعسكرية على مشروع وطني شامل، وتطوير قدرات الأحزاب وتعزيز قدرات المجتمع المدني ونشر ثقافة الديمقراطية وتطوير آليات الضبط العسكري وتعزيز آليات التحوّل الديمقراطي عمومًا. كلمات مفتاحية: العسكرة، التحوّل الديمقراطي في السودان، الجيش، الأحزاب السياسية، الميليشيات المسّل حة.
مقدمة
على الرغم من الجهود التي بذلها القادة المدنيون للحدّ من تدخّل العسكريين وتحجيم ظاهرة العسكرة في السياسة السودانية، فإن الدور السياسي للمؤسسة العسكرية يتزايد، بمرور الوقت. وقد تمثّلت ظاهرة العسكرة في الانقلابات المتكررة وتغلغل العسكريين في القطاعات السياسية والاقتصادية والاجتماعية؛ فمنذ الاستقلال، حكمت الأنظمة العسكرية السودان لفترات تجاوزت سبعة أضعاف حكم المدنيين، حيث امتد الحكم العسكري الأول ستة أعوام 1964-1958()، والثاني ستة عشر عامًا 1985-1969()، والثالث ثلاثين عامًا 2019-1989(.) وتصاعد خلال الفترات الانتقالية نفوذ العسكريين تدريجًا، بدءًا بانسحاب الجيش الكامل في المرحلة الأولى، ثم تقاسم الحكم مع المدنيين في المرحلة الثانية، وصولًاإلى استيلاء العسكريين الكامل على السلطة في المرحلة الثالثة. في ما يتعلق بعسكرة الحياة المدنية، اكتفى الحكم العسكري الأول بتدّخلّات محدودة في الجانبين الاجتماعي والثقافي، بينما تبنّى الحكم العسكري الثاني، لدى مجيئه، شعارات اشتراكية، قبل التخّل يعنها بعد محاولة انقلاب فاشلة من الحزب الشيوعي، وساهم في عسكرة الحياة المدنية بتعيين حكّام عسكريين وإنشاء شركات اقتصادية تابعة للجيش، كما تدخّل في الجوانب الاجتماعية والثقافية، خاصة في أعوامه الأخيرة. أما الحكم العسكري الثالث، فقد جاء مسيّسًا منذ البداية، حيث قام به ضباط ينتمون إلى الجبهة الإسلامية القومية، كما عسكر النظاُمُ، طوال ثلاثين عامًا، المجتمع كلّيًا، بإنشائه تنظيمات عسكرية لدعم الجيش وحماية النظام، واستخدام الميليشيات للحفاظ على حكمه، فضلًاعن تدخّل المؤسسة العسكرية الواسع في نشاط البلاد الاقتصادي. تدور إشكالية هذه الدراسة حول مظاهر تنامي العسكرة في السودان، والعوامل والأسباب التي أدّت إلى تصاعد دور العسكريين وتراجع دور القوى المدنية في السياسة. وتثير مجموعة من التساؤلات الفرعية: ما المقصود بالعسكرة؟ وما أهم مؤّشر ات قياسها؟ وما أسبابها؟ وما أساليب الُنُظم العسكرية وأدواتها للتدخّل في الحياة المدنية في السودان؟ وما تداعيات تنامي العسكرة على الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي والأمني السوداني؟ تهدف هذه الدراسة إلى تحليل العوامل التي أسهمت في تعزيز دور العسكريين في الحياة السياسية السودانية، مُسلّطةًالضوء على مظاهر عسكرة السياسة والمجتمع خلال فترات الحكومات العسكرية الثلاث، وأسباب هذه الظاهرة. وتتناول جهود القوى المدنية في مواجهة الانقلابات ومحاولات تقليص العسكرة، مع تحليل أسباب فشلها. تنبع أهمية الدراسة من تناولها قضية محورية تتعلق بمستقبل الحكم في السودان الذي يشهد تراجعًا عن طموحاته في تحقيق الحكم المدني الديمقراطي، مع تصاعد نفوذ العسكريين وتراجع دور القوى المدنية. وتأتيي هذه الأهمية أيضًا من راهنيتها في ظل المحاولات السياسية المستمرة منذ خمسة أعوام، للتوصّل إلى صيغة توقف تنامي ظاهرة البريتورية 1، وتوجّه السودان نحو حكم مدني ديمقراطي. إضافة إلى ذلك، تتبنّى منظورًا شاملًالدراسة العلاقات المدنية - العسكرية، متجاوزةًالأطر التقليدية، لتتناول دور الحكومات العسكرية في عسكرة المجتمع وفق معايير بحثية عالمية، مع مراعاة خصوصية الواقع السياسي والاجتماعي في السودان. تقوم الدراسة على ثلاث فرضيات: الأولى، على عكس طبيعة غالبية الأنظمة السياسية التي تتطور مع مرور الوقت نحو المزيد من الديمقراطية وتقييد دور المؤسسة العسكرية في الحكم، فإن الدور السياسي للعسكريين السودانيين ظل يتصاعد باستمرار؛ الثانية، تبعت تنامي الدور السياسي للعسكريين عسكرة واسعة، شملت الكثير من جوانب المجتمع السوداني، السياسية والاجتماعية والاقتصادية؛ الثالثة، يرجع تصاعد ظاهرة الانقلابات العسكرية وعسكرة الحياة المدنية إلى الصراعات الحزبية من ناحية، وإلى ضعف منظمات المجتمع المدني من ناحية أخرى. اعتمد الباحث منهج التحليل التاريخي المقارن، لتتبع تطور ظاهرة العسكرة وتناميها تاريخيًا، مع مقارنة تأثير الحكومات العسكرية في الواقع السياسي والاجتماعي في السودان، من حيث طول أمدها وعمق تأثيرها، مع تحليل السياقات المختلفة لاستخلاص القواسم المشتركة وجوانب الاختلاف. واستخدم أيضًا منهج التحليل التتبعي Process Tracing لدراسة تفاعلات العسكرة المعقّدة، من خلال تتبع الأحداث والسياسات التي عزّزت دور الجيش، وتحليل أبعاد هذه الظاهرة وأسبابها. واستند في ذلك إلى استخدام سلاسل الأسباب والنتائج Chains Causal للربط بين المسببات، مثل طموحات العسكريين والصراعات الحزبية وضعف المجتمع المدني وقصور ترتيبات الضبط العسكري وغياب آليات التحوّل الديمقراطي، والنتائج المتمثلة في تراجع الحكم المدني وتصاعد مظاهر العسكرة في المجتمع السوداني. مُتّ ثّل عوامل تنامي ظاهرة العسكرة وأسبابها المتغَرّي المستقل في الدراسة، ويتمحور هذا الُمُتغّي ر حول ضعف الأحزاب السياسية والمجتمع المدني وطموحات الضباط ومصالحهم، و ضعف ترتيبات الضبط العسكري وغياب آليات التحوّل الديمقراطي. ومُتّ ثّل مؤشرات
تنامي ظاهرة العسكرة في الحياة السياسية السودانية المتغير التابع في الدراسة، حيث تتناول ظاهرة الانقلابات من حيث سنوات حكمها، وتغلغلها في واقع الدولة الاقتصادي والاجتماعي، وتأثير قراراتها وسياساتها في المجتمع. أما المتغير الوسيط الذي يؤثر في العلاقة بين المتغيرين المستقل والتابع، فيتمثل في آثار ظاهرة العسكرة في واقع السياسة السودانية ومستقبلها، ويشمل غياب الحرّيات وانتهاكات حقوق الإنسان وغياب الاستقرار السياسي والأمني. قُسّمت الدراسة إلى أربعة مباحث: يتناول الأول الإطار النظري للعسكرة، وُيُعنى الثاني بمظاهر تنامي العسكرة في السياسة السودانية، بينما يبحث الثالث جهود القوى المدنية لتحجيم دور العسكريين، ويدرس الرابع أسباب تنامي ظاهرة العسكرة في الحياة السياسية السودانية.
