النشاط العابر للحدود وتحولات حقوق الإنسان في مصر بعد انقلاب عام 2013
الملخّص
The paper focuses on transnational human rights activism and its efforts to influence the human rights landscape in Egypt. It argues that the global human rights system has provided a space for resisting authoritarianism in Egypt and that its significance has grown amid the widespread restrictions on civil and political rights, as well as the forced or voluntary relocation of many human rights activists and political actors into exile. The paper further reveals that the extent of the Egyptian government’s response to pressures from transnational networks is shaped by domestic, regional, and international conditions and factors—including the impact of counter- discourses and strategies that enable authoritarian regimes to contain and weaken the effects of transnational networks. The paper draws on a diverse set of primary and secondary sources, including publications from international and local human rights organizations, government statements, and media reports, in addition to semi- structured interviews with a group of Egyptian human rights defenders. Keywords: Egypt, Human Rights, Transnational Activism, Egyptian Political System, Human Rights Organizations.
Transnational Activism and the Evolution of Human Rights in Post- 2013 Coup Egypt
تركز الدراسة على نشاط حقوق الإنسان العابر للحدود ومساعيه للتأثير في المشهد الحقوقي المصري. وتحاجّ بأنّ النظام العالمي لحقوق الإنسان قد مّث ل مساحة لمقاومة التسلطية في مصر، وأن أهميته تصاعدت مع التقييد الواسع للحقوق المدنية والسياسية، وانتقال كثير من ناشطي حقوق الإنسان والمشتغلين بالعمل السياسي، اضطراريًا أو اختياريا، إلى العيش في المهجر. وتكشف حدود استجابة الحكومة المصرية لضغوط الشبكات العابرة للحدود عن الظروف والعوامل الداخلية والإقليمية والدولية بما فيها أثر الخطابات والاستراتيجيات المضادة، التي تمّك ن النظم التسلطية من احتواء آثار الشبكات العابرة للحدود وإضعافها. وتستند الدراسة إلى مجموعة متنوّعة من المصادر الأولية والثانوية، بما في ذلك منشورات منظمات حقوق الإنسان الدولية والمحلية، والبيانات الحكومية والتقارير الإعلامية، فضلًا عن إجراء مقابلات شبه منّظ مة مع مجموعة من المدافعين المصريين عن حقوق الإنسان. كلمات مفتاحية: مصر، حقوق الإنسان، الناشطية العابرة للحدود، النظام السياسي المصري، منظمات حقوق الإنسان.
مقدمة
تتحرّى الدراسة نشاط حقوق الإنسان العابر للحدود Transnational ومساعيه للتأثير في المشهد الحقوقي المصري. وتجادل بأنّ النظام العالمي لحقوق الإنسان قد وفّر فضاء لمقاومة التسلطية Authoritarianism في مصر. وقد تعاظمت أهمية هذا الفضاء مع تقييد المجال العام، ما دفع كثيرًا من ناشطي حقوق الإنسان والسياسيين إلى مغادرة مصر أو الفرار منها إلى المهجر. وقد نجح هذا النشاط العابر للحدود على نحو متّسق في توجيه اهتمام العلاقات الدولية إلى أزمة حقوق الإنسان في مصر، وأثّر ذلك في خطاب السلطات التي حكمت البلاد وسياساتها، وإن كان ذلك في حدود ضيّقة. تستند الدراسة إلى الأدبيات المرتبطة بشبكات المناصرة العابرة للحدود، لا سيما ما يسمّى "النموذج الحلزوني Model Spiral للتغيير في مجال حقوق الإنسان"1. ويهدف هذا النموذج إلى تنفسير التطوّر الذي طرأ على حالة حقوق الإنسان في بلد معّي، وخاصة الدول التسلّطية التي تشيع فيها انتهاكات حقوق الإنسان على نطاق واسع، وفهم الكيفية التي يمكن بها أن يؤدّي التفاعل بين العوامل الداخلية والخارجية إلى حدوث تحوّل في المشهد المحلي. ويكشف الصراع لتغيير وضع حقوق الإنسان عن التفاعل بين القوة الناعمة Soft Power والقوة الصلبة Power Hard، فضلًا عن تأثير الديناميات المتغّيةر في السياق الدولي. وتستعين الجهات الناشطة في مجال حقوق الإنسان بالقوَّتيَن الناعمة والصلبة لإحداث تأثير ملموس في الأنظمة القمعية؛ فالخطاب الأخلاقي لحقوق الإنسان يُدخل النظام التسلطي في أزمة دولية، أخلاقية وشرعية. وينبغي لهذا التأثير الأخلاقي أن يُعَّضَ د بالقوة الصلبة التي تماِرِس ضغطها على الأنظمة التسلطية، لدفعها إلى إحداث تغييرات داخلية. وتتجلى قوة الأنظمة التسلطية الصلبة في قدرة الدولة على إدامة القمع فترةً طويلة، فضلًاعن إسكات المعارضة2. كما تعتمد الأنظمة التسلطية القوة الناعمة المتمثلة في السرديات الشعبوية أو الوطنية، لتسويغ قمعها وانتهاكاتها لحقوق الإنسان. وعلى الرغم من وجود كيانات منظّمة وناشطين في مجال حقوق الإنسان، فإن شبكات المناصرة العابرة للحدود تشرع في التبلور حين تتفىّش ى أنماط مختلفة من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وتصبح مساحة التعبئة السياسية المحلية محدودة. وتستند هذه الشبكات في البدء إلى قدرة المنظمات المحلية والناشطين والضحايا على إنتاج معلومات موثّقة حول طبيعة الانتهاكات والجرائم الُمُرتَكَبة ووصفها، باستلهام القانون الدولي لحقوق الإنسان3. ويمكن أن تتأثّر هذه العملية بواقع حركة حقوق الإنسان في بلٍدٍ ما، وتاريخها وعمق تجربتها وروابطها السابقة بالنظام العالمي لحقوق الإنسان والمجتمع المدني الدولي. وحين تستخدم الشبكات العابرة للحدود المعلومات المتدفّقة إليها في استهداف دولةٍ ما بحملاتها، تميل تلك الدولة إلى اعتماد سياسة الإنكار وصياغة سرديات سياسية ودعائية مضادّة، لصرف الانتباه عن الوضع الداخلي لحقوق الإنسان4. ومع استمرار الشبكات العابرة للحدود في نشر المعلومات، وتكثيف ضغوطها في المحافل السياسية والقانونية الدولية، تسعى الدولة المستهَدَفة، في كثير من الأحيان، لتخفيف حدّة تلك الضغوط والدفاع عن صورتها، عبر التراجع المحسوب عن الإنكار، وتقديم "تنازلات تكتيكية"5 تختلف طبيعتها وتأثيرها في المشهد العام لحقوق الإنسان من دولة إلى أخرى. وينطلق سلوك الدولة المستهَدَفة من خوفها على سمعتها وتراجع مستوى قبولها الدولي، فضلًاعن الحيلولة دون فرض أيّ عقوبات دولية، وتفادي تعطيل مصالحها ودعمها المادي الخارجي. وهذه التنازلات التكتيكية الإضافية التي تقدّمها الدولة، واستمرار نشاط الشبكات العابرة للحدود، وظهور ضغوط سياسية محلية مؤثّرة، وتزامنها مع عوامل محلّية أخرى، تمهّد كلّها الطريق غالبًا أمام مزيد من التطوّرات6. ومن هنا، قد تلجأ الدولة إلى إدماج حقوق الإنسان بأفعالها وممارساتها، سعيًا منها لأن يتلاءم سلوكها مع الالتزامات الدولية في مجال حقوق الإنسان7. ليس وجود الشبكات العابرة للحدود، أو قوّتها، التفسير الأوحد لتطوّر موقف الدولة؛ فالأدبيات تشير إلى كثير من الظروف المحلية والدولية التي تكثّف عمل هذه الشبكات وفاعليتها أو تعرقلها.
