مشكلة الفاعل - البنية في نظرية العلاقات الدولية ***

Alexander Wendt | ألكسندر ونت ** Translated by Ahmed Qasem Hussein ترجمة أحمد قاسم حسين |

الملخّص

This text was fundamental to the crystallization of structuralist theory in international relations. It addresses one of the discipline’s major dilemmas: the dialectic of the relationship between actor and structure. It reveals the shortcomings of the interpretations offered by the prevailing structuralist theories (neorealism and world-system theory), which failed to grasp the mutually constitutive nature of human agents and system structures, reducing the international system either to constraints imposed on actors or to structures generating behavioral patterns. However, by employing the “structuration theory” borrowed from sociology, US political scientist Alexander Want offers an expanded perspective that avoids reducing system structures to state actors (as neorealism does) or their reification in world- system theory. The scientific realist/structuration approach thus investigates the properties and dispositions of state actors and the system structures in which they are embedded, contributing to the reformulation of theoretical debate in the field of international relations, opening up broad horizons for understanding international dynamics and establishing a new research agenda that combines philosophical-scientific analysis with political-historical analysis. Keywords: Agent, Structure, International Relations Theory.

The Agent-Structure Problem in International Relations Theory

يمثل هذا النص إحدى المواد الأساسية التي أسهمت في بلورة النظرية البنائية في حقل العلاقات الدولية. وتنبع أهميته من كونه يعالج إحدى المعضلات الرئيسة في الحقل، وهي جدلية العلاقة بين الفاعل والبنية، ويكشف عن أوجه القصور في التفسيرات التي قدّمتها النظريات البنيوية السائدة (الواقعية الجديدة ونظرية النظام - العالم)، وأخفقت في إدراك طبيعة التشكيل المتبادل بين الفاعلين وبنى النظام، واختزلت النظام الدولي إما إلى قيود مفروضة على الفاعلين، أو بُنى موِّل دة للأنماط السلوكية. غير أنّ أستاذ العلوم السياسية الأميركي ألكسندر ونت قدّم، من خلال توظيف مقاربة "التشكيل البنيوي" المستعارة من علم الاجتماع، منظورًا موسعًا، أبرز الطابع التكويني المتبادل لكٍّل من الفاعلين والبنى، وتفادى اختزال بنى النظام إلى الفاعلين من الدول (على نحو ما تفعل الواقعية الجديدة)، أو تجسيدها في نظرية النظام - العالم. ومن ثم، تتولى البنائية البحث في خصائص الفاعلين من الدول واستعداداتهم وبنى النظام التي تحتضنهم، على حد سواء؛ لتسهم في إعادة صياغة النقاش النظري في حقل العلاقات الدولية بما يفتح آفاقًا واسعة لفهم الديناميات الدولية، ويؤسس لأجندة بحثية جديدة تجمع بين التحليل الفلسفي - العلمي والتحليل السياسي - التاريخي.‎

* أستاذ الأمن الدولي، جامعة ولاية أوهايو، الولايات المتحدة. Ohio State University, USA.، Professor of International Security ** باحث أول، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. Senior Researcher, Arab Center for Research and Policy Studies. Email: ahmed.hussein@dohainstitute.edu.qa *** هذا النص ترجمة ل: Alexander E. Wendt, “The Agent-Structure Problem in International Relations Theory,” International Organization , vol. 41, no. 3 (1987). الهوامش في هذا النص من وضع المؤلف، ما لم يُنص على خلاف ذلك.

مقدمة1

ثمة نظريتان تؤثران في الخطاب المعاصر بشأن العلاقات الدولية، هما الواقعية الجديدة Neorealism، ونظرية النظام - العالم World- Theory System. تدّعي كلتا النظريتين تقديم تفسيرات "بنيوية" لكيفية تصرف الدول في النظام الدولي، لكنهما وإن التزمتا بالتحليل البنيوي Analysis Structural، فإن في فهمهما "بنية" النظام، ومن ثم تفسيره بنيويّا، تباينًا واضحًا. فالواقعيون الجدد يعرّفون بنى النظام الدولي، من ناحية الخصائص القابلة للملاحظة التي تميز الدول الأعضاء فيه (أي توزيع القدرات بين الدول)؛ وهم نتيجة لذلك يفهمون الدور التفسيري الذي تؤديه تلك البنى من ناحية فردانية Individualist، بوصفها تفرض قيودًا على خيارات الفاعلين من الدول القائمة سلفًا. أما منظّرو النظام - العالم، فيعرّفون بنى النظام الدولي، من ناحية المبادئ التنظيمية الأساسية للاقتصاد الرأسمالي العالمي التي تمثل أساس الدول وُتَُشَِّكُِلُها؛ ومن ثم يفهمون الدور التفسيري لهذه البنى من ناحية بنيوية Terms Structuralist، بوصفها هي

وأيضًا في:

التي تُوِّدلِ للفاعلين الدوليين أنفسهم. بيد أن هذه الاختلافات لم تخضع للتوضيح على نحو واٍفٍ في أدبيات العلاقات الدولية56. أسعى، في هذه الدراسة، لتوضيح طبيعة التحليل البنيوي في هذين التقليدين، فضلًاعن المقابلة بينهما. ومع ذلك، فإن اهتمامي الأساسي

2 يوجد العديد من المناقشات بشأن معاني واستخدامات "النظرية البنيوية" في الواقعية الجديدة ونظرية النظام - العالم، ولكن أيّا منها، على حد علمي، يقارن أو يميز صراحةً بين مقاربتيهما للبنية Structure والتحليل البنيوي Analysis Structural. ينظر بخصوص الواقعية الجديدة Neorealism على سبيل المثال: Kenneth Waltz, Theory of International Politics (Reading, Mass: Addison- Wesley, 1979); Robert Keohane, "Theory of World Politics: Structural Realism and Beyond," in: Ada Finifter (ed.), Political Science: The State of the Discipline (Washington: APSA, 1983); أفضل نقد لمفهوم الواقعية الجديدة للبنية هو نقد ريتشارد آشلي، يُنظر: Richard Ashly, "The Poverty of Neorealism," International Organization , vol. 38 (Spring 1984), pp. 225 - 86. وُيُنظر بخصوص نظرية النظام - العالم: Immanuel Wallerstein, "The Rise and Future Demise of the World Capitalist System: Concepts for Comparative Analysis," Comparative Studies in Society and History , vol. 16 (September 1974), pp. 387-415; Christopher Chase- Dunn & Richard Rubinson, "Toward a Structural Perspective on the World- System," Politics and Society , vol. 7, no. 4 (1977), pp. 453 - 76. ربما يكون أكثر نقد لنظرية النظام - العالم يقترب مما أعرضه في هذه الدراسة هو ذلك الذي قدمته ثيدا سكوكبول في مقالتها المعروفة، ينظر: Theda Skocpol, "Wallerstein's World Capitalist System: A Theoretical and Historical Critique," American Journal of Sociology , vol. 82 (March 1977), pp. 1075 - 1090.

يكمن في نقد تصورات النظرية البنيوية المتجذرة في كل منها، واستخدام هذا النقد حافزًا لتطوير مقاربة جديدة في التنظير البنيوي حول العلاقات الدولية، مستلهمة من أعمال "منظّري البنيانية" Structuration في علم الاجتماع58. وتتطلب هذه المقاربة والأجندة البحثية التي تنطوي عليها تأسيسها ضمن فلسفة العلم الواقعية (أو ما يُسمّى الواقعية العلمية Realism Scientific ، والتي يجري الحجاج بأنها "الأرثوذكسية الجديدة" في فلسفة العلوم الطبيعية، ولكنها حتى الآن غير معترف بها إلى حدّ بعيد من علماء السياسة. تختلف الواقعية الجديدة عن نظرية النظام - العالم، بوصفهما نظريتين بنيويتين في العلاقات الدولية، وعليه يمكن مقارنتهما من ناحية عدد من الأبعاد: الادعاءات الموضوعية، والقدرة على التنبؤ،

3 النظرية البنيانية يجري تعريف مصطلح "" أحيانًا على نحو ضيق يلصقها بأعمال أنتوني غيدنز، الذي أوضح إشكاليتها الأساسية في كتابه: Anthony Giddens, Central Problems in Social Theory (Berkeley, CA: University of California Press, 1979). Anthony Giddens, The Constitution of Society: Out- line of the Theory of Structuration (Cambridge, UK: Polity Press, 1984); N.J. Thrift, "On the Determination of Social Action in Space and Time," Society and Space , vol. 1 (March 1983), pp. 23 - 57. لكن نايجل ثريفت يستخدم هذا المصطلح على نطاق أوسع، ويطلقه تسمية عامة لمجموعة من النظريات الاجتماعية التي تشترك في بعض الافتراضات الأساسية بشأن علاقة الفاعل - البنية؛ وتشمل هذه المجموعة، على سبيل المثال لا الحصر: Pierre Bourdieu, Outline of a Theory of Practice (Cambridge: Cambridge University Press, 1977); Roy Bhaskar, The Possibility of Naturalism (Brighton, UK: Harvester Press, 1979); Derek Layder, Structure, Interaction, and Social Theory (London: Routledge & Kegan Paul, 1981). وبما أن هدفي في هذه الدراسة ليس تقديم أفكار غيدنز (وفي الواقع، سأعتمد على باشكار أكثر مما سأعتمد على غيدنز) بقدر ما أنوي إظهار أهمية هذه الإشكالية الشاملة بالنسبة إلى نظرية العلاقات الدولية، فسأتبع الاستخدام الأشمل للمصطلح الذي استخدمه ثريفت. 4 الواقعية العلمية (أو ما يطلق عليها ببساطة "الواقعية)" لا ترتبط في هذا السياق بالواقعية السياسية أو الواقعية الجديدة في حقل العلاقات الدولية. 5 يأتي وصف الواقعية العلمية بأنها "الأرثوذكسية الجديدة" من استعارة دينية وفلسفية، تشير إلى القبول الواسع لهذه النظرية ضمن جماعة فلسفة العلوم؛ إذ أصبحت أشبه ب "التوجه التقليدي" أو "المعيار" في الحكم على علمية النظريات العلمية. (المترجم) 6 مسألة إن كانت الواقعية العلمية تمثل "أرثوذكسية جديدة" في فلسفة العلوم الطبيعية هي بلا شك قضية خلافية بين الواقعيين والإمبريقيين، لكنها حققت على أي حال نجاحات كافية لدرجة أن مركز مينيسوتا لفلسفة العلوم Minnesota Center for the Philosophy Science of، الذي كان لفترة طويلة معقلًامهمًاللإمبريقية، خصص في الفترة 1986-1985 نشاطه العلمي للتركيز على هذه المسألة إلى جانب أمور أخرى. ويبدو أن علماء السياسة الأميركيين عمومًا غير مدركين أو غير مهتمين بهذا النقاش وتداعياته المحتملة على العلوم السياسية. على حد علمي، فإن المناقشات الوحيدة للواقعية العلمية في العلاقات الدولية كانت بريطانية، ينظر: John Maclean, "Marxist Epistemology, Explanations of Change and the Study of International Relations," in: Barry Buzan & R. J. Barry Jones (eds.), Change in the Study of International Relations: The Evaded Dimension (London: Frances Pinter, 1981), pp. 46-67; Richard Little, "The Systems Approach," in: Steve Smith (ed.), International Relations: British and American Perspectives (Oxford: Blackwell, 1985), pp. 79 - 91.

  1. قدّمُتُ نسخة سابقة من هذه الدراسة في اجتماع عقدته جمعية الدراسات الدولية في عام 1986. وأود أن أشكر كلًامن: هايوارد ألكر، وريتشارد آشلي، وريموند دوفال، وجيفري إسحاق، وبريان جوب، وستيفن كراسنر، وبيتر مانيكاس، وديفيد سيلفان، وجوتا ويلديس، والُمُحكمْي نالُمُغفَل يالهوية، على تعليقاتهم ومقترحاتهم المفيدة على مسودات سابقة من الدراسة.