أولًا: العسكرة: إطار نظري
تشير العسكرة Militarization إلى "نزعة واتجاه يهدفان إلى هيمنة المؤسسة العسكرية على الدولة وفرض نظامها الصارم على الحياة المدنية. وتقوى هذه النزعة عندما تعجز المؤسسات الدستورية والحياة السياسية المدنية عن مجابهة التحديات المطروحة على المجتمع" 2. تتضمن العسكرة أربعة أبعاد أساسية: هيكل القوة العسكرية الموسّع، وهيمنة الجيش على السياسة، وتفضيل الحلول القسرية للمشكلات السياسية، والدعائم الثقافية للعنف الُمُنظّم من الدولة 3. إن أبرز مظاهر عسكرة الحياة السياسية هو استحواذ العسكريين على السلطة، من خلال الانقلاب العسكري والتحكم في مواقع صنع القرار؛ وهو ما يُعدّ مدخلًا أساسيًا للعسكرة المادية والسياسية والاجتماعية. ولذلك يُعالج كثير من الباحثين ظاهرة العسكرة ضمن دراسات العلاقات المدنية - العسكرية؛ ذلك أن اختلال هذه العلاقة لمصلحة العسكريين يُعزّز تنامي العسكرة في الدولة. تُعَّرَف العلاقات المدنية - العسكرية بأنها تلك العلاقات المتعددة بين المؤسسة العسكرية والمصالح المتعلّقة بها من ناحية، والمؤسسات والمصالح المدنية داخل الدولة من ناحية أخرى 4. وفي حين تشير العسكرة إلى زيادة تأثير الجيش في مؤسسات الدولة، وهيمنته على المؤسسات المدنية ذات الطبيعة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، تشير العلاقات المدنية - العسكرية إلى إطار نظري وتحليلي يدرس طبيعة التفاعلات بين المدنيين والعسكريين، وآليات تأثير الجيش في السياسة والحكم، وبحث طرائق إبقاء الجيش تحت السيطرة المدنية. مع تعدّد الفصائل العسكرية في الدولة: جيش/ شرطة/ أجهزة أمنية وغيرها، يدور الحديث هنا حول الجيش النظامي الذي يُعرّف بأنه "هيئة كبيرة منظّمة من الأفراد المسلّحين المدرّبين للحرب، خاصة على الأرض، قادرة على العمل بشكل مستقل، وتتكوّن عادة من مقر رئيس وفيلقين أو أكثر وقوات مساعدة" 5، وهناك من يُعرّف الجيوش باعتبارها "المؤسسات التي أنشأتها الدولة لغرض أساسي هو الدفاع الوطني ضد التهديدات الخارجية، وقد تفوّض لها صلاحية الرد على الصراعات الداخلية، أو مجابهة الكوارث الطبيعية" 6، ويطلق عليها في غالبية البلدان اسم "القوات المسلحة." على الرغم من أن الدور التقليدي للجيش يتمثّل في حماية حدود الدولة من الاعتداءات الخارجية، فإن الجيوش تؤدي أدوارًا سياسية في معظم الدول، مع اختلاف طبيعة هذه الأدوار بين الدول المتقدمة والنامية. تُثير هذه الظاهرة تساؤلات حول حدود تدخّل الجيش في السياسة، حيث تؤكد النظريات الليبرالية ضرورة خضوع
المؤسسة العسكرية للسلطة المدنية. لكن، كما لاحظ عزمي بشارة: "ما من جيش بعيد عن السياسة"؛ إذ يتعامل الجيش مع قضايا تتجاوز المجال العسكري، لتشمل الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي. وإن المسألة المحورية ليست تسييس الجيش في حد ذاته، بل ضمان خضوعه للسلطة المدنية المنتخبة، وإن هذا التسييس قد يكون مفيدًا إذا أدّى إلى تعزيز اقتناع القادة العسكريين بضرورة احترام المؤسسات المدنية. ففي الأنظمة الديمقراطية، يشارك الجيش في تقديم رؤى متخصصة بشأن السياسات الخارجية والداخلية، مع التزام كامل بالخضوع للمؤسسات المنتخبة 7. ويرى زولتان باراني أن نشاط القوات المسلحة لا يقتصر على الأمن والدفاع فحسب، بل هي مؤسسات سياسية، حتى في الدول الديمقراطية، وأن طاعتها للسلطة الحاكمة في حد ذاتها موقف سياسي 8. في كتابه الجندي والدولة، يؤكد صامويل ب. هنتنغتون فكرة "السيطرة الموضوعية"، حيث يتحوّل الجيش إلى أداة بيد الدولة التي يسيطر عليها المدنيون، وتكون وظيفة الجيش العمَلَ على تحقيق الغايات والأهداف التي تُحدّدها السلطة المدنية 9. ويؤكد موريس جانوفيتز أهمية التكامل العضوي بين الجيش والسلطة والمجتمع، معتبرًا السيطرة المدنية نابعة من التنافس على الموارد 10. بينما يرى بيتر فيفر أن المدنيين يملكون القرار النهائي في التعامل مع المخاطر، بينما يقتصر دور الجيش على تحديدها وتطوير التدابير اللازمة 11. في الواقع، يقتصر دور الجيش في الدول المتقدمة، غالبًا، على حماية النظام والدولة القومية، بما يتوافق مع السيطرة المدنية، بينما يتجاوز الجيش هذا الدور التقليدي في الدول النامية، ويشارك في صنع القرار السياسي، متجاوزًا مبدأ الخضوع للسلطة المدنية، وهذا يجعل نظرية "السيطرة الموضوعية" غير ملائمة لتحليل العلاقات المدنية - العسكرية في هذه الدول، بسبب نزعة الجيوش إلى السيطرة السياسية، مع غياب السيطرة المدنية الفاعلة، وكذلك لضعف الثقافة السياسية الداعمة للديمقراطية في المجتمع. وفقًا للاري دايموند، يتطلّب ترسيخ الديمقراطية قبول الجيش بمبدأ السيطرة المدنية، وهو ما يرتبط بثقافة سياسية تتعامل مع الجيش باعتباره مؤسسة خاضعة للدولة وغير سياسية 13. وكما لاحظ فيفر، تتلخص الإشكالية المدنية العسكرية في مفارقة بسيطة: مُتَ نَح المؤسسة ذاتها، التي جرى إنشاؤها لحماية النظام السياسي، القوَةَ الكافية لتصبح تهديدًا للنظام السياسي 14. إن القضية المشتركة بين كل الدول الأفريقية، مثلًا، هي المشكلة المزدوجة المتمثلة في الفشل في ممارسة سيطرة الدولة الفعالة وبناء جيوش مخلصة للدولة، تخدمها بدلًامن المصالح الضيقة للأنظمة أو السياسيين أو الجنود 15. لقد أ جِرَِيَْتْ دراسة مسحية على 54 دولة أفريقية لبحث دوافع تدخّل العسكريين في الشأن السياسي، وتوصّلت إلى ستة دوافع رئيسة للتدخل: الدوافع المتعلقة بالأداء الحكومي (الفساد، القمع، انتشار العنف، فشل الحكم النيابي في تحقيق مطالب الجماهير)؛ العوامل الاجتماعية والاقتصادية، وتتمثل في التنافس الإثني والقبلي والإخفاق الاقتصادي والمجاعات؛ انقسام النخبة (بسبب الاختلاف حول السياسات والبرامج والخلافات الأيديولوجية والمذهبية)؛ العوامل المتعلّقة بمصالح ذاتية؛ الدوافع العسكرية؛ الدوافع المتصلة بالعوامل الخارجية، وتتفرع من هذه الدوافع الرئيسة للتدخل سبعة عشر دافعًا فرعيًا 16. على الرغم من خطورة الانقلابات العسكرية على الحياة المدنية والحريات، فإن مستوى العسكرة في المجتمع يعتمد، بصفة رئيسة، على مدى تغلغل العسكريين في الحياة المدنية، وسعيهم لفرض سياسات تؤدي إلى عسكرة المجتمع. فقد يصل الضباط إلى السلطة، في بعض الحالات، من دون إحداث تأثير كبير في الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي، بينما يسعى آخرون لعسكرة شاملة للمجتمع. تشمل العسكرة أبعادًا مادية وسياسية واجتماعية، وتقتضي دراستها الوعي بالطبيعة المتعددة الأوجه لهذه الظاهرة، وقد برزت عدة
محاولات لوضع معايير موضوعية لقياس ظاهرة العسكرة، مثل: مجموعة بيانات الأدوار السياسية للجيش PRM، ومجموعة بيانات مشاركة الجيش في الاقتصاد MIITE، ومجموعة بيانات التجنيد العسكري، ومجموعة بيانات المدارس العسكرية، أو مؤشر العسكرة العالمي GMI. ولاحقًا، قدّم ماركوس باير وآخرون نموذجًا متعدد الأبعاد للعسكرة، يتضمن 30 مؤشرًا، ويغطي ثلاثة أبعاد رئيسة (مادية وسياسية ومجتمعية)، بناءً على 140 مؤشرًا لدراسة الفترة 2020-199017، واستندت دراستهم، إلى حٍدٍ بعيد، إلى منظور بومان للعسكرة، هذا المنظور الذي يرى أن العسكرة عملية ثلاثية الأبعاد، تشمل: العسكرة المادية، ويقصد بها تخصيص الموارد المادية والاقتصادية والاجتماعية للقوات المسلحة؛ والعسكرة السياسية، وتعني امتلاك الجيش امتيازات وقدرة على اتخاذ القرارات المتعلقة بالسياسات والتأثير في النظام الحاكم؛ والعسكرة الاجتماعية، وتأخذ شكل توسيع دور الجيش في المؤسسات المجتمعية، وفي الحياة اليومية للمواطنين العاديين، مثل التجنيد والشرطة والأنشطة الريادية 18. تُقاس العسكرة المادية من خلال الزيادة في الأسلحة وقدرتها التدميرية، ونسبة الأفراد المنخرطين في الأنشطة العسكرية إلى عدد السكان، والموارد المالية والإنفاق العسكري وغيرها 19، ويتجّل ىذلك في زيادة الميزانية العسكرية ونسبة الإنفاق العسكري من إجمالي الإنفاق الحكومي. تُعرف العسكرة السياسية بمستوى التأثير الذي يمارسه الجيش، سواء بصفة مباشرة من خلال توّل يالضباط مناصب سياسية، أم غير مباشرة عبر التأثير من خلف الكواليس، وُيُقاس ذلك بمدى سيطرة الجيش على المناصب الأساسية للسلطة السياسية، ودوره في صنع السياسات وقمع المعارضة. أما العسكرة الاجتماعية، فتظهر من خلال المجالات التي يؤثر فيها نشاط الجيش، مثل: أنماط التجنيد والأنشطة التجارية والتعليم والقيم الثقافية والنظام القانوني والثقافة السياسية 20.
ثانيًا: مظاهر تصاعد العسكرة في الحياة السياسية السودانية
هناك خمسة مؤشرات تعكس مستوى عسكرة النظام السياسي: الانقلاب على السلطة المدنية، وتمسّك العسكريين بالسلطة، وتحزّب الحكومة العسكرية، وتجييش الشعب وعسكرة الحياة المدنية، وتغلغل الجيش في النشاط الاقتصادي. يهدف هذا المبحث إلى تحليل تصاعد مظاهر العسكرة في السودان، من خلال دراسة تجارب الحكم العسكري الثلاث في ضوء هذه المؤشرات.
