"التحوّط الاستراتيجي في السياسة الإيرانية تجاه الولايات المتحدة الأميركية"
التحوّط الاستراتيجي في السياسة الإيرانية تجاه الولايات المتحدة الأميركية عنوان الكتاب في لغته:. المؤلفان: علا رفيق منصور وأيمن إبراهيم الدسوقي. سنة النشر:.2022 الناشر: الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. عدد الصفحات:.320
Strategic Hedging in Iran's Policy toward the United States
مقدمة
يُعدّ البرنامج النووي الإيراني أحد أشد الملفات الدولية تعقيدًا؛ إذ تُضَفَى عليه العديد من التأويلات، لا سيما فيما يتعلق بأهداف إيران من امتلاك التكنولوجيا النووية، والطبيعة الغامضة لهذا البرنامج، فضلًاعن الخطاب السائد، إقليميًا وعالميًا، القائل إنه يشكّل تهديدًا للأمن الإقليمي والدولي. وفي حين لا تبرح إيران تأكيدها أحقيتها في امتلاك التكنولوجيا النووية لأغراض سلمية، لا تزال القوى الغربية عمومًا، والولايات المتحدة الأميركية خصوصًا، تنظر بعين الشك والحذر إلى البرنامج النووي الإيراني. تعتمد إيران في سياستها الخارجية عددًا من الاستراتيجيات والأدوات التي تمكّنها من تحقيق مصالحها وأهدافها، بما في ذلك حماية برنامجها النووي والتلويح الضمني بتحويله إلى قدرات على امتلاك قنبلة نووية. ومن بين أبرز الاستراتيجيات الإيرانية استراتيجية التحوّط النووي، التي تجمع بين أدوات التأثير أو الردع أو الإكراه 1، واستراتيجية الموازنة مع الدول التي تتنافس معها في المنطقة كالمملكة العربية السعودية 2، والدبلوماسية الناعمة التي تقوم على جانب من التصالح والتعاون مع دول الجوار والدول الأوروبية. كما تعتمد إيران استراتيجية الردع النشط المباشر وغير المباشر التي تستند إلى تقييمها الذاتيي للتهديدات التي تواجهها من الولايات المتحدة 3؛ فضلًا عن استراتيجية المناورات التي تهدف منها إلى تحقيق أعلى معدل من الربح 4. وتعتمد إيران، فضلًاعن ذلك، استراتيجية تدخلية في قضايا المنطقة العربية، سواء كان هذا التدخل مباشرًا أو غير مباشر، عن طريق الأدوات السياسية أو العسكرية، مثل تدخلاتها في لبنان والعراق وسورية واليمن وغيرها5، إضافة إلى استراتيجية التحالفات والترتيبات الأمنية الجماعية 6. كما تعتمد في سياستها الخارجية استراتيجية التحوّط الاستراتيجي Hedging Strategic، والدبلوماسية الاقتصادية، وغيرهما من الاستراتيجيات التي تتباين بحسب النطاق الجغرافي والزماني والسياق المتعلق بالقضايا ذاتها. وفي هذا الإطار، يتصدى كتاب التحوّط الاستراتيجي في السياسة الإيرانية تجاه الولايات المتحدة الأميركية لفحص كيفية ممارسة إيران التحوّط الاستراتيجي في سياستها الخارجية تجاه الولايات المتحدة فيما يتعلق بالبرنامج النووي الإيراني. لقد ساهم عدد من الباحثين في دراسة التحوّط وتطويره، بوصفه استراتيجية تعتمدها الدول في سياستها الخارجية، تُوازن بها بين قدراتها، لا سيما العسكرية والاقتصادية، مع الدولة المهِّدِدة لها، وتتجنب المواجهة المباشرة معها في الوقت نفسه. ومن أبرز هؤلاء الباحثين: إيفان، Wojtek Wolfe، وفوجتك وولفEvan S. Medeiros إس. مديروس ومحمد سلمان، وغوستاف غيرارتز Geeraerts Gostaaf، وبروك تيسمان.Brock Tessman عمومًا، ثمة نمطان من التحوّط الاستراتيجي تتبعهما الدول في سياستها الخارجية تجاه الدولة مصدر التهديد. يكون النمط الأول مدفوعًا بخوف الدولة المتحوّطة من المواجهة المباشرة مع الدولة التي تشكّل مصدرًا لتهديد أمنها القومي، بسبب تفاوت