ويتوقف ضعف الدولة أمام ضغوط شبكات المناصرة العابرة للحدود، أو قدرتها على مواجهتها، على مدى تعويلها على الدعم الخارجي وهشاشة اقتصادها وحاجتها إلى المعونة الخارجية، فضلًا عن انعدام الاستقرار الاجتماعي، الأمر الذي قد يعوّضه الاعتراف الدولي بالنظام والرضا عنه ودعمه8. أضف إلى ذلك أن نجاح الشبكات في إجبار النظام على تقديم تنازلات تكتيكية يرتبط بقدرته على الموازنة بين حاجته إلى القمع واحتواء الغضب الداخلي عبر انتهاكات حقوق الإنسان من جهة، واحتياجاته الخارجية من جهة أخرى. وفي سياق ذلك، قد يحدث انقسام في صفوف النخبة نفسها، بشأن التكلفة السياسية لاستمرار النظام في القمع، وأهمية الإجراءات الإصلاحية9. وتغدو شبكات المناصرة أكثر قوّة، كّلمّا تسامح النظام مع المعارضة، ما يفسح المجال أمام الحراك السياسي الداخلي10. يستند التحليل الوارد في هذه الدراسة إلى مجموعة متنوعة من المصادر الأولية والثانوية، بما في ذلك منشورات منظمات حقوق الإنسان الدولية والمحلية، والبيانات الحكومية والتقارير الإعلامية. وفضلًاعن ذلك، أجرى الباحث مقابلات شبه منظّمة مع عشرة ناشطين مصريين في الدفاع عن حقوق الإنسان، يعملون في منظمات حقوقية مصرية أو دولية، وقد اختيروا بناءً على معرفتهم المباشرة بأنشطة شبكات المناصرة الدولية، ومشاركتهم في الحملات الدولية الداعمة لحقوق الإنسان في مصر. وتشمل العيّنة ثلاثة من المدافعين عن حقوق الإنسان الذين سبق لهم أن اعتقلتهم السلطات. تنقسم الدراسة إلى ثلاثة مباحث؛ يوضح المبحث الأول دوافع نظام ما بعد الانقلاب وبواعثه للمضيّ قُدمًا في انتهاكات حقوق الإنسان على نطاق واسع. في حين يناقش المبحث الثاني سياق الأبعاد الدولية لحركة حقوق الإنسان المصرية وتطوّرها، والموارد التي أفادت منها الحركة في بناء نشاطها العابر للحدود، بوصفه فضاءً لمقاومة التسلّطية، ويناقش أيضًا نطاق الضغوط التي مورست على الحكومة المصرية وشدّتها، وموقع حقوق الإنسان بوصفه قضية مهمة في السياسات الدولية تجاه مصر. أما المبحث الثالث، فيعرض تحليلًالتطوّر الاستجابات الحكومية للضغوط التي مارستها شبكات المناصرة، مع تسليط الضوء على الآثار الناجمة عن السياسات المحلية طوال العقد الماضي.
أولًا: الدوافع الكامنة وراء تصاعد انتهاكات حقوق الإنسان
يترافق انهيار الديمقراطية وصعود الأنظمة التسلّطية وسعيها للبقاء، عادة، مع الاستهداف الممنهج للحقوق المدنية والسياسية11. وفي هذا السياق، اتّسمت انتهاكات حقوق الإنسان في مصر بأنماطها المتنوّعة، لا سيما انتشار القتل خارج نطاق القانون، والاختفاء القسري الذي زادت حدّته منذ تموز/ يوليو 2013 حتى نهاية عام 2016 12. وعلى الرغم من أن شدّة الانتهاكات وتواترها كانا متفاوَتيَن حتى نهاية عام 2022، فإن الصورة العامة ظلّت ثابتة بفعل استمرار انتهاكات الحقوق السياسية والمدنية بالأنماط نفسها، فضلًاعن تكرارها13. فقد نجح نظام ما بعد الانقلاب في كسب التأييد الشعبي لأفعاله، بفضل خطابه الذي عمّق القلق المجتمعي من تصاعد العنف والإرهاب في البلاد14. وهكذا باتت وسائل الإعلام المصرية، سواء تلك المملوكة للدولة أو الخاصة، منابَرَ دعائيةً تدعم الانقلاب وتشيطن معارضيه، وتسوّغ العنف ضد جماعة الإخوان المسلمين ومؤيّديها، فضلًاعن معارضي الانقلاب بوجه عام15. وقد أشاع هذا المناخ حالة من "الهستيريا الجماعية" التي تغاضت عن الانتهاكات، وأظهرت تسامحًا مع مرتكبيها16. وذهب آخرون إلى أنّ تلك الأحداث وفّرت "شرعية الأزمة"، ما مكّن النظام من تسويغ إجراءاته الأمنية والقانونية التي اتّخذها بداعي ضمان استقرار الدولة، وأنها ضرورية في منع انتشار العنف الطائفي والفوضى، أو استيلاء الجماعات الدينية المتطرّفة المسلّحة على السلطة17. وتجدر بنا الإشارة إلى أن القوانين
الصارمة التي سنّها النظام، والتي استخدمها لاحقًا على نطاق واسع في التضييق على المعارضة والمجتمع المدني، إنما اعُتُِمِدت على خلفية أعمال إرهابية18. وقد مثّلت طبيعة النظام، الذي تمخّض عنه الانقلاب، دافعًا آخر للسلطات كي تواصل انتهاكاتها لحقوق الإنسان طوال الأعوام الماضية. ويوضح بروس رذرفورد كيفية تحوّل النظام إلى ما يُعرف في أدبيات التسلّطية المقارنة ب "ميثاق الحماية"؛ فيحصل على دعم قطاعات واسعة من النخبة السياسية والمجتمع، في مقابل حمايتها من التهديدات الخارجية والداخلية19. وينطوي هذا النموذج من التسلّطية عادةً على قمع واسع تمارسه الدولة، فضلًاعن العنف وانتهاكات حقوق الإنسان. وهكذا يحصل النظام على دعم المؤسسة العسكرية والأمنية، بينما تتعرّض القاعدة الحزبية المدنية للتهميش؛ ف "تبصم" على التشريعات من دون نقاش، بما فيها تأييد الإجراءات والتدابير التي يقرّها20. وفي هذا، تبنّى عبد الفتاح السيسي نفسه خطابًا يحمّل ثورة 25 يناير 2011 مسؤولية إضعاف مؤسسات الدولة، وإثارة الفوضى وغياب الاستقرار السياسي والاقتصادي. وانسجم هذا الخطاب مع المواقف الشعبية في مصر، خلال الأعوام التي أعقبت الانقلاب، حين بات الجمهور أقل اهتمامًا بالديمقراطية وأقلّ ثقة بالأحزاب السياسية، وأكثر تقبّلًاللأداء الأمني والاقتصادي لحكومة السيسي والقوات المسلحة، وثقةً بهما21. هكذا أصبح القمع ركنًا أساسيًا في الحكم، وخيارًا استراتيجيًا لمنع أيّ حراك سياسي جديد في المجتمع. وقد خلق التراكم المطّرد من الانتهاكات والجرائم على مرّ السنين، الذي أدّت فيه مؤسسات الدولة دورًا مركزيًا، نوعًا من المصلحة الوجودية المشتركة بين أركان النظام العسكرية والمدنية؛ وهي مصلحة متبادلة في الحفاظ على نظام الحكم. ويعضد ذلك تعويل السيسي على دعم المؤسسة العسكرية، بما لها من هيبة وشعبية، في مقابل توفير الامتيازات والنفوذ السياسي والمالي والاقتصادي، فضلًاعن حصانة قادتها من التعرّض للمساءلة22. وقد أدّى المجلس الأعلى للقوات المسلحة دورًا واضحًا في الموافقة على تعيين وزير الدفاع، والتصديق على ترشيح أيّ عسكري لرئاسة الجمهورية، سواء كان متقاعدًا أو في الخدمة الفعلية23، في حين أحكم السيسي سيطرته على تعيين كبار القادة العسكريين24. كما تحوّل النظام إلى وسيلة لأجهزة الأمن والمخابرات، كي تؤكّد سيطرتها مرة أخرى على شؤون الدولة والحكومة، بعد أن باتت مصالحها مهدّدة بسبب ثورة يناير 2011. وفي ظلّ هذا الواقع، بات صعبًا إقناع النظام بتقديم تنازلات ملموسة في مجال حقوق الإنسان، من شأنها أن تزعزع علاقات السلطة القائمة، لا سيما مع غياب فصيل معتدل داخل النخبة الحاكمة التي يهيمن عليها الجيش، يستطيع أن يتقدّم ببعض الإصلاحات السياسية والحقوقية، كما حدث في بلدان أخرى شهدت أوضاعًا سياسية مماثلة، غداة الانقلابات العسكرية25.
