مرآة بوجهين: الشعبوية السلطوية والتضليل في مصر وتونس

Majd Abuamer مجد أبو عامر |

الملخّص

Politicians are increasingly adopting populist rhetoric that is appealing to people's emotions and biases rather than their rational judgments. This rhetoric includes claims of representing the people (us) as opposed to the establishment and the traditional elite (them). Anti-elitist populism manifests in its opposition to facts, with populists becoming the main players who distort facts and spread disinformation. Therefore, populism and disinformation reinforce one other, creating a cycle of manipulation that undermines democracy. By conducting a comparative qualitative analysis of the speeches of Abdel Fattah El-Sisi in Egypt and Kais Saied in Tunisia, this study argues that there are four tactics, rely on disinformation, used by authoritarian populists to legitimize the obstruction of constitutional and institutional constraints and suppress the opposition: (1) constructing the people by creating the enemy; (2) attacking the media and democratic institutions; (3) creating illusion by amplifying achievements; and (4) employing conspiracy theory and misinformation to justify failure at fulfilling promises.

A Mirror with Two Sides: Authoritarian Populism and Disinformation in Egypt and Tunisia

يتزايد تبّن ي القادة والزعماء للخطاب الشعبوي استهواءً لعواطف الناس وتحيزاتهم، بدلًا من أحكامهم العقلانية، من خلال ادعاء تمثيل الشعب (نحن) في مجابهة الإستبليشمنت والنخبة التقليدية (هم.) ويتجلى أحد أوجه معاداة الشعبوية للنخب في معارضة الحقائق، بحيث يصبح الشعبويون الفاعلين الرئيسين في تزييف الحقائق ونشر المعلومات المضللة، فتعزز الشعبوية والتضليل بعضهما بعضًا، ما يخلق حلقة من التلاعب من شأنها تقويض الديمقراطية. من خلال التحليل الكيفي المقارن لخطاَبَي عبد الفتاح السيسي في مصر وقيس سعيّد في تونس، تحاجّ الدراسة بأنّ ثمّ ة أربعة تكتيكات يّت بعها الشعبويون السلطويون لشرعنة تعطيل القيود الدستورية والمؤسساتية وقمع المعارضة: 1. بناء الشعب من خلال صنع العدو، 2. مهاجمة وسائل الإعلام والمؤسسات الديمقراطية، 3. صناعة الوهم بتضخيم الإنجازات، 4. توظيف تفسيرات نظرية المؤامرة والمعلومات المضللة لتبرير الفشل في تحقيق الوعود. كلمات مفتاحية: الشعبوية السلطوية، التضليل، الأخبار الزائفة، مصر، تونس.

Keywords: Authoritarian Populism, Disinformation, Fake News, Egypt, Tunisia.

"في حقيقة الأمر، يبدو أن كذب القادة والزعماء على شعوبهم أكبر احتمالًامن كذبهم على دول منافسة لدولهم" 1. "متسمعوش كلام حدّ غيري.. أنا راجل لا بكِدِب ولا بِلِف وأدور ولا ليّا مصلحة غير بلدي" 2. "نحن نحتاج اليوم لقاحات ضدّ كورونا وضدّ الكذب والافتراء أيضًا، ولا أعتقدها ستكون ناجعة" 3.

مقدمة

لظاهرة الشعبوية Populism تاريٌخٌ طويل، يُرجع البعض تناولها إلى أرسطو في إشارته إلى أنّ انتكاس الديمقراطية يتمّ على أيدي حكّام رعاع يتبنّون الديماغوجية في خطابهم، لإقناع الجماهير وإثارة عواطفها 4. في حين يشير البعض الآخر إلى أن مصطلح الشعبوية ظهر في تسعينيات القرن التاسع عشر، حينما استخدمه الصحافيون، الذي أ لوصف حزب الشعب Party People'sنِشِئ بقوة الضغط القومي المدني التقدمي في الولايات المتحدة الأميركية  5، بينما يشير آخرون إلى أن هذا المصطلح narodnik(بالروسية) ظهر في روسيا القيصرية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر  6، على يد مجموعة من المثقفين و"الشعبويين الزراعيين" بهدف استعادة القيم الريفية مجابهةً لقيم الحكم المطلق  7. وشهد القرن العشرون منذ بداياته صعود زعماء وأحزاب شعبوية، يمينية أو يسارية، في أنحاء العالم كافة. ونشهد في السنوات الأخيرة ما يوصف باللحظة الشعبوية  8 أو العصر الشعبوي  9، بعد أن نجحت قوى سياسية شعبوية في الوصول إلى سدة الحكم في بلدان متنوعة، بدءًا من الإكوادور وبوليفيا والولايات المتحدة، مرورًا بالمملكة المتحدة وهنغاريا وبولندا وإسبانيا، وليس انتهاءً بالفلبين وبلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ثمّة مقاربات مختلفة لدراسة الشعبوية في النقاشات النظرية الغربية، منها ما يعتمد على المعالجة الفكرية أو الخطابية أو الاستراتيجية وغيرها، لكن من دون أن تختلف في جوهر الشعبوية في الديمقراطيات. في المقابل، ثمّة من يشكك في إمكانية وجود الشعبوية خارج السياق الديمقراطي لانعدام الحريات السياسية، أبرزهم شانتال موف  10؛ ما يخلّف ارتباكًا في استخدامات مصطلح الشعبوية اليوم، ويحوّله إلى لفظ مبتذل يشار به إلى أي شيء ديماغوجي أو سلبي أو فاشي أو حتى شعبي، في السياقات غير الديمقراطية، مثلما هو الحال في العالم العربي. تنطوي الشعبوية في سياق السلطويات على خطاٍبٍ تضليلي، يرمي إلى إثبات وجود شعب موحد تمثله الدولة، وتعتمد كذلك على تفسيرات نظرية المؤامرة التي تتهم من خلالها أولئك الذين يطالبون بأي تغيير أو إصلاح سياسي على أنهم خونة وحلفاء قوى خارجية، أو ببساطة الأعداء الحقيقيون للأمّة والدولة. ومن ناحية أخرى، توظّف الأنظمة السلطوية الشعبوية طلبًا للشرعية، والتي تعمل عصًا سحرية قادرة حتى على تصوير انقلاب عسكري على أنه ثورة شعبية ضد النخبة الفاسدة، وعلى تسويف المطالب الشعبية من خلال خطاب "ماذاعني" 11 تضليلي، يَرُّدُ على مطالب الحريات السياسية بدعوى الضرورة الاقتصادية، وعلى المطالب الاقتصادية بأولوية المسائل الأمنية، وهكذا دواليك. بطبيعة الحال، يعزّز الشعبوية السلطوية والتضليل أحدهما الآخر؛ ما يخلق حلقةً من التلاعب من شأنها تقويض الديمقراطية؛ إذ يمكن استخدام الخطاب الشعبوي لنشر الأخبار الكاذبة تعزيزًا للنظام السلطوي، في حين تستطيع السلطويات توظيف حملات الأخبار

  1. جون جي. ميرشايمر، 1 لماذا يكذب القادة والزعماء: حقيقة الكذب في السياسة الدولية، ترجمة عبد الفتاح عمورة، مراجعة منذر محمود محمد (دمشق: دار الفرقد، 2016)، ص.31
  2. المحور، "السيسي: متسمعوش كلام حد غيري انا لا اكدب ولا ألف وأدور.. انا ماليش مصلحة غير بلدي"، يوتيوب، 2016/2/24، شوهد في 2023/8/17، في: https://rb.gy/4kt99
  3. قيس سعيد: نحتاج لقاحات ضد الكذب والافتراء.. ولن تكون ناجعة"، 3 موزاييك أف، 2021/3/1، شوهد في 2023/8/13، في https://acr.ps/1L9zQBS: أم
  4. ينظر: أبو بكر عبد الرزاق، "الديمقراطية الليبرالية بين النخبوية والشعبوية: دراسة سياسات عربية، مج في أسباب صعود التيار الشعبوي في أميركا وتداعياته"، 5، العدد 26؛ عزمي بشارة، في الإجابة عن سؤال: ما الشعبوية 2017()، ص 68(الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2019)، ص.25-23
  5. Michael Kazin, "Trump and American Populism: Old Whine, New Bottles," Foreign Affairs , vol. 95, no. 6 (2016), p. 18.
  6. Manuel Anselmi, Populism: An Introduction (London/ New York: Routledge, 2018), pp. 51-54.
  7. Mario E. Poblete, "How to Assess Populist Discourse through Three Current Approaches," Journal of Political Ideologies , vol. 20, no. 2 (2015), p. 201.
  8. Chantal Mouffe, "The Populist Moment," Simbiótica , vol. 6, no. 1 (2019), pp. 6-11.
  9. Cas Mudde, "The Populist Zeitgeist," Government and Opposition , vol. 39, no. 4 (2004), pp. 541-563; Paolo Gerbaudo, "The Populist Era," Soundings , no. 65 (2017), pp. 46-58.
  10. Majd Abuamer & Yara Nassar, "'I am not a Theorist of Populism': A Conversation with Chantal Mouffe," in: Abdelwahab El-Affendi (ed.), The Populist Moment: Perspectives on Democracy's Crisis (London: Bloomsbury, [forthcoming]).
  11. عن النزعة الماذاعنية Whataboutism، ينظر: Allan Dykstra, "The Rhetoric of 'Whataboutism' in American Journalism and Political Identity," Res Rhetorica , vol. 7, no. 2 (2020), pp. 2-16; يارا نصّار، "ماذاعنية وماذالوية... أن يغدو السؤال إجابة"!، فسحة ثقافية - فلسطينية، 2020/8/21، شوهد في 2023/8/10، في https://tinyurl.com/5n7hwwub:

الكاذبة لتكوين مزاج شعبوي بين الجمهور. في مصر مثلًا، استخدم الرئيس عبد الفتاح السيسي الشعبوية لترسيخ سلطته بإثارة مشاعر المواطنين بخطاباٍتٍ تستدعي الخوف من التهديدات الخارجية أو الأعداء المحليين، لُتُستغل هذه المخاوف في تمرير تدابير سلطوية متزايدة، كما سخّر نظامه حملات الأخبار الكاذبة عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي من أجل تشويه المعارضة السياسية والتلاعب بالرأي العام. واعُتُقل عشرات الصحافيين بسبب انتقادهم لنظام السيسي أو سياساته، وفرضت الحكومة المصرية قوانين صارمة مقيّدة لحرية التعبير، وزادت من سيطرتها على وسائل الإعلام؛ ما صعّب على الصحافة المستقلة إمكانية كشف الحقائق. بصورةٍ عامة، أتاحت هذه التكتيكات للسيسي وحكومته السيطرة على آليات صناعة الرأي العام في مصر؛ ما خلق مناخًا من الشعبوية والتضليل. ليتكرر السيناريو نفسه في تونس على يد نظيره قيس سعيّد الذي انُتُخب رئيسًا في تشرين الأول/ أكتوبر 2019، كما يوضح القسم الثالث من الدراسة. فضلًاعن ذلك، تقترن الشعبوية في حالات عربية أخرى بخطاب طائفي  12، أو تبرز حتى بوصفها أيديولوجيا ضامرة ترافق الأيديولوجيا الإسلاموية  13. من خلال تناول الشعبوية في العالم العربي من منظور سياقي Contextualist، تسعى الدراسة للإجابة عن سؤال رئيس: ما العلاقة بين الخطاب الشعبوي والتضليل في السياقات السلطوية؟ مقترحة ثلاث حجج: 1. تتزاوج الشعبوية مع الخطاب التضليلي في السياق السلطوي، 2. يحُّلُ التضليل محلّ الأيديولوجيا في الخطاب الشعبوي لدى السياسيين المفتقرين إلى الأيديولوجيا أو الكاريزما، 3. محاربة المعارضة (الإعلامية) محليًا ودوليًا من خلال وسائل الإعلام (التقليدية والجديدة) التابعة للسلطة، واستخدام الأخيرة لنشر أخبار مضللة تدعم سرديات النظام، تُعُّدُ ركيزة أساسية للشعبوية السلطوية في العالم العربي كسبًا للشرعية وتشكيكًا في المعارضة. تقع الدراسة في ثلاثة أقسام. يبحث القسم الأول مفهوم الشعبوية في ضوء المقاربات النظرية المختلفة، من حيث اعتبارها أيديولوجيا أو استراتيجية أو مزاجًا أو خطابًا. بينما يرسم القسم الثاني العلاقة بين الشعبوية والتضليل في إطار الأنظمة السلطوية، من خلال التعريف بالشعبوية السلطوية وخصائصها، ومن ثم دراسة كيفية تسييس الأخبار الزائفة بوصفها خطابًا. وأخيرًا، يختبر القسم الثالث فرضيات الدراسة من خلال بحث الشعبوية السلطوية في العالم العربي؛ في حالَتَي الرئيس السيسي في مصر بعد عام 2013، والرئيس سعيّد في تونس بعد عام 2019، باعتماد تحليل خطاباتهما وتصريحاتهما الصحافية بداية من تولّيهما السلطة إلى عام 2023، واللذين تبين الدراسة أنهما يتبنيان خطابًا تضليليًا مفتقرًا إلى الأيديولوجيا.