والنطاق، والشح، وغير ذلك. وفي حين أن هذه الاختلافات تُعّد مهمة، فإنها، كما أعتقد، مشروطة بشدة باختلافات أكثر جوهرية تتعلق بالأنطولوجيا: ففي حين تجسد الواقعية الجديدة الأنطولوجيا الفردانية Ontology Individualist، تجسد نظرية النظام - العالم نظرية أنطولوجيا كليانية  Holistic . وإحدى الطرائق المفيدة لفهم طبيعة هذا الاختلاف وآثاره هي تقييم النظريتين، من ناحية افتراضاتهما الأساسية بشأن علاقة بنى النظام بالفاعلين من البشر Agents Human. فعلى الرغم من التزام النظريتين بالتنظير البنيوي بدلًامن التنظير القائم على دور الفاعل Agent، فإنهما، على غرار جميع شيء من النظريات البنيوية، تفترضان مسبقًا وجود النظرية حول ما تجري بنينته Structured، سواء أتعلق الأمر بفاعلين من البشر أو من المنظمات، وحول علاقة هؤلاء الفاعلين بالبنى الاجتماعية. وبصيغة أشد عمومية، تتضمن جميع النظريات في العلوم الاجتماعية حلًا، ضمنيّا على الأقل، ل "مشكلة الفاعل - البنية"، التي تحدد موقع الفاعلين والبنى الاجتماعية في علاقة بعضهم ببعض. وتساهم هذه الحلول في تحديد فهم النظرية للتحليل البنيوي والأهمية التفسيرية النسبية التي توليها إيّاه. وفي الوقت الذي أسعى فيه لتقديم فهم مختلف للنظرية البنيوية، فإنني سأحاُّجُ، مع ذلك، بأن الحلول التي تقدمها الواقعية الجديدة ونظرية النظام - العالم لمشكلة الفاعل - البنية متشابهة إلى حد ما من ناحية واحدة على الأقل، وأنّ هذا التشابه، بدوره، يؤدي إلى مشترك قصور تأسيسي في كلتا النظريتين بوصفهما مقاربتين "بنيويتين " لدراسة العلاقات الدولية. وتمثل النظرية البنيانية Structuration Theory استجابة لهذا القصور المشترك في الواقعية الجديدة ونظرية النظام - العالم؛ إذ تستوعبهما وتتجاوزهما معًا. أفحص، في القسم الأول من الدراسة، طبيعة "مشكلة" الفاعل - البنية وأحدد بإيجاز أنواع الحلول الرئيسة المقدمة لها. وأجادل، في القسم الثاني، بأن الواقعية الجديدة ونظرية النظام - العالم تجسدان حّليّن من بين هذه الحلول، هما المنهجية الفردانية والمنهجية البنيوية على التوالي. وعلى الرغم من الاختلافات المهمة بينهما، فإن المقاربتين تحلان مشكلة الفاعل - البنية عن طريق جعل إما الفاعلين الدولتيين

7 الشح، أو البساطة، مبدأ منهجي يشير إلى تفضيل النظريات أو التفسيرات الأكثر بساطة، التي تتضمن أقل عدد ممكن الفرضيات أو الكيانات غير الضرورية. يُعرف هذا المبدأ أحيانًا ب "شفرة أوكام" Razor Occam's نسبةً إلى الفيلسوف وليام أوكام الذي جادل بأن التفسيرات البسيطة تكون غالبًا أكثر دقة من التفسيرات المعقدة، عندما تحقق المستوى نفسه من التفسير. (المترجم) 8 تشير الأنطولوجيا الكليانية Holistic Ontology إلى طريقة لفهم الوجود والعالم من الكل منظور شامل، حيث يتم التركيز على أكثر من الأجزاء. بدلًامن تحليل الأشياء ككيانات منفصلة ومستقلة، تعتبر الأنطولوجيا الكليانية أن الكيانات مترابطة وتشكّل شبكة متكاملة؛ بمعنى أن فهم الكل قد يتطلب النظر إلى تفاعلات أجزائه ككٍلٍ مترابط، وليس مجرد جمع للخصائص الفردية لهذه الأجزاء. (المترجم)

State Agents أو بنى النظام System Structures وحدات ابتدائية من الناحية الأنطولوجية. ويكون الأثر الناتج على الواقعية الجديدة ونظرية النظام - العالم هو قصورهما عن شرح الخصائص والقوى السببية لوحدات التحليل الأولية التي تتبنيانها؛ وهو قصور يقوّض تفسيراتهما المحتملة لأفعال الدولة. ويمكن منع بلوغ هذه الحالة، من خلال اعتماد مقاربة لمشكلة الفاعل - البنية لا تحول ابتداء دون عدّ الفاعلين والبنى "إشكالية" أو "متغيرات تابعة." وفي القسم الثالث، أصف هذه المقاربة الثالثة، أي المقاربة البنيانية، وأسسها القائمة في فلسفة العلم الواقعية. ولأن الأهمية التي قد تحظى بها النظرية البنيانية، بوصفها إطارًا ما وراء نظري لدراسة العلاقات الدولية، تعتمد في النهاية على قدرتها على إثراء التنظير للعلاقات الدولية فضلًا عن الأبحاث الإمبريقية الملموسة، فلا يمكن إثبات قيمتها على نحو مقنع في مثل هذه المقالة البرامجية. ومع ذلك، يمكن الإشارة إلى بعض التغييرات التي يراها المنظور البنياني ضرورية في أجندة البحث المعاصرة في حقل العلاقات الدولية. وتحقيقًا لهذه الغاية، أفحص في القسم الرابع بعض الآثار الإبستيمولوجية والنظرية العامة للنظرية البنيانية في تفسير أفعال الدولة. ثم أختم بالعودة إلى تداعيات اعتماد الواقعية العلمية في أبحاث العلوم الاجتماعية.

: مشكلة الفاعل أولًا - البنية

تأتي جذور مشكلة الفاعل والبنية من بدهيتين تميزان الحياة الاجتماعية، وتشكلان أساس معظم أبحاث العلوم الاجتماعية، هما: 1. أن البشر ومنظماتهم هم فاعلون هادفون تساعد أفعالهم في إعادة إنتاج المجتمع الذي يعيشون فيه أو تحويله، 2. أن المجتمع يتكون من العلاقات الاجتماعية التي تهيكل التفاعلات بين هؤلاء الفاعلين الهادفين. تشير هاتان البدهيتان معًا إلى أن الفاعلين من البشر والبنى الاجتماعية يمثلون على نحو ما كيانات مترابطة نظريّا أو متضمنة كٌّلٌ منها في الأخرى. وعليه، يستدعي تحليل الفعل Action فهمًا، ضمنيّا على الأقل، للعلاقات الاجتماعية الخاصة (أو "قواعد اللعبة)" التي يحدث فيها الفعل، تمامًا كما يستدعي تحليل البنى الاجتماعية فهمًامعينًا للفاعلين الذين تبني علاقاتهم السياق البنيوي. لذلك، ومن باب المعقول، يمكن الاعتقاد أن خصائص الفاعلين والبنى معًا الاجتماعية تعدّ مهمة في تفسير السلوك الاجتماعي. في الواقع، ورغم الاختلاف في الطرائق، تستخدم الواقعية الجديدة ونظرية و النظام - العالم خصائص الدول (القوى والمصالح) بنى النظام (القطبية، وعلاقات التبادل غير المتكافئ) لتفسير سلوك الدولة. تكمن "المشكلة" في هذا كله في افتقارنا إلى طريقة بدهية واضحة تسمح بمفهمة هذه الكيانات والعلاقات بينها. وأدى غياب تصور

مفهومي مقنع للعلاقة بين الفاعل والبنية، على هذا النحو، إلى ظهور مجموعة متنوعة من طرائق مفهمة هذه العلاقة عبر مختلف العلوم الاجتماعية، وكل طريقة منها تعكس الالتزامات الفلسفية والعملية القائمة سلفًا في خطابها النظري الأصلي (لذلك فإن قيامي بتبني مفردات "الفاعلين" و"البنى" لا يعدّ محايدًا من الناحية النظرية.) وعلى الرغم من الاختلافات العديدة، فإن مشكلات "الفاعل - البنية" و"الأجزاء - الكل" و"الفاعل - النظام" و"الجزئي - الكلي" جميعها تعكس ضرورة التفكير ما وراء النظرية، أي الحاجة إلى مفهمة العلاقة الأنطولوجية والتفسيرية بين الفاعلين الاجتماعيين (في هذه الحالة، الدول) والبنى المجتمعية (في هذه الحالة، النظام الدولي) لغرض تفسير السلوك الاجتماعي.

9 ظهرت مشكلة الفاعل - البنية وشاعت في العلوم الاجتماعية، بأشكال مختلفة، في الآونة الأخيرة. للاطلاع على عيّنة من هذه الأعمال ينظر، على سبيل المثال، في ميدان الجغرافيا: Derek Gregory, "Human Agency and Human Geography," Transactions of the Institute of British Geographers , vol. 6, no. 1 (1981), pp. 1-18; Derek Gregory & John Urry (eds.), Social Relations and Spatial Structures (London: MacMillan, 1985); وفي علم الاجتماع، نذكر إلى جانب أعمال غيدنز وباشكار المذكورة آنفًا: Alan Dawe, "Theories of Social Action," in: Tom Bottomore & Robert Nisbet (eds.), A History of Sociological Analysis (London: Heinemann, 1979); Karin Knorr-Cetina & Aaron Cicourel (eds.), Advances in Social Theory: Toward an Integration of Micro and Macro-Sociologies (London: Routledge & Kegan Paul, 1981); وفي التاريخ الاجتماعي، ينظر: Philip Abrams, Historical Sociology (Ithaca: Cornell Univer- sity Press, 1982); Christopher Lloyd, Explanation in Social History (Oxford: Blackwell, 1986); وفي فلسفة العلوم الاجتماعية، ينظر: John O'Neill (ed.), Modes of Individualism and Collectivism (New York: St. Martins, 1973); David-Hillel Ruben, The Metaphysics of the Social World (London: Routledge & Kegan Paul, 1985); وفي النظرية الماركسية، ينظر: Edward Thompson's polemic in The Poverty of Theory and Other Essays (New York: Monthly Review Press, 1978) against the structural Marxism of Louis Althusser, and the commentaries on this debate by Perry Anderson, Arguments within English Marxism (London: Verso, 1980); Nicos Mouzelis, "Reductionism in Marxist Theory," Telos , no. 45 (Fall 1980), pp. 173 - 85; وأخيرًا في العلاقات الدولية، ينظر: Waltz; James Rosenau, "Before Cooperation: Hegemons, Regimes, and Habit-Driven Actors in World Politics," International Organization , vol. 40 (Autumn 1986), p. 849. 10 عرفت الأدبيات النظرية الحديثة الدولة بوصفها فاعلًاوبنية في الوقت ذاته، ينظر على سبيل المثال: Roger Benjamin & Raymond Duvall, "The Capitalist State in Context," in: Roger Benjamin & Stephen Elkin (eds.), The Democratic State (Lawrence,. ولأغراض هذه الدراسة، أفترضKans.: University of Kansas Press, 1985), pp. 19 - 57 على خطى الواقعيين الجدد أن الدولة تُعدّ فاعلًا، وهي خطوة يمكن تبريرها جزئًّيًا بفكرة مفادها أن المبادئ المنِّمظِة لنظام الدول تشكّل الدول بوصفها وحدات فردية، تتخذ القرارات مسؤولة عن أفعالها. ومع ذلك، فإن حججي اللاحقة بشأن الكيفية التي تشكّل بها بنى النسق الدول بوصفها فاعلين، لا ينبغي النظر إليها على أنها تستبعد مفهوم الدولة بوصفها بنية للسلطة السياسية ينتمي إليها فاعلون حكوميون.

أن مشكلة الفاعل  البنية تتألف من والواقع  -مشكلتين أنطولوجية وإبستيمولوجية. تتعلق القضية الأولى مترابطتين،، وهي أشد جوهرية، بطبيعة الفاعلين والبنى، وبصلتهما العلائقية Interrelationship بما أن كًّل ا منها مضمّن في الآخر. بعبارة أخرى، ما نوع هذه الكيانات؟ (أو، في حالة البنى الاجتماعية، هل هي كيانات فعلًا؟)، وكيف تترابط فيما بينها؟ ولدينا طريقتان أساسيتان لمقاربة هذا السؤال: إما بجعل إحدى وحدات التحليل سابقة أنطولوجيًا، أو بمنحها كلها وضعًا أنطولوجيّا متساويًا، ومن ثمّ لا يمكن اختزال إحداهما في الأخرى من الناحية الأنطولوجية. واعتمادًا على أيّ من الكيانين سُيُمنح وضعًا أوليّا، تتولد من هذه المقاربات ثلاث إجابات محتملة عن السؤال الأنطولوجي، وسأسميها: الفردانية، والبنيوية، والبنيانية. وتجسد الواقعية الجديدة ونظرية النظام - العالم الموقفين الأول والثاني على التوالي؛ إذ تعمد كل منهما إلى اختزال إحدى وحدَت يالتحليل، في نهاية المطاف، في الأخرى. وهكذا، يختزل الواقعيون الجدد بنية النظام المكون من الدول في خصائص وتفاعلات عناصره المكونة له، أي الدول؛ في حين يختزل منظّرو النظام - العالم الفاعلين من الدول (والطبقات) في الآثار الناتجة من متطلبات إعادة إنتاج النظام العالمي الرأسمالي. من ناحية أخرى، تحاول المقاربة البنيانية تجنب ما سأجادل بأنه العواقب السلبية للفردانية والبنيوية من خلال منح الفاعلين والبنى وضعًا أنطولوجيّا متساويًا. ولا يعني ذلك أن هذه المقاربة هي محض توليفة تجمع معًا "أفضل ما في المقاربتين السابقتين"، بل يتطلب المشروع البنيانيّ تصورًا خاصًا جًّدًا لعلاقة الفاعل - البنية. تدفعنا هذه المفهمة إلى إعادة التفكير في الخصائص الأساسية التي تميز الفاعلين (الدول) وبنى النظام. ويسمح لنا هذا بدوره باستخدام الفاعلين والبنى لتفسير بعض خصائصهما الرئيسة، بوصفهما آثارًا يُحدثها أحدهما في الآخر، والنظر إلى الفاعلين والبنى بوصفهما كيانين "يحدد أحدهما الآخر" أو "يشكّل أحدهما الآخر." وتحدد الكيفية التي تتعامل بها نظريةٌ اجتماعيةٌ ما مع هذه القضايا الأنطولوجية مقاربتها للجانب الإبستيمولوجي لمشكلة الفاعل - البنية، وخياراتها ودمجها أنماطًا مختلفة من التفسيرات ضمن نظريات السلوك الاجتماعي. وتثير هذه المشكلة ههنا مسألتين إبستيمولوجيتين: الأولى هي اختيار شكل التفسير المتوافق مع كلّ من الفاعلين والبنى على التوالي، ويعتمد هذا الاختيار على نحو كبير على أنواع الخصائص المنسوبة إلى الفاعلين والبنى، والتي تُعدّ مهمة من الناحية السببية. وهكذا فإن مقاربات البحث الاجتماعي التي تقوم على مفهمة البشر بوصفهم فاعلين تأمليين