القدرات بينهما. أما النمط الثاني، فيكون مدفوعًا بتهديد طويل الأمد، مثل الخوف من انقطاع الإعانات والسلع العامة التي تتلقاها الدولة المتحوّطة من الدولة المتحوّط منها 7. ويحاجّ مؤلفا الكتاب محل المراجعة بأن إيران تتّبع تحوّطًا استراتيجيًا من النمط الأول تجاه الولايات المتحدة . ويشكّل هذا التحوّط مزيجًا من التوازن الناعم Soft Balancing والتوازن الصلد Balancing Hard، وهو ما يمكّنها من تجنب المواجهة المباشرة معها. يهدف المؤلفان من هذا الكتاب إلى تحقيق غرضين رئيسين، هما: تقديم تحليل لنظرية التحوّط الاستراتيجي التي يشيران إلى أن أدبيات العلاقات الدولية لم تُوِلِها الاهتمام الكافي بحكم جِدتها، ثم اختبارها إمبريقيًا باستعمال الحالة الإيرانية خلال الفترة
أولًا: أطروحات الكتاب
يأتيي الكتاب في مقدمة وأربعة فصول وخاتمة تحتوي على أهم الاستنتاجات واقتراحات لعدد من الإشكاليات البحثية. ويوظف في هذا عددًا من الأدوات البحثية، هي: دراسة الحالة، والمقارنة، وتحليل المضمون الكيفي.
يزودنا الفصل الأول بمدخل نظري مكثّف إلى استراتيجية التحوّط، من ناحية نشأتها ومقولاتها الرئيسة. ويبّي ن المؤلفان أن ممارسة سلوك التحوّط ذاته ليس جديدًا في العلاقات الدولية، لكنّ ظهوره، بوصفه نظرية جديدة في العلاقات الدولية، جاء عمليًا مع توظيف ريتشارد وايتز Richard Weitz سيناريو التخطيط لتصميم مجموعة من استراتيجيات التشكيل والتحوّط، لمعالجة قضية ردة الفعل الأميركية تجاه الصعود الصيني منذ عام 2001. ثم بدأ استخدام التحوّط في الأبحاث الأكاديمية، لتوضيح استراتيجيات دول الفئة الثانية States Second-tier تجاه القوة التي تقود النظام الدولي، ثم لدراسة سلوك السياسة الخارجية للدول المتوسطة والصغرى (ص. 37-38) ويؤكد المؤلفان تعدد تعريفات مفهوم التحوّط وتنوعها، ويفسران ذلك بكون المفهوم لا يزال حديثًا ولم يجِرِ اكتشاف أبعاده كافة، كما لم يجِرِ التنظير له بما يكفي. ويقدّمان تعريفهما للتحوّط بأنه "تعاون الدولة المتحوّطة مع مصدر تهديد أمنها الوطني (الدولة المهِّدِدة) لتجنب التهديدات أو الدخول في صراعات غير متكافئة وهو ما يطلق عليه التوازن الناعم، وفي الوقت نفسه تعتمد التوازن الصلد في مواجهة الأخيرة ("ص 5.)4 ويميز المؤلفان بين استراتيجية التحوّط واستراتيجيات أخرى تتقاطع معها، مثل استراتيجية الاشتباك Engagement، والتوازن الناعم، والتوازن الصلد، ومسايرة الركب Bandwagoning، وتمرير العبء، وسياسة Buck-passingالاسترضاء، Appeasement والحياد Neutrality، والواقعية الدفاعية Defensive Realism ص.)47 (ومن الممكن ملاحظة أن الدولة تتبع سلوكًا تحوّطيًا في سياستها الخارجية، إذا ما استوفت أربعة معايير، هي: تحسين قدراتها التنافسية العسكرية والاقتصادية، وتجنّب الاستفزاز الصريح أو المواجهة المباشرة مع الدولة المهِّدِدة، والتخطيط لهذه الاستراتيجية على نحو مركزي في أعلى المستويات الحكومية، والاستعداد لقبول تكلفة التحوّط المحلية والدولية على الأمد القصير. وتظهر هذه المعايير من خلال ثلاثة مؤشرات: القدرة الاقتصادية، والقدرة العسكرية، والحكومة المركزية التي تصمم الاستراتيجية وتمولها وتنفذها 61-56(.) وتجدر الإشارة هنا إلى أن الديمقراطية تُعدّ عائقًا يحدّ من قدرة الدولة على اتباع استراتيجية تحوّطية في سياستها الخارجية 8. يتميز السلوك التحوّطي من غيره في سلوك الدول، بجمعه بين أدوات السياسة التعاونية والصراعية وتنويع الشركاء، وخاصة