أولًا: الشعبوية: إشكالية المفهوم وتباين المقاربات

لمفهوم الشعبوية مجموعة من التعريفات المتباينة، ويختلف الباحثون في توصيفها على أنها عقيدة أو أسلوب أو تكتيك سياسي أو حيلة تسويقية أو مزاج أو غير ذلك. إلا أن المفردة تُستخدم عمومًا، بطريقة قدحية، لوصف استراتيجية السياسيين الذين يسعون لتحقيق الشعبية بجذب غرائز النّاخبين الأساسية  14. وُتُعُّدُ الشعبوية في المجتمعات الديمقراطية الحديثة نداءً إلى "الشعب" ضدّ البنية الراسخة للسلطة والأفكار والقيم السائدة في المجتمع، خصوصًا النخب المرتبطة بها  15. واستفادةً من عدم الثّقة الشعبية بمراوغة السياسيين ورطانة البيروقراطية، فإنّ الشعبويين يفتخرون بالبساطة، لكن اللغة المباشرة البسيطة ليست كافية لوسم السياسي بأنه شعبوٌيٌ، ما لم يكن مستعدًا أيضًا لاقتراح الحلول البسيطة والمباشرة، فالشعبويون يدّعون أنهم يحبّذون الشفافية، ويشجبون الاتفاقيات

  1. ينظر: عماد سلامة وبول طبر، "التحوّل الديمقراطي والشعبوية الطائفية: حالة لبنان "،
  2. يارا نصّار، "الشعبوية الإسلاموية في الحالة العربية"، ورقة مقدمة في الورشة السنوية
  3. المستقبل العربي، مج 35، العدد 403 2012()، ص.142-123
  4. لتطوير الأبحاث، "بناء الأمة والتحولات الاقتصادية والحركات الشعبوية في منطقة الشرق الأوسط"، الشبكة العربية للعلوم السياسية،.2022/3/26-24 14  Shannon K O'Neil, "Latin America's Populist Hangover: What to do When the People's Party Ends," Foreign Affairs , vol. 95, no. 6 (2016), p. 31. 15  Margaret Canovan, "Trust the People! Populism and the Two Faces of Democracy," Political Studies , vol. 47, no. 1 (1999), p. 3.

الخلفية، والتنازلات المشبوهة، والإجراءات المعقدة، والمعاهدات السرية، والتقنيات التي لا يفهمها سوى الخبراء 16، بزعمهم أنّ التعقيد لا يخدم سوى السياسيين أنفسهم، وأنّ حلول المشكلات التي يهتم بها الناس العاديون بسيطة في الأساس  17. في حين أنّ نقد النخبة والموقف المعارض للإستبليشمنت The Establishment18 ضروري بالنسبة إلى الشعبوية، فإنّه يظلّ معيارًا غير كاٍفٍ لتحديد المفهوم؛ إذ يجب إضافة عنصر آخر وهو معاداة التعدّدية  19، فالشعبويون من جميع الأنماط الأيديولوجية يقدّمون أنفسهم على أنّهم المدافعون الحقيقيون الوحيدون عن شعٍبٍ حقيقي وحيد  20. وبعد أن يُحِّدِد الشعبويون الشعب وأعداءه من النخبة، فإنّهم يوكلون إلى أنفسهم مهمة إعادة السيادة التي اغتصبتها النخب إلى مالكها الحقيقي، أي الشعب 21. ومع أن الشعبوية تركّز بصفة حتمية على الشعب، فإنه ليس فئة معيّنة سلفًا تُنتج مطالَبَ سياسية، بل هو بالأحرى بناء سياسي قابل للتغيير أ نِشِئ بالخطاب الشعبوي نفسه. لذا، تبني الشعبوية مفهومًا للشعب، قد يختلف بين اليمين واليسار الشعبوي، وليس العكس. ومن ثمّ، فإنّ خصوصية الشعب في الخطاب الشعبوي تعتمد على السياق الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، وبروز قضايا معيّنة، بل وجود مطالب معيّنة 22، والأيديولوجيا التي تمتزج بها. فقد يُنتج نضال الطبقات السفلى، غير الممثلة سياسيًا، ضد الحكومات مناخًا ملائمًا لصعود الشعبوية، من خلال توفير الفرصة السياسية  23. وُيُحتمل ظهور الشعبوية في المجتمعات ذات الانقسامات الدينية أو العرقية أو المناطقية، التي يجري تسييس عدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية في إطارها؛ وبذلك تغدو الأقليات ضحيةً للحملات الشعبوية، وتستعد الأحزاب القائمة لدعم الشعبويين من أجل الاحتفاظ بمكانتها السياسية  24. ثمة عشرات التعريفات للشعبوية التي لا يتوافر مجاٌلٌ كاٍفٍ لعرضها في هذا السياق، لكن عمومًا يمكن حصرها في إطار ثلاث مقاربات رئيسة. أولًا، تنظر المقاربة المتعلقة بالأفكار Ideational إلى الشعبوية على أنها أيديولوجيا  25، أو بالأحرى نوع معّي نمن الأيديولوجيا؛ أيديولوجيا محدودة/ ضامرة Ideology Thin ترافق الأيديولوجيات الكبرى الأخرى، مثل الاشتراكية أو الفاشية أو غيرها. وتعتقد هذه المقاربة أن الشعبوية تتضمن إجراء معارضة بين "الشعب النقي" و"النخبة الفاسدة"، وأنها تنطوي على خطاب أخلاقي، يفكر في السياسة من منظور الخير والشر. وترى هذه المقاربة أيضًا أن الشعبوية مناهضة للتعددية، بسبب افتراض وجود شعب نقيّ متجانس  26. كما تنظر المقاربة المتعلقة بالأفكار إلى الشعبوية على أنها "أوّلًاوقبل كلّ شيء مجموعة من الأفكار التي تتميّز بالعداء بين الناس والنخبة"، بدلًامن كونها مجرّد حملة أو أسلوب حُكم ينطوي على اتصال مباشر بين الحاكم والناخبين  27. وتنطوي جميع أشكال الشعبوية على تمجيد الشعب مقابل معاداة النخبة  28. ثانيًا، ترى المقاربة الخطابية Discursive، وهي مقاربة بنيوية نظّر لها إرنستو لاكلاو وشانتال موف على نحٍوٍ رئيس، أن الشعبوية ليست

  1. Dennis Westlind, The Politics of Popular Identity: Understanding Recent Populist Movements in Sweden and the United States (Lund: Lund University Press, 1996), p. 203.
  2. Canovan, p. 6.
  3. أتفق مع محمد حمشي في تعريبه للمصطلح بدلًامن ترجمته إلى المؤسسة أو النظام، وأتبنى تسويغه لذلك بأنّ المصطلح صار جزءًا من الحمض النووي للخطاب الشعبوي والأدبيات التي تدرس الشعبوية، ولأنّ المصطلح ينطوي على النخب الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وليس مقتصرًا على النخبة السياسية الحاكمة والذي قد توحي به ترجمة المفردة إلى "المؤسسة." ينظر: يان زيمان، "الشعبوية تتجاوز الأمة"، في: الشعبوية والسياسة العالمية:
  4. وفق المقاربة الخطابية للشعبوية، فإن الشعبوية اليسارية ليست مناهضة للتعددية Anti-pluralist على خلاف الشعبوية اليمينية، كما توضح موف. Nassar &.Abuamer
  5. يان فيرنر مولر، ما الشعبوية؟ ترجمة رشيد بوطيب (الدوحة: منتدى العلاقات العربية والدولية، 2017)، ص.27-26
  6. Hanspeter Kriesi, "The Populist Challenge," West European Politics ,
  7. Amanda Machin & Oliver Wagener, "The Nature of Green Populism?" Green European Journal , 22/2/2019, accessed on 11/8/2023, at:
  8. Francisco Panizza, "Introduction: Populism and the Mirror of Democracy," in: Francisco Panizza (ed.), Populism and the Mirror of Democracy (London/ New York: Verso, 2005), p. 14; يجب الإشارة هنا إلى أنّ الشعبوية ليست مكافئًا ل "السياسات الشعبية"، ففي حين أّن السياسات الشعبية هي التي تتكيّف معها الحكومات بسبب المطالب من القاعدة إلى القمة، فإنّ الشعبوية تتبنى سياسات من أعلى إلى أسفل تعتقد أنّها تمثّل مطالب الأغلبية. ينظر: Esen Kirdis & Amina Drhimeur, "The Rise of Populism? Comparing Incumbent Pro-Islamic Parties in Turkey and Morocco," Turkish Studies (2016), p. 5. 24  Marcus Mietzner, "Rival Populisms and the Democratic Crisis in Indonesia: Chauvinists, Islamists and Technocrats," Australian Journal of International Affairs , vol. 74 (2020), p. 421.
  9. سبرر الأبعاد الدولية والعابرة للحدود، تحرير فرانك ستنغل وديفيد ماكدونالد وديرك نابرز، ترجمة محمد حمشي (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2022)، ص 77 (الهامش.)37
  10. بيير روزانفالون، قرن من الشعبوية: التاريخ والنظرية والنقد، ترجمة محمد الرحموني (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2022
  11. كاس مودّه وكريستوبل روفيرا كالتواسر، مقدمة مختصرة في الشعبوية، ترجمة سعيد بكار ومحمد بكار (بيروت/ الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،)2020، ص 27-25؛ مولر، ص.47-45 27  Noam Gidron & Bart Bonikowski, "Varieties of Populism: Literature Review and Research Agenda," Weatherhead Center, Working Paper Series , no. 13-0004 (2013), p. 6. 28  Margaret Canovan, Populism (New York: Harcourt Brace Jovanovic, 1981).
  12. vol. 37, no. 2 (2014), p. 363.
  13. https://acr.ps/1L9zRcB

أيديولوجيا ولا نظامًا ولا تتضمن برنامجًا ملموسًا، بل هي أسلوب أو تكتيك يوظّف من أجل بناء حدود سياسية بين "نحن" و"هم"؛ أو تحشيد "الشعب" ضد "الإستبليشمنت" 29. بالنسبة إلى هذه المقاربة، الشعبوية هي نمط خطابي يستخدمها أولئك الذين يدّعون التحدث باسم غالبية الشعب، ويصوّرون من خلالها الناس العاديين على أنهم تجمّع نبيل لا تحدّه طبقة ضيقة  30. وثمّة معياران هنا لوسم الخطاب بالشعبوية، أولهما أن يَنظر إلى المجال الاجتماعي - السياسي على أنه علاقة ثنائية عدائية بين "نحن" (أي المهمشين والمستضعفين والغالبية الصامتة) و"هم" (الإستبليشمنت والأوليغارشية والنخبة)، وثانيهما مركزية الشعب Peoplecentrism، أي أن يكون الشعب هو النقطة المرجعية التي يتمركز حولها هذا الخطاب  31. ثالثًا، تُعرّف المقاربة الاستراتيجية الشعبوية بأنها "استراتيجية سياسية يسعى من خلالها زعيم شخصاني Personalistic لممارسة السلطة الحكومية أو يمارسها بالفعل استنادًا إلى دعم مباشر من دون وسيط وغير مؤسساتيي، من جانب شريحة واسعة من الأتباع غير المنظمين" 32، وهو بذلك يتجاوز المؤسسات القائمة، ويناشد المهمشين أو غير الممثلين سياسيًا لدعمه في جهوده البطولية لإعادة بناء الأمّة ومحاربة النخب السياسية والاقتصادية التي تعمل من أجل مصالحها، نيابةً عن الشعب؛ ما يجعل الشعبوية أداةً للتعبئة السياسية من أعلى إلى أسفل  33. وتكون الشعبوية بهذا المعنى مشروع حكم يسعى لإحلال ديمقراطية شعبوية محلّ الديمقراطية الحزبية، وتعرّف الديمقراطية الشعبوية بأنها "نمط جديد من الحكم التمثيلي يرتكز على ظاهرتين: علاقة مباشرة بين الزعيم وأولئك الذين يعرّفهم الزعيم بأنهم 'صالحون' أو 'أخيار' من بين أعضاء المجتمع؛ وتخويل سلطةٍ مفرطة لجمهور المتلقين" 34. وقد تأخذ الشعبوية شكل قومية لنكون إزاء قومية شعبوية  35، تستهدف داخليًا النخبة الفاسدة، وتستهدف خارجيًا القوى أو المؤسّسات التي يُنظر إليها على أنّها تهدّد أسلوب الحياة أو الأمن، مثل العولمة والتجارة غير المقيّدة وما إلى ذلك، ويشمل الخارج "الغرباء الداخليين" Outsiders Internal؛ أي الذين يعيشون بيننا لكن لا يُنظر إليهم منتمين إلى الأمّة36، مثلما هو الحال مع المهاجرين في نظر الشعبويين اليمينيين في الديمقراطيات الغربية  37. في حين يميّز تصنيفيّا بين المقاربة الخطابية والمقاربة الاستراتيجية، كما سبق ذكره، وكذا في الكثير من الأدبيات السابقة 38، إلا أنهما تتقاطعان من حيث تمُّثُل الشعبوية في الممارسة السياسية؛ ففي حين ثمّة سمات محددة للأحزاب والقادة الشعبويين، فإن في مقدور أي فاعل سياسي، حتى لو لم يُعرف عنه أنه شعبوي، توظيف الشعبوية بوصفها أداةً، خاصةً ما يتعلق باستثارة العواطف، لتحقيق مكاسب سياسية 39. بناء عليه، تعتمد الدراسة المقاربة الخطابية وُتُعَّرّف الشعبوية بأنها خطاب سياسي يستميل عواطف الناس وتحيزاتهم بدلًامن أحكامهم العقلانية تحقيقًا للشرعية، بادّعاء تمثيل الشعب (نحن) في مجابهة الإستبليشمنت والنخبة التقليدية (هم.) وهو ما يفتح مج لًالأن تصبح الشعبوية أداةً يمكن تسخيرها للتلاعب بالرأي العام، بل إقصاء المنافسين من المجال السياسي، خاصةً في السياقات السلطوية.