ثانيًا: طبيعة الضغوط على النظام وسياقاتها
راكمت المنظمات الحقوقية المصرية ثروةً من الخبرات والتجارب، بعد انخراطها في النظام العالمي لحقوق الإنسان منذ أواخر ثمانينيات القرن العشرين26. وقد ساعد هذا الإرث الناشطين المصريين في توسيع مجالات عملهم العابرة للحدود، في أثناء انحسار مساحات المناصرة السياسية والحقوقية داخل مصر منذ عام 2014 27. وكانت منظمات حقوق الإنسان من بين الجهات المصرية القليلة التي شذّت عن الاتجاه العام الداعم لسياسات الحكومة آنذاك، ما جعلها عرضة للإجراءات الأمنية التي شكّلت تهديدًا وجوديًا لها ولسلامة العاملين فيها، فور توّل يالسيسي الرئاسة28. ودفعت هذه التطوّرات منظمات حقوق الإنسان إلى تبنّي استراتيجيات مختلفة للنجاة، إذ استمر بعضها في العمل داخل مصر على نحو سرّي، في حين اضطر بعضها
الآخر إلى تغيير أنشطته لتفادي المشكلات التي قد تفضي إلى صدام مع الحكومة29. وهكذا غادر مصر كثيٌرٌ من الناشطين ومنظمات حقوق الإنسان، للعمل في الخارج أو لتشكيل جمعيات حقوقية جديدة في الدول الغربية، بقيادة ناشطين شباب في المهجر. وقد نبّه كثير من ناشطي حقوق الإنسان المصريين إلى أهمية النشاط العابر للحدود، مع الاعتراف بأن تأثير الضغط الخارجي ونجاحه محدودان، بيد أن أهدافه تتمحور، على نحو واقعي، حول محاولة الحدّ من وتيرة الانتهاكات والجرائم المرتَكَبة في البلاد، وتوسيع هامش الحقوق والحريات المدنية تدريجيًا؛ الأمر الذي يمكن أن يساعد لاحقًا في بدء الحراك والضغط السياسي الداخلي30. ويؤكّد الناشطون أنهم تحدّوا بفاعلية السردية الرسمية للحكومة المصرية التي تنفي وجود أزمة داخلية مرتبطة بحقوق الإنسان. وعَزَوا نجاحهم في ذلك إلى انخراطهم الاستباقي في آليات حقوق الإنسان المتنوّعة في الأمم المتّحدة، وشركاء مصر الدوليين الرئيسين في الغرب، فضلًاعن دأبهم في نشر أدلّة موثّقة بإتقان تتعلّق بأنماط متنوّعة من انتهاكات حقوق الإنسان31. لقد لاحقت قضايا حقوق الإنسان السلطات المصرية في الساحة العالمية على نحو مستمر؛ الأمر الذي أرغم الحكومة على الرّّد باستخدام لغة حقوق الإنسان، وفرض عليها تعديل خطابها الرسمي لتبدو أكثر انفتاحًا على خطاب حقوق الإنسان32. ومن هنا، اتّفق الناشطون الذين قابلناهم، بوجه عام، على أنّ التركيز المستمّر على ملف حقوق الإنسان في المحافل الدولية، والجهود المبذولة لإدراجه في جدول أعمال الحوارات الدبلوماسية الدورية بين الأطراف الدولية ومصر، دفع النظام المصري أحيانًا إلى اتخاذ بعض التدابير التي تهدف إلى تحسين صورته الدولية واحتواء الغضب العالمي، مع أن تلك التدابير اتّسمت بأنها شكلية ومحدودة. لكّن النظام، عمومًا، بات يتوفر على حوافز أكبر لارتكاب الانتهاكات، ولم يعد للضغوط الدولية ذلك التأثير الذي كانت تتمتّع به إبّان عهد الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك، إذ كان نظامه أكثر استعدادًا للتسامح مع المعارضة الداخلية33. ومع ذلك، كان النظام أكثر استجابة للضغوط الخارجية حينما كانت تشكّل تهديدًا لمصالحه الحيوية، وخاصة حينما يتعلّق الأمر بالمؤسسة العسكرية، وعندما تأتي تلك الضغوط من الولايات المتحدة الأميركية تحديدًا34. وقد أدى اندماج المؤسسة العسكرية في الحياة السياسية والاقتصادية المصرية إلى جعلها أكثر تأثّرًا بالضغوط التي يمكن أن تمّس امتيازاتها، ولعلّ أبلغ مثال على ذلك هو حزمة المعونات العسكرية السنوية المقدّمة من الولايات المتحدة، والتي ما زالت تمثّل مصدرًا كبيرًا ومضمونًا لإيرادات الجيش المصري35. وقد فضّ لت الإدارات الأميركية المتعاقبة ل اتستخدم هذه الورقة عمومًا، لكنها اعتادت أن تفعل ذلك مضطرّة تحت ضغط الكونغرس، خلال إقرار قوانين الموازنة المتعلّقة بحَزَم المعونات السنوية36. في النصف الثاني من عام 2015، استأنف الاتحاد الأوروبي التعاون الثنائي مع مصر انطلاقًا من سياسة الجوار الأوروبية، بعد أن علّقه في أعقاب ثورة يناير 2011 37. وكان الخطاب الأوروبي الرسمي تجاه مصر، خلال اجتماع مجلس الشراكة الأوروبي المصري في حزيران/ يونيو 2022، يميل إلى تأكيد مكانة البلاد بوصفها حليفًا استراتيجيًا لأوروبا، من دون أن تحظى قضايا حقوق الإنسان بالأهمية الكافية38. وقد فرضت تداعيات الحرب الروسية على أوكرانيا هذا التقارب، إذ أبرم الاتحاد الأوروبي اتفاقًا مع مصر وإسرائيل يقضي بتصدير الغاز إلى أوروبا، قبل أيام معدودة من اجتماع المجلس، في خطوة ترمي إلى حلّ أزمة الغاز التي نجمت عن تراجع صادرات الغاز الروسي إلى دول الاتحاد39. ونظرًا إلى اختلاف سياساتها الخارجية، وتفاوت مصالحها السياسية والعسكرية والأمنية مع حكومة السيسي، لم يتّخذ الاتحاد الأوروبي موقفًا موحّدًا من مصر. ومع ذلك، حظيت المنظمات الحقوقية المصرية والدولية بمساحة للتحرّك، بفعل تباين توجّهات المؤسسات الأوروبية وتعدّد مراكز القوى في الدول الأوروبية. وهكذا، حاولت تلك المؤسسات إدراج حقوق الإنسان في أجندة العلاقات المصرية - الأوروبية، حتى حينما كان الأمر مقتصرًا على مستوى الخطاب السياسي والدبلوماسي، أو تشجيع الدول الأوروبية على إثارة
قضايا حقوق الإنسان في مصر، تحت مظلّة مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة40.
وقد خفّفت الاعتبارات القائمة على المصالح، جدّيَةَ الضغوط التي مارستها الأطراف الدولية، وهي تواصل توثيق علاقاتها الثنائية مع نظام السيسي، وتقديم الدعم السياسي العلني له41. ولأن المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وجدتا أن التحوّل الديمقراطي في مصر يشكّل تهديدًا لمصالحهما داخل البلاد وخارجها، فقد دعمتا الانقلاب وواصلتا تقديم المعونة الاقتصادية والسياسية للنظام المصري42. وكان من شأن هذا الدعم المالي أن يحدّ من وطأة التهديد بعقوبات محتملة على حكومة السيسي، أو وقف المعونات الغربية لها. وهكذا أدرك النظام أن الأطراف الدولية، سواء كانت أوروبا أو الولايات المتحدة، لن تمارس ضغوطًا جدّية يمكن أن تهدّد مصالحه أو بقاءه، حين يتعلّق الأمر بحقوق الإنسان. وقد تبنّت هذه الدول مواقف متناقضة في علاقاتها الثنائية مع مصر؛ ففي حين أعلن بعضها التزامه بحقوق الإنسان، لم يقترن خطابها هذا بإعادة النظر في علاقاتها الأمنية والعسكرية والاقتصادية بالحكومة المصرية. وما زالت العلاقات تدور حول جهود مكافحة الإرهاب، والمصالح الأمنية المشتركة، والتعاون العسكري والاستخباراتي، بينما بقيت انتهاكات حقوق الإنسان مصدرًا لقلق ثانوي43. ودفع تنامي الدور الروسي في الساحتين الدولية والعربية، طوال العقد الماضي، الدول الغربية إلى توخّي الحذر من تأزيم علاقاتها بحلفائها الرئيسين في المنطقة، ومن بينهم مصر. وعلى الرغم من حيوية الناشطين المصريين في العواصم الغربية، فإن الشتات المصري لم ينجح حينها في تشكيل قوى اجتماعية أو سياسية متماسكة ومتجذّرة في الدول الغربية. وكان دوره السياسي في طور التبلور، ويواجه تحدّيات الاندماج والاستقرار في المجتمعات الجديدة، والانقسامات السياسية داخل الجماعات المصرية، وضعف التشبيك وبناء التحالفات مع شرائح أخرى غير مسيّسة، من الجالية المصرية التي تقيم في الخارج منذ عقود44. وفضلًاعن ذلك، أشار بعض الناشطين إلى أن شبكات حقوق الإنسان المصرية والأجنبية واجهت صعوبة في مجاراة قوة جماعات الضغط المدعومة من الحكومات الصديقة لمصر ونفوذها، إذ كانت تعمل نيابةً عن الحكومة المصرية في العواصم الغربية، لا سيما في الولايات المتحدة. وتمتلك جماعات الضغط تلك موارد هائلة، ما يجعلها أكثر قدرة على استمالة السياسيين وصنّاع القرار المؤثّرين في السياسات الدولية تجاه مصر45. ويدعم هذا الاستنتاج ما كشفته لائحة الادّعاء ومحاكمة السيناتور روبرت مينينديز Menendez Robert؛ الرئيس السابق للجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، على خلفية اتهامات تتعلّق باستخدام نفوذه وسلطته في زيادة المعونات الأميركية للمبيعات العسكرية لمصر46. وقد أدّى الكشف عن هذه الفضيحة في أيلول/ سبتمبر 2023، إلى الضغط على إدارة الرئيس جو بايدن كي تقلّص مساعداتها العسكرية لمصر، وتدقّق سجلات حقوق الإنسان المرتبطة بحكومة السيسي47. بيد أن الحرب الإسرائيلية على غزّة
التي بدأت في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، ألقت بظلالها على تلك الفضيحة، ودفعت الإدارة الأميركية والاتحاد الأوروبي إلى توطيد علاقاتهما الدبلوماسية مع مصر48.