1. الانقلاب على السلطة المدنية
يُعدّ الانقلاب العسكري على السلطة المدنية أحد أبرز مؤشرات عسكرة المجتمع، حيث يفتح المجال لعسكرة الحياة المدنية عبر مؤسسات الدولة. وقد شهد السودان، منذ استقلاله في عام 1956، عددًا من المحاولات الانقلابية على الحكم المدني، أشهرها عشر محاولات: محاولة إسماعيل كبيدة 1957()، انقلاب الفريق إبراهيم عبود 1958()، انقلاب جعفر نميري 1969()، محاولة هاشم العطا 1971()، محاولة حسن حسين 1975()، محاولة محمد نور سعد 1976()، انقلاب عمر البشير 1989()، محاولة عبد القادر الكدرو 1990()، محاولة العقيد أحمد خالد 1992()، ومحاولة انقلابية نُسِبِت إلى المؤتمر الشعبي.)2004(نجحت من هذه المحاولات ثلاثة انقلابات: عبود، ونميري، والبشير. وأدّت هذه الانقلابات العسكرية الثلاثة الناجحة أدوارًا متفاوتة في عسكرة المجتمع، راوحت بين التأثير المحدود والشامل، ولوحظ تصاعد مستمر لتغلغل العسكريين في الشؤون الاقتصادية والاجتماعية والسياسية بمرور الوقت.
2. تمسّ ك العسكريين بالسلطة
يشير تمسّك العسكريين بالسلطة وحرصهم على الاستمرار فيها، غالبًا، إلى رغبتهم في عسكرة المجتمع، ويمكن القول إن هناك مؤشراٍتٍ معينةً توضح مدى تمسّكهم بالسلطة، من أبرزها صراعهم مع القوى المدنية من أجل الاستمرار في السلطة. ويتجّل ىذلك في الإجراءات القمعية التي يتّخذونها ضد المؤسسات الديمقراطية والقوى المدنية، مثل تعطيل الدستور وحلّ الأحزاب وملاحقة منظمات المجتمع المدني والرقابة على الصحف وقمع المعارضين السياسيين، فضلًاعن سعيهم لإنشاء مؤسسات بديلة أو موازية للمنظمات المدنية، مثل الأحزاب الحاكمة والنقابات والهيئات الموالية لهم.
في ما يتعلق بالانقلاب العسكري الأول، بعد أن نال السودان استقلاله في الأول من كانون الثاني/ يناير 1956، تشكّلت حكومة مدنية حزبية، لكن احتدام الصراع بين الأحزاب انتهى إلى توجّه عام بسحب الثقة من رئيس الوزراء آنذاك (عبد الله خليل)، فأوعز إلى العسكريين باستلام السلطة، وقاموا بذلك في 17 تشرين الثاني/ نوفمبر 1958. وهذا ما أكّده قائد الانقلاب نفسه، فبعد إطاحة النظام العسكري الأول في عام 1964، قال قائد الانقلاب الفريق عبود، أمام اللجنة التي شكّلتها الحكومة المدنية للتحقيق في ملابسات الانقلاب، إنهم قاموا باستلام السلطة بناء على توجيهات عبد الله خليل (رئيس الوزراء آنذاك) الذي كان في الوقت نفسه وزيرًا للدفاع، وقال عبود إنه "نفّذ أمر وزير الدفاع" 21. على الرغم من أن العسكريين لم يكونوا طامحين إلى الوصول إلى السلطة، فإنهم تمسّكوا بها بعد حصولهم عليها. يقول المحجوب عن الفريق عبود إنه ما كان يراوده طموح إلى الزعامة، وإن غاية ما كان يطمح إليه هو أن ينهي خدمته العسكرية ويسحب تعويضه التقاعدي ويفتح كاراجًا في الخرطوم بحري، لكنه "لما ذاق طعم السلطة، تمكّن من الاحتفاظ بمنصبه" 22. وفي الواقع، ومنذ اليوم الأول للانقلاب، قرّر عبود حلّ جميع الأحزاب السياسية، ومنع التجمعات والمواكب والمظاهرات في مديريات السودان وتعطيل الصحف، ودخل في صراعات مع قادة الأحزاب، وزجّ بهم في السجون، كما حلّ النقابات العمالية وطارد قياداتها، ومع ذلك اعتبر نظام عبود هو الأقل وطأة على القوى المدنية من الانقلابين الآخرين. جاء النظام العسكري الثاني، بقيادة الرئيس نميري، في عام 1969، بعد صراعات سياسية حادّة، أدّت إلى حل الحزب الشيوعي السوداني. حكم نميري 16 عامًا، تعامل مع المعارضة خلالها بالقمع والعنف، وعلى الرغم من المقاومة الشعبية العنيفة التي واجهها، مثل معركة الجزيرة أبا وأحداث ود نوباوي في عام 1970، وحركة شعبان في عام 1973، ومحاولات الجبهة الوطنية إسقاطه في عام 1976، فإن النظام تمسّك بالسلطة، مستخدمًا كل الوسائل المتاحة لضمان بقائه. وانقلب على الحزب الشيوعي الذي دعمه في البداية، فأعدم قياداته، وحوّل (النظام) توجّهه السياسي إلى النقيض. أنشأ النظام تنظيمًاسياسيًا بديلًا، وألغى الأحزاب، وأسس نقابات تابعة له، وفصل موظفين حكوميين بناءً على انتماءاتهم السياسية والفكرية؛ ما عزّز قبضته على مؤسسات الدولة 23. بعد سقوط نظام نميري في عام 1985، لم يتخَّلَ العسكريون عن السلطة فورًا، كما حدث في عام 1964، بل شكّلوا مجلسًا عسكريًا، إلى جانب مجلس وزراء مدني، لإدارة المرحلة الانتقالية حتى إجراء الانتخابات في عام 1986. وعكس هذا السلوك تحوّلًاثقافيًا داخل المؤسسة العسكرية، وأظهر رغبة واضحة لدى العسكريين في الحكم، ومَّثَل ذلك بدايةً لتغلغل عسكري أوسع في الحياة السياسية السودانية، وتراجعًا لدور القوى المدنية. كذلك فقد أبدى الحكم العسكري الثالث، بقيادة البشير، حرصًا واضحًا على الاستمرار في السلطة تحت مختلف الظروف، لذا عدّل الدستور عدة مرات لتمديد فترات حكم البشير، كما استخدم (النظام)، خاصة في بداية عهده، أساليب قمعية ضد المعارضين السياسيين، واستغل الصراعات القبلية للتحكم في السلطة، ووزّع المناصب والامتيازات الاقتصادية على الداعمين له، خاصة من النخبة القبلية والاقتصادية، إلى جانب اعتماده على الجيش والأجهزة الأمنية قاعدةً رئيسة لاستمرار حكمه، والتحكم في الإعلام، واستخدام أسلوب المفاوضات والمصالحات مع الحركات المسلّحة والأحزاب المعارضة لكسب الوقت؛ حيث وَّقَع
أكثر من 04 اتفاقًا مع القوى السياسية والحركات المسلّحة 24. ويرى المحبوب عبد السلام أن أفراد النظام، بحكم استمرارهم في الحكم فترة طويلة، امتلكوا مقدرة كبيرة على المناورة والتكتيك والحصول على المكاسب، وبقي موضوع الديمقراطية لديهم "مجرد تكتيك" 25. بعد إطاحة البشير 11(نيسان/ أبريل 2019)، سعى العسكريون للحفاظ على سلطتهم من خلال تشكيل مجلسين: مجلس السيادة الذي ضم عسكريين ومدنيين بالتساوي، ومجلس الوزراء الذي كانت غالبيته من المدنيين، مع بعض الوزراء العسكريين. تم الاتفاق على أن تكون رئاسة مجلس السيادة للعسكريين في النصف الأول من الفترة الانتقالية، ثم للمدنيين في النصف الثاني. لكن لما حانت فترة رئاسة المدنيين، نفّذ العسكريون انقلابًا ليواصلوا حكمهم، واستمروا في السلطة أكثر من خمسة أعوام، ولا يزالون مستمرين في السلطة حتى كتابة هذه السطور (أيار/ مايو.)2024 عمومًا، اعتمدت الحكومات العسكرية السودانية، على اختلافها، على القوة العسكرية والسياسات القمعية للبقاء في السلطة، حيث جرى سجن المعارضين السياسيين وإضعاف الأحزاب وتدجين المجتمع المدني. وجعلت هذه السياسات من الصعب على القوى المدنية مقاومة الحكم العسكري؛ ما أدّى إلى استمرار الحكومات العسكرية فترات طويلة، على الرغم من تآكل شرعيتها وتراجع دعمها الشعبي.
3. تحزّب الحكومات العسكرية
نسعى في هذا المطلب لدراسة تحزّب الحكومات العسكرية التي حكمت السودان، وكما سبقت الإشارة، تكمن الخطورة في تحزّب الحكومة العسكرية، وليس في تسييسها؛ لأن تدخل الجيش في الشؤون السياسية أمٌرٌ حتمي بطبيعته.
