فوق الهرم: القيمة القانونية لإعلان الاستقلال الفلسطيني في ضوء الدور السياسي للمحكمة الدستورية ***

Rashad Twam | رشاد توام ** Mahmoud Abu Sway محمود أبو صوي |

الملخّص

This study focuses on the legal status of the Palestinian Declaration of Independence (PDI) issued in 1988 by the Palestinian National Council of the Palestine Liberation Organization (PLO), in light of the Palestinian Constitutional Court 2018 decision, which granted the declaration a "supra-constitutional" status—placing it above the Basic Law issued by the Palestinian Legislative Council of the Palestinian Authority (PA). The authors characterize the legal nature of the PDI as a "Declaration of Rights" and argue that the Court, in issuing its decision, overstepped its interpretive power, deeming the decision flawed due to the political considerations behind it, aiming at enhancing the legitimacy of the PA by invoking the symbolic legitimacy of the PLO. The study comparatively showcases experiences from the United States, France, Egypt, and Algeria, revealing that none of these jurisdictions have granted Declarations of Rights a status superior to that of the constitution. The authors conclude that the Court's decision was unsound and that the PDI should be treated as a reference constitutional document, but not one that supersedes the Basic Law.

Above the Hierarchy: The Legal Status of the Palestinian Declaration of Independence in Light of the Constitutional Court's Political Role

ترّك ز هذه الدراسة على القيمة القانونية لإعلان الاستقلال الفلسطيني الصادر عام 1988 عن المجلس الوطني لمنظمة التحرير الفلسطينية، في ضوء قرار المحكمة الدستورية الفلسطينية عام 2018 بمنح الإعلان مكانة "فوق دستورية" تفوق القانون الأساسي الصادر عن المجلس التشريعي للسلطة الفلسطينية. وتكيّف طبيعته القانونية باعتباره "إعلان حقوق." وتجادل بأن المحكمة في قرارها هذا تجاوزت اختصاصها التفسيري، ما يجعله مشوبًا باعتبارات سياسية تهدف إلى تعزيز شرعية السلطة من خلال استدعاء الشرعية الرمزية للمنظمة. وتستعرض خبرات مقارنة (الولايات المتحدة الأميركية، وفرنسا، ومصر، والجزائر)، وتبيّن أن أًًّيًا منها لم يمنح إعلانات الحقوق مكانة تفوق الدستور. وتخلص إلى أن المحكمة جانبت الصواب في تعاملها مع إعلان الاستقلال، وأنه يجب اعتباره وثيقة دستورية مرجعية، غير متفوقة على القانون الأساسي.

كلمات مفتاحية: منظمة التحرير الفلسطينية، السلطة الفلسطينية، الدولة، التفسير الدستوري، إعلانات الحقوق، الوثائق الدستورية الفلسطينية.

مقدمة

ما انفكّ الدارسون يؤكدون وثاقة علاقة الدولة بالدستور؛ فما من دولة بلا دستور، سواء كان مكتوبًا أو عرفيًا، بهذا الاسم (دستور) أو بتسميات أخرى، في وثيقة واحدة أو أكثر. وقد عاصرت فلسطين موجات من الخبرات الدستورية، وعمليات "الدسترة" (صناعة المواثيق الدستورية)، خلال فترات حكمها المختلفة منذ العهد العثماني، راوحت مشاركة الفلسطينيين فيها بين العدمية والجزئية والنظرية1. وكان ذلك حتى صدور وثيقة إعلان الاستقلال عن المجلس الوطني لمنظمة التحرير الفلسطينية عام 1988 2. وعلى الرغم من أنه أقام دولة مستقلة على الورق فحسب، حتى في قناعة أعضاء المجلس لحظة الإعلان3، فإن صدوره شكّل مرحلة جديدة في السعي لبناء الدولة، ولطالما اعُتبُر إحدى أهم الوثائق "الدستورية" الصادرة عن المنظمة؛ إذ جاء ليرسم، أول مرة، "الملامح العامة للنظام السياسي - الدستوري للدولة الفلسطينية المنشودة، وليكون لهذا الحدث جملة من التبعات الرسمية كتشكيل الحكومة، وتسمية رئيس الدولة، و[لعل] الأهم من ذلك هو الشروع في صياغة دستورها." وهي العملية التي ما زالت قائمة حتى اليوم، ما بين إفاقة وإغماء4. في الطريق إلى "الدولة السيدة"، ونتيجة للتفاهمات الفلسطينية - الإسرائيلية، قامت السلطة الفلسطينية عام 1994، بوصفها ذراعًا منبثقة من المنظمة، لتتولى مهمة إدارة شؤون الأرض القائمة عليها، لمرحلة انتقالية طال أمدها؛ أخذت خلالها في العمل على تهميش حضور المنظمة، من خلال أربعة أطوار دخلت فيها العلاقة بينها، راوحت (وتدرجت أحيانًا) ما بين توريث المنظمة للسلطة، إلى التشبيك بينهما، فتضحية المنظمة لصالح السلطة، ثم تبنّي السلطة للمنظمة5، فيما جرى التعبير عنه مجازًا ب "معضلة الابن الذي تبنّى أباه"6، أو "المعادلة المقلوبة على رأسها"7. ولما كانت الوثائق الأساسية للمنظمة لم تُعَنَ بتنظيم العلاقة بين السلطات العامة المنضوية في إطار السلطة الفلسطينية، كان لا بد من سنّ وثيقة دستورية لتنظيمها؛ فعمل المجلس التشريعي على صياغة "القانون الأساسي" خلال الفترة 1995 - 1997، لكنّ الرئيس ياسر عرفات راوغ في إصداره حتى عام 2002، نتيجة للخلاف الذي كان قائمًا بين المجلس الوطني (برلمان المنظمة) والمجلس التشريعي (برلمان السلطة)، بشأن صاحب الحق بينهما في سنّ هذا التشريع؛ فكان المجلس التشريعي الذي كسب تلك الجولة8. وفي الحصيلة، نُفذ القانون الأساسي صيف 2002، وُعُدّل ربيع 2003 ثم صيف 2005 9، وما زال ساريًا حتى اليوم، بحكم عدم صدور دستور الدولة؛ حيث حدد القانون الأساسي (المادة 115) سريانه طوال المرحلة الانتقالية وحتى نفاذ الدستور. وبناء عليه، يعدّ القانون الأساسي بمنزلة دستور.10 Petite Constitution "انتقالي أو "دستور صغير كان استعمال صفة الدولة، قبل خريف 2012، يُردّ إلى رمزية إعلان الاستقلال، فتستعمل هذه الصفة مع اسم "السلطة الفلسطينية"، لكنه بات بعد ذلك التاريخ مؤَّسَسًا على اعتراف الأمم المتحدة بفلسطين دولةً بصفة مراقب11، باعتبارها "وريثةً" للسلطة، وحالّةً محلّها في الواقع. على الأقل، هذا ما توحي به ممارسات الرئاسة الفلسطينية12. في الحصيلة، يحتكم النظام السياسي الفلسطيني اليوم (بكياَنَيه: المنظمة والسلطة/ الدولة) إلى القانون الأساسي، على مستوى السلطة/ الدولة، باعتباره "قائمًا بأعمال الدستور"؛ في حين تحتكم المنظمة إلى الميثاق الوطني والنظام الأساسي13. وتأتي وثيقة إعلان الاستقلال في مكانة وسطية بين الكيانين؛ فهي من جهة صادرة عن المنظمة،

  1. دراسات في النظام الدستوري الفلسطيني ينظر: عاصم خليل، (بيرزيت: كلية الحقوق والإدارة العامة – جامعة بيرزيت، 2015)، ص 108 - .109
  2. الموسوعة التفاعلية الفلسطينية الوثيقة متوافرة على موقع: "وثيقة إعلان الاستقلال الفلسطيني: المجلس الوطني الفلسطيني 'الدورة "'19، الموسوعة التفاعلية الفلسطينية، 1988/11/15، شوهد في 2025/1/5، في https://acr.ps/1L9zSet:
  3. البحث عن الدولة ينظر: ممدوح نوفل، (رام الله: المؤسسة الفلسطينية لدراسة الديمقراطية - مواطن، 2000)، ص.199
  4. فلسطين بين دستور الدولة والحاجة إلى ميثاق وطني ينظر: عاصم خليل ورشاد توام، (البيرة: المركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الاستراتيجية - مسارات، 2014)، ص 5 -.11
  5. ينظر: رشاد توام، "لعبة القانون: تحولات العلاقة بين السلطة ومنظمة التحرير الفلسطينية"، في: دراسات في تحولات المجتمع الفلسطيني ما بعد أوسلو 1(:) الفواعل والمؤسسات الفلسطينية، أحمد عطاونة وحسين عبيد (محرران) (إسطنبول: مركز رؤية للتنمية السياسية؛ مركز الشرق للأبحاث الاستراتيجية،.)2023
  6. دبلوماسية التحرر الوطني: التجربة الفلسطينية رشاد توام، (بيرزيت: معهد إبراهيم أبو لغد للدراسات الدولية – جامعة بيرزيت، 2013)، ص.59
  7. جميل هلال، "منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية: المعادلة المقلوبة على رأسها"، السياسة الفلسطينية، العدد.)1997(16 - 15
  8. ينظر: خليل وتوام، ص 9 - .10
  9. الوقائع الفلسطينية، عدد ممتاز الوقائع الفلسطينية، 2002/7/7؛، عدد ممتاز 2، الوقائع الفلسطينية 2003/3/19؛، العدد 57،.2005/8/18
  10. هي الوثائق الدستورية التي تصدر غالبًا خلال الفترات الانتقالية، وتكون مؤقتة إلى حين صدور "الدستور الكبير"، ويكون لها قيمة الدستور. ينظر: Emmanuel Cartier, "Les petites Constitutions: Contribution à l'analyse du droit constitutionnel transitoire," Revue Française de Droit Constitutionnel , vol. 3, no. 71 (2007).
  11. أبرز ما يميز وضع المراقب من وضع العضوية أن الدولة التي تحمل الصفة الأولى لا يمكنها التصويت على القرارات. وفي الحالة الفلسطينية، فقد تطوّر وضع المراقب، منذ منحه لمنظمة التحرير بداية، ليشمل امتيازات لطالما كانت حكرًا على الدول الأعضاء، آخرها جملة امتيازات إضافية حصلت عليها في ربيع 2024. إلا أن دولة فلسطين في الأمم المتحدة ما زالت لا تملك حق التصويت، كما لا يمكنها ترشيح أشخاص لأجهزة الأمم المتحدة. ينظر: "كل ما تحتاجون معرفته عن قرار الجمعية العامة بشأن عضوية فلسطين في الأمم المتحدة"، أخبار الأمم المتحدة، 2024/5/12، شوهد في 2025/1/4، في: https://bit.ly/42xK3aY
  12. ينظر: خليل وتوام، ص 74 - .76
  13. حول الوثائق الأساسية الأخرى ولمطالعة نصوصها الكاملة، ينظر: معين البرغوثي ورشاد النظام القانوني لمنظمة التحرير الفلسطينية توام، (رام الله: معهد الحقوق - جامعة بيرزيت، 2010)، ص 44 - 48، 119 وما بعدها.

لترسم من جهة أخرى الملامح العامة للدولة المنشودة (و/ أو السلطة باعتبارها نواتها الإقليمية.) وبذلك، فهي تتمايز من وثيقة إعلان قيام المنظمة14، الأقرب إلى مفهوم "الإعلان عن الثورة" أو "حكومة المنفى" في القانون الدولي15. وفي حين يُردّ نقاش علاقة وثائق المنظمة بوثائق السلطة/ الدولة إلى جدلية العلاقة بين الكيانين16، وكان ترسيخ مبدأ "سمو الدستور" يتطلب وجود تنظيم دستوري أو قانوني للهرمية التشريعية بصورة واضحة، تفتقر إليه الحالة الفلسطينية (بحكم الفراغ والموروث التشريعَّييَن)17؛ فقد "حسمت" المحكمة الدستورية العليا الأمر، في آذار/ مارس 2018 (عقب نحو ثلاثين عامًا من صدور الوثيقة)، بموجب قرارها التفسيري رقم 2017/5 18؛ مقررةً سموّ إعلان الاستقلال على القانون الأساسي، فوضعته "فوق الهرم!" وهي التي كانت ترى - قبل نحو عام من ذلك فقط - أن القانون الأساسي هو "الأسمى والأعلى في التدرج القانوني"19، متوافقةً بذلك مع اجتهادات محكمة النقض20، من دون أن تتطرق كلتاهما إلى قيمة إعلان الاستقلال. بالعودة إلى الأطوار الأربعة التي دخلت فيها العلاقة بين المنظمة والسلطة، وفي ضوء التحذير من طور خامس، يتمثل في استنجاد السلطة (في ظل انتهاء شرعيتها الانتخابية منذ أكثر من 15 عامًا) بالشرعية التاريخية والرمزية للمنظمة (وهي أيضًا تفتقر إلى الشرعية الانتخابية منذ تأسيسها)، بإحلال مؤسسات المنظمة (لا سيما المجلس المركزي) مقام مؤسسات السلطة (لا سيما المجلس التشريعي)21، في سياق استمرار تهرّب السلطة من إجراء انتخابات عامة وإصلاحات مؤسساتية، وإمعانًا في مصادرة حق الشعب في المشاركة السياسية22، وفي ضوء الدور المرجّح أن تضطلع به المحكمة الدستورية في إسباغ الشرعية على عملية الاستنجاد هذه، بحكم ضعف استقلاليتها (تبعًا لآلية تشكيلها على الأقل)23، وقياسًا على خبرتها السابقة في دعم مصالح النظام، قبالة التفريط في أيّ مصالح أخرى24؛ تأتي هذه الدراسة لتتناول القيمة القانونية لوثيقة إعلان الاستقلال25، نظريًا وبالمقاربة مع تجارب عربية وغربية (المبحث الأول)، وأثرها في توسيع "الكتلة الدستورية"26، سواء في ظل القانون الأساسي الحالي، أو ما هو متوقع عقب صدور الدستور، وما يطرحه ذلك من تعارض بين النصوص الدستورية وتوسيع دور المحكمة الدستورية، لتؤدي دورًا سياسيًا (المبحث الثاني.) تتعزز أهمية هذا الموضوع، إضافة إلى أهميته الذاتية، بالسياق الزمني القائم، في ظل عودة الحديث عن مكانة المنظمة بعد حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة والمطالبة بإعادة بنائها، ونقاش الحاجة إلى وجود قيادة فلسطينية جامعة وموحدة، وقادرة على التعامل مع الأزمات، في واقع سياسي متشرذم. بناءً عليه، فإن تسليط الضوء على المكانة القانونية لأهم وثيقة دستورية صادرة عن المنظمة، ومعالجة مسألة مكانتها ضمن الهرمية التشريعية، سيشّكلّان، من جهة، أساسًا ومرجعًا لأيّ توجهات تتعلق بإعادة بناء المنظمة. ومن جهة أخرى، تساهم محاولة ربط توجّه المحكمة الدستورية، في سياق تحديد مكانة وثيقة إعلان الاستقلال بالدور السياسي لهذه المحكمة، في التنبؤ بطبيعة الدور الذي من الممكن أن تؤديه مستقبلًافي إطار حماية النظام السياسي خلال الأزمات السياسية – الدستورية، لا سيما أن تقرير المحكمة لقيمة الإعلان جاء هامشيًا، ضمن قرار أوسع موضوعًا بشأن آلية إنفاذ الاتفاقيات الدولية التي انضمت إليها فلسطين منذ عام 2014، في ظل عدم تنظيم القانون الأساسي لتلك الآلية. وقد ساهم اجتهادها، في هذا الخصوص، في تعميق أزمة دستورية بدلًامن حلّها! وهي المسألة

  1. ينظر نصه في: المرجع نفسه، ص.119
  2. ينظر: عبد الفتاح عبد الرزاق محمود، الإعلان عن الدولة: دراسة تأصيلية وتحليلية في القانونين الدولي العام والدستوري (عّم ان: دار دجلة، 2010)، ص 101 - 105، 125 - .127
  3. لن تخوض الدراسة في هذا إلا بالقدر اللازم، وللتوسع فيه، ينظر: توام، "لعبة القانون."
  4. ينظر: إبراهيم الدغمة وكميل منصور وأنيس قاسم (مشرفون)، دليل الصياغة التشريعية (رام الله: ديوان الفتوى والتشريع؛ معهد الحقوق بجامعة بيرزيت،)2000،
  5. الوقائع الفلسطينية، العدد 141، 2018/3/25، ص 87 - .100
  6. الوقائع الفلسطينية القرار التفسيري ")2016/5(،، العدد 129، 2017/2/5، ص 92 -.101
  7. ينظر: نقض جزاء)2010/7(، 2011/9/15؛ نقض جزاء)2010/110(،.2011/3/10
  8. وهو التوجس الذي يُقرأ ضمن جملة من المؤشرات الأخرى الدافعة في اتجاه هذا الفهم، والتي ستعرض لها الدراسة لاحقًا.
  9. ينظر: توام، "لعبة القانون"، ص 351 - .358
  10. ينظر: رشاد توام وعاصم خليل، "القضاء الدستوري في المنطقة العربية: أثر آليات تشكيل المجلة الدولية للقانون المحاكم الدستورية الجديدة على استقلاليتها"،، مج 14، العدد 1.)2025(
  11. ينظر: رشاد توام وعاصم خليل، "الوظيفة المزدوجة للقضاء الدستوري في الأنظمة سياسات عربية السلطوية والتجربة الفلسطينية"،، مج 11، العدد 64 - 65 (تشرين الثاني/ نوفمبر.)2023 25 وفقًا لمقاربات القانون الدستوري، وليس القانون الدولي. ينظر في التمييز بين وجهَتَي الإعلان الدولية والداخلية: محمود، ص.91
  12. منهجية البحث القانوني وأصوله ص 27-25؛ عاصم خليل، (رام الله: دار الشروق،)2012، ص .78-77
  13. بالفرنسية constitutionnalité de Bloc، وتعني مجموعة النصوص أو القواعد "ذات القيمة الدستورية." للتوسع، ينظر: أوليفيه دوهاميل وإيف ميني، المعجم الدستوري، ترجمة منصور القاضي (بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع،)1996، ص 1015-1013؛ أمين صليبا، دور القضاء الدستوري في إرساء دولة القانون: دراسة مقارنة (طرابلس، لبنان: المؤسسة الحديثة للكتاب، 2002)، ص 244-241؛ يوسف حاشي، في النظرية الدستورية (وهران: ابن النديم للنشر والتوزيع؛ بيروت: منشورات الحلبي الحقوقية،)2009، ص 319 وما بعدها.

التي لا تُعنى بها هذه الدراسة27، بل تركّز على الجزئية المتعلقة بقيمة الإعلان ومكانته في الهرمية التشريعية. قامت الدراسة على أدوات البحث المكتبي أساسًا، لكنّ الباحَثيَن - وفي مرحلة متقدمة من البحث - وجدا أن ثمة حاجة إلى الاستماع إلى قضاة المحكمة الدستورية حول دواعي اتخاذهم هذا القرار، فأجريا مقابلة وجاهية جماعية مع سبعة منهم28. وبغضّ النظر عن الموقف الناقد الذي يتبنّاه الباحثان، في هذه الدراسة وغيرها، لتوجهات المحكمة، فإنهما يقدّران حفاوة الاستقبال وتعاون قضاة المحكمة في إجراء المقابلة.