ثانيًا: الشعبوية السلطوية: الزواج الكاثوليكي بين الشعبوية والتضليل

عندما تستحيل السلطوية خطابًا: في تعريف الشعبوية السلطوية

حاجّ أشعيا برلين مبكرًا، مشبّهًا الشعبوية السلطوية بعقدة سندريلا، بأنّه "لن يجدي نفعًا وجود صيغة واحدة تنطوي تحتها كل

  1. Ernesto Laclau, On Populist Reason (London: Verso, 2005); Chantal Mouffe, For a Left Populism (London/ New York: Verso, 2018).
  2. Michal Kazin, The Populist Persuasion: An American History (Ithaca/ London: Cornell University Press, 1995), p. 1.
  3. Francisco Panizza & Yannis Stavrakakis, "Populism, Hegemony, and the Political Construction of 'the People': A Discursive Approach," in: Pierre Ostiguy, Francisco Panizza & Benjamin Moffitt (eds.), Populism in Global Perspective: A
  4. Kurt Weyland, "Clarifying a Contested Concept: Populism in the Study of Latin American Politics," Comparative Politics , vol. 34, no. 1 (2001), p. 14.
  5. Steven Levitsky & Kenneth M. Roberts, "Introduction: Latin America's 'Left Turn': A Framework for Analysis," in: Steven Levitsky & Kenneth M.
  6. ناديا أوربيناتيي، أنا الشعب: كيف حوّلت الشعبوية مسار الديموقراطية، ترجمة عماد شيحة (بيروت: دار الساقي، 2020)، ص.15-14
  7. للمزيد حول القومية الشعبوية، ينظر: Pierre-André Taguieff, "Political Science Confronts Populism: From a Conceptual Mirage to a Real Problem," Telos , no. 103 (1995), pp. 9-43. 36  Rogers Brubaker, "Between Nationalism and Civilizationism: The European Populist Moment in Comparative Perspective," Ethic and Racial Studies, vol. 40, no. 8 (2017), pp. 1191-1226.
  8. Performative and Discursive Approach (New York/ London: Routledge, 2021), p. 25.
  9. Cas Mudde, Populist Radical Right Parties in Europe (Cambridge: Cambridge University Press, 2007). 38  Gidron & Bonikowski.
  10. Roberts (eds.), The Resurgence of the Latin American Left (Baltimore: John Hopkins University Press, 2011), pp. 6-7.
  11. عبد الكريم أمنكاي، "شعبويو السلطة وجائحة كورونا بين اعتيادية التدابير وخصوصية الخطاب: حالة الولايات المتحدة تحت إدارة دونالد ترامب"، سياسات عربية، مج 9، العدد 50 (أيار/ مايو 2021)، ص.91

الشعبويات أينما وجدت"؛ لأنّ "المدلول يقلّ باتساع الدلالة" 40. في هذا الصدد، إن اللجوء إلى صيغة أكثر تحديدًا، لتناول الشعبوية في العالم العربي، يحقق بعض هذه الغاية، والحديث هنا عن الشعبوية السلطوية.Authoritarian Populism ظهر مصطلح الشعبوية السلطوية أوّل مرة عام 1978 في كتاب الضبط الأمني للأزمة لستيوارت هول وزملائه41، ويمكن إسناد الخلفية الفكرية لمقاربة الشعبوية السلطوية إلى مقال ستيوارت هول الصادر عام 1979، الذي عرّف فيه الشعبوية السلطوية بأنها "شكل استثنائي للدولة الرأسمالية، وهي على عكس الفاشية الكلاسيكية، احتفظت بمعظم (إن لم يكن كل) المؤسسات التمثيلية الرسمية القائمة، وتمكنت في الوقت نفسه من إحاطة نفسها بإجماع شعبي فعلي" 42. ومن حيث السياق، ارتبط استخدام هول للمصطلح بظهور التاتشرية  43 ونجاحها، الذي قصد به استغلال الاستياء الشعبي من النظام الاقتصادي والاجتماعي وتعبئته لصالح خيار سلطوي 44. مثلها مثل الشعبوية في صورتها العامة، تصوّر الشعبوية السلطوية السياسة على أنها صراع بين "الشعب" ومزيج من "الآخرين" الحاقدين، إلا أنها تبرر التدخلات والإجراءات الاستثنائية بذريعة "استعادة السيطرة" لصالح "الشعب"، وإعادة الأمّة إلى "عظمتها" أو "حالها" بعد الانحطاط الذي أوصلها إليه هؤلاء الآخرون 45. وبذريعة أن السلطة الشرعية منوطة بالناس العاديين لا الأحزاب والنخب السياسية، وأن الشعب هو مصدر الشرعية، غالبًا ما يأخذ الزعماء السلطويون البلاد إلى حالةٍ من فراغ السلطة  Power Vacuum 46. فما يميّز الشعبوية السلطوية، على نحٍوٍ جليّ، هو تصويرها للحريات والمؤسسات الديمقراطية على أنها مطٌّبٌ في طريق حلّ الأزمات. وهم لا يهاجمون الديمقراطية مباشرةً، بل ينزعون الشرعية عن مؤسسات المساءلة الديمقراطية  47، كما يُتبَّي نذلك بالنسبة إلى الرئيس التونسي قيس سعيّد بعد الانقلاب الدستوري (إعلان حالة الاستثناء) في 25 تموز/ يوليو.2021

لا يعني هذا أنّ الشعبوية ترادف السلطوية، وهي لا تؤدي إلى حكٍمٍ سلطوي بالضرورة، ولا تعتمد الأنظمة السلطوية عليها فقط لتحقيق الشرعية  48. إّل اأنّ الشعبوية تكون أساسية عندما يفتقر النظام/ القائد السلطوي إلى وسائل التعبئة السياسية و/ أو مصادر الشرعية الأخرى مثل التقليدية أو الكاريزمية أو القانونية/ العقلانية  49، فضلًاعن وجود نوع من التلازم بين الشعبوية و"شرعية الإنجاز"، أي الشرعية المستمدة من الإنجازات التي حققها القائد أثناء ممارسته السلطة. فلا يمكن التسويق لهذه الشرعية أو تضخيم "الإنجازات" من دون التحكّم في وسائل الإعلام، فُتُسدل الألقاب على القادة وصفًا لإنجازاتهم؛ إذ وُِصِ ف الرئيس الجزائري هواري بومدين 1978-1965() بأبي الثورات الثلاث، والملك المغربي الحسن الثاني

  1. Isaiah Berlin, "To Define Populism," Interventions Made during the Panels in the London School of Economics Conference on Populism, 20-21/5/1967, p. 6, accessed on 15/8/2023, at: https://tinyurl.com/mwwu529c
  2. Stuart Hall et al., Policing the Crisis: Mugging, the State and Law and Order (London: Macmillan, 1978).
  3. Stuart Hall, "The Great Moving Right Show," Marxism Today , vol. 23, no. 1 (January 1979), p. 15.
  4. نسبةً إلى رئيسة وزراء المملكة المتحدة مارغريت تاتشر Margaret Thatcher
  5. Bob Jessop et al., "Authoritarian Populism, Two Nations, and Thatcherism," New Left Review , vol. 147, no. 1 (1984), pp. 33-34.
  6. Ian Scoones et al., "Emancipatory Rural Politics: Confronting Authoritarian Populism," in: Ian Scoones et al., Authoritarian Populism and the Rural World (London/ New York: Routledge, 2021), pp. 2-3.
  7. Pippa Norris & Ronald Inglehart, Cultural Backlash: Trump, Brexit, and Authoritarian Populism (Cambridge: Cambridge University Press, 2019), p. 444.
  8. Natasha Lindstaedt, Democratic Decay and Authoritarian Resurgence (Bristol: Bristol University Press, 2021), pp. 169-190.
  9. Bart Bonikowski, "Ethno-nationalist Populism and the Mobilization of Collective Resentment," The British Journal of Sociology , vol. 68, no. 1 (2017), p. 190.
  10. 49ُيُعنى بشرعية النظام أو القائد قبوله والاعتراف به من المواطنين لا خوفًا من العقاب، بل للرضا به. والشرعية يمكن أن تُستمد من الهوية التاريخية للناس، أي اعتيادهم تقبّل سياسة معيّنة أو سلالة حاكمة ما، وتكون بذلك تقليدية، أو تعتمد على قوّة الأفكار والمعتقدات/ الأيديولوجيا، التي تنجح في إقناع العامة وتحريكها، وتكون بذلك كاريزمية، أو تُبنى على نظام القوانين والإجراءات، التي تُعتبر محايدة وعقلانية، فتكون شرعية عقلانية - قانونية. ينظر: ماكس فيبر، العلم والسياسة بوصفهما حرفة، ترجمة جورج كتورة (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2011)، ص.267-264

1999-1961() بباني المغرب الحديثة 50. وتكون الشعبوية السلطوية أكثر جاذبيةً عندما يخلق الزعيم مزاجًا عامًا بوجود أزمة، ويصوّر نفسه على أنه الوحيد القادر على حلّها (تحقيق الإنجاز)، خاصةً عند اللجوء إلى نظرية المؤامرة التي تقدّم تفسيرًا بسيطًا للأزمة وتديم الشعور بها  51. بحسب مؤشر تمبرو Timbro للشعبوية السلطوية، تُعُّدُ هذه الشعبوية مصطلحًا تحليليًا، أي إنه لا ينطوي على سمات أيديولوجية محددة، فقد تكون الشعبوية السلطوية يمينية أو يسارية 52، وقد تحمل أفكارًا نازية أو ليبرالية، لكن تُشترط ثلاثة عناصر في السلطوية الشعبوية: 1. تصوير الحزب أو القائد الشعبوي نفسه على أنه الممثل الحقيقي للشعب ضد النخبة، 2. عدم الاكتراث بسيادة القانون الدستوري (ويتمثل ذلك في الحد من دور المحكمة الدستورية، أو إلغاء قوانين وتشريعات قائمة وإنفاذ أخرى جديدة)، 3. السعي لتقوية الدولة وزيادة دورها (مثل المطالبة بزيادة موارد الشرطة والقوّات المسلحة أو تأميم البنوك والشركات الكبرى) 53. ومن المفارقة أْنْ يشير مؤشر تمبرو إلى الشعبوية السلطوية في إطار الأنظمة الديمقراطية، وبطبيعة الحال قد توجد الشعبوية السلطوية في ظل الأنظمة السلطوية؛ فالشعبوية، بوصفها ظاهرة، ترتبط بالنظم الشمولية والديمقراطية أيضًا  54. وقد يكون النظام/ القائد سلطويًا وشعبويًا في آن. فإن كان يصعب وسم القوى المعارضة في ظل السلطويات بالشعبوية "لأنّ جميع التيارات قد تجد نفسها تستخدم الشعبوية ضدّ نظام الحكم الدكتاتوري" 55، كما يشير عزمي بشارة، فإن الصعوبة تتلاشى في حال كان النظام هو المقصود بالوسم: فالنظام الدكتاتوري الشعبوي يتميّز من غيره بمخاطبة الشعب مباشرةً، والإكثار من التواصل معه، واستخدام لغة محاربة أعداء الشعب؛ أي إنه يمثل الشعب في السلطة ولا يمثل الجيش أو السلالة الحاكمة أو غيرهما، بل يدّعي تمثيل الشعب ومصالحه ضد نخب فاسدة، سواء أكان منتخبًا أم لا 56. وإن كانت الشعبوية في السياق الديمقراطي تجسيدًا للسياسي وأحد مخرجاته، فإنّها ترمي إلى تفكيك الإطار الديمقراطي المهيمن عند وصول الزعيم السلطوي الشعبوي إلى سدة الحكم، عن طريق إلغاء شروط الديمقراطية وعناصرها الأساسية، وتأسيس مزاج عام ومشروع مهيمن بديل، من خلال الإجراءات الثلاثة التي ذكرها مؤشر تمبرو، والتي يشرعنها النظام من خلال التضليل. 2. التضليل الشعبوي: تسييس الأخبار الزائفة يميّز يان فيرنر مولر الديماغوجي من الشعبوي، فالأول "يزمجر ويقدم حلولًااقتصادية تبسيطية أو يوِّعزِ شتائم على من 'ُهُم فوق'، لكن من دون أن يدعي لنفسه وحده حق تمثيل الشعب"، على عكس الثاني. ثمّ إنّ من يمارس السياسة من دون البحث عن الشرعية لدى "الشعب"، ليس شعبويًا 57. لكن في حالة الشعبوية السلطوية، غالبًا ما يكون الشعبوي ديماغوجيّا، يمسك بالوعود الكاذبة بيٍدٍ، وبالتضليل وتزييف الحقائق باليد الأخرى. يعَّرَف التضليل Disinformation بأنه النشر المتعمد للمعلومات المضللة Misinformation أو الأخبار الزائفة  Fake News 58. وكما حاجّ مايكل هامليرس، يجمع بين الشعبوية والتضليل عنصران: لوم وسائل الإعلام غير النزيهة Dishonest بوصفها جزءًا من النخب الفاسدة والكاذبة التي تضلل الناس، والتعبير الشعبوي المتمركز حول الشعب والمعادي للخبراء والخالي من الأدلة  59؛ ذلك أن الأخبار الزائفة تساهم في صعود الشعبوية، بل قد تكون أداةً لها 60، فالحركات