يفكرون بناء على الأهداف، مثل نظرية الاختيار العقلاني، تُنتج تفسيرات تستند إلى الفاعل وتكون "تأويلية" Interpretive في عمومها، أي إنها مصوغة من ناحية أهداف الفاعلين ومعتقداتهم وفهمهم لذواتهم. ومن جهة أخرى، فإن المقاربات التي لا ترى في البشر أكثر من كونها كائنات معقدة تتحرك بناء على ما تواجهه من محفزات – مثل النظريات السلوكية – تُنتج تفسيرات تستند إلى الفاعل وتتبنى السببية الميكانيكية من ناحية الشكل. وهذا الوضع متشابه فيما يتعلق بالتفسيرات "البنيوية"؛ فالنظريات الاجتماعية التي تختزل بنى النظام في خصائص الأفراد عادة ما مقِّيِدة لخيارات الفاعلين الموجودين تفسر دور البنى على أنها مسبقًا، في حين أن المقاربات التي تفهم بنى النظام بوصفها كيانات غير قابلة للاختزال ومتضِّمِنة للفاعلين عادة ما تفهم البنى على أنها هي التي تولد أو تفسر الفاعلين في حد ذاتهم. أما المسألة الإبستيمولوجية الثانية، فتتعلق بالأهمية النسبية الممنوحة للتفسيرات القائمة على الفاعل وللتفسيرات القائمة على البنية، أيّا كان نوعها، ضمن النظرية الاجتماعية. وهذه قضية ثانوية في هذه الدراسة، لأن الواقعيين الجدد ومنظّري النظام - العالم يتفقون على أن نظرية العلاقات الدولية المنشودة ينبغي أن تكون موجهة نحو البنى، أكثر من توجهها إلى الفاعل. ولكنهم يفهمون هذا المتطلب بطرائق متباينة، وهذا خلاف سأوضحه لاحقًا وأبّي نأنه مرتبط بالكيفية التي يتعامل بها هؤلاء مع البعد الأنطولوجي لمشكلة الفاعل - البنية.

ثانيًا: الاختزالية والتشيئة في نظرية العلاقات الدولية

أهدف في هذا القسم إلى: 1. مقارنة تصورات النظرية "البنيوية" الكامنة في كل من الواقعية الجديدة ونظرية النظام - العالم، 2. إظهار أن هذه التصورات، على الرغم من الاختلافات المهمة، تقارب مشكلة الفاعل - البنية من خلال العدسة نفسها، وأنها بذلك تحول دون تفسير الخصائص الأساسية للوحدات الأولية في كل منها. ويؤدي هذا العجز بالافتراضات الخاصة بالوحدات الأولية إلى أن تفتقر إلى الأساس النظري؛ ما يفضي بدوره إلى تقويض التفسيرات التي تقدمها النظريات لأفعال الدولة في النظام الدولي. سأحاجّ بأن

11 نظرية الاختيار العقلاني هي إطار نظري يستخدم لتحليل القرارات والسلوكيات التي يتخذها الأفراد أو الجماعات بناءً على افتراض أنهم يتصرفون بطرائق تزيد من منفعتهم أو تحقيق مصالحهم الخاصة. تركز هذه النظرية على فرضية أساسية مفادها أن الأفراد عقلانيون، أي إنهم يمتلكون القدرة على ترتيب تفضيلاتهم بصفة منطقية ويختارون الخيارات التي تعظم مكاسبهم الشخصية. (المترجم)

هذه الحدود الشائعة هي نتيجة الافتراضات الأساسية والمنطق الداخلي للمقاربة التي تنتهجها كل نظرية لمشكلة الفاعل - البنية؛ ما يعني أنه لا يمكنها التغلب على هذا القيد من داخل افتراضاتها الأنطولوجية والإبستيمولوجية الأساسية.

1. الواقعية الجديدة

لدى الواقعيين الجدد، ظاهريّا على الأقل، التزامات قوية بالبنيوية ومناهضة الاختزالية. ففي مناقشة كينيث والتز لطبيعة النظريات النسقية والاختزالية، يعرّف الأخيرة بأنها نظريات تفسر سلوك السياسة الخارجية للدول، انطلاقًا من مستوى التحليل الوطني حصرًا. وتعدّ نظرية لينين عن الإمبريالية، على سبيل المثال، اختزالية لأنها تفسر السلوك التوسعي، بالتركيز على ديناميات التراكم في الرأسمالية الوطنية. وينتقد والتز مثل هذه النظريات - وهو محق في اعتقادي - بسبب تجاهلها الدور التدخلي الذي تؤديه بنى النظام الدولي في ترجمة الضرورات المحلية إلى سلوٍكٍ في السياسة الخارجية. ويتجنب الواقعيون الجدد هذا النوع من الاختزالية، من خلال تبني المنطق النسقي (وسأجادل بأنه لا يعني "البنيوي)" والجهاز المفهومي المستمد من نظرية الاقتصاد الجزئي. وتسمح هذه الخطوة للواقعيين الجدد بالدمج بين المقاربة المتمركزة حول الدولة في الواقعية السياسية الكلاسيكية والمقاربة النسقية في نظرية الأنساق الدولية، ضمن إطار نظري متماسك، ومن ثمّ تطوير تصور عن علاقة الفاعل – البنية في العلاقات الدولية، يعترف بالدور السببي الذي يؤديه الفاعلون من الدول وبنى النسق في آن واحد. ومع ذلك، ونظرًا إلى رغبة الواقعيين الجدد في تجنب الاختزالية على المستوى الجزئي، يبدو من المفارقة أن حلّهم لمشكلة البنية يعدّ اختزاليّا بمعنى مختلف وأعمق. الفاعل -ونوع "الاختزالية" التي يعارضها الواقعيون الجدد هو النظرية التي تحاول تفسير السلوك، انطلاقًا من الخصائص على مستوى الفاعل حصرًا. ومع ذلك، فإن هذا الرفض لما يمكن تسميته الاختزالية التفسيرية Reductionism Explanatory لا يفرض، بصفته هذه، الأنطولوجية المتعلقة بكيفية تعريف أيّ قيود خاصة على المسألة

12  Waltz, p. 18. 13  Robert Gilpin, War and Change in World Politics (Princeton: Princeton University Press, 1981); Richard Ashley, "Three Modes of Economism," International Studies Quarterly , vol. 27 (December 1983), pp. 463-496; Robert Keohane, After Hegemony: Cooperation and Discord in the World Political Economy (Princeton: Princeton University Press, 1984); Duncan Snidal, "The Game Theory of International Politics," World Politics , vol. 38 (October 1985), pp. 25 - 57.

بنى النسق، ما دامت معارضة التفسيرات المستندة إلى مستوى الفاعل تُعدّ مستقلة تحليليّا عن التنظير لبنى النسق، حالما يجري منحها دلالةً سببية. وهكذا، فإن تعريف الواقعية الجديدة الفرداني لبنية النظام الدولي، على أنها قابلة للاختزال في خصائص الدول، أي إلى توزيع القدرات، يتوافق تمامًا مع الدور المهم المنوط ببنى النسق في التفسيرات التي تقدمها الواقعية الجديدة لسلوك الدولة. وبالفعل، تتميز الواقعية الجديدة، في نسختْيْها اللتين تركزان على نظرية القرار وعلى نظرية الألعاب، مثلها مثل الاقتصاد الجزئي، ب "حتمية موقفية" Determinism Situational، وبنموذٍجٍ للفعل يكون فيه السلوك العقلاني مشروطًا ببنية المواقف التي يجري فيها الاختيار، بل ومحَّدَدًا بها. ما أود قوله هنا ليس أن الواقعيين الجدد منخرطون في اختزالية تفسيرية (وهو ما لا يفعلونه)، بل إن تعريفهم لبنية النسق يتسم باختزالية أنطولوجية، ذلك أن هذا التعريف يفضي إلى اعتبار أن بنى النسق لا تفعل شيئًا سوى تقييد فاعلية الدول الموجودة سلفًا، وذلك مقارنة بنظرية النظام - العالم والنظرية البنيانية، اللتين تذهبان إلى أن البنى هي التي تولّد الفاعلين (من الدول) في حد ذاتهم. وينبع هذا حتمًامن تعريفها الاختزالي (أنطولوجيًا) لبنية النسق: إذ لا يمكن أن تولّد بنى النسق فاعلين، إذا ما جرى اختزالها في خصائص هؤلاء الفاعلين في المقام الأول. وعلى الرغم من تركيز الواقعية الجديدة المكثف على البعد

14 ينتقد آشلي باستفاضة الأسس الفردانية (والإمبريقية) للمفهوم الواقعي الجديد لبنية النظام الدولي، في مقالته "فقر الواقعية الجديدة"، وخاصة الصفحات 238 - 242. ومع ذلك، من المهم أن نضع في الحسبان أن كينيث والتز، في كتابه نظرية السياسة الدولية Theory of International Politics، يبدأ بثلاث سمات محددة للبنى السياسية: 1. المبدأ الذي تنتظم بموجبه، 2. تمايز الوحدات ووظائفها، 3. توزيع القدرات عبر الوحدات. ويمكن استخدام هذا التعريف لدعم المقاربة التوليدية للتنظير البنيوي، مثلما يخبرنا جون راغي في إعادة بنائه أفكار والتز اعتمادًا على دوركهايم، ينظر: John Gerard Ruggie, "Continuity and Transformation in the World Polity: Toward a Neorealist Synthesis," World Politics , vol. 35 (January 1983), pp. 261 - 285; وعلى الرغم من هذه البداية الواعدة، يجادل والتز وغيره من الواقعيين الجدد بأن السمتين الأوليين من هذا التعريف لا تنطبقان على البنى السياسية الدولية؛ ما يحصر الأمر على صعيد الممارسة في مفهوم فرداني للبنية، بوصفها توزيعًا للقدرات. للاطلاع على حجاج يربط هذه النتيجة بالتزام الواقعية الجديدة الدائم بالوضعية، ينظر: Little, "The Systems Approach." 15  Bruce Bueno de Mesquita, The War Trap (New Haven: Yale University Press, 1981); Snidal, "The Game Theory of International Politics." وعلى الرغم من الاختلافات المهمة بين هاتين الطبعتين في شأن مفهمة مواقف الاختيار في العلاقات الدولية، فإن كلتيهما تستند إلى تعريف فرداني لبنية النظام الدولي بوصفها توزيعًا للقدرات. 16  Spiro Latsis, "Situational Determinism in Economics," The British Journal for the Philosophy of Science , vol. 23 (August 1972), pp. 207-245; الرد بوساطة: Fritz Machlup, "Situational Determinism in Economics," The British Journal for the Philosophy of Science , vol. 25 (September 1974), pp. 271-284.