أولًا: النظرية العامة لإعلان الاستقلال

لا ينفي عدم تسمية الوثيقة الدستورية ب "الدستور" اعتبارها دستورًا، لكون العبرة تكمن في محتواها وسموّها على التشريعات العادية، وليس في تسميتها؛ فالقانون الأساسي للسلطة الفلسطينية دستور، وإن ارتأى المشرّع الدستوري تسميته ب "القانون الأساسي"29، أو كانت فلسطين لم تتمتع بالسيادة بعد30. وُتُظهر مطالعة اجتهادات القضاء الدستوري الفلسطيني المرادفة، بين مفردَت ي "الدستور" و"القانون الأساسي"، ما يفيد إقراره بصفة الدستور للقانون الأساسي31. وحتى على المستوى اللغوي، فلفظ "القانون الأساسي" "أقرب للعربية الفصحى من لفظ الدستور"32، وإن كانت المسألة تتعدى المقاربة اللغوية. إضافة إلى ذلك، لا يقتصر مفهوم الدستور أو الوثيقة الدستورية دائمًا على وثيقة واحدة في الدولة؛ فعدد من الدول تبنّى أكثر من وثيقة في الوقت ذاته33. وفي ضوء ذلك، فإن تسمية وثيقة إعلان الاستقلال بهذا الاسم (وليس دستورًا)، ووجودها قبالة القانون الأساسي حاليًا، ودستور الدولة مستقبلًا، لا ينفيان عنها، من حيث المبدأ، إمكانية اعتبارها ذات قيمة دستورية. يتناول الجزء الثاني من هذا المبحث الجدل حول هذه المسألة، ولكنّ ثمة مقتضى موضوعيًا ومنهجيًا يتطلب الخوض في الطبيعة القانونية للوثيقة ابتداء، وهذا ما يُعنى به الجزء الأول.

الطبيعة القانونية لإعلان الاستقلال بالمقاربة مع إعلانات الحقوق

تُدرج أدبيات القانون الدستوري عادةً، في استعراضها لمصادر القاعدة الدستورية، "إعلانات الحقوق"34 أو "النصوص الإعلانية"35 ضمن أول تلك المصادر، المتمثل في الوثيقة الدستورية؛ فهل إعلان الاستقلال بمنزلة إعلان حقوق؟ (الفرع ب)، وقبل ذلك: ما إعلانات الحقوق؟ (الفرع أ.)

أ. ماهية إعلانات الحقوق

تُعرف إعلانات الحقوق بكونها "الوثائق التي تسجّل فيها الثورات أصولها الأيديولوجية الجديدة، وما يجب أن يسود في المجتمع الجديد من مبادئ سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية حتى يكون واضحًا أمام الجميع ما يطبّقه النظام الجديد وما يستلهمه من فلسفات"36. ويسََّجَل فيها "ما للفرد من حقوق وما عليه من واجبات حتى تسود الثقة والاستقرار بين الفرد والجماعة"37. ويكون لإعلانات الحقوق "في الحياة السياسية للأمة مكانة خاصة. فهي تمثّل التزامًا وعهدًا

  1. ينظر بخصوصها: توام وخليل، "الوظيفة المزدوجة"، ص 40-38؛ وللتوسع، ينظر: رشاد توام وعاصم خليل، "إنفاذ الاتفاقيات الدولية في فلسطين: الإشكاليات القانونية والحلول الدستورية"، سلسلة أوراق عمل بيرزيت للدراسات القانونية، العدد 1 / 2019، وحدة القانون الدستوري، جامعة بيرزيت (كانون الثاني/ يناير 2019)، شوهد في 2025/1/11، فh يttps://acr.ps/1L9zRDp:
  2. جريت المقابلة في مقر المحكمة الدستورية في رام الله في أ 17 أيار/ مايو 2023، الساعة 12:50-11:00. وقد تحدّث خلالها على نحو أساسي ثلاثة قضاة كانوا ضمن الهيئة الحاكمة المصدرة للقرار، وهم: محمد الحاج قاسم (رئيس المحكمة والهيئة)، وعبد الرحمن أبو نصر، وحاتم عباس. وبحضور أربعة قضاة آخرين كانت لديهم فرصة للتدخل أو التعقيب لو أرادوا؛ اثنان منهم كانوا ضمن الهيئة الحاكمة ذاتها: أسعد مبارك وفتحي أبو سرور، أما الآخران فهما قاضيان جديدان: عبد الناصر أبو سمهدانة وعدنان أبو وردة. فضّ ل الباحثان إجراء مقابلات منفردة مع القضاة المشاركين في الهيئة الحاكمة، إلا أن المقابلة كانت جماعية بناء على تفضيل رئيس المحكمة.
  3. وهي التسمية ذاتها للدستور الألماني الساري Grundgesetz(= قانون أساسي.)
  4. ينظر حول عدم وجاهة شرط السيادة: خليل وتوام، ص 19-15؛ إبراهيم عبد العزيز دراسات في النظام الدستوري اللبناني شيحا، (بيروت: الدار الجامعية للطباعة والنشر،)1980، القانون الدستوري والنظام السياسي في لبنان ص 17-16؛ محمد المجذوب،، ط  4 (بيروت: منشورات الحلبي الحقوقية، 2002)، ص.49
  5. سواء على مستوى المحكمة الدستورية الحالية، أو سلفها (المحكمة العليا بصفتها الدستورية.) ينظر القرارات في الطعون بالأرقام التالية:)2007/3(،)2011/1(،)2017/5(، الوقائع الفلسطينية 2018/1(2019/17()، و)، المنشورة (على التوالي) في أعداد:، العدد 117، 2016/1/24؛ الوقائع الفلسطينية، العدد 119، 2016/4/29؛ الوقائع الفلسطينية، العدد الوقائع الفلسطينية 145، 2018/7/26؛، العدد 149، 2018/11/28؛ الوقائع الفلسطينية،
  6. النظام الدستوري في الجمهورية العربية المتحدة محمود حلمي،، ط 2 (القاهرة: دار الفكر العربي، 1967)، ص 59 - .60
  7. النظرية العامة للقانون الدستوري ينظر: رمزي طه الشاعر،، ط 5 (القاهرة: دار النهضة العربية، 2005)، ص 123-121؛ علي يوسف الشكري، الوسيط في فلسفة الدستور (بيروت: منشورات زين الحقوقية، 2017)، ص.38
  8. ينظر مثلًا: الشكري، ص 33 وما بعدها؛ الشاعر، ص 138 وما بعدها؛ حسن البحري، القانون الدستوري: النظرية العامة (نابلس: دار الشامل للنشر والتوزيع، 2019)، ص 77 وما بعدها.
  9. ينظر مثلًا: حاشي، ص 302 - .304
  10. الشاعر، ص 240؛ وينظر: شيحا، ص.43 37 البحري، ص.85
  11. العدد 159،.2019/9/18

تضربه الأمة على نفسها ليكون شاهدًا على لحظة مهمة في حياتها." ولذلك، عادة ما "تشكّل مرجعيات مباشرة للمؤسس الدستوري[...] [و] مصادر دستورية للقاضي الدستوري"38. وفي ضوء ما سبق، فإن إعلانات الحقوق تتمايز من ضمانات الحقوق؛ ففي حين تأتي الأولى غالبًا مستقلة ماديًا وزمنيًا، على شكل "عرض فلسفي" عّب رعنه البعض بمصطلح "الدستور الاجتماعي"39، فإن الثانية "عبارة عن نصوص يتضمنها الدستور"، ضمن مواده، ولا جدال حول إلزامها القانوني40. ويتضح هنا أن الباحَثيَن، على خلاف مسلك باحثين آخرين41، يأخذان بمفهوم مادي ضيّق لإعلان الحقوق، بما لا يشمل المواد التي تنص على حقوق الإنسان وحرياته ضمن متن الدستور. عادة ما تستشهد الأدبيات بجملة من الأمثلة على إعلانات الحقوق، التي يبقى أشهرها إعلان حقوق الإنسان والمواطن (فرنسا،)1789، وإن لم يكن أقدمها؛ إذ سبقه تاريخيًا: العهد العظيم (بريطانيا، وإعلان فرجينيا للحقوق (الولايات 1215 المتحدة)،،)1776، وغيرهما42. ومن إعلانات الحقوق العربية التي تشير إليها بعض الأدبيات: ميثاق العمل الوطني المصري 1962()، والميثاق الوطني الجزائري)1976(43، ومواثيق جزائرية أخرى، أبرزها ميثاق السلم والمصالحة الوطنية)2005(44. تشترك الإعلانات الغربية الثلاثة في أسلوب الصياغة المتمثل في ديباجة مقتضبة تليها جملة من المواد المرقمة. من حيث آلية السّن، فقد سنّت الجمعية الوطنية (إحدى غرفَتَي البرلمان) الإعلان الفرنسي، في حين صدر الإعلان البريطاني عن الملك، وجرى تبنّي الإعلان الأميركي خلال جلسة للمؤتمر التأسيسي في ولاية فرجينيا. وأما من حيث المضمون، فالإعلانات ثلاثتها نصّت على جملة من الحقوق والحريات، بتبايٍنٍ من حيث مدى عالميتها؛ حيث بقي الإعلان الفرنسي أكثرها عالمية. وهذا ما يجعله أشهرها، والمصدر الذي استوحى منه عدد من المواثيق الدولية أحكامها، كالإعلان العالمي لحقوق الإنسان45. لا يُعتبر الإعلان الأخير إعلان حقوق، وفقًا للمفهوم الذي تُعنى به الدراسة؛ فهو ميثاق دولي وليس وطنيًا. وإن كان هنالك من يدرجه فقهيًا (ومواثيق دولية أخرى) ضمن "النصوص الإعلانية"، باعتباره صنفًا ثانيًا (النصوص الدولية) في مقابل صنف "النصوص الوطنية"46. ويخرج من المفهوم أيضًا الإعلانات الدستورية وفقًا للخبرة المصرية على سبيل المثال؛ إذ هي تشريعات دستورية انتقالية خبرتها البلاد، باعتبارها "دساتير صغيرة" توازي في قيمتها الدستور، وتسري عادة ما بين دستور ساقط وآخر جديد47.

ب. وثيقة إعلان الاستقلال إعلان حقوق

لا تشير أدبيات القانون الدستوري (العربية خصوصًا) إلى وثائق إعلان الاستقلال بهذا الاسم الصريح، بل يستشهد بعضها بالإشارة إليها باعتبارها أمثلة على إعلانات الحقوق؛ إلا أن أًّيًا منها لم يستشهد بالإعلان الفلسطيني أو بإعلان استقلال آخر لأيّ دولة عربية باعتباره إعلان حقوق48؛ في حين نجد كثيرًا منها يستشهد بإعلان الاستقلال الأميركي)1776(49. بل هناك من يرى أن "منظومة إعلانات الحقوق" قد "اسُتُلهمت" من إعلان الاستقلال الأميركي، وإن كان "ليس بالمعنى الحقيقي إعلانًا للحقوق"50. وعلى صعيد الأدبيات والدراسات الفلسطينية، نجد أن منها ما أشار إلى وثيقة إعلان الاستقلال الفلسطيني باعتبارها ذات مكانة دستورية، من دون الخوض في طبيعتها ومكانتها في الهرمية التشريعية

  1. حاشي، ص 302 - .303
  2. القانون الدستوري والمؤسسات السياسية ينظر: أندريه هوريو،، ج 1، ترجمة علي مقلد وشفيق حداد وعبد الحسن سعد، ط 2 (بيروت: الدار الأهلية للنشر والتوزيع،)1977، ص 282-279؛ حاشي، ص.26
  3. ينظر: حاشي، ص 26، 390 - 391،.403
  4. أثر الثورة على الدساتير في الفقه الدستوري المقارن مثل: كمال وه رتي، (الإسكندرية: المكتب الجامعي الحديث، 2020)، ص .279
  5. ينظر مثلًا: الشاعر، ص 243-240؛ الشكري، ص 42-41؛ البحري، ص 86-85؛ مصطفى أبو زيد فهمي، النظام الدستوري للجمهورية العربية المتحدة (الإسكندرية: دار المعارف، 1966)، ص 186 - .189
  6. ينظر بخصوص الميثاقين: الشاعر، ص 247-244؛ وبخصوص الميثاق المصري: فهمي، قضاء الدستورية: القضاء الدستوري في مصر ص 203-202؛ عادل عمر شريف، (القاهرة:].[د. ن، 1988)، ص.179
  7. ينظر: حاشي، ص 303-302؛ عبد الرحمن لحرش، "معالجة الأزمة الجزائرية في ظل مجلة الحقوق الميثاق من أجل السلم والمصالحة الوطنية"،، مج 31، العدد 4)2007(، ص 503 - .509
  8. النظم السياسية والدستور اللبناني ينظر: محسن خليل، (بيروت: دار النهضة العربية، 1975)، ص 325؛ البحري، ص 86 - .87
  9. ينظر: حاشي، ص 303-302؛ شريف، ص.179
  10. ينظر حولها: رشاد توام، "خطوة إلى الخلف: تداعيات الهندسة الدستورية للانتقال سياسات عربية على العملية التأسيسية في مصر وتونس"،، مج 9، العدد 52)2021(، ص 43-42؛ مع ذلك، هنالك من يشير إلى إعلان استقلال جيبوتي جاء باسم "إعلان دستوري"، ينظر: محمود، ص.94
  11. باستثناء: محمود، ص 96-94؛ حيث أشار أيضًا إلى إعلاني استقلال الأردن وجيبوتي.
  12. ينظر مثلًا: الشكري، ص 42؛ البحري، ص 86؛ الشاعر، ص 241؛ حاشي، ص 302؛ نعمان الوسيط في النظم السياسية والقانون الدستوري الخطيب،، ط 7 (عمان: دار الثقافة،)2011، القانون الدستوري والنظم السياسية المقارنة ص 542؛ سعيد بوالشعير،، ج 1، ط 12 (الجزائر: ديوان المطبوعات الجامعية، 2013)، ص 168؛ لمطالعة وثيقة إعلان الاستقلال الأميركي، ينظر: موقع وزارة الخارجية الأميركية، شوهد في 2025/1/11، في: https://bit.ly/3Yy2j1w
  13. المؤسسات السياسية والقانون الدستوري موريس دوفرجيه،، ترجمة جورج سعد، ط 2 (بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر؛ الشبكة العربية للأبحاث والنشر،)2014، ص.157

قبالة القانون الأساسي ومشروع دستور الدولة51. وُيُستثنى من هذه القاعدة مقالة سياسية وصفت الإعلان الفلسطيني بأنّه "وثيقة فوق دستورية"، عرضيًا من دون المحاجّة في هذه المسألة52. يدّعي الباحثان أن وثيقة إعلان الاستقلال الفلسطينية تأخذ طبيعة إعلان الحقوق53؛ وذلك لاعتبارين: الأول، قياسًا على اعتبار الفقه الدستوري لإعلان الاستقلال الأميركي إعلان حقوق؛ والثاني، في ضوء محتوى الإعلان الفلسطيني، مقارنةً بإعلانات الحقوق المشهورة بهذه الطبيعة و/ أو الاسم.

فيما يتعلق بالاعتبار الأول، وبالمقارنة بين وثيقَتَي إعلان الاستقلال الأميركية والفلسطينية، يلاحظ أن كلتيهما تُعرفان بإعلان استقلال، وصدرتا عن هيئة هي بمرتبة جمعية وطنية، وصيغتا بالأسلوب ذاته تقريبًا؛ حيث لم تجر صياغتهما في مواد مرقّمة، بل في أسلوب أدبي، أبدع فيه صائغه الفرد54. وهذه الصيغة هي إحدى أبرز سمات إعلانات الاستقلال التي يحرص واضعها على أن تكون "بليغة ومؤثرة ومقنعة للرأي العام العالمي"55. أما فيما يتعلق بالاعتبار الثاني، وبالإشارة إلى المقارنة السابقة بين إعلانات الحقوق الثلاثة المشهورة بهذه الصفة/ الطبيعة (الفرنسي والبريطاني والأميركي)، يلاحظ أن إعلاَن يالاستقلال الأميركي والفلسطيني قد توافقا معها، باستثناء أسلوب الصياغة؛ ففي حين صيغت الإعلانات الثلاثة على شكل مواد مرقّمة، صيغ إعلاَنَا الاستقلال الأميركي والفلسطيني في فقرات من دون ترقيم56. ومعلوم أن أسلوب الصياغة لا يسبغ نصًا غير تشريعي صفَةَ التشريع، ولا ينزع عن نص تشريعي هذه الصفة. وبناء عليه، فإن إعلان الاستقلال الفلسطيني – أسوة بالأميركي - إعلان حقوق، ويأخذ طبيعته.

2. القيمة القانونية لإعلانات الحقوق بين الجدل والاجتهاد

بعد أن انتهى الجزء الأول من هذا المبحث إلى اعتبار إعلان الاستقلال إعلان حقوق، يتناول هذا الجزء الجدل حول قيمته القانونية باعتباره يحظى بتلك الطبيعة. وقد خاض الفقه مطولًافي هذا الجدل على المستوى النظري العام (الفرع أ)، حتى بعد اجتهادات القضاء الدستوري لحسم هذا الجدل في عدد من التجارب الغربية والعربية (الفرع ب.)

