الصين وعلاقاتها الخارجية من خلال محدد ثقافتها الاستراتيجية: العلاقات الصينية - القطرية نموذجًا (2024-1988)

محمد صالح المسفر | Mohamed Mesfer

الملخّص

China’s foreign policy is concerned with strengthening relations with states of significance in the world, whether large or small. Its strategic culture plays a key role in shaping its vision of the international order, its objectives, and the tools it employs to enhance its global standing. China has primarily relied on soft power instruments in its relations with other countries, particularly in the economic sphere, and it recognizes the importance of the State of Qatar within the Arab region in general and among energy-exporting countries in particular. Accordingly, China has concluded long-term contracts for the import of substantial quantities of natural gas and has been constructing massive liquefied natural gas (LNG) carriers for Qatar. Although Qatar is considered a key ally of the United States, China and Qatar signed a strategic partnership in 2014 covering multiple fields. Both countries seek to further develop this partnership in alignment with China’s Belt and Road Initiative and Qatar’s National Vision 2030. Keywords: Foreign Policy, Qatar-China Relations, Small States, Qatar, China.

China and Its Foreign Relations through the Lens of Its Strategic Culture: The Case of Sino-Qatari Relations (1988 – 2024)

تهتم الصين في سياستها الخارجية بتعزيز العلاقات مع الدول ذات الأهمية في العالم، سواء أكانت دولًا كبيرة أم صغيرة، إذ تؤدي ثقافتها الاستراتيجية دورًا مهمًا في تفسير رؤيتها للنظام الدولي وأهدافها، ومن ثمّ أدواتها التي ت عّز ز من خلالها مكانتها. وُت رّك ز حتى الآن على أدوات القوة الناعمة في علاقاتها مع دول العالم، وبخاصة في المجال الاقتصادي. وتدرك أهمية دولة قطر ضمن المنطقة العربية عمومًا، والدول المصدّرة للطاقة خصوصًا، إذ عملت على توقيع عقود طويلة الأمد، تتعلق باستيراد كميات كبيرة من الغاز الطبيعي، وتقوم ببناء ناقلات عملاقة للغاز الطبيعي المسال لمصلحة قطر. وعلى الرغم من أن دولة قطر ت عّد حليفًا رئيسا للولايات المتحدة الأميركية، فإن الصين وقطر وّق عتا شراكة استراتيجية في عام 2014، تشمل مجالات عدة. وتسعى الدولتان لتطوير هذه الشراكة بما يتلاءم مع استراتيجية الصين المتعّل قة بمشروع "الحزام والطريق" ورؤية قطر الوطنية 2030. كلمات مفتاحية: السياسة الخارجية، العلاقات القطرية - الصينية، الدول الصغيرة، قطر، الصين.

مقدمة

تطوّرت العلاقات القطرية – الصينية، منذ أن أقيمت علاقات دبلوماسية بين البلدين، في مجالات عدة. وقد اهتمت دولة قطر بإقامة علاقات مميزة مع جمهورية الصين الشعبية، على الرغم من أن علاقاتها بالدول الغربية، ولا سيما الولايات المتحدة الأميركية، تتميز بأفضلية، وتحديدًا في الجانب الأمني؛ نظرًا إلى توقيع اتفاقيات ثنائية بين الدولتين في هذا المجال، ووجود قاعدة عسكرية أميركية كبيرة فيها، فضلًاعن تصنيف قطر حليفًا رئيسًا للولايات المتحدة من خارج حلف شمال الأطلسي (الناتو.) تهدف هذه الدراسة إلى فهم تطور العلاقات الصينية – القطرية، بما يشمل، من جهة، فهم رؤية قطر لعلاقاتها مع الصين، وما أنتجته من مشاريع كبرى اتّفق عليها البلدان، على الرغم من أنها تربطها علاقات مميزة بمنافس الصين؛ الولايات المتحدة. ومن جهة أخرى، فهم رؤية الصين لعلاقاتها الخارجية، ولا سيما مع الدول الصغيرة، وطريقتها المختلفة في الصعود على المستوى الدولي ومقاربتها العلاقات الخارجية سلميًا إلى الآن. تجادل الدراسة أيضًا، في افتراضها الرئيس، بأن الأزمات التي مرّت بها دولة قطر، بحكم أنها دولة صغيرة، حتّمت عليها اتّباع دبلوماسية التعدد في علاقاتها الدولية، وهي تتطلّع إلى تنويع شراكاتها مع الدول الكبرى، بما يساهم في تعزيز أمنها واستدامة مشاريعها الاقتصادية الكبيرة وتأمين صادراتها من الطاقة، وبأنها لجأت، فضلًاعن ذلك، إلى "القوة الناعمة"، في مجالات الإعلام والثقافة والرياضة والسياحة والتعليم، وما إليها. وهذا هو الإطار الذي جعل العلاقات الصينية - القطرية تتسم بالدينامية والنمو المتسارع، وتعزيز الثقة المتبادلة بين الدولتين. وقد تجّل ىذلك في تأسيس علاقة شراكة استراتيجية بين البلدين منذ عام 2014. وفي المقابل، تفترض الدراسة أن اهتمام الصين بالعلاقات الاستراتيجية مع قطر قائم على إدراكها لأهميتها في مجال حيوي محدد، هو الغاز الطبيعي؛ إذ تسعى الصين لتأمين حاجاتها المتزايدة من الطاقة بسبب استهلاكها الكبير وإنتاجيتها الصناعية المتزايدة. وفي الوقت نفسه، ترى قطر في الصين أحد أهم الأسواق لسلعتها الاستراتيجية الرئيسة هذه. ولذلك، يُعدّ التعاون في مجال الطاقة، ولا سيما الغاز الطبيعي، من أهم دوافع تطوير العلاقات بين الدولتين؛ غير أن ذلك رتّب عليهما تعميق علاقاتهما في مجالات أخرى، مثل التعاون الدفاعي، حفاظًا على ضمان استمرار الإمدادات. تسعى الدراسة أيضًا لرصد أهم محطات التفاعل بين الصين وقطر، وتحليل مسار هذه العلاقات وما نتج منها إلى الآن. وتناقش، في المبحث الأول، المفاهيم النظرية التي تفّس رالعلاقة بين دولة كبرى مثل الصين، ودولة صغيرة مثل قطر؛ فتعرض لمفاهيم "القوة الناعمة" و"الدولة الصغيرة" و"الثقافة الاستراتيجية." وتتناول، في المبحث الثاني، طريقة صعود الصين السلمي وتمييزها من الدول الغربية الكبرى الأخرى؛ فنهُجُها السلمي يُشجّع الدول الصغيرة والنامية على تعزيز العلاقات معها. كما تتناول الدراسة، على نحو مقتضب، العلاقات العربية والخليجية مع الصين؛ لفهم السياق العام للعلاقات بين قطر والصين، الذي تبحثه الدراسة في المبحث الثالث. لتصل في الختام إلى استنتاجات عن اتجاهات سلوك الصين خارجيًا في المستقبل، وعن العلاقة المستقبلية مع دولة قطر.

أولًا: الإطار النظري

يقتضي البحث في علاقات الصين، بوصفها دولة كبرى، مع دولة قطر، بوصفها دولة صغيرة، التعرف إلى المفاهيم النظرية ذات الصلة التي تُفّس رهذه العلاقة. وفي هذا السياق، يمكن عرض التحوّل الذي جرى على معنى القوة، لتتفرّع منها مفاهيم "القوة الناعمة" و"الدولة الصغيرة" و"الثقافة الاستراتيجية."

1. مفهوم القوة الناعمة

في مطلع تسعينيات القرن العشرين، أدخل عالم السياسة الأميركي جوزيف ناي مصطلح "القوة الناعمة"، بوصفها الوجه الآخر للقوة "الصلبة." ويعني بها "قوة الجاذبية التي تجعل الناس يريدون ما تريد [أنت]، بدلًامن إرغامهم على تغيير سلوكهم بالقوة العسكرية أو العقوبات الاقتصادية"1. وحدّد ناي مصادر هذه القوة في ثلاثة مستويات:.أ الثقافة، وتعني الآداب والفنون ونظم التعليم والثقافة الشعبية..ب القيم السياسية، وتعني نمط الحكم وقيم العدالة والمواطنة وحرية الاختيار..ج السياسة الخارجية، وتعني ترويج سياسات خارجية تقوم على دعم الديمقراطية وحقوق الإنسان وتقرير المصير وتسوية النزاعات سلميًا2. تهتم الدراسة، في هذا المبحث، بمفهوم "القوة الناعمة"، نظرًا إلى مقاربة الصين في علاقاتها مع دول العالم الثالث والدول الصغيرة من منظور تعاوني قائم على مكاسب للطرفين. وفي حالة دولة قطر،

  1. جوزيف س. ناي، القوة الناعمة وسيلة النجاح في السياسة الدولية، ترجمة محمد توفيق البجيرمي (الرياض: مكتبة العبيكان، 2007)، ص.20
  2. المرجع نفسه، ص 77، 92،.100

تسعى الصين لجعل شراكتها الاستراتيجية في مجالات عدة نموذجًا على تعميق العلاقات، دونما تدخّل في الشؤون الداخلية أو في علاقات قطر بالقوى الأخرى، حتى لو كانت مناِفِسة، مثل الولايات المتحدة.

مفهوم "الدولة الصغيرة"