ثالثًا: تطوّر استجابة النظام للضغوط الخاصة بحقوق الإنسان
الإنكار والمقاومة: تموز/ يوليو 2013 - 2016 في الأعوام التي تلت خلع الرئيس محمد مرسي، نجح النظام، من جهة، في احتواء الضغوط الدولية وتخفيف أثرها، ويعزى ذلك على نحو رئيس إلى الدعم الشعبي الذي حظي به خلال تلك الفترة، فضلًاعن الانقسام الحاد الذي ابُتُليت به النخبة السياسية، بين مؤيّدي النظام وفصيل هامشي معارض له. ومن جهة أخرى، استطاع تأمين الدعم المالي عبر مصادر عربية بديلة. بيد أن أضواء المجتمع الدولي التي سُلّطت على توسّع عمليات القتل خارج نطاق القضاء طوال تلك الفترة، أجبرت السلطات على أن تكون أكثر حذرًا في استخدام القوة المميتة، عند تعاملها مع الاحتجاجات الشعبية، مقارنةً بقسوتها المفرطة التي شهدناها في النصف الثاني من عام
لقد أعلنت إدارة الرئيس باراك أوباما، في تشرين الأول/ أكتوبر 2013، تجميد المعونة الاقتصادية والعسكرية الإضافية لمصر، لكنّها ما لبثت أن اعترفت بالنظام الجديد، ورحّبت بانتخاب السيسي رئيسًا في حزيران/ يونيو 2014، مستسلمةً للضغوط الهائلة التي مارستها السعودية والإمارات وإسرائيل للاعتراف بحكومته وتطبيع علاقاتها معها. وفي كانون الأول/ ديسمبر 2014، عدّل الكونغرس قانون المعونة العسكرية لمصر، مانحًا الإدارة الأميركية الحقّ في تنحية شرط احترام الديمقراطية وحقوق الإنسان جانبًا، إذا كان استمرار المعونة يصبّ في مصلحة الأمن القومي الأميركي. وفي آذار/ مارس 2015، استأنفت إدارة أوباما تصدير الأسلحة إلى الجيش المصري، بعد أن علّقته في أعقاب الانقلاب العسكري49. وفي السياق ذاته، أوصى مجلس الاتحاد الأوروبي، في آب/ أغسطس 2013، بوقف التراخيص الخاصة بصادرات المعدّات والأسلحة التي يمكن أن تُستخدم لأغراض القمع في مصر، وحثّ الدول الأعضاء على مراجعة معوناتها الأمنية التي تقدّمها إلى السلطات المصرية50. لكنّ التعاون العسكري بين الدول الأوروبية ومصر لم يتأثّر بتلك التوجيهات، بل بلغ مستويات قياسية في السنوات اللاحقة. أما فرنسا، فقد مارست ضغوطها منذ عام 2014، من أجل استمرار التعاون الأوروبي مع مصر، وكثّفت الحكومة الفرنسية تعاونها العسكري مع مصر، لتصبح مورّد الأسلحة الأكبر إليها51. كما أبرم النظام المصري صفقات أسلحة سخيّة مع روسيا وألمانيا52. ويمكن أن يُعزى تحرّك السيسي نحو تقليص اعتماد مصر على الأسلحة الأميركية إلى رغبته في تفادي ضغوط الولايات المتحدة، مع تشجيع الحلفاء الغربيين على الكفّ عن دعم الإجراءات الأميركية؛ الأمر الذي دفع واشنطن إلى تخفيف حماسها لحقوق الإنسان في مصر. ومع تفاقم حدّة الانتهاكات المتعلّقة بحقوق الإنسان، باتت جهود جماعات حقوق الإنسان تركّز على الدول الغربية، من خلال تشجيعها على تبنّي بيانات موحّدة حول مصر، وتلاوتها في مجلس حقوق الإنسان53. وانتهزت تلك الجماعات فرصة المراجعة الدورية الشاملة لسجلّ مصر الحقوقي في عام 2014، لإرسال شهادات ومعلومات موثّقة عن الانتهاكات، لكنّها أعلنت أنها لن تشارك في الجلسة تفاديًا لانتقام السلطات المصرية التي كانت قد طالبت، قبيل ذلك، كل منظمات حقوق الإنسان بالتسجيل لدى الدولة، وحذّرت تلك التي ترفض ذلك بحلّها وإخضاع مسؤوليها للمساءلة القضائية. وآنذاك، لم يكن قطاع مهمّ من الحركة الحقوقية المصرية قد استقرّ خارج البلاد. وقد ذهب بعض الناشطين إلى القول إن حملات المناصرة الدولية التي دشّنتها منظمات حقوق الإنسان، قبل جلسة المراجعة الدورية الشاملة، قد أسهمت في تأخير خطّة النظام ببدء حملته الأمنية. وكان من المتوقع، إلى حد بعيد، غلق مقارّ تلك المنظمات في ذلك العام، واعتقال أعضائها واحتجازهم، لكن السلطات اختارت استراتيجية أخرى، إذ سعت لإعاقة عمل هذه المنظمات على المدى الطويل، عبر استدعاء موظّفيها إلى التحقيق مرارًا وتكرارًا، وإصدار حظر سفر
على بعض المنظمات وأعضائها وتجميد أصولهم، وحرمان المنظمات الدولية من أيّ فرصة للعمل الميداني المباشر في مصر54. ومع ذلك، لم يُعتَقَل العاملون في هذه المنظمات أو يلاَحَقوا قضائيًا أو يُسَجَنوا، على ذمّة القضية 173 الخاصة بالتمويل الأجنبي55. وقّع السيسي، بعد انتخابه رئيسًا، في تشرين الثاني/ نوفمبر 2014، قانونًا يسمح بتسليم الأجانب إلى بلدانهم إذا كانوا متّهمين أو مدانين بجريمة ارُتُِكِبت في مصر، لمحاكمتهم أو إنزال العقوبة في حقّهم، وذلك في إطار سعيه لنيل الاعتراف والقبول الدولَّييَن56. وقد أفاد كثير من المعتَقَلين المصريين الذين يملكون جنسية مزدوجة من هذا القانون، في الفترة 2015 - 2022، على الرغم من أن القانون المذكور كان يشترط تخلّيهم عن جنسيتهم المصرية57. وفي إطار آخر من السياسات الأمنية، كان مقتل طالب الدكتوراه الإيطالي جوليو ريجيني Regeni Giulio، في كانون الثاني/ يناير 2016، بعد اعتقاله وتعذيبه في القاهرة على أيدي منتسبي الأمن المصري، مؤرّش ا على الحملة الأمنية ضدّ ما اعتبرته السلطات مؤامرة أجنبية، تهدف إلى زعزعة استقرار البلاد من الداخل. وقد كبّدت تلك الجريمة سمعة السلطات المصرية أثمانًا باهظة، خلال مناسبات مختلفة في الأعوام التي تلت ذلك. وعلى الرغم من أن مقتل ريجيني كان سببًا في توتّر علاقات مصر بإيطاليا وأوروبا، فقد تبنّى الطرفان مقاربة براغماتية في التعامل مع حادثة القتل، حتى لا تُلقي بظلالها على التعاون الاقتصادي والأمني مع مصر، أو الجهود الأوروبية المبذولة في مكافحة الهجرة غير الشرعية58. ومع ذلك، بدأت السلطات المصرية سلسلة من المؤتمرات السنوية للشباب، على المستوَييَن الوطني والدولي، لإظهار صورة رئيس مهتّم بالتواصل مع الشباب المصري والأجنبي في الخارج. وقد حضر السيسي تلك المؤتمرات جميعًا بمشاركة عدد كبير من الأجانب، وحظيت كلّها بتغطية إعلامية مكثّفة. وفي المؤتمر الأول عام 2016، قرّر السيسي تشكيل لجنة عفو رئاسي لمناقشة قضايا الشباب المحتجزين والسجناء59. وعملت اللجنة من عام 2016 إلى عام 2018، وأسفرت عن إطلاق سراح نحو 1118 شخصًا، ثم عُلّقت أعمالها ولم تستأنف نشاطها إلا في نيسان/ أبريل 2022 60. بين الإنكار والتنازلات المحدودة: 2017 - 2020 توسّع نشاط منظمات حقوق الإنسان المصرية والدولية في الدول الغربية خلال هذه الفترة، مع استقرار مجموعة كبيرة من الناشطين المصريين في الخارج61. وبناء عليه، بات موضوع حقوق الإنسان من ثوابت العلاقات الدبلوماسية، ليجد السيسي نفسه مجبرًا على تناوله في معظم زياراته الخارجية ولقاءاته بالمسؤولين الغربيين. واستجابةً لذلك، تبنّى موقفًا دفاعيًا، معلّلًا الانتهاكات بالإشارة إلى حالة الانفلات الأمني وعدم الاستقرار، وضرورات مكافحة الإرهاب، إضافة إلى موقفه التقليدي المتمثّل في الطعن في صدقية االمعلومات الخاصة بأوضاع حقوق الإنسان في مصر ودقّتها، فضل عن التحذير من الجماعات الإرهابية المتطرّفة التي تسعى لنشر تلك المعلومات المضلّلة في الخارج، والتركيز على خصوصية مصر الثقافية والسياسية التي تختلف جذريًا عن الغرب، حين يتعلّق الأمر باحترام حقوق الإنسان62. وقد توثّقت عرى العلاقات المصرية - الأميركية في ظل إدارة الرئيس دونالد ترمب 2021-2017()، الذي أعلن دعمه الكامل للحرب على الإرهاب في مصر والشراكة مع الحكومة المصرية. وفي الوقت نفسه، كثّفت منظمات حقوق الإنسان الأميركية والمصرية في واشنطن ضغطها على الإدارة الأميركية لاتخاذ خطوات أكثر جدّية إزاء النظام المصري. لكنّ السلطات الأميركية كانت تركّز آنذاك على تأمين الإفراج عن مواطنين أميركيين من أصل مصري كانوا محتجزين في مصر، مثل آية حجازي التي اعُتُِقِلت مع زملائها في مؤسسة بلادي منذ عام 2014. ولم يكن لتلك الضغوط أن ترى النور لولا الحملات التي دشّنتها منظمات