أ. نظام عبود
كان بعض أعضاء المجلس العسكري في حكومة الفريق عبود يميلون سياسيًا إلى حزب الأمّة، مثل اللواء أحمد عبد الوهاب، نائب رئيس المجلس، بل كان عبود نفسه محسوبًا على التيار الاتحادي، وعلى الرغم من ذلك، فإن القرارات التي اتّخذها المجلس العسكري لم تكن قائمة على مواقف حزبية، وعلى الرغم أيضًا من الرأي الذي كان سائدًا بأن الفريق عبود محسوٌبٌ على حزب الشعب الديمقراطي الذي كان يرفض المعونة الأميركية، فإن عبود قبلها في توافق مع موقف حزب الأمّة. وشهد عهده صراعات مع الحكومة المصرية التي كان يؤيّدها التيار الاتحادي عمومًا. وتبنّى عبود سياسة عدم الانحياز؛ ما أكسبه صداقات مع الأطراف الدولية المختلفة، وبقي نظامه على مسافة واحدة من جميع الأحزاب السودانية، حيث حظرها كلها حتى سقوطه في 21 تشرين الأول/ أكتوبر.1964
ب. نظام نميري
شهد نظام الرئيس نميري تدّخلّات حزبية أكبر، مقارنة بحكومة عبود، حيث لم يكن الضباط الذين شاركوا في الانقلاب العسكري محسوبين على تيار سياسي معّي نفحسب، بل كان بعضهم أعضاء في الحزب الشيوعي، مثل هاشم العطا وبابكر النور. في حين كان آخرون ينتمون أو يتعاطفون مع التيار القومي العروبي واليساري بعامةٍ، مثل نميري وخالد حسن عباس وأبو القاسم هاشم وفاروق عثمان حمد الله 26. منذ اللحظة الأولى لانقلاب نميري، ظهر التوجه الحزبي للنظام، حيث أشار قائد الانقلاب في بيانه الأول إلى أن أحد أسباب التحرك كان عبث الأحزاب بالدستور، في إشارة إلى حادثة حل الحزب الشيوعي. أعقب ذلك تعيين شخصيات بارزة مرتبطة باليسار، مثل بابكر عوض الله الذي عُّي نرئيسًا لوزراء النظام الجديد، وكان ينتمي إلى التيار القومي العربي، وكان مرشح اليسار لانتخابات رئاسة الجمهورية التي كانت ستجرى في ذلك العام، إضافة إلى أنه كان قد استقال سابقًا احتجاجًا على طرد النواب الشيوعيين من الجمعية. وفي إطار النهج الاشتراكي للنظام، أقدمت الحكومة على تأميم سبعة مصارف أجنبية وعربية، وأربع شركات تجارية وصناعية، مبررة ذلك برغبتها في تحقيق الاستقلال الاقتصادي وتصفية النفوذ الاستعماري وإزالة معوّقات النموّ، في سعيها لبناء اقتصاد اشتراكي 27. كما تحوّل النظام تحوّلًاجذريًا في مواقفه السياسية، متنقلًامن أقصى اليسار إلى أقصى اليمين، وسعى في البداية لاجتثاث الأحزاب، ثم تصالح معها في عام 1977، ودمج قادة هذه الأحزاب مع الاتحاد الاشتراكي السوداني، وأعلن في عام 1983 عن تطبيق الشريعة الإسلامية، وهكذا انتهى النظام الذي جاء لتعويق إجازة الدستور الإسلامي إلى إعلان تطبيق الشريعة الإسلامية قبيل سقوطه في عام.1985
ظهرت الحكومة العسكرية الثالثة في سياق صراعات متصاعدة بين الحكومة والمعارضة، مع تحوّل جوهري في علاقة المؤسسة العسكرية بالسلطة السياسية؛ حيث استخدمت المؤسسة العسكرية "حق الفيتو" للتأثير في القرارات السياسية، كما وصفها حسن الحاج علي. وتمثل ذلك في مذكرة وقّعها 150 ضابطًا، بقيادة القائد العام للجيش، ركّزت على عدة قضايا، مثل ضرورة إصلاح السياسة الخارجية، ومعالجة التدهور الاقتصادي، وكبح التضخم وارتفاع الأسعار، وتعزيز الأمن في مواجهة الميليشيات، ومعالجة تفكك المجتمع وانتشار الفساد، وحل الصراع المسلح في دارفور، كما طالبت المذكرة بتوسيع الحكومة. واستجابةً لضغوط مذكرة الجيش والمطالب السياسية، قدّمت الحكومة استقالتها، وُشُكّلت حكومة جديدة تلبيةً لهذه المطالب. اسُتُبِعِدت الجبهة الإسلامية القومية من التشكيل الجديد للحكومة، فاعتبرت ذلك محاولةً للتراجع عن الشريعة الإسلامية؛ لذا انقلبت على النظام الديمقراطي في 30 حزيران/ يونيو 1989 28. رتبت الجبهة للانقلاب الذي نفّذه "مدنيون بثياب عسكرية"، ثم مثّل عناصر في الجيش دور الانقلابيين 29، أي استولى التنظيم على السلطة بواجهة عسكرية. وعلى الرغم من سعى النظام الجديد في البداية لإخفاء هويته الإسلامية، فإنه كشف عن هذه الهوية بعد عام واحد، حينما صرّح رئيس النظام بأن "الثورة لا تعرف الفصل بين الدين والسياسة" 30، وعلى الرغم من حلّ الجبهة الإسلامية القومية، توّل ىقادُتُها معظم المناصب الحكومية، وتوّل ىحسن الترابي، زعيم الجبهة، منصب رئيس البرلمان، والأمين العام للمؤتمر الوطني (التنظيم السياسي الذي شكّله النظام الجديد في وقت لاحق.) وبصفة عامة، يُعدّ نظام البشير من أكثر الأنظمة العسكرية تحزبًا في تاريخ السودان الحديث، وبقي متمسكًا بشعاراته الحزبية حتى سقوطه.
عسكرة الحياة المدنية والسياسية
لم يُحدث النظام العسكري الأول في السودان عسكرة واسعة، حيث استمرت القوة النظامية في أداء دورها المعتاد، من دون زيادة أو نقصان، ولم يتم إنشاء قوة عسكرية جديدة، أو التعامل مع ميليشيات أو قوات شبه عسكرية، كما حدث في الأنظمة العسكرية التي تلته. ساعد في ذلك الاستقرار النسبي في البلاد آنذاك، حيث كانت الحرب محصورة في جنوب السودان فحسب، ولم يكن هناك ما يستدعي الاستعانة بميليشيات، بل لم تكن هناك ميليشيات مسلّحة في السودان، باستثناء المتمردين الجنوبيين أنفسهم. في عهد الرئيس نميري، زادت عسكرة الحياة السياسية، خاصة في الأعوام الأخيرة، من خلال تعيين حكّام عسكريين للأقاليم، وإنشاء جهاز أمن صارم، وبروز ظاهرة تعذيب المعارضين السياسيين، وإدخال مفهوم "التجنيد الإجباري" أول مرة في السودان في عام 1971، لتصبح إدارة الخدمة الوطنية جزءًا من المؤسسات العسكرية التي أنشأها النظام، إضافة إلى بداية ظهور الشركات الاقتصادية للجيش، ممثلة في "المؤسسة الاقتصادية العسكرية." أما في عهد الرئيس البشير، فقد تعزّزت عسكرة الحياة السياسية أكثر خلال سنوات حكمه الثلاثين، حيث سنّ النظام قانون الخدمة الوطنية في عام 1992. وعبر منسّقية الخدمة الإلزامية، نفّذ النظام حملات إجبارية لإلحاق الشباب بمعسكرات التدريب، وأرسل بعضهم للقتال في جنوب السودان 31. وأسس في عام 1989 قوات الدفاع الشعبي "لمعاونة قوات الشعب المسلحة والقوات النظامية الأخرى، والإسهام في أعمال الدفاع عن الوطن، والمعاونة في التصدي للأزمات والكوارث العامة، وأي مهام أخرى توكل إليها من القائد العام" 32. استخدم نظام البشير الدفاع الشعبي وميليشيات أخرى لدعم سياساته، خاصة في مناطق النزاع، مثل دارفور؛ ما زاد من عسكرة النزاعات المحلية 33، كما أنشأ النظام "شرطة الاحتياطي المركزي" لمواجهة الاحتجاجات والمظاهرات الداخلية، إضافة إلى جهاز الأمن والمخابرات الوطني الذي كان يتمتع بسلطات واسعة، إضافة إلى الأمن الشعبي التابع للحركة الإسلامية. وكانت هذه الأجهزة تتّسم بقدرات عسكرية كبيرة؛ ما ساهم في تعزيز الطابع العسكري للنظام السياسي. لكنّ أبرز مظاهر عسكرة السياسة وأخطرها، في عهد البشير، تمثّلت في تأسيس قوات الدعم السريع التي أدّت دورًا رئيسًا في قمع الحركات الاحتجاجية والسيطرة على الأوضاع الأمنية؛ ما جعلها جزءًا أساسيًا في تعزيز عسكرة الحياة السياسية في السودان 34. وقالت منظمة
هيومن رايتس ووتش الدولية في عام 2015 إن هذه القوات "ارتكبت طيفًا واسعًا من الانتهاكات المروّعة"، وأضافت أن ما قامت به قوات الدعم السريع "يرقى إلى جرائم حرب[...]وقد تشكل جرائم ضد الإنسانية" 35. بعد سقوط نظام البشير، خاضت هذه القوات حربًا في السودان، أسفرت عن مقتل عشرات الآلاف من السودانيين وتشريد أكثر من 15 مليون شخص، ولا تزال الحرب مستمرة، وتؤثر سلبيّا في البلاد، حتى كتابة هذه السطور.