أ. الجدل الفقهي العام حول القيمة القانونية لإعلانات الحقوق

يلاحظ بدايةً أن بعض الباحثين يجمعون، وأحيانًا يخلطون، في تناولهم ما بين إعلانات الحقوق ومقدمات الدساتير57، على الرغم من وجود فارق مادي أساسي بينهما؛ ففي الوقت الذي تكون فيه الأولى في وثيقة مستقلة عن الدستور، تكون الثانية جزءًا ماديًا من وثيقة الدستور ذاتها58. وربما يكون السبب في ذلك التأثر بما درجت عليه الأدبيات، لا سيما العربية، في تناولهما ضمن تفريعة واحدة، لوجود قواسم مشتركة بينهما فيما يتعلق بالمضمون الحقوقي، وحتى أبعاد الجدل الفقهي. أو ربما تأثرًا بحادثة إقرار المجلس الدستوري الفرنسي للقيمة الدستورية لإعلان حقوق

  1. ينظر: البرغوثي وتوام، ص 37، 48-47؛ خليل وتوام، ص 5، 52؛ عبد الملك الريماوي، النظم السياسية والقانون الدستوري: التجارب الدستورية السابقة واللاحقة لوثيقة الاستقلال الوطني الفلسطيني (القدس: [د. ن].، 2009)، ص 203؛ فتحي الوحيدي، التطورات الدستورية في فلسطين مع شرح المبادئ الدستورية العامة، ج 1 (غزة: مطابع موسوعة المصطلحات والمفاهيم الفلسطينية المقداد، 2004)، ص 587-586؛، محمد اشتية (محرر) (البيرة: المركز الفلسطيني للدراسات الإقليمية، 2009)، ص.66
  2. ينظر: عبد الكريم البرغوثي وطلال عوكل، "المحددات والدلالات السياسية للدستور الفلسطيني"، في: نادر سعيد وعبد الكريم البرغوثي وأيمن عبد المجيد، الدستور الفلسطيني ومتطلبات التنمية البشرية: أبحاث وأوراق عمل (بيرزيت: برنامج دراسات التنمية - جامعة بيرزيت، 2004)، ص.29
  3. سبقهما إلى ذلك من دون تقديم محاجّة: الوحيدي، ص 598؛ في المقابل هناك من أشار سريعًا، من دون محاجّة أيضًا، إلى أن إعلانات الاستقلال قد تكون شكلًامن أشكال "الديباجة" Preamble، على الرغم من كونها تأتي منفصلة عن الدستور، ينظر: Liav Orgad, "The Preamble in Constitutional Interpretation," International Journal of Constitutional Law , vol. 8, no. 4 (2010), p. 716.
  4. صاغ الإعلان الفلسطيني الشاعر محمود درويش، بعد فشل اللجنة القانونية في المجلس الوطني في تقديم صيغة لائقة. وترجمه إلى الإنكليزية الأكاديميان إدوارد سعيد وإبراهيم أبو لغد. ينظر: نوفل، ص 161، 180، 188؛ موسوعة المصطلحات والمفاهيم
  5. محمود، ص.95
  6. إلا أن إعلانات استقلال أخرى جاءت في مواد متسلسلة، ينظر: المرجع نفسه، ص 94 - .96
  7. ممن لاحظوا هذا الخلط أيضًا: الخطيب، ص.544 58 ينظر حول جدل قيمة مقدمات الدساتير: رشاد توام، "بطل الرواية: الدين في مقدمات مجلة الحقوق الدساتير وأثره على ضوء جدل قيمتها القانونية"،، مجلس النشر العلمي – جامعة الكويت (قيد النشر.)
  8. الفلسطينية، ص 66؛ أما الإعلان الأميركي، فصاغه توماس جفرسون (أحد الآباء المؤسسين الوسيط في القانون الدستوري العام للدولة والرئيس الثالث لها.) ينظر: إدمون رباط،، مج 1 (بيروت: دار العلم للملايين، 1968)، ص.435

الإنسان والمواطن؛ إذ كان ذلك من خلال إقراره بالقيمة الدستورية لمقدمة الدستور المحيلة إلى ذلك الإعلان. وهو ما سيتعرض له الفرع (ب.) اختلف الفقهاء في تحديد القيمة القانونية لإعلانات الحقوق، فتفرقوا إلى ثلاثة اتجاهات أساسية (الشكل 1)، متأثرين في الغالب بالجدل الفقهي الفرنسي59: ينكر الأول)1(60، جملة وتفصيلًا، أّي قيمة قانونية للإعلانات؛ معتبرًا إياها أنها "مجرد مبادئ فلسفية وأخلاقية ليست لها قيمة قانونية"، ولا تحتوي على "قواعد قانونية محددة صالحة للتطبيق بذاتها"61؛ ذلك أنها "تفتقد إلى الوضوح وتتسم بالغموض وعدم التحديد"62، "ولا يغّي رمن ذلك صدور هذه النصوص عن الشعب أو ممثليه؛ إذ لو أراد الشعب أن يضع قواعد قانونية ملزمة للسلطات العامة في الدولة لأودعها في الدستور"63. ويغالي هذا التوجه في تنكّره لما للهيئات التي تضع

اﻟﺪﺳﺘﻮر

إعلانات الحقوق من صفة تأسيسية64. وفي ما يبدو رًّدًا على هذا الانتقاد، يرى بعض أنصار هذا الاتجاه أن "الإعلانات غالبًا ما تصدر تحت تأثير هزات سياسية عنيفة، فيكون فيها اندفاع ينقصه التدبر والتروي"65. أما الاتجاه الثاني 2()، فيتفق روّاده على الإقرار للإعلانات بالقيمة القانونية، ليتفرقوا تاليًا في تحديد درجتها، نسبة إلى درجة سمّو الدستور (أسمى منه/ موازية له/ أدنى منه.) ويؤسس المقرّون بسمّو الإعلان على الدستور 2(/أ) منطلقاتهم باعتبار الإعلانات بمنزلة "دستور الدساتير"، لتعبيرها "عن الإرادة العليا للأمة، وتتضمّن[ها] المبادئ الأساسية الدستورية المستقرة في الضمير الإنساني العالمي"، بما يوجب "أن تقيّد المشرّع الدستوري والمشرّع العادي على حد سواء"66. لكن يؤخذ على هذا التوجه تأثره بأفكار منظّري الثورة الفرنسية، في إخلاله بمبدأ تدرج التشريعات، إضافةً إلى "تعارضه مع المنطق"، لصعوبة تصور أن السلطة التأسيسية الأصلية التي وضعت كلًامن الإعلان والدستور، كانت إرادتها في الحالة الأولى أعلى من الحالة الثانية، وعدم تبريره الأساس الذي "تكون [عليه] إرادتها بالأمس مقيدة لإرادتها اليوم"67. وذلك قائم على اعتبار أن السلطة التأسيسية واحدة، وإن تبدلت الهيئة المضطلعة بها؛ فكيف نقرّ بقبول هيئة جديدة ضمنيًا بوجود نص أسمى من نصها أو إرادة تعلو إرادتها، ما لم تعّب رعن ذلك صراحة (كالتجربة الجزائرية التي سيشار إليها لاحقًا.)

الشكل)1(الاتجاهات الفقهية في تحديد القيمة القانونية لإعلانات الحقوق

2/أ 2/ب

اﻟﻘﻮاﻧ 

2/ج 2/د

اﻟﺘﴩﻳﻌﺎت اﻟﺜﺎﻧﻮﻳﺔ

3/أ

اﻟﺘﴩﻳﻌﺎت اﻟﺘﻨﻔﻴﺬﻳﺔ

3/ب

اﻻﺗﺠﺎﻫﺎت

اﻟﻬﺮﻣﻴﺔ اﻟﺘﴩﻳﻌﻴﺔ

أما الذين يوازون بين الإعلانات والدساتير 2(/ب)، فيؤسسون منطلقهم على "حجة تاريخية تتمثل في أن إعلانات الحقوق قد اعُتبُرت في أواخر القرن الثامن عشر[...]جزءًا من الأنظمة الدستورية"، مستشهدين بالتجربة الفرنسية التي ضمت و/ أو أشارت دساتيرها إلى إعلان حقوق الإنسان والمواطن، والتجربة الأميركية التي ألحقت بدستورها عشرة تعديلات رزمة واحدة، عام 1791، عُرفت ب "لائحة الحقوق"، و"اعتبرت بمثابة إعلان للحقوق." وفي الاتجاه ذاته، هناك

  1. Abdoulaye Diarra, Démocratie et droit constitutionnel dans les pays francophones d'Afrique noire: Le cas du Mali depuis 1960 (Paris: Karthala, 2010), p. 46.
  2. يجري ترقيم الاتجاهات والاتجاهات الفرعية لغايات التبسيط في الشرح، وتيسير الإحالة إلى هذه الاتجاهات باختصار لاحقًا.
  3. الشاعر، ص.253
  4. البحري، ص.88
  5. القضاء الإداري ماجد راغب الحلو، (الإسكندرية: دار المطبوعات الجامعية،)1995، ص.28
  6. ينظر: فهمي، ص.196
  7. الحلو، ص.28
  8. الشاعر، ص 254-253؛ وينظر: البحري، ص 89-88؛ شريف، ص 180 - .181 ﻣﻔﺘﺎح اﻟﺮﻣﻮز ﻣﻔﺘﺎح اﻷﻟﻮان الجهة التي تسن الت يع: وثيقة ا عن)اتجاهات فقهية  ادبيات(السلطة التأسيسية وثيقة ا عن)مستلهم من الخ†ة الجزائرية(السلطة التيعية النصوص القانونية  الوثيقة السلطة التنفيذية إنكار القيمة القانونية المصدر: من إعداد الباحَثيَن.
  9. فهمي، ص 196-194؛ شيحا، ص 45-44؛ المجذوب، ص 100؛ خليل، النظم السياسية، ص.327

من أسسوا منطلقاتهم على فكرة المساواة في القيمة بين الدستوَرَين السياسي والاجتماعي68. وعلى الرغم من الوجاهة الأولية لظاهر هذا الطرح، فإن منطلقاته غير قويمة بالاستشهاد بالتجربتين الفرنسية والأميركية، اللتين سيجري تناولهما على نحو أوسع لاحقًا؛ فالتجربة الفرنسية وليدة بيئتها، وفيها كان المؤسس من اتخذ هذا التوجه، وبناء عليه استمد الإعلان قوته من الدستور ذاته69. أما التجربة الأميركية، فالتعديلات العشرة الأولى، وإن سُميت "لائحة الحقوق"، فهي ليست إعلان حقوق وفقًا لوصفه الدقيق (بالأخص شكليًا باعتباره وثيقة مستقلة في الأساس)70، بل هي بمنزلة تدارك من المؤسس للتنصيص على الحقوق في الدستور (عقب سنتين من إقراره)، في ضوء عوامل تاريخية (آنيّة حينها)، لها علاقة بالسعي للوصول إلى إجماع الولايات على الدستور الفدرالي71. ومن ثّم،ّ فهي "ضمانات حقوق" وليست إعلان حقوق72. ولذلك تتصف هذه التعديلات بأنها ذات طابع "قضائي بحت" و"واقعي"73. أما المقاربة ما بين الدستوَرَين السياسي والاجتماعي، فهي محض مقاربة فلسفية غير منتجة، وإن كان هناك من يرى وجاهةً في الموازاة بين "الدستورين"74. ولعل لأنصار هذا الاتجاه مبررًا وحيدًا نعتبره متماسكًا هو أن الدستور والإعلان صادران "من النبع ذاته، ألا هو إرادة السلطة التأسيسية"75، ومن ثم يتمتعان بالقوة ذاتها. وأخيرًا، فإن الاتجاه الداعي بسموّ الدستور على الإعلانات وموازاتها للقوانين 2(/ج)، فيعلل ذلك بكون الإعلانات "تنص على بعض الحقوق، ولكنها لا ترقى إل[ى] مرتبة النصوص الدستورية الجامدة." و"أن واضعي هذه الإعلانات لو أرادوا لها قدسية النصوص الدستورية لضمنوها الدستور نفسه"76. لكن هذا الاتجاه قد تعرّض للنقد لما فيه من "مجافاة للمنطق"؛ إذ يعني ذلك إمكانية قيام البرلمان بتعديل الإعلانات77، وهو ما قد يؤدي "إلى تناقض بين الفلسفات أو الأطر السياسية" التي تتضمنها الإعلانات والدستور78. ومن هذا الاتجاه قد يشتق اتجاه يرى للإعلانات مكانةً أدنى من الدستور وأعلى من القوانين د 2()/79. أما الاتجاه الثالث 3() فيحاول أن يكون وسطيًا وعقلانيًا، فيميّز في القيمة تبعًا لتصنيف محتوى نصوص وثيقة الإعلان، ويقرر القيمة، أو عدمها، ودرجتها تبعًا لذلك؛ فهو يرى أن الوثيقة تحتوي على صنفين من النصوص80: الأول، النصوص القانونية أو الوضعية، وهي التي تكون لها قيمة قانونية. والثاني، النصوص التوجيهية أو المنهجية، ولا يكون لها أيّ قيمة قانونية، بل "أهمية سياسية، وقوة إلزام أدبية." وفي حين يُقصد بالنصوص الأولى المبادئ التي وردت على شكل قواعد منشئة ل "مراكز قانونية واضحة الحدود والمعالم"، وُيُستشهد عليها بالمادتين 10()17() و من الإعلان الفرنسي؛ يقصد بالثانية النصوص "التي تُعَلَن في شكل أهداف أو مثل عليا أو توجيهات عامة، توضح وتوجه أهداف النظام الواجب سيادته في الدولة." وُيُستشهد على هذا الصنف من النصوص بالتنصيص على حقوق من قبيل الحق في العمل وتلقّي المعونة في حالات العجز عنه81، إضافةً إلى الحق في الصحة والسكن. ومبرر ذلك أن "طبيعة وشكل وبيان هذه الحقوق يوحي بأنها ليست ذات طبيعة قانونية توجب مقاضاة الدولة عند تخلّفها عن تحقيقها. ولكن توجب المطالبة بها في الإطار السياسي والاجتماعي فقط"82. وقد تفرّق الدارسون، بخصوص الصنف الأول، بين من يرى سموّ نصوص الإعلان تلك على الدستور 3(/أ)، وموازاتها له 2()/ب83.

  1. ينظر: الشاعر، ص 255-254؛ البحري، ص 90-89؛ خليل، النظم السياسية، ص 328-327؛ المجذوب، ص 100 - 101. وهم وغالبية الكتاب يستندون فيما يبدو إلى: هوريو، ص 188 - .189
  2. يدعم هذا الطرح: الخطيب، ص.544
  3. يدعم هذا الطرح: المرجع نفسه.
  4. حول جدل أهمية التنصيص على الحقوق في الدستور الأميركي، ينظر: ألكسندر هاملتن الدولة الاتحادية: أسسها ودستورها وجيمس ماديسون وجون جاي،، ترجمة وتقديم جمال محمد أحمد (بيروت: منشورات دار مكتبة الحياة؛ نيويورك: مؤسسة فرانكلين،)1959، ص 648-642؛ ج. و. بيلتاسون، حول أميركا: دستور الولايات المتحدة الأميركية مع ملاحظات تفسيرية (واشنطن: وزارة الخارجية الأميركية، 2005)، ص 14؛ رباط، ص.445
  5. أشير سابقًا إلى الفرق بينهما.
  6. الطابع القضائي بمعنى أنها ليست مبادئ فحسب، بل لها حجية مباشرة في التطبيق،
  7. مثل: هوريو، ص 280-279؛ البحري، ص.90
  8. ينظر: البحري، ص 89؛ شريف، ص.181
  9. الشاعر، ص 255؛ وينظر: البحري، ص.89
  10. تبعًا لكونه من يسنّ ويعدّل القوانين التي توازيها الإعلانات في المرتبة وفقًا لطرح هذا التوجه.
  11. علي عبد الفتاح محمد، الوجيز في القضاء الإداري (الإسكندرية: دار الجامعة الجديدة، 2009)، ص.23
  12. لم تأِتِ على ذكره أيّ من الأدبيات السابقة، وسيلاحظ لاحقًا أن توجهًا كهذا أخذ به المجلس الدستوري الجزائري مؤخرًا. 80 وهنالك من يصنفها إلى ثلاثة، ينظر: وه رتي، ص 280 - .281 81 الشاعر، ص 255 - .256
  13. كما القواعد القانونية المعيارية. أما الطابع الواقعي فهو بمعنى أنها تتعلّق بالواقع المعيش،
  14. و"تتجه مباشرة إلى إزالة ظلم واقع وتغييره، وليس إعلانًا عن نية فقط"، ينظر: حاشي، ص.406
  15. النظم السياسية حاشي، ص 30؛ وينظر: خليل،، ص.330 - 329
  16. ينظر: شريف، ص 181؛ الشاعر، ص.257

يعدّ هذا المعيار لتصنيف الحقوق غير منضبط، وبالأخص من خلال الأمثلة التي تساق عادة للتمييز بين الصنفين84؛ إذ إنها في حقيقتها تمييز بين حقوق تنتمي إلى طائفة الحقوق المدنية والسياسية (الصنف الأول)، وحقوق تنتمي إلى طائفة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (الصنف الثاني) التي تلتزم بها الدولة تدريجيًا ووفقًا لقدراتها المالية، وتنص عليها في الدساتير عادة بصيغة مرنة تعكس ذلك، قبالة تنصيصها على حقوق الطائفة الأولى بصيغة أكثر إلزامية. وبناء عليه، فإن مجاراة هذا المعيار تعني الانتقاص من القيمة الدستورية لحقوق الطائفة الثانية حتى عند ورودها في متن الدستور. ولذلك، هناك من اعتبر كلا الصنفين ذا قيمة دستورية، إلا أنه فرّق بينهما من حيث مدى الحاجة إلى تدخل المشرّع العادي في تنظيم الحقوق التي تنتمي إلى الصنف الثاني، معتبرًا هذا الدور بمنزلة "التزام سياسي"، وأن على المشرع أّل ايسنّ "من القوانين ما يخالف هذه النصوص مخالفة صريحة أو ضمنية"85. في إطار هذا الجدل العام، يتخذ الباحثان، إلى حين تبيان موقفهما على نحو أوضح، موقفًا أوليًا، مختلطًا بين أكثر من اتجاه، يدعو إلى اعتبار الإعلانات في قيمة موازية للدستور، من دون تمييز بين طائفَتَي الحقوق، وبشرط أن يكون الإعلان صادرًا عن هيئة سلطة تأسيسية لا تقل شرعيتها عن الهيئة التي وضعت الدستور.

ب. الاجتهاد القضائي والجدل الفقهي حول قيمة إعلانات الحقوق في تجارب مقارنة

على الرغم من أن هذه الدراسة معنية أساسًا بدراسة التجربة الفلسطينية، بالأخص ما عّب رعنه قرار المحكمة الدستورية المشار إليه سابقًا، فإنها تجري مقاربتها مع أربع تجارب أخرى: فرنسا، والولايات المتحدة، ومصر، والجزائر (الشكل 2.) وسيلاحظ فيما يلي أن القضاَءَين الدستورَّييَن الفلسطيني والفرنسي أخذا بالاتجاه العام الداعي إلى القبول بقيمة قانونية لإعلانات الحقوق (الاتجاه 2)؛ فأخذ القضاء الفلسطيني بسموّ الإعلان على الدستور (الاتجاه 2/أ)، في حين أخذ القضاء الفرنسي بالمساواة بينهما (الاتجاه 2.)/ب أما القضاء الجزائري فأخذ بكون الإعلان (ميثاق السلم والمصالحة) يدنو من الدستور ويسمو على التشريعات الأخرى (الاتجاه 2.)/د وأخذ القضاءان الأميركي والمصري بالاتجاه المنكر للقيمة القانونية (الاتجاه 1.) وذلك كله، وفقًا لما سيتم توضيحه في هذا الفرع، بخصوص هذه التجارب. أما التجربة الفلسطينية فسيجري التعليق عليها في المبحث الثاني.

الشكل)2(الاجتهادات القضائية في تحديد القيمة القانونية لإعلانات الحقوق في التجارب المقارنة86

اﻟﺪﺳﺘﻮر اﻟﻘﻮاﻧ  اﻟﺘﴩﻳﻌﺎت اﻟﺜﺎﻧﻮﻳﺔ اﻟﺘﴩﻳﻌﺎت اﻟﺘﻨﻔﻴﺬﻳﺔ

اﻟﺘﺠﺎرب

اﻟﻬﺮﻣﻴﺔ اﻟﺘﴩﻳﻌﻴﺔ

الخبررة الأميركية: إعلان الاستقلال)1776(

صدر إعلان الاستقلال قبل 13 عامًا من دستور 1789 (ما زال ساريًا إلى اليوم.) ومن الدارسين من اعتبر الإعلان "مرجعية لائحية حقوقية" للدستور، و"جزءًا من الكتلة الدستورية بالمنظور الأميركي"، حيث تُبنى "الفلسفة الحقوقية الدستورية الأميركية" على أساس مبادئه87. لذلك فهو "الأساس" في الدستور88، أو يُنظر إليه باعتباره أحد ثلاثة مكونات لما أطلق عليه "العهد الأميركي"، إلى جانب الدستور و"خطاب غيتسبورغ"89.