لا تتفق الأدبيات الأكاديمية المتخصصة على تعريف واحد ل "الدولة الصغيرة." وغالبًا تتسيّد تعريفات ذات اتجاه كمّي، تركّز على حجم الدولة الجغرافي، أو السكان، أو الناتج القومي الإجمالي، أو استهلاك الطاقة والموارد. وثمة تيار رئيس من التعريفات يركّز على عدد السكان معيارًا للدولة الصغيرة، فيرى بعض من يتبنّى هذا التعريف أنها الدولة التي لا يتجاوز عدد سكانها 1.5 مليون نسمة، ويرى آخرون أنها الدولة التي يراوح عدد سكانها بين 5 و 15 مليون نسمة3. وتذهب الأمم المتحدة في هذا الاتجاه الكمي نفسه؛ إذ تعرّفها بأنها "كيان صغير جدًا في مساحتها وعدد سكانها ومواردها البشرية والاقتصادية"، وإن لم يكن ثمة تحديٌدٌ واضٌحٌ للحجم في هذا التعريف4. لكن، ثمة مدرسة أخرى، يمثّلها عالم السياسة الأميركي رودولف روميل Rummel Radolf، تعتمد معايير أخرى مختلفة؛ وترفض معيار المساحة والسكان واستهلاك الطاقة، وتركّز على معيار مدى قدرة الدولة على التأثير الكبير في الساحة الدولية. يُعرّف عالم السياسة الأميركي، روبرت كوهين، الدولة الصغيرة بأنها الدولة "ضعيفة التأثير أو غير المؤثرة في النظام العالمي." وثمة دول تُعَّرَف، كمّيًا، بأنها صغيرة، لكن تأثيرها الإقليمي والدولي كبير. وُتضُرب دولة قطر مث لًاعلى ذلك، إلى جانب سويسرا، والدنمارك. وهناك من يركّز على العامل الأمني، فيعرّف "الدولة الصغيرة" بأنها الدولة التي تُقّر بعجزها عن الحصول على الأمن بذاتها، وتلجأ إلى مساعدة الآخرين في هذا المجال، فُتُضحّي بالكثير من مصالحها ومبادئها وقيمها في سبيل المحافظة على وجودها واستمرار بقائها. ولا يتفق كاتب هذه السطور مع هذا الرأي، فثمة حالات لدول صغيرة استطاعت التصدي للدول الأكبر؛ منها على سبيل المثال: فيتنام وكوبا والجزائر وقطاع غزة ولبنان. في سياق هذه الدراسة، تُصَّنَف دولة قطر دولةً صغيرة، إذا اعتمدنا المقياس الجغرافي والسكاني؛ إذ تبلغ مساحتها 11473 كلم 2، بينما بلغ عدد سكانها، حتى تموز/ يوليو 2024، نحو 2.8 مليون نسمة5. ومع ذلك، تؤدّي قطر أدوارًا كبيرة في الساحتين الإقليمية والدولية، مثل الوساطة بين الأطراف الدولية المتنازعة، ومنها النزاعات المسلحة، وما يمكن أن يُفضي إليه هذا من تعزيز للسلم والأمن الدولَّييَن6، إضافة إلى المساهمة الفاعلة في تحقيق الشراكة العالمية للتنمية وتعزيز التعاون الإنمائي الدولي في ما يتعلق بمساعدة الدول في تحقيق الأهداف الإنمائية، من خلال عمليات تمويل التنمية، بالتعاون مع الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة والهيئات الدولية ذات الصلة، وعقد اتفاقيات ثنائية ومتعددة الأطراف مع العديد من دول العالم، بهدف تشجيع الاستثمارات وحمايتها، ومنع الازدواج الضريبي وتعزيز العلاقات الثنائية والاقتصادية والثقافية والسياسية والعلمية والتنموية، والتعاون التقني وتبادل الخبرات، واستضافة العديد من المؤتمرات والمنتديات الدولية والإقليمية المعنية بالتجارة والتنمية والديمقراطيات الجديدة7. هذا فضلًاعن دورها الاقتصادي الذي يُعدّ مؤثرًا، إذ تحتوي دولة قطر على ثالث احتياطي في العالم من الغاز الطبيعي، وُتُعدّ من بين أهم الدول التي تملك أسطولًاكبيرًا في النقل البحري، وتؤدي استثماراتها المالية وشركاتها الكبرى والصناديق السيادية التي تبلغ قيمتها نحو 510 مليارات دولار، حتى آذار/ مارس 2024، دورًا كبيرًا في الكثير من دول العالم8.

3. الثقافة الاستراتيجية في الصين وتأثيرها

لا يمكن فهم واقع الصين اليوم وما تعيشه من صعود عالمي من خلال مقاربة تقارنها بما شهدته أوروبا وأميركا الشمالية تاريخيًا؛ فما يحدث في منطقةٍ ما من العالم، لا يمكن أن يكون مرجعًا ومعيارًا لفهم ما يحدث في منطقة أخرى، ولا يمكن اختزال تاريخ العالم والمجتمعات اللاغربية بتاريخ أوروبا، وما شهدته من حداثة سياسية، يجري التعامل معها بوصفها دينامية حتمية، فلكل منطقة مرجعيات ثقافية وسياسية تجعلها مختلفة عن غيرها. وللصين تاريخ مختلف عن الولايات المتحدة مثلًا، وليس شرطًا أن يرتهن صعودها على الساحة الدولية بخوض حروب كبرى، مثل الحربين العالميتين، أو حتى حروب وتدّخلّات أقل حدة.

  1. في تعريفات "الدولة الصغيرة"، ينظر: Matthias Maas, "The Elusive Definition of the Small State," International Politics , vol. 46 (2009), pp. 65 - 83.
  2. الدول الجزرية الصغيرة النامية"، الأمم المتحدة، شوهد في 2024/12/12، في: https://acr.ps/1L9GPdV
  3. دولة قطر، المجلس الوطني للتخطيط، "قطر: إحصاءات شهرية: إحصاءات أغسطس 2024، ص 15 "، شوهد في 2024/12/28، في https://acr.ps/1L9GPwA:
  4. عن الوساطة القطرية، ينظر: مطلق بن ماجد القحطاني ودانة بنت منصور آل ثاني، سياسات عربية "سياسة دولة قطر وتجربتها في الوساطة وتسوية المنازعات"،، مج 9، العدد 51 (تموز/ يوليو 2021)، ص.22–7
  5. دولة قطر، وزارة الخارجية، "السياسة الخارجية: التعاون الدولي"، شوهد في 2024/12/28، في: https://acr.ps/1L9GQ2x؛ دولة قطر، وزارة الخارجية، "السياسة الخارجية: جهود الوساطة القطرية"، شوهد في 2024/12/28، في: https://tinyurl.com/2krt4r96
  6. أصول جهاز قطر للاستثمار 510 مليارات دولار أميركي في مايو "2024، سي إن بي سي، 2024/5/25، شوهد في 2024/12/28، في https://tinyurl.com/yj5rfe3t:

لم تكن الصين، عبر التاريخ، دولة عدوانية توسعية/ تدخّلية، ولا توجد دلالات من تاريخها أو من الثقافة الصينية التقليدية على أنها تسعى للهيمنة عالميًا، على الرغم من أن سياستها الخارجية الحالية قد تُفّس رأحيانًا بأنها تسعى لكسب النفوذ وانتشار مشاريعها عبر العالم، عن طريق الاقتصاد والتجارة، وهو ما يتمثّل في مشروع الحزام والطريق9. يُعرّف أستاذ العلاقات الدولية والدراسات الاستراتيجية الأميركي كولن س. غراي "الثقافة الاستراتيجية" بأنها "الأسلوب الفكري والعملي لاستعمال القوة الذي ينتج من التجارب التاريخية ومن التطلّعات لسلوك مسؤول طبقًا للمعايير الوطنية"10. ويعدّها آخرون نظامًا متكاملًا يحوي عددًا من المعاني التي تؤدي إلى وضع خيارات استراتيجية كبرى من خلال صوغ مفاهيم ذات علاقة باستعمال القوة في شؤون السياسة الدولية11. ويشير الأكاديمي الألماني كريستوف ماير إلى أن مفهوم "الثقافة الاستراتيجية" يقدّم تفسيرًا للأفعال وأنماط سلوك الدول من خلال تحديد المصالح الأمنية والقيم الإنسانية التي يجري الدفاع عنها، لأنها أهداف استراتيجية، ويتطرّق ماير إلى نوعية الوسائل التي تستعملها الدول، وتكون مقبولة قيميًا في المجتمع، لُتُحقّق أهدافها ورغباتها12. ثمة، إذًا، ما يشبه الاتفاق على أن الثقافة الاستراتيجية تدمج بُعَدَين أساسَّييَن: بُعد ثقافي يتمثل في الأفكار والقيم والمعاني، وُبُعد استراتيجي يتمثل في الأدوات والأهداف والوسائل التي تستعملها الدولة لتحقيق أهدافها. والنقطة الأهم التي يمكن استنتاجها هي إمكانية الاستفادة من الُبُعد الثقافي في المفهوم، ليشمل الدولة والمجتمع؛ إذ يمكن من خلال ملاحظة أسلوب حياة المجتمع وثقافته، الكشف عن تفضيلات الدولة الاستراتيجية، سواء تلك المتعلقة بالأهداف أم بالوسائل أم بتقييم التهديدات، كما يمكن الكشف عن المتغيرات الوسيطة ذات التأثير في الخيارات الاستراتيجية، مثل: الاستعداد النفسي للدخول في صراعات عسكرية ورأس المال الاجتماعي وقدرة الدولة على توجيه الموارد الاقتصادية نحو الرفاهية. وثمة تشابه بين المصادر في ما يتعلق بالتاريخ والثقافة السياسية، وُيُساهم هذا التنوّع والتعدّد في المصادر في إثراء الإطار التحليلي للسلوك الاستراتيجي للدولة. تتمتع الصين بثقافة استراتيجية راسخة ومستقرّة في المجتمع، ومستمدّة من مصادر أساسية عدة، منها الخبرة التاريخية والجغرافية والقدرات المادية، بشقّيها العسكري والاقتصادي؛ فمعالم الصين ثابتة إلى حد بعيد بأراضيها وتضاريسها المختلفة. وعلى نحو عام، أضفت استمرارية الجغرافيا والإدارة، مدة أكثر من 3000 عام، طابع الاستقرار على النظرة إلى العالم، كما أدّى تفاعل اللغة الموَّحَدة إلى تكوين علاقة وطيدة بين مؤسسة الحكم والمجتمع وصيانة الموروثات والتقاليد الثقافية، وفي صدارتها المبادئ الكونفوشية التي أدّت دورًا أساسيًا في صنع السياستين الداخلية والخارجية. وقد ساعد نظام الخدمة المدنية في إنتاج الرقابة على النخب السياسية. ومن ثمّ، لم يكن في مقدور هذه النخب أن تنعزل عن المجتمع؛ فعملت الخدمة المدنية لمصلحته، هذا فضلًاعّم اتتمتع به النخب من تكوين فكري (تعاليم كونفوشيوس.) وإلى جانب ذلك، هناك دور المدرسة القانونية التي أثّرت في بناء البيروقراطية الصارمة للدولة من خلال التركيز على ضرورة سيادة القانون في الحكم لتأطير النظام؛ أي قدّمت طريقة للتعامل مع العالم من خلال ترتيب السياسات13. وهكذا، كانت الثقافة الاستراتيجية الصينية عاملًاأساسيًا في سلوك الدولة الصينية، إلى جانب توزيع القوى، وشخصية صانع القرار،

  1. Renée Jeffery, "Evaluating the 'China Threat': Power Transition Theory, the Successor - State Image and the Danger of Historical Analogies," Australian Journal of International Affairs , vol. 63, no. 2 (2009), pp. 309 - 324.
  2. Colin Gray, "Strategic Culture as Context: The First Generation of Theory Strikes Back," Review of International Studies , vol. 25, no. 1 (1999), p. 51.
  3. Alastair Johnston, "Thinking about Strategic Culture," International Security , vol. 19, no. 4 (1995), p. 34.
  4. Christoph Meyer, "Theorizing European Strategic Culture between Convergence and the Persistence of National Diversity," Working Document , no. 201, Centre for European Policy Studies (CEPS) (June 2004), p. 4.
  5. عماد منصور، "السياسة الخارجية الصينية من منظار الثقافة الاستراتيجية"، سياسات عربية، مج 4، العدد 21 (تموز/ يوليو 2016)، ص 28 - .31