المنافسين للدولة المهِّدِدة، لتوسيع الفضاء الاستراتيجي للدولة المتحوّطة، والفصل في القضايا عند التعاون مع هذه الدول. ويشير المؤلفان إلى أن السلوك التحوّطي يتكون من البراغماتية الاقتصادية، والاشتباك، والمشاركة، ومسايرة الركب المحدود، ورفض الهيمنة، والتوازن غير المباشر (ص. 62) وعمومًا، يمكن تصنيف التحوّط بحسب معيارين: أولًا، من ناحية الهدف، إذ تتحوّط الدولة تجاه دولة أخرى أو دولتين تعدّهما مصدر تهديٍدٍ لأمنها القومي؛ ثانيًا، من ناحية الدوافع، إذ ينقسم التحوّط إلى تحوّط مدفوع من الصدام مع الدولة مصدر التهديد بسبب تفاوت القدرات، وتحوّط مدفوع بمحاولة معالجة الاختلال الذي قد يحدث نتيجة فقدان السلع العامة أو المزايا الأمنية من جانب الدول الكبرى أو القائدة في النظام الدولي (ص. 65) يتناول المؤلفان، في الفصل الثاني، أدوات التوازن الناعم التي اتبعتها إيران في استراتيجيتها التحوّطية تجاه الولايات المتحدة. فيتطرقان إلى نشأة البرنامج النووي وأهدافه، سواء في عهد الشاه محمد رضا بهلوي أو في عهد الجمهورية الإسلامية 9، وكيفية نشأة الأزمة النووية المتعلقة بهذا البرنامج وتصاعدها في مراحل مختلفة، وكيفية تعامل الحكومات الإيرانية المتعاقبة معها. فخلال الفترة 2005-2001، يرى المؤلفان أن إيران اعتمدت في استراتيجيتها التحوّطية عددًا من السياسات مع الجانبين الأميركي والأوروبي، لتجنّب المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة؛ فعملت على دعم وحدتها الوطنية، وتوسعت في اتصالاتها الدبلوماسية، فوقّعت البروتوكول الإضافي لمعاهدة منع انتشار الأسلحة النووية، ووقّعت اتفاق باريس، وحسّنت علاقاتها ببعض دول الخليج. واعتمدت سياسة المواجهة الوقائية، بإقامة حزام أمني شيعي حول إيران، لمواجهة التهديدات المستمرة من الولايات المتحدة، إلى جانب التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية. لكنّ الملف النووي الإيراني أ حيل إلى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة الذي أصدر عدة قرارات، فرض من خلالها حزمًا من العقوبات على إيران وبرنامجها النووي بعد فشل المفاوضات معها في عام 2005، بسبب إدارة الرئيس محمود أحمدي نجاد 2013-2005() المتشددة، حيث استأنفت إيران عمليات تخصيب اليورانيوم وأعلنت نفسها دولة نووية (ص. 129-130) ويشير المؤلفان إلى أن ملف إيران النووي شهد حالة من الهدوء والتعاون بمجيء الرئيس حسن روحاني 2021-2013() إلى الحكم،
الذي استأنف المفاوضات النووية ونجح في تخفيف خطاب الولايات المتحدة العدائي تجاه بلاده، وتمكّن في عام 2015 من الوصول، بعد مفاوضات طويلة، إلى اتفاق مع مجموعة "1+5" 10 بعنوان "خطة العمل الشاملة بشأن البرنامج النووي الإيراني." ويعدّ المؤلفان هذا الاتفاق نجاحًا لاستراتيجية إيران التحوّطية؛ إذ حصلت بموجبه على اعتراف أميركي ودولي بشرعية نظامها بعد سنوات من نزعها عنه. كما أ قرّ بحقها في تخصيب اليورانيوم لأغراض سلمية، فضلًاعن تحسن الاقتصاد الإيراني ورفع العقوبات، وما أدى إليه ذلك من تبادلات تجارية مع عدة دول أوروبية (ص. 140) لكنّ استمرار إيران في تطوير قدراتها المتعلقة بالبرنامج النووي، على الرغم من إبرام الاتفاق، أثار حفيظة الولايات المتحدة من جديد وجعلها تفرض مجددًا حزمًا من العقوبات الاقتصادية. وبلغ التصعيد الأميركي ذروته، مع وصول الرئيس دونالد ترمب إلى الحكم في عهدته الأولى 2021-2017()؛ إذ أعلن انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي في عام 2018، وأعاد الكونغرس فرض حزم من العقوبات الاقتصادية على إيران (ص. 147-153) واجهت إيران التصعيد الأميركي عبر جهود دبلوماسية مع الدول الأخرى للتصدي لتهديدات الإدارة الأميركية الجديدة، تُِّوِجت بعقد اتفاقات تعاون اقتصادي وتنظيم جولات دبلوماسية شملت عدة دول ومنظمات دولية، في محاولة لحشد الدعم للموقف الإيراني، والضغط على الولايات المتحدة للتراجع عن العقوبات المفروضة؛ وكل ذلك جرى إلى جانب الاستمرار في التطوير العسكري (ص. 154-158) أما الفصل الثالث فيناقش أدوات التوازن الصلد التي اتّبعتها إيران في تحوّطها تجاه الولايات المتحدة. فقد سعت طهران لتحسين قدراتها التنافسية في مواجهة واشنطن، باستخدام وسائل عسكرية، واقتصادية، ومؤسسية، ودبلوماسية؛ فاهتمت بتعزيز قدراتها من خلال تطوير برنامجها النووي، ببناء المفاعلات والمحطات ومراكز الأبحاث وبرامج التخصيب النووية، وتطوير برنامج للصواريخ الباليستية، فضلًاعن إنشاء وكالة الفضاء الإيرانية في عام 2003، وإطلاق أول قمر صناعي محلي الصنع في عام 2009 (ص. 172-179) وعمدت إيران إلى تطوير قدراتها العسكرية البحرية والجوية والبشرية والاقتصادية، ودخلت في تحالفات عسكرية وأمنية وتجارية واقتصادية مع دول أخرى مناِفِسةٍ للولايات المتحدة على صُعد مختلفة، مثل روسيا والصين، شملت التحالف الاستراتيجي في مجال الاستخدام السلمي للطاقة النووية، والدعم السياسي والدبلوماسي الروسي والصيني الذي ظهر من خلال تأكيد حق إيران في امتلاك تكنولوجيا نووية لأغراض سلمية، فضلًاعن صفقات بيع الأسلحة والمساهمة في تطوير القدرات العسكرية الإيرانية، وتعزيز التعاون في مجال تكنولوجيا الفضاء والنفط والتبادلات التجارية والاهتمام بتطوير البنية التحتية الإيرانية (ص. 186-212) إضافة إلى روسيا والصين، سعت إيران، في إطار تقويضها لتهديد الولايات المتحدة لأمنها القومي، لتنويع شركائها في المجتمع الدولي، من خلال بناء علاقاتها الدبلوماسية والاقتصادية والتجارية وتوسيعها مع دول أميركا اللاتينية وتركيا والهند وباكستان ودول آسيا الوسطى ودول أوروبية مثل إيطاليا. وتعاونت مع روسيا والصين وبقية أعضاء منظمة شنغهاي في المجال الأمني، وانضمت إلى عدد من المنظمات الإقليمية لتعزيز مكانتها الإقليمية (ص. 213-220) ويخصص المؤلفان الفصل الرابع لمناقشة الأعباء والتكاليف الداخلية والخارجية التي تحمّلتها إيران في سياستها التحوّطية تجاه الولايات المتحدة فيما يتعلق ببرنامجها النووي، ويؤكدان أن إيران كانت على استعداد لتحمّلها حين قررت تبنّي هذه الاستراتيجية. فنتيجةً لتعامل إيران مع الغرب، في إطار المفاوضات بشأن برنامجها النووي، عانت انقسامات داخلية على مستوى النخب السياسية بين الإصلاحيين المؤيدين للانفتاح على الغرب والمحافظين الرافضين الذين يرون فيه ضعفًا واستسلامًا (ص. 224) ومارس القادة العسكريون ضغوطًا على الحكومة للتمسك بما يسمونه "الخطوط الحمراء" فيما يتعلق بالبرنامج النووي (ص. 227-228)، فضلًاعن نشوء انقسامات في الرأي العام حول الاستراتيجية التي تتّبعها الحكومة فيما يخص البرنامج النووي بين مؤيد لها ومعارض (ص. 230-232) وأما التكلفة الخارجية للتحوّط، فتمثلت في تعرّض إيران لسلسلة متعاقبة من العقوبات الاقتصادية، سواء تلك التي فرضها مجلس الأمن أو التي فرضتها الولايات المتحدة. وأدت هذه العقوبات إلى حصار اقتصادي قاٍسٍ، وتعريض إيران لعزلة دولية. وعلى الرغم من رفع