  1. امحمد مالكي، "الاندماج الاجتماعي وبناء مجتمع المواَطَنة في المغرب الكبير"، في: جدليات الاندماج الاجتماعي وبناء الدولة والأمة في الوطن العربي (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2014)، ص.685
  2. Esra Akgemci, "Authoritarian Populism as a Response to Crisis: The Case of Brazil," Uluslararasi Iliskiler , vol. 19, no. 74 (2022), pp. 37-51.
  3. 52ُيُعدّ الرئيس الأرجنتيني خوان بيرون Perón Juan 1955-1946(،)1974-1973، والرئيس الفينزولي هوغو تشافيز Chávez Hugo 2013-2002()، والرئيس الإكوادوري رفاييل
  4. Andreas Johansson Heinö, "Timbro Authoritarian Populism Index 2017," Timbro , 4/1/2018, accessed on 13/8/2023, at: https://tinyurl.com/35zb3537
  5. Dominique Reynié, Les Nouveaux Populismes (Paris: Fayard, 2013).
  6. بشارة، ص.89-88
  7. المرجع نفسه، ص.89
  8. مولر، ص.27 58  Sophie Lecheler & Jana Laura Egelhofer, "Disinformation, Misinformation, and Fake News: Understanding the Supply Side," in: Jesper Strömbäck et al. (eds.), Knowledge Resistance in High-Choice Information Environments (London/ New York: Routledge, 2022), p. 71; Don Fallis, "What Is Disinformation?" Library Trends , vol. 63, no. 3 (Winter 2015), pp. 404-407.
  9. كوريا Correa Rafael 2017-2007()، من أبرز الأمثلة على الشعبوية السلطوية اليسارية، بينما يُعدّ رئيس الوزراء الهنغاري فيكتور أوربان Orbán Viktor 2002-1988(، -2010) أحد أبرز الأمثلة على الشعبوية السلطوية اليمينية. Zoltán Ádám, "What is Populism? An Institutional Economics Approach with Reference to Hungary," Paper Presented at The Second International Economic Forum on Reform "Transition and Growth," Corvinus University of Budapest, Budapest, November 2016, pp. 86, 92.
  10. Michael Hameleers, "Populist Disinformation: Exploring Intersections between Online Populism and Disinformation in the US and the Netherlands," Politics and Governance , vol. 8, no. 1 (2020), pp. 146-157.
  11. Harun Güney Akgül, "Fake News as a Tool of Populism in Turkey: The Pastor Andrew Brunson Case," Polish Political Science Review , vol. 7, no. 2 (2019), pp. 32-51.

الشعبوية تستخدم الأخبار الزائفة بوصفها سلاحًا سياسيًا، مشكّلة سرديات مناهضة للإستبليشمنت ومعادية للإعلام التقليدي  61. تتجلى معاداة الشعبوية للنخب في معارضة الحقائق التي تقف وراءها النخب المنتجة للمعرفة مثل العلماء والخبراء على وجه الخصوص  62. ففي الحقل السياسي، يكون الشعبويون الفاعلين الرئيسين في تزييف الحقائق ونشر المعلومات المضللة، ويبدأ ذلك مع إلقاء اللوم على "النخب الفاسدة" بوصفها سبب الأزمات التي يعانيها الناس العاديون، وينطوي هذا اللوم في معظم الأحيان على معلومات مضللة وخطاب نظرية المؤامرة الذي يميل الناس إلى تصديقه. فالشعبويون يسعون قدر الإمكان لتجنّب الوسطاء ويحبذون الاتصال المباشر بالشعب، وقد وجدوا في منصات التواصل الاجتماعي ضالّتهم، مشكّلين بذلك "شعبوية رقمية" Populism Digital تعتمد غالبًا على استراتيجيات التضليل والتلاعب بالحقائق، في ظرف يتّسم بعدم ثقة شريحة واسعة من المواطنين بوسائل الإعلام التقليدية، كما رأينا مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب Donald Trump خلال فترته الرئاسية الأولى 2021-2017، الذي عّب رمرارًا وتكرارًا عن عدم ثقته بالمؤسسات القائمة  63. في حين قد ينطوي الخطاب الشعبوي على معلومات مضللة، يُعدّ صعود الشعبوية في العالم سببًا في الانتشار المتزايد للأخبار الزائفة  64. فالشعبويون، السلطويون منهم خصوصًا، مهَّوَسون بالإعلام والظهور الإعلامي. وقد عّب رعن ذلك جيمس بونيفشيتس Poniewozic James، ساخرًا: "انُتُخب ترامب، لكن من صار رئيسًا هو التلفاز"؛ إذ بنى ترامب علاقته مع الناخبين من خلال وسائل الإعلام وبلغةٍ عامّية، بوصفه أحد نجوم تلفزيون الواقع 65، وبحملة انتخابية تفتقر إلى أيديولوجيا سياسية محددة  66. وكان التضليل العمود الفقري لخطابه؛ إذ إنه قدّم 30573 ادعاءً مضللًاخلال فترته الرئاسية)2021-2017( 67.

يرمي التضليل الشعبوي السلطوي أساسًا إلى شرعنة الإجراءات السلطوية، وإقصاء المعارضين عن الساحة السياسية، وتحميلهم المسؤولية عن الأزمات الاقتصادية والسياسية، إلا أنه قد يؤدي إلى نزع الشرعية عن الديمقراطية  68، بل إن المعلومات المضللة تفاقم على نحٍوٍ كبير أزمة شرعية المؤسسات الرسمية في حد ذاتها  69، بتصوير المؤسسات الديمقراطية على أنها الصخرة الصّم اء في سبيل حل الأزمات، والباب الموارب الذي قد تعود من خلاله النخب القديمة المعادية للشعب. وبنفاذ هذا التضليل، يتشكل المزاج الشعبوي السلطوي، الذي يعني اتخاذ الأشخاص المضللين سياسيًا 70 مواقف تستند إلى ادعاءات التضليل الشعبوي.

  1. Matteo Monti, "The New Populism and Fake News on the Internet: How Populism along with Internet New Media is Transforming the Fourth Estate," Sant'anna Legal Studies, Stals Research Paper , no. 4 (2018), pp. 4-27.
  2. Silvio Waisbord, "The Elective Affinity between Post-truth Communication and Populist Politics," Communication Research and Practice , vol. 4, no. 1 (2018), p. 19.
  3. Hameleers, pp. 146-147; Hélder Prior, "Digital Populism and Disinformation in post-truth times," Communication & Society , vol. 34, no. 4 (2021), pp. 56-58.
  4. Rachel Armitage & Cristian Vaccari, "Misinformation and Disinformation," in: Howard Tumber & Silvio Waisbord (eds.), The Routledge Companion to Media Disinformation and Populism (London/ New York: Routledge, 2021), p. 39.
  5. Daniel C. Hallin, "Rethinking Mediatisation: Populism and the Mediatisation of Politics," in: Tumber & Waisbord (eds.), p. 51.
  6. Sarah Oates, "Rewired Propaganda: Propaganda Misinformation, and Populism in the Digital Age," in: Tumber & Waisbord (eds.), p. 72.
  7. Glenn Kessler, Salvador Rizzo & Meg Kelly, "Trump's False or Misleading Claims Total 30,573 over 4 Years," The Washington Post , 24/1/2021, accessed on 16/8/2023, at: https://acr.ps/1L9zR5J
  8. Michael Hameleers, "Populist Disinformation: Are Citizens with Populist Attitudes Affected Most by Radical Right-Wing Disinformation?" Media and Communication , vol. 10, no. 4 (2022), pp. 129-140.
  9. W. Lance Bennett & Steven Livingston, "A Brief History of the Disinformation Age: Information Wars and the Decline of Institutional Authority," in: W. Lance Bennett & Steven Livingston (eds.), The Disinformation Age: Politics, Technology, and Disruptive Communication in the United States (New York: Cambridge University Press, 2020), pp. 3-40.
  10. عن التضليل السياسي وأسبابه السيكولوجية، ينظر: Jennifer Jerit & Yangzi Zhao, "Political Misinformation," Annual Review of Political Science , vol. 23 (2020), pp. 77-94.

ثالثًا: الشعب يريد: الشعبوية السلطوية في مصر وتونس

في مرحلة تشكّل الدولة العربية، كانت المؤسسة العسكرية هي الفاعل الرئيس في وجود ظاهرة الشعبوية؛ إذ قدّمت نفسها بوصفها فاعلًافي مقدوره بناء الدولة الحديثة وتحقيق التنمية والتخلّص من آثار الاستعمار. فشهدت المنطقة سلسلةً من الانقلابات العسكرية في مصر 1952()، والعراق 1958()، وسورية 1961()، واليمن 1962()، وليبيا 1969()، قادها ضباط ذوو أصول ريفية في معظم الحالات، عرّفوا أنفسهم بأنهم الممثلون الحقيقيون للشعب. وبالفعل نجحوا بخطابهم الشعبوي في كسب الشرعية الثورية/ الكاريزمية حتى لو فشلوا في تحقيق وعودهم؛ إذ ما الذي يفّس رمطالبة الجماهير المصرية جمال عبد الناصر بالبقاء في الحكم على الرغم من هزيمة حزيران/ يونيو 1967؟ 71 تمثلت معالم ذاك الخطاب الشعبوي، الذي جاء في سياق خطاب قومي، في إبراز وجود شعب موحّد وصهره في صورة الدولة، ومهاجمة الأجانب و"أذناب الاستعمار"، واتهام من يدعو إلى أي تغيير أو إصلاح سياسي بأنه عدو للشعب والدولة و"عميل" للخارج المتربص بهما، ورفع شعار المصلحة العليا للشعب والوطن، وتمثيل الانقلابات على أنها ثورة الشعب ضدّ النخبة الفاسدة، ورفع شعارات نصرة الناس العاديين وتحسين أوضاع العّم ال والفلاحين. وليست الشعبوية بالمثلبة بالضرورة، فهي، بارتباطها بالأيديولوجيا القومية، قد تساهم في بناء الأمّة في المجتمعات المنقسمة، بل ربما تندلع الصراعات وتقع الإخفاقات السياسية عند غياب حركة شعبوية وطنية قوية  72. مع ذلك يمكن أن تأتيي الحركة الشعبوية في المجتمعات المنقسمة خلال الفترات الانتقالية بالتحول الديمقراطي، أو تأتيي بزعيم سلطوي كما حدث في مصر وتونس في سياق ثورات الربيع العربي. منذ بداية حكمها الذي لم يستمر طويلًا، وقبل أن يتصدّر اسم السيسي المشهد السياسي، كانت ملامح الشعبوية ضد جماعة الإخوان المسلمين تتشكل تدريجيًا في مصر، متمثلةً في أغنية "إحنا شعب وانتوا شعب" [نحن شعب، وأنتم شعب] التي انتشرت عام 2013، وفي حملة "تمرد" التي فاقمت كراهية المصريين للرئيس محمد مرسي 2013-2012() ونظامه وطالبت بإسقاطه. وقد قاد هذا التقسيم للقوى السياسية إلى "نحن" و"هم" إلى تبرير القمع الدموي لأنصار مرسي في تموز/ يوليو - آب/ أغسطس 2013 73. ووصل الاستقطاب إلى إطلاق النظام حملة "بلّغ عن جارك الإخواني" التي تشجّع الناس على تبليغ الشرطة عن أي شخص ينتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين بوصفه إرهابيًا لمجرد انتمائه إلى الجماعة  74. ففي حين حقق الإخوان المسلمون انتصارات انتخابية في البرلمان والرئاسة، لم يتمكنوا من تعبئة المجتمع خارج دوائرهم ولا ترسيخ سلطتهم، ما أتاح للجيش إمكانية استغلال المظاهرات المطاِلِبة باستقالة مرسي إثر تفاقم المشكلات الاقتصادية وعجزه عن تحقيق الأمن والاستقرار، وعزله في تموز/ يوليو 2013 عن طريق انقلاب عسكري  75. وبعد استقالة السيسي من منصب وزير الدفاع، رافعًا شعار "تحيا مصر" ومن دون حتى حملة انتخابية 76، انُتُخب في انتخاباٍتٍ غير ديمقراطية نتيجتها محسومة سلفًا، رئيسًا للبلاد في حزيران/ يونيو 2014، على الرغم من تأكيده نيته عدم الترشح للرئاسة في تموز/ يوليو 2013، حين قال: "لن أترشح للرئاسة ولن أسمح للتاريخ بأن يكتب أنّ جيش مصر تحرك من أجل مصالح شخصية" 77. أمّا قيس سعيّد، فدخل المشهد السياسي العام التونسي بظهوره على شاشات التلفزة بعد الثورة التونسية 2011() بوصفه خبيرًا دستوريًا وقانونيًا، ومن ثم ترشّحه للانتخابات الرئاسية في البلد العربي الوحيد الذي شهد فترة انتقال ديمقراطي، متخذًا من تعبير الثورة "الشعب يريد" شعارًا لحملته الانتخابية ورافعًا لواء الشفافية والصدق: لست في حملة انتخابية لبيع أوهام والتزامات لن أحقّقها، بل أنا ملتزم بما أقول وأعد به، عكس وعود الأحزاب التقليدية التي لم يكن حظ الشعب التونسي منها إلا كحظ المتنبي من وعود كافور الإخشيدي  78.