هذا فضلًاعن إسهامها المهم في تفسير رؤية الدولة الصينية للنظام الدولي، وصوغ أهدافها وخياراتها البعيدة المدى، وتوجيه اهتماماتها في النظامين الإقليمي والعالمي. تتّسم الثقافة الاستراتيجية الصينية بعدد من السمات، منها14:.أ الاعتقاد أن الصين تتمتّع بتمايز ثقافي وسياسي متأتٍ من كونها "المملكة الوسطى"، أو "حضارة كل ما تحت السماء"، فالصين تؤمن بأن هناك تمايزًا ثقافيًا وسياسيًا بينها وبين دول العالم، وأنها، تاريخيًا، الجزء المتحضّ من العالم، وأن كل من يعيش خارجها هم من "البرابرة." وبناء عليه، تتمثل النظرة الصينية إلى العالم في عدم قبول فكرة المساواة مع أيّ دولة أو ثقافة خارجها. ويعتقد الصينيون أنهم يمتلكون مهارة خاصة بفنّ بناء الدولة وإدارتها، وأن لديهم قدرةً رائدةً في مجال علم الاستراتيجية العسكرية15..ب تأكيد الوحدة والسيادة داخليًا (أي عدم التدخّل الخارجي.) فالحكم في الصين قام على مبدأ "التفويض السماوي"؛ أي أن يقبل الشعب الحكم، في مقابل أن يُ ارَس الحكم عليه بطريقة تؤمّن العدل والأمان للمجتمع (المصلحة العامة.) ومن ثم، يعني سقوط الحكم عند الصينيين خسران التفويض الإلهي. ولذلك، يعني "الاستقرار الداخلي"، في المدرك الصيني، سيطرة مؤسسة الحكم المحلية أو الوطنية على الداخل، وعدم وجود تدخلات خارجية. وتشير دروس التاريخ الصيني إلى أن عوامل، مثل الخلل الداخلي في الحكم والخلافات الداخلية وضعف الدولة، ستؤدي كلها إلى هزائم وحروب، على نحو ما حصل في ما يُسمّيه ماو تسي تونغ "قرن الإذلال" 1949-1839()، حين شهدت الصين احتلالً أجنبيًا وحروبًا أهلية، أدّت إلى فقدان سيادتها على أجزاء من أراضيها. ولذلك، يركّز الحكم في الصين منذ القرن العشرين على فكرة توحيد الصين وحمايتها من التجزئة لضمان الاستقرار محلّيًا وإقليميًا..ج ضرورة تجنّب الحرب، فالدخول في المخاطر ليس مستحبًا، وله دلالة سلبية في الثقافة الصينية. فالصينيون ينظرون إلى الحرب باعتبارها خرابًا واستهلاكًا وإهدارًا للموارد المادية. ويكون الدخول فيها للضرورة القصوى فحسب (لحماية الحدود أو دفاعًا عن النفس)، بحسب اعتقادهم. وإلى جانب هذه السمات، تقف المبادئ التي أرساها كونفوشيوس، وباتت متأصلة وواضحة في ثقافة الصين الاستراتيجية، وتنعكس في تعاملاتها مع الدول، ومنها: "مبدأ التكامل لا التناقض" الذي يركّز على أن ثمة أسسًا مشتركة دائمًا أعمق من الخلافات الظاهرة؛ ومبدأ "الأخذ والعطاء" الذي يقدّم فكرة تقديم التنازلات بامتناع الفرد عن القيام بفعل يكره أن يقوم الآخر بمثله تجاهه، وعدم التشبّث بتحقيق المكاسب لمصلحة فرد أو مجموعة أو كيان على حساب الآخر؛ ومبدأ "الاستيعاب" وعدم اللجوء إلى الهجوم أو الانتقام الذي يشير كونفوشيوس إلى أن هذا مبدأٌ ضرورٌيٌ يجعل الدولة تحلّ الأمور ودّيًا وتتجنّب التصعيد العسكري، من دون أن يعني التخاذل أو الإذعان للضغوط أو التهديدات، بل اللجوء في البداية إلى الحلول السلمية قدر المستطاع، ومحاولة التأّن يقبل استخدام أيّ وسيلة غير سلمية.

الصعود السلمي مخرجًا للثقافة الاستراتيجية

.ُيُعدّ الاهتمام بالتنمية الداخلية في مقدمة أولويات استراتيجية الصين لذلك، ترفض الانخراط في مشكلات وأزمات تُحمّلها أعباءً دولية، وتتطلّب منها تدّخلّات في شؤون الدول الداخلية. من هنا، كانت سلمية الصعود السمة الأبرز التي تسعى الصين من خلالها لإظهار تطوّرها الاقتصادي والعسكري، بوصفه تطورًا متزامنًا مع النمو الاقتصادي. ومع ذلك، تختلف رؤية الصين لدول الجوار عن رؤيتها لسائر دول العالم، فهي تنظر إلى شرق آسيا باعتبارها جزءًا من أمنها القومي. ولذلك، تسعى لزيادة قوّتها الاقتصادية والعسكرية والسياسية لتحقيق الاستقرار والنمو الاقتصادي لدول هذه المنطقة. وعلى المستوى الدولي، تسعى للعمل والمشاركة في النظام الدولي مع القوى الكبرى؛ فهي تؤمن بأن استقرار النظاَميَن الإقليمي والدولي يحقق لها الرفاهية التي تؤدّي إلى وجود استقرار داخلي16. في هذا السياق، تهدف استراتيجية الصين الخارجية السلمية إلى تحقيق التنمية الاقتصادية التي تساعدها في ضمان أمن الدولة والانخراط في العمل مع النظام الدولي القائم؛ فالتطوّر الاقتصادي يساعدها في مواجهة الضغوط الخارجية التي تواجهها في مسألة حقوق الإنسان، لأن التطوّر الاقتصادي سُيتُرَجَم في ارتفاع مستويات المعيشة عند المواطنين، ما قد يسفر عن دعم شعبي أكبر للحكومة والنظام17.

  1. المرجع نفسه.
  2. يعود هذا الإدراك إلى تميّز التراث الفكري بشأن فنون الحرب في الصين، ويستشهد على
  3. Christopher R. Hughes, "Nationalism and Multilateralism in Chinese Foreign Policy: Implications for Southeast Asia,"  The Pacific Review , vol. 18, no. 1 (2005), pp. 119-135; Gilbert Rozman, "Chinese National Identity and its Implications for International Relations in East Asia,"  Asia-Pacific Review , vol. 18, no. 1 (May 2011), pp. 84 - 97. 17 محمود صافي محمود، "توجّهات سياسية حذرة: آفاق التعاون الصيني الشرق أوسطي والتحديات الراهنة"، دراسات، المركز العربي للبحوث والدراسات، 2015/5/20، شوهد في 2024/12/12، في http://www.acrseg.org/38006:
  4. ذلك عادةً بكتاب صن تزو، الاستراتيجي القديم المعروف. ينظر: Sun Tzu, The Art of War , Samuel B. Griffith (trans.) (New York: Oxford University Press, 1982).

يتمثّل الصعود الصيني في وجود تحسّن مستمر في مؤشرات الأداء الاقتصادي، حيث وصل معدل النموّ خلال السنوات الأولى من القرن الحالي إلى نحو 10 في المئة سنويًا، ووصل في عام 2021 إلى 8.4 في المئة18. وأدّت الخطط التنموية التي وضعتها الصين منذ أن بدأت في الانتقال إلى "فترة التحديث والإصلاح" إلى تحقيق اقتصاد متين وقوي، جعل الناتج المحلي الإجمالي يرتفع، وجعلها تعيد النظر في فكرة انغلاقها عن العالم، والبدء في التفكير في ضرورة الانخراط والمشاركة والانفتاح على النظام العالمي. في كانون الثاني/ يناير 2017، أصدر مكتب الإعلام التابع لمجلس الدولة "ورقة بيضاء" عن السياسات المتعلقة بالتعاون الأمني مع آسيا والمحيط الهادئ ودول العالم. وقد أتت هذه الورقة، التي عرّفت الصين من خلالها سياساتها المستقبلية ورؤيتها للنظامين الإقليمي "شرق آسيا" والعالمي، لتؤكد وجود تأثير للثقافة الاستراتيجية الصينية في سياستها الخارجية. أوضحت الصين، في هذه الورقة، موقفها من القضايا ذات العلاقة بإقليمها. وتشير إلى مفهومها للأمن الشامل والمشترك والقائم على التعاون المستدام، إضافةً إلى تأكيدها ضرورة الحفاظ على السلام والسعي لتحقيق تنمية وتفاعلات إيجابية واحترام مصالح الدول، والتبادل السيادي بينها. وأكدت التزام الدول كلها بالعمل نحو نظام حوار جديد، بدلًامن المواجهة والصراع، والتركيز على تعزيز الشراكات بدلًامن التحالفات. واقترحت وضع قواعد دولية وإقليمية تُحَّدَد من خلال النقاش مع الدول المعنية كلها، بدلًامن أن ي مليها أيّ بلد معّي ن؛ ما يدعم وجود استقرار السلام وصيانته في إقليمها وفي العالم. وانتهت الورقة بتأكيد الصين رغبتها في العمل مع المجتمع الدولي، والسعي لنزع السلاح النووي على المدى الطويل، لإقامة السلام والاستقرار في شبه الجزيرة الكورية وشمال شرق آسيا عمومًا. ورأت، مثلًا، أن نشر الولايات المتحدة منظومة صواريخ "ثاد"، المضادة للصواريخ البالستية في كوريا الجنوبية، يُعدّ أمرًا يضرّ بالاستقرار الاستراتيجي والثقة المتبادلة والمصالح الأمنية بين الصين والولايات المتحدة، ويمثّل عدم احترام لسيادة دول الإقليم وتدخلًافي شؤونها19. وعلى الرغم من أن الصين متأثرة بثقافتها الاستراتيجية التقليدية، فإن ذلك لا يعني أنها تتجاهل بنية النظام الدولي الحالي وهيمنة الولايات المتحدة فيه؛ فهي تدرك التنافس وسياسة القوة التي تتّبعها الأخيرة، والأحلاف العسكرية والاقتصادية التابعة لها، مثل سياسة منطقة المحيطين الهندي والهادئ، الهادفة إلى احتواء الصين وتهديداتها20. كما تُدرك الصين ما تمثّله الدول الإقليمية حولها، مثل اليابان وكوريا الجنوبية والهند وأستراليا التي تُعدّ كلها منافسًا في المجال الاقتصادي في العالم، وحليفًا أمنيًا وعسكريًا للولايات المتحدة. ولذلك، لا يعني صعود الصين السلمي، أو تأثّرها بثقافتها التقليدية، أنها تتجاهل متطلّبات القوة الصلبة حاليًا، بل تقوم بالإعداد للتفوّق في هذا المجال على المدى البعيد، وطوّرت حتى الآن ترسانة نووية وصاروخية وجوية وبرية وبحرية لتجعلها من أبرز القوى العالمية عسكريًا21. أخيرًا، ومن خلال الإطار النظري للدراسة، وفي سياقه، فإن هناك عوامل تبدو مؤثرة في العلاقات بين الصين وقطر، أهمها توظيف الصين لثقافتها الاستراتيجية في علاقتها مع دولة صغيرة مثل قطر، حيث لا يشكّل حجم الدولة المعيار الأهم بقدر ما تمثّله مكانتها وادورها الإقليمي والدولي. وفي المقابل، تسعى قطر، بصفتها فاعل نشطًا، لتجاوز قيود حجمها الجغرافي وعدد سكانها، وموازنة علاقاتها مع القوى الكبرى الغربية، مثل الولايات المتحدة، من خلال تنويع شراكاتها مع قوى كبرى أخرى، على غرار الصين، حتى وإن كانت منافسة لحلفائها التقليديين. ولا شك في أن العامل الاقتصادي المتمثل في صادرات الغاز الطبيعي يُعدّ عاملًامحوريًا في السياق العام الذي تسير ضمنه العلاقات الصينية - القطرية.