5. تدخل الجيش في النشاط الاقتصادي
بمرور الوقت، يلُاحظ تنامي تغلغل الجيش السوداني في النشاط الاقتصادي، بوتيرة متسارعة؛ إذ دخل المجال الاقتصادي خلال سبعينيات القرن الماضي، حينما أسّس الرئيس الأسبق نميري "المؤسسة الاقتصادية العسكرية"، وبحسب البطحاني، فإن الرئيس نميري أنشأ هذه المؤسسة بهدف تحويل الجيش إلى "طبقة جديدة" ذات مصلحة اقتصادية في الدفاع عن الوضع القائم. وشمل ذلك توفير السلع الاستهلاكية والسيارات لكبار الضباط، وأدى ذلك، فعلًّيًا، إلى تعزيز الروابط بين ضباط الجيش والطبقة التجارية المدنية، ومع ذلك فإن الجيش نفسه لم يكن منخرطًا في الأعمال التجارية 36. لكن، توسّعت المصالح الاقتصادية للجيش بطريقة غير مسبوقة خلال حكم البشير، حيث قُدّر عدد الشركات التابعة للجيش بنحو 200 شركة، تعمل في إنتاج الذهب والمعادن الأخرى وبيعها 38، منها: شيكان للتأمين والخرطوم للتجارة والملاحة وبنك أم درمان الوطني ومجموعة جِياد الصناعيّة وتوباز للصناعات المعدنية وغيرها 39. كان للدعم السريع ميزانية خاصة، يُجيزها البشير، ولا تمر بديوان المحاسب العام، ولا تخضع للمراجعة 41، كما أعطت الحكومُةُ قائَدَ قوات الدعم السريع حقًا حصريًا للتنقيب عن الذهب في جبل عامر؛ ما أكسب هذه القوات قدرات اقتصادية هائلة، وأنشأ قادتها شركات تعمل في تجارة الذهب والبناء، مثل شركة الجنيد وغيرهما.Tardive Companyو دعت الحكومة الانتقالية، بعد سقوط نظام البشير، إلى حظر النشاط الاقتصادي للجيش، وإلى "الشفافية المالية والمحاسبية في شركات الحكومة والمكوّن العسكري" 42، وفي إطار مساندتها رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، اشترطت الولايات المتحدة، لإعادة هيكلة وإلغاء ديون السودان، التزام الحكومة السودانية بالشفافية المالية للمؤسسات الاقتصادية العسكرية، وإنهاء أي تدخل للأجهزة العسكرية والأمنية في قطاع التنقيب والموارد المعدنية، بما في ذلك النفط والذهب 43. رفضت القوات المسلحة ذلك، وقال قائدها عبد الفتاح البرهان إن "هناك جهات تعمل على إحداث قطيعة وجفوة بين القوات المسلحة ومكوّنات الشعب السوداني من خلال ترويجها لبعض الأكاذيب حول هذه الشركات واستحواذها على مفاصل الاقتصاد" 44. وضَّمَنت قوى الحرية والتغيير موضوع حظر النشاط التجاري للجيش في الفقرة الخامسة من مسوّدة الاتفاق الإطاري التي نصّت على: "حظر جميع الأنشطة التجارية والاستثمارية للقوات المسلحة، عدا تلك التي تتعلق بالتصنيع الحربي والمهمات العسكرية، وتحويل الإشراف على كل الشركات التابعة للقوات المسلحة إلى وزارة المالية" 45، وقد رفضت القوات المسلحة ذلك قبل أن تقوم الحرب في نيسان/ أبريل 2023. على كٍلٍ، ساعد تزايد المصالح الاقتصادية للجيش، وتغلغله في النشاط الاقتصادي بهذه الكثافة، في تعزيز موقعه في المعادلة السياسية من ناحية، وزاد من رغبته في التغلغل في السياسة، حمايةً لهذه المصالح وتحقيقًا للمزيد منها من ناحية أخرى. وفي الواقع، يأتيي الدفاع عن مصالح الجيش وأفراده في طليعة الأسباب التي تضطر القادة العسكريين، بصفة عامة، إلى القيام بانقلاب عسكري، خاصة حينما يشعرون بأن الحكومات المدنية تُهمل احتياجات الجيش الأساسية، أو تسعى للإضرار بمصالحه.
ثالثًا: جهود القوى المدنية لتحجيم دور العسكريين
سعت القوى المدنية باستمرار لتفادي وقوع الانقلابات العسكرية في المستقبل وتحجيم مظاهر العسكرة، وبذلت جهودًا مُقدّرة في هذا الصدد. ومع ذلك بقي دور المؤسسة العسكرية في السياسة الوطنية يتعاظم باطراد، ويمكن حصر جهود الأحزاب لتعزيز الديمقراطية ومحاصرة الانقلابات العسكرية في الآتيي:
جهود تطوير الأحزاب السياسية وزيادة فاعليتها وكفاءتها
بعد سقوط النظام العسكري الأول، بدأ الحديث عن ضعف الأحزاب السياسية وصراعاتها الداخلية، باعتبارها من أسباب تغلغل العسكريين في السياسة السودانية. فشرعت بعض الأحزاب في مراجعة هياكلها وبرامجها وأفكارها، على سبيل المثال، قام الحزب الشيوعي بمراجعة أدائه، وأصدر في آذار/ مارس 1969 وثيقة تناولت تحسين العمل القيادي، حذّرت من خطورة التكتيك الانقلابي والعقلية الانقلابية السائدة وسط بعض القيادات 47. ورفع الصادق المهدي آنذاك شعار التجديد والتحديث الحزبي داخل حزب الأمّة، وبرزت خلال تلك المرحلة من التاريخ السوداني تحالفات جديدة، تمثّلت في "مؤتمر القوى الجديدة" التي شملت حزب الأمه (جناح الصادق) وجبهة الميثاق، ومؤتمر البجا، وحزب سانو الجنوبي، للتنسيق في المواقف المشتركة. لكنّ الأحزاب السياسية انغمست آنذاك في صراعات داخلية، أدّت إلى انشقاقات واسعة في صفوفها؛ فحزب الأمّة انقسم جناحين: جناح الصادق المهدي وجناح الهادي المهدي، واستمر الانقسام بين حزبي الوطني الاتحادي وحزب الشعب الديمقراطي، وشهدت تلك الفترة صراعًا سياسيًا حاًّدًا حول موضوع الدستور الإسلامي. وفي عام 1965، حلّت الأحزاب الحزب الشيوعي وطردت نوابه من البرلمان، فردّ الحزب الشيوعي على ذلك بالانقضاض على السلطة في 25 أيار/ مايو 1965، متحالفًا مع بعض القوميين العرب، وهكذا فقد أدّى الصراع الحزبي إلى تعويق محاولات تطوير الأحزاب السياسية في السودان؛ ما انعكس سلبيّا على التجربة الديمقراطية برمّتها.
2. محاولات منع الانقلابات في السودان
لم تتّخذ القوى المدنية بعد الانقلاب العسكري الأول إجراءات جادّة لمنع تكرار الانقلاب، ربما لاعتقادها أن العسكريين غير طامحين إلى السلطة، وأنهم استولوا عليها استجابة لرغبة المدنيين. لكنّ القوى المدنية اكتشفت رغبة العسكريين الجامحة في السلطة، بعد انقلاب نميري وظهور استعدادهم للحفاظ على السلطة بأي ثمن، بما في ذلك قمع المعارضة السياسية، ولذلك بدأت هذه القوى باتخاذ إجراءات قضائية وسياسية لمنع تكرار الانقلاب. قضائيًا، تمّت محاكمة بعض رموز النظام السابق، مثل اللواء عمر محمد الطيب وأعضاء مجلس قيادة الثورة، حيث حُكم عليهم بالسجن المؤبد، وُأ طلق سراحهم بعد انقلاب البشير. وتم اتخاذ قرار بمحاكمة الرئيس السابق عمر " 48البشير و 27 متهمًاآخرين بتهمة "تدبير انقلاب 1989، واستمرت المحاكمات حتى اندلاع الحرب في 15 نيسان/ أبريل.2023 أما على الصعيد السياسي، وبعد سقوط نظام نميري، وقّع 17 حزبًا، مع ممثل لقوات الشعب المسلحة، "ميثاق الدفاع عن الديمقراطية" الذي أكد رفض الانقلاب على النظام الديمقراطي، وأن تكون القوات المسلحة مؤسسة قومية، لا تنحاز إلى أي جهة سياسية أو طائفية، وأن تتّخذ الأحزاب تدابير عاجلة لمقاومة أي اعتداء على الديمقراطية، على رأسها الإضراب السياسي والعصيان المدني 49. لكن ذلك لم يمنع وقوع الانقلاب الذي قامت به الجبهة الإسلامية القومية 50 في 30 حزيران/ يونيو 1989. وعلى الرغم من تشكيل "التجمع الوطني الديمقراطي" بناءً على "ميثاق الدفاع عن الديمقراطية"، بهدف إسقاط النظام، فإنه استمر ثلاثين عامًا، تمكّن خلالها من عقد الكثير من التحالفات مع بعض الأحزاب المنضوية إلى التجمع، وضعف نشاط التجمع بمرور الوقت، وتمكّن النظام من استخراج النفط؛ ما عزّز قبضته على السلطة، خاصة في مرحلة ما قبل انفصال الجنوب، وقاد ذلك كله إلى استمرار النظام طوال هذه الفترة. بعد سقوط نظام البشير وبروز الصراع بين القوات المسلحة والدعم السريع، وبدلًامن استغلال هذا الصراع لمصلحة تحجيم دور المؤسسة العسكرية في الشأن السياسي بعامةٍ، انقسم المدنيون فريقين، وناصر كل فريق طرفًا من العسكريين وراهن عليه للوصول إلى السلطة، إّل ا أن الحرب التي اندلعت بين الطرفين العسكريين قوّضت
التجربة الديمقراطية الوليدة برمّتها، بل أوقفت مسيرة البلاد نحو الحكم الديمقراطي.