  1. عبد الحميد العيد الموساوي وحسام الدين علي مجيد، "الشعبوية في الشرق الأوسط: ماهية الخطاب وخصائصه المقارنة"، مجلة العلوم السياسية - جامعة بغداد، العدد 58 2019() ص 74،.77
  2. سلامة وطبر، ص.126
  3. Azmi Bishara, Egypt: Revolution, Failed Transition and Counter- Revolution (London: I.B. Tauris, 2022), pp. 560-563, 579-587.
  4. ينظر على سبيل المثال: سارة رشاد، "حملة شعبية لمواجهة الإرهاب: 'بلغ البوابة نيوز عن جارك وقريبك الإخواني"'،، 2015/7/4، شوهد في 2023/9/30، في: https://tinyurl.com/46yab8f2"شاهد؛: بلغ_عن_الإخوان.. # هاشتاغ الخليج أونلاين لإعلامي مصري يثير الجدل"،، 2017/4/12، شوهد في 2023/9/30، فh يttps://tinyurl.com/3dd7s749:
  5. Bosmat Yefet & Limor Lavie, "Legitimation in Post‐revolutionary Egypt: Al‐Sisi and the Renewal of Authoritarianism," Digest of Middle East Studies , vol. 30, no. 3 (2021), pp. 175-176.
  6. مي شمس الدين، "السيسي: حملة اللا حملة"، 76 مدى مصر، 2014/5/23، شوهد في 2023/8/17، في https://tinyurl.com/s8xzd5y5:
  7. السيسي لمقربين: لن أترشح للرئاسة ولن أسمح للتاريخ بأن يكتب أن جيش مصر اليوم السابع تحرك من أجل 'مصالح شخصية"'،، 2013/7/30، شوهد في 2023/8/13، فh يttps://tinyurl.com/46cb32rj:
  8. قيس سعيد، الأستاذ الجامعي الذي فاجأ الساحة السياسية في تونس"، 78 بي بي سي، 2019/10/9، شوهد في 2023/8/15، في https://tinyurl.com/3sf6774n: عربي

وبالفعل، انتخبه التونسيون في تشرين الأول/ أكتوبر 2019 رئيسًا للبلاد، على الرغم من تفاخره في حملته الانتخابية بأن ليس لديه برنامج سياسي معلن، وأنه لم يُدِلِ بصوته في أي انتخابات سابقة منذ بداية الانتقال الديمقراطي، وتعبيره عدّة مرات عن مواقفه ضد الدستور والنظام السياسي القائم وعن ازدرائه للأحزاب والبرلمان. وقد أوصله هذا الخطاب الشعبوي ضد الأحزاب و"السياسيين الفاسدين" إلى الحكم، خاصةً أن منافسه الرئيس في الانتخابات، نبيل القروي، كان رجل أعمال متهمًابالفساد وُيُعُّدُ مقربًا من النظام السابق  79. مع اختلاف السياَقيَن المصري والتونسي، واختلاف طريقة وصولهما إلى رأس السلطة، افتقر السيسي وسعيّد إلى برنامج انتخابي واضح أو أيديولوجيا سياسية، واتبعا تكتيكات الخطاب الشعبوي السلطوي ذاتها إلى حٍدٍ ما، والتي يُعُّدُ التضليل أساس كل منها، وهي: بناء الشعب، ومهاجمة وسائل الإعلام والمؤسسات، والترويج لشرعية الإنجاز، وتبني نظرية المؤامرة والتضليل.

1. صنع العدو أو بناء الشعب

كما أشارت موف، "المسألة الرئيسة هنا هي كيف يُبنى الشعب" و"ما نوع الشعب الذي نريد بناءه" 80. وفي حالَتَي السيسي وسعيّد، بُني الشعب من خلال تحديد العدو  81، والذي تمثّل أساسًا في القوى السياسية الإسلامية في البلدين. فيصوّر نظام السيسي أنّ المصريين يمثلون شعبًا حقيقيًا موحدًا (نحن) مقابل الإخوان المسلمين (هم)، الذين يعدّهم أعداء الوطن، ويحاول شيطنتهم قدر الإمكان. وفي المقابل، يمثّل السيسي أن الجميع "أشرار" سواه، فهو حامي الشعب والمدافع الوحيد عنه، وقد خاطب المصريين بطريقةٍ أبوية قائلًا: "متسمعوش كلام حد غيري" [لا تُنصتوا إلى كلام أي أحٍدٍ سواي] لأنه سُيُسأل عنهم أمام الله يوم القيامة  83. ولا يتوقف عن توظيف النصوص الدينية؛ إذ شبّه حكمه بحكم الرسول محمد (ص) الذي كان مستقيمًافي قيادته ولم يكذب قط  84. وهو يستمد صورته بوصفه قائدًا وحاميًا من خلفيته العسكرية على اعتبار أن الجيش امتداد طبيعي له، وأنه المؤسسة الوحيدة القادرة على تحقيق الاستقرار والازدهار؛ ما يبرر تدخّل الجيش في السياسة والاقتصاد أيضًا  85. وكما أشار عمرو حمزاوي، "يمارس النظام المصري سلوكياته باسم الشعب، لكنها موجّهة أساسًا ضد الشعب" 86. وبالطريقة نفسها، يصوّر سعيّد نفسه في ثوٍبٍ طهراني 87، وأنه الصوت الحقيقي للشعب: "إن كان هناك حزب أنتمي إليه فهو حزب الشعب التونسي" 88. ويجعل أيّ إجراءات أو "معركة" يخوضها على أنها تخصّ الشعب: "الشعب التونسي يخوض معركة تاريخية ضد الفساد والمفسدين" 89. ولا يكاد يخلو خطاب له من مفردة "الشعب"، فهي الأكثر تكرارًا لديه، تليها مفردة "الثورة" 90، فهو يتمسك بالثورة التونسية منذ اليوم الأول لحملته الرئاسية، بل يرى أن التاريخ بدأ منها ومن ثم توقف، وعاد التاريخ ليستمر عند تسلمه السلطة؛ إذ إنه يصف سنوات ما بعد الثورة التونسية ب "العشرية السوداء" التي عاث فيها "أعداء الشعب" فسادًا 91، على عكس السيسي الذي لم ينفك عن مهاجمة ثورة 25 يناير ورموزها وتحميلها مسؤولية أي أزمات اقتصادية - أمنية 92.

  1. Azmi Bishara, Understanding Revolutions: Opening Acts in Tunisia (London: I.B. Tauris, 2021), pp. 286-287; Carmen Fulco & Mattia Giampaolo, "The Neoliberal Cage: Alternative Analysis of the Rise of Populist Tunisia," Middle East Critique , vol. 32, no. 1 (2023), pp. 27-52.
  2. Íñigo Errejón (in conversation with Chantal Mouffe), Podemos: In the Name of the People , Owen Jones (fore.) (London: Lawrence & Wishart, 2016), pp. 127-128.
  3. يجادل بيير كونيسا بأنّ "العدو عبارة عن عملية بناء"، فضلًاعن أنه " خيار سياسي "، سواء كان العدو حقيقيًا أم متخَّيَلًا. ينظر: بيير كونيسا، صنع العدو: أو كيف تقتل بضمير مرتاح (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2018 82 المحور.
  4. عمري ما كذبت 5...' مرات امتدح فيها السيسي 'زهده' في الحكم"، رصيف 22، 2019/11/7، شوهد في 2023/8/17، في https://rb.gy/wl60r:
  5. Amr Hamzawy, "Conspiracy Theories and Populist Narratives: On the Ruling Techniques of Egyptian Generals," Philosophy & Social Criticism , vol. 44, no. 4 (2018), pp. 491-504.
  6. عمرو حمزاوي، "الشعبوية الأورويلية في مصر"، مركز مالكوم كير -كارنيغي للشرق، الأوسط 2016/11/8، شوهد في 2023/8/17، في https://tinyurl.com/2p92denh:
  7. ينظر: محمد الراجي، "الظاهرة الخطابية للرئيس سعيد وهندسة الحقل التونسي"، مركز الجزيرة للدراسات السياسي،، شوهد 2022/1/18 في 2023/8/17، فh يttps://tinyurl.com/bdfewhk7:
  8. قيس سعيّد: عشت وسأموت مستقلًاوإن كان هناك حزب أنتمي إليه فهو الشعب التونسي"، فرانس 24، 2019/9/17، شوهد في 2023/8/17، في: https://cutt.ly/AwhzD8kV
  9. بسام رمضان، "قيس سعيد: 'الشعب التونسي يخوض معركة تاريخية وسيخرج منتصرًا"'، المصري اليوم، 2023/3/11، شوهد في 2023/8/17، في: https://cutt.ly/UwhzPiZR
  10. Fethi Helal, "'The People Want…:' the Populist Specter in the Tunisian President's Inaugural Speech," Critical Discourse Studies , vol. 19, no. 3 (2022), p. 244.
  11. قيس سعيد: السنوات العشر الماضية كانت عشرية سوداء (فيديو")، 90 الجزيرة مباشر، 2022/7/25، شوهد في 2023/8/17، في https://tinyurl.com/5eamuy5m:
  12. ينظر مثلًا: "حقيقة تصريح السيسي عن خسائر السياحة بسبب ثورة يناير "،، 2019/9/14، شوهد في 2023/8/17، في https://tinyurl.com/288upr25:؛ متصدقش "حقيقة مسؤولية ثورة 25 متصدقش يناير عن أزمة سد النهضة"،، 2021/8/7، شوهد في 2023/8/17، في: https://tinyurl.com/3kwydufy؛ "حقيقة تصريح الرئيس السيسي عن انتهاء احتياطي النقد الأجنبي بعد 2011 متصدقش "،، 2023/6/15، شوهد في 2023/8/17، فh يttps://tinyurl.com/4z2pkj7k:

مهاجمة وسائل الإعلام والمؤسسات الديمقراطية

في سبيل بناء حاجز الخوف، شهدت مصر في عهد السيسي مستوياٍتٍ غير مسبوقة من القمع، ولم تكن ضد الإخوان المسلمين فقط، بل شملت ناشطين ومثقفين وحقوقيين وأكاديميين وفنانين وإعلاميين من مختلف المرجعيات الفكرية  93. ويمارس نظام السيسي رقابة؛ إذ أ شديدة على وسائل الإعلام منذ انقلاب تموز/ يوليو 2013 غلقت عشرات القنوات والصحف، أبرزها الجزيرة مباشر مصر؛ ما دفع عشرات الصحافيين إلى الهجرة وتشكّل إعلام معارض في الخارج (إسطنبول ولندن خصوصًا)، يعدّه السيسي تهديدًا لاستقرار مصر ويمارس دورًا تخريبيًا بتقليل قيمة إنجازاته الكبيرة. ولا يهاجم وسائل إعلام المعارضة فقط، بل ينتقد وسائل إعلام نظامه أيضًا لعجزها عن مواجهة "شائعات وأكاذيب" المعارضة 94. مثل نظيره المصري، اتّهم سعيّد وسائل الإعلام مرارًا وتكرارًا بتشويه الحقائق والانشغال ب "المسائل التافهة"، معتبرًا أنّ ثمّة "لوبيات مالية" تقف وراءها  95. وعشية إعلانه حالة الاستثناء في تموز/ يوليو 2021، داهمت الشرطة مكتب قناة الجزيرة ومنعت الصحافيين من ممارسة عملهم  96. وامتَّدَ نقد سعيّد إلى الصحافة المكتوبة، التي أزعجه وضعها المقترح الذي قدّمته حكومته حول "الاستفتاء الإلكتروني" قاب ظفرين (علامَتَي تنصيص)، قائلًا: "لو وضعوا أنفسهم بين ظفرين لكان أفضل" 97. ومنذ تولّيه السلطة وهو يتحاشى الظهور على وسائل الإعلام المحلية ويهاجمها، ويصف المحللين السياسيين الذين يظهرون فيها ب "الكاذبين والمرتزقة" 98. في المقابل، يتبع سعيّد منذ تسلّمه رئاسة الجمهورية أسلوب التواصل المباشر مع الجمهور، ومن ذلك تقريعه لموظفي الدولة على الملأ من دون السماح لهم بالكلام، مثلما يوبّخ أستاٌذٌ طالبه الكسول، في مشهٍدٍ مسرحي يُشبه تلك المشاهد في المسلسلات التاريخية؛ إذ إنه يجلس في صدر مكتبه أمام ضيفه، موِّبِخًا إياه مستخدمًا لغة مبتذلة، مخاطبًا الرأي العام أكثر من تركيزه على مخاطبة الضيف، إذ تنشر رئاسة الجمهورية هذه اللقاءات المصوّرة على نحٍوٍ واسع  99. ويتقاسم السيسي وسعيّد وجهة النظر القائلة إنّ المؤسسات الديمقراطية تمثّل مطًّبًا أمام حل الأزمات، ويحبّذ كلاهما الإجراءات الاستثنائية؛ إذ أعلن السيسي حالة الطوارئ في مصر مدة ثلاثة أشهر في نيسان/ أبريل 2017 ليجري تمديدها حتى تشرين الأول/ أكتوبر 2021100، التي وسّعت صلاحيات الأجهزة الأمنية، وقلّصت مساحة الحريات المدنية، وأدلجت الأمن، والتي استغلها النظام لتقديم المدنيين للمحاكمة أمام المحاكم العسكرية. وفي تونس، بعد أن كان قد أعلن سعيّد نفسه قائدًا أعلى لقوّات الأمن الداخلي يوم 18 نيسان/ أبريل 2021، إلى جانب صفته الدستورية قائدًا أعلى للقوّات المسلحة العسكرية، وبعد سلسلة من التجاذبات بين الرئاسة من جهة، ومجلس النواب والحكومة من جهةٍ أخرى، أعلن مساء 25 تموز/ يوليو 2021 حالة الاستثناء، بإقالة رئيس الوزراء وتولّيه السلطة التنفيذية ورئاسة النيابة العامة، وتجميد عمل مجلس النوّاب ورفع الحصانة عن النوّاب، مانحًا نفسه صلاحيات شبه مطلقة، وقد حظيت إجراءاته بتأييد واسع من جمهور كان يعاني سوء الأوضاع الاقتصادية في ظل جائحة فيروس كورونا (كوفيد)19- 101، والمناوشات والتشهير المتبادل المستمر بين الأحزاب  102. ثم أعلن سعيّد بعد شهرين المرحلة الثانية من الانقلاب الرئاسي على الدستور، مساء 22 أيلول/ سبتمبر 2021 تحديدًا، وذلك بتعليقه معظم فصول الدستور، وتولّيه السلطتين التشريعية والتنفيذية بنفسه، وإلغاء هيئة مراقبة دستورية القوانين، وتولّيه إعداد مشاريع التعديلات المتعلقة بالنظام. وهو الأمر الذي كرّسه في خريطة الطريق التي أعلن عنها يوم 13 كانون الأول/ ديسمبر 2021، وجاءت أهم خطواته في الاستفتاء على مشروع الدستور لتغيير النظام السياسي في تونس