حقوق الإنسان المصرية والدولية عام 2016، مطالبةً بالإفراج عن حجازي63. في آب/ أغسطس 2017، أقدمت إدارة ترمب على اقتطاع 100 مليون دولار، وتجميد 195 مليون دولار أخرى، من المعونة العسكرية السنوية لمصر، متذرّعةً بانتهاكات حقوق الإنسان. وطالبت، على وجه التحديد، بسحب قانون المنظمات غير الحكومية الجديد، الذي أعدّته الحكومة المصرية في أيار/ مايو 2017، وإلغاء الإدانات التي شملت العاملين في المنظمات الأميركية فيما يتعلّق بالقضية.173 وعلى خلفية ذلك، علّقت السلطات المصرية قسمًافي القضية 173 ينصّ على محاكمة موظّفي المنظمات التي ترعاها الولايات المتحدة، وسحبت قانون الجمعيات غير الحكومية وتعهّدت بصياغة نسخة جديدة منه64. لكنّ هذه الضغوط توقّفت في تموز/ يوليو 2018، لتستأنف الإدارة الأميركية إرسال مساعداتها العسكرية إلى مصر، من دون التحقّق اللازم لإثبات أن المعونة قد استوفت الشروط المعلنة. ونتيجةً ذلك، ذهب ناشطو حقوق الإنسان الأميركيون إلى أن إدارة ترمب أهدرت فرصتها في الضغط على الحكومة المصرية بنجاح، من أجل إغلاق القضية 173 بالكامل. وكان مغزى تلك الخطوة هو موافقة إدارة ترمب الضمنية على مواصلة الدولة المصرية انتهاكاتها لحقوق الإنسان65. وأظهرت الأحداث المتلاحقة أن السيسي قد حظي بدعم سياسي كبير من ترمب، منذ أن زار واشنطن في نيسان/ أبريل 2019؛ الأمر الذي عزّز تصميم النظام على تعديل الدستور، من أجل توسيع السلطات الرئاسية وتمديد فترة رئاسة السيسي حتى عام.2030 وبعد ذلك، شرّعت الحكومة المصرية قانونًا منقّحًا للجمعيات غير الحكومية، وأدخلت على القانون الأصلي تغييرات طفيفة وتجميلية إلى حد بعيد66. وفضلًاعن ذلك، لم تمارس إدارة ترمب الضغط الكافي للإفراج عن معتقلين مصريين أميركيين آخرين، مثل مصطفى قاسم الذي تُوّف يفي السجن، في كانون الثاني/ يناير 2020، إثر تدهور حالته الصحية. وقد أثارت وفاته ضجّة في واشنطن، دفعت إدارة ترمب إلى التهديد الصريح بقطع المعونة العسكرية عن الحكومة المصرية، ما لم تُفرج عن مواطنين أميركيين آخرين، بمن فيهم ريم دسوقي التي طِلِق سراحها في أيار/ مايو أ 2020 67. أثار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قضايا حقوق الإنسان، خلال اجتماعاته بالسيسي، بصرف النظر عن "دفء" العلاقات المصرية - الفرنسية. فقد كان ماكرون نفسه ينوء بحمل الضغوط التي مارستها جمعيات حقوق الإنسان الفرنسية ووسائل الإعلام، بفعل تجاهله المتواصل لحقوق الإنسان في ملف علاقات فرنسا بمصر. وزادت وتيرة تلك الضغوط بعد استقباله السيسي في قصر الإليزيه في تشرين الأول/ أكتوبر 2017، وإعلانه أنه لن يلقي محاضرة عن حقوق الإنسان في مصر. وحين زار القاهرة أول مرة، في كانون الثاني/ يناير 2019، تحدّث على نحو أشدّ وضوحًا عن أهمية احترام السلطات المصرية لحقوق الإنسان من أجل تحقيق الاستقرار، ودعا إلى إطلاق سراح سجناء الرأي، والتقى في القاهرة عددًا من المدافعين المصريين عن حقوق الإنسان المتّهمين في القضية 173. إلا أن هذه القضايا جميعًا ظلّت حبيسة القنوات الدبلوماسية. وعلى الرغم من التصريحات العلنية بين الحين والآخر، لم تجد هذه القضية صداها قط في مجال التعاون الأمني والعسكري المتنامي بين الدولتين68. وَخَطَت الحكومة المصرية خطوة استباقية قبل المراجعة الدورية الشاملة للملف المصري في تشرين الثاني/ نوفمبر 2019، بأن وضعت إطارًا مؤسّساتيًا جديدًا يتعامل مع الانتقادات الدولية لسجلّها في مجال حقوق الإنسان. وبناء عليه، أعلن رئيس الوزراء تشكيل لجنة رسمية دائمة رفيعة المستوى لحقوق الإنسان69، تسعى لطمأنة المجتمع الدولي بأن مصر جادّة في إعداد استراتيجية وطنية لحقوق الإنسان، وحريصة على الوفاء بالتزاماتها بموجب الاتفاقيات الدولية، وتعزيز علاقاتها بهيئات الأمم المتحدة. كما رغبت الدولة في إنشاء كيان مؤسّساتي دائم يختصّ في الردّ على ما سّم اه مرسوم تشكيل اللجنة "الادعاءات المثارة" دوليًا بشأن مشكلات حقوق الإنسان في مصر، فضلًاعن "صياغة رؤية مصرية موحّدة كي تُطَرَح في المحافل الدولية والإقليمية"70.
و قد مثّل إنشاء اللجنة مؤرّشًا على انتقال أجهزة الدولة إلى مرحلة جديدة، تتعامل فيها بصورة أكثر منهجية مع انتقادات حقوق الإنسان في الساحة الدولية، وُتُحِّوِل الخطاب الرسمي للدولة من الإنكار المتواصل ومقاومة التقارير المتعلّقة بأزمة حقوق الإنسان في مصر، إلى خطاب جديد يتفاعل مع المجتمع الدولي، لكنه تعايش مع الخطاب القديم الذي كانت الدولة تعود إليه في مناسبات مختلفة. وانعكس هذا التحوّل أيضًا في خطاب المنظمات غير الحكومية الموالية للحكومة. فقد منحت الدولة، منذ عام 2014، كثيرًا من المنظمات الحقوقية المرتبطة بالحكومة ومصالحها حرية واسعة في الحركة، محليًا ودوليًا، مع استمرار محاصرتها لمنظمات حقوق الإنسان المستقلّة التي يتعارض خطابها مع خطاب الدولة الرسمي71. بيد أن وتيرة دعم المنظمات للدولة انخفضت إلى حدّ ما، بعد المراجعة الدورية الشاملة عام 2019، إذ لم تُعُد تنكر وجود مشكلات وانتهاكات كان على السلطات معالجتها، على الرغم من أنها واصلت الدفاع عن مصالح الحكومة في الساحة العالمية، ورفضت أيّ ضغوط دولية على السلطات المصرية72. وعلى الرغم من التغّي رالذي طرأ على الخطاب الرسمي، فقد ارتفع مستوى الاعتقالات التعسّفية عام 2019، سواء كانت موجّهة أو عشوائية، إذ لجأت السلطات المصرية إلى استباق محاولات التعبئة السياسية المتجدّدة، كما في قضية تحالف الأمل الانتخابي73، أو الاحتجاجات الاجتماعية في أيلول/ سبتمبر 2019 74. وقد وجّهت أحداث 2019 رسالة إلى النظام تؤكّد أن السيسي لم يُعُد يحظى بالشعبية الجماهيرية التي كان يتمتّع بها خلال فترته الرئاسية الأولى. وفي ذلك العام، نشط المدافعون عن حقوق الإنسان على الساحة الدولية على نحو خاص، خلال المراجعة الدورية الشاملة التي اتّسمت بالاختلاف النوعي عن أيّ مراجعة سابقة لسجل مصر، من حيث كمية التعليقات والأسئلة التي تلقّتها السلطات المصرية حول حالة حقوق الإنسان، ونوعها. ومن هنا، تبنّت الدول الأعضاء في مجلس حقوق الإنسان تقارير المنظمات الحقوقية المصرية وملاحظاتها، بفضل جهود شتى الأطراف المصرية في الداخل والخارج، والتنسيق فيما بينها75. وكشفت هذه الدورة ومخرجاتها عن فشل محاولات السلطات المصرية الحثيثة في تحدّي الصدقية الدولية التي تحظى بها هذه المنظمات76. وأدّت المراجعة الدورية الشاملة دورًا مهمًافي تشكيل خطاب النظام المصري الرسمي المتعلّق بحقوق الإنسان خلال السنوات اللاحقة، وهو ما سنناقشه في المبحث التالي.