محاولات استعادة الديمقراطية عقب الانقلابات العسكرية
ظلت قيادات الأحزاب السودانية تحاول، عقب وقوع كل انقلاب عسكري، استعادة المسار الديمقراطي. فبعد انقلاب نظام الفريق عبود، تشكّلت "الجبهة القومية المتحدة" لمناهضة الانقلاب، من حزب الأمّة والحزب الوطني الاتحادي والحزب الشيوعي، وطالبت عبود في عام 1961 بتسليم السلطة للمدنيين ورجوع الجيش إلى ثكناته 51. وتعرّض قادة الأحزاب للسجن نتيجة لذلك، وشهدت تلك المرحلة أيضًا إضرابات طلابية، انتظمت في البلاد، كان على رأسها اتحاد طلاب جامعة الخرطوم 52، فضلًاعن الإضرابات التي قادها الاتحاد العام لنقابات عمال السودان. وقد أفضت هذه التحركات كلها إلى سقوط النظام. بعد قيام انقلاب أيار/ مايو، تشكّلت "الجبهة الوطنية" برئاسة الشريف حسين الهندي، لمعارضة النظام، ثم آلت الرئاسة إلى الصادق المهدي. بذلت هذه الجبهة جهودًا كبيرة من أجل إسقاط النظام، وحدثت المواجهة التي أ شير إليها آنفًا، بين الطرفين في الجزيرة أبا، في عام 1970، وحاولت الجبهة أيضًا إسقاط النظام عدة مرات، مثل: انقلاب حسن حسين 1975()، وحركة محمد نور سعد 1976() وغيرهما، كما قامت التنظيمات الطلابية بعدد من المواجهات مع النظام، أشهرها حركة شعبان 1973(.) لكن الصادق المهدي، ومن دون أخذ موافقة شركائه في الجبهة الوطنية، دخل في مصالحة مع النظام؛ فانفرط عقد الجبهة، وبقي الهندي معارضًا في الخارج حتى وفاته في عام.1982 فور استيلاء العسكريين على السلطة، في 30 حزيران/ يونيو 1989، تشكّلت جبهة معارضة للنظام الجديد. بُلورت هذه الجبهة المعارضة، لاحقًا، في "التجمع الوطني الديمقراطي" الذي ضّم 13 حزبًا سياسيًا و 56 نقابة واتحادًا، حيث ضمت هيئة القيادة: الحزب الاتحادي الديمقراطي والحركة الشعبية والجيش الشعبي لتحرير السودان وتجمع الأحزاب الأفريقية والحزب الشيوعي والحزب القومي السوداني والمجلس العام للاتحادات النقابية و"القيادة الشرعية للقوات المسلحة" ومؤتمر البجا وقوات التحالف السودانية والتحالف الفيدرالي الديمقراطي وتنظيم الأسود الحرة وحزب البعث العربي الاشتراكي والشخصيات الوطنية المستقلة ممثلي "المناطق المحررة" 53. أعلن التجمع عن أهدافه التي تمثّلت في: تغيير نظام الحكم الشمولي الراهن، وإقامة بديل ديمقراطي تعددي، وكشف مخططات النظام وارتباطاته بالإرهاب العالمي لعزله داخليًا وخارجيًا، وتنظيم الجماهير من أجل توفير احتياجاتها وكفالة حرياتها 55. على الرغم من المحاولات الجادّة التي بذلها التجمع لإسقاط الحكومة، خاصة في الأعوام الأولى، فإنه لم ينجح في تحقيق ذلك. ومع مرور الوقت، بدأت الأصوات الناقدة ترتفع داخل التجمع. في عام 1998، قدّم حزب الأمّة مذكرة إلى قيادة التجمع، انتقد فيها هيكله القيادي، معتبرًا أنه أشبه بهيكل جبهة حاكمة لاقتسام السلطة، بدلًا من كونه آلية نضالية. كما أشار إلى أن فصائل التجمع لم تكن مؤهلة بما يكفي للقيام بواجباتها السياسية، وأن العمل الخارجي كان معزولًا عن العمل الداخلي. إضافة إلى ذلك، انتقد الميثاق، قائلًاإنه لم يعد يعكس الواقع السياسي الجديد، وأشار إلى وجود تكوينات معارضة جديدة في الداخل والخارج لا تشملها مظلّة التجمع 56. استمر أداء التجمع في التراجع، وبعد توقيع اتفاق السلام مع الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة جون قرنق، في كانون الثاني/ يناير 2005، وَّقَع رئيس التجمع الوطني محمد عثمان الميرغني اتفاقًا مع حزب المؤتمر الوطني، من دون موافقة شركائه في التجمع، كما فعل الصادق المهدي في عام 1977 خلال فترة حكم الرئيس نميري. قضى الاتفاق بتخّل يالتجمع الوطني عن ممارسة أي نوع من المعارضة أو معاداة الوضع القائم في السودان. في عام 2009، تكوّن ائتلاف "قوى الإجماع الوطني" الذي ضّم 17 حزبًا معارضًا، منها "المؤتمر الشعبي" وحزب "الأمّة" القومي والحزب الشيوعي والحزب الناصري وحزب البعث، والمؤتمر السوداني وغيرها. وفي عام 2012، دبّ الخلاف بين أعضاء الائتلاف، وخرجت الأحزاب الفاعلة فيه، كحزب الأمّة والمؤتمر الشعبي، والمؤتمر السوداني، فتفكك 57.
وهكذا، يبدو واضحًا غياب الإرادة السياسية لدى الأحزاب، وعدم قدرتها على الُمُضيّ قُدُمًا في معارضة الأنظمة العسكرية، وقد فّس ر بعضهم ذلك بأنه نتيجة تقديم القادة السياسيين مصالحهم الشخصية الخاصة ومصالح أحزابهم وطوائفهم على القضية العامة 58. وفّسر ه آخرون بأنه نتيجة "عيوب تنظيمية في هذه الأحزاب، وفي تكلّس قياداتها ومنهجها القديم في تقديم الذاتيي على الموضوعي في تناولها للقضايا العامة" 59.
رابعًا: أسباب تصاعد ظاهرة العسكرة في السياسة السودانية
من خلال تتبع مسار السياسة السودانية، يمكن تفسير تصاعد دور العسكريين وتراجع دور المدنيين في السياسة السودانية عبر الزمن، بالآتيي:
غياب الرؤية لدى الأحزاب والحكومات المدنية
لم تكن الأحزاب السياسية غداة الاستقلال تمتلك أي رؤية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للبلاد؛ ولذلك لم تستطع تقديم برنامج محدد لمعالجة قضايا الواقع السوداني. يقول محمد أحمد المحجوب: "بدأت مشاكلنا فور حصولنا على الاستقلال[...]فالأحزاب وجدت نفسها فور تحقيق الاستقلال من دون أي هدف محدد [...]لم تكن لديها برامج مفصلة ومحددة لمعالجة النمو الاقتصادي والاجتماعي" 60. ساهم غياب الرؤية في عجز الحكومات الحزبية المتعاقبة عن تلبية تطلّعات المواطنين، ما أفقدها شرعيتها في نظر الشعب الذي أصبح يتطلّع إلى حكومة قادرة على معالجة مشاكله اليومية. استغل العسكريون هذا الوضع للانقضاض على السلطة، ولم تجد هذه الحكومات من يدافع عنها أمام الانقلابات العسكرية، بل، على العكس، وجدت جميع الانقلابات في السودان دعمًاشعبيًا واسعًا وقبولًاملحوظًا من معظم قطاعات الشعب لدى وقوعها. لقد أشارت كل بيانات الانقلابيين، في سعيهم لتبرير الانقلاب واكتساب تعاطف الشعب، إلى ضعف الحكومات المدنية وعجزها، فقد برّر عبود انقلابه على الحكومة المدنية ب "الفوضى، وعدم الاستقرار، والصراعات الحزبية والاتصال بالسفارات الأجنبية" 61، وبرّر نميري انقلابه بغياب الاستقرار وفساد الأحزاب وانتشار الرشوة والمحسوبية، وفتح أبواب البلاد للنفوذ الأجنبي 62، بينما ركّز بيان البشير على ما وصفه بالتدهور المريع في شتى أوجه الحياة، وفشل الأحزاب السياسية في قيادة الأمّة والتدهور الاقتصادي وفساد المسؤولين 63. لا يعني هذا أن العسكريين كانوا يمتلكون رؤية، أو مشروعًا سياسيًا، لكنهم سعوا، بعد وصولهم إلى السلطة، للاحتفاظ بها اعتمادًا على استخدام القوة ومحاصرة المعارضة وتقييد النشاط السياسي الحزبي والجماهيري.
الصراعات الحزبية
شكّلت الصراعات الحزبية سمة بارزة في جميع مراحل الحكم المدني في السودان. بدأت الخلافات قبل الاستقلال، حيث انقسم الوطنيون بين مؤيد للوحدة مع مصر، وآخرين يدعون إلى الاستقلال التام. استمر هذا الصراع بعد الاستقلال، ففي أعقاب سقوط حكومة إسماعيل الأزهري الأولى التي تمكّن فيها الحزب الوطني الاتحادي من تشكيل الحكومة منفردًا، أدّت انشقاقات الحزب إلى دخول السياسة السودانية في مأزق الحكومات الائتلافية التي استمرت في جميع مراحل الحكم الديمقراطي التالية، ليبقى هذا الصراع الإطار الذي يحكم العلاقات بين الأحزاب المؤتلفة. وتشكّلت بعد الاستقلال "حكومة ائتلافية محكومة بالموت سلفًا، لأن الأحزاب المختلفة التي اشتركت فيها نقلت إلى مجلس الوزراء خصوماتها ودسائسها، فوجد مجلس الوزراء نفسه عاجزًا عن الاتفاق على أي قضية، ناهيك بتحقيق شيء بنّاء" 64. وشهدت الديمقراطية الأولى في السودان انقسام الحزب الوطني الاتحادي بين الحزب الوطني الاتحادي بقيادة الأزهري، وحزب الشعب الديمقراطي برعاية السيد علي الميرغني زعيم طائفة الختمية. وشهدت الديمقراطية الثانية انقسام حزب الأمّة قسمين: جناح الإمام الهادي المهدي وجناح الصادق المهدي. وتسببت الخلافات الحادة بين الحزب الشيوعي السوداني وجبهة الميثاق الإسلامي بتشكيل تحالف بين جبهة الميثاق وحزَب يالأمّة والوطني الاتحادي. قاد التحالف حملة حلّ الحزب الشيوعي وطرد نوابه من البرلمان في عام 1965؛ ما ساهم مباشرة في قيام الحكم العسكري الثاني في 25 أيار/ مايو 1969، كما مرّ معنا سابقًا.