النسقي، فإن وجهة نظرها بشأن الدور التفسيري الذي تؤديه بنى النسق متمحورة بالتأكيد حول الدولة أو الفاعل؛ إذ تنظر إليها من عدسة الكيفية التي تبدو بها للدول - أي على أنها معطاة، وتمثل قيودًا خارجيةً على أفعالها - بديلًامن كونها شروطًا لإمكانية أفعال الدولة. إن أهم قصور في المقاربة الفردانية التي تعتمدها الواقعية الجديدة في التعامل مع مشكلة الفاعل - البنية، من منظور نظرية العلاقات الدولية، هو إخفاقها في توفير أساٍسٍ لتطوير نظرية صريحة في الدولة. وليس من الصعب ملاحظة ذلك. ذلك أن التنظير يمكن أن يتخذ في نوع معين من الوحدات الفردية، مثل الدولة، أحد شكلين (أو كليهما.) الشكل الأول هو الاستراتيجية "الاختزالية"، التي تفسر الوحدة الفردية من ناحية بنيتها التنظيمية الداخلية. صحيح أن هذه المقاربة قد تفسر بعض خصائص الفرد السببية، ولكنها تهمل المحتوى الاجتماعي غير القابل للاختزال في الكثير مما ينبئنا به المستوى الفردي. وهكذا، فإن البنية الفسيولوجية الداخلية للفرد الرأسمالي قد تفسر بعض تصرفاته وأفعاله، في حين أنه لا يمكننا تفسير سلوكه بوصفه سلوكًا "رأسماليّا" إلا استنادًا إلى علاقات الفرد الاجتماعية بفاعلين آخرين. وهكذا فإن المقاربة الثانية تقوم على تفسير هذه الخصائص المعرّفة علائقيّا أو بنيويّا والتنظير لها، أي عبر بناء نظرية اجتماعية عن الدولة. بيد أن هذه الخصائص هي تحديدًا ما تستبعده الواقعية الجديدة من حسبانها حين تختزل بنى النسق في توزيٍعٍ لخصائص أفراد موجودين سلفًا. لذلك فإن النزعة الفردانية في مفهمة الواقعيين الجدد لبنية النسق أضعُفُ من أن تشكّل أساسًا لبناء نظرية اجتماعية عن الدولة: إذ لا يمكن أن تنتج بنية النسق الفاعلين، إذا كان تعريفها يقوم على هؤلاء الفاعلين في المقام الأول. إن نتيجة جعل الفرد وحدة أولية من الناحية الأنطولوجية، بعبارة أخرى، تكمن في

17 ومن أمثلة هذه المقاربة في العلاقات الدولية: Graham Allision, Essence of Decision (Boston: Little Brown, 1971); John Steinbrunner, The Cybernetic Theory of Decision (Princeton: Princeton University Press, 1974). 18 ربما تكون هذه هي المشكلة الأكثر استشهادًا في البرنامج الفرداني، المتمثل في اختزال جميع التفسيرات في العلوم الاجتماعية إلى خصائص الأفراد أو تفاعلاتهم. ينظر على سبيل المثال: Maurice Mandelbaum, "Societal Facts," The British Journal of Sociology , vol. 6 (1955); Steven Lukes, "Methodological Individualism Reconsidered," The British Journal of Sociology , vol. 19 (June 1968), pp. 119-129; Harold Kincaid, "Reduction, Explanation, and Individualism," Philosophy of Science , vol. 53 (December 1986), pp. 492 - 513.

أن العلاقات الاجتماعية التي يكون هذا الفرد بموجبها فاعلًاله خصائص سببية خاصة؛ وهي نتيجة ستظل مبهمة ولن يشملها التنظير أبدًا. وقد يكون أحد الردود على ذلك هو الحجاج، كما فعل والتز، بأن بناء النظريات النسقية في العلاقات الدولية لا يتضمن الاهتمام ببناء نظرية اجتماعية صريحة عن الدولة. ولكن الواضح أن نموذجًا ما للدولة يُعدّ ضروريّا لبناء نظريات نسقية في حقل العلاقات الدولية، ويمكن أن يؤثر هذا النموذج بشدة في محتوى تلك النظريات. وهكذا، فإن المحاَّجَة بأن البنية التي،ُتُهيِكِل تفاعل الدول الصناعية، فيما يتعلق بالتجارة الدولية يعكس لعبة معضلة سجين تكرارية، ينخرط فيها عدٌدٌ من الأفراد N-person Iterated Prisoner's Dilemma، ومن ثم فإن التجارة الحرة لا تخلو من طابع إشكالي، إنما تتطلب فهمًامعينًا لتلك الدول ومصالحها وقدراتها. لا تتعلق المسألة، إذًا، بما إذا كان فهم الدولة ضروريّا لبناء نظريات نسقية (لأنه ضروري بالفعل)، نظرية بل بما إذا كان هذا الفهم ينبع من، ترتكز على مجموعة متماسكة من الافتراضات التي تتطابق مع الواقع على نحو ما، الفرضيات التي تسبق أو أنه يتأسس ببساطة على مجموعة من النظرية، متجذرة في الحدس أو الأيديولوجيا. ومهما كانت مزاياها من ناحية الملاءمة التحليلية، فإن الاعتماد على فرضيات لم تخضع للتنظير في ما يتعلق بالوحدة الأولية يجعلنا غير قادرين على تبرير بعض التصورات المفهومية عن أوضاع التفاعل، ومن ثمّ يؤدي إلى اتباع مقاربة تقوم على منطق "كما لو" if(as) التي لا يمكن الاعتماد عليها في بناء نظرية نسقية. وهكذا، من دون نظرية صريحة عن قوى الدولة ومصالحها في التجارة الدولية، ومن دون نظرية عن "قواعد اللعبة"، لا يمكن تحديد إن كانت هذه اللعبة هي حقًا معضلة سجين أكثر من كونها لعبة تعاون بحتة، كما قد

19  Kenneth N. Waltz, "Reflections on Theory of International Politics: A Response to my Critics," in: Robert Keohane (ed.), Neorealism and its Critics (New York: Columbia University Press, 1986), p. 340. 20 إن النقاش بشأن صلاحية النظريات المبنية على افتراض أن العالم الاجتماعي يعمل "كما لو" كانت بعض الأشياء صحيحة هو جدل طويل، لذا حين أقول إن مثل هذا المنطق "لا يمكن الدفاع عنه" فإن قولي هذا يثير الخلاف بطبيعة الحال. ظهرت شروط النقاش أول مرة في مقالة ميلتون فريدمان، "منهجية الاقتصاد الإيجابي"، في كتابه: Milton Friedman, The Methodology of Positive Economics (Chicago: Chicago University Press, 1953). وأثارت هذه المقالة نقاشًا حيويّا مع بول صامويلسون Paul Samuelson; وآخرين في صفحات مجلة American Economic Review في أوائل ستينيات القرن العشرين. للاطلاع على حجة مقنعة مفادها أن منطق "كما لو" غير متسق حتى مع المفهوم التجريبي المنطقي في التفسير العلمي الذي أفادت منه مساهمة فريدمان البارزة، ينظر: Terry Moe, "On the Scientific Status of Rational Models," American Journal of Political Science , vol. 23 (February 1979), pp. 215-243.

يجادل بعض الماركسيين الجدد. ومن دون حجة مقنعة بهذا المعنى، لا يمكننا معرفة إن كان التنبؤ الفاشل ناتجًا من خطأ في نظريتنا النسقية أو من سوء تحديد قواعد اللعبة (السابقة على النظرية.) وبعبارة أخرى، من دون نظرية عن الدولة، تظل نسقية مقنعة عن العلاقات جهود الواقعيين الجدد لبناء نظريات الدولية على المحك. لا تعني هذه النتيجة أن فرضيات الاقتصاد الجزئي الحالية، التي يصوغها الواقعيون الجدد بشأن الدولة، خاطئةٌ أو مضللة (وإن كنت أعتقد أنها كذلك على الأرجح)، فقط لأنها تفتقر إلى أساس نظري وإلى بعض التطابق الواضح مع الواقع. والنتيجة هي الميل إلى القول إن الدول تتصرف "كما لو" أنها تسعى لتعظيم، على سبيل المثال، القوة والثروة، والعجز في مقابل ذلك عن بناء نظريات نسقية ذات صدقية عن العلاقات الدولية. وعلى الرغم من الفصل الذي أقامه والتز بين نظريَتَي الدولة والعلاقات الدولية، فإن الواقعيين الجدد إذا ما أرادوا تجنب هذه المشكلات، عليهم تطوير نظرية اجتماعية عن الدولة في نهاية الأمر، أي إن عليهم جعل الدولة "إشكالية" من الناحية النظرية. ويقتضي ذلك محاولة التنظير المباشر للبنى التي يتولّد منها العالم والاقتصاد السياسي الداخلي، والتي تفهم تشكّل الدول، بوصفها أنماطًا معيّنة من الفاعلين، بمصالح وقوى سببية محددة. ويحوز الواقعيون الجدد بالفعل نظرية ضمنية عن هذه العلاقات الاجتماعية (وخلافًا لذلك، لن يتمكنوا من عزو أيّ قوى سببية أو مصالح إلى الفاعلين الدولتيين)، لكنهم لا يستطيعون جعل هذه النظرية صريحة، وبالنتيجة قابلة للتكذيب Falsifiable، ما داموا يعاملون الدولة على أنها وحدة أولية من الناحية الأنطولوجية. وبما أن العلاقات الاجتماعية، التي تشكّل الدوَلَ بوصفها دولًا، ستكون غير قابلة للملاحظة وغير قابلة للاختزال إلى خصائص الدول نفسها، فإن إعادة توجيه النظرية هذه ستتطلب فهمًاغير فرداني وغير إمبريقي لبنى النسق والتحليل البنيوي، كما ستتطلب فهم البنية بوصفها أكثر من محض توزيع للقدرات.

21 على حد علمي، لم يستخدم أي ماركسي جديد لغة نظرية الألعاب لوصف العلاقات الاقتصادية الدولية بين البلدان الصناعية المتقدمة. ولكن من الواضح أن باحثي الماركسية الجديدة هم الأقل احتمالًا، مقارنة بالواقعيين الجدد، من ناحية التعامل مع تلك العلاقات بمصطلحات تجارية، أي مصطلحات غير سياسية بالقدر الكافي، وذلك بسبب فهمهم النظري الشديد الاختلاف. ينظر على سبيل المثال: Robin Murray, "The Internationalization of Capital and the Nation-State," New Left Review , vol. 67 (May-June 1971), pp. 84-109; John Willoughby, "The Changing Role of Protection in the World Economy," Cambridge Journal of Economics , vol. 6 (June 1982), pp. 195 - 211. ما يهمنا في هذه الدراسة، بالطبع، ليس وجهة النظر الصحيحة، بل كيفية بناء مقاربة لمشكلة الفاعل - البنية، تضمن لنا على الأقل إمكانية تحديد أيهما تُعدّ صحيحة، أي تطوير نظرية عن الدول ضمن البنى الاقتصادية الدولية.

2. نظرية النظام - العالم

تقدم نظرية النظام - العالم مثل هذا الفهم للبنية، ومن ثم يمكن حسبانها، على الأقل فيما يتعلق بمفهومها للبنية والتحليل البنيوي، تحولًاتدريجيّا عن المشكلة مقارنة بالواقعية الجديدة. ومع ذلك، يكرر منظّرو النظام - العالم مقاربة الواقعية الجديدة لمشكلة الفاعل - البنية في أحد الجوانب الحاسمة: فهم يضعون كيانًا محددًا في وضع الوحدة الأولية، من ناحية ضمنية على الأقل، وهي في هذه الحالة بنية النظام العالم، ثم يحاولون اختزال الكيانات الأخرى، مثل الفاعلين من الدول والطبقات، في آثار لها. سأحاجّ بأن نتيجة هذه الاستراتيجية تكمن في أن منظّري النظام - العالم يعمدون إلى تشيئة بنية النظام - العالم على نحو يجعلهم، مثلهم مثل الواقعيين الجدد، غير قادرين، حتى من حيث المبدأ، على شرح خصائصها الأساسية. وتخضع البنية الاجتماعية للتشيئة حين "يجري التعامل معها بوصفها موضوعًا متجسّدًا Object مستقلًامن الناحية التحليلية عن الأفعال التي تنتجه". ومن ثم، فإن مشكلة الفاعل - البنية يجري حلها من خلال التشيئة حين يجري تحويل البنى الاجتماعية إلى موضوعات متجسدة من دون إدراك أن الفعل الإنساني وحده هو الذي ينشئ هذه البنى، ويعيد إنتاجها ويعمل على تحويلها. وينبغي أن أشدد على أن التشيئة تفترض، على نحو مسبق، تصورًا ضمنيّا على الأقل عن وجود علاقة بين الفاعلين والبنى الاجتماعية؛ إذ تتضمن هذه البنى متطلبات تتعلق بإعادة الإنتاج ولها ينصاع الفاعلون لسبٍبٍ أيّا كان المسوّغ. وبذلك، فإن مشكلة التشيئة لا تتعلق بإقحام الفاعلين في نظريات العلوم الاجتماعية أو استبعادهم منها (إذ لا بدّ من إقحامهم)، وإنما في شروط إقحامهم في تلك النظريات. يتخذ الحل الذي يقدمه إيمانويل فالرشتاين لمشكلة الفاعل - البنية الشكل العام نفسه، ولذلك فهو يحظى بنقاط القوة والضعف نفسها، كما في الحل الماركسي البنيوي الذي قدمه لويس ألتوسير. فشأنه شأن ألتوسير الذي يصر على "الأولوية الأنطولوجية المطلقة للُكُلّ على

22  Douglas Maynard & Thomas Wilson, "On the Reification of Social Structure," in: Scott McNall & Gary Howe (eds.), Current Perspectives in Social Theory , vol. 1 (Greenwich, Conn: JAI Press, 1980), p. 287. 23 نوقشت المقاربة الماركسية البنيوية لمشكلة الفاعل - البنية في: Louis Althusser, Etienne Balibar & Reading Capital (London: New Left Books, 1970), pp. 180-181; Steven Smith, Reading Althusser (Ithaca: Cornell University Press, 1984), pp. 192 - 200; ومع ذلك، ينبغي ملاحظة أنه على الرغم من التشابهات بين نظرية النظام - العالم والماركسية البنيوية، فيما يتعلق بفهمهما لعلاقة الفاعل - البنية، فإنهما تختلفان بطرائق مهمة في قضايا أخرى، مثل مفهمة نمط الإنتاج الرأسمالي. ينظر على سبيل المثال: Gary Howe & Alan Sica, "Political Economy, Imperialism, and the Problem of World-System Theory," in: McNall & Howe (eds.), pp. 235 - 286.