  1. Kevin Koehler, "'Don't Listen to Anyone but Me!' Will al-Sisi Consolidate Military Rule in Egypt?" Paper Presented at Mediterranean Research Meeting, Florence, 28/2/2016.
  2. محمد عبد الله، "إعلام الخارج.. يخشاه السيسي لكنه يدفع المصريين لمتابعته "،، 2020/10/13، شوهد في 2023/8/17، في https://tinyurl.com/4urn3kes: الجزيرة
  3. 98 من آخر هذه اللقاءات استضافته لمديرة التلفزة التونسية وتوبيخها، رغم أّن القناة تتّبع خطًا تحريريًا مساندًا للرئيس. ينظر: عدنان المنصر، "رئيس التّحريَرَين.. قيس ألترا تونس سعيّد يقرّع مديرة التلفزة التونسية"،، 2023/8/5، شوهد في 2023/8/17، فh يttps://tinyurl.com/yc2my9ay:
  4. تونس: استحواذ الرئيس على السلطات يهدّد الحقوق"، هيومن رايتس ووتش، 2021/7/27، شوهد في 2023/8/20، في https://tinyurl.com/mrxjrk5b:
  5. في لقائه برئيسة الحكومة: قيس سعيد يُهاجم وينتقد وسائل الإعلام"، 96 بزنس نيوز، 2022/1/10، شوهد في 2023/8/17، في https://tinyurl.com/2jz6ufnt:
  6. هاجر عبيدي، "ينتقد الإعلام العمومي... هل يحنّ سعيّد إلى زمن
  7. الرئيس التونسي يهاجم وسائل الإعلام"، 94 روسيا اليوم، 2022/1/10، شوهد في 2023/8/17، في https://tinyurl.com/4abatypb:
  8. الرئيس السيسي يعلن رفع حالة الطوارئ المفروضة في مصر منذ سنوات"، الجزيرة، 2021/10/25، شوهد في 2023/8/17، في https://tinyurl.com/3fdx3rvf:
  9. Bishara, Understanding Revolutions , pp. 287-288. 101 ينظر: عبد الله جنوف، "النبز في الثقافة السياسية التونسية"، عمران، مج 12، العدد 54 (صيف 2023)، ص.61-37
  10. تلفزيون 'سعادة الرئيس'؟"، رصيف 22،، شوهد 2023/8/9 في 2023/8/17، فh يttps://tinyurl.com/vf9mbd2f:

يوم 25 تموز/ يوليو 2022 103، لتسير تونس على خطى مصر، ويتزايد فيها حدّة القمع الأمني وانتهاك الحريات  104 مقابل اتّساع جبهة المعارضة السياسية  105. ومن خلال الإجراءات الاستثنائية، وإفراغ المؤسسات الديمقراطية من أدوارها، استرد السيسي وسعيّد صورة الزعيم الأوحد للبلاد.

3. صناعة الوهم أو شرعية الإنجاز

سعيًا لاكتساب الشرعية، ولأنه لا يستند إلى أيديولوجيا واضحة، أغرى نظام السيسي منذ تولّيه الحكم وإحكامه السيطرة على السلطة، الجمهور المصري بإعلانات المشاريع الكبرى (ومعظمها تعود إلى عهد الرئيس السابق حسني مبارك) بوصفها منجزات وطنية خارقة، ومنها مشروع سكني يضم مليون وحدة سكنية، واستصلاح أربعة ملايين فدان من الأراضي الصحراوية للزراعة، وبناء "العاصمة الجديدة" و"قناة السويس الجديدة." وفي حين تنطلي هذه الإعلانات على البعض، فإن آخرين بدوا متشككين فيها مطلقين عليها اسم "فناكيش" (تجارة الوهم) 106. ويروّج السيسي لشرعية الإنجاز من خلال ادّعاء وجود إنجازات كثيرة لا يريد الإعلان عنها خوفًا من "الأشرار" 107. وقد بلغت حملات نظامه الإعلامية أوجها من خلال وصف السيسي بأنه "باني/ مؤسس مصر الحديثة" 108 و"المصلح التاريخي  "109. وفي تونس، وُصف سعيّد بأنه "منقذ تونس" 110، مع أن إنجازاته غير مرئية؛ إذ لم ينفّذ سوى 5 من أصل 94 وعدًا ألزم نفسه بها منذ انقلابه الدستوري، مقابل تراجع حقوق الإنسان ومكافحة الفساد وزيادة الانتهاكات ضد الصحافيين  111. لكن يبدو أنّ سعيّد يرى في السيسي نموذجًا؛ إذ إنه عّب رعن فخره بإنجازاته ونجاحاته وعن تطلعه إلى هذا النموذج من "النمو والازدهار" 112.

4. التضليل وإشاعة نظرية المؤامرة

لعبان كما وصفها والتر أرمبرست ببراعة، "ترتبط سياسة الُأ Trickster بنوٍعٍ من القصص الغريبة التي نشير إليها بنظرية المؤامرة" 113. ولو استبدلنا الُأ لعبان، على الرغم من أنه الوصف الأصح، بالشعبوي السلطوي، لن تفسد الحكمة. في معظم خطاباته، روّج السيسي لفكرة أن هناك مؤامرة تحاك ضد الدولة المصرية واقتصادها الوطني  114. وكذلك الأمر بالنسبة إلى سعيّد، الذي ذكّر التونسيين أكثر من مرة ب "المؤامرات التي تحاك في الغرف المظلمة"، متهمًا "أطرافًا" يصفها بالأفاعي والسرطانات والخونة، بافتعال الأزمات والممارسات التآمرية 115. في المقابل، يتمسك السيسي بشعارات الصدق ومكافحة الكذب؛ إذ إنه قال: "عمري ما كذبت، حتى وأنا موجود في المكان اللي بيقول عنه أهل السياسة يحتاج لوع [لؤم] وأكاذيب" 116. وكذلك الأمر بالنسبة إلى سعيّد، الذي يرى أن الكذب اجتاح الإعلام والسياسة: "نحن نحتاج اليوم لقاحات ضد كورونا وضد الكذب والافتراء أيضًا، ولا أعتقدها ستكون ناجعة"، وسرعان ما أصدر المرسوم الرئاسي عدد 54 لسنة 2022 في 13 أيلول/ سبتمبر 2022 المتعلق بمكافحة الجرائم المتصلة بأنظمة المعلومات والاتصال، والذي ينصّ على معاقبة كل

  1. حول الخلفية السياسية والاقتصادية لانقلاب سعيّد على الدستور منذ إعلان الاستثناء وحتى الاستفتاء الشعبي على الدستور الجديد، ومواقف الفاعلين المحليين والإقليميين والدوليين من الانقلاب، والسياق الذي جرى فيه التحضير للاستفتاء، والاحتجاجات التي شهدها الشارع التونسي ضد إجراءات سعيّد والقمع الذي تعرضت له، ينظر: "تونس: من انقلاب 25 تقرير، رقم تموز/ يوليو إلى الاستفتاء على تغيير الدستور"، 6، المركز العربي للأبحاث ودراسة
  2. تونس: تصاعد حدة القمع الأمني يكشف عُمق مأزق الرئيس"، 103 تقدير موقف، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2022/8/4، شوهد في 2024/8/25، فh يttps://tinyurl.com/4haju765:
  3. الأزمة السياسية في تونس: تداعيات اتساع المعارضة السياسية لحكم الرئيس سعيّد تقدير موقف، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات وآفاقها"،، 2023/2/12، شوهد في 2024/8/25، في https://tinyurl.com/3jju7c3e:
  4. Walter Armbrust, "Trickster Defeats the Revolution: Egypt as the Vanguard of the New Authoritarianism," Middle East Critique , vol. 26, no. 3
  5. أغرب تصريحات السيسي"، 106 رصيف 22   "، 2016/6/28، شوهد في 2023/8/17، فh يttps://cutt.ly/EwhzIpYG:
  6. ينظر مثلًا: محمد الديسطي، "السيسي باني مصر الحديثة"، البوابة نيوز، 2020/7/29، شوهد في 2023/8/15، في https://tinyurl.com/mw5pndxx:،؛ أحمد عرفة
  7. Cynthia Farahat, "Who Is Sisi of Egypt? A Reformer," Middle East Quarterly , vol. 26, no. 2 (Spring 2019), pp. 1-9. 109 ينظر: أحمد نظيف، "أسطورة 'المنقذ' في تونس المعاصرة: رجل 'العناية وتحّولّاته"، المفكرة القانونية الإلهية'،، شوهد 2023/3/31 في 2023/8/15، فh يttps://tinyurl.com/mr3mku47:؛ " Kais Saied: From an 'Ordinary Man' to a 'Savior'," Al Majalla , 30/7/2021, accessed on 16/8/2023, at: https://tinyurl.com/2s3bmpyh
  8. السياسات 2022/7/28، شوهد في 2024/8/25، في https://tinyurl.com/4xyp558x:
  9. بالأرقام.. قيس سعيد فشل في تحقيق 90 بالمئة من وعوده للتونسيين"، عربي 21، 2023/7/25، شوهد في 2023/8/17، في https://tinyurl.com/3zs5956v:
  10. هند مختار، "الرئيس التونسي: إنجازات ونجاحات مصر ستظل مصدر فخرنا"، 111 اليوم، 2022/5/13، شوهد في 2023/8/17، في https://tinyurl.com/bdxc4hmh: السابع 112  Armbrust, p. 231.
  11. (2017), pp. 230-231.
  12. السيسي يحذر من 'مؤامرة كبرى تهدد وجود مصر"'، 113 بي بي سي عربي، 2014/10/25، شوهد في 2023/8/17، في: https://rb.gy/55631؛ "السيسي: مصر تتعرض لمؤامرة لضرب الأهرام وحدة الشعب وإسقاط الدولة وهدفنا الحفاظ على كيانها"،، 2016/2/24، شوهد في 2023/8/17، في https://tinyurl.com/yjynvhed: " نظرية مؤامرة أم واقع.. ما حقيقة اتهام 'مجهولين' بافتعال أزمات تونس؟"، 114 أصوات، 2023/5/23، شوهد في 2023/8/17، في https://tinyurl.com/4vcerjfs: مغاربية
  13. يوسف القعيد: محمد علي وعبد الناصر والرئيس السيسي مؤسسو مصر الحديثة"، اليوم، 2023/6/26، شوهد في 2023/8/15، في https://tinyurl.com/4569mvfj: السابع
  14. السيسي: 'أنا عمري ما كذبت وماليش في اللوع بتاع السياسيين"'، بوابة الفجر، 2019/11/7، شوهد في 2023/8/17، في https://rb.gy/kt75e:

من "يستخدم شبكات الاتصال وأنظمة المعلومات عمدًا لإنتاج أو ترويج أو نشر أو إرسال معلومات كاذبة أو شائعات كاذبة"، مع مضاعفة العقوبة إذا كانت "المعلومات الكاذبة تستهدف مسؤولي الدولة" 117. مع ذلك، يتكرر الكذب والتضليل في خطابهم118. في تشرين الثاني/ نوفمبر 2018، صرّح السيسي أنه جرى تشغيل 5-3 ملايين شخص بناءً على جهوده، لكن في الواقع لم يزد عدد المشتغلين على أكثر من 1.7 مليون شخص منذ توليه السلطة عام 2014 119. وادّعى في كانون الأول/ ديسمبر 2019 أنّه لم يطالبه أي مواطن بتخفيف قسوة "الإصلاح الاقتصادي" على الرغم من تظاهر المئات ضد سوء الأحوال الاقتصادية  120، وقدّم في حزيران/ يونيو 2023 معلومات مضللة عن تحقيق أهداف الإصلاح الاقتصادي  121. وفي آب/ أغسطس 2021، أشار إلى أن نظامه لا يسجن أحدًا بسبب آرائه السياسية، على الرغم من ازدحام السجون المصرية بآلاف المعتقلين السياسيين  122. وادعى، في كانون الثاني/ يناير 2022، أن مصر من الدول القليلة التي نجحت في تحقيق نمو اقتصادي خلال عام 2021، مع أنها حلّت في المرتبة 111 عالميًا بمعدل أقل من عام 2020 123. وفي نيسان/ أبريل 2022، أشار إلى أن سعر صرف الدولار الأميركي في عام 2012-2011 كان يساوي 8 جنيهات مصرية، محاولًاأن يصوّر أنّ مسؤولية التدهور الحالي للعملة لا تقع على عاتق نظامه، على الرغم من أنّ سعر صرف الدولار لم يصل إلى هذا السعر، إلا خلال عهده في تشرين الأول/ أكتوبر 2015 124. وفي تشرين الأول/ أكتوبر 2022، ادّعى أن حكومته تبني 21 ألف فصٍلٍ دراسي جديد سنويًا، مع أن المعدل السنوي لبناء الفصول سنويًا لم يتجاوز 5-4 آلاف فصلٍ منذ توليه السلطة عام 2014 125. وفي كانون الأول/ ديسمبر 2022، ادعى السيسي أن حكومته لم ترفع أسعار المحروقات على المواطنين، على الرغم من ارتفاع أسعار النفط عالميًا، إلا أن الأسعار شهدت ارتفاعًا ثلاث مرّات خلال عام 2022 126. وفي آذار/ مارس 2023، صرّح السيسي أنّ ظاهرة الهجرة الشرعية من مصر إلى أوروبا توقفت منذ أيلول/ سبتمبر 2016، على الرغم من تسجيل التقارير لهجرة مئات المصريين بطرائق غير شرعية عام 2022 127. ومنذ إعلانه حالة الاستثناء في 25 تموز/ يوليو 2021، اعتقَلَ نظام سعيّد تعسفيًا عشرات الناشطين والسياسيين وحقّق معهم، وأصدر قرارات منع سفر في حق آخرين، وقدّم مدنيين للمحاكمة أمام محاكم عسكرية، مستهدفًا أعضاء حزب النهضة على نحو رئيس، مهددًا بذلك حرية التعبير وحقوق الإنسان  128، مع أنه تعهد ب "حماية المسار الديمقراطي والحقوق والحريات" 129. وبإعلان سعيّد حالة الاستثناء وحلّ البرلمان، كذّب نفسه خلال يوم واحد فقط؛ إذ صرّح في 29 آذار/ مارس 2021، أنّه "لا يمكن حل البرلمان لأن الدستور لا يسمح بذلك" 130. ومع أنّه شدّد في حملته الانتخابية على أن "التطبيع خيانة عظمى"، فإنه أصدر، في كانون الأول/ ديسمبر 2022، مرسومًا رئاسيّا يصدّق على انضمام تونس إلى بروتوكول الإدارة المتكاملة للمناطق الساحلية في المتوسط (الذي تشغل إسرائيل عضويته)؛ الأمر الذي عُّدّ خطوةً تجاه فتح باب التطبيع مع إسرائيل الذي يرفضه التونسيون  131. وفي تعارض مع تشديده، في حزيران/ يونيو 2023، على أنّ "تونس لن تقبل أبدًا بأن تكون حارسة حدود أي دولة

  1. زينة البكري، "هل ساهم المرسوم 54 في مكافحة الإشاعات والحدّ من انتشارها في مسبار تونس؟"،، 2024/6/14، شوهد في 2024/9/1، في: https://tinyurl.com/3rndar4f
  2. للاطلاع على أبرز كذبات السيسي، ينظر: عبد الرحمن أبو العلا، "السيسي: عمري الجزيرة ما كذبت.. سبع مقولات هل تصدقونه فيها؟"، 2019/11/8، شوهد في 2023/8/17، في: https://rb.gy/28mo4؛ "السيسي: لم أتحدث كذبًا قط.. وناشطون يرصدون 'كذباته"'،، 2022/10/26، شوهد في 2023/8/17، في https://tinyurl.com/4kumkhfm: 21 عربي
  3. حقيقة تصريحات الرئيس السيسي عن زيادة عدد المشتغلين في مصر"، متصدقش، 2023/11/3، شوهد في 2023/8/17، في https://tinyurl.com/msm6m7sx:
  4. لم يخرج مواطن واحد يطلب مني تخفيف قسوة ما نحن فيه"، 119 صحيح مصر، 2019/12/12، شوهد في 2023/8/17، في: https://tinyurl.com/52enc2yz؛ "ليس صحيحًا
  5. هل تحسنت أحوال المصريين بعد برنامج الإصلاح الاقتصادي...؟ تصريحات
  6. حقيقة عدم حبس المعارضين السياسيين في مصر"، 121 متصدقش، 2021/8/26، شوهد في 2023/8/17، في https://tinyurl.com/3fj3zjb2:
  7. إحنا من الدول القليلة التي حققت معدلات نمو اقتصادي في /2020 2021.. ودول صحيح مصر كثيرة جًّدًا لم تستطع أن تحقق هذا"،، 2022/1/11، شوهد في 2023/8/17، فh يttps://tinyurl.com/bddpratu:
  8. سعر الدولار في جنيه مصري"، صحيح مصر 2011 و 2012 كان يساوي 8، 2022/4/27، شوهد في 2023/8/17، في https://tinyurl.com/3nbb9bht:
  9. إحنا بنبني 21 ألف فصل في السنة عشان معندناش نعمل أكتر من كدا"، صحيح، 2022/10/23، شوهد في 2023/8/17، في https://tinyurl.com/3ujkn4yu: مصر
  10. لما البترول غلي أنا مغلتوش على الناس"، 125 صحيح مصر، 2022/12/3، شوهد في 2023/8/17، في https://tinyurl.com/nzbusy4x: 126   " في مجال الهجرة غير الشرعية، منذ سبتمبر 2016 لم يخرج مواطن واحد عبر صحيح مصر الحدود البرية لمصر إلى أوروبا"،، 2023/3/14، شوهد في 2023/8/17، فh يttps://tinyurl.com/ysmpmvn4: 127   " حقوق الإنسان تتعرّض للاعتداء بعد عامْي نعلى هيمنة الرئيس سعيّد على السلطة"، منظمة العفو الدولية، شوهد في 2023/8/20، في: https://tinyurl.com/2725yhs2
  11. أن المصريين لم يتظاهروا رفضًا لإجراءات الإصلاح الاقتصادي التي اتبعتها مصر منذ "2016،، 2022/1/13، شوهد في 2023/8/17، في https://tinyurl.com/45pac7jh: متصدقش
  12. متصدقش مضللة من السيسي عن الوضع في مصر"،، 2023/6/22، شوهد في 2023/8/17، فh يttps://tinyurl.com/ypyr99e9:
  13. سعيد يتعهد بحماية 'الحقوق والحريات والمسار الديمقراطي"'، سكاي نيوز عربية، 2021/7/27، شوهد في 2023/8/20، في https://tinyurl.com/5n8fskdr:
  14. وليد التليلي وآدم يوسف، "حل البرلمان التونسي: سعيّد يعمّق المأزق والانقسامات "، العربي الجديد، 2022/4/1، شوهد في 2023/8/20، في: https://tinyurl.com/4e6pp53y
  15. آدم يوسف، "إدانة واسعة للتطبيع بعد مصادقة قيس سعيد على بعضوية إسرائيل" العربي الجديد بروتوكول،، شوهد 2022/12/3 في 2023/8/20، فh يttps://tinyurl.com/yp3v2x3z:

أخرى" 132، وقّع في تموز/ يوليو مذكرة تفاهم مع الاتحاد الأوروبي تهدف بصورة جزئية إلى الحد من الهجرة غير الشرعية عبر البحر الأبيض المتوسط، مقابل مساعدة مالية يقدمها الاتحاد لتونس 133. لقد اتّبع السيسي وسعيّد تكتيكات الخطاب الشعبوي السلطوي التضليلي ذاتها. وفي حين استطاع السيسي، من خلالها، تعزيز سيطرته في مصر وانتزاع حق البقاء في السلطة بولاية رئاسية ثالثة تمتد حتى عام 2030، خاض سعيّد الانتخابات الرئاسية مرةً أخرى بعد إعلانه الترشّح لولاية ثانية في تموز/ يوليو 2024، مع إقصاء متنافسين محتملين وإدانتهم وقمع متزايد للمعارضة  134، لُيُنتَخَب رئيسًا حتى عام 2029، بعد حصوله على 90.69 في المئة من أصوات الناخبين 135.

خاتمة

لماذا يكذب القادة والزعماء؟ شغَلَ هذا السؤال ميرشايمر وخصص كتابًا لبحث الكذب في السياسة الدولية، أشار فيه إلى أنّ كذب القائد لا يجدي نفعًا دائمًا؛ لأنه قد يؤدي إلى عواقب وخيمة إن انكشف أمره، مؤكدًا أن القادة يكذبون لأسباب استراتيجية عادةً، لا لأنهم جبناء  . وفي حين كان تركيز ميرشايمر على الكذب بين الدول، بحثت هذه الدراسة الكذب داخل الدول، الذي قاربته على أنّه ابٌنٌ شرعي لزواج الشعبوية والسلطوية، من خلال حالَتَي السيسي في مصر، وسعيّد في تونس. انطلاقًا من تعريف الشعبوية على أنها خطاب سياسي يستهوي عواطف الناس وتحيزاتهم بدلًا من أحكامهم العقلانية تحقيقًا للشعبية (الشرعية)، من خلال ادعاء تمثيل الشعب (نحن) في مجابهة الإستبليشمنت والنخبة التقليدية (هم)، مَتّ ثّل الهدف الرئيس للدراسة في فهم العلاقة بين الشعبوية والتضليل في السياق السلطوي. ولتحقيق هذا الهدف، ومحاولةً لضبط المفهوم الفضفاض للشعبوية، ركّزت الدراسة على الشعبوية السلطوية، التي تتميّز بمساعي الخطاب الشعبوي لنزع الشرعية عن المؤسسات الديمقراطية ومنحها لرئيس السلطة التنفيذية بوصفه الزعيم الأوحد ومنقذ الأمّة، معتمدةً على التواصل المباشر الكثيف مع الشعب؛ ما يفتح الباب لأن تصبح الشعبوية أداةً للتلاعب بالرأي العام من خلال التضليل، بهدف شرعنة الإجراءات السلطوية وإقصاء المعارضين عن الساحة السياسية وتحميلهم المسؤولية عن الأزمات الاقتصادية والسياسية. فكما تبين حالتا السيسي وسعيّد، لا يمكن أن تصعد الشعبوية في السياق السلطوي من دون خطاب تضليلي، ويكون الخطاب الشعبوي التضليلي الوسيلة الوحيدة لكسب الشرعية عند الافتقار إلى الشرعية الأيديولوجية أو الكاريزمية. بطبيعة الحال، قد تظهر الشعبوية السلطوية في السياق الديمقراطي (مثل حالَتَي ترامب في الولايات المتحدة وأوربان في هنغاريا)، أو في السياق السلطوي (مثل حالَتَي السيسي في مصر وسعيّد في تونس)، لكنها تجد مساحةً أوسع في السلطويات أو الديمقراطيات الوليدة، لإمكانية تعطيل القيود الدستورية والمؤسساتية وسهولة قمع المعارضة والتحكم شبه المطلق في وسائل الإعلام. ومن خلال اختبار الفرضيات النظرية، وجدت الدراسة أن الشعبوية السلطوية في السلطويات تتبع أربعة تكتيكات رئيسة مبنية على التضليل: 1. بناء الشعب من خلال صنع العدو الذي يتمثّل في المعارضة السياسية، 2. مهاجمة وسائل الإعلام والمؤسسات بادعاء نشر وسائل الإعلام للشائعات والأخبار الكاذبة، وتصوير المؤسسات الديمقراطية على أنها عائق في طريق حل الأزمات وتحقيق إرادة الشعب، 3. صناعة الوهم بتضخيم الإنجازات؛ إذ يبالغ إعلام الزعيم الشعبوي في تصوير إنجازاته وعلى أنه الوحيد القادر على إنقاذ الأمّة واستعادة مجدها، في سبيل كسب الشرعية،.4 توظيف تفسيرات نظرية المؤامرة والمعلومات المضللة، لتبرير الفشل في تحقيق الوعود. يرمي التضليل الشعبوي السلطوي أساسًا إلى شرعنة الإجراءات السلطوية وإقصاء المعارضين عن الساحة السياسية وتحميلهم المسؤولية عن الأزمات الاقتصادية والسياسية، إلا أنه قد يؤدي إلى نزع الشرعية عن مطالب الديمقراطية والمؤسسات الرسمية في حد ذاتها؛ ما يجعله يمثّل تهديدًا للأنظمة التي تمُّرُ بمرحلة انتقال ديمقراطي، بل تهديدًا للثقافة السياسية، من خلال تشكيل مزاج شعبوي سلطوي يؤثر في السلوك السياسي للأفراد، مثلما رأينا مصريين يهتفون للسيسي حينما وصل إلى السلطة من خلال انقلاب عسكري، ومثلما رأينا تونسيين يؤيدون سعيّد في انقلابه الدستوري.