هذه العقوبات مع عقد اتفاق 1+5""، فإن الولايات المتحدة لم تتواَنَ في تجديدها مع وصول الرئيس ترمب إلى السلطة وانسحابه من الاتفاق، فكانت العقوبات الأخيرة أشد وطأةً وتأثيرًا في الاقتصاد الإيراني (ص. 234-239) ولوّحت الإدارة الأميركية باستخدام القوة العسكرية. ويحاجّ المؤلفان بأن إيران كانت مستعدة لذلك، من خلال تبنّيها استراتيجية التحوّط، وتوزيع منشآتها النووية على مواقع ادرًاو لامًااتاحا درلا لعج نع لاضًااف، ةدعابتمو ةديدع. تدّعأ مكا إيران نفسها لتحمّل تكاليف الاستراتيجية التي اتبعتها من خلال مد نفوذها الإقليمي في العراق واليمن وسورية، ودعم الجماعات الشيعية، واعتماد أدوات الصراع اللامتماثل مثل الحروب بالوكالة،
وتعزيز القدرات الاستخباراتية، والاعتماد على تشكيلات عسكرية مثل الحرس الثوري الإيراني (ص. 246-267) وينتهي المؤلفان في الخاتمة إلى استنتاج مفاده أن إيران تُعدّ مث لًا قويًا على التحوّط الاستراتيجي في سياستها الخارجية تجاه الولايات المتحدة فيما يتعلق بالملف النووي الإيراني. وقد مثّل هذا التحوّط خليطًا متميزًا من التعاون والصراع مع الدولة مصدر التهديد، مؤكَدَين استيفاءها المعايير الأربعة للتحوّط الاستراتيجي التي عالجاها في الكتاب (ص. 278-282)
ثانيًا: ملاحظات نقدية
يقدّم الكتاب عرضًا نظريًا شاملًاللتحوّط الاستراتيجي في سياسات الدول الخارجية. وهو يمكّن القارئ من فهٍمٍ عميق لهذه الاستراتيجية بأبعادها ومعاييرها ومكوناتها وأنماطها في سلوك الدول. وما يميز مقاربة الكتاب لهذه الاستراتيجية من غيره أنه لم يكتِفِ بعرضها عرضًا مفصلًافحسب، بل إنه يميّزها من غيرها من الاستراتيجيات التي تستخدمها الدول في سياساتها الخارجية، مثل الاشتباك والتوازن الناعم والتوازن الصلد ومسايرة الركب والواقعية الدفاعية، والتي قد يجري الخلط بينها وبين التحوّط الاستراتيجي؛ إذ إنه على الرغم من تقاطعها مع استراتيجية التحوّط، فإن ثمة حدودًا تميزها، فضلًا عن توضيحه مدى فاعليتها مقارنة بهذه الاستراتيجيات في الأنظمة الدولية، الأحادية والثنائية والمتعددة الأقطاب. لكنّ ذلك لا يمنع إبداء بعض الملاحظات النقدية على الكتاب من عدة جوانب. أولًا، إن السياسة الإيرانية تجاه الولايات المتحدة، فيما يتعلق بالبرنامج النووي، هي أقرب إلى تحوّط يجمع بين الصدام - الذي لا يكون عسكريًا بالضرورة - وتجنّب الصدام، أكثر من أن يكون تحوّطًا استراتيجيًا يتضمن مزيجًا متوازنًا من التعاون والصراع مع الدولة المهِّدِدة. فالتحوّط الذي تنتهجه إيران تجاه الولايات المتحدة هو تحوّط يقوم على ثلاثة عناصر: العنصر الأول هو التأخير النووي Latency؛ أي القدرة على المحافظة على غموض وسرّية عالَييَن بشأن القدرة والنية الحقيقيتين للبرنامج النووي الإيراني، ويتضح ذلك من خلال الفجوة بين المبرر المعلن (الأغراض السلمية) ومدى نضج البرنامج؛ فعلى الرغم من التبريرات الرسمية التي تؤكد سلمية البرنامج، فإن أنشطة إيران النووية تتناقض مع الأهداف المعلنة، لا سيما فيما يتعلق بسرعة تقدّم هذه الأنشطة وحجمها، إذ إن تطوير بنية تحتية واسع النطاق يفوق احتياجات المفاعل النووي الوحيد المعلن عنه يثير الاستفهام حوله 11. أما العنصر الثاني، فهو السردية المحيطة بالبرنامج في الداخل الإيراني؛ ففي حين يكشف الخطاب السياسي والنقاش المحلي بشأن القضايا النووية الكثير عن دور البرنامج النووي ووظيفته السياسية وانعكاس ذلك على الهوية الوطنية والسيادة ومكانة إيران