الأجزاء"، يفترض فالرشتاين أن الوحدة الوحيدة ذات المعنى للتحليل في الاقتصاد السياسي المقارن أو الدولي هي النظام - العالم كله. علاوة على ذلك، يقبل كلاهما مفهوم "الُكُلية" وخطابها، أي إن الُكَُّل ات الاجتماعية Wholes التي لا يمكن اختزالها إلى عناصرها المكِّوِنة لها، حتى بوساطة قوانين تكوينها. ونتيجة لذلك، يصوغ فالرشتاين، مثله مثل ألتوسير، مفهوم "البنية" من الناحية البنيوية أو التوليدية، أكثر مما يصوغه من ناحية العلاقات القابلة للملاحظة بين الوحدات الفردية الأولية أو من ناحية خصائصها؛ أي إن نظريات النظام - العالم، خلاف التعريف البنيوي الذي تقدمه الواقعية الجديدة لبنية النسق بوصفها توزيعًا للقدرات بين دول موجودة مسبقًا، تعرّف بنية النظام - العالم من ناحية المبادئ الأساسية الُمُنِّمظِة للاقتصاد العالمي، وخاصة تقسيم العمل الدولي، والتي تشكل أو تولد الفاعلين من الدول والطبقات. إن وجود الفاعلين وهوياتهم بوصفهم فاعلين، ومن ثمّ قواهم السببية ومصالحهم الحقيقية، يجري إنتاجها وتفسيرها من خلال علاقتهم بالنظام - العالم الرأسمالي بوصفه كلًا. وهكذا فإن الفاعلين آثار تنتج من بنية النظام من الدول هم  - العالم بالمعنى نفسه الذي يكون فيه الرأسماليون آثارًا تنتج من بنية نمط الإنتاج الرأسمالي، أو الذي يكون فيه العبيد آثارًا تنتج من بنية علاقات السيد - العبد. تفترض هذه القراءة التوليدية التي تقدمها نظرية النظام - العالم تمييزًا أنطولوجيّا وتفسيريّا بين العلاقات "الداخلية" و"الخارجية".

24  Smith, Reading Althusser , p. 177. 25 وهما يختلفان، مع ذلك، في المعنى الدقيق لهذا المصطلح، أي إن كانت الكليات "تعبيرية" أو "بنائية." لمزيد من التفاصيل حول هذه الاختلافات، ينظر: Michael Burawoy, "Contemporary Currents in Marxist Theory," in: Scott McNall (ed.), Theoretical Perspectives in Sociology (New York: St. Martins, 1979), pp. 16-39; Harvey Kaye, "Totality: Its Application to Historical and Social Analysis by Wallerstein and Genovese," Historical Reflections , vol. 6 (Winter 1979), pp. 405 - 419. 26 قراءتي التوليدية للمفهمة التي تقدمها نظرية النظام - العالم للبنية هي سمة لا تنطبق إلا على المدرسة "الكيفية" (والتي يبدو أنها تمثل الأقلية في هذه المرحلة) من منظّري النظام - العالم، التي يمثلها على سبيل المثال فالرشتاين وتيرينس هوبكنز. في الواقع، إن النقاش الأحدث بين منظّري النظام - العالم من الكيفيين والكميين هو مثال مثير للاهتمام على التوتر الصريح ضمن جماعة بحثية واحدة، ما بين المفاهيم الواقعية العلمية والإمبريقية التي تتناول موضوعات الأنطولوجيا والمنهجية في التحليل البنيوي. حول هذا النقاش، ينظر على سبيل المثال: Richard Little, "The Systems Approach," in: Steve Smith (ed.), International Relations, British and American Perspectives (Oxford, UK: Blackwell, 1985), pp. 71-91; Peter Taylor, "The Poverty of International Comparisons: Some Methodological Lessons from World-Systems Analysis," Department of Geography, University of Newcastle- upon-Tyne, 1985. 27 تشمل المناقشات المفيدة لهذا التمايز: Bertell Ollman, Alienation: Marx's Conception of Man in Capitalist Society (Cambridge: Cambridge University Press, 1976), pp. 26-40; Bhaskar, pp. 53 - 55.

فالعلاقات الداخلية هي علاقات ضرورية بين الكيانات؛ أي إن الكيانات تعتمد على العلاقة من أجل هويتها. وتشمل الأمثلة النموذجية للعلاقات الداخلية علاقة الوالد - الابن وعلاقة السيد - العبد؛ فلا يمكن تصور أٍّيٍ من الكيانين من دون وجود الآخر. ويعني هذا أن العلاقة الداخلية لا يمكن اختزالها إلى خصائص أو تفاعلات عناصرها المكوّنة لها؛ بل على العكس، تفسر العلاقة نفسها الخصائص الأساسية لكل كيان، ومن ثمّ طبيعة تفاعلهما. أما العلاقات الخارجية، فهي علاقات أو تفاعلات عَرَضية بين الكيانات؛ إذ يمكن أن يوجد كل منها من دون الآخر، كأْنْ تتحارب دولتان على سبيل المثال أو أن توِّعقِا اتفاقية سلام، فهذه العلاقة ليست ضرورية لهويتهما بوصفهما دولتين. العلاقات الخارجية مهمة في تفسير ما يحدث للكيانات أثناء تفاعلاتها، لكنها لا تفسر الخصائص الأساسية لتلك الكيانات نفسها. تُعدّ البنى التوليدية مجموعات من العلاقات الداخلية؛ لذلك، فإن تبني مقاربة توليدية في التنظير لبنية النظام الدولي تعني فهم آثارًا تنتج من علاقاتها الداخلية مع الدول الأخرى الدولة بوصفها والتشكيلات الاجتماعية في الاقتصاد السياسي العالمي، أكثر من سببًا فهمها بوصفها للأحداث الدولية لم يخضع للتنظير. وتكمن قوة المقاربة التوليدية الكامنة في التنظير البنيوي في أنها، وبخلاف المقاربة الفردانية التي تتبناها الواقعية الجديدة، قادرة من ناحية المبدأ على تفسير القوى السببية الكامنة في الفاعلين من الدول والطبقات ومصالحهم، وَمَشَكَلتها نظريّا وإمبريقيّا. لا تتطلب المقاربة التوليدية التي يتبناها التحليل البنيوي، مع ذلك، تشيئةً لبنى النسق. ويبدأ منظّرو النظام - العالم في تشيئة البنى الاجتماعية حين يؤكدون، أو يلمحون في أبحاثهم الملموسة، أن بعض العلاقات الاجتماعية لا يمكن اختزالها وأنها تشكّل الفاعلين من الدول والطبقات التي تَُعَُّدُ عناصر لها، وأن هذه العلاقات مستقلة تحليليّا وسابقة أنطولوجيّا عن هؤلاء الفاعلين. وينطلق هذا الرأي من ميل منظّري النظام - العالم إلى اتباع ألتوسير في التعامل مع الفاعلين من الدول والطبقات بوصفهم "حاملين" من دون فاعلية للمتطلبات النسقية؛ وهو ميل يتجّل ىفي اعتمادهم تفسيرات وظيفية لسلوك الدولة. تتجلى الوظيفية، على سبيل المثال، في تفسير منظّري

28 هذا الميل هو أحد أكثر الانتقادات شيوعًا للأعمال المبكرة في نظرية النظام - العالم على الأقل. ينظر على سبيل المثال: Robert Duplessis, "From Demesne to World-System: A Critical Review of the Literature on the Transition from Feudalism to Capitalism," Radical History Review , no. 13 (Fall 1976), pp. 3-41; Skocpol, p. 24; Christopher Chase-Dunn & Joan Sokolovsky, "Interstate Systems, World-Empires and the Capitalist World-Economy: A Response to Thompson," International Studies Quarterly , vol. 27 (September 1983), pp. 357 - 367.

النظام - العالم للحروب العامة مباشرة من خلال متطلبات إعادة إنتاج النظام - العالم. وهي متطلبات تتُرَجَم (أو تترِجِم نفسها) إلى مصالح دولية احترابية، وكذلك في تأويل صعود دول اشتراكية، على نحو يتسق مع متطلبات إعادة إنتاج النظام - العالم. ولا يعني هذا أن منظّري النظام - العالم سيحاجّون عن وعي بأن إعادة إنتاج النظام – العالم تحدث من دون أيّ فاعلية تمارسها الدول؛ فربما ما كانوا ليحاجّوا بذلك. لكن العديد من تفسيراتهم يبدو أنها تفترض أن النظام - العالم يدفع الدول إلى إعادة إنتاجه في واقع الحال؛ ما يشير إلى أن منظّري النظام - العالم يتعاملون معه، على الأقل في أبحاثهم الملموسة، على أنه مستقل في مستوى ما عن أفعال الدولة، أي إنهم يشيئونه لمّا يتعلق الأمر بالممارسة. وقد تكون هذه النتيجة غير مقصودة، لكنني لا أعتقد أنها عرضية؛ بل إنها، خلافًا لذلك، تنِسِل حتمًامن فرضية فالرشتاين الأساسية القائمة على الكليانية Holism؛ بمعنى أن الكل سابق أنطولوجيّا لأجزائه. يكمن وجه القصور الرئيس في الحل البنيوي لمشكلة الفاعل - البنية في أنه يخفق في النهاية في أن يكون الأساس لتفسير الخصائص للبنى العميقة، لأنه لا يعتني "سوى بتفسير الامتثال السلوكي لمتطلبات هذه البنى". فعلى سبيل المثال، قد يكون تقسيم النظام - العالم إلى ثلاثة مواقع بنيوية متمايزة (المركز، وشبه الأطراف، والأطراف) ضرورة وظيفية لإعادة إنتاج الرأسمالية، ولكن ذلك لا يفسر تطوير النظام لهذه البنية تحديدًا، كما أن ذلك لا يضمن أن هذه البنية ستدوم. وهذا التصور الذي لا يمنح دوَرَ الدولة والطبقة الفاعليَةَ من شأنه أن يوقع منظّري النظام - العالم في حتمية تاريخية، تفترض ضمنًا أن تطور النظام - العالم لا يمكن أن يأخذ شكلًامختلفًا، لأنهم يتجاهلون المسارات التاريخية المحتملة الأخرى. وتتجلى محدودية حلّ نظرية النظام - العالم لمشكلة الفاعل - البنية، وأوجه التشابه بينها وبين الماركسية البنيوية، على نحو أشد وضوحًا، في تفسير فالرشتاين تغييرًا

29  Chase-Dunn & Sokolovsky, pp. 357 - 367. 30  Christopher Chase-Dunn, "Socialist States in the Capitalist World- Economy," in: Christopher Chase-Dunn, Socialist States in the World-System (Beverly Hills: Sage Publications, 1982), pp. 21 - 56. 31  Derek Layder, "Problems in Accounting for the Individual in Marxist- Rationalist Theoretical Discourse," British Journal of Sociology , vol. 30 (June 1979), p. 150. 32 يؤكد إميل دوركايم هذه الفكرة نفسها في كتابه قواعد المنهج في علم الاجتماع

Emile Durkheim, The Rules of Sociological Method (Chicago: Chicago University Press, 1938), p. 90.

بنيويّا أساسًّيًا مثل الانتقال من الإقطاعية إلى الرأسمالية؛ ذلك أن عدم الاعتراف بتبعية بنى النظام لفاعلية الدولة والطبقة، من الناحية الأنطولوجية، يضطره إلى تفسير هذا الانتقال، من خلال الصدمات الخارجية والضرورات الغائية Teleological التي يقتضيها نمط الإنتاج الرأسمالي الداخلي. ويتعارض هذا التفسير مع تفسير روبرت برينر، البنياني Structurationalist بطريقة أو بأخرى، الذي يصف الانتقال من خلال جدلية الصراع الطبقي الداخلي والتكيّف البنيوي. ويعكس هذا التفسير صعوبات مشابهة لتلك التي واجهها الماركسيون البنيويون في التنظير لعملية الانتقال من نمط إنتاج إلى آخر. إذًا، يتعامل منظّرو النظام - العالم، مثلهم مثل الواقعيين الجدد، مع وحداتهم الأولية - وهي في هذه الحالة بنية النظام - العالم - على أنها معطاة و غير قابلة للَمَشكلة. وتؤدي هذه الطريقة في التعامل معها إلى الفصل بين عمل بنى النسق وأنشطة الفاعلين من الدول والطبقات؛ بعبارة أخرى، تؤدي هذه الطريقة إلى تشيئة بنى النسق على نحو يؤدي إلى تفسيرات جامدة بل وظيفية لأفعال الدولة. فلا يجري التعامل مع النظام - العالم، بوصفه عَرَضيّا من الناحية التاريخية، ومن ثمّ عرضة للَمَشكلة المستمرة والإنشاء وإعادة الإنشاء بأيدي الفاعلين من الدول والطبقات. وأعتقد أن الاهتمام الذي أولته أعمال فالرشتاين اللاحقة لمشكلات الفاعلية يشير إلى وعيه بهذه الصعوبة، وقد ساعدت هذه الجهود في الدفع بنظرية النظام - العالم بعيدًا عن الوظيفية المفرطة الواضحة في مساهماته المبكرة، وربما في الكيفية التي أصور بها نظرية النظام - العالم. والواقع أن منظّري النظام - العالم، في مقابل إهمال الواقعيين الجدد الكامل للبنى التوليدية، يبدو أنهم يدركون الحاجة إلى الوصول إلى حلّ لمشكلة الفاعل - البنية يدمج البنى التوليدية وفاعلية الدولة والطبقة. وهكذا تتوازى التطورات، التي شهدتها نظرية النظام - العالم في اتجاه مزيد من التركيز على الفاعلية، مع تطور الماركسية البنيوية في أعمال نيكوس بولانتزاس اللاحقة، في بعض النواحي .