  1. سعيّد خلال لقائه وزيري داخلية أوروبيين: تونس لن تكون حارسة حدود لأحد "، العربي الجديد، 2023/6/19، شوهد في 2023/8/20، في: https://tinyurl.com/4cecy4zs
  2. تونس والاتحاد الأوروبي يوقعان اتفاق 'شراكة استراتيجية' بشأن الاقتصاد والهجرة"،، 2023/7/16، شوهد في 2023/8/20، في https://tinyurl.com/4v7w8u5e: 24 فرانس
  3. ينظر: "تونس: منع مرشحين محتملين للرئاسة"، هيومن رايتس ووتش، 2024/8/20، شوهد في 2024/8/25، في https://tinyurl.com/cfrazh2u:
  4. قيس سعيّد رئيسًا لتونس لولاية ثانية ب من الأصوات"، الجزيرة نت 90.69 %، 2024/10/8، شوهد في 2024/10/10، في https://tinyurl.com/mweef7rx:
  5. ميرشايمر، ص 30،.165-164

المراجع

العربية

أمنكاي، عبد الكريم. "شعبويو السلطة وجائحة كورونا بين اعتيادية التدابير وخصوصية الخطاب: حالة الولايات المتحدة تحت سياسات عربية. مج إدارة دونالد ترامب." 9، العدد 50 (أيار/ مايو.)2021 أوربيناتيي، ناديا. أنا الشعب: كيف حوّلت الشعبوية مسار الديموقراطية. ترجمة عماد شيحة. بيروت: دار الساقي،.2020 بشارة، عزمي. في الإجابة عن سؤال: ما الشعبوية. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2019 جدليات الاندماج الاجتماعي وبناء الدولة والأمة في الوطن العربي. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2014 جنوف، عبد الله. "النبز في الثقافة السياسية التونسية." عمران. مج 12، العدد 54 (صيف.)2023 حمزاوي، عمرو. "الشعبوية الأورويلية في مصر." مركز كير للشرق مالكوم -الأوسط كارنيغي..2016/11/8 فh يttps://tinyurl.com/2p92denh: الراجي، محمد. "الظاهرة الخطابية للرئيس سعيد وهندسة الحقل السياسي التونسي." مركز الجزيرة للدراسات..2022/1/18 فh يttps://tinyurl.com/bdfewhk7: روزانفالون، بيير. قرن من الشعبوية: التاريخ والنظرية والنقد. ترجمة محمد الرحموني. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2022 سلامة، عماد وبول طبر. "التحوّل الديمقراطي والشعبوية الطائفية: المستقبل العربي. مج حالة لبنان." 35، العدد 403.)2012(الشعبوية والسياسة العالمية: سبرر الأبعاد الدولية والعابرة للحدود. فرانك ستنغل وديفيد ماكدونالد وديرك نابرز (تحرير.) ترجمة محمد حمشي. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2022 عبد الرزاق، أبو بكر. "الديمقراطية الليبرالية بين النخبوية والشعبوية: دراسة في أسباب صعود التيار الشعبوي في أميركا وتداعياته." سياسات عربية. مج 5، العدد 26.)2017(فيبر، ماكس. العلم والسياسة بوصفهما حرفة. ترجمة جورج كتورة. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2011 كونيسا، بيير. صنع العدو: أو كيف تقتل بضمير مرتاح. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2018 موده، كاس وكريستوبل روفيرا كالتواسر. مقدمة مختصرة في الشعبوية. ترجمة سعيد بكار ومحمد بكار. بيروت/ الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2020 الموساوي، عبد الحميد العيد وحسام الدين علي مجيد. "الشعبوية في الشرق الأوسط: ماهية الخطاب وخصائصه المقارنة." مجلة العلوم السياسية - جامعة بغداد. العدد).2019(58 مولر، يان فيرنر. ما الشعبوية؟ ترجمة رشيد بوطيب. الدوحة: منتدى العلاقات العربية والدولية،.2017 نصّار، يارا. "الشعبوية الإسلاموية في الحالة العربية." ورقة مقدمة في الورشة السنوية لتطوير الأبحاث "بناء الأمة والتحولات الاقتصادية والحركات الشعبوية في منطقة الشرق الأوسط." الشبكة العربية للعلوم السياسية..2022/3/26-24 ميرشايمر، جون جي. لماذا يكذب القادة والزعماء: حقيقة الكذب في السياسة الدولية. ترجمة عبد الفتاح عمورة. مراجعة منذر محمود محمد. دمشق: دار الفرقد،.2016

الأجنبية

Ádám, Zoltán. "What is Populism? An Institutional Economics Approach with Reference to Hungary." Paper Presented at The Second International Economic Forum on Reform "Transition and Growth," Corvinus University of Budapest. Budapest. November 2016. Akgemci, Esra. "Authoritarian Populism as a Response to Crisis: The Case of Brazil." Uluslararasi Iliskiler. vol. 19, no. 74 (2022). Akgül, Harun Güney. "Fake News as a Tool of Populism in Turkey: The Pastor Andrew Brunson Case." Polish Political Science Review. vol. 7, no. 2 (2019). Anselmi, Manuel. Populism: An Introduction. London/ New York: Routledge, 2018.

Armbrust, Walter. "Trickster Defeats the Revolution: Egypt as the Vanguard of the New Authoritarianism." Middle East Critique. vol. 26, no. 3 (2017). Bennett, W. Lance & Steven Livingston (eds.). The Disinformation Age: Politics, Technology, and Disruptive Communication in the United States. New York: Cambridge University Press, 2020. Berlin, Isaiah. "To Define Populism." Interventions Made during the Panels in the London School of Economics Conference on Populism. 20-21/5/1967. at: https://tinyurl.com/mwwu529c Bishara, Azmi. Understanding Revolutions: Opening Acts in Tunisia. London: I.B. Tauris, 2021. ________. Egypt: Revolution, Failed Transition and Counter-Revolution. London: I.B. Tauris, 2022. Bonikowski, Bart. "Ethno-nationalist Populism and the Mobilization of Collective Resentment." The British Journal of Sociology. vol. 68, no. 1 (2017). and Nationalism "Between Rogers. Brubaker, Civilizationism: The European Populist Moment in Comparative Perspective." Ethic and Racial Studies. vol. 40, no. 8 (2017). Canovan, Margaret. Populism. New York: Harcourt Brace Jovanovic, 1981. ________. "Trust the People! Populism and the Two Faces of Democracy." Political Studies. vol. 47, no. 1

Dykstra, Allan. "The Rhetoric of 'Whataboutism' in American Journalism and Political Identity." Res Rhetorica. vol. 7, no. 2 (2020). El-Affendi, Abdelwahab (ed.). The Populist Moment: Perspectives on Democracy's Crisis. London: Bloomsbury, [forthcoming]. Errejón, Íñigo (in Conversation with Chantal Mouffe). Podemos: In the Name of the People. Owen Jones (fore.). London: Lawrence & Wishart, 2016. Fallis, Don. "What Is Disinformation?" Library Trends. vol. 63, no. 3 (Winter 2015). Farahat, Cynthia. "Who Is Sisi of Egypt? A Reformer." Middle East Quarterly. vol. 26, no. 2 (Spring 2019). Fulco, Carmen & Mattia Giampaolo. "The Neoliberal Cage: Alternative Analysis of the Rise of Populist Tunisia." Middle East Critique. vol. 32, no. 1 (2023). Gerbaudo, Paolo. "The Populist Era." Soundings. no. 65

Gidron, Noam & Bart Bonikowski. "Varieties of Populism: Literature Review and Research Agenda." Weatherhead Center. Working Paper Series , no. 13-0004 (2013). Hall, Stuart et al. Policing the Crisis: Mugging, the State and Law and Order. London: Macmillan, 1978. Hall, Stuart. "The Great Moving Right Show." Marxism Today. vol. 23, no. 1 (January 1979). Hameleers, Michael. "Populist Disinformation: Exploring Intersections between Online Populism and Disinformation in the US and the Netherlands." Politics and Governance. vol. 8, no. 1 (2020). ________. "Populist Disinformation: Are Citizens with Populist Attitudes Affected Most by Radical Right- Wing Disinformation?" Media and Communication. vol. 10, no. 4 (2022). Hamzawy, Amr. "Conspiracy Theories and Populist Narratives: On the Ruling Techniques of Egyptian Generals." Philosophy & Social Criticism. vol. 44, no. 4 (2018). Helal, Fethi. "'The People Want…': The Populist Specter in the Tunisian President's Inaugural Speech." Critical Discourse Studies. vol. 19, no. 3 (2022).

Jerit, Jennifer & Yangzi Zhao. "Political Misinformation." Annual Review of Political Science. vol. 23 (2020). Jessop, Bob et al. "Authoritarian Populism, Two Nations, and Thatcherism." New Left Review. vol. 147, no. 1

K O'Neil, Shannon. "Latin America's Populist Hangover: What to do When the People's Party Ends." Foreign Affairs. vol. 95, no. 6 (2016). Kazin, Michal. The Populist Persuasion: An American History. Ithaca/ London: Cornell University Press, 1995. ________. "Trump and American Populism: Old Whine, New Bottles." Foreign Affairs. vol. 95, no. 6 (2016). Kirdis, Esen & Amina Drhimeur. "The Rise of Populism? Comparing Incumbent Pro-Islamic Parties in Turkey and Morocco." Turkish Studies (2016). Koehler, Kevin. "'Don't Listen to Anyone but Me!' Will al-Sisi Consolidate Military Rule in Egypt?" Paper Presented at Mediterranean Research Meeting. Florence. 28/2/2016. Kriesi, Hanspeter. "The Populist Challenge." West European Politics. vol. 37, no. 2 (2014). Laclau, Ernesto. On Populist Reason. London: Verso, 2005. Levitsky, Steven & Kenneth M. Roberts (eds.). The Resurgence of the Latin American Left. Baltimore: John Hopkins University Press, 2011. Lindstaedt, Natasha. Democratic Decay and Authoritarian Resurgence. Bristol: Bristol University Press, 2021. Machin, Amanda & Oliver Wagener. "The Nature of Green Populism?" Green European Journal. 22/2/2019. at: https://bit.ly/3luDZJo Mietzner, Marcus. "Rival Populisms and the Democratic Crisis in Indonesia: Chauvinists, Islamists and Technocrats." Australian Journal of International Affairs. vol. 74 (2020). Monti, Matteo. "The New Populism and Fake News on the Internet: How Populism along with Internet New Media is Transforming the Fourth Estate." Sant'anna Legal Studies. Stals Research Paper. no. 4 (2018). Mouffe, Chantal. For a Left Populism. London/ New York: Verso, 2018. ________. "The Populist Moment." Simbiótica. vol. 6, no. 1 (2019). Mudde, Cas. "The Populist Zeitgeist." Government and Opposition. vol. 39, no. 4 (2004). ________. Populist Radical Right Parties in Europe. Cambridge: Cambridge University Press, 2007. Norris, Pippa & Ronald Inglehart. Cultural Backlash: Trump, Brexit, and Authoritarian Populism. Cambridge: Cambridge University Press, 2019. Ostiguy, Pierre, Francisco Panizza & Benjamin Moffitt (eds.). Populism in Global Perspective: A Performative and Discursive Approach. New York/ London: Routledge, 2021. Panizza, Francisco (ed.). Populism and the Mirror of Democracy. London/ New York: Verso, 2005. Poblete, Mario E. "How to Assess Populist Discourse through Three Current Approaches." Journal of Political Ideologies. vol. 20, no. 2 (2015). Prior, Hélder. "Digital Populism and Disinformation in Post-truth Times." Communication & Society. vol. 34, no. 4 (2021). Reynié, Dominique. Les Nouveaux Populismes. Paris: Fayard, 2013. Scoones, Ian et al. Authoritarian Populism and the Rural World. London/ New York: Routledge, 2021. Strömbäck, Jesper et al. (eds.). Knowledge Resistance in High-Choice Information Environments. London/ New York: Routledge, 2022.

Taguieff, Pierre-André. "Political Science Confronts Populism: From a Conceptual Mirage to a Real Problem." Telos. no. 103 (1995). Tumber, Howard & Silvio Waisbord (eds.). The Routledge Companion to Media Disinformation and Populism. London/ New York: Routledge, 2021. Waisbord, Silvio. "The Elective Affinity between Post- truth Communication and Populist Politics." Communication Research and Practice. vol. 4, no. 1

Westlind, Dennis. The Politics of Popular Identity: Understanding Recent Populist Movements in Sweden and the United States. Lund: Lund University Press, 1996. Weyland, Kurt. "Clarifying a Contested Concept: Populism in the Study of Latin American Politics." Comparative Politics. vol. 34, no. 1 (2001). Yefet, Bosmat & Limor Lavie. "Legitimation in Post‐ revolutionary Egypt: Al‐Sisi and the Renewal of Authoritarianism." Digest of Middle East Studies. vol. 30, no. 3 (2021).