الدولية، فإن إيران لا تزال تؤكد في سرديتها حقها في تطوير التكنولوجيا النووية لأغراض سلمية، ومن ثم التصدي للمعارضة التي تواجه برنامجها النووي، سواء على المستوى الدولي أو الداخلي 12، كما أن السردية تصور التحدي الإيراني للمعارضة الدولية التي تستهدف برنامجها النووي بوصفه صراعًا عادلًاوشرعيًا 13. ويتمثل العنصر الثالث في تحوّط إيران في الدبلوماسية الدولية التي تستخدمها أداةً للمناورة مع الولايات المتحدة؛ فهي توظفها من أجل تخفيف الضغط الدولي عليها وكسب الوقت للتقدم في برنامجها النووي. فقد كانت إيران، فترة طويلة، توافق على المحادثات ثم تخرقها أو تنسحب منها وتبتعد عن الاتفاقات السابقة وتقدّم مقترحات جديدة أكثر قبولًالها. ومن أجل مواجهة الضغط الدبلوماسي والاقتصادي، لا سيما من الولايات المتحدة، توجهت شرقًا وعززت علاقاتها مع روسيا والصين، اللتين شكّلتا مصدَرَ دعٍمٍ لها في المنتديات الدولية وقناةً لتخفيف العقوبات 14. ثانيًا، يبدو تحوّط إيران الاستراتيجي تجاه الولايات المتحدة، كما يتناوله الكتاب، في حاجة إلى إعادة تقييم، مقارنةً بالطرح النظري في الفصل الأول منه؛ إذ على الرغم من أن إيران تمزج بين أدوات التوازن الناعم والصلد مع الولايات المتحدة، فإن هذا المزيج ليس متوازنًا أو معتدلًاكما يفترض التحليل النظري لاستراتيجية التحوّط. فأدوات التوازن الصلد تبرز بصورة أقوى في السياسة الإيرانية، سواء كان ذلك عن طريق تعزيز قدراتها العسكرية أو تكوين حلفاء في مواجهة الولايات المتحدة، مثل روسيا والصين، أو تنويع الشركاء الدوليين. أما أدوات التوازن الناعم، فُجُلها يتجه نحو الدول الأوروبية ونحو الوكالة الدولية للطاقة الذرية، التي اتسمت علاقتها بإيران، فيما يتعلق بالبرنامج النووي، بعدم الاستقرار أو هشاشة التعاون. وفي حين تؤكد نظرية التحوّط أهمية إقامة علاقات تعاونية سياسية واقتصادية
ودبلوماسية مع الدولة مصدر التهديد، نجد أن التعاون الإيراني مع الولايات المتحدة محدود جدًا. وعلى عكس ما يطرحه المعيار الثالث للاستراتيجية التحوّطية فيما يتعلق بتأكيد عدم تطوير القدرات التنافسية إلى الحد الذي يثير الريبة والشك والاستفزاز الصريح للدولة المتحوّط منها، وصلت إيران، في تطوير قدرات برنامجها النووي، إلى حد استفزاز الولايات المتحدة وجعل العلاقات معها متوترة أكثر من مرة، لتعمل واشنطن على إحالة الملف الخاص بالبرنامج النووي إلى مجلس الأمن بوصفه برنامجًا يهدف إلى تطوير سلاح نووي، ومن ثم يمثل تهديدًا أمنيًا دوليًا، وتلوّح باستخدام القوة العسكرية ضد إيران مرتين، وتصنّفها ضمن دول محور الشر 15، وتفرض عليها عقوبات اقتصادية أحادية، وهي من أنواع المواجهة المباشرة 16، وتقرّ قانون خصوم الولايات المتحدة لعام 2017، الذي يعتبر إيران أحدهم 17، بل ينتهي بها الأمر إلى الانسحاب من اتفاق 1+5. وفي المقابل، واجهت إيران التصعيد الأميركي بتصعيد مماثل، تضمّن التهديدات بالانسحاب من الاتفاق، والاستجابة بإطلاق تجارب الصواريخ الباليستية، وانتهاك حدود التخصيب النووي الذي ينص عليه الاتفاق 18، وحتى الدخول في حروب بالوكالة مع حلفائها في المنطقة (إسرائيل والسعودية)، وهو ما تطرق إليه الكتاب بوصفه أحد تكاليف التحوّط، ووصلت إلى المرحلة التي تشكّل فيها قوة ردع جعلت الولايات المتحدة تعيد التفكير في خيار المواجهة العسكرية معها بسبب الغموض الذي ينطوي عليه برنامجها النووي وتوزيع أجهزته واحتمالات رد انتقامي منها 19، فضلًاعن منحها