33 ينظر على سبيل المثال كتاب فالرشتاين أدناه، ولا سيما الفصل الأول منه: Immanuel Maurice Wallerstein, The Modern World-System I (New York: Academic Press, 1974). 34  Robert Brenner, "The Origins of Capitalist Development: A Critique of Neo-Smithian Marxism," New Left Review , no. 104 (July-August 1977), pp. 25 - 92. 35  Stephen Resnick & Richard Wolff, "The Theory of Transitional Conjunctures and the Transition from Feudalism to Capitalism," Review of Radical Political Economics , vol. 11 (Fall 1979), pp. 3-22; Herbert Gintis, "On The Theory of Transitional Conjunctures," Review of Radical Political Economics , vol. 11, no. 3 (1979). 36  I. Wallerstein, The Politics of the World-Economy (Cambridge: Cambridge University Press, 1984), pp. 112 - 146. 37  Nicos Poulantzas, State, Power, Socialism (London: Verso, 1978); Bob Jessop, Nicos Poulantzas: Marxist Theory and Political Strategy (New York: St. Martins, 1985).

فبولانتزاس يرى أنّ تحقيق التكافؤ الأنطولوجي والتفسيري بين الفاعلية وبنى النظام من دون التخلي الصريح عن الكليانية الصارمة والتشيئة البنيوية اللتين تِسمِان المقاربة البنيوية لمشكلة الفاعل - البنية. ومع ذلك كله، يُعدّ الحل الذي تقدمه نظرية النظام - العالم لمشكلة الفاعل - البنية أقرب إلى النظرية البنيانية Tehory Structuration، على الأقل بسبب إقرارها بوجود البنى التوليدية ودورها في التفسير، مقارنةً بالحل الذي يقدمه الواقعيون الجدد.

3. خلاصة

حاولت في هذا القسم تحديد فروق مهمة بين فهم الواقعية الجديدة وفهم نظرية النظام - العالم للتفسير "البنيوي"، وربط هذه الفروق بأنطولوجياتها الاجتماعية المختلفة. وحاولت أن أوضح أنه على الرغم مما بين الواقعية الجديدة ونظرية النظام - العالم من فروق، فإنهما تتشاركان مقاربة أساسية مشتركة لمشكلة الفاعل - البنية: فكلتاهما تتعامل إما مع الفاعلين أو البنى بوصفها وحدات أولية، على نحو يجعلهما غير قادرتين على تفسير خصائص تلك الوحدات، ومن ثّم غير قادرتين على تبرير ادعاءاتهما النظرية والتفسيرية بشأن أفعال الدولة. وتنطوي هذه الحجة بوضوح على أنه لا ينبغي التعامل مع الفاعلين الدول، ولا مع بنى النظام الداخلي والدولي التي تشكلهم على أنهم وحدات أولية أو معطاة؛ بل ينبغي أن تكون نظريات العلاقات الدولية قادرة على تقديم تفسير لكليهما. لا يعني ذلك أن مشروعًا بحثيّا معينًا لا يمكنه التعامل مع بعض الأشياء بوصفها أولية؛ إذ ينبغي للممارسة العلمية أن تبدأ من مكان ما، بطبيعة الحال، بل إن ذلك يعني أن ما يعدّ أوليّا في مشروع بحثي ما ينبغي أن يكون على الأقل قابلًاللَمَشكلة (أو أن يعمل بوصفه "متغيرًا تابعًا)" نظريات في مشروع بحثي آخر؛ أي إن العلماء يحتاجون إلى بشأن وحداتهم الأولية. تكبح الأنطولوجيات الفردانية، والبنيوية في الواقعية الجديدة، ونظرية النظام - العالم، بناء نظريات عامة عن العلاقات الدولية، على الرغم من طموحها الظاهر إلى فعل ذاك. وعلى النقيض منها، تسمح لنا المقاربة البنيانية لُمُشِكِلة الفاعل - البنية بتطوير تحليلات نظرية للفاعلين الدول وبنى النسق في آن واحد، ومن دون الاعتماد لا على الاختزال الأنطولوجي ولا على التشيئة.

ث ثال ا: مقاربةٌ بديلةٌ لمشكلة ا لفا عل  -  ا لبنية

تُعدّ النظرية البنيانية حلًاعلائقيّا لمشكلة الفاعل- البنية؛ إذ يقوم تصورها المفهومي على التعامل مع الفاعلين والبنى، بوصفهم كيانات

يشكل أو يحدد أحدها الآخر. سنوضح معنى ذلك لاحقًا، بعد أن نتناول الأسس الفلسفية للنظرية البنيانية ضمن الواقعية العلمية Realism Scientific، والنقاش الحالي بين هذه الأخيرة والنزعة الإمبريقية في فلسفة العلم. وهذا الاستطراد مهم لحجتي، بسبب هيمنة الخطاب الإمبريقي المستمرة على مفهمة "العلم" لدى الباحثين في العلوم الاجتماعية، والإمكانية الحقيقية المتاحة لدى المتشككين بشأن توظيف هذا الخطاب في رفض المقاربة التوليدية التي تعتمدها النظرية البنيانية في التنظير البنيوي، بحجة أنها مقاربة "ميتافيزيقية". فعلى النقيض من الإمبريقية، يمكن أن تطلق الواقعية العلمية، من ناحية المبدأ، على أيّ أنطولوجيا صفة "العلمية"، حتى لو تضمنت بنى توليديةً غير قابلة للملاحظة. وفي حين أن الواقعية العلمية لا تسبغ مثل هذه الأنطولوجيا على الحياة الاجتماعية (أو أيّ حل آخر لُمُشِكِلة الفاعل – البنية على أيّ حال)، فإنها تعدّ شرطًا ضروريّا لأنطولوجيا النظرية البنيانية.

1. الواقعية العلمية

تشهد جماعة فلاسفة العلم نقاشًا واسع النطاق بين الإمبريقيين والواقعيين العلميين، بشأن ما يمكن تسميته "نظرية العلم".

38 هذا النوع من الرفض هو موقف فرداني قديم؛ ينظر، على سبيل المثال، مقارنة ماي برودبك بين الفردانية المنهجية والكلانية "الميتافيزيقية" في مقالتها: M. Brodbeck, "Methodological Individualisms: Definition and Reduction," in: O'Neill (ed.), pp. 289-290; ومؤخرًا، أعاد "الماركسيون التحليليون" إحياء هذا الجدل، لتحفيز إعادة بناء النظرية الماركسية على "أسس دقيقة"، ينظر: Jon Elster, Making Sense of Marx (Cambridge: Cambridge University Press, 1985), pp. 3 - 8; في هذا السياق الأخير، ربما يجدر الإشارة إلى أن عددًا من الواقعيين العلميين الاجتماعيين جادلوا بأن النظرية الماركسية تُفهم على نحٍوٍ أفضل في مصطلحات واقعية بدلًامن الإمبريقية، ومن ثمّ لا تحتاج إلى إعادة بناء على أسس دقيقة كي تكون "علمية"، ينظر: Russell Keat & John Urry, Social Theory as Science (London: Routledge & Kegan Paul, 1982), pp. 96-118; James Farr, "Marx's Laws," Political Studies , vol. 34 (June 1986), pp. 202 - 222. 39 مصطلحات "الإمبريقي" و"الواقعي العلمي" هي الوسوم التي يستخدمها أطراف هذا النقاش لوصف أنفسهم، ومعظمهم من فلاسفة العلوم الطبيعية. من بين المساهمات والمراجعات المهمة في هذا المجال نذكر: Hilary Putnam, Mathematics, Matter, and Method (Cambridge: Cambridge University Press, 1975); Bas van Fraassen, The Scientific Image (Oxford: Clarendon Press, 1980); Ian Hacking, Representing and Intervening (Cambridge: Cambridge University Press, 1983); Richard Boyd, "On the Current Status of the Issue of Scientific Realism," Erkenntnis , vol. 19 (May 1983), pp. 45-90; Jerrold Aronson, A Realist Philosophy of Science (New York: St. Martins, 1984); Jarrett Leplin (ed.), Scientific Realism (Berkeley, CA: University of California Press, 1984); Wesley Salmon, Scientific Explanation and the Causal Structure of the World (Princeton: Princeton University Press, 1984); Paul Churchland & Clifford Hooker (eds.), Images of Science: Essays on Realism and Empiricism (Chicago: Chicago University Press, 1985).

وتشمل القضايا المطروحة في قلب هذا النقاش أسئلة أساسية، تتعلق بالأنطولوجيا والإبستيمولوجيا والتبرير العقلاني للممارسات البحثية في العلوم الطبيعية والاجتماعية. لن أقدم مراجعة للنقاش برمته، بل سأركز على مقارنة المواقف "الصلبة" التي يتبناها الإمبريقيون والواقعيون بشأن مسألتين ذواَت يصلة بمشكلة وبالنظرية البنيانية الفاعل -خاصة  البنية:. شرعية 1 إضفاء الطابع الأنطولوجي على الكيانات غير القابلة للملاحظة مثل البنى التوليدية، 2. طبيعة الادعاءات السببية والتفسير العلمي. إذا بدت المواقف الواقعية بشأن هذه القضايا غير قابلة للنقد عند قراءتها، فذلك لأنها كذلك: إحدى الحجج الرئيسة التي تحسب للواقعية العلمية زعمها أنها تمنح معنى للممارسات البحثية الفعلية التي يقوم بها الباحثون في العلوم الطبيعية، وفي العلوم الاجتماعية إلى حد ما، أفضل مما تفعل الإمبريقية. بعبارة أخرى، يفترض الواقعيون أن العلماء، وليس الفلاسفة، هم الذين يقررون في النهاية ما يعّد "علمًّيًا." وهذا يتناقض مع الموقف الإمبريقي، الذي يُعدّ، على نحو صريح، أقرب إلى إعادة بناء اصطناعية لما يقوم به العلماء أو ما ينبغي لهم القيام به. وبالفعل، يمكن القول إن الواقعيين الجدد ومنظّري النظام - العالم، على الأقل من بعض النواحي، يتبنون واقعية علمية "خفية". ومع ذلك، تظل مقولاتهم الاستعارية الصريحة عن النظرية الكبرى ضمن الخطاب الإمبريقي، ومن ثمّ فإن ممارساتهم البحثية لا تلتزم بالمضامين المنهجية لنموذج الواقعية العلمية. ويشير هذا الإخفاق إلى حدوث تحول لا يخلو من مفارقة في الحجة السلوكية القديمة، التي كانت تقول إن العلوم الاجتماعية "غير ناضجة"، لأنها ليست "علمية" بما يكفي؛ إذ قد يحاجّ الواقعي بأن التصور الإمبريقي في العلوم الطبيعية، الذي

40 يمكن حسبان الواقعيين الجدد واقعيين علميين، إلى حد ما، بقدر ما يعتقدون أن مصالح الدولة أو منافعها تُعدّ آليات واقعية ولكنها غير قابلة للملاحظة، يتولد منها سلوك الدولة، في حين يمكن حسبان منظّري النظام – العالم واقعيين علميين، إلى حد ما، بقدر ما يعتقدون أن بنية النظام - العالم هي كيان واقعي، ولكنه غير قابل للملاحظة، يتولد منه الفاعلون. 41 أكثر مناقشة حديثة وصريحة بشأن فلسفة العلم التي تستند إليها الواقعية الجديدة، على حد علمي، تضمنتها الندوة حول مقالة بروس بوينو دي ميسكيتا، ينظر: Bruce Bueno De Mesquita, "Toward a Scientific Understanding of International Conflict: A Personal View," International Studies Quarterly , vol. 29 (June 1985), pp. 121 - 136; ويعكس تركيز بوينو دي ميسكيتا على التحليل الاستنباطي والإثبات المنطقي بديلًامن تحديد الآليات السببية غير القابلة للملاحظة المحتملة، بوصفها أساسًا للتفسير العلمي، توجهًا إبستيمولوجيّا إمبريقيّا بوضوح. وتكشف المقولات الصريحة عن فلسفة العلم، التي تتبناها مدرسة التحليل الكمي عند منظّري النظام – العالم، عن اعتماد مشابه على الحجج الإمبريقية. ينظر على سبيل المثال: Christopher Chase-Dunn, "The Kernel of the Capitalist World-Economy: Three Approaches," in: William R. Thompson (eds.) Contending Approaches to World System Analysis (Beverly Hills, Calif.: Sage Publications, 1983).