  1. ممن يسوقون الأمثلة ذاتها: البحري، ص 91 - .92
  2. شيحا، ص 46 - .47 2/أ 2/ب 2/د ﻣﻔﺘﺎح اﻟﺮﻣﻮز: إنكار القيمة القانونية رقم ا تجاه الفقهي)ينظر الشكل (1 المصدر: المرجع نفسه.
  3. الإشارة إلى التجربة الجزائرية في هذا الشكل هي بخصوص ميثاق السلم والمصالحة الوطنية 2005(.) أما الميثاق الوطني 1976()، فلم ينظر فيه القضاء الدستوري كما سيلاحظ لاحقًا.
  4. حاشي، ص 325،.405
  5. رباط، ص.435
  6. الدستور الأمريكي: أفكارُهُ ومُثُله مورتمر إدلر،، ترجمة صادق إبراهيم عودة (عّم ان: مركز الكتب الأردني، 1989)، ص.275

في المقابل، وفيما يُفهم ضمنيًا من كتابات البعض إنكار القيمة الدستورية للإعلان، حتى لدى من وجد أن الكتلة الدستورية في الولايات المتحدة تتعدى الدستور90؛ فإن دارسين غربيين آخرين اصرّحوا بذلك بوضوح، وأنكروا عليه القيمة القانونية جملة وتفصيل، وليس فقط القيمة الدستورية، معتبرين أنه، وإن كان "يتمتع بقوة مقنعة"91 باعتباره "وثيقة مهيبة"، "ليس قانونًا"، وأن الموقّعين عليه - عند إصداره - لم يقصدوا أن يكون قانونًا92. وبناء عليه، فلا تصحّ تسميته ب "الوثيقة الدستورية الأساسية" أو "الديباجة الحقيقية للدستور" أو حتى "مفتاح للتفسيرات الدستورية"، إذا كان ذلك يؤدي إلى فهم أو اعتبار أن إعلان الاستقلال مساٍوٍ للدستور من الناحية القانونية93. ولكن مع ذلك، هنالك من يدعو إلى إعادة التفكير في نهج التعامل مع الإعلان على نحو أعمق من اعتباره مجرد "خلفية فلسفية" للدستور94؛ وإلى اعتباره أنه "يستحق مكانة متميزة في التفسير الدستوري"95. وعلى صعيد استقراء توجهات القضاء، هناك من لاحظ أن المحاكم الأميركية عمومًا لا تستند إلى الإعلان بصفته قانونًا؛ فمعظم القضاة يعتبرون أن ما يتضمنه من حقوق جاء في عبارات عامة، قّلمّا يجدون فيها صياغات محددة لحقوق في مواقف واقعية96. حتى إن مجرد الاستناد إلى الإعلان وحده في قضية يعني ردّها أو خسارتها97. ومع ذلك، فمن المحامين من يستندون إليه في مرافعاتهم من باب التأثير في المحكمة98. وقد صرّحت المحكمة العليا الفدرالية مبكرًا، في دعوى دستورية، بأن الإعلان لا يتمتع بقوة القانون ليصلح للاستناد إليه في قرار قضائي، ولكن "من الآمن دائمًا أن تجري قراءة نص الدستور بروح إعلان الاستقلال"99. وعمومًا، هناك من لاحظ أن المحكمة استلهمت من الإعلان (ولم تستند إليه وحده) حدود السلطة التنفيذية ومجال حقوق المواطنة والمساواة وغيرها100.

الخبررة الفرنسية: إعلان حقوق الإنسان والمواطن)1789(

إن كان عام 1971 يشكّل تأريخًا للتحول الجذري في تقرير القيمة الدستورية لهذا الإعلان؛ حيث شهد إقرار المجلس الدستوري بقيمته الدستورية، بعد سنوات عرفت جدلًافقهيًا وإنكار مجلس الدولة (القضاء الإداري) لقيمة الإعلان101؛ فإن لذلك الحدث جذورًا تعود إلى نحو عقدين، عندما جرى تضمين الإعلان مقدمةً لدستور 1791، الذي لم يوضع دفعة واحدة، بل على أجزاء، كان الإعلان أوّلها، أ دمجت لتشكّل معًا الدستور102، وبذلك أ قرّ للإعلان بقيمة موازية للدستور103. ما بين التاريخين، سرت عدة دساتير، وبقي الإعلان بمنزلة "إسناد"104، وقد جعل منه الدستور الفرنسي "عبر العصور[...]هويته الحقوقية التي لا تتقبل التغيير حتى وإن سمحت بالتكملة"105. على سبيل المثال، فقد أحالت إليه المادة الأولى من دستور 1852، وأشارت إليه مقدمة دستور 1946. وعندما صدر الدستور الحالي 1958() تُوّج بمقدمة أشارت صراحة إليه وإلى مقدمة دستور 1946 106، فباتت مقدمة دستور 1946 بمنزلة إعلان حقوق لدى البعض107. لكن حتى عام 1971، لم يكن هنالك تسليم بقيمة مقدمة الدستور، التي يصح فيها، إلى حد ما، الجدل الفقهي الذي جرى استعراضه

  1. يفهم ذلك بإضافة الميثاق الفدرالي (وليس إعلان الاستقلال) إلى الدستور، باعتبارهما يشّكلّان معًا "الدستور." ينظر: هوريو، ص.378
  2. Ian Mylchreest, "The Influence of the Declaration of Independence Through History: How American Politicians, and The Supreme Court, Have Invoked It," FindLaw , 4/7/2002, accessed on 11/9/2024, at: https://acr.ps/1L9zRMh
  3. Darrell Miller, "Continuity and the Declaration of Independence," Southern California Law Review , vol. 89 (2016), pp. 602 - 604.
  4. David Armitage, "The Declaration of Independence and International Law," The William and Mary Quarterly , vol. 59, no. 1 (2002), p. 39.
  5. Carlton Larson, "The Declaration of Independence: A 225th Anniversary
  6. Charles Cosgrove, "The Declaration of Independence in Constitutional
  7. Miller, pp. 602, 604.
  8. Larson, p. 701.
  9. من ذلك مثلًامسلك المحامي في قضية (1841) Amistad The v. States United أمام المحكمة العليا الفدرالية، بصفتها محكمة نقض، التي حكمت فيها لصالح موكليه، لكن ليس استنادًا إلى إعلان الاستقلال فحسب. ينظر حول هذه القضية: Bruce Ragsdale, "Amistad: The Federal Courts and the Challenge to Slavery,"
  10. Gulf, C. & S. F. R. CO. v. Ellis (1897)," FindLwa , accessed on 11/9/2024, at: https://acr.ps/1L9zRwl
  11. Cosgrove, p. 109.
  12. ينظر: آلاء الفليكاوي، دور القضاء الدستوري في حماية الحقوق والحريات: دراسة مقارنة (الإسكندرية: المكتب الجامعي الحديث، 2018)، ص 117 - .119
  13. رباط، ص 242،.245 103 الوجيز في القانون الدستوري عبد الفتاح عمر، (تونس: كلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس، 1987)، ص.234 104 دوهاميل وميني، ص.96
  14. Re-Interpretation," Washington Law Review , vol. 76 (2001), p. 702.
  15. Interpretation: A Selective History and Analysis," University of Richmond Law Review , vol. 32, no. 1 (1997), p. 108.
  16. حاشي، ص.325
  17. طالع عبر موقع المجلس الدستوري، "دستور:"1852 " Constitution de 1852, Second Empire," Conseil Constitutionnel , accessed on 11/1/2024, at: https://bit.ly/38yeY9o; " مقدمة دستور:"1946 " Préambule de la Constitution du 27 octobre 1946," Conseil Constitutionnel , accessed on 11/1/2024, at: https://bit.ly/3gumox8 107 ينظر: هوريو، ص.188
  18. Federal Judicial Center (2002), accessed on 11/1/2024, at: https://acr.ps/1L9zRnT

بخصوص الإعلانات108، وإن كانت تشكّل جزءًا من الدستور على خلاف الإعلانات التي عادة ما تكون خارجه. وقد كانت مقدمة دستور 1946، في ظل سريان ذلك الدستور، موضع خلاف حول قيمتها القانونية، بالأخص في ضوء قصر الدستور نطاق رقابة الدستورية على الأبواب العشرة الأولى منه، ما يعني استبعاد مقدمته والأبواب الأخرى. وهو ما دفع البعض إلى التشكيك في قيمتها الدستورية، في حين عمد القضاء العادي والإداري إلى الإقرار بقيمتها القانونية، بمساواتها بالقوانين العادية109. أما مع الإشارة إلى المقدمة والإعلان في مقدمة دستور 1958، الذي لم يقصر رقابة الدستورية على أبواب محددة منه، نظر المجلس الدستوري عام 1971 في قضية خلص فيها ضمنيًا إلى تقرير القيمة الدستورية لمقدمة دستور 1958، ومن ثم لما أحال إليه من وثائق أيضًا، أبرزها الإعلان ومقدمة دستور 1946. وهو ما أكّده المجلس على نحو أوضح في قضية أخرى عام 1974 110، وثالثة عام 1977 111. وقد شكلت هذه القرارات – وأخرى مزامنة - نقلة تاريخية مفصلية في تطور القضاء الدستوري الفرنسي112.

الخبررة المصرية: ميثاق العمل الوطني)1962(

صدر هذا الميثاق عن المؤتمر الوطني للقوى الشعبية، المشكّل بأسلوب مختلط ما بين الانتخاب والتعيين113، بعد إقراره مشروع الميثاق المقدّم من رئيس الجمهورية114، في ضوء اتجاه القيادة السياسية حينها نحو الاشتراكية. وقد تضمّن الميثاق – فيما تضمن - قواعد قانونية محددة، منها توجيه للمشرع الدستوري فيما يضمنه بالدستور115. وقد أوردت "لجنة تقرير الميثاق" أن الميثاق "يعتبر أساسًا لوضع الدستور ولوضع القوانين، فالميثاق ينزل من الدستور منزلة الأبوة"116. وفي العام ذاته 1962() صدر الإعلان الدستوري المعدّل لدستور 1958، ولم ترد فيه أيّ إشارة مباشرة إلى الميثاق، في حين أشارت إليه بكثافة المذكرة الإيضاحية الملحقة بالإعلان، لتنتهي في فقرتها الأخيرة بالتصريح أن صدور هذا الإعلان المعدّل جاء "لإعطاء[...]التنظيمات المستمدة من مبادئ الميثاق، الذي ارتضاه الشعب، قوة الدستور، وذلك حتى يتم وضع الدستور النهائي"117. وبعد نحو عامين، صدر دستور "مؤقت" آخر (دستور 1964)، ليرد في إسناد صدوره ضمن مقدمته: "تأكيدًا للميثاق الذي "[...]118. أما الدساتير التالية، فلم تشر إليه. في ضوء ذلك، هناك من بدا مسلّمًابسموّ الميثاق على الدستور119، وهناك من اعتبر أن الميثاق "ذو طبيعة دستورية"، لكنه لا يرقى إلى مرتبة أعلى من الدستور، بل مساوية له؛ "فلا يوجد في الدولة ما هو أعلى من الدستور"، ويعني التسليم بسموّه على الدستور أن الميثاق "غدا خالدًا" حتى لو أراد الشعب تعديله!120 ولكن في النتيجة، نظرت المحكمة العليا (سلف المحكمة الدستورية الحالية)، عام 1975، في طعنين دستوريين بمخالفة قرار بقانون للميثاق، فاقررت رد الدعويين، على اعتبار أن الميثاق "لا يخرج عن كونه دليل فكريًا"؛ فهو "ليس دستورً[ًا] ولا قانونًا"، و"يتعين لإعطاء ما تضمنه الميثاق من مبادئ قوة الدستور أن نقنّن هذه المبادئ في نصوص دستورية"121؛ أي ضمن متن الدستور. وبذلك، أنكرت المحكمة أّي قيمة قانونية للميثاق.

الخبررة الجزائرية: الميثاق الوطني 1976() وميثاق السلم والمصالحة الوطنية)2005(

كان إصدار الميثاق الوطني الجزائري، أسوةً بمصر، ضمن توجهات القيادة السياسية نحو الاشتراكية. وقد جاء صدوره ممهدًا للدستور الذي صدر في العام ذاته. وعلى الرغم من أن الدستور122 والميثاق123 قد أ قرّا باستفتاء خاص بكل منهما، فإن هناك من رأى أن المشاركة الشعبية كانت في حالة الميثاق أكبر منها في حالة الدستور؛ ذلك

  1. شيحا، ص.44
  2. ينظر: الشاعر، ص؛ دوهاميل وميني، 259-258 ص 1121-1120 هوريو؛، ص 189 - .191
  3. ينظر: دوهاميل وميني، ص 97؛ الشاعر، ص 261-260؛ هوريو، ص 191 - .192
  4. عبد الرحمان القادري، "الاجتهاد القضائي للمجلس الدستوري الفرنسي منذ بداية المجلة المغربية للقانون والسياسة والاقتصاد السبعينات إلى الآن"،، العدد 9)1981(، ص 15 - .16
  5. ينظر: فرانسوا سان بونيه، "التكوين المزدوج للقضاء الدستوري في فرنسا: القضاء مجلة القانون العام وعلم السياسة السياسي في منظور المفاهيم الفرنسية"،، العدد 3)2007(، ص 749 - 750، 784؛ القادري، ص 14؛ صليبا، ص.246
  6. ينظر: حلمي، ص 13 - .16
  7. الشاعر، ص.244
  8. ينظر: الشاعر، ص 245 - .246
  9. فهمي، ص 204؛ حلمي، ص.19
  10. الجريدة الرسمية، العدد 222، 1962/9/27، ص 2439 - .2442
  11. الجريدة الرسمية، العدد 69 تابع "أ"، 1964/3/24، ص 1 - .19
  12. ينظر: حلمي، ص 18 - .19
  13. فهمي، ص 203 - 204،.207
  14. ينظر: قرارا المحكمة في الدعوتين رقم 9() ورقم 13() لسنة 4 قضائية عليا "دستورية"، موقع المحكمة الدستورية المصرية بتاريخ 1975/4/5، متوفران عبر، شوهدا في 2020/7/5، في: www.sccourt.gov.eg. وتتوافر اقتباسات منهما في: شريف، ص 182 - .184
  15. ينظر: مفيدة لمزري، "نشأة الدساتير في منظور التجربة الجزائرية"، مجلة ميلاف للبحوث والدراسات، العدد 5 2017()، ص 699 - .700
  16. النظام السياسي الجزائري ينظر: سعيد بوالشعير،، ج 1، ط 2 (الجزائر: ديوان المطبوعات الجامعية، 2013)، ص 213 - .214

"أن السلطة السياسية أرادت أن تجعل من الميثاق الوطني أسمى قانونيًا حتى في مواجهة الدستور"، حيث إن "دور هذا الأخير يتعلق بتحديد الخطوط العريضة للنظام، أما المسائل التفصيلية فهي متروكة للميثاق"124. ولذلك اعُتبُر الميثاق: "المرجع الأساسي للدستور والقوانين والتنظيمات وتفسيرها"، و"المصدر الأيديولوجي لكافة القوانين في البلاد بما فيها الدستور"125، و"مرجعً[ًا] أساسيً[ًا] لأيّ تأويل لأحكام الدستور"126، وما الدستور "إلا تنفيذ لبعض أحكام الميثاق الوطني"127. إن توصيفات كهذه ليست مغالية، إذا ما علمنا أنها أقرب ما تكون إلى اقتباسات من أحكام وردت صراحة في الدستور نفسه128. تعذّر استطلاع توجّه القضاء الدستوري الجزائري تجاه قيمة هذا الميثاق؛ كون المجلس الدستوري لم يُقُم في ذلك العهد، لا سيما مع عدم تطرق الدستور إلى هذا المجلس129. ولكن حتى لو افترضنا وجود المجلس حينها ونظره في دعوى ذات علاقة، فإنه يُستبعد أن يُنكر سموّ الميثاق على الدستور، كون الدستور نفسه يقرّ بذلك. وإن كان من الفقه الجزائري من حاجّ بخلاف ذلك، استنادًا إلى معايير شكلية130. عمومًا، سرعان ما "فشل" هذا الدستور131، فجاء دستور 1989، ثم دستور 1996 وتعديلاته، اللذان لم يتضمّنا أيّ إشارة إلى الميثاق، بما يطرح سقوطه بمعية دستور 1976 الذي جاء تمهيدًا له. في المقابل، في الإمكان تلمّس توجهات القضاء الدستوري الجزائري تجاه توسيع الكتلة الدستورية من خلال موقفه من ميثاق آخر حديث: "ميثاق السلم والمصالحة الوطنية" المقرّ باستفتاء عام 2005132؛ فمع أن هناك من حلّل أن لهذا الميثاق "قيمة دستورية"؛ كونه صدر بموجب استفتاء133؛ فإن المجلس الدستوري اعتبره "يحتل في تدرج القواعد القانونية مرتبة أسمى من القوانين العضوية منها أو العادية"، ومن ثم أدنى من الدستور134. ولم تشر تعديلات الدستور للأعوام 2008 و 2016 و 2020 إلى هذا الميثاق، بل أشارت ديباجتها إلى "سياسة" (وليس إلى ميثاق) "السلم والمصالحة الوطنية"، ولا يبدو أن المحكمة الدستورية (خلف المجلس الدستوري) قد تعرّضت للميثاق من قريب أو بعيد135.

ثانيًا: التجربة الفلسطينية في تقرير سموّ إعلان الاستقلال

خُلُص المبحث السابق إلى اعتبار إعلان الاستقلال "إعلان حقوق." وبعد استعراض الآراء الفقهية العامة حول القيمة القانونية لإعلانات الحقوق، اتخذ الباحثان موقفًا أوليًا تجاهها يتمثل في المساواة في القيمة بين الإعلان والدستور، شرط أن يكون الإعلان صادرًا عن سلطة تأسيسية لا تقل شرعيتها عن الهيئة التي وضعت الدستور. ومقارنةً بالتجارب التي جرى استعراضها، لوحظ مدى "مغالاة" المحكمة الدستورية الفلسطينية، بإعلانها سموّ إعلان الاستقلال على القانون الأساسي؛ فعلى أيّ أساس اتخذت المحكمة هذا التوجه؟ وما مدى تأثر توجهها بالاعتبارات السياسية؟ وهل لها هذه السلطة؟ وما حجّية قرارها؟ وما مدى أثر هذا القرار في توسيع الكتلة الدستورية؟ وما نتائجه في ضوء مقارنة المحتوى بين الإعلان والقانون الأساسي ومشروع الدستور؟ يحاول الجزء الأول من هذا المبحث الإجابة عن الأسئلة الأربعة الأولى، بتناول حدود دور القضاء الدستوري مصدرًا للقانون الدستوري، في حين يحاول الجزء الثاني الإجابة عن السؤالين الأخيرين، بتناول علاقة إعلان الاستقلال بالوثائق الدستورية الفلسطينية.

حدود دور القضاء الدستوري بوصفه مصدرًا للقانون الدستوري

تُعدّ قرارات القضاء الدستوري وأحكامه مصدرًا تفسيريًا للقانون الدستوري136. يتناول الفرع (أ) حدود ذلك الاختصاص التفسيري، في حين يتناول الفرع (ب) تقييم قرار المحكمة الدستورية، فيناقش

  1. ينظر: لمزري، ص 699 - .700
  2. خلف بوبكر، "مقاربة نحو نشأة وتعديل الدساتير الجزائرية"، مجلة العلوم القانونية والسياسية، العدد 14 2016()، ص 187 - .188
  3. بوزيد لزهاري، "الرقابة على دستورية القوانين في التجربة الدستورية الجزائرية"، مجلة جامعة قسنطينة للعلوم الإنسانية، العدد 3 1992()، ص.43
  4. بوالشعير، النظام السياسي الجزائري، ص.212
  5. ينظر دستور 1976: المحكمة الدستورية الجزائرية، "الدساتير والتعديلات"، شوهد في 2024/1/11، في https://acr.ps/1L9zRzV:
  6. لم يقم المجلس فعليًا حتى عام 1989 في ظل دستور العام ذاته، وحلّت المحكمة الدستورية محل المجلس عام 2021. ينظر: بلوم الأمين وفضال عبد الناصر، "المحكمة الدستورية في الجزائر: دراسة مقارنة مع المحكمة الدستورية المصرية"، مجلة أبحاث، العدد 17 2021()، ص.219
  7. النظام السياسي الجزائري ينظر: بوالشعير،، ص.218 - 217
  8. ينظر: لمزري، ص.701
  9. الجريدة الرسمية ينظر: لحرش، ص 500؛ نشر الميثاق في:، العدد 3، 2005/8/15، ص 3 - .7
  10. ينظر: لحرش، ص.500
  11. ينظر: المحكمة الدستورية الجزائرية، "رأي رقم 01// ر. م. د 12 المؤرخ في 14 صفر عام 1433 الموافق 08 يناير سنة 2012 يتعلق بمراقبة مطابقة القانون العضوي المتعلق بالأحزاب السياسية للدستور"، 2012/1/8، شوهد في 2024/9/11، في: https://bit.ly/4ehV3MG
  12. في ضوء تكشيف آرائها وقراراتها عبر موقعها الإلكتروني: https://cour-constitutionnelle.dz، في حدود تاريخ الاسترجاع.2024/9/11
  13. الوسيط في القانون الدستوري ينظر: جابر نصار، (القاهرة: دار النهضة العربية، القانون الدستوري والأنظمة السياسية 1998)، ص 487؛ محمد رضا بن حماد،، ط 3 (تونس: مركز النشر الجامعي، 2016)، ص 248 - .250

مدى صحة اجتهاد المحكمة وإلزامية قرارها التفسيري، ويحاول تلمّس وجود مؤثرات سياسية انعكست على قرارها.