أدّى انشغال الحكومات بالصراع السياسي والحزبي إلى فشلها في توفير أبسط احتياجات الشعب من الأمن والغذاء والتعليم والصحة وسائر الخدمات. وقد عّب ربعض قادة هذه الأحزاب الحاكمة عن استيائهم من الحالة التي وصلت إليها البلاد جرّاء الصراع الحزبي، فقد أبدى المحجوب الذي شغل منصب رئيس وزراء، في غالب فترة الديمقراطية الثانية، امتعاضه مما كان يجري داخل حزب الأمّة، ومن محاولات الصادق المستمرة لإسقاط حكومته 65، كما ذكر الصادق المهدي نفسه أن من الأسباب التي قادت إلى الانقلاب العسكري الثاني فشل الإدارة الاقتصادية لحكومة المحجوب وإهمالها قضية الجنوب 66. وعّب ر زين العابدين الهندي، أحد أبرز قادة الحزب الاتحادي الديمقراطي الحاكم، عن استيائه وامتعاضه من أداء الحكومة الديمقراطية الثالثة، قائلًا: "لقد أعطينا الاعتراف، إننا لسنا جديرين بالحكم الديمقراطي" 67.
3. ضعف المجتمع المدني السوداني
يُعدّ المجتمع المدني الفاعل من أبرز ركائز الديمقراطية، حيث يُعتمد عليه في المطالبة بها، في الأنظمة غير الديمقراطية، ويعتبر، إلى جانب الأحزاب السياسية، قوّة رئيسة في عملية الدمقرطة Democratization68. وقد أدّى المجتمع المدني في السودان، خاصة نقابات العمال، دورًا فاعلًافي مناهضة الاستعمار، وفي السياسة الوطنية بعد الاستقلال، وساهمت النقابات العمالية واتحادات الطلاب في إسقاط نظامين عسكريين: نظام الفريق عبود في عام 1964، ونظام الرئيس نميري في عام 1985. وقد انتبهت الأنظمة العسكرية إلى خطورة الدور السياسي للحركة النقابية والمؤسسات المدنية، فسعت لتقييدها. وكما لاحظ عبد الله علي إبراهيم عن الحالة السودانية: "لا تنشأ دكتاتورية إّل اوُتُعلن حلّ الأحزاب وحلّ الاتحادات وحلّ النقابات" . لقد دخلت هذه الأنظمة في صراعات مستمرة مع تنظيمات المجتمع المدني، وعملت على شق وحدتها، وعلى تجفيف مصادر تمويلها، والتضييق على قياداتها، فعانى المجتمع المدني الحصار ونقص التمويل والتشهير الإعلامي والانقسامات الداخلية، وأصبح عاجزًا عن المشاركة الفاعلة في جهود التحوّل السياسي واستدامة الديمقراطية. وهكذا، لم تجد القوى المدنية الصاعدة إلى السلطة، عقب سقوط هذه الأنظمة العسكرية، سندًا في معركتها مع سدنة الأنظمة العسكرية السابقة، ولا في جهودها لترسيخ المؤسسات والممارسات الديمقراطية في بلدانها، وساهم كل ذلك في إضعاف النظام الديمقراطي، وأغرى العسكريين بالتدخل في الشؤون السياسية مرة أخرى والاستيلاء على السلطة والتحكم في مصير البلاد. لتعزيز دور المجتمع المدني في السودان، يجب تحديث الأطر القانونية لضمان حرية العمل وتوفير التدريب والتأهيل للعاملين وتعزيز التعاون بين المنظمات المدنية وتقديم الدعم المالي لتنفيذ برامجها وإشراك الشباب والنساء في الأنشطة المدنية وزيادة الوعي بأهمية المجتمع المدني، إضافة إلى بناء شراكات مع المؤسسات الأكاديمية لدعم الأبحاث المتعلقة بالقضايا المجتمعية وتعزيز الرقابة الشعبية على الحكومة، وتأكيد استقلالية المنظمات المدنية وحمايتها من التدّخلّات السياسية.
ضعف ترتيبات الضبط العسكري والتحوّل الديمقراطي
من أبرز أخطاء القيادات المدنية في السودان، بعد سقوط الأنظمة العسكرية، هو عدم التركيز على إعادة هيكلة النظام السياسي لضمان التحوّل الديمقراطي واستدامته. فبعد سقوط الأنظمة العسكرية الثلاثة، شهدت المؤسسات السياسية تغييرات محدودة، أثّرت سلبيّا في التحوّل الديمقراطي. لقد أظهرت تجارب دول، مثل إسبانيا والبرتغال، أهمية تفكيك المؤسسات السابقة وإعادة تشكيلها على أسس جديدة، فعلى سبيل المثال، قامت حكومة أدولفو سواريز في إسبانيا بعد سقوط نظام فرانسيسكو فرانكو 1975() بإلغاء المؤسسات القمعية، مثل محكمة الأمن العام وأجهزة الرقابة، وإلغاء نظام الحزب الواحد، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين. وأعادت تنظيم العلاقة بين القوات المسلحة والسياسة، وحدّثت القوانين الانتخابية، ونظمت العلاقة بين النقابات وأرباب العمل والدولة؛ ما ساهم في استدامة الديمقراطية . لكن الحكومات السودانية التي تلت هذه الأنظمة العسكرية لم تعمل على تفكيك المؤسسات السابقة؛ فعلى سبيل المثال، رفعت الحكومة المدنية التي تلت نظام نميري شعار "كنس آثار مايو"، لكن كان كل ما قامت به في هذا الصدد هو "إزالة حجر الأساس من بعض
المباني التي شيّدتها حكومة مايو، التي تعتبر من أميز ما تركت مايو من أثر، مثل قاعة الصداقة[...]والمجلس الشعبي بأم درمان" ، وبقيت القوانين والمؤسسات التي أقامتها الحكومة العسكرية طوال فترة الديمقراطية الثالثة حتى مجيء الحكم العسكري الثالث في حزيران/ يونيو.1989 بعد سقوط نظام "الإنقاذ"، سعت الحكومة الانتقالية ل "حظر المؤتمر الوطني" وإنشاء "لجنة إزالة التمكين" للتحقيق في ثروات رموز النظام السابق. إّل اأن اللجنة صادرت أمولًاكثيرة، من دون أحكام قضائية، ولم يتمكّن المتضررون من الاستئناف بسبب غياب جهة مختصة بذلك؛ ما أثار انتقادات واسعة، وهناك من اعتبرها أداة للتشفّي والانتقام، بدلًامن مكافحة الفساد. وأكد مهدي رابح، القيادي في المؤتمر السوداني وعضو لجان إزالة التمكين الفرعية سابقًا، وجود اختلالات في عمل اللجنة، مشيرًا إلى أنها افتقرت إلى الشفافية والرقابة، وارتكزت على معلومات استخباراتية مضللة؛ ما جعل عملها يتعارض مع القوانين الدولية لمكافحة الفساد، ويخدم تصفية الحسابات السياسية والشخصية . لا شك في أن ضعف ترتيبات الانتقال الديمقراطي في السودان شكّل عاملًارئيسًا في عرقلة جهود تعزيز دور المدنيين في الحكم، وأسهم في تصاعد ظاهرة العسكرة في المشهد السياسي. لقد افتقرت هذه الترتيبات إلى رؤية موَّحَدة وآليات مؤسسية فعّالة؛ ما أدّى إلى هشاشة البنية الانتقالية. وأدّى غياب المحاسبة، وتأخّر الإصلاح الأمني والعسكري، إلى تعزيز نفوذ المؤسسة العسكرية التي استغلت الفراغ السياسي وضعف الأحزاب المدنية لترسيخ دورها السياسي. وعمّق هذا الواقع فقدان الثقة الشعبية بقدرة المدنيين على إدارة الدولة؛ ما عزّز الاعتماد على الجيش ضامنًا للاستقرار، خاصة مع التحديات الاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة. تعكس هذه العوامل تعقيد التحّول الديمقراطي في السودان، وتداخل المصالح الداخلية والخارجية في تشكيل مساراته.
حرب نيسان/ أبريل 2023
على الرغم من تنامي مظاهر العسكرة في السودان، وصف مؤشر العسكرة العالمي لعام 2023 مستوى العسكرة في السودان بأنه "متوسط"، حيث احتل السودان المرتبة 68 على المستوى العالمي، وجاء في مؤشر العسكرة بعد مصر وجنوب السودان والعراق وموريتانيا وغيرها ، لكن كانت حرب نيسان/ أبريل 2023 نقطَةَ تحوٍّلٍ مهمةً في تاريخ البلاد؛ إذ ساهمت كثيرًا في تعزيز مستوى العسكرة على المستويات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية كلها. لقد أفضت هذه الحرب إلى تعزيز وضعية الميليشيات، واضطر عدد كبير من الشباب السودانيين إلى الانخراط في هذا النزاع المسلح، وانتشر السلاح في كل أنحاء البلاد بسبب الانفلات الأمني وضعف المؤسسات الأمنية؛ ما قاد الجماعات السودانية المختلفة إلى حيازة السلاح دفاعًا عن نفسها وممتلكاتها، وأدّت هذه الأوضاع إلى تعزيز دور المؤسسة العسكرية في مواضع صنع القرار السياسي وتهميش القوى المدنية. وأدّت الحرب أيضًا إلى تدني مستوى الأوضاع الاقتصادية، وسيادة اقتصاد الحرب وانتشار تجارة السلاح، وزيادة اعتماد المواطنين على المساعدات الإنسانية.
لقد أدّت هذه الحرب إلى تعزيز الإنفاق العسكري وتصاعد النزاعات المسلّحة بين الأطراف المختلفة، وتجنيد المزيد من الأفراد في الجيوش والميليشيات، وانتشار كبير للسلاح في المجتمع، وزيادة تدفّق الأسلحة غير المشروعة إلى السودان عبر الحدود. وبناءً على هذه التطورات، من المتوقع أن تتم إعادة تقييم موقع السودان في مؤشر العسكرة العالمي خلال الأعوام المقبلة، حيث من المحتمل أن يصعد إلى مراتب أعلى بسبب تصاعد مستويات العسكرة فيه.