سبب تستند إليه العلوم الاجتماعية المهيمنة، هو جزء من بؤسها النظري، وليس جزءًا من الحل. يتمثل المحور الأول في النقاش بين الإمبريقيين والواقعيين في الطبيعة الأنطولوجية للكيانات غير القابلة للملاحظة. فيميل الإمبريقيون إلى "مساواة الواقعي بالقابل للمعرفة من خلال التجربة"، بمعنى أنهم لا يرغبون في القول بوجود الكيانات ما لم تكن لدينا، على الأقل من ناحية المبدأ، خبرة حسية مباشرة بها. ويحاجون بأننا ينبغي لنا، في أفضل الأحوال، أن نبقى لاأدريين Agnostic بشأن وجود الكيانات غير القابلة للملاحظة مثل الكواركات أو المنافع أو البنى التوليدية، وأنه ينبغي لنا، بدلًامن ذلك، تأويل المصطلحات النظرية التي تصف هذه الكيانات، والنظريات التي تتضمن هذه المصطلحات، "أداتًّيًا" لا "واقعًّيًا". النظريات والمصطلحات النظرية أدواٌتٌ مفيدةٌ لتنظيم التجارب والتنبؤ بنتائجها، لكَّنَ ثمة مخاطرة إبستيمية كبيرة في حال افتراض كيانات غير صحيحة لتبرير "الاستدلال الاستنباطي"؛ أي الاستدلال على أن المصطلحات النظرية تحيل على كيانات واقعية وعمليات، ولكنها غير قابلة للملاحظة. وهكذا فإن ما يفعله الإمبريقيون، في واقع الحال، هو إخضاع الأنطولوجيا للإبستيمولوجيا؛ موجود هو ما يمكن أي القول إن ما هو معرفته بالتجربة . وعلى النقيض من رفض الإمبريقيين الاستدلاَلَ الاستنباطي، يحاجّ الواقعيون العلميون بأن مثل هذه الاستدلالات مبررة من ناحية المبدأ إذا كان في إمكان الكيان المعني إنتاج آثار قابلة للملاحظة، أو إذا كان التحكم فيه يسمح لنا بالتدخل وإحداث أثر في العالم القابل للملاحظة. وهكذا فإن قدرتنا على استخدام نظريات عن البنية الداخلية

42 الكوارك جسيم أولي لا تركيب داخلي له، أي لا يحوي أي شيء بداخله مثل الإلكترون، وهو أيضًا جسيم أولي لا تركيب داخلي له. يعتبر الكوارك المكون الأساسي للمادة في نظرية النموذج القياسي لفيزياء الجسيمات، إلى جانب المكون الثاني للمادة والليبتون. ويتسم الكوارك بكتلة أبعادها متناهية الصغر، ويجري رصدها عند وقوع صدام بين البروتون والإلكترون. (المترجم.) 43 أفضل دفاع حديث عن الأداتية والإمبريقية عمومًا هو كتاب فان فراسن، الصورة. The Scientific Image العلمية 44 نوقش الاستدلال الاستنباطي، المعروف أيضًا باسم "الاستدلال الرجعي"، باستفاضة في الأعمال التالية: Norwood Hanson, "Retroduction and the Logic of Scientific Discovery," in: Leonard Krimerman (ed.), The Nature and Scope of Social Science (New York: Appleton-Century-Crofts, 1969), pp. 73-83; Boyd, pp. 72- 89; ويمكن الاطلاع على شرح مستفيض وغني بالتفاصيل، وصريح، للاستدلال الاستنباطي في العلوم الاجتماعية (على نحو يدعم ما افترضته آنفًا من أن بعض باحثي العلوم الاجتماعية يعتمدون الواقعية العلمية في أبحاثهم)، في: Elinor Ostrom, "An Agenda for the Study of Institutions," Public Choice , vol. 48, no. 1 (1986), p. 19. 45  Aronson, p. 261. 46  Bhaskar, p. 16.

(غير القابلة للملاحظة) للذرات، لتصنيع أسلحة نووية يمكنها تدمير المدن، تُعدّ في نظر الواقعي سببًا وجيهًا لاعتقاد وجود مثل هذه البنى، مثلما نفهمها اليوم. وهذه الأطروحة مهمة في حالة النظرة البنيانية؛ لأنها، على خلاف الإمبريقية، قد تجعل الحديث عن البنى الاجتماعية غير القابلة للملاحظِةِ والاختزاِلِ مشروعًا من الناحية العلمية. فما دامت البنى الاجتماعية غير القابلة للملاحظة تنتج آثارًا قابلة للملاحظة أو يمكن أن يتحكم فيها الفاعلون من البشر، فيمكننا، من الناحية المبدئية، القول إنها "واقعية"، ويكون ذلك مقبولًاوذا مغزى. وهذا يعني أن "البنية التوليدية" مفهوم علمي (محتمل) وليست مفهومًا ميتافيزيقًّيًا. عادة ما يقدم الواقعيون العلميون حجتين أساسيتين لدعم الاستدلال الاستنباطي، وبصورة أعم، لدعم القول بأن الكيانات غير القابلة للملاحظة تحظى بطابع أنطولوجي. يجادل مناصرو Indispensability Argument التفسير بأن " اللزوم "حجة الواقعي للمصطلحات النظرية ضروري لأنه يمنح معنى للممارسات البحثية الفعلية للباحثين في العلوم الطبيعية والاجتماعية. فلن يفترض الفيزيائيون وجود الكواركات ويبنون اختبارات بشأنها، ولن يفترض الباحثون في العلوم الاجتماعية وجود المنافع أو أساليب الإنتاج ويبنون اختبارات بشأنها، إذا ما اعتقدوا أن هذه الكيانات، على الرغم من كونها غير قابلة للملاحظة، ليست واقعية وتنتج منها آثار سببية. في المقابل، يجادل مناصرو "حجة المعجزة Argument Miracle" بأن الواقعية العلمية ليست ضرورية لجعل الممارسات العلمية مفهومة عقلانيّا فحسب، بل هي ضرورية أيضًا لتفسير النجاح الأداتي للعلم في التحكم في العالم. فإذا لم تتوافق النظريات العلمية الناضجة، على الأقل جزئيّا، مع البنية العميقة للواقع، فإن نجاح العلم سيكون "معجزة" غير قابلة للتفسير. بالطبع، تعتمد قوة الحجتين على "النظريات الناضجة"، ومن ثم فقد تكون كلتاهما أقل إقناعًا في سياق العلوم الاجتماعية، مقارنة بسياق العلوم الطبيعية (مع أن نظرية الاقتصاد الجزئي والنظرية الماركسية قد ينطبق عليهما مثل وضع النظريات الناضجة.) بيد

47  Hacking; Thomas Cook & Donald Campbell, "The Causal Assumptions of Quasi-Experimental Practice," Synthese , vol. 68 (July 1986), pp. 169 - 172. 48  Alison Wylie, "Arguments for Scientific Realism: The Ascending Spiral," American Philosophical Quarterly , vol. 23 (July 1986), pp. 287 - 297. 49  Bhaskar, p. 22; Geoffrey Hellman, "Realist Principles," Philosophy of Science , vol. 50 (June 1983), esp. pp. 231 - 232. 50  Putnam; Boyd; Richard Schlagel, "A Reasonable Reply to Hume's Skepticism," The British Journal for the Philosophy of Science , vol. 35 (December 1984), pp. 359 - 374.

أن الضعف النسبي الذي يسم النظريات في العلوم الاجتماعية الحالية لا يهدد سلامة الفكرة الأساسية لدى الواقعي العلمي؛ إذ يُعدّ من الممارسات العلمية الراسخة والمشروعة افتراُضُ كيانات غير قابلة للملاحظة لتفسير السلوك القابل الملاحظة. ولا يعني قبول هذه الممارسة أن أيّ افتراض هو افتراض جيد؛ بل لا يزال على العلماء أن يقدموا أدلة مباشرة أو غير مباشرة تبرهن على صحة ادعاءاتهم الأنطولوجية، وهذه الأدلة تظل قابلة للمراجعة. وعلى النحو نفسه، فإن العلماء، لا فلاسفة العلم، هم الحَكَم على تلك الأدلة. تؤجج الاختلافات بين الإمبريقيين والواقعيين العلميين حول الأنطولوجيا النقاش في محور ثاٍنٍ، هو طبيعة التفسير العلمي تقليديّا، ثمة مثالان متنافسان للتفسير العلمي ومتطلباته.: الرؤية الإمبريقية أو "النوموقراطية nomothetic" التي ترى أن التفسير ينطوي على جاندرا Subsumption الظاهرة تحت انتظامات شبيهة بالقانون؛ والرؤية الواقعية أو "الاسترجاعية" Retroductive التي ترى أن التفسير ينطوي على تحديد الآليات السببية الأساسية التي تولدت منها الظاهرة ماديّا. وقد تزامن انبعاث الرؤية الواقعية العلمية، خلال السنوات الأخيرة، مع تجدد الانتقادات التي تعرّض لها نموذج السببية الهيومية، الذي يستند إليه التفسير الإمبريقي. في النموذج الهيومي، العلاقة السببية هي "اقتران دائم" للأحداث المرصودة وفق تسلسل زمني، وتربطها علاقُةُ ضرورةٍ منطقية بظروف وقوانين أولية. وفقًا للرؤية الهيومية، تمنعنا عدم قدرتنا على معايشة الآليات السببية على نحو مباشر من أن نعزو أّي

51  Ernan McMullin, "Two Ideals of Explanation in Natural Science," in: Peter French et al. (eds.), Causation and Causal Theories (Minneapolis: University of Minnesota Press, 1984), pp. 205 - 220; ويمكن الاطلاع على الحوار الثلاثي بين فيليب كيتشر وباس فان فراسن ويسلي سالمون في: Philip Kitcher, "Two Approaches to Explanation," The Journal of Philosophy , vol. 82, no. 11 (1985), pp. 632-639; Bas C. Van Fraassen, "Salmon on Explanation," The Journal of Philosophy , vol. 82, no. 11 (1985), pp. 639-651; Wesley C. Salmon, "Conflicting Conceptions of Scientific Explanation," The Journal of Philosophy , vol. 82, no. 11 (1985), pp. 651 - 654. 52  Rom Harre & Edward Madden, Causal Powers (Totowa, NJ: Rowman and Littlefield, 1975); Salmon, Scientific Explanation ; Schlagel. 53 لذلك، يركز علماء الاجتماع السلوكيون على التحليل الكمي لاكتشاف الانتظامات الشبيهة بالقوانين، بدلًامن التحليل الكيفي والنظرية لتحديد الآليات السببية. وفقًا للنموذج الإمبريقي، لا يمكننا أن نحظى بعلم من دون اقترانات "دائمة" (نسبيًا.) للحصول على نقد مفيد وأكثر أو أقل واقعية لهذا النموذج من السببية كما يتعلق بالعلوم الاجتماعية، يمكن الرجوع إلى الأعمال التالية: Daniel Hausman, "Are There Causal Relations among Dependent Variables?" Philosophy of Science , vol. 50 (March 1983), pp. 58 - 81.