خطاب رسمي متغيّر وفضاء أكبر للتنازلات التكتيكية: 2021 - 2023
غّي رت السلطات المصرية، في هذه الفترة، خطابها المتعلّق بحقوق الإنسان، وشرعت في توسيع هامش تنازلاتها التكتيكية، سعيًا منها لاحتواء الانتقادات المتواصلة لسجلّها الحقوقي على الساحة الدولية، لا سيما بعد المراجعة الدورية الشاملة عام 2019. وفي حين لم يتخّل السيسي تمامًا عن خطاب الإنكار والتبرير، وهو يواجه سجل حقوق الإنسان المصري، أظهر الخطاب الرسمي حينذاك حرص الدولة على تبنّي حقوق الإنسان في سياساتها العامة وتوجهّها الإصلاحي بوجه عام77. وقد أدّى انتقال الرئاسة الأميركية من ترمب إلى بايدن دورًا في هذا التحوّل78. وفضلًاعن ذلك، يتعّي نالنظر إلى هذه التنازلات في سياق الصدمات الكثيرة التي أصابت القاعدة الشعبية العريضة للسيسي، لا سيما مع تدهور الأوضاع الاقتصادية، ما جعل بعض الشخصيات السياسية والعامة المقرّبة منه حينئذ تقوم بدور الوساطة79. وفي تطوّر ذي مغزى سبّب إحراجًا دوليًا جديدًا للحكومة، أصدرت اثنتان وثلاثون دولة غربية، في آذار/ مارس 2021، بيانًا مشتركًا شديد اللهجة بشأن مصر، في مجلس حقوق الإنسان، هو الأول من نوعه منذ آذار/ مارس 2014، ما لفت أنظار المجتمع الدولي إلى قضية سجناء الرأي والمعتقلين السياسيين. وقد ذهب ناشطون حقوقيون مصريون إلى أنّ هذا البيان قد دفع الحكومة المصرية إلى إجراء عدد من الإصلاحات المحدودة، لامتصاص الغضب الدولي وتهيئة الأجواء أمام علاقاتها بالإدارة الأميركية الجديدة80. وتعزّز هذا التحرّك
الجماعي بعودة الولايات المتحدة إلى مجلس حقوق الإنسان، بعد أعوام من الغياب في ظل إدارة ترمب. وقد حاولت إدارة بايدن، في البدء، الوفاء بوعود حملته الانتخابية، حين أكّد أنه "لا مزيد من الشيكات على بياض، للدكتاتور المفضّ ل عند ترمب"81، مبديًا اهتمامه بتأمين إطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وإلغاء القيود المفروضة على منظمات حقوق الإنسان. بيد أن التطوّرات السياسية في الشرق الأوسط، والحاجة إلى الوساطة المصرية في أثناء العدوان الإسرائيلي على غزة عام 2021، وتداعيات الحرب الروسية - الأوكرانية عام 2022، فرضت تحوّلًافي الموقف الأميركي، ما أكّد مرة أخرى الأهمية التي تحظى بها مصر، بوصفها شريكًا استراتيجيًا في المنطقة العربية. ويؤكّد بعض المدافعين عن حقوق الإنسان في واشنطن أن هذا التحوّل قد ارتبط بالضغوط التي مارستها إسرائيل والإمارات والسعودية داخل الكونغرس والإدارة الأميركية؛ الأمر الذي أحاط حكومة السيسي بهالة من القبول والشرعية في واشنطن82. وحين ربط الكونغرس أوضاع حقوق الإنسان بدفع 300 مليون دولار من المعونة العسكرية إلى مصر، والخاصة بعاَمَي 2021 و 2022، قدّمت الإدارة الأميركية قائمة تضم ستة عشر معتقلًاوسجينًا سياسيًا بارزًا إلى مصر، داعيةً إلى الإفراج السريع عنهم وإغلاق القضية 17383. وهكذا أحدثت الضغوط التي مارستها منظمات حقوق الإنسان المصرية وحلفاؤها في واشنطن تأثيرًا مباشرًا في قرار الإدارة الأميركية ربط المعونة بحقوق الإنسان؛ فجمّدت 130 مليون دولار منها في أيلول/ سبتمبر 2021، وأعادت جدولة المبلغ نفسه في كانون الثاني/ يناير 2022، ثم شطبته تمامًا من حزمة المعونة العسكرية لمصر84. وفي أيلول/ سبتمبر 2022، جمّدت إدارة بايدن ثانية ما قيمته 130 مليون دولار من المعونة العسكرية لمصر، بداعي أنّ الإجراءات المتّخذة للإفراج عن المعتقلين وإنهاء القيود المفروضة على المجتمع المدني لم تكن كافية85. وجّمّد الكونغرس، في تشرين الأول/ أكتوبر، مبلغًا إضافيًا مقداره 75 مليون دولار من المعونة العسكرية، احتجاجًا على عدم إطلاق سراح السجناء السياسيين86. وعلى الرغم من أّن هذه المبالغ المحجوزة كانت قليلة، مقارنةً بما تلقّته الحكومة المصرية من الولايات المتّحدة، أو صفقات الأسلحة التي أبرمتها مع الدول الغربية، فإنّ هذه الإجراءات الرمزية دفعت مصر على نحو مباشر إلى إدخال بعض الإصلاحات المحدودة87. وتدلّ حقيقة إذعان السلطات المصرية، بصورة جزئية، لهذه الضغوط، في مناسبات مختلفة، على أنّ الأطراف الخارجية يمكن أن تؤثّر في صنّاع القرار المصري على نحو مباشر وسريع، حين تتعرّض مصالح النظام الحيوية للتهديد، لا سيما تلك المتعلّقة بامتيازات المؤسسة العسكرية. بدأت الحكومة المصرية عام 2021 سلسلة من وعود الإصلاح، مروّجة لمزاعم المناخ السياسي العالمي المنفتح. وفي احتفالية دولية استضافتها القاهرة في أيلول/ سبتمبر 2021 بحضور السيسي، أطلقت الحكومة استراتيجيتها الوطنية لحقوق الإنسان، وأعلنت أنّ عام 2022 سيكون عامًا للمجتمع المدني88. لكنّ منظمات حقوق الإنسان قابلت هذه الاستراتيجية بالنقد، بداعي أنّها قدّمت تعهّدات فضفاضة وادعاءات كاذبة، حول واقع أزمة حقوق الإنسان في البلاد89. وفور انطلاق الاستراتيجية، حرصت الحكومة على مناقشتها مع مراكز البحوث وجماعات المجتمع المدني في الولايات المتّحدة90؛ الأمر الذي أظهر مرة أخرى كيفية استغلالها الإجراءات التي اتّخذتها في تلميع صورتها دوليًا، لا سيما في عيون الإدارة الأميركية. وفضلًاعن ذلك، شُكّلت لجنة الحوار الدولي عام 2021 برئاسة النائب السابق محمد أنور عصمت السادات، وعضوية عدد من البرلمانيين والإعلاميين المقرّبين من الأجهزة الأمنية، وكان هدفها البدء في سلسلة من الحوارات الدولية في العواصم الغربية مع المنظمات الدولية ومراكز البحوث وبعض المعارضين المصريين في الخارج، بهدف إقناع المجتمع الدولي بالتوجّه الإصلاحي للدولة91. وأدّى قادة اللجنة دور
الوساطة بين منظمات حقوق الإنسان المصرية والدولية والسلطات المصرية، من أجل تأمين الإفراج عن كثير من المعتقلين وسجناء الرأي البارزين. وفي تشرين الأول/ أكتوبر 2021، أعلن السيسي تعليقًا وشيكًا لحالة الطوارئ، وإعادة تشكيل المجلس القومي لحقوق الإنسان في الشهر التالي، برئاسة إحدى سيّدات السلك الدبلوماسي92. وفي آب/ أغسطس 2021، أسقطت السلطات الاتّهامات الموجّهة إلى بعض منظمات حقوق الإنسان المصرية، على ذمة القضية 173، وأعطت أعضاءها الإذن بالسفر إلى الخارج93. كما أخلت سبيل بعض الناشطين والمعارضين السياسيين والصحافيين البارزين، في الفترة نيسان/ أبريل 2021 - كانون الثاني/ يناير 2022 94. وقد أكّد بعضهم أهمية الضغوط الخارجية في تسهيل إنهاء احتجازهم، لا سيما الضغوط الفرنسية والأميركية95. وقد شكّل التدهور الاقتصادي غير المسبوق عام 2022، وتداعيات جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19-)، والحرب الروسية - الأوكرانية، مصادر ضغط إضافية أجبرت النظام على تقديم سلسلة جديدة من التنازلات، لعل أهمّها مبادرة الحوار الوطني. كما أ عيد إحياء لجنة العفو الرئاسي، في ظلّ وعود بالإفراج عن المحبوسين احتياطيًا، والعفو عن السجناء المدانين الذين يقضون عقوبة السجن96. وقد اُّتِّخ ذت هذه الإجراءات كلّها في الوقت الذي كانت فيه مصر تستعد