مبررًا قانونيًا للانسحاب من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية 20، وهو ما يعّب ر عن وصول العلاقة بين الدولتين إلى مرحلة الصدام. ويشير اغتيال الولايات المتحدة قائد فيلق القدس، قاسم سليماني، في عام 2020، وردّ إيران بشنّ ضربات جوية على قاعدتين عسكريتين أميركيتين في العراق، فضلًاعن إسقاطها طائرة تجسس أميركية في عام 2019، إلى تصاعد حدة التوتر بين الدولتين ويضع علاقاتهما في مسار صدامي يعّب رعن نوع من المواجهة المباشرة 21؛ ما يجعلنا نتساءل إن كانت الاستراتيجية الإيرانية تجاه الولايات المتحدة تتضمن بحق خليطًا متميزًا من التعاون والصراع. ثالثًا، لا يتطرق الكتاب إلى مسألة العلاقة بين الديمقراطية واستراتيجية التحوّط، ومدى تأثير المستويات العالية من الديمقراطية في دولة ما في قدرتها على اتباع استراتيجية تحوّطية في سياستها الخارجية. إذ يشير غوستاف غيرارتز ومحمد سلمان، في دراستهما عن قياس قدرة التحوّط الاستراتيجي للدول من الفئة الثانية في ظل النظام الأحادي القطب، إلى أن الديمقراطية تُعدّ مؤشرًا سلبيًا على قدرة الدولة على اتباع تحوّط استراتيجي في سياستها الخارجية؛ فالديمقراطيات تسمح بمشاركة عدد أكبر من المواطنين في اقتراح القوانين وإقرارها، ما يضعف قدرة السلطة المركزية على اتخاذ القرارات، ويؤدي إلى انخفاض التنسيق على أعلى المستويات الحكومية، وهو ما يعتبر أحد أهم الشروط للتحوّط الاستراتيجي 22. رابعًا، على الرغم من توضيح المؤلفين في بداية الفصل الثاني أنهما يتناولان أدوات التوازن الناعم لدى إيران تجاه الولايات المتحدة، فإنهما يقدّمان عرضًا تاريخًّيًا لمسار تطور البرنامج النووي الإيراني وأزماته خلال الإدارات الإيرانية والأميركية المتعاقبة، ويتناولان الإجراءات والتدابير التي اتّبعتها إيران في تعاملها مع ما يتعلق بالملف النووي، والتي تضمنت أدوات للتوازن الناعم والصلد معًا، وليس أدوات التوازن الناعم فحسب. وفي سياق تناول الفصل سياسات التوازن الناعم التي انتهجتها إيران تجاه الولايات المتحدة، فإنه يتطرق إلى التعاون بين الطرفين من خلال مفاوضات الملف النووي التي أفضت إلى اتفاق 1+5، لكنه لا يتناول على نحو كاٍفٍ ما يتعلق بالتعاون الأمني المحدود بينهما في العراق، أو التنسيق في إطار الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش" (ص. 135)، كما أنه لا يتطرق إلى ديناميات التقارب والتنسيق بينهما في العراق، خاصة عقد الاتفاقية الأمنية الثنائية التي انسحبت بموجبها الولايات المتحدة من العراق في عام 2009. خامسًا، يضاف إلى ذلك أن التحليل الذي يقدّمه المؤلفان في نهاية الفصل الثاني لمضمون الخطابات السياسية للمرشد الأعلى ورئيس الجمهورية ووزير الخارجية خلال فترة الدراسة يتّسم بشيء من التبسيط؛ إذ يصنّف التحليل عددًا من الخطابات على أنها ذات محتوى مختلط من التعاون والصراع، مع أن طابع العداء والصراع فيها هو الغالب. ويتوصل المؤلفان إلى أن الخطابات ذات المضمون
المختلط تفوق عددًا الخطابات ذات المضمون الصراعي، ومن ثم يدعم ذلك أطروحة تحوّط إيران الاستراتيجي وتحقيق التوازن الناعم، مع أن الخطابات ذات المضمون المختلط هي 11 خطابًا مقابل 13 خطابًا يحتوي على مضمون صراعي. وفضلًاعن ذلك، يمكن المحاجّة بأن المادة الاتصالية عمومًا لا تعكس بالضرورة سياسات الدولة وحقيقة نياتها، وقد تتناقض مع سلوكها الفعلي، وتكون مجرد أداة تستخدمها للمناورة، كما في الحالة الإيرانية.