ثانيًا: العلاقات العربية - الصينية

يتناول هذا المبحث جذور العلاقات الصينية مع العرب منذ القدم، باختصار، ثم تطوّرها مع الدول العربية، لفهم مراحل هذه العلاقات مع دول الخليج العربية على نحو خاص، وذلك تمهيدًا للمبحث الثالث المتعلّق بالعلاقات الصينية – القطرية.

1. العلاقات الصينية - العربية

هناك جذور عريقة للعلاقة بين العرب والصينيين، تعود إلى منتصف القرن الثاني قبل الميلاد، وتمر بالعصور الإسلامية؛ إذ توسّع الإسلام في الصين، واستقرّت أ سٌرٌ إسلامية بعد أن أجاز إمبراطور الصين الدين الإسلامي منذ عهد عمر بن الخطاب ووصول رسوله سعد بن أبي وقّاص إليها، فشيّد المسلمون المساجد، ومنها انتشرت الدعوة إلى

  1. الصين... النمو الاقتصادي يتراجع لأدنى مستوياته في "2022، الجزيرة نت، 2023/1/17، شوهد في 2024/12/12، في https://acr.ps/1L9GPEc:
  2. ينظر نص الورقة البيضاء في: " China's Policies on Asia-Pacific Security Cooperation," The State Council Information Office of the People's Republic of China (January 2017), accessed on 27/7/2024, at: https://acr.ps/1L9GQ3n
  3. The White House, "National Security Strategy" (October 2022), accessed on 27/7/2024, at: https://acr.ps/1L9GPd5
  4. للتفاصيل بشأن استعداد الصين عسكريًا وتطوير جيشها، ينظر: توماس سمورا، "تحديث جيش التحرير الشعبي الصيني: التداعيات الأمنية في منطقة المحيطين"، أوراق استراتيجية، رقم 14، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2024/5/7، شوهد في 2024/12/28، في https://tinyurl.com/2fmdfkat:

الإسلام في مناطق متفرقة فيها. وكان للمسلمين دوٌرٌ في الحكم والإدارة في فترة حكم الإمبراطورية المغولية يانغ Yang 1368-1279(م.) وبسبب هذا الرابط بين الأمتين، كان لا بد من وجود علاقة ارتباط مع الجزيرة العربية22. حديثًا، بدأت العلاقات الثنائية بين جمهورية الصين بعد إطاحة أسرة كينغ في عام 1911 وتأسيس المملكة العربية السعودية في عام 1932، بإرسال وفد إلى السعودية، وتعيين قنصل لها في جدّة بهدف الإشراف على الحجاج المسلمين الصينيين ومتابعة أمورهم. وفي عام 1937، تعزّزت هذه العلاقات بين الدولتين نحو إقامة وكالة سياسية صينية. وفي عام 1939، عُّي نأول مسؤول رسمي صيني في جدّة، ووقّع الطرفان معاهدة صداقة في عام 1946، لكنها لم تستمر؛ فقد رفضت المملكة الاعتراف بجمهورية الصين الشعبية بعد استيلاء الحزب الشيوعي بقيادة ماو تسي تونغ على السلطة وفرض النظام الشيوعي على البلاد في عام 1949 23. في القرن الحادي والعشرين، زادت روابط التعاون المتبادل والمنفعة بين الجانبين الصيني والعربي. وُتُعدّ الدول العربية اليوم أبرز شريك للصين في مجال الطاقة، ومن أهم الأسواق للمقاولات الهندسية والاستثمار وراء البحار. تنطلق إرادة الصين للعمل مع دول الشرق الأوسط من رؤيتها أنها كانت دولة متأخرة النموّ، ومرّت في ما تمرّ به اليوم دول المنطقة من أزمات تنموية حادة، واستطاعت بعد الكثير من المعاناة والمشكلات أن تصل إلى مصاف الدول المتقدمة. لذلك، تُدرك الصين ما تعانيه الدول النامية مثلها، فتعمل على تعزيز التواصل والتعاون وتدعيم السلام والاستقرار وتسريع وتيرة التنمية، وتعتبر أن تطبيق مشروع الحزام والطريق يتطلّب بيئة سلمية ومتناغمة، لتوفير قوة دفع وتمويل ضخم لنجاحه، كما تُواصل مشاركتها في شؤون المنطقة لإيجاد القاسم المشترك الأكبر لهموم الأطراف المختلفة عبر ثقافة الحوار، فمثلًا، ترفض الصين الحلول العسكرية في ليبيا وسورية قبل سقوط نظام بشار الأسد، وُتُفضّ ل إيجاد حل سياسي أو تسوية، وتؤكد ضرورة إيقاف الحروب لدعم الجانب الإنساني، كما تقترح ضرورة ملء الفراغ الأمني فيهما كي لا تدخل الجماعات المتطرّفة من خلاله، وأنها ستشارك في دعم جهود وساطة الأمم المتحدة في حل النزاعات ودعم حوارات تشمل الأطراف المتنازعة كلها، والإسراع في وتيرة إعادة الإعمار السياسي والاقتصادي في منطقة الشرق الأوسط. لذلك، تعمل السياسة الخارجية الصينية في هذه المنطقة وفق إطار تعاوني مع جميع الفاعلين، لتحقيق مصالح متبادلة، خاصة مع الدول التي تمرّ بمرحلة انتقالية في المنطقة، وتتعامل معها وفقًا لمبادئ ثقافتها الاستراتيجية، التي تقوم على احترام التبادل السيادي بين الدول وعدم التدخّل في شؤونها الداخلية. لذلك، لا يحكم علاقات الصين بدول العالم منطق الثورة، بل منطق الدولة، فعلى سبيل المثال، أحجمت الصين عن الاعتراف بالربيع العربي، أو التفاعل معه على أنه "ثورات"؛ فنجد أن المحللين الصينيين والحكومة الصينية أطلقوا عليه وصف "اضطرابات" و"تغييرات داخلية"، وكان موقفهم يتمثّل في التحفظ والصمت، مثل الامتناع عن التصويت في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة على القرار رقم 1973 الخاص بالأزمة الليبية، والذي يتضمن في الأساس إقامة منطقة حظر جوي داخل ليبيا، بهدف توفير حماية جوية للمدنيين في مواجهة استعمال القوة المفرطة من نظام معمر القذافي، وتكرار استعمال حق النقض في المجلس نفسه في حالة الأزمة السورية24. وكذلك استعملت الصين حق النقض "على مشروع القرار العربي الذي تبنّى دعوة جامعة الدول العربية لتنحّي الرئيس السوري بشار الأسد عن السلطة." وفي الواقع، استعملت الصين حق النقض في مجلس الأمن أربع مرات لإحباط صدور قرارات عنه؛ اثنتان منها طالبتا بتنحّي الأسد، والثالثة لتطبيق الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة على النظام في دمشق وفرض عقوبات عليه، والرابعة إحالة الملف السوري إلى المحكمة الجنائية الدولية، وعارضت الصين أيّ تدخل عسكري في سورية25. وعلى الرغم من ذلك، فإن موقف الصين من ثورات الربيع العربي لم يكن بعيدًا عن نهجها البراغماتي أيضًا الذي يسعى لإظهار عدم التدخل في الشؤون الداخلية للحفاظ على مصالحها، فقد أثبتت تجربتها في أفريقيا، مثلًا، نجاحها في زيادة استثماراتها بسبب تعاملها مع الأنظمة السياسية القائمة من دون إبداء تحفظ على الأوضاع الداخلية ومسائل حقوق الإنسان. وفي المنطقة العربية، تعاملت مع الأنظمة السياسية القائمة، سواء أكانت الأنظمة القديمة الدكتاتورية، مثل نظام بشار الأسد في سورية، أم الأنظمة التي نتجت من الثورات، ثم الثورات المضادة، كما حدث في مصر وتونس. ومن بين روابط التعاون المتبادل الذي تسعى الصين لتعزيزه مع المنطقة العربية، ربطها بمشروع الحزام والطريق، فبحسب الباحَثيَن الصينَّييَن وو بينغ بينغ ووانغ جيسي، يهدف هذا المشروع إلى ربط

  1. العرب والصين: مستقبل العلاقة مع قوة صاعدة، مروان قبلان (محرر) (الدوحة / بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2019)، ص 31 - .33
  2. تسابق التنين والفيل إلى مثلث القوى في الشرق الأوسط كاظم هاشم نعمة، (الدوحة: المعهد الدبلوماسي، 2022)، ص .417
  3. Muhamad S. Olimat, China and the Middle East from Silk Road to Arab Spring (Abingdon/ New York: Routledge, 2013), pp. 90-92; IW. J. Chang, "Chinese Policies on the Arab Spring," in: R. Mason, (ed.), The International Politics of the Arab Spring: Popular Unrest and Foreign Policy (The Modern Muslim World) (New York: Palgrave Macmillan, 2014), pp. 178 - 190.
  4. ساشا العلو، "الدور الصيني في سوريا: الأسباب والدوافع"، آراء حول الخليج، العدد 106، 2016/4/3، شوهد في 2024/1/31، في https://tinyurl.com/ye28c7cw:

دول الشرق الأوسط بأوروبا والمحيط الهندي، وبالأخص دول الخليج، حيث ستكون جزءًا من هذه الشبكة، لأن المشروع سيعمل على تطوير البنى التحتية وتدريب الأيدي العاملة المحلية وتشجيع عمليات الاستثمار؛ ما سيجعل هذه المبادرة مفتاحًا للتنمية الاقتصادية في دول الخليج26، ومنها دولة قطر، كما سنذكر لاحقًا. يحرص الجانب الصيني على ضم جهوده إلى الجانب العربي في إطار مشروع الحزام والطريق باعتباره منبرًا منفتحًا وعملية تنموية طويلة الأمد. ويهدف المشروع إلى تسريع عملية تسهيل الاستثمارات ونقل التكنولوجيا المتقدمة والحديثة، والدفع ببناء المناطق الصناعية ذات الأولوية. وتأكيدًا لموقف الصين، فقد قامت بنقل الطاقة الإنتاجية إلى الجانب العربي، وربط المتفوّقة منها بالموارد البشرية العربية، للمساعدة في إنشاء قطاعات مثل الصلب والحديد والمعادن ومواد البناء والزجاج وصناعة السيارات ومحطات توليد الكهرباء. ويبدو أن الجانب الصيني على استعداد للعمل مع الجانب العربي في إطار التشارك في بناء مشروع الحزام والطريق وربط البنية التحتية وتعزيز الالتحاق بالاستراتيجيات التنموية وتدعيم التقارب الحضاري والثقافي بينهما. ويعمل الجانبان على تكثيف التواصل الثقافي والإنساني بينهما، وتوسيع التواصل والتعاون في مجالات عدة، مثل التعليم والثقافة والصحة والعلوم والتكنولوجيا والسياحة والشباب والإعلام والإذاعة والسينما والتلفزيون وتكوين الموارد البشرية وغيرها في إطار "منتدى التعاون الصيني – العربي" CASCF 27. 2. العلاقات الصينية مع دول الخليج العربية يمكن تقسيم العلاقات الحديثة بين الصين ودول الخليج العربية إلى مراحل عدة28:.أ المرحلة الأولى 1970-1950()، ويمكن تسميتها "المرحلة الثورية"؛ إذ أيّدت الصين ودعمت حركات التحرر الوطني في العالم العربي عامة (ومنه بعض دول الخليج)، مثل الصومال والجزائر وجنوب الجزيرة العربية، هذا فضلًا عن تأييدها لمنظمة التحرير الفلسطينية. وفي السياق نفسه، ناصرت "حركات تمرد" على الأنظمة السياسية التي تهيمن على سياساتها الدول الاستعمارية، كما فعلت مع ثورة ظفار في عمُان.)1975-1965(.ب المرحلة الثانية 1980-1970()، شهدت تواصلً مع دول المنطقة وإقامة علاقات دبلوماسية مباشرة معها، مثل عمُان)1978(والإمارات 1984() وقطر 1988() والبحرين 1989(.) وقد سبقت دولة الكويت بقية دول الخليج العربي في إقامة علاقات دبلوماسية مع الصين، تعود إلى عام 1961. وكانت آخر دولة في هذا المجال هي السعودية، التي تأخّرت علاقاتها الدبلوماسية مع الصين إلى عام 1990، وذلك في سياق تفكك الاتحاد السوفياتي..ج المرحلة الثالثة 2023-1990()، إقامة علاقات تجارية وتعاون اقتصادي وصناعي على الصُّعد كلها؛ إذ أصبحت الصين الشريك الأكبر تجاريًا لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية. فنتيجةً لصعود الصين الاقتصادي السريع، أصبحت أكبر مستورد للنفط والغاز الطبيعي في العالم؛ ما جعل اعتمادها يتزايد على مصادر الطاقة من الخليج العربي. فقد كانت الصين تستهلك 2.3 مليون برميل نفط يوميًا، و 0.5 تريليون قدم مكعبة من الغاز في عام 1990، بينما يُتوقع أن تستهلك نحو 16 مليون برميل نفط يوميًا، ونحو 7 تريليونات قدم مكعبة من الغاز في عام 2030. واستوردت الصين من دول الخليج العربية نحو 210 ملايين طن من النفط في عام 2022، بنسبة 41 في المئة من إجمالي وارداتها من النفط. وانعكس ذلك على تزايد مصالح الصين في هذه المنطقة، حيث ارتفع حجم التجارة مع دول الخليج العربية كلها في عام 2022 إلى نحو 304 مليارات دولار، في حين كان في عام 1990 نحو 1.3 مليار دولار فقط29. وفي هذه المرحلة أيضًا، سعت الصين لإيجاد أسواق للسلاح في الخليج، فوقّعت السعودية عقود شراء صواريخ وطائرات من دون طيار وطائرات عسكرية من الشركات الصينية، وكذلك الإمارات، واشترت قطر من الصين صواريخ بالستية، واستوردت البحرين الأسلحة منها طوال العقد الماضي30. عمومًا، تسعى الصين غالبًا لتعزيز حضورها في القطاعات الإنتاجية للنفط في مناطق مختلفة في العالم، معتمدةً في ذلك على البحث عن أسعار تنافسية، ولعل شروطها مقبولة أكثر من الشركات الغربية. وينبع هذا الحضور من اهتمامها بأمن الطاقة من حيث المصادر وطرق الإمداد والاستخراج. فكما هو واضح، تعمل على توثيق علاقاتها

  1. درويش العمادي، "سياسة الصين الخارجية ودول مجلس التعاون الخليجي"، محاضرة في جامعة قطر، جامعة قطر، 2017/6/1، شوهد في 2024/12/12، في: https://acr.ps/1L9GPzh
  2. عن المنتدى، ينظر: " The China-Arab States Cooperation Forum (CASCF)," BRICS Policy Center (May 2016), accessed on 27/7/2024, at: https://acr.ps/1L9GPgM
  3. 29 عماد قدورة، "موقع دول الخليج العربية في مبادرة الحزام والطريق الصينية"، سياسات عربية، مج 11، العدد 63 (تموز/ يوليو 2023)، ص.82 " 30 تحليل: الصين ودول مجلس التعاون الخليجي... شراكة غير مؤكدة"، القدس العربي، 2022/12/24، شوهد في 2024/12/12، في https://acr.ps/1L9GPlt:
  4. 28 يختلف الباحثون في هذا المجال، فبعضهم يجعلها ثلاثًا، وبعض آخر يجعلها سًّتًا، ينظر: حكمات العبد الرحمن، الصين والشرق الأوسط: دراسة تاريخية في تطور موقف الصين تجاه
  5. قضايا المنطقة العربية بعد الحرب الباردة (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2020)، ص.190

الاقتصادية مع الدول المنتجة للنفط وعدم الاتّكال على مصدر واحد؛ فلا يمكنها أن تتخّل ىتمامًا عن النفط الإيراني، لأنها تدرك أن دول الخليج ستكون أكثر تكيّفًا مع المطالب الأميركية عندما تستدعي الظروف ذلك. كما لا يمكن أن تعتمد بالكامل على النفط الروسي لأسباب استراتيجية. تُعدّ دول الخليج مهمة للصين بسبب أهميتها بالنسبة إلى الولايات المتحدة أيضًا؛ أي إن علاقاتها بدول المنطقة تبقى جزءًا من علاقاتها مع القوى الكبرى، مع التأكيد على أنها لا تريد وجود وسيط في علاقاتها مع الدول؛ فهي تريد إنشاء علاقات مباشرة. كما تواصل جهودها العسكرية والسياسية والاقتصادية في الخليج من خلال التعاون في المجالات الدفاعية ومكافحة القرصنة والزيارات الدبلوماسية وتشجيع الاستثمار، مثل اعتماد دول الخليج، باستثناء البحرين، المبادرة التي عرضتها الصين لتصبح أعضاء في البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية في عام 2015. وتتفق هذه العلاقات وتتّسق مع مبادئ الصين وقيمها القائمة على ضرورة التعاون من خلال ثقافة الحوار والعمل المشترك والانسجام في علاقات اقتصادية تنموية مع دول العالم31.

ثالثًا: قطر والصين

تعود العلاقات الصينية - القطرية إلى عام 1988 مع بدء تبادل التمثيل الدبلوماسي بين الدولتين. وفي عام 1999، أجرى الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني زيارة رسمية للصين، كانت الأولى التي يقوم بها أمير دولة قطر، وكان هدفها التعرف إلى إمكانيات فرص التعاون بين الدولتين في مختلف المجالات، ولا سيما قطاع الطاقة، وما يتعلق بالبتروكيماويات. وقد وضعت هذه الزيارة الأساس الذي قامت عليه العلاقات بين الجانبين، في المجالات الاقتصادية والسياسية والثقافية، وبنت رؤية دولة قطر تجاه الصين، وفتحت الطريق أمام تعاون واسع في مختلف المجالات32. وفي عام 2014، زارها الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير دولة قطر، وكانت الثالثة على هذا المستوى. وقد أّش ر ت هذه الزيارة إلى تحوّل العلاقات بين الدولتين إلى شراكة استراتيجية، ومهّدت الطريق لحقبة جديدة من التعاون بينهما، وتمخّضت عن تفاهم للارتقاء بالعلاقات بينهما33، فضلًاعن الاعتراف بدور قطر الإقليمي بوصفها شريكًا اقتصاديًا وأمنيًا؛ إذ قال الرئيس الصيني شي جين بينغ Jinping Xi: "إن قطر دولة مهمة، تؤدي دورًا فريدًا في منطقة الشرق الأوسط والخليج، وهي شريك رئيس للصين في المنطقة"34. وتعمّقت هذه العلاقات في الزيارة الرابعة التي قام بها الشيخ تميم للصين، في عام 2019؛ إذ اتفق البلدان على تعزيز العلاقات والتعاون الاستراتيجي بينهما في مجالات الطاقة، وإيجاد فرص جديدة للاستثمارات في قطاع المال والأعمال والبنية التحتية35، وتأسيس حوار استراتيجي بين الحكومتين. وفي أثناء هذه الزيارة، دعا الرئيس شي جين بينغ إلى زيادة تضافر استراتيجيات البلدين التنموية والبناء المشترك لمبادرة الحزام والطريق36، كما نُبّي نلاحقًا. وفي قمة جمعت بين الشيخ تميم والرئيس شي جين بينغ في كانون الأول/ ديسمبر 2022، على هامش القمة العربية - الصينية الأولى والقمة الخليجية - الصينية اللتين عُقدتا في الرياض، أكد الطرفان استمرار تطوير هذه العلاقات؛ إذ عّب رالرئيس الصيني عن استعداد بلاده لإثراء الشراكة الاستراتيجية مع قطر، والارتقاء بها إلى مستوى جديد، ودعمها لتعزيز رؤيتها الوطنية لعام 2030، وتوسيع التعاون في مجالات الغاز الطبيعي وفي قطاعات الطاقة الكهروضوئية وطاقة الرياح والطاقة المتجددة، ورفع مستوى التعاون الثنائي في مجالات التمويل والاستثمار. في المقابل، أوضح الشيخ تميم دعمه تطوير العلاقات الصينية - القطرية في مجالات السياسة والاقتصاد والثقافة والرياضة، والتزام قطر بسياسة "صين واحدة"، ومعارضتها التدخل الخارجي في شؤونها الداخلية، وقدّر الموقف المحايد الذي تتّخذه الصين منذ فترة طويلة بشأن القضية الفلسطينية وغيرها من القضايا في المنطقة العربية37. ويمكن توضيح مجالات التعاون الثنائي بين قطر والصين على نحو محدد بما يلي: المجال الاقتصادي والتجاري: تعتبر الصين أكبر شريك تجاري لقطر، حيث بلغت قيمة التجارة بين البلدين نحو 26 مليار دولار

  1. عزّت شحرور، "الصين والشرق الأوسط: ملامح مقاربة جديدة"، تقارير، مركز الجزيرة للدراسات، 2012/6/11، شوهد في 2024/12/12، في: https://acr.ps/1L9GPWJ
  2. سفارة دولة قطر في بكين - جمهورية الصين الشعبية، "العلاقات القطرية – الصينية خلال الفترة 2017-2014"، شوهد في 2024/1/12، في: https://acr.ps/1L9GPBr
  3. شمل ذلك توقيع مذكرات تعاون في بناء الحزام الاقتصادي لطريق الحرير وطريق
  4. Mordechai Chaziza, "China-Qatar Strategic Partnership and the Realization of One Belt, One Road Initiative," China Report , vol. 56, no. 1 (2020), p. 83.
  5. سفارة دولة قطر في بكين - جمهورية الصين الشعبية، "صحيفة الشعب اليومية: العلاقات القطرية-الصينية حققت طفرة كبيرة في ظل التحديات الحالية"، 2021/12/20، شوهد في 2024/12/12، في https://t.ly/SIBRt:
  6. Ministry of Foreign Affairs of the People's Republic of China, "China, Qatar Agree to Deepen Strategic Partnership," 31/1/2019, accessed on 25/12/2024, at: https://acr.ps/1L9GQ1R 37  Ministry of Foreign Affairs of the People's Republic of China, "Xi Jinping Meets with Qatari Emir Sheikh Tamim bin Hamad Al Thani," 9/12/2022, accessed on 25/5/2024, at: https://acr.ps/1L9GPZz
  7. الحرير البحري، وفي مجال التعليم والبحث العلمي، والتعاون في الخدمات المالية، وتبادل العملة الصينية، وفي مجال الرياضة، فضلًاعن التعاون في مشروعات الطاقة، كما سيأتي. ينظر: المرجع نفسه.