لاستضافة مؤتمر الأمم المتحدة للتغّي ر المناخي COP27 في شرم الشيخ، في تشرين الثاني/ نوفمبر 2022، والذي جعل حقوق الإنسان في البلاد محط اهتمام المجتمع الدولي، بفضل الجهود التحضيرية التي بذلها ناشطو حقوق الإنسان المصريون وشركاؤهم الدوليون، طوال العام الذي سبق المؤتمر97. لقد ظلّت المشاركة في تحضيرات الحوار الوطني حكرًا على الأحزاب السياسية الرسمية في مصر، فضلًا عن بعض الشخصيات العامة، مع إقصاء مؤسسات المجتمع المدني المستقلّة والمعاِرِضة في الخارج. وتجاهلت الحكومة مطالب آلاف الناشطين السياسيين في مصر والخارج، الذين دعوا إلى ما سمّوه "إجراءات بناء الثقة" قبل مباشرة الحوار الوطني، لضمان الانفتاح الحقيقي للمجال العام. وحصروا مطالبهم في إعلان الحكومة خطّة شاملة ومتماسكة للإفراج عن المعتقلين والسجناء السياسيين، وإنهاء الحملة الأمنية على المجتمع المدني والأحزاب السياسية ووسائل الإعلام، والكفّ عن إحالة المدنيين إلى المحاكم العسكرية. لكنّ الحكومة تأخّرت في بدء الحوار الوطني أكثر من عام؛ الأمر الذي عكس غياب جدّيتها. وفي أثناء ذلك، روّج السيسي للمبادرة بغية تحسين صورته في الساحة الدولية، خلال التفاوض على قرض جديد من صندوق النقد الدولي، والتحضير لمؤتمر التغّي رالمناخي98. وعلى الرغم من أن لجنة العفو الرئاسي سهّلت الإفراج عن نحو 1300 معتقل وسجين سياسي حتى آذار/ مارس 2023، فإنّ عددًا هائلًامن الموقوفين وسجناء الرأي ظل خلف القضبان؛ فالاعتقال التعسّفي للناشطين السياسيين كان منتشرًا على نطاق واسع، مع استمرار صدور الأحكام بالسجن على خلفية أنشطتهم99. وذهب بعض المدافعين عن حقوق الإنسان والمعتقلين السابقين إلى أن الضغط الدولي من أجل الإفراج عن بعض المعتقلين قد ساعد في حمايتهم وضمان حصولهم على حقوقهم القانونية بوصفهم سجناء100. وهكذا ظهر أن الضغط يمكن أن يسهّل الإفراج عن المعتقلين، شرط أن يكون ماتواصل101. لكنّ العمل على قضية المعتقلين والسجناء السياسيين كان لا بد له من أن يكون انتقائيًا، بفعل الأعداد المهولة من السجناء، وعجز النظام العالمي لحقوق الإنسان عن تسليط الضوء على كل حالة على نحو منفصل. ومن هنا، لجأت المنظمات المصرية والدولية في حملاتها الدولية إلى تسليط أضوائها على حالات فردية نموذجية، لتكثيف الضغط على السلطات المصرية على نحو أفضل، وتحقيق انتصارات من شأنها توسيع المجال العام تدريجيًا102. وقد أفاد بعض معتقلي الحركة الحقوقية من التفاعلات السابقة بين منظمات حقوق الإنسان في مصر ومنظمات حقوق الإنسان ووسائل الإعلام الدولية. وأدّت أنشطة هذه الشبكات العابرة للحدود في الضغط على النظام المصري إلى الإفراج السريع عن هؤلاء المعتقلين، خوفًا من التكلفة
السياسية المرتفعة. بيد أن كثيرًا من معتقلي الإخوان المسلمين لم ينالوا الاهتمام الدولي نفسه بسبب الحساسية السياسية، وإحجام كثير من الدول الأجنبية عن مناصرة قضاياهم، فضلًاعن قضايا معتقلين آخرين103. إذًا، فضّ لت الحكومات الأجنبية، بوجه عام، تبنّي المطالب المتعلّقة بحالات اعتقال فردية محدّدة، عوضًا عن الضغط من أجل تغيير السياسات والقوانين التي يمكن أن تسهم في الحدّ من ممارسة الاعتقال التعسّفي، حرصًا منها على تلافي قضايا أكثر تعقيدًا، يتعذّر مناقشتها مع نظيرتها المصرية104.
خاتمة
أفرزت البيئة السياسية التي أعقبت الانقلاب ظروفًا شجّعت النظام الناشئ على الانخراط في انتهاكات حقوق الإنسان. وقد نُظر إلى تلك الانتهاكات بوصفها سياسات ضرورية لمواجهة المعارضين السياسيين ومناهضي الانقلاب، فضلًاعن إحباط أيّ عودة للحراك السياسي أو الاجتماعي بصورة استباقية. ومثّل النشاط العابر للحدود خيارًا استراتيجيًا لتخفيف حدّة الانتشار الواسع للقمع في البلاد. وكانت طبيعة النظام الدولي قد شهدت تحولات خلال العقد الماضي، حيث سعت أطراف متعدّدة للحدّ من فاعلية النظام العالمي لحقوق الإنسان وتقييده105، فضلًا عن تراجع الاهتمام العالمي بقيم الديمقراطية الليبرالية106؛ الأمر الذي يُعدّ سمة بنيوية مهمّة يجب مراعاتها عند تقييم استجابة النظام المصري للضغوط الدولية في مجال حقوق الإنسان، لا سيما عند مقارنتها بنتائج شبكات المناصرة العابرة للقوميات في سياقات جغرافية أخرى، خلال ثمانينيات القرن العشرين وتسعينياته والعقد الأول من القرن الحادي والعشرين. لقد استند ظهور هذا النشاط العابر للحدود واستمراره إلى رصيد الخبرة المتراكمة لحركة حقوق الإنسان في مصر وخارجها، واندماجها في النظام العالمي لحقوق الإنسان، فضلًاعن موجة الهجرة التي لجأ إليها كثير من الناشطين السياسيين والحقوقيين المصريين، وانخراطهم في النشاط العالمي لحقوق الإنسان خلال العقد الأخير. وقد نجح هذا النشاط العابر للحدود في استهداف القوة الناعمة للنظام، من خلال إثارة الغضب الأخلاقي الدولي بشأن ممارساته الداخلية؛ ما أسفر عن ردود فعل صدرت من النظام في نقاط متعدّدة على مدار الأعوام التي تغطّيها الدراسة. وقّدّم النظام تنازلات تكتيكية محدودة، بيد أنه ظل متأرجحًا عمومًا بين تلك التنازلات وسياسة الإنكار ومقاومة الضغوط التي أفرزها عمل هذه الشبكات. لكنّ السلطات كانت تفرض سيطرة صارمة على النطاق المقبول لتنازلاتها، كلما تعلّق الأمر بحقوق الإنسان. وقد نجح النظام في الحفاظ على هذا التناقض، بفعل ضعف الحراك السياسي المحلي المنظّم وتشرذمه، بعد أاعوام من القمع الواسع لسائر القوى السياسية والمجتمع المدني، فضل عن الطابع المحدود للضغوط الخارجية. وقد أدّى استمرار دعم المؤسسة العسكرية والأمنية للسيسي إلى تمكين القمع وتجديده. كما أدت الحرب الإسرائيلية على غزة، في تشرين الأول/ أكتوبر 2023، وتداعياتها الدولية والإقليمية إلى تشتيت عميق للاهتمام الدولي والمحلي بحقوق الإنسان في مصر، وتعطيل الحملات الحقوقية والضغوط الدولية عليها. وفي أوائل عام 2024، عمد شركاء مصر الدوليون والإقليميون إلى تحقيق الاستقرار في البلاد، استجابةً لأوضاعها الاقتصادية والاجتماعية المتردّية، من خلال إتاحة الحزم المالية وتيسيرها، في صورة مساعدات وقروض واستثمارات مباشرة107. إنّ تعامل الحكومة المصرية مع الضغوط والمطالب الخارجية والداخلية واستجابتها لها ينسجمان مع المنظور القائل إن الحكومات التسلّطية تتعلم مع الوقت كيف تتفاعل مع "لعبة حقوق الإنسان"108. فمن خلال تبنّيها بعض الإجراءات والتنازلات المحدودة، تسعى هذه الحكومات لأن تُظهر للمجتمع الدولي أنّ الإصلاح الداخلي جاٍرٍ على قدم وساق، فتكسب بذلك الوقت وتصرف الانتباه الدولي عن سجلّها في مجال حقوق الإنسان، وُتُحدث الانقسامات بين المعارضين. وقد تستغل هذه التنازلات في الضغط على الحلفاء الأجانب، لتغيير أولويات سياستهم الخارجية حيال حقوق الإنسان في البلاد109. وفي المقابل، ظل المدافعون المصريون عن حقوق الإنسان وشركاؤهم الدوليون يبُرزون محدودية الإصلاحات الحكومية ويفضحون افتقارها الأساسي إلى الجدّية110.