أ. حدود الاختصاص التفسيري للقضاء الدستوري

تُعدّ المصادر التفسيرية (الفقه والقضاء في الدول التي تتبع النظام اللاتيني/ القاري) بمنزلة "مورد يستقي منها القانون أصوله وأركانه." وُيُقصد بالمصدر التفسيري "تصحيح مسار الأحكام من الناحية النظرية ومن الناحية العملية، وعدم الوقوف على النص الظاهر، بل البحث عن المعنى الحقيقي لهذا النص بغية الوصول إلى الإرادة الحقيقية من النص والغرض منه"137. فمهما كان التشريع دقيقًا ومفَّصَلًا، فإنه لا يمكن أن يُلمّ بكل مظاهر الحياة، ومن ثمّ يمكن أن يؤدي تفسير القضاء إلى استكمال النقص في النصوص القانونية، بالعمل على ابتكار حل للنزاع القائم أمامه138. يلجأ القضاء الدستوري أثناء رقابته على دستورية القوانين إلى طرق ومناهج متعددة لتفسير النصوص الدستورية وتحديد معناها؛ بغية إدراك معناها الحقيقي، وإبراز نية المشرّع الدستوري بمحاولة تلمّس روح التشريع والوقوف على مختلف المعطيات التي واكبت عملية وضعه139. وإلى جانب هذا التفسير الغرضي، في سياق رقابة الدستورية وممارسة الاختصاصات الأخرى، أ وكل إلى القضاء الدستوري في بعض البلدان اختصاص تفسير نصوص الدستور و/ أو التشريعات الأدنى منه. ومقارنةً بتجارب عربية أخرى، فإن للمحكمة الدستورية الفلسطينية اختصاصات موسعة في مشمولات التفسير140، بما في ذلك تفسير القانون الأساسي141. وعلى الرغم من أهمية الاختصاص التفسيري، فإنه يُعدّ دورًا خطيرًا؛ فتحت ستار تفسير النصوص الدستورية قد يحلّ القاضي إرادته محلّ إرادة السلطة التأسيسية، أو يمنح النصوص الدستورية معانَيَ لا تتوافق مع مقاصد تلك السلطة عند وضعها للدستور، بل يمكن أن يعمل على خلق قواعد دستورية جديدة142. وبناء عليه، فالأصل أن التفسير لا يُعدّ عملية حرة ومطلقة، بل يمثّل عملية ذهنية دقيقة، تقوم بالاعتماد على قواعد علمية، وتتقيّد بضوابط وأصول143. وقد حدد المشرّع الفلسطيني عددًا من الشروط الشكلية (الإجرائية) والموضوعية لممارسة المحكمة الدستورية اختصاصها بالتفسير؛ فعلى مستوى الشروط الشكلية يقتضي قانون المحكمة الدستورية (المادة 30) أن يُقَّدَم إليها طلب التفسير مكتوبًا وضمن آلية محددة، وعبر قناة محددة (وزير العدل)، بناء على طلب جهات مخوّلة بذلك، جميعها اليوم جهات رسمية144، بعد حرمان "من انتهكت حقوقه[م] الدستورية" من ذلك، بموجب تعديل قانون المحكمة عام 2022، وغالبًا بناء على طلبها145. أما فيما يتعلق بالشروط الموضوعية، فُتُستخلص من المادة 2/30() من قانون المحكمة التي أوجبت "أن يبّي نفي طلب التفسير: النص التشريعي المطلوب تفسيره، وما أثاَرَه من خلاف في التطبيق، ومدى أهميته التي تستدعي تفسيره تحقيقًا لوحدة تطبيقه." وبناء عليه، فإن ما يستدعي تفسير النص إثارة الخلاف في تطبيقه، بمعنى "التباين في إعمال حكمه على نحو لا تتحقق معه المساواة أمام القانون بين المخاطبين بأحكامه رغم تماثل مراكزهم وظروفهم"146. ويحدث الخلاف في التطبيق "عندما يكون النص غامضًا غير واضح أو منطويًا على لبس أو مثيرًا للتباين في فهم ألفاظه وعباراته أو تحرّي الإرادة الحقيقية للمشرّع مما ينعكس على تطبيقه"147؛ ما يستدعي تدخّل المحكمة الدستورية لتوحيد التفسير تحاشيًا لقيام خلاف بالتطبيق148. ولعله من المهم لفت الانتباه هنا إلى أن الاقتباسات في هذه الفقرة من دراسةٍ لرئيس المحكمة التي اتخذت القرار موضوع الدراسة، قبل أن يتولى رئاستها. وبالعودة إلى حيثيات القرار موضوع الدراسة، فقد قامت المحكمة بإصداره بناء على طلب قُدّم إليها، عبر وزير العدل، استنادًا إلى طلب رئيس مجلس الوزراء، وعطفًا على طلب مقدّم إلى المجلس من وزير الخارجية والمغتربين؛ وذلك لبيان أوجه الاحترام لحقوق الإنسان وحرياته الأساسية وأسس الإلزام والالتزام على الصعيد الوطني، وبيان آليات إدماج الاتفاقيات والمعاهدات الدولية التي

  1. محمد مسلماني، القانون الدستوري والنظم السياسية: دراسة مقارنة بالمبادئ الدستورية في الشريعة الإسلامية (الإسكندرية: دار الفكر الجامعي، 2015)، ص 67 - .68
  2. بن حماد، ص 248 - .249
  3. المرجع نفسه، ص 250 - .251
  4. ينظر: توام وخليل، "الوظيفة المزدوجة"، ص 31 - .32
  5. المادة 103() من القانون الأساسي وفقًا لآخر تعديل 2005()، نسخة مدمجة في للتعديلات،: "المقتفي منظومة " - جامعة بيرزيت، شوهد في 2024/9/19، في: https://bit.ly/3E4127y؛ المادة 24() من قانون المحكمة الدستورية رقم 3() لسنة 2006 وفقًا لآخر تعديل 2024()، نسخة مدمجة للتعديلات، في: موقع الجريدة الرسمية
  6. حاشي، ص.316
  7. ينظر: بن حماد، ص 251 - .255
  8. هم: "رئيس الدولة أو رئيس مجلس الوزراء أو رئيس المجلس التشريعي أو رئيس مجلس القضاء الأعلى أو رئيس المحكمة الإدارية العليا."
  9. ينظر: توام وخليل، "الوظيفة المزدوجة"، ص 32،.50
  10. محمد الحاج قاسم، "الرقابة القضائية أمام المحكمة الدستورية العليا في فلسطين"، مجلة العدالة والقانون، العدد 8 2008()، ص .256 147 المرجع نفسه، ص.257
  11. الفلسطينية، شوهد في 2024/9/19، في: https://bit.ly/4i74lMZ
  12. المرجع نفسه.

تلتزم بها دولة فلسطين، وتفعيلها في النظام القانوني الداخلي والمكانة القانونية التي تحتلها فيه. وقد جاء في قرار المحكمة فيما يتعلّق بتبرير اختصاصها في مباشرة تفسير القانون الأساسي149: "بما أن القانون الأساسي[...]لم يحدد الجهة المختصة بالتصديق على المعاهدات والاتفاقيات الدولية، ولم ينصّ على مرتبتها من التشريعات الداخلية، ولم ينصّ على أيّ آلية خاصة لإنفاذها[...]أو على أيّ آلية لإدماج هذه الاتفاقيات والمعاهدات الدولية التي تلتزم بها دولة فلسطين أو ملاءمتها، وتفعيلها في النظام القانوني الداخلي والمكانة القانونية التي تحتلها فيه، ما ساهم في عدم الاستقرار القضائي في المحاكم النظامية عند تطبيقها الاتفاقيات الدولية[...]فقد قدّم معالي وزير العدل طلب التفسير[...]باعتبار أن المادة العاشرة من القانون الأساسي غامضة تستدعي تفسيرها بهدف: -1 توضيح آلية الانضمام للمعاهدات والاتفاقيات الدولية، وتحديد الأشخاص المخوّلين بالتوقيع والتصديق عليها، وبيان آليات إنفاذها. -2 بيان القيمة القانونية في حالة تعارضها مع التشريعات الوطنية، سواء القوانين العادية أو القانون الأساسي." وعلى الرغم مما جاء في حيثيات طلب التفسير، بانصبابه على تفسير عدة مسائل تتعلق بالمعاهدات الدولية، ومن دون الخوض في مدى انطباق الشروط الموضوعية لطلب التفسير الدستوري فيما يخص تفسير المادة 10() من القانون الأساسي بخصوص المسائل المتعلقة بالمعاهدات الدولية، فإن المحكمة الدستورية توسّعت في جزئية تحديد القيمة القانونية للمعاهدات الدولية تجاه التشريعات الوطنية، لتطال تحديد القيمة القانونية لوثيقة إعلان الاستقلال من دون أن يُطلب منها ذلك! ومن دون أن يكون هناك أهمية أو مبرر للتوسع في تفسير مسائل لم تندرج ضمن طلب التفسير؛ ذلك أنها كانت قد حددت القيمة القانونية للمعاهدات الدولية بتموضعها في مكانة وسطية بين القانون الأساسي والقوانين العادية، الأمر الذي لا يستدعي التوسّع لتحديد قيمة وثيقة إعلان الاستقلال. كما يلاحظ أن المحكمة قد مهّدت في بداية قرارها لنيّتها القيام بمعالجة قيمة إعلان الاستقلال وموقفها منه. وبذلك، خالفت المحكمة الشروط الموضوعية لعملية التفسير، بتناولها مسائل لم ترد ضمن طلب التفسير، لتنصّب نفسها مشرّعًا دستوريًا، لا سيما بإعلانها في حيثيات القرار أنها في صدد نظر الموضوع "في اتجاه تطوير المنظومة الدستورية[...]باعتبار أن الدستور هو ما يقوله القاضي الدستوري بشأنه" (وهذا تصريح خطير.)! وبذلك تنكّرت المحكمة صراحةً لعدم جواز "استخدام مكنة التفسير لتشريع أحكام لم ترد في الوثيقة الدستورية مهما كانت حاجة النظام إليها، لأن القضاء الدستوري يجب أن يظل بعيدًا عن هذا المعترك السياسي"150.

ب. تحليل نقدي لقرار المحكمة الدستورية

في البحث حول وجود بُعٍدٍ سياسي موجّه لقرار المحكمة في تناولها القيمة القانونية لإعلان الاستقلال، والبحث في مدى حجّية قرارها بخصوص هذه الجزئية، لا بد ابتداءً من استعراض ما جاء في هذا القرار بالخصوص، وقراءته قراءة تحليلية نقدية استنادًا إلى تحليل وثيقة إعلان الاستقلال شكلًا وموضوعًا، وباستحضار المقاربات المتعلقة بالقيمة القانونية لإعلانات الحقوق في التجارب المقارنة. قررت المحكمة سموّ إعلان الاستقلال على جميع التشريعات ضمن الهرمية التشريعية، بمنحه قيمة "فوق دستورية"، ولكنها لم تحدد الأسباب التي دفعتها إلى استخلاص هذه النتيجة، سوى إشارتها إلى كون الإعلان "إعلانًا مؤسسًا لدولة فلسطين [ي]تمتع بقيمة دستورية معززة تضبط عملية إعداد التشريعات كلها، وصياغتها، ومراجعتها بما فيها القانون الأساسي." وكذلك إشارتها إلى كونه "الوثيقة الدستورية الأعلى، خاصة أن القانون الأساسي الصادر عن المجلس التشريعي الفلسطيني قد بُني على أساسها ولمرحلة انتقالية للسلطة الفلسطينية، وباعتبار أن وثيقة إعلان الاستقلال حددت هوية الدولة الفلسطينية، وطبيعتها والتزامها بالمبادئ الدولية، ومنها الالتزام بحقوق الإنسان وحرياته الأساسية." يستدعي تقييم مدى صحة هذا القرار البحث في مسألتين: الأولى، مدى إمكانية اكتساب وثيقة إعلان الاستقلال صفة الوثيقة الدستورية، أما الثانية فهي مرتبة هذه الوثيقة بالنسبة إلى القانون الأساسي. ترتبط مسألة إمكانية منح الصفة الدستورية لإعلان الاستقلال بمدى توافر المعياَرَين الشكلي والموضوعي لتعريف الدستور151؛ فوفقًا للمعيار الشكلي يمكن اعتباره وثيقة دستورية، لصدوره عن سلطة تأسيسية تتمثل في المجلس الوطني، باعتباره، حينها على الأقل، أعلى سلطة في المنظمة والجسم الممثل للإرادة العامة للشعب152. وفيما يتعلق بالمعيار الموضوعي، فقد نظّمت وثيقة إعلان الاستقلال عددًا من الموضوعات التي تندرج ضمن موضوعات القانون الدستوري، وخاصة شكل نظام الحكم والحقوق والحريات العامة، وهو ما يؤدي

  1. لا سيما المادة 10(:) منه -1" حقوق الإنسان وحرياته الأساسية ملزمة وواجبة الاحترام. -2 تعمل السلطة دون إبطاء على الانضمام إلى الإعلانات والمواثيق الإقليمية
  2. عبد العزيز سالمان، "تعليق على القرار التفسيري الصادر عن المحكمة الدستورية مجلة العدالة والقانون العليا الفلسطينية رقم 5() لسنة "2017،، العدد 33 2018()، ص.137
  3. حول المعيارين، ينظر: بن حماد، ص 202-201؛ البحري، ص.57–41 152 دبلوماسية التحرر الوطني حول المجلس، ينظر: توام،، ص.80 - 79
  4. والدولية التي تحمي حقوق الإنسان."

في النتيجة إلى اعتبار الوثيقة إحدى مرجعيات رقابة الدستورية، إلى جانب القانون الأساسي153، وليس فوقه. وفي سياق متصل، ومن خلال تكشيف تشريعات السلطة الفلسطينية، تبّي نأن هناك تشريَعيَن "فقط" أشارا إلى وثيقة إعلان الاستقلال154، وهما: القرار بقانون رقم 1() لسنة 2007 بشأن الانتخابات العامة155، في سياق إلزام المرشحين بها، إضافةً إلى القانون الأساسي، والمرسوم رقم 17() لسنة 2015 بشأن التصديق على الاتفاق الشامل بين دولة فلسطين والكرسي الرسولي156؛ حيث أشيَرَ إلى الإعلان في ديباجة المرسوم بصيغة استناد، وتاليًا في ديباجة الاتفاق، في سياق التصريح بالتزام فلسطين ب "ضمان حرية الدين، والمعتقد والعبادة وممارسة الشعائر الدينية." وفي ذلك مؤشر على التعامل مع الوثيقة باعتبار أن لها قيمة قانونية ملزمة، وليست مجرد أفكار فلسفية. ولكن جاء ذلك على مستوى "مِّرشِع" أدنى من المشرّع الدستوري، بل حتى أدنى من المشرّع العادي؛ فكلا التشريعين سنّهما وأصدرهما الرئيس؛ الأول بوصفه تشريع ضرورة (قرار بقانون) والثاني مرسوم يبقى إشكاليًا في ضوء أن القانون الأساسي لم يمنح صراحة الرئيس (أو غيره) اختصاص التصديق على الاتفاقيات الدولية. أما فيما يتعلّق بمرتبة الوثيقة بالنسبة إلى القانون الأساسي، وفي إطار المقاربة مع التجارب المستعرضة في المبحث الأول، يلاحظ أن القضاء الدستوري لم يمنح في أٍّيٍ منها إعلانات الحقوق قيمة فوق دستورية؛ ففي حين أنكر القضاء الدستوري القيمة الدستورية للإعلانات في الولايات المتحدة ومصر والجزائر، فإن المجلس الدستوري الفرنسي وحده هو الذي منحه الإعلان قيمة دستورية، توازي الدستور ذاته، وليس أعلى منه، مستندًا في ذلك إلى إحالة صريحة للإعلان وردت في مقدمة الدستور. أما في الحالة الفلسطينية، فإن إشارة مقدمة القانون الأساسي إلى الإعلان كانت في معرض تعبيرها عن علاقة الشعب بالأرض157، من دون أن يتعدى ذلك إلى مفهوم الإحالة كما في مقدمة الدستور الفرنسي. وفي هذا السياق، وحيث إن المحكمة لم تبِ نيالأسانيد التي اعتمدت عليها في قرارها، فإن القراءة القانونية لما جاء في قرار المحكمة يجب أّل اتنعزل عن المؤثرات السياسية المواكبة، التي من الممكن أن تكون قد ساهمت في توجيه القرار، ولا سيما حال الربط بين توقيت صدوره وأحداث أخرى شهدها العام ذاته.)2018(وربما يعود ذلك إلى محاولة التأسيس لإحلال المجلس المركزي للمنظمة مكان المجلس التشريعي في ظل الظروف السياسية المحيطة، المتمثلة في تعُّطُل المجلس التشريعي فترة طويلة، قبل أن يجري حلّه استنادًا إلى قرار آخر للمحكمة الدستورية في عام 2018، وهو العام ذاته الذي صدر خلاله قرارها موضوع الدراسة158. ومن المؤشرات الأخرى على ذلك تفويض المجلس الوطني كامل صلاحياته للمجلس المركزي في العام ذاته أيضًا159. وفي العام ذاته كذلك أقرّت المحكمة بدستورية التشريعات الجزائية الثورية للمنظمة وانطباقها في النظام القانوني للسلطة/ الدولة، بل مد سريانها ضمنيًا إلى محاكمة المدنيين160. ويؤشر كذلك على خطوات إعادة استنهاض دور المنظمة، أو "استنجاد" السلطة بها، ما ورد من إشارات إلى النظام الأساسي للمنظمة في ديباجة القرارات بقوانين الصادرة عن رئيس السلطة الفلسطينية خلال الآونة الأخيرة، ولا سيما منذ عام 2018 161. وعلى صعيد المقابلة الجماعية التي أجراها الباحثان مع قضاة المحكمة الدستورية162، فقد علّق القضاة ابتداء أن مسألة "الهمّ الوطني" كانت الدافع الأساسي لتناول القيمة القانونية لإعلان الاستقلال ومنحه هذه المكانة؛ مبدين أن هذا الإعلان جاء نتاج تضحيات الشعب وما قدّمه من شهداء وأسرى وجرحى، وأنه يُعدّ وثيقة تمثّل كافة آمال الشعب الفلسطيني وتطلعاته في الداخل والشتات. وعلى هذا الأساس، قرروا سمَّوَه على القانون الأساسي. وأكدوا أن هذا القرار لم يُتّخذ اعتباطيًا، بل بعد اطلاعهم على تجارب دولية، وخاصة التجربتين الأميركية والفرنسية163، وفي ضوء تبنّيهم لثلاثة معايير:

  1. ينظر: معين البرغوثي، "الإطار الدستوري لمنظمة التحرير"، أطروحة دكتوراه في القانون العام، الجامعة الأردنية، عّم ان، 2019، ص 77 - .78
  2. في حدود ما تظهره من نتائج محركات البحث في منظومة المقتفي- جامعة بيرزيت، المرجع الإلكتروني للجريدة الرسمية ومنظومة، اتص لًابتاريخ الاسترجاع.2024/9/30
  3. الوقائع الفلسطينية، العدد 72، 2007/9/9، ص 2 - 50 (المواد 36، 45،.)51
  4. الوقائع الفلسطينية، العدد 120، 2016/4/26، ص 22 - .35
  5. النص: "مثلما كانت ديمومة التصاق الشعب العربي الفلسطيني بأرض آبائه وأجداده التي نشأ عليها حقيقة عبرت عنها وثيقة إعلان الاستقلال."[...]
  6. حول حلّ المجلس التشريعي، ينظر: توام وخليل، "الوظيفة المزدوجة"، ص 38-37؛ توام، "لعبة القانون"، ص 358-357؛ محمود أبو صوي، "رقابة الدستورية في فلسطين"، أطروحة دكتوراه في القانون العام، جامعة تونس المنار، تونس، 2020، ص 163 - .165
  7. ينظر: رشاد توام، "تفويض المجلس المركزي باختصاصات المجلس الوطني الفلسطيني: أتغلب المشروعية الشرعية؟"!، صحيفة الحدث، 2022/2/5، شوهد في 2024/1/11، فh يttps://bit.ly/3k5dpX0:
  8. ينظر: "ورقة موقف حول قرار المحكمة الدستورية التفسيري لعبارة 'الشأن العسكري' وطبيعة جهاز الشرطة ومحاكمة منتسبيه"، سلسلة أوراق عمل بيرزيت للدراسات القانونية، العدد 9 / 2018، وحدة القانون الدستوري، جامعة بيرزيت (تشرين الأول/ أكتوبر 2018، شوهد في 2024/1/11)، في https://bit.ly/3kXkycX:
  9. على سبيل الأمثلة، ينظر القرارات بقوانين: 39() لسنة 2018؛ 4() لسنة 2019؛ 2() لسنة 2020؛ 2() لسنة 2021؛ 2() لسنة 2022؛ 1() لسنة 2023؛ 5() لسنة.2024
  10. ينظر تفاصيل حولها في نهاية المقدمة.
  11. محمد الحاج قاسم وعبد الرحمن أبو النصر وحاتم عباس، مقابلة شخصية، رام الله،

أولًا، جهة الإصدار: مَّثّل قرار المحكمة توجّهًا يتناغم مع تراتبية العلاقة بين السلطة والمنظمة؛ على اعتبار أن الأولى التي أصدرت القانون الأساسي، لا تعُدُ أن تكون إلا ذراعًا للثانية التي أصدرت إعلان الاستقلال؛ وبناء عليه، فإن أيّ وثائق دستورية تصدر عن السلطة الفلسطينية لا بد من أن تأتي في مرتبة أدنى من الوثائق الدستورية الصادرة عن المنظمة164. ثانيًا، مستوى التمثيل الشعبي: القانون الأساسي يخاطب فلسطينيّي الداخل (الضفة الغربية وقطاع غزة)، باعتبار من سنّته مؤسسة تمثّلهم وحدهم (كونهم من انتخبوها)، وليس الكل الفلسطيني (بما يشمل فلسطينيي الشتات) الذي تمثّله المنظمة وتخاطبه165. ثالثًا، مدة السريان: سريان القانون الأساسي مرهون بمرحلة انتقالية مؤقتة (طالت في الواقع)، بينما إعلان الاستقلال غير محدد بفترة معيّنة؛ ومن ثم، فإنه ما بين "ديمومة الإعلان"، و"تأقيت القانون الأساسي"، تكون الغلبة للإعلان166. أما مسألة كون الإعلان صدر عن جهة غير منتخبة (المجلس الوطني)167، مقابل صدور القانون الأساسي عن جهة منتخبة (المجلس التشريعي)168، فأكد القضاة أن ذلك لم يكن له أيّ اعتبار في اتخاذهم القرار169. الأصل أن هذا المعيار غير كاٍفٍ للتعويل عليه في تحديد القيمة الدستورية لوثيقةٍ ما، في ظل أن التاريخ الدستوري العالمي شهد دساتير صدرت بأساليب غير ديمقراطية، مثل المنحة أو العقد170، ومنها وثيقة الحقوق البريطانية (العهد العظيم.) ولم يقف معيار ديمقراطية أسلوب إنشاء الدستور عائقًا أمام اعتبارها دساتير171. ولكن في حالة "المفاضلة" بين وثيقتين دستوريتين على المستوى الوطني، فإن لهذا المعيار اعتبارًا مهمًا، يفتّ في عضد المعياَرَين الأول والثاني اللَذَين أخذت بهما المحكمة. كما يفتّ في عضدهما سابقة "تاريخية"، تغلبت فيها إرادة المجلس التشريعي على إرادة المجلس الوطني في التنافس بينهما على سن القانون الأساسي172. في المقابل، فإن المحكمة في قرارها هذا غلّبت إرادة المجلس الوطني الذي أصدر إعلان الاستقلال على إرادة المجلس التشريعي الذي سن القانون الأساسي. وإذا ما عدنا إلى الخبرة المصرية، وقبل أن يقرر القضاء الدستوري المصري التنكر للقيمة القانونية لميثاق 1962، هناك من طرح معيارًا شكليًا لتقرير موضع الميثاق مع الدستور، يتقارب كثيرًا مع معيار الباحثين السابق، يتصل بالمفاضلة بين "الإجراءات المتبعة في وضع وإقرار كل منهما"، ولا سيما حال اختلفت الجهة التي اضطلعت بذلك، وكانت إحداها تتوافر لديها "الصفة النيابية" أكثر من الأخرى173. ففي الحالة المصرية، الذي وضع الميثاق هيئة مشكّلة بأسلوب مختلط ما بين الانتخاب والتعيين (المؤتمر الوطني للقوى الشعبية)، في حين وضعت الحكومة دستور 1964 وأصدره الرئيس، وأقر دستور 1971 بموجب استفتاء شعبي174. وبناء عليه، فإن الصفة النيابية للجهة التي وضعت دستور 1971 أكبر مما هي لدى الجهة التي وضعت الميثاق. ومن ثم فالدستور أسمى. وإذا ما أعملنا هذا المعيار في الحالة الفلسطينية، فإن المجلس الوطني غير المنتخب (الذي وضع الإعلان) أقل صفةً نيابية من المجلس التشريعي المنتخب الذي وضع القانون الأساسي. وبناء عليه، فالإعلان ليس أسمى من القانون الأساسي. أما فيما يتعلق بالمعيار الثالث للمحكمة، فإن كون وثيقة دستورية مؤقتةً لا ينتقص من قيمتها الدستورية، فضلًاعن أنه لا يوجد ما يمنع من أن يجري تبنّي القانون الأساسي (نفسه أو بعد تعديله) ما بعد قيام الدولة الفلسطينية ليصبح بمنزلة دستور دائم لها175. كما أن وسم وثيقة إعلان الاستقلال بصفة "الخلود"، باعتبارها المحددة لهوية الدولة الفلسطينية، توجّه غير منطقي؛ فلا يوجد ما يمنع من تفعيل السلطة التأسيسية لتبنّي دستور يعكس إرادة الشعب وينص على نحو صريح على إلغاء وثيقة إعلان الاستقلال! بناء عليه، يرى الباحثان أن المحكمة قد جانبت الصواب باعتبارها إعلان الاستقلال يسمو على القانون الأساسي؛ فلا يوجد في "الدولة"

  1. محمد الحاج قاسم وعبد الرحمن أبو النصر، مقابلة شخصية، رام الله،.2023/5/17
  2. المرجع نفسه.
  3. عبد الرحمن أبو النصر، مقابلة شخصية، رام الله،.2023/5/17
  4. على الرغم من أن النظام الأساسي للمنظمة نص على دورية انتخابه كل ثلاث سنوات، فإنه لم يجِرِ انتخابه في أيّ وقت من الأوقات لدواعي تعُّذُر ذلك عمليًا، ولكن في الواقع كان في الإمكان إجراء انتخابات ولو جزئية في أكثر من فرصة، ينظر: رشاد توام، "المجلس الوطني الفلسطيني والمعركة الانتخابية المسكوت عنها: قراءة أولية فيما يفترض أنه النظام الساري سلسلة هنري كتن لدراسات القانون العام لانتخاب المجلس ")2013(،، العدد 2 / 2021، جمعية القانونيين الفلسطينيين (نيسان/ أبريل 2021)، ص 1 - 2، شوهد في 2024/1/11، فh يttps://acr.ps/1L9zRBs:
  5. أشير سابقًا إلى كون المجلس الوطني كان يطالب بأحقيته بسنّ هذا التشريع
  6. محمد الحاج قاسم، مقابلة شخصية، رام الله،.2023/5/17
  7. حول أساليب وضع الدساتير، ينظر: الشاعر، ص 178-140؛ بن حماد، ص 257 - .273
  8. ينظر: كزافييه فيليب، "وضع الدساتير"، في: عاصم خليل وكزافييه فيليب، الكتيب العربي
  9. الدستوري، وهو ما أخّر صدوره.
  10. القضاء الإداري: دراسة مقارنة محمود محمد حافظ،، ط 4 (القاهرة: دار النهضة العربية، 1967)، ص 30 - .31
  11. الشاعر، ص 202 (حاشية)3،.209 175 ينظر: خليل وتوام، ص.18
  12. المرافق في القانون الدستوري (تونس: المنظمة العربية للقانون الدستوري، 2021)، ص.16 172 سبقت الإشارة إلى هذه الواقعة في مقدمة الدراسة.

ما هو أعلى من "الدستور"، ولطالما تحققت هذه الصفة للقانون الأساسي قبل صدور قرار المحكمة المذكور وأقرّت به المحكمة ذاتها كما سبق أن أشير إليه. ويأتي هذا الطرح متوافقًا مع بعض من علّقوا على قرار المحكمة، بتأكيدهم على عدم جواز اعتبار وثيقة إعلان الاستقلال أعلى من القانون الأساسي، بل في مرتبة موازية له176.

إضافةً إلى ما سبق، إذا منح إعلان الاستقلال مكانة أعلى من القانون الأساسي فإن ذلك قد يُرتب نتيجة بالغة الخطورة، تتمثل في حالة قيام تعارض بين الوثيقتين، إذ ستكون المحكمة مضطرة إلى الامتناع عن تطبيق أحكام القانون الأساسي، الذي قامت المحكمة بموجبه، المتعارضة مع إعلان الاستقلال؛ كونها وضعت الثاني في قمة الكتلة الدستورية على حساب الأول، وهو ما يعني إمكانية "الرقابة على دستورية الدستور" (القانون الأساسي) الأمر الذي لا يستقيم مع الغاية من إعمال مبدأ رقابة دستورية القوانين. وبالعودة إلى الماضي قليلًا، شهد عام 2000 جدل المفاضلة ما بين إصدار القانون الأساسي أو وثيقة دستورية بديلة باسم "الإعلان الدستوري." وقد تضمّنت مقدمة مشروع الإعلان الدستوري حينها إحالة صريحة إلى إعلان الاستقلال واقتباسات حرفية لعدة فقرات منه177، إلا أن الإعلان الدستوري بقي مشروعًا، وصدر القانون الأساسي. وقياسًا على هذه التجربة، هناك من دعا إلى وضع إعلان الاستقلال مقدمةً لمشروع الدستور، إضافة إلى اقتراح تضمينه بإحالات مباشرة إلى الإعلان، باعتبار الأخير "وثيقة دستورية مقدسة"، استلهامًا من التجربة الفرنسية178. ومن بين تلك الدعوات ما كان معرّب ا رسميًا عن موقف أحزاب سياسية179. وهناك من لاحظ أن المسودة الأولى لمشروع الدستور تضمّنت مقدمة "مستوحاة فيما يبدو من وثيقة إعلان الاستقلال"، لكنها حذفت من المسودتين التاليتين180، وكذلك من المسودة الرسمية الأخيرة (الثالثة المنقحة،)2003 والمسودة المسربة لعام 2015 181، وإن كانت المقدمة في المسودة الأخيرة أشارت إلى الإعلان في معرض القول إن "هذا الدستور" جاء "تطبيقا لمبادئ[ه."] وهو ما ينسجم مع ما ورد في النص المرفق بتلك المسودة بعنوان "فلسفة ومرتكزات لجنة صياغة مسودة دستور دولة فلسطين" (ليست جزءًا من مشروع الدستور كما المقدمة)، باعتبار اللجنة للإعلان "الوثيقة الدستورية الفلسطينية الأساس في تحديد منهج وأسس وفلسفة الدولة الفلسطينية." يُستخلص مما سبق أن الجهات المكَّلَفة بصناعة الدستور الفلسطيني، خلال أكثر من تجربة، وباستثناء ما ورد في مسودة 2015 المسربة، لم تذهب أيّ منها إلى محاولة منح وثيقة إعلان الاستقلال قيمة فوق دستورية، وإنما ذهب بعضها إلى منحها قيمة دستورية. كما أن ما ورد في المسودة المسربة لا يعتبر تصريحًا بسمّو الإعلان على الدستور. وحتى لو كان تصريحًا، وعلى فرض نُفّذ الدستور بتلك الصيغة، فإن ذلك لا يعني التسليم بهذا التصريح لوروده في المقدمة (في ظل الجدل حول القيمة القانونية لمقدمات

  1. ينظر: محمد غزوي، "تعليق على القرار التفسيري الصادر عن المحكمة الدستورية مجلة العدالة والقانون العليا الفلسطينية رقم 5() لسنة "2017،، العدد 33 2018()، ص 115؛ عاصم خليل، "مكانة وثيقة إعلان الاستقلال مقارنة مع القانون الأساسي الفلسطيني"، مدونة عاصم خليل، 2018/8/3، شوهد في 2024/9/22، في: https://acr.ps/1L9zShi
  2. ينظر نص المشروع في: '"الشرق الأوسط' تنشر مشروع الإعلان الدستوري المقترح لدولة فلسطين"، الشرق الأوسط، 2000/12/27؛، شوهد في 2024/9/23، في: https://bit.ly/2BTB6yX؛ وحول الجدل المرافق، ينظر: "الخيارات الدستورية في ظل قيام الدولة الفلسطينية المستقلة"، المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية، 2000/11/28، شوهد في 2024/9/23، في https://acr.ps/1L9zRS6:
  3. ينظر: الوحيدي، ص 586 - 587، 597 - .599
  4. مثلًا: الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، "حول الدستور الفلسطيني"، في: سعيد والبرغوثي وعبد المجيد، ص 263 - .264
  5. سير العملية الدستورية وكيفية بناء الدستور الفلسطيني عصام عابدين، (رام الله: المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية، 2004)، ص.13
  6. تعتمد الدراسة لغايات الجزء الثاني في المبحث الثاني مسودة 2003، باعتبارها آخر نسخة رسمية جرى تداولها. ينظر: "مشروع المسودة الثالثة 'المنقحة:' دستور فلسطين"، عبر موقع المجلس التشريعي الفلسطيني، شوهد في دولة 2024/1/12، في: https://acr.ps/1L9zSko؛ وإضافة إليها، تتطرق الدراسة إلى مسودة 2015 المسربة (غير رسمية)، في الحالات التي تستدعي دعم أو إثراء خط الدراسة. لمطالعة نص النسخة المسربة عبر حساب Google Drive للباحث الأول، شوهد في 2024/1/12، في https://bit.ly/3xMkgfZ:

الدساتير)، و/ أو النص المرفق بمشروع الدستور (كونه ليس جزءًا من الدستور عند نفاذه.) أما بخصوص مدى "حجّية" (إلزامية) قرار المحكمة الدستورية182، فكأصل عام ووفقًا لقانون المحكمة، فإن ما يصدر عنها من أحكام أو قرارات تفسيرية يعدّ نهائيًا وغير قابل للطعن (المادة 40)، وله حجّية مطلقة في مواجهة جميع سلطات الدولة والكافة (المادة.)1/41 بالعودة إلى قرار المحكمة موضع الدراسة، يلاحظ أنها خالفت فيه الشروط الموضوعية والشكلية الواجب توافرها لصحة إصدار قرارات التفسير، وَنَّصَبت نفسها مكان السلطة التأسيسية، وعملت على خلق قواعد دستورية جديدة في موضوعات لم يتطرق إليها القانون الأساسي بتاتًا، سواء فيما يتعلق بتقريرها سموّ إعلان الاستقلال على القانون الأساسي، أو تقريرها لمكانة المعاهدات الدولية وآلية إنفاذها (في القرار ذاته.) ونظرًا إلى هذه التجاوزات التي تعتري هذا القرار، ومدى منطقية مضمونه وصحته، يجدر التنويه إلى مسألة بالغة الأهمية تتمثل في أن قرارات المحاكم الدستورية نهائية من حيث المبدأ، ولكنها ليست صحيحة بالضرورة183؛ وبناء عليه، فمن الخطأ اعتبار كافة قرارات المحكمة الدستورية أنها جزء من النظام القانوني الساري في فلسطين، والتعامل معها على أنها كذلك184. ولكن تبقى المشكلة في أن قانون المحكمة خوّلها دون غيرها بالفصل في منازعات تنفيذ أحكامها وقراراتها (المادة 43.) ومن ثم، فهي "الخصم والحكم" في آن معًا!

علاقة إع ناا الاستقلال بالوثائق الدستورية الفلسطينية

في إثر تحديد المكانة القانونية لوثيقة إعلان الاستقلال، لا بد من البحث في مدى المواءمة بين القانون الأساسي ومشروع الدستور من جهة، ووثيقة إعلان الاستقلال من جهة أخرى. ويلاحظ في هذا الشأن وجود تباين لا يقتصر على صعيد التنظيم الدستوري للنظام السياسي أو العلاقة بين السلطات (الفرع أ)، بل أيضًا على صعيد التنظيم الدستوري للحقوق والحريات (الفرع ب.)

أ. تباين على صعيد التنظيم الدستوري للنظام السياسي

وصف إعلان الاستقلال النظام السياسي بأنه نظام "ديمقراطي نيابي برلماني." ويعدّ هذا النظام من الأنظمة النيابية القائمة على فكرة التوازن والتعاون بين السلطتين التشريعية والتنفيذية185. وفي المقابل، وصفه القانون الأساسي بأنه "نظام نيابي" (المادة 5)، من دون تحديد أيّ الأنظمة النيابية يقصد؛ إذ تشمل الأنظمة النيابية الأنظمة البرلمانية والرئاسية وما بينهما؛ وإن كان الاستدلال السليم على توصيف النظام السياسي يُستنبط من خلال تحديد طبيعة العلاقة بين السلطات، وفقًا لمجمل الأحكام (النصوص الدستورية)، لا استنادًا إلى تسمية الدستور له186. أما على الصعيد الفقهي، فَوَصف كثير من الدارسين النظام السياسي الفلسطيني، بعد تعديل القانون الأساسي عام 2003، باستحداث منصب رئيس الوزراء، بأنه نظام "مختلط"؛ لكونه شبيهًا بالأنظمة البرلمانية من حيث مسؤولية الحكومة أمام المجلس التشريعي، ولكنه أيضًا قريب من الأنظمة الرئاسية من حيث الانتخاب المباشر لرئيس الدولة وعدم مسؤوليته أمام المجلس التشريعي، في ظل الصلاحيات التنفيذية الواسعة الممنوحة له187. كما درجت عادة الباحثين على توصيف ذلك النظام السياسي بكونه أقرب ما يكون إلى النموذج الفرنسي، الموصوف بكونه أحد أبرز تطبيقات أو نماذج النظام "شبه الرئاسي"188 أو "البرلماني المعقلن"189، وإن كان هنالك تمايز بين النظامين الفرنسي والفلسطيني في بعض الجزئيات190؛ ذلك أن النظام الفلسطيني يجمع بين أجزاء مبتورة من أنظمة سياسية مختلفة. ومع ذلك، فليس في الإمكان اعتباره أو توصيفه بكونه نظامًا برلمانيًا، وفقًا لما ورد في إعلان الاستقلال، ومن ثم فهو مخالف لها.