خلاصة
من خلال عرض تجارب الحكم العسكري الثلاث، وفترات الانتقال التي أعقبتها، اتضح أن هناك خطًا تصاعديًا في اتجاه تعزيز قبضة العسكريين على السلطة في السودان، وتزايد تأثيرهم في البيئة السياسية على نحٍوٍ متناٍمٍ. من أهم مظاهر تصاعد دور العسكريين في السياسة السودانية طول أمد كل نظام على سابقه، وتحكّم العسكريين في البيئة السياسية، وتكوين الميليشيات، وزيادة أجهزة القمع، والسعي لإضعاف الأحزاب السياسية بالعمل على إحداث انشقاقات في صفوفها، وإضعاف النقابات ومنظمات المجتمع المدني بعامةٍ، من أجل الاستمرار في الحكم وإسكات المعارضة السياسية، وزيادة تدخّل الجيش في النشاط الاقتصادي. تظهر عسكرة الحياة المدنية في السودان بجلاء في الأنظمة العسكرية، وتتّسم بطابعها المؤسسي؛ إذ تسيطر القوات المسلحة على السلطة السياسية والاقتصادية، وُتُسوّق نفسها ضامنًا للاستقرار. وفي الحكومات المدنية، تظهر العسكرة من خلال استمرار النفوذ العسكري، كما ظهر في مذكرة الجيش لرئيس الوزراء في فترة الديمقراطية الثالثة، والطابع السياسي لتلك المذكرة. يعكس هذا الوضع تداخلًامعقّدًا بين المدنيين والعسكريين؛ ما يُعوّق الاستقرار والتحوّل الديمقراطي. ترجع أسباب تنامي تحكّم المؤسسة العسكرية في الواقع السياسي إلى ضعف الرؤية السياسية للأحزاب، وانشغالها بالصراعات الداخلية والبينية، وعدم اهتمامها بتطوير هياكلها وبرامجها بما يتّسق مع معطيات البيئة السياسية ومطالبها، وضعف المجتمع المدني، إضافة إلى حرص القيادات العسكرية على التغلغل في الشأن السياسي لضمان انسياب مصالحها وتعظيم مكاسبها الاقتصادية، وضعف وتخلّف الترتيبات التي تقوم بها الحكومات المدنية لتعزيز الانتقال والتحوّل الديمقراطي في البلاد. تُعدّ ظاهرة عسكرة الحياة السياسية من الظواهر السالبة؛ لكونها تفضي، غالبًا، إلى الدكتاتورية ومصادرة الحريات وانتهاك حقوق الإنسان. في الوقت نفسه، يصعب تطبيق نمط السيطرة الموضوعية التي يقول بها هنتنغتون في الدول النامية، مثل السودان، بسبب ضعف القوى المدنية وتنامي طموحات العسكريين في الحكم، مقترنًا بالقدرات التنظيمية والتسليحية والمالية الهائلة لضباط الجيش، مقارنة بالسياسيين المدنيين؛ ما أدى إلى اختلال ميزان القوة بين الطرفين وميله إلى مصلحة العسكريين. إن ميل ميزان القوة إلى مصلحة العسكريين يعني استمرار تنامي ظاهرة العسكرة في السياسة السودانية، وصعوبة تحجيم دور المدنيين أو تطبيق مبدأ الضبط العسكري. وبسبب إدراك العسكريين مصدر القوة، فإنهم يحرصون على مكاسبهم المالية واستثماراتهم بما مُيّ كّنهم من فرض سيطرتهم. لذلك، تتوقف قدرة القوى المدنية على استعادة زمام المبادرة، والتحكم في المؤسسة العسكرية، على إمكانية حصولها على مصادر القوة التي مُتّ كّنها من فرض إرادتها على العسكريين. ويتطلّب ذلك بناء المشروع الوطني السوداني والعمل الدؤوب من أجل تطوير الأحزاب السياسية وزيادة فاعليتها، وتعزيز قدرات المجتمع المدني وتضامنه، والعمل على إزالة أسباب الصراعات الحزبية بالتفاوض والتنسيق، والعمل على تفهّم مخاوف العسكريين والحرص على ضمان انسياب مصالحهم في إطار القانون، والعمل على تطوير آليات الضبط العسكري، وتعزيز آليات الانتقال والتحوّل الديمقراطي.
المراجع
العربية
أبو فرحة، السيد علي. "دور الجيش في السياسة الإفريقية: إعادة النظر في الفجوة بين النظريات والممارسات القائمة." قراءات إفريقية (مركز أبحاث جنوب الصحراء.) السنة 16، العدد 34 (كانون الثاني/ يناير.)2020 أحمد، حسن اﻟﺤﺎج ﻋﻠﻲ. "الانقلاب العسكري ﺑمنزلة ﻋﻤﻠﻴﺔ سياسية: سياسات عربية. العدد اﻟﺠيش واﻟﺴلطة ﻓﻲ اﻟﺴودان." 24 (كانون الثاني/ يناير.)2017 باراني، زولتان. "القوات المسلّحة وعمليات الانتقال السياسي." سياسات عربية. العدد 24 (كانون الثاني/ يناير.)2017 البدوي، البدوي عبد القادر. "قوات الدعم السريع السودانية: من)". تحليل استراتيجي ميليشيات إلى قوة نظامية 2018-2003(. رقم 6 (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.) 17 آب/ أغسطس.2022 بشارة، عزمي. الجيش والسياسة: إشكاليات نظرية ونماذج عربية. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2017 الجابري، ستار جبار. "تجربة التحول الديمقراطي في إسبانيا وإمكانية مجلة حمورابي. مج الإفادة منها في العراق." 7، العدد 30 (ربيع.)2019 جمهورية السودان، وزارة العدل. تقرير لجنة التحقيق في الأسباب التي أدّت إلى انقلاب 17 نوفمبرر 1958. الخرطوم:.1965/1/31 ديلو، ستيفن. التفكير السياسي والنظرية السياسية والمجتمع المدني. ترجمة ربيع وهبة. القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة،.2003 سالمون، ياغو. ثورة المنظمات شبه العسكرية: قوات الدفاع الشعبي، مسح الأسلحة الصغيرة. جنيف: المعهد العالي للدراسات الدولية،.2007 سلمان، سلمان محمد أحمد. قوات الدعم السريع: النشأة والتمدد والطريق إلى حرب أبريل 2023. الخرطوم: مركز أبحاث السودان، 2023. عثمان، تاج السر. "الذكرى السبعون لتأسيس الحزب الشيوعي السوداني." الحوار المتمدن. العدد.5172.2016/5/24 فh يttps://acr.ps/1L9zQwF: قلندر، محمود محمد. سنوات النميري: توثيق وتحليل لأحداث ووقائع سنوات حكم 25 مايو في السودان، 9 196 - 985. 1 أم درمان: مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي، 2005. الكيّالي، عبد الوهاب. موسوعة السياسة. بيروت: الموسوعة العربية للدراسات والنشر، [د. ت.]. المحجوب، محمد أحمد. الديمقراطية في الميزان. الخرطوم: منشورات الخرطوم عاصمة للثقافة العربية،.2005 "من برنامج الثورة الاشتراكية الظافرة في السودان." الطليعة السودانية. العدد 12 (كانون الأول/ ديسمبر.)1970
الأجنبية
Bayer, Markus & Stella Hauk. Global Militarization Index. Bonn: Bonn International Centre for Conflict Studies (BICC), 2023. Bayer, Markus et al. "Multidimensional Measures of Militarization (M3): A Global Dataset, Armed Forces & Society." Sage Journals. 13/12/2023. at: https://acr.ps/1L9zRiw Bowman, K. S. Militarization, Democracy, and Development: The Perils of Praetorian-ism in Latin America. Pennsylvania: Pennsylvania State University Press, 2002. Dictionary Learner's Advanced Cambridge Thesaurus. Cambridge University Press. at: https://acr.ps/1L9zR4q DCAF - Geneva Centre for Security Sector Governance. The Armed Forces. SSR Backgrounder Series. Geneva: DCAF, 2015. Diamond, Larry. Developing Democracy: Toward Consolidation. Baltimore, MD: Johns Hopkins University Press, 1999. El-Battahani, Atta. "The Sudan Armed Forces and Prospects of Change." CMI Insight. no. 3 (April 2016).
Feaver, Peter D. "Civil-Military Relations." Political Science Annual Review. no. 2 (1999). ________. Armed Servants: Agency, Oversight, and Civil-Military Relations. Cambridge, MA: Harvard University Press, 2003. Geneva Centre for Security Sector Governance. Defense Reform: Applying the Principles of Good Security Sector Governance to Defense. Geneva: DCAF, 2019. Halle, William. Turkish Politics and the Military. London: Routledge, 1994. Human Rights Watch. "'Men with No Mercy': Rapid Support Forces Attacks against Civilians in Darfur." 9/9/2015. at: https://bit.ly/3KrAiBB Huntington, Samuel P. The Soldier and the State: The Theory and Politics of Civil- military Relations. Cambridge: The Belknap Press of Harvard University Press, 1957. Janowitz, Morris. The Professional Soldier: A Social and Political Portrait. New York: Free Press of Glencoe, 1960. Khisa, Moses & Christopher Day. Rethinking Civil- Military Relations in Africa: Beyond the Coup d'État. Boulder: Lynne Rienner Publishers, 2022. Maigre, Merle. "Theories of Civil-Military Relations." Academia (September 2009). Danopoulos, Constantine, Dhirendo Vajpeyi & Amer Bar-or (eds.). Civil-military Relations, Nation Building and National Identity: Comparative Perspectives. London: Bloomsbury Publishing, 2004.