ملحق
مقابلات البحث
| الرقم | الاسم ومكان الإقامة | النشاط/ المهنة | تاريخ المقابلة وطريقتها |
|---|---|---|---|
| 1 | أحمد مفرح، جنيف، سويسرا | مدير، لجنة العدالة | أونلاين، 23 تشرين الثاني/ نوفمبر 2022 |
| 2 | محمد سلطان، واشنطن، الولايات املمتحدة | المؤسس والمدير السابق لمبادرة الحرية، معتقل سابق | أونلاين 23 كانون الثاني/ يناير 2023 |
| 3 | محمد لطفي، القاهرة، مصر | مدير المفوضية المصرية للحقوق والحريات | أونلاين، 25 تشرين الثاني/ نوفمبر 2022 |
| 4 | رامي شعث، باريس، فرنسا | ناشط سياسي وحقوقي، معتقل سابق | أونلاين، 4 كانون الأول/ ديسمبر 2022 |
| 5 | سلافة مجدي، باريس، فرنسا | صحافية وناشطة حقوقية، معتقلة سابقة | أونلاين، 14 كانون الأول/ ديسمبر 2022 |
| 6 | عمرو مجدي، برلين، ألمانيا | باحث رئيس، هيومن رايتس ووتش | أونلاين، 23 تشرين الثاني/ نوفمبر 2022 |
| 7 | حسين بيومي، بروكسل، بلجيكا | باحث، منظمة العفو الدولية | أونلاين، 7 كانون الأول/ ديسمبر 2022 |
| 8 | زياد عبد التواب، مرسيليا، فرنسا | نائب مدير، مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان | أونلاين، 1 كانون الأول/ ديسمبر 2022 |
| 9 | كريم طه، برنو، جمهورية التشيك | نائب مدير، الجبهة المصرية لحقوق الإنسان | أونلاين، 23 تشرين الثاني/ نوفمبر 2022 |
| 10 | سيث بايندر، واشنطن، الولايات المتحدة | مدير المناصرة، مشروع الديمقراطية في الشرق الأوسط | أونلاين، 13 كانون الثاني/ يناير 2023 |
المراجع
العربية
الهلالي، شريف. "لجنة العفو الرئاسي بين نصوص القانون وآليات المعهد المصري للدراسات التطبيق."..2020/8/26 فh يttps://shorturl.at/WlXPs:
الأجنبية
"22 Months in Pre-trial Detention on Charges Carrying a Life Sentence: The Penalty for a Youth Initiative to Address the Tragedy of Street Children in Egypt." Cairo Institute for Human Rights Studies (CIHRS). 3/2/2016. at: https://rb.gy/rjhjys "A Crisis by Design: The Systemic Nature of Human Rights Violations in Egypt." Mid-term UPR Report. Cairo Institute for Human Rights Studies (CIHRS). 25/1/2023. at: https://rb.gy/vl6u2z Bhatia, Luke G. G. "Intersections between the Local and Global: The Bahrain Human Rights Movement." The International Journal of Human Rights. vol. 22, no. 2 (2018). Bishara, Azmi. Egypt: Revolution, Failed Transition and Counter Revolution. London: I. B. Tauris, 2022. Brooks, Risa. "Civil-Military Relations in Sisi's Egypt." Carnegie Endowment for International Peace. 17/3/2021. at: https://rb.gy/3npf22 Brown, Nathan J. "Egypt is in a State of Emergency." Carnegie Endowment for International Peace. 13/4/2017. at: https://rb.gy/b1xj3g Brysk, Alison. "From Above and Below: Social Movements, the International System, and Human Rights in Argentina." Comparative Political Studies. vol. 26, no. 3 (1993). Butter, David. "Egypt and the Gulf: Allies and Rivals." Chatham House. 20/4/2020. at: https://shorturl.at/azDKL Canali, Sara. "How Has the Regeni Case Impacted EU- Egypt Relations?" TEPSA Brief. Trans European Policy Studies Association (February 2020). at: https://rb.gy/a7ljvk Cardenas, Sonia. Human Rights in Latin America: A Polities of Terror and Hope. Philadelphia: University of Pennsylvania Press, 2010. Chase, Anthony & Amr Hamzawy (eds.). Human Rights in the Arab World: Independent Voices. Pennsylvania: University of Pennsylvania Press, 2008. Chase, Anthony Tirado (ed.). Routledge Handbook on Human Rights and the Middle East and North Africa. London: Routledge, 2019. "Democracy Report 2022: Autocratization Changing Nature?" Democracy Report. V-Dem Institute. (2022). at: https://bit.ly/4mD6DqE "Egypt: A Repression Made in France." International Federation for Human Rights (June 2018). at: https://rb.gy/i2mph5 "Egypt: National Strategy for Human Rights a Ruse to Show International Community and Donor States That Political Reform Is Underway." Cairo Institute for Human Rights Studies (CIHRS). 15/11/2021. at: https://rb.gy/bgnfrs "Egypt in Crisis." Cairo Institute for Human Rights Studies (CIHRS). 24/2/2023. at: https://shorturl.at/jsiwq El Fegiery, Moataz. "Defending Human Rights in Egypt in a Time of Crisis." Rowaq Arabi. vol. 23, no. 2 (2018). El-Shimy. Yasser & Anthony Dworkin. "Egypt on the Edge: How Europe Can Avoid Another Crisis in Egypt." European Council on Foreign Relations (2017). at: https://rb.gy/3ctlgf Hamoud, Maher. "Egypt's Private Press and Inciting for Violence Against Journalists during the 2013 Military Coup." Rowaq Arabi. vol. 25, no. 3 (2020).
Hawkins, Darren G. International Human Rights and Authoritarian Rule in Chile. London: University of Nebraska Press, 2002. Hopgood, Stephen. The Endtimes of Human Rights. New York: Cornell University Press, 2013. Human Rights Watch. World Report 2017. Washington, DC: HRW, 2017. "Is the National Dialogue a New Attempt to Whitewash Egypt's Human Rights Record?" Cairo Institute for Human Rights Studies (CIHRS). 19/7/2022. at: https://acr.ps/1L9zS37 "Legal Commentary on Regulations of NGO Law N. 149 for 2019 on Civic Associations." Cairo Institute for Human Rights Studies (CIHRS) (2021). at: https://rb.gy/jute Mandour, Maged. "Egypt: A State Serving the Military." Open Democracy. 3/7/2020. at: https://rb.gy/3p94js Moritz, Jessie. "Bahrain's Transnational Arab Spring: Repression, Oil and Human Rights Activism." International Affairs. vol. 97, no. 4 (2021). Piazzese, Giovanni. "Egyptian Dissidents Abroad after 2013: A Comparison between Tunisia and Italy." PhD Dissertation. University of Birmingham. United Kingdom, 2022. Rand, Dafna H. & Andrew P. Miller (eds.). Re-Engaging the Middle East: A New Vision for U.S. Policy. Washington, DC: Brookings Institution Press, 2020. Risse, Thomas, Stephen C. Ropp & Kathryn Sikkink (eds.). The Power of Human Rights. Cambridge: Cambridge University Press, 1999. ________. The Persistent Power of Human Rights: From Commitment to Compliance. New York: Cambridge University Press, 2013. Rutherford, Bruce K. "Egypt's New Authoritarianism under Sisi." Middle East Journal. vol. 72, no. 2 (2018). Sayigh, Yezid. Owners of the Republic: An Anatomy of Egypt's Military Economy. Washington, DC: Carnegie Endowment for International Peace, 2019. Simmons, Beth A. Mobilizing for Human Rights. Cambridge: Cambridge University Press, 2009. "Sisi: Launching National Strategy for Human Rights Milestone in Egypt's History." State Information Service. 11/9/2021. at: https://rb.gy/hda7aj Springborg, Robert et al. (eds.). Routledge Handbook on Contemporary Egypt. London: Routledge, 2021. Steven Levitsky & Lucan A. Way. Competitive Authoritarianism: Hybrid Regimes after the Cold War. Cambridge: Cambridge University Press, 2010. Tavana, Daniel. "Egypt: Five Years after the Uprisings: Findings from the Arab Barometer." Egypt Wave 4 Country Report. Arab Barometer. 20/7/2017. at: https://shorturl.at/oquAE Wezeman, Pieter D. et al. "Trends in International Arms Transfers 2018." SIPRI Fact Sheet. Stockholm International Peace Research Institute (March 2019). at: https://shorturl.at/dxCDU Zanger, Sabine C. "A Global Analysis of the Effect of Political Regime Changes on Life Integrity Violations, 1977 - 93." Journal of Peace Research. vol. 37, no. 2 (2000).