  1. في مفهوم الحجية باعتباره اصطلاحًا في القضاء الدستوري، ينظر: فتحي الوحيدي، القضاء الدستوري في فلسطين وفقًا لأحكام القانون الأساسي المعدل ومشروع قانون المحكمة
  2. Josh Blackman, "ConLaw Class 2 – Foundational Cases on
  3. Asem Khalil, "The Supreme Courts Decisions are Final but they are not Always Right," Asem Khalil Website , 11/5/2020, accessed on 19/7/2020, at: https://bit.ly/2HFskY3
  4. ينظر حوله: المجذوب، ص.114
  5. Asem Khalil, "Beyond the Written Constitution: Constitutional Crisis of, and the Institutional Deadlock in, the Palestinian Political System as Entrenched in the Basic Law," International Journal of Constitutional Law , no. 1 (2013), p. 47.
  6. معالم الدولة الفلسطينية المستقبلية عاصم خليل، (بيرزيت: معهد الحقوق - جامعة بيرزيت، 2008)، ص.22 188 ينظر: رشاد توام وعاصم خليل، "مقاربات نظرية جديدة في النظام شبه الرئاسي على ضوء الإقبال العربي عليه"، المجلة القانونية التونسية 2019()، ص 188 - .192 189 في جدل توصيف النظام الفرنسي وتسميته، ينظر: بن حماد، ص 541-539؛ دوفرجيه، ص 182؛ ينظر في مقاربة جديدة لمعايير تمييز هذا النظام: توام وخليل، ص 201 - .208
  7. الدستورية العليا "دراسة مقارنة" (غزة: دار المقداد للطباعة، 2004)، ص.235
  8. Constitutional Structure: The Marshall Court," Josh Blackman, YouTube, 17/8/2017, Min. 20, accessed on 16/9/2024, at: https://bit.ly/3ZCafjA
  9. ينظر Khalil, "Beyond the Written Constitution," pp. 65-68:؛ محمود  190 أبو صوي، الفصل بين السلطات واستقلال القضاء في فلسطين: نتازع الصلاحيات في قطاع العدالة (بيرزيت: كلية الحقوق والإدارة العامة بجامعة بيرزيت، 2015)، ص.110

أما مشروع دستور الدولة (مسودة 2003)، فوصف النظام السياسي بأنه نظام "ديمقراطي نيابي برلماني" (المادة 8)، وهو ما يتوافق مع التوجه الذي تبنّته وثيقة إعلان الاستقلال من حيث المبدأ. وبالعودة إلى مشروع الدستور، يلاحظ أنه اتجه فعلًا، وإلى حد بعيد، نحو اعتماد نظام سياسي "برلماني"؛ بتبنّيه ازدواجية السلطة التنفيذية (رئيس ورئيس وزراء) (المادة 112)، وتضمينه مهمات رمزية لرئيس الدولة (المادتان 122، 124)، وإشارته إلى ضرورة توقيع رئيس الوزراء أو الوزير المختص بجانب توقيع رئيس الدولة ما يصدر عنه من قرارات ومراسيم. وبذلك تكون صلاحيات الرئيس مقيّدة بتدخلات وزراء يخضعون لرقابة البرلمان؛ وبناء عليه يغلب على صلاحياته طابع الرمزية191. وعلى الرغم من توافق هذه المواد وغيرها (ينظر مثلًاالمادتان 70 و 88) مع المعايير التقليدية للنظام البرلماني، فإن الرئيس يُنتخب مباشرة من الشعب (المادة 114)؛ وهو ما لا يتناغم مع ما تتجه إليه العديد من تجارب الأنظمة البرلمانية التي ينتخب فيها البرلمان رئيس الدولة192. وُيُشار في هذا الصدد إلى أن انتخاب الشعب للرئيس يمنحه شرعية أقوى193؛ الأمر الذي لا يعكس دلالة على رمزية منصبه. ومن جهة أخرى، فقد منح مشروع الدستور بعض الصلاحيات التنفيذية "غير الرمزية" لرئيس الدولة، بصورة لا تتوافق مع خصائص النظام البرلماني، مثل اقتراح مشاريع القوانين (المادة)77194، واعتبار "رئيس الدولة هو الرئيس الأعلى لقوات الأمن الوطني الفلسطيني التي يرأسها وزير مختص" (المادة)126، وإن كان هناك من يرى في اختتام ذلك النص بعبارة "التي يرأسها وزير مختص" قد تُعدّ مدخلًاإلى إمكانية اعتبار منصب الرئيس "منصب[ًا] فخري[ًا"]195. وفي ضوء ما سبق (الشكل 3)، يمكن القول إن مسودة مشروع الدستور لعام 2003 اتجهت فعلًاإلى تبنّي نظام أقرب ما يكون إلى "النظام البرلماني"، بما يتوافق مع وثيقة إعلان الاستقلال، في حين يبقى التباين جليًا ما بين الإعلان والقانون الأساسي تجاه هذه المسألة. ولكنّ مسودة عام 2015 المسربة تتراجع عن ذلك التوافق مع إعلان الاستقلال، لتقترب مع ما ورد في القانون الأساسي، سواء بالاعتماد على توصيفها للنظام السياسي، بأنه نظام "ديمقراطي نيابي" (المادة 7)، أو باستنباط طبيعة النظام من أنساق العلاقة بين السلطات196. وبناء عليه، فإن هذه المسودة 2015()، وإن كانت أعلت من شأن إعلان الاستقلال أكثر من غيرها (كما سبق أن أشير إليه)، فإنها عارضته في تصميمها للنظام السياسي. الشكل)3(التباين في الوثائق على صعيد طبيعة النظام السياسي

ﻣﺴﻮدةﻣﴩوع إﻋﻼن اﻟﺪﺳﺘﻮر(2015) اﻻﺳﺘﻘﻼل

VS

ﻣﺴﻮدةﻣﴩوع اﻟﻘﺎﻧﻮن اﻟﺪﺳﺘﻮر(2003) اﻷﺳﺎﳼ "رﺳﻤﻴﺔ"

ب. تباين على صعيد التنظيم الدستوري للحقوق والحريات

تكفل الدساتير في مختلف الدول المعاصرة مجموعة من الحقوق والحريات العامة، للارتقاء بحمايتها إلى المستوى الدستوري، تأسيسًا على مبدأ "سموّ الدستور"؛ ذلك أن إمكانية تعديل المشرّع للقوانين العادية على نحو مستمر، باسم "الأغلبية البرلمانية"، قد يؤدي في الحصيلة إلى المساس بالحقوق والحريات العامة197. وفي المقابل، يتطلب تعديل الدساتير (الجامدة، وليس المرنة)، إجراءات أصعب وأغلبية تصويت أعلى مما هو متطلب لسنّ القوانين وتعديلها. وفي السياق الفلسطيني، تضمنت الوثائق الدستورية السارية (القانون الأساسي وإعلان الاستقلال) وغيرها (مشروع الدستور)، النص على جملة من الحقوق والحريات العامة، ولو بصورة متباينة.

  1. مسودة دستور فلسطين: النسخة الثالثة ناثان براون، (رام الله: المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية، 2003)، ص.42
  2. ينظر: بن حماد، ص 491 - .492
  3. براون، ص.37
  4. المرجع نفسه، ص.27
  5. 197 دراسات في النظام الدستوري خليل،، ص.136 • نطاق أوسع من الحقوق • حقوق متنوعة • نطاق أوسع من الحقوق • حقوق متنوعة • نطاق ضيق من الحقوق • تركيز ع حقوق سياسية + م„وع دستور دولة فلسط )غ سار مواثيق دستورية سارية(المصدر: المرجع نفسه.
  6. ينظر بالأخص المواد 17، 132، 134، 143، 145، 146، 153، 155، 175، 177، 184،
  7. 195 المرجع نفسه، ص.42 موع دستور دولة فلسط )غ سار مواثيق دستورية سارية(المصدر: المرجع نفسه.

وهو التباين الذي نُعنى هنا بإبرازه؛ في محاولة لتحديد أيّها يكفل حقوق الإنسان أكثر ويحميها. تضمّن إعلان الاستقلال التأكيد عمومًا، وفي أكثر من موضع، على احترام دولة فلسطين للحقوق والحريات العامة، وأكّد صراحة على الالتزام ب "مبادئ الأمم المتحدة وأهدافها، وبالإعلان العالمي لحقوق الإنسان." وقد تبنّى الإعلان جملة من الحقوق والحريات العامة في الفقرة التالية: "إن دولة فلسطين هي للفلسطينيين أينما كانوا، فيها يطورون هويتهم الوطنية والثقافية، ويتمتعون بالمساواة الكاملة في الحقوق، وُتُصان فيها معتقداتهم الدينية والسياسية وكرامتهم الإنسانية، في ظل نظام ديمقراطي برلماني، يقوم على أساس حرية الرأي وحرية تكوين الأحزاب ورعاية الأغلبية حقوق الأقلية واحترام الأقلية قرارات الأغلبية، وعلى العدل الاجتماعي والمساواة وعدم التمييز في الحقوق العامة على أساس العرق أو الدين أو اللون بين المرأة والرجل، في ظل دستور يؤِّمِن سيادة القانون والقضاء المستقل." يلاحظ في هذا النص أنه لم يشر إلى أي حقوق تندرج ضمن طائفة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية (مثل الحق في السكن والصحة والعمل)، باستثناء الإشارة إلى كون النظام السياسي يقوم على أساس "العدل الاجتماعي." كما يلاحظ أن الحقوق جرت صياغتها على شكل مبادئ عامة من دون الخوض في تفاصيلها؛ الأمر الذي يتوافق مع الأسلوب الأدبي في صياغة الإعلان التي لا تحتمل تفصيل تلك الحقوق كما الأحكام الدستورية التقليدية. ولكن العذر الذي نلتمسه للإعلان، بردّه إلى أسلوب صياغته، لا يشمل إغفاله كفالة حقوق أخرى؛ فعلى سبيل المثال كفل الإعلان حرية الرأي من دون الإشارة إلى حرية التعبير! ولم يكفل الحق في الحياة، وفي الحياة الخاصة، وغيرهما. في المقابل، خصص القانون الأساسي بابًا للحقوق والحريات (الباب الثاني، المواد 33–9)، كفل فيه صراحة "طيفًا" واسعًا منها، سواء فيما يندرج ضمن طائفة الحقوق المدنية والسياسية (مثل المواد 9، 12، 16 - 20، 21 / 3، 26، 28، 30، 32)، أو طائفة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (مثل المواد 25-23)، والحقوق الجماعية/ التضامنية (المادة 33)، ذلك إضافة إلى حقوق وحريات أخرى أحال تنظيمها إلى القوانين العادية (مثل المواد 21 / 2، 22، 25 / 3،.)4/25 وبناء عليه، يلاحظ أن القانون الأساسي نظّم الحقوق والحريات للقاتسلاا نلعاإب ةنراقم لايًااصفتو لاوًاامشو ةقد ثكرأ ةروصب ةماعلا. أما على صعيد مشروع الدستور 2003()، فقد خصص هو الآخر بابًا للحقوق والحريات (الباب الثاني، المواد 62-19)، شمل نطاقًا أوسع (مما ورد في القانون الأساسي، وإعلان الاستقلال بطبيعة الحال)، سواء من طائفة الحقوق المدنية والسياسية (مثل المواد 12، 19، 25، 28 - 31، 35 - 38، 55-53)، أو طائفة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (مثل المواد 42 - 48، 51-50.) ومن أبرز الحقوق والحريات التي انفرد بها مشروع الدستور (مقارنةً بالإعلان والقانون الأساسي:) الحق في اللجوء (المادة 32)، والحياة (المادة 25)، والملكية الفكرية (المادة 41)، والملكية الخاصة والعامة (المادة 50)، وحرية المراسلات والاتصالات الخاصة (المادة.)35 وفي الحصيلة، فإنه على الرغم من التباين الواضح في كفالة الحقوق والحريات بين الوثائق الثلاث، فإنه لا يوجد تعارض بينها، وإن كان القانون الأساسي، ومشروع الدستور إلى حد أبعد، توَّسَعا في نطاق الحقوق والحريات (الشكل.)4 الشكل)4(التباين في الوثائق على صعيد حقوق الإنسان

ﻣﴩوع اﻟﺪﺳﺘﻮر

اﻟﻘﺎﻧﻮن اﻷﺳﺎﳼ

إﻋﻼن اﻻﺳﺘﻘﻼل

"مرافعة"، بدلًا من خاتمة

"الهمّ الوطني" كان الدافع الأساسي لتوجّه الباحَثيَن إلى إجراء مقابلة مع قضاة المحكمة الدستورية، في وقت متأخر 2023() من بدء التحضير للعمل على هذه الدراسة 2018()؛ لفحص فرضيةٍ راودتهما، مؤداها أن تكون المحكمة قد أقدمت على تقرير سموّ إعلان الاستقلال على القانون الأساسي والاتفاقيات الدولية، كي تستند إليه في الرقابة على دستورية اتفاقيات الحل النهائي مع الجانب الإسرائيلي؛ بحيث تقف عائقًا أمام القيادة الفلسطينية الرسمية حال تفريطها في الحد الأدنى المعّب رعنه في إعلان الاستقلال لماهية الدولة الفلسطينية ومبادئها وهويتها. وفي مقابل مقاربة الباحَثيَن لمفهوم "الهم الوطني"، استخدم قضاة المحكمة - خلال المقابلة - المفهوم ذاته للتعبير

عن مقاربة أخرى، "عاطفية"، تجاه الإعلان، وإن أسندوها بمعايير موضوعية جرى نقدها خلال هذه الدراسة. حاول الباحثان فحص تلك الفرضية، ابتداءً من خلال تلمّس غير مباشر لملابسات اتخاذ القرار، لعدم التأثير في إجابة القضاة. ولكن مع تعبير القضاة عن مقاربتهم الخاصة للهمّ الوطني، فقد وجّه الباحثان سؤلًامباشرًا عما إذا كانت مقاربتهما حضرت في أذهانهم عند تداول القرار، فكانت الإجابة بالنفي198. كان لا بد من فحص هذه الفرضية، بهذه الطريقة، لسببين على الأقل: الأول، محاولة التماس العذر للمحكمة للانخراط في السياسة في هذا القرار. صحيح أنها لو كانت تأخذ بمقاربة الباحَثيَن للهّم الوطني، لكانت أيضًا قد أدت دورًا سياسيًا، إلا أن الغرض حينها سيكون أكثر شرعية من الغرض الذي يفترضه الباحثان ويحذّران منه؛ وهو إسهام المحكمة، من خلال هذا القرار (وغيره من القرارات التي صدرت أو قد تصدر)، في استنجاد السلطة بالمنظمة بحثًا عن شرعية رمزية تاريخية لدى الثانية، بدلًامن إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني برمّته (المنظمة والسلطة)، على أسس ديمقراطية ووحدوية، قائمة على شرعية انتخابية. أما السبب الثاني، فلمعرفة موقف المحكمة من إعمال رقابتها الدستورية على الاتفاقيات مع الجانب الإسرائيلي، في ظل أن المحكمة (حتى نهاية عام 2022) لم تقبل شكليًا وإجرائيًا إلا طعنًا واحدًا بدستورية أوامر عسكرية إسرائيلية، ورفضته موضوعيًا تاليًا199. وعلى الرغم من مرور أكثر من أربع سنوات حتى الآن فإن المحكمة لم تفصل بعد في طعٍنٍ بدستورية جميع الأوامر العسكرية النافذة، قُدّم إليها في 30 كانون الأول/ ديسمبر 2020 200. كانت دراسة سابقة قد خلصت إلى أن المحكمة لم تقبل أحيانًا طعونًا، لدواٍعٍ شكلية أو إجرائية، تجاه مسائل لا ترغب في الخوض فيها، وهو ما وصفته تلك الدراسة بتعبير "صوت صمت المحكمة"201. ولكن موقف المحكمة تجاه ذلك الطعن يعتبره الباحثان تطورًا خطيرًا لنظرية الصمت تلك، وإمعانًا فيها؛ فهي لم تفصل في الطعن أساسًا حتى تقبله أو تقرر عدم قبوله، بل آثرت تجاهله، أو تأجيله على أقل تقدير. يستبعد الباحثان كذلك أن يكون منطلق المحكمة، في قرارها موضوع هذه الدراسة، حقوقيًا أو حتى فلسفيًا، كمجادلة فقهاء فرنسيين قبل نحو قرن، بسموّ إعلان 1789 على الدستور، تأسيسًا على نظرية القانون الطبيعي، لتعزيز الحقوق والحريات. وهي المجادلة، التي إن عّب رت "عن نُْبْل على مستوى الغاية"، قد جرى تفنيدها في الحصيلة، انطلاقًا من عدة ركائز، أولاها أنه لم يكن للإعلان أيّ قيمة قانونية عند وضعه202. وهي الركيزة التي تصحّ كذلك في السياق الفلسطيني، ولا سيما في ظل شهادة أحد كبار السياسيين الفلسطينيين بأنه "لم يتم الترتيب لتنفيذ هذا الوصف العام [للنظام السياسي المرسوم في إعلان الاستقلال]، ولم تتهيّأ الهيئات القيادية في [المنظمة] لتطبيقه فعليًا. فضلًاعن أنه لم يجِرِ تكييف الأنظمة والمدونات التنظيمية [للمنظمة] لتكون مصدر إلزام بتطبيق هذا النظام"203. ولا توجد مؤشرات على وجود قيمة قانونية للإعلان في بداية عهد السلطة الفلسطينية وقبل صدور القانون الأساسي أول مرة -1994(2002.) خلال هذه السنوات الثماني كان هنالك فرصة، بل حاجة إلى إعمال الإعلان في ظل غياب وثيقة دستورية وطنية أخرى. ولكن ما حصل أن السلطة أخذت بدايةً بنظام سياسي صمّمته اتفاقات أوسلو، فيما عُرف ب "المجلس الفلسطيني" القائم على نموذج النظام المجلسي، وعندما هجرته في الواقع، بالفصل بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، اتجهت إلى نظام أقرب إلى الرئاسي، قبل تعديل القانون الأساسي عام 2003 لفصل رئاسة السلطة عن رئاسة الحكومة، تحت ضغوط دولية، لتقترب من نظام شبه رئاسي أو مختلط204. وفي المحطات الثلاث، كانت هنالك مخالفة بتوصيف إعلان الاستقلال للنظام بكونه برلمانيًا (الشكل.)5 ولما كان مناط أهمية النقاش العام للقيمة القانونية لإعلانات الحقوق هو "إمكان اعتبارها مرجعًا للرقابة الدستورية"205، وفي مقابل أن أغلب التجارب التي شهدت جدلًاحول إمكانية استناد القضاء الدستوري إلى نصوص أخرى غير الدستور (كإعلانات الحقوق)، كان بدافع تعزيز حقوق الإنسان، فقوبل برفض السياسيين بداعي كونه "بمثابة وضع العصي في دواليب السلطة"206؛ فإن المفارقة في الحالة الفلسطينية

  1. محمد الحاج قاسم، مقابلة شخصية، رام الله،.2023/5/17
  2. طعن دستوري، رقم ينظر:: الوقائع الفلسطينية، "2018/5، العدد 156، 2019/6/16، ص 30 - .33
  3. ينظر: '"وطن' ومؤسسات وشخصيات حقوقية يقدمون أول طعن دستوري لدى
  4. ينظر: توام وخليل، "الوظيفة المزدوجة"، ص 33 - 43،.54
  5. ينظر: عمر، ص 235-233؛ فهمي، ص 205 - .207
  6. أحمد قريع، الرواية الفلسطينية الكاملة للمفاوضات من أوسلو إلى خريطة الطريق، ج 3 (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2011)، ص.242
  7. ينظر في التعديلات على النظام السياسي: المرجع نفسه، ص 251-239؛ رشاد توام، "النظام الدستوري الفلسطيني"، الموسوعة العربية - أرابيكا، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات (قيد النشر.) 205 شريف، ص.175
  8. المحكمة الدستورية في الأوامر العسكرية الإسرائيلية السارية في فلسطين"، وكالة وطن للأنباء، 2020/12/30، شوهد في 2024/9/11، في https://bit.ly/3EXekqz:
  9. صليبا، ص 249-248؛ عبد العزيز برقوق، "مقاربة في رصد منهج المجلس الدستوري دفاتر السياسة والقانون في توسيع الكتلة الدستورية"،، العدد 9 (حزيران/ يونيو 2013)، ص.1 ك أسه اع ن وفقًا للتحليل المصدر: المرجع نفسه.