في عام 2022 38، وتوضّ ح النشاطات الاقتصادية واتفاقيات الطاقة التالية التي وقعت خلال العقد الأخير ذلك. فقد حقق البلدان قفزة نوعية في التعاون الاقتصادي والتجاري مع توقيع عدد من الاتفاقيات والمشاريع الكبرى، منها: في مجال الاستثمار، شجّعت دولة قطر على استقطاب المزيد من الاستثمارات الصينية، خاصة بعد نجاح الشركات الصينية الموجودة في قطر ودخول مشروع خزانات المياه القطري بمساهمة شركة صينية إلى موسوعة غينيس للأرقام القياسية. كما قامت الشركة الصينية الدولية لإنشاء السكك الحديدية ببناء ملعب لوسيل بمساحة إجمالية 190 ألف متر مربع. واعترافًا من قطر بجهود الصين في المشاركة الفعالة في بنيتها التحتية، طُبعت صورة هذا الملعب، الذي "صنع بأيدٍ صينية"، على إحدى فئات الأوراق النقدية القطرية المتداولة39. وفي تشرين الثاني/ نوفمبر 2020، جرى الاتفاق بين البلدين على إنشاء مصنع لتجميع الحافلات الكهربائية في المنطقة الحرة في قطر، ليراوح إنتاجه السنوي بين 500 و 1000 حافلة كهربائية بحسب الخطة. كما وُقّع عقد بينهما بتصدير 2814 حافلة كهربائية وحافلة ديزل، بما يساهم في هدف المواصلات الخضراء لكأس العالم في عام 2022 40. وقّعت غرفة قطر و"المجلس الصيني لترويج التجارة الدولية" China Council for the Promotion of International Trade، في نيسان/ أبريل 2017، اتفاقية لتعزيز علاقات التعاون بين الطرفين لتحقيق أقصى استفادة للقطاعين الخاص القطري والصيني (رواد الأعمال من القطاع الخاص) وخلق المزيد من الشراكات. ووقع الجانبان مذكرة تفاهم لانضمام غرفة قطر إلى غرفة طريق الحرير للتجارة الدولية Silk Road.41 Chamber of International Commerce توقيع اتفاقية شراء وبيع طويلة الأمد مع شركة الصين للنفط والكيماويات في آذار/ مارس 2021، مدة 10 سنوات. اتفاقية بيع وشراء طويلة الأمد لتجارة الغاز والطاقة المحدودة التابعة لشركة الصين الوطنية للنفط البحري في أيلول/ سبتمبر 2021، مدة 15 عامًا. اتفاقية بين شركة رأس لفان للغاز الطبيعي المسال المحدودة التابعة لقطر للطاقة مع مجموعة "غوانغ دونغ" للطاقة المحدودة في كانون الأول/ ديسمبر 2021 لتوريد الغاز الطبيعي مدة 10 أعوام. اتفاقية بين شركة قطر للغاز المسال المحدودة وشركة "إس آند تي" T & S الدولية في كانون الأول/ ديسمبر 2021 حول عقود بيع وشراء طويلة مدة 15 عامًا. صنعت شركة "يو تونغ" Yutong الحافلات الكهربائية لقطر بطريقة معدّلة، وبدأ تشغيلها فيها في خريف 2021، حيث عدّلت تكنولوجيا بطارياتها وحجمها لتلبية احتياجات التشغيل المحلية؛ فسعة بطاريات حافلات المدينة تبلغ 350 كيلوواط/ الساعة، ما يوفر مسافة سير تبلغ 200 كلم بشحنة واحدة، بينما سعة نظيرتها للحافلات الكبيرة 422 كيلوواط/ الساعة، ما يوفر مسافة لأكثر من 230 كلم بشحنة واحدة42. في تشرين الثاني/ نوفمبر 2022، أبرمت مؤسسة الصين للكيماويات "سينوبك" SINOPEC اتفاقًا مع قطر للطاقة لتوريد 4 ملايين طن من الغاز المسال سنويًا مدة 27 عامًا، وهو أطول عقد تبرمه قطر لتوريد غاز طبيعي مسال43. وفي 12 نيسان/ أبريل 2023، وقّعت شركة "قطر للطاقة" اتفاقية شراكة، تحوّل بموجبها حصة 5 في المئة لمؤسسة "سينوبك" في جزء من مشروع توسعة حقل الشمال للغاز في قطر. وفي حزيران/ يونيو 2023 عقدت قطر مع مؤسسة البترول الوطنية الصينية CNPC اتفاقية لتزويدها بالغاز الطبيعي المسال مدة 27 عامًا، وهي الثانية من نوعها في أقل من عام، ضمن مشروع توسعة حقل الشمال الشرقي44. ونتيجةً لهذه الاتفاقيات الاستراتيجية، تضاعف حجم التبادل التجاري بين البلدين؛ إذ زاد بنسبة 45 في المئة في عام واحد؛ ففي عام 2022، بلغ نحو 26.2 مليار دولار، مقارنة بنحو 18 مليارًا في عام.2021 وابالنسبة إلى قطر، تمثّل هذه الاتفاقيات تنويعًا للشراكات، بدل من الاعتماد الكلي على التقنية الغربية؛ فمنذ دخولها سوق الغاز الطبيعي المسال في أوائل التسعينيات، اعتمدت على الشركات الغربية، ولا سيما "إكسون موبيل" ExxonMobil

  1. غرفة قطر: التبادل التجاري بين قطر والصين ارتفع بنسبة 45 بالمئة خلال "2022، وكالة الأنباء القطرية، 2023/6/12، شوهد في 2024/12/31، في: https://acr.ps/1L9GPoS
  2. سفارة دولة قطر في بكين - جمهورية الصين الشعبية، "صحيفة الشعب اليومية."
  3. المرجع نفسه.
  4. Chaziza, p. 84.
  5. تعاون الصين وقطر في الحافلات الكهربائية شراكة استراتيجية على طريق استضافة أخضر مونديال "، صحيفة الشعب اليومية،، شوهد 2021/6/30 في 2024/12/12، فh يttps://acr.ps/1L9GPza:
  6. المعرفة العلاقات الصينية القطرية"،، شوهد في 2024/1/12، في: https://t.ly/QEc0y
  7. قطر توقع اتفاقية جديدة طويلة الأمد مع الصين لتزويدها بالغاز الطبيعي"، فرانس 24، 2023/6/20، شوهد في 2024/12/13، في: http://tiny.cc/kbm0wz

.Total " و"توتالRoyal Dutch Shell "و"رويال داتش شل وحاليًا، تبدو علاقاتها التكنولوجية مع الصين في تزايد. وقد أشار سفير الصين في قطر، تشو جيان في عام 2019، إلى هدف بيجين المتمثل في دمج مبادرة الحزام والطريق مع رؤية قطر الوطنية 2030، وأوضح أن قطر كانت من أوائل الدول التي انضمت إلى المبادرة. أما الصين، فإن صفقة الغاز الجديدة لها أهمية استراتيجية، نظرًا إلى تصميمها على تحييد أنواع الطاقة الملوثة بحلول عام 2060. ومع ذلك، يبقى الغاز الطبيعي المسال إحدى أولويات بيجين الرئيسة45. أدى التطوّر النوعي بين الصين وقطر في مجال تصدير الغاز الطبيعي المسال إلى سعي قطر للاستفادة من ذلك في تحويل نفسها من مجرد مُصدّرٍ وبائعٍ إلى شريك استراتيجي في قطاع النقل العالمي لهذه السلعة. لذلك، وقّعت شركة قطر للطاقة مع الصين عقد بناء ناقلات الغاز الطبيعي المسال، بقيمة 3 مليارات دولار أميركي لمصلحة قطر، ثم دشّنت ناقلة الغاز الطبيعي المسال القطرية أولى رحلاتها إلى ميناء تيانجين الصيني في عام 2021 46. لكن الاتفاق الأكبر بشأن امتلاك الناقلات تم في نيسان/ أبريل 2024، حيث وقّعت شركة قطر للطاقة اتفاقية بقيمة 6 مليارات دولار مع الشركة الصينية لبناء السفن The China State Shipbuilding Corporation لبناء 18 ناقلة للغاز الطبيعي المسال في إطار استعدادها لزيادة إنتاجها. وبموجب ذلك، تقوم الشركة الصينية ببناء سفن الغاز الطبيعي المسال الحديثة جدًا من طراز QC-Max، التي تبلغ سعة كل منها 271 ألف متر مكعب. ومن المتوقع تسليم 8 ناقلات في عامَي 2028 و 2029 47. وتُعدّ هذه الناقلات من أكبر ناقلات الغاز الطبيعي المسال في العالم. ويأتي طلب قطر عليها ضمن إجمالي طلباتها لبناء السفن، الذي بلغ حتى الآن 104 سفن48. المشاركة في مبادرة الحزام والطريق: تُعدّ دولة قطر من أوائل الدول الداعمة لمبادرة الحزام والطريق الصينية في منطقة الخليج العربي، بحسب السفير الصيني في قطر، لي تشن. وتعتبر هذه المبادرة مشروعًا ضخمً، وتعكس رؤية الصين في الوصول إلى الأسواق العالمية عبر منشآت البنية التحتية والاستثمارات في الموانئ والنقل وشبكات الطاقة والتجارة والتمويل والتواصل بين الدول، وتسعى من خلالها للوصول إلى أوروبا عبر طريقَي الحرير البرية والبحرية. وقد اندمجت دول الخليج العربية مؤخرًا في مشاريع هذه المبادرة، وقد أكدت دولة قطر مشاركتها فيها خلال زيارة الشيخ تميم للصين في عام 2014، حينما تمّ توقيع مذكرة تفاهم بين البلدين للتعاون في بناء المبادرة. كما شاركت قطر في البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية Asian Infrastructure Investment Bank، وذلك في إطار هذه المبادرة بوصفها دولة مؤسسة للبنك. واتفق الشيخ تميم والرئيس شي جين بينغ على التواصل والربط بين مبادرة الحزام والطريق ورؤية قطر تعتبر رؤية قطر 2030 خريطة طريق نحو تحقيق التنمية المستدامة من خلال توفير إطار يمكن من خلاله تطوير الاستراتيجيات الوطنية وتنفيذها. وتتوقع الرؤية تحقيق التنمية في أربعة مجالات مترابطة، هي: التنمية البشرية، والتنمية الاجتماعية، والتنمية الاقتصادية، والتنمية البيئية. ويرى بعضهم أن هناك نقطة التقاء للمصالح الاقتصادية والاستراتيجية يمكن البناء عليها لصوغ أساس للتعاون بين الرؤية وتطوير مبادرة الحزام والطريق من خلال الربط بين هذين المشروعين بطريقة استراتيجية تنموية لمصلحة الطرفين. فمن الناحية الاقتصادية، تتوافق الرؤية إلى حٍدٍ ما مع مفهوم التنمية الذي تدعمه المبادرة، من حيث السعي لتحقيق التنمية الاقتصادية والبشرية والاجتماعية والثقافية والبيئية. وقد أشار وزير الخارجية الصيني، وانغ يي Yi Wang، إلى أن مشروع الحزام والطريق يتقاسم فرص التعاون المشترك مع رؤية قطر 2030 49. مجال الزراعة: كان للأزمة الخليجية في عام 2017 بين دولة قطر من جهة والسعودية والإمارات والبحرين وبعض الدول العربية التي سارت في هذه الأزمة من جهة أخرى، آثاٌرٌ بالغة في عملية استيراد المواد الغذائية من تلك الدول؛ ما أدّى إلى اهتمام قطر بالتنويع الاقتصادي وبالمجال الزراعي، وخاصة إنتاج الخضروات ومنتوجات الألبان والدواجن، والسير بخطوات سريعة نحو تحقيق إنتاج محلي يؤدي إلى الاكتفاء الذاتي، أو على الأقل تحجيم استيراد