خاتمة
يشكّل هذا الكتاب، ولا ريب، رافدًا للمكتبة العربية، ومرجعًا للدارسين والباحثين العرب المهتمين بنظرية التحوّط الاستراتيجي، أو بسياسة إيران الخارجية واستراتيجياتها؛ نظرًا إلى ندرة الدراسات العربية التي استخدمت هذه النظرية في دراسة السياسات الخارجية العربية. وعلى الرغم من قلة هذه الدراسات، فإن مقاربتها لهذه مكا اهل لاصًاافمو لامًاااش ماهًااف مدقت لوا، طيسبتلاب تمستا ةيرظنلا يفعل هذا الكتاب. ومن ناحية أخرى، يمكن أن يلفت هذا الكتاب انتباه الباحثين ويحفّزهم على إجراء دراسات تستخدم النظرية، ولا سيما أن ثمة دولًاتلجأ إلى اعتماد التحوّط الاستراتيجي في سياساتها الخارجية على نحو متزايد.
المراجع
العربية
أحمد، هاوكار أكرم. "النزعة التدخلية في السياسة الخارجية الإيرانية في ظل المتغيرات الإقليمية الجديدة." رسالة ماجستير. جامعة الشرق الأدنى. نيقوسيا، تركيا،.2022 زهرة، عطا محمد. البررنامج النووي الإيراني. بيروت: مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات،.2015 العلاقات العربية الإيرانية في منطقة الخليج. أوراق الندوة التي نظمها منتدى العلاقات العربية والدولية. تقديم محمد الأحمري. الدوحة: منتدى العلاقات العربية والدولية،.2015 مطاوع، محمد. "السياسات الأمريكية - الأوروبية تجاه الاتفاق النووي الإيراني: الإدراكات والتفسيرات." مجلة كلية الاقتصاد والعلوم الإنسانية. مج 21، العدد 4.)2020(
الأجنبية
Bowen, Wyn & Matthew Moran. "Iran's Nuclear Programme: A Case Study in Hedging?" Contemporary Security Policy. vol. 35, no. 1 (2014). ________. "Living with Nuclear Hedging: The Strategy." Nuclear Iran's of Implications International Affairs. vol. 91, no. 4 (2015). Geeraerts, Gustaaf & Mohammed Salman. "Measuring Strategic Hedging Capability of Second-Tier States Under Unipolarity." Chinese Political Science Review. vol. 1, no. 1 (August 2018). He, Jingjie. "A Secured Iran? Iran's Independent Active Deterrence Strategy." China Academic Journal. vol. 27, no. 5 (2017). and Hedging "Strategic Mohammad. Salman, Unipolarity's Demise: The Case of China's Strategic Hedging: China's Strategic Hedging." Asian Politics & Policy. vol. 9, no. 3 (July 2017). Talwar, Puneet. "Between War and Peace: A Roadmap or U.S. Policy toward Iran." Issue Paper. Asia
Society Policy Institute (October 2020). at: https://acr.ps/1L9zQub Tessman, Brock F. "System Structure and State Strategy: Adding Hedging to the Menu." Security Studies. vol. 21, no. 2 (2012).