تكمن في أن كفالة حقوق الإنسان في القانون الأساسي - وكما أظهرت الدراسة - أفضل وأوسع وأكثر تفصيلًامما ورد في إعلان الاستقلال. وبناء عليه، لم يكن توجّه المحكمة متسقًا مع دواعي توجّه تجارب أخرى نحو البحث عن كفالة أفضل للحقوق والحريات خارج الدستور. الشكل)5(التباين في طبيعة النظام السياسي وفقًا للوثائق والواقع

وﻓﻘًﺎ ﻟﺘﻌﺪﻳﻞ وﻓﻘًﺎ ﻹﻋﻼن اﻟﻘﺎﻧﻮن اﻷﺳﺎﳼ اﻻﺳﺘﻘﻼل ﻋﺎم 2003

VS

ﰲ اﻟﻮاﻗﻊ ﻗﺒﻞ وﻓﻘًﺎ ﻻﺗﻔﺎﻗﺎت ﺻﺪور اﻟﻘﺎﻧﻮن أوﺳﻠﻮ اﻷﺳﺎﳼ 2002

أﻗﺮب

و• ﻮﺟﺒﻪ

إﱃ اﻟﺮﺋﺎﳼ

ومع ذلك، وعلى الرغم مما يثيره عمومًا توسيع الكتلة الدستورية من "مآل غامض"، وما يتسبب فيه من "تمييع" ل "المصطلح الدستوري"، ب "نقله لسلطة القاضي الدستوري عوض إبقائه بشكل رئيسي بيد المؤسس الدستوري"207، فإن الباحَثيَن لا ينكران القيمة القانونية لإعلان الاستقلال، بل يدعمان أن تكون له قيمة دستورية في الوضع االحالي (في موازاة القانون الأساسي)، أو حتى فوق دستورية مستقبل (قبالة دستور الدولة)، إذا ما قررت ذلك سلطة تأسيسية ديمقراطية، تُنتج دستورًا مَُقًَّرًا باستفتاء شعبي. أما أن تُِقِرّ تلك القيمة المحكمُة الدستورية (غير الديمقراطية بطبيعتها كما أيّ محكمة دستورية، بل ينفرد الرئيس في تعيين قضاتها في الحالة الفلسطينية)، مصادرة في ذلك سلطة المؤسس الدستوري وإرادة الشعب، فهو ما يعارضه الباحثان ويحذّران منه. كان مناط هذا التحذير صدور القرار عام 2018؛ وهو عام شهد جملة من المؤشرات الأخرى الداعمة لوجاهة التحذير، حال ما قُرئت على صفحة واحدة (تفويض المجلس الوطني صلاحياته للمجلس المركزي، وحلّ المجلس التشريعي نتيجة لقرار من المحكمة، ومؤشرات أخرى عُرض لها سابقًا.) وبناء عليه، تحذّر الدراسة من إمعان المحكمة، في المستقبل القريب، في القيام بدور سياسي أكثر وضوحًا، وقد يكون أشد خطورة، كتأطيرها العلاقة بين السلطة والمنظمة، و/ أو مساهمتها في إحلالها المجلس المركزي غير المنتخب بديلًامن مجلس تشريعي منتخب، و/ أو شرعنة آلية غير دستورية لإشغال منصب الرئيس حال شغوره المفاجئ208.

  1. حاشي، ص.336
  2. انتهى الباحثان من كتابة هذه الدراسة في نهاية أيلول/ سبتمبر 2024، وبناءً عليه، لم تتطرق إلى التطورات التي حصلت تاليًا بخصوص المسألة الأخيرة، كونها لا زالت متفاعلة، حتى آخر مراجعة للدراسة تزامنًا مع الدفع بها للنشر.

المراجع

بالعربية

أبو صوي، محمود. الفصل بين السلطات واستقلال القضاء في فلسطين: نتازع الصلاحيات في قطاع العدالة. بيرزيت: كلية الحقوق والإدارة العامة بجامعة بيرزيت،.2015 ________._ "رقابة الدستورية في فلسطين." أطروحة دكتوراه في القانون العام. جامعة تونس المنار. تونس،.2020 الدستور الأمريكي: أفكاُرُه ومُثُله إدلر، مورتمر.. ترجمة صادق إبراهيم عودة. عّم ان: مركز الكتب الأردني،.1989 الأمين، بلوم وفضال عبد الناصر. "المحكمة الدستورية في الجزائر: دراسة مقارنة مع المحكمة الدستورية المصرية." مجلة أبحاث. العدد 17.)2021(القانون الدستوري: النظرية العامة البحري، حسن.. نابلس: دار الشامل للنشر والتوزيع،.2019 مسودة دستور فلسطين: النسخة الثالثة براون، ناثان.. رام الله: المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية،.2003 البرغوثي، معين. "الإطار الدستوري لمنظمة التحرير." أطروحة دكتوراه في القانون العام. الجامعة الأردنية. عّم ان،.2019 البرغوثي، معين ورشاد توام. النظام القانوني لمنظمة التحرير الفلسطينية. رام الله: معهد الحقوق بجامعة بيرزيت،.2010 برقوق، عبد العزيز. "مقاربة في رصد منهج المجلس الدستوري في دفاتر السياسة والقانون توسيع الكتلة الدستورية.". العدد 9 (حزيران/ يونيو.)2013 بن حماد، محمد رضا. القانون الدستوري والأنظمة السياسية. ط.3 تونس: مركز النشر الجامعي،.2016 بوالشعير، سعيد. القانون الدستوري والنظم السياسية المقارنة. ط 12. الجزائر: ديوان المطبوعات الجامعية،.2013 النظام السياسي الجزائري.________. ط 2. الجزائر: ديوان المطبوعات الجامعية،.2013 بوبكر، خلف. "مقاربة نحو نشأة وتعديل الدساتير الجزائرية." مجلة العلوم القانونية والسياسية. العدد.)2016(14 بيلتاسون، ج. و. حول أميركا: دستور الولايات المتحدة الأميركية مع ملاحظات تفسيرية. واشنطن: وزارة الخارجية الأميركية،.2005 توام، رشاد. دبلوماسية التحرر الوطني: التجربة الفلسطينية. بيرزيت: معهد إبراهيم أبو لغد للدراسات الدولية – جامعة بيرزيت،.2013 ____.___ "خطوة إلى الخلف: تداعيات الهندسة الدستورية للانتقال على العملية التأسيسية في مصر وتونس." سياسات عربية. مج 9، العدد 52.)2021(____.___ "المجلس الوطني الفلسطيني والمعركة الانتخابية المسكوت عنها: قراءة أولية فيما يفترض أنه النظام الساري لانتخاب المجلس.")2013(سلسلة هنري كتن لدراسات القانون العام. العدد 2 / 2021. جمعية القانونيين الفلسطينيين (نيسان/ أبريل 2021 في https://acr.ps/1L9zRBs:). ____.___ "النظام الدستوري الفلسطيني." الموسوعة العربية - أرابيكا. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات (قيد النشر.) ____.___ "بطل الرواية: الدين في مقدمات الدساتير وأثره على ضوء مجلة الحقوق جدل قيمتها القانونية.". مجلس النشر العلمي – جامعة الكويت (قيد النشر.) توام، رشاد وعاصم خليل. "إنفاذ الاتفاقيات الدولية في فلسطين: الإشكاليات القانونية والحلول الدستورية." سلسلة أوراق عمل بيرزيت للدراسات القانونية. العدد 1 / 2019. وحدة القانون الدستوري. جامعة بيرزيت (كانون الثاني/ يناير 2019 في https://bit.ly/2ZluU8m:). ____.___ "مقاربات نظرية جديدة في النظام شبه الرئاسي على ضوء الإقبال العربي عليه." المجلة القانونية التونسية.)2019(_______. "الوظيفة المزدوجة للقضاء الدستوري في الأنظمة سياسات عربية السلطوية والتجربة الفلسطينية.". مج.11 العدد 64 - 65 (تشرين الثاني/ نوفمبر.)2023 ____.___ "القضاء الدستوري في المنطقة العربية: أثر آليات تشكيل المحاكم الدستورية الجديدة على استقلاليتها." المجلة الدولية للقانون. مج 14، العدد 1.)2025(الحاج قاسم، محمد. "الرقابة القضائية أمام المحكمة الدستورية العليا في فلسطين". مجلة العدالة والقانون. العدد 8.)2008(في النظرية الدستورية حاشي، يوسف.. وهران: ابن النديم للنشر والتوزيع؛ بيروت: منشورات الحلبي الحقوقية،.2009 القضاء الإداري: دراسة مقارنة حافظ، محمود محمد.. ط 4. القاهرة: دار النهضة العربية،.1967

حلمي، محمود. النظام الدستوري في الجمهورية العربية المتحدة. ط 2. القاهرة: دار الفكر العربي،.1967 القضاء الإداري الحلو، ماجد راغب.. الإسكندرية: دار المطبوعات الجامعية،.1995 الخطيب، نعمان. الوسيط في النظم السياسية والقانون الدستوري. ط 7. عّم ان: دار الثقافة،.2011 معالم الدولة الفلسطينية المستقبلية خليل، عاصم.. بيرزيت: معهد الحقوق – جامعة بيرزيت،.2008._______ منهجية البحث القانوني وأصوله. رام الله: دار الشروق،.2012 دراسات في النظام الدستوري الفلسطيني._______. بيرزيت: كلية الحقوق والإدارة العامة – جامعة بيرزيت،.2015 خليل، عاصم ورشاد توام. فلسطين بين دستور الدولة والحاجة إلى ميثاق وطني. البيرة: مسارات - المركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الاستراتيجية،.2014 خليل، عاصم وكزافييه فيليب. الكتيب العربي المرافق في القانون الدستوري. تونس: المنظمة العربية للقانون الدستوري،.2021 النظم السياسية والدستور اللبناني خليل، محسن.. بيروت: دار النهضة العربية،.1975 دراسات في تحولات المجتمع الفلسطيني ما بعد أوسلو:)1(الفواعل والمؤسسات الفلسطينية. أحمد عطاونة وحسين عبيد (محرران.) إسطنبول: مركز رؤية للتنمية السياسية؛ مركز الشرق للأبحاث الاستراتيجية،.2023 الدغمة، إبراهيم وكميل منصور وأنيس قاسم (مشرفون.) دليل الصياغة التشريعية. رام الله: ديوان الفتوى والتشريع؛ معهد الحقوق بجامعة بيرزيت،.2000 المؤسسات السياسية والقانون الدستوري دوفرجيه، موريس.. ترجمة جورج سعد. ط 2. بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر؛ الشبكة العربية للأبحاث والنشر،.2014 المعجم الدستوري دوهاميل، أوليفيه وإيف ميني.. ترجمة منصور القاضي. بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع،.1996 الوسيط في القانون الدستوري العام رباط، إدمون.. بيروت: دار العلم للملايين،.1968 الريماوي، عبد الملك. النظم السياسية والقانون الدستوري: التجارب الدستورية السابقة واللاحقة لوثيقة الاستقلال الوطني الفلسطيني. القدس: [د. ن].،.2009 سالمان، عبد العزيز. "تعليق على القرار التفسيري الصادر عن المحكمة الدستورية العليا الفلسطينية رقم 5() لسنة."2017 مجلة العدالة والقانون. العدد.)2018(33 سان بونيه، فرانسوا. "التكوين المزدوج للقضاء الدستوري في فرنسا: القضاء السياسي في منظور المفاهيم الفرنسية." مجلة القانون العام وعلم السياسة. العدد.)2007(3 سعيد، نادر وعبد الكريم البرغوثي وأيمن عبد المجيد. الدستور الفلسطيني ومتطلبات التنمية البشرية: أبحاث وأوراق عمل. بيرزيت: برنامج دراسات التنمية - جامعة بيرزيت،.2004 النظرية العامة للقانون الدستوري الشاعر، رمزي طه.. ط 5. القاهرة: دار النهضة العربية،.2005 شريف، عادل عمر. قضاء الدستورية: القضاء الدستوري في مصر. القاهرة: [د. ن].،.1988 الوسيط في فلسفة الدستور الشكري، علي يوسف.. بيروت: منشورات زين الحقوقية،.2017 شيحا، إبراهيم عبد العزيز. دراسات في النظام الدستوري اللبناني. بيروت: الدار الجامعية للطباعة والنشر،.1980 صليبا، أمين. دور القضاء الدستوري في إرساء دولة القانون: دراسة مقارنة. طرابلس، لبنان: المؤسسة الحديثة للكتاب،.2002 عابدين، عصام. "سير العملية الدستورية وكيفية بناء الفلسطيني الدستور ". المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية، رام الله (حزيران/ يونيو.)2004 فh يttps://bit.ly/3dOGyQK: الوجيز في القانون الدستوري عمر، عبد الفتاح.. تونس: كلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس،.1987 غزوي، محمد. "تعليق على القرار التفسيري الصادر عن المحكمة الدستورية العليا الفلسطينية رقم 5() لسنة."2017 مجلة العدالة والقانون. العدد.)2018(33 الفليكاوي، آلاء. دور القضاء الدستوري في حماية الحقوق والحريات: دراسة مقارنة. الإسكندرية: المكتب الجامعي الحديث،.2018

فهمي، مصطفى أبو زيد. النظام الدستوري للجمهورية العربية المتحدة. الإسكندرية: دار المعارف،.1966 القادري، عبد الرحمان. "الاجتهاد القضائي للمجلس الدستوري الفرنسي منذ بداية السبعينات إلى الآن." المجلة المغربية للقانون والسياسة والاقتصاد. العدد.)1981(9 أحمد قريع،. الرواية الفلسطينية الكاملة للمفاوضات من أوسلو إلى خريطة الطريق. بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية،.2011 لحرش، عبد الرحمن. "معالجة الأزمة الجزائرية في ظل الميثاق من مجلة الحقوق أجل السلم والمصالحة الوطنية.". مج 31، العدد 4.)2007(لزهاري، بوزيد. "الرقابة على دستورية القوانين في التجربة الدستورية مجلة جامعة قسنطينة للعلوم الإنسانية الجزائرية.". العدد 3

لمزري، مفيدة. "نشأة الدساتير في منظور التجربة الجزائرية." مجلة ميلاف للبحوث والدراسات. العدد.)2017(5 المجذوب، محمد. القانون الدستوري والنظام السياسي في لبنان. ط 4. بيروت: منشورات الحلبي الحقوقية،.2002 الوجيز في القضاء الإداري محمد، علي عبد الفتاح.. الإسكندرية: دار الجامعة الجديدة،.2009 محمود، عبد الفتاح عبد الرزاق. الإعلان عن الدولة: دراسة تأصيلية وتحليلية في القانونين الدولي العام والدستوري. عّم ان: دار دجلة،.2010 المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية. "الخيارات الدستورية في ظل قيام الدولة الفلسطينية المستقلة." 2024/9/23:. في https://acr.ps/1L9zRS6 مسلماني، محمد. القانون الدستوري والنظم السياسية: دراسة مقارنة بالمبادئ الدستورية في الشريعة الإسلامية. الإسكندرية: دار الفكر الجامعي،.2015 موسوعة المصطلحات والمفاهيم الفلسطينية. محمد اشتية (محرر.) البيرة: المركز الفلسطيني للدراسات الإقليمية،.2009 الوسيط في القانون الدستوري نصار، جابر.. القاهرة: دار النهضة العربية،.1998 البحث عن الدولة نوفل، ممدوح.. رام الله: المؤسسة الفلسطينية لدراسة الديمقراطية - مواطن،.2000 هاملتن، ألكسندر وجيمس ماديسون وجون جاي. الدولة الاتحادية: أسسها ودستورها. ترجمة وتقديم جمال محمد أحمد. بيروت: منشورات دار مكتبة الحياة؛ نيويورك: مؤسسة فرانكلين،.1959 هلال، جميل. "منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية: المعادلة السياسة الفلسطينية المقلوبة على رأسها.". العدد 16 - 15

القانون الدستوري والمؤسسات السياسية هوريو، أندريه.. ط.2 ترجمة علي مقلد وشفيق حداد وعبد الحسن سعد. بيروت: الدار الأهلية للنشر والتوزيع،.1977 "ورقة موقف حول قرار المحكمة الدستورية التفسيري لعبارة 'الشأن العسكري' وطبيعة جهاز الشرطة ومحاكمة منتسبيه." سلسلة أوراق عمل بيرزيت للدراسات القانونية. العدد.2018 / 9 وحدة القانون الدستوري. جامعة بيرزيت (تشرين الأول/ أكتوبر 2018 في https://bit.ly/3kXkycX:). الوحيدي، فتحي. التطورات الدستورية في فلسطين مع شرح المبادئ الدستورية العامة. غزة: مطابع المقداد،.2004._______ القضاء الدستوري في فلسطين وفقًا لأحكام القانون الأساسي المعدل ومشروع قانون المحكمة الدستورية العليا: دراسة مقارنة. غزة: مطابع المقداد،.2004 وه رتي، كمال. أثر الثورة على الدساتير في الفقه الدستوري المقارن. الإسكندرية: المكتب الجامعي الحديث،.2020

الأجنبية

Armitage, David. "The Declaration of Independence and International Law." The William and Mary Quarterly. vol. 59, no. 1 (2002). Cartier, Emmanuel. "Les petites constitutions: Contribution à l'analyse du droit constitutionnel Droit de Française Revue transitoire." Constitutionnel. vol. 3, no. 71 (2007). Cosgrove, Charles. "The Declaration of Independence in Constitutional Interpretation: A Selective History

and Analysis." University of Richmond Law Review. vol. 32, no. 1 (1997). Diarra, Abdoulaye. Démocratie et droit constitutionnel dans les pays francophones d'Afrique noire: Le cas du Mali depuis 1960. Paris: Karthala, 2010. Khalil, Asem. "Beyond the Written Constitution: Constitutional Crisis of, and the Institutional Deadlock in, the Palestinian Political System as Entrenched in the Basic Law." International Journal of Constitutional Law. no. 1 (2013). Larson, Carlton. "The Declaration of Independence: A 225th Anniversary Re-Interpretation." Washington Law Review. vol. 76 (2001). Miller, Darrell. "Continuity and the Declaration of Independence." Southern California Law Review. vol. 89 (2016). Orgad, Liav. "The Preamble in Constitutional of Journal International Interpretation." Constitutional Law. vol. 8, no. 4 (2010). Ragsdale, Bruce. "Amistad: The Federal Courts and the Challenge to Slavery." Federal Judicial Center (2002). at: https://acr.ps/1L9zRnT