  1. قدورة، ص 85-84؛ "غرفة قطر: التبادل التجاري بين دولة قطر والصين ارتفع بنسبة بالمئة 45 خلال "2022، الراية،، شوهد 2023/6/12 في 2024/12/12، في: https://tinyurl.com/muj8yb6y؛ سيرغي سوخانكين، "صفقة الغاز الطبيعي المسال الصينية القطرية: مرحلة جديدة للعلاقات بين الدوحة وبكين؟"، منتدى الخليج الدولي، شوهد في 2024/12/12، في https://acr.ps/1L9GPP8:
  2. سفارة دولة قطر في بكين - جمهورية الصين الشعبية، "صحيفة الشعب اليومية."
  3. Verity Ratcliffe, "Qatar Places $6 Billion Order for LNG Carriers from China," Bloomberg , 2/4/2024, accessed on 25/12/2024, at: https://tinyurl.com/n3he34ac
  4. Qatar Orders 18 World's Largest LNG Carries in $6B Deal with China's CSSC," The Maritime Executive , 29/4/2024, accessed on 25/12/2024,
  5. قدورة، ص 78، 85-84؛ ينظر أيضًا: "نتائج مثمرة للتعاون القطري الصيني في مبادرة الحزام والطريق"، الراية، 2019/4/26، شوهد في 2024/12/12، في: https://tinyurl.com/3jxwvza5 50  Chaziza, p. 82.
  6. at: https://tinyurl.com/bdfd83e3

هذا النوع من المنتوجات الزراعية. وسعيًا لتحقيق هذا الهدف، وضعت الدولة خطة "استراتيجية الأمن الغذائي"، وبذلت جهودها لزيادة معدل الاكتفاء الذاتي من الخضروات بنسبة تزيد على 70 في المئة بحلول عام 2023. ولتحقيق الهدف، كان على حكومة قطر أن تلج في التكنولوجيا الزراعية العالية الجودة من خلال التعاون مع الصين التي تتمتع بميزة تنافسية في التكنولوجيا الزراعية العالية الجودة والمتقدمة في هذا المجال. ويؤكد قاو يون تاو، الرئيس التنفيذي لمشاتل الزراعة المائية في مزرعة الفردان، أن تكنولوجيا الزراعة المائية الصينية المستخدمة في قطر تعتبر أكثر تقدمًا بالنسبة إلى تقنية الزراعة التقليدية؛ فاستخدام هذه التكنولوجيا سيؤدي إلى زيادة معدل استخدام الأرض بواقع 30 إلى 40 مرة، وتوفير المياه والأسمدة بأكثر من 90 في المئة حتى في ظروف ارتفاع درجات الحرارة التي تصل إلى 50 درجة مئوية، ونسبة 90 في المئة من الرطوبة، من دون توقف الإنتاج. وأكد أن المنتوجات الزراعية في هذه الحالة خالية من الآفات الزراعية، ومن بقايا المبيدات الحشرية50. الأمن المائي والبيئي: تعتبر قطر من الدول العربية التي يقل فيها هطول الأمطار، وتنعدم فيها الأنهار والأودية، حيث تعتبر أرضًا منبسطة، تنعدم فيها المرتفعات الجبلية. كما لا تكفي الآبار الارتوازية للمياه الصالحة للشرب للاستهلاك البشري، فضلً عن ري الزراعة والمساحات الخضراء. لذا، رأت الدولة الاعتماد على البحر وتحلية المياه لتلبية حاجات الإنسان والحيوان والنبات. وخشيةً من اشتعال الأزمات التي قد تؤثر في مصادر المياه، عمدت قطر إلى زيادة كميات المياه عبر تحليتها، وحفظها والشروع في بناء الخزانات الضخمة والتوسع في هذا المجال. واتّجهت نحو الصين لمساعدتها في بناء أكبر خزان في العالم لمياه الشرب من خلال مشروع خزانات المياه الاستراتيجية الكبرى، الذي تشارك في بنائه مجموعة "قه تشو با" الصينية للطاقة والإنشاءات. وقد بلغ طولها 300 متر، وعرضها 150 مترًا وارتفاعها 12 مترًا، ويصل حجم الماء المخزن الفعلي إلى 436600 متر مكعب؛ وهو ما يُ كّن قطر من تحقيق رقم قياسي عالمي جديد، إضافة إلى تعزيز الأمن المائي الاستراتيجي للبلاد51. مجال مكافحة وباء فيروس كورونا المستجد (كوفيد -)19: تعاونت دول الخليج العربية والصين في مجال مكافحة وباء كورونا، ومن ذلك قيام الخطوط الجوية القطرية، ومن خلال شبكتها العالمية، بنقل 300 طن من المستلزمات الطبية إلى الصين52. مجال التعليم والبحث العلمي: تعمل دولة قطر، في ضوء تاريخها الثقافي وقيمها وتقاليدها ودورها في الساحة العربية والدولية، على التعاون في المجال التعليمي والبحثي مع الصين. وفي هذا الإطار، أسست "كرسي جامعة قطر للدراسات الشرق أوسطية" في جامعة بيجين، وذلك ضمن سعيها لدعم عملي لدراسات الشرق الأوسط على المستوى العالمي، والمساهمة في تقديم الفهم المشترك والحوار الجاد بين الثقافات. ونصّت اتفاقية تأسيس الكرسي على أنه سيكون رمزًا لروح النيات الحسنة والشراكة بين دولة قطر والصين، ومساهمة رئيسة في تطوير معرفة وفهم منطقة الشرق الأوسط وشعوبها وتراثها في الصين. وسيسهم هذا البرنامج في دعم الأنشطة البحثية المتعلقة بالشرق الأوسط في مجالات اللغة والآداب والثقافة والدين والتاريخ والسياسة والاقتصاد والعلاقات الدولية. كما يُعزّز التعاون البحثي بين المؤسسات الأكاديمية العالمية والمراكز البحثية في الجوانب المختلفة لمنطقة الشرق الأوسط. وتهدف دولة قطر عبر هذا الكرسي إلى دعم تطوير معرفة جديدة في المجالات التي كان للعلماء العرب والمسلمين إسهامات بالغة الأهمية فيها من الناحية التاريخية. وفضلً عن ذلك، يسعى الكرسي لتشجيع تطوير التدريس وإجراء البحوث البينية في هذا المجال الثري من المفاهيم والبحوث الإنسانية53. ومما يدخل في هذا الإطار، التعاون البحثي الذي أطلقته الصين مع دولة قطر، في عام 2022، لحماية الباندا الذي تعدّه الصين حيوانها الوطني، فيما عرف ب "دبلوماسية الباندا"، وهو الأول من نوعه لها في الشرق الأوسط؛ إذ أتاحت قوة اقتصاد قطر، واستقرارها السياسي، وجهودها في حماية الحيوانات المهددة بالانقراض والتنوع البيولوجي، إلى جعلها الدولة الوحيدة في الشرق الأوسط التي تستضيف الباندا العملاقة في الوقت الراهن. وهي دبلوماسية يرى فيها الباحثون المختصون أنها تتكامل مع دبلوماسية الرياضة التي انتهجتها دولة قطر؛ إذ أتت في العام نفسه الذي نظمت فيه كأس العالم54.

  1. التكنولوجيا الزراعية الصينية الفائقة تقود اتجاه التنمية"، صحيفة الشعب اليومية، 2021/3/25، شوهد في 2024/12/12، في https://acr.ps/1L9GPaM:
  2. مشروع خزانات مياه قطري بمساهمة شركات صينية"، الصين بعيون عربية، 2020/9/10، شوهد في 2024/12/13، في https://acr.ps/1L9GPiH:
  3. التعاون الثنائي حقق إنجازات مثمرة... السفير تشو جيان: العلاقات القطرية تاريخية وتتطور سريعًا الصينية "، الراية،، شوهد 2020/12/17 في 2024/12/12، فh يttps://acr.ps/1L9GQ0P:
  4. ينظر الاتفاقية بين دولة قطر (ممثلة بجامعة قطر) وجامعة بيجين - جمهورية الصين الشعبية لإنشاء كرسي جامعة قطر للدراسات الشرق أوسطية في جامعة بيجين عام:2014 " State of Qatar Chair in Middle Eastern Studies at Peking University," Peking University, accessed on 12/12/2024, at: https://acr.ps/1L9GPuu
  5. Song Niu & Danyu Wang, "From Jingjing and Sihai to Suhail and Thuraya: China's Panda Diplomacy towards Qatar," China: An International Journal , vol. 22, no. 3 (2024), pp. 73 - 92. المصدر: من إعداد الباحث.

جدول باتفاقيات/ مذكرات التفاهم بين دولة قطر والصين

اتفاقية للتعاون التجاري بين حكومة دولة قطر وحكومة 1993 16 جمهورية الصين الشعبية (ثنائية)

العامالاتفاقية / مجال التعاون
2023اتفاقية الشراكة في مشروع حقل الشمال الشرقي طويلة
الأمد لبيع الغاز الطبيعي المسال مدة 27 سنة (ثنائية)
1
2021اتفاقية بين قطر للطاقة مع سينوبك لتوريد الغاز
الطبيعي المسال إلى الصين مدة 10 سنوات (ثنائية)
2
2019اتفاقية تعزيز التعاون في مجال البنية التحتية (ثنائية)3
2019مذكرة تفاهم حول إقامة آلية حوار استراتيجي بين
البلدين (ثنائية)
4
2019مذكرة تفاهم حول التعاون في مجال تدريب
الدبلوماسيين (ثنائية)
5
2019مذكرة تفاهم حول صياغة خطة التنفيذ المشتركة
القطرية - الصينية لمبادرة الحزام والطريق (ثنائية)
6
2019مذكرة التفاهم والتعاون بين هيئة المناطق الحرة لدولة
قطر والمجلس الصيني لتعزيز التجارة الدولية (ثنائية)
7
2019مذكرة حول تعزيز التعاون في صناعة فعاليات الأعمال
ثنائية)(
8
2 ن018اتفاقية بين حكومة دولة قطر وحكومة جمهورية الصين
الشعبية بشأن الإعفاء المتبادل من تأشيرة الدخول
ثنائية)(
9
2015اتفاقية البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية
(إقليمية)
10
2014مذكرة تفاهم بشأن دفع التعاون القطري - الصيني في
بناء "الحزام الاقتصادي لطريق الحرير" و"طريق الحرير
البحري" بين وزارة الخارجية بدولة قطر ولجنة الدولة
للتنمية والإصلاح بجمهورية الصين الشعبية (ثنائية)
11
2 ن013اتفاقية بين حكومة دولة قطر وحكومة جمهورية الصين
الشعبية في شأن تجنب الازدواج الضريبي ومنع التهرب
المالي في ما يتعلق بالضرائب على الدخل (ثنائية)
12
2010مذكرة تفاهم بشأن الحوار الاستراتيجي بين دول مجلس
التعاون وجمهورية الصين الشعبية (إقليمية)
13
2 ن008اتفاقية بين حكومة دولة قطر وحكومة جمهورية الصين
الشعبية بشأن تنظيم استخدام العمال الصينيين في دولة
قطر (ثنائية)
14
2 ن001اتفاقية بين حكومة دولة قطر وحكومة جمهورية الصين
الشعبية في شأن تجنب الازدواج الضريبي ومنع التهرب
المالي في ما يتعلق بالضرائب على الدخل (ثنائية)
15

17 اتفاقية إنشاء الوكالة الدولية لضمان الاستثمار (دولية)

خاتمة

بعد رصد وتحليل المبادئ الأساسية التي تحكم ثقافة الصين الاستراتيجية وعلاقاتها مع محيطها والعالم الخارجي، وتحليل أهم محطات التفاعل بينها وبين دولة قطر على وجه التحديد، وهي حالة هذه الدراسة، يمكن توضيح الاستنتاجات التالية:.1 تنتهج الصين مع محيطها الإقليمي سياسة تختلف نسبيًا عن السياسة التي تتبنّاها مع دول الأقاليم الأخرى البعيدة عنها، فهي حازمة بشأن أمنها القومي، ومرنة وتعاونية في مشاريعها العالمية التي تقاربها براغماتيًا في الغالب، ومن خلال الاقتصاد والتنمية عبر سياسات تحقق لها أكبر قدر من المنفعة وأقل قدر من الخسائر، تحت شعار "منفعة الجميع." لذلك، نرى أهمية ملاحظة حلقة الوصل بين الثقافة الاستراتيجية المتأصلة في الفكر الكونفوشي لآلاف السنين وسلوك الدولة الصينية اليوم من خلال التفريق بين رؤية الصين لإقليمها شرق آسيا ورؤيتها لسائر أقاليم العالم؛ فهي تنظر إلى شرق آسيا على أنه جزء من الأمن القومي الصيني، وأن استقرار هذا الإقليم ينعكس على استقرار شؤونها الداخلية، كما أن استقرار الداخل الصيني ينعكس على استقرار الإقليم. وانبثاقًا من هذه الرؤية، نجد أن الصين إقليميًا تسعى لزيادة قوتها الاقتصادية والعسكرية بهدف ضمان الأمن والاستقرار، وردع دخول قوة خارجية إلى إقليمها، مثل الولايات المتحدة، التي ترى في وجودها عدم احترام للسيادة وتدخّلً في الشؤون الداخلية لدول الاقليم..2 يستند الموقف المحافظ الذي تتّبعه الصين في سياستها الخارجية إلى اعتقادها أنها لا تدّعي، ولا تملك رسالة حضارية لتمدين شعوب العالم وفرض قيم معيّنة عليها، كما يفعل الغرب. من هنا، تحترم الصين منطق الدولة، ولا تتدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، وتتعامل مع الحكومات القائمة لضمان مصالحها..3 وهذا يفسّ لنا سبب تركيز الصين على العلاقات الاقتصادية؛ فهي مهتمة بتطوير كل ما سيخدم مشروع الحزام والطريق وتحسينه. ويعطي هذا المشروع صورة أن الصين تبدي اهتمامها بالقيام بدور اقتصادي قيادي عالمي؛ أي المشاركة والعمل مع

النظام القائم، وليس الانقلاب عليه أو تغييره بالضرورة. لذا، تعني الصين ب "الصعود السلمي" أنها تسعى لإقامة علاقات إيجابية تعاونية مع الجميع، وإيجاد شركاء للتنمية وليس حلفاء؛ لأنها تؤمن بأن ليس من مهماتها أن تقدّم الحماية والعناية للجميع، وأن الحليف يفرض عادة شروطًا..4 تبدو العلاقات الصينية – القطرية مرشّحة لمزيد من التعاون، نظرًا إلى تسارعها في غضون سنوات قليلة؛ فمع أنها أ سّست في عام 1988، فقد اكتسبت زخمً سريعًا، حتى بلغت مستوى الشراكة الاستراتيجية في عام 2014. ولعل ارتفاع قيمة التبادل التجاري الإجمالي بين الدولتين بنسبة 45 في المئة في عام واحد 2022-2021()، على سبيل المثال، يوضح أن الشراكة تتعمق، وأن البلدين يدركان الأهمية المتبادلة بينهما..5 لا تتجاهل هذه الأهمية المتبادلة بين الصين وقطر أن العلاقة قائمة بين دولة كبرى ودولة صغيرة، فقد بيّنت الدراسة إدراك الصين أن علاقتها مع دولة صغيرة، مثل قطر، مهمة جدًا بسبب دورها الفاعل إقليميًا وعلى الساحة الدولية، ولا سيما في الوساطة وحل النزاعات والتنمية والاستثمارات وغيرها، فضل عن أهميتها الحيوية بوصفها مصدرًا أساسيًا للطاقة، خاصة الغاز الطبيعي، الذي يحتاج إليه الاقتصاد الصيني الصناعي المتنامي..6 تدرك دولة قطر، من جهتها، أهمية الصين بوصفها دولة كبرى وصاعدة، ليس في المجال الاقتصادي فحسب، إنما أيضًا في المجالين السياسي والعسكري. فعلاقاتها مع هذه الدولة الكبيرة مهمة جدًا في المستقبل، نظرًا إلى حاجة الدولة إلى تنويع الشركاء حتى لو كانوا متنافسين، وذلك لضمان استدامة نموّها الاقتصادي بالتعاون مع جميع الشركاء، وتأمين استمرار صادراتها من الطاقة. كما تدرك قطر أهمية المساهمة الصينية الحديثة في مشاريع الدولة الأساسية في البنية التحتية والتقنية والزراعة والأمن الغذائي والمياه وغير ذلك.

المراجع

العربية

سمورا، توماس. "تحديث جيش التحرير الشعبي الصيني: التداعيات أوراق استراتيجية الأمنية في منطقة المحيطين.". رقم.14 العربي للأبحاث ودراسة السياسات المركز..2024/5/7 فh يttps://tinyurl.com/2fmdfkat: شحرور، عزّت. "الصين والشرق الأوسط: ملامح مقاربة جديدة." تقارير. مركز الجزيرة للدراسات..2012/6/11 فh يttps://acr.ps/1L9GPWJ: العبد الرحمن، حكمات. الصين والشرق الأوسط: دراسة تاريخية في تطور موقف الصين تجاه قضايا المنطقة العربية بعد الحرب الباردة. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2020 العرب والصين: مستقبل العلاقة مع قوة صاعدة. مروان قبلان (محرر.) الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2019 القحطاني، مطلق بن ماجد ودانة بنت منصور آل ثاني. "سياسة قطر وتجربتها في الوساطة وتسوية المنازعات دولة." سياسات عربية. مج 9، العدد 51 (تموز/ يوليو.)2021 قدورة، عماد. "موقع دول الخليج العربية في مبادرة الحزام سياسات عربية والطريق الصينية.". مج 11، العدد 63 (تموز/ يوليو.)2023 محمود، صافي محمود. "توجّهات سياسية حذرة: آفاق التعاون الصيني الشرق أوسطي والتحديات الراهنة." دراسات. المركز العربي للبحوث والدراسات 2015/5/20. في http://www.acrseg.org/38006:. منصور، عماد. "السياسة الخارجية الصينية من منظار الثقافة سياسات عربية الاستراتيجية.". مج 4، العدد 21 (تموز/ يوليو.)2016 ناي، جوزيف س. القوة الناعمة وسيلة النجاح في السياسة الدولية. ترجمة محمد توفيق البجيرمي. الرياض: مكتبة العبيكان،.2007 نعمة، كاظم هاشم. تسابق التنين والفيل إلى مثلث القوى في الشرق الأوسط. الدوحة: المعهد الدبلوماسي،.2022

الأجنبية

Chaziza, Mordechai. "China-Qatar Strategic Partnership and the Realization of One Belt, One Road Initiative." China Report. vol. 56, no. 1 (2020). Gray, Colin. "Strategic Culture as Context: The First Generation of Theory Strikes Back." Review of International Studies. vol. 25, no. 1 (1999). Hughes, Christopher R. "Nationalism and Multilateralism in Chinese Foreign Policy: Implications for Southeast Asia."  The Pacific Review. vol. 18, no. 1 (2005). Jeffery, Renée. "Evaluating the 'China Threat': Power Transition Theory, the Successor - State Image and the Danger of Historical Analogies." Australian Journal of International Affairs. vol. 63, no. 2 (2009). Maas, Matthias. "The Elusive Definition of the Small State." International Politics. vol. 46 (2009). Mason, R. (ed.). The International Politics of the Arab Spring: Popular Unrest and Foreign Policy (The Modern Muslim World). New York: Palgrave Macmillan, 2014. Meyer, Christoph. "Theorizing European Strategic Culture between Convergence and the Persistence of National Diversity." Working Document. no. 201. Centre for European Policy Studies (CEPS) (June 2004). Niu, Song & Danyu Wang. "From Jingjing and Sihai to Suhail and Thuraya: China's Panda Diplomacy towards Qatar." China: An International Journal. vol. 22, no. 3 (2024). Olimat, Muhamad S. China and the Middle East from Silk Road to Arab Spring. Abingdon/ New York: Routledge, 2013. Rozman, Gilbert. "Chinese National Identity and its Implications for International Relations in East Asia."  Asia-Pacific Review. vol. 18, no. 1 (May 2011). Tzu, Sun. The Art of War. Samuel B. Griffith (trans.). New York: Oxford University Press, 1982.