طبيعية ضرورة إلى العلاقات السببية. وينتقد الواقعيون العلميون هذا النموذج لأن الاقترانات الدائمة والتعميمات ليست تفسيرًا في حد ذاتها، ويجادلون بأن تقديم ادعاء تفسيري حقيقي يقتضي بالضرورة تحديد الآليات السببية الأساسية التي تجعل الحدث ضروريّا على نحو طبيعي. ويعتمد الخلاف في النهاية على شرعية الاستدلال الاستنباطي؛ إذ يجادل الواقعيون بأننا إذا تمكنا من تفسير الاستعدادات الفيزيقية والقدرات السببية للكيانات غير القابلة للملاحظة، فإنه يمكننا إجراء استدلال استنباطي مشروع بشأن وجود علاقات ضرورية من الناحية الطبيعية بين السبب والنتيجة، ومن ثم تجاوز شكوك هيوم بخصوص السببية. والواقع أن تركيز الواقعي على الآليات السببية هو محاولة لشرح الاقترانات الدائمة عند الإمبريقي. وتولد هذه النماذج المختلفة للسببية نماذج مختلفة جدّا من التفسير العلمي؛ ففي حين يستند تفسير الإمبريقي للسلوك القابل للملاحظة إلى التعميم، يعتمد تفسير الواقعي على إظهار اشتغال كيفية الآليات السببية (غير القابلة للملاحظة في الغالب) التي تجعل الانتظامات الملاحظة ممكنة. بعبارة أخرى، يجادل الواقعي العلمي بأن "الإجابات عن السؤال 'لماذا[...]؟' تتطلب إجابات عن الأسئلة 'كيف[...]؟'، و'ماذا[...]؟"'. أود أن أختتم هذه النظرة العامة الموجزة على النقاش الإمبريقي/ الواقعي بثلاث أفكار عن تداعياته على النظرية البنيانية، وعلى ممارسات البحث في العلوم الاجتماعية عامةً. أولًا، تحاول الواقعية يقوم به الباحثون في العلوم الطبيعية العلمية إسباغ معنى على ما والاجتماعية فعليّا بدلًامن الحكم على شرعية ممارسات بحثية معيّنة في مقابل أخرى. يستمر ضمن البحث العلمي الاستدلاُل الاستنباطي وافتراض وجود العمليات والكيانات السببية غير القابلة للملاحظة – بحكم الواقع، سواء كانت كواركات أو منافع أو أساليب إنتاج، ولا يرى الواقعيون العلميون أيّ سبب لاعتبار هذه الممارسة غير علمية. ثانيًا، لهذا السبب، وعلى خلاف النزعة الإمبريقية، يمكن أن تسبغ الواقعية العلمية معنى علميّا على البنى

54 اُتُهم بعض التفسيرات الواقعية للسببية، وخصوصًا تفسير هاري ومادن، بتضمين "جوهرانية" أرسطية؛ أي تفسير الظواهر المرصودة من ناحية كونها "جواهر" غامضة وغير قابلة للاختراق، ينظر على سبيل المثال: David Miller, "Back to Aristotle," The British Journal for the Philosophy of Science , vol. 23 (February 1972), pp. 69-78; Fred Wilson, "Harre and Madden on Analyzing Dispositional Concepts," Philosophy of Science , vol. 52 (December 1985), pp. 591 - 607; ومع ذلك، يؤكد الواقعيون الآخرون أن هذا الاعتراض يمكن تفاديه، من خلال تفسير القوى السببية من ناحية الخصائص الفيزيائية والعلاقات الاجتماعية التي تقوم عليها، ينظر على سبيل المثال:.Schlagel 55  Keat & Urry, p. 31.

التوليدية غير القابلة للملاحظة، أي البنى غير القابلة للاختزال إلى عناصرها المكونة لها والتي تتولد عنها. ويتعارض هذا مع دافع رئيس لدى النزعة الفردانية، وهو أن التنظير البنيوي للتنويعة التوليدية يعدّ بالضرورة "ميتافيزيقًّيًا" أو "غير علمي." أخيرًا، على الرغم من وجود مشكلات مهمة في نقل بروتوكولات الممارسة وخطابها من العلوم الطبيعية إلى العلوم الاجتماعية مباشرة - وهو ما يسميه روي باشكار "حدود الطبيعوية" - فإن فكرَةَ الواقعية الأساسيَةَ، القائلَةَ إن التفسير العلمي يقوم على تحديد الآليات السببية الأساسية بدلًا من التعميمات بشأن الانتظامات القابلة للملاحظة، تنطبق على العلوم الاجتماعية، واعتمادها في العلوم الاجتماعية ستكون له تداعيات مهمة على تفسير الفعل الاجتماعي. إضافة إلى ذلك، وربما على نحو أشَّدَ استفزازًا، تفترض هذه الفكرة أن الممارسة في العلوم الاجتماعية يجب أن تكون "نقدية"، إذا أرادت أن تكون "علمية." أتناول فيما تبقى من الدراسة طبيعة هذه الفكرة وتداعياتها على مشكلة الفاعل - البنية من منظور بنياني محدد.

2. النظرية البنيانية

توفر الواقعية العلمية أساسًا فلسفيًا، يمكن أن تقوم عليه مقاربةٌ توليديةٌ للتنظير البنيوي في العلوم الاجتماعية، وهي بذلك تمكّن من استكشاف التداعيات المترتبة على إحدى البدهيات المتعلقة بالحياة الاجتماعية، والتي بدأُتُ بها النقاش بشأن مشكلة الفاعل - البنية؛ وهي أن قدرات الفاعلين البشر، بل وجودهم أيضًا. مرتبطان بالضرورة بسياق بنيوي اجتماعي، وأنهما لا ينفصلان عن السمة الاجتماعية لدى البشر Human. ويمكن استكشاف تبعات هذا الفهم Sociality بطريقتين على الأقل: تقوم الأولى على تشيئة العلاقات الاجتماعية التي تحيط بالفاعلين، بينما لا تقوم الثانية على ذلك. لقد حاججُت سابقًا بأن نظرية النظام - العالم تتبنى مقاربة بنيوية لمشكلة الفاعل - البنية، تستند إلى التشيئة والحتمية. وتحاول النظرية البنيانية الإبقاء على الجوانب التوليدية والعلائقية في النظرية البنيوية Structuralism، إلى جانب اتخاذ خطوات مفهومية ومنهجية صريحة، تمنع الفصل التحليلي بين البنى التوليدية وفهوم الفاعلين البشر الذاتية وممارساتهم بهدف الحؤول دون تشيئة البنية. قد يكون من المفيد استهلال هذه المناقشة ببعض الملحوظات عن النظرية البنيانية وماهيتها. تَُعَُّدُ هذه النظرية "تحليلية" وليست "جوهرية"، بمعنى أنها تركز على تحليل العالم الاجتماعي بدلًامن دراسة جوهره؛ إذ تخبرنا عن أنواع الكيانات في العالم الاجتماعي وكيف ينبغي لنا أن نصوغ مفاهيمنا عن العلاقات بينها. وهي بذلك توفر إطارًا مفهوميّا أو تأملات ما وراء نظرية للتفكير في الأنظمة الاجتماعية في العالم الحقيقي، لكنها لا تحدد لنا أنواعًا محددة من الفاعلين أو البنى، يمكن توقعها في نظام اجتماعي ما. لذلك، لا تتنافس النظرية البنيانية مباشرة مع الواقعية الجديدة أو نظرية النظام - العالم، بل مع مقاربتيهما، الفردانية والبنيوية، للتعامل مع مشكلة الفاعل - البنية؛ أي مع الأنطولوجيا الاجتماعية في كل منهما. ومع ذلك، فإن لهذه النظرية، بوصفها أنطولوجيا اجتماعية، تداعيات على المحتوى المحتمل للنظريات الجوهرية التي تتناول الأنظمة الاجتماعية في العالم الحقيقي، وكذلك على المنهجية التي ينبغي أن يستخدمها دارسو العلوم الاجتماعية في دراسة تلك الأنظمة. وتحدد هذه التداعيات، بدورها، أجندة بحثية للتحقيق الاجتماعي. سأوضح في القسم الرابع الكيفية التي ترتبط بها الواقعية الجديدة ونظرية النظام - العالم بهذه الأجندة البحثية، وأشير إلى بعض الفجوات في أبحاث العلاقات الدولية المعاصرة التي تنبثق من هذه المقارنة. توافقًا مع طبيعة النظرية البنيانية، بوصفها مقاربة مفهومية أكثر من كونها نظرية تتعلق بالجوهر، يشكّل منظّرو البنيانية مجموعة متنوعة؛ وفي الواقع، لا يمكن التعرف عليهم على هذا النحو إلا من خارج الإشكالية البنيانية. على سبيل المثال، يحدد نايجل ثريفت خمسة من المنظّرين الاجتماعيين الرئيسين (فيليب أبرامز، وروي باشكار، وبيير بورديو، وأنتوني غيدنز، وديريك لايدر)، بوصفهم منظّرين بنيانيين Structurationalists، على الرغم من أن معظم هؤلاء قد يرفضون هذا الوصف (ربما لأنه يرتبط أكثر ما يرتبط بغيدنز). وبصرف النظر عن اختلافاتهم فيما بينهم، فإنهم جميعًا يشتركون في أربعة أهداف تحليلية

57  Ira Cohen, "The Status of Structuration Theory: A Reply to McLennan," Theory, Culture, and Society , vol. 3, no. 1 (1986), pp. 123 - 134. ويطرح نايجل ثريفت وجهة نظر مماثلة؛ إذ يزعم أن النظرية البنيانية هي محاولة ما وراء نظرية أكثر من كونها محض نظرية، ينظر: Nigel Thrift, "Bear and Mouse or Bear and Tree? Anthony Giddens' Reconstitution of Social Theory," Sociology , vol. 19 (November 1985), pp. 58  N. J. Thrift, "On the Determination of Social Action in Space and Time," Environment and Planning D: Society and Space , vol. 1, no. 1 (1983)

  1. ربما تكون أصعب المشكلات في إجراء هذه الترجمة تتعلق بدور الدوافع البشرية وفهم الذات في التفسيرات العلمية الاجتماعية، وغموض مفهوم "الآليات السببية" في الحياة الاجتماعية.
  2. للاطلاع على عينة من النقاش الأخير بين الواقعيين العلميين حول حدود السمة الطبيعوية في العلوم الاجتماعية، ينظر، على وجه التحديد، المذكرة الختامية: Urry & Keat.Bhaskar;

أساسية يمكن حسبانها "النواة الصلبة" لبرنامج البحث في النظرية البنيانية: على النقيض من الفردانيين، يقبل البنيانيون واقعية البنى الاجتماعية غير القابلة للاختزال ويفترضون أنها قد تكون غير قابلة للملاحظة لكنها تولّد فاعلين؛ فضلًا عن أنهم يقبلون بأهميتها التفسيرية..1 على النقيض من البنيويين، يعارض البنيانيون النزعة الوظيفية ويشددون على "الحاجة إلى نظرية للعقل العملي والوعي التي يمكنها أن تفسر القصدية والدوافع لدى البشر..2 تعمل البنيانية على التوفيق بين هذه التعارضات، من خلال الجمع بين الفاعلين والبنى في "توليفة ديالكتية"، تتجاوز تبعية أحدهما للآخر، وهذا ما يميز كلً من النزعتين الفردانية والبنيوية..3 أخيرًا، يحاجّ البنيانيون بأن البنى الاجتماعية لا تنفصل عن البنى المكانية والزمانية، لذلك ينبغي دمج الزمان والمكان على نحو مباشر وصريح في الأبحاث الاجتماعية، النظرية والعملية. يفصل النقاش الموالي في هذه الأفكار من خلال التطرق، أولًا، إلى طبيعة الُبُنى الاجتماعية، ثم طبيعة الفاعلين، وأخيرًا علاقة الارتباط المتبادلة بينهما. يستند تحليلي إلى أعمال باشكار في المقام الأول، والذي يكشف، على نحو يتفوق فيه على غيره من المنظّرين الخمسة المذكورين، عن توجه واقعي علمي صريح.

59  Ibid., pp. 28 - 32. 60  Ibid., p. 30. 61 يتطلب هذا التوليف تطوير مفاهيم وسيطة، يمكنها ربط البنية والفاعلية في الحالات العملية، وهذا هو على الأرجح المصدر الرئيس للخلاف بين منظّري البنيانية. ولكن سواء جرى تأسيس هذا الربط من خلال "نظام الممارسة - الموقع" (باشكار)، أو "الهابيتوس" (بورديو)، أو الرابط "نظام - مؤسسة" (غيدنز)، فإنها جميعها تؤدي الوظيفة النظرية نفسها في البحث العملي، وهي ربط الفاعلين والبنى في أدوار أنطولوجية وتفسيرية متبادلة. 62 هذه الفكرة أكثر من مجرد تحذير طقوسي للباحثين في العلوم الاجتماعية، لكي يراعوا السياق التاريخي والجغرافي لموضوعاتهم؛ يجب أن تنشغل "النظريات الاجتماعية" الجوهرية منذ البداية بتشكيل الزمان والمكان للبنى الاجتماعية. ينظر.Thrift, p. 31: 63 في كتابه: Anthony Giddens, Profiles and Critiques in Social Theory (Berkeley, CA: University of California Press, 1982). يقول غيدنز إنه يقبل أيضًا المفهوم الواقعي للعلم، لكن واقعيته عادةً ما تكون أقل وضوحًا ومن ثمّ أكثر تخفّيًا من واقعية باشكار. ومع ذلك، فإن السبب الأهم للاعتماد على باشكار، بدلًامن غيدنز، يكمن في أن تصور هذا الأخير للبنية الاجتماعية بوصفها قواعد وموارد بديلًامن كونها مجموعة من العلاقات الداخلية الحقيقية، ولكن غير المرئية، هو تصور ضعيف ويمكن القول إنه يؤدي في النهاية إلى نزعة إرادوية في نتائجه، ينظر على سبيل المثال: Alex Callinicos, "Anthony Giddens: A Contemporary Critique," Theory and Society , vol. 14 (March 1985), pp. 133 - 166.

يبدأ منظّرو البنيانية، على غرار البنيويين، بتعريف "البنية" من ناحية توليدية بوصفها مجموعة من العناصر المرتبطة داخليًا. وقد تكون عناصر البنية الاجتماعية فاعلين أو ممارسات أو تقنيات أو أقاليم ترابية، أي كل ما يمكن اعتباره شاغلًالموقع داخل التنظيم الاجتماعي. ويعني الارتباط الداخلي بين هذه العناصر أنها لا يمكن تعريفها أو حتى تصورها على نحو مستقل عن موقعها في الِبِنية. هكذا، وعلى النقيض من تعريف الواقعية الجديدة بنى النظام الدولي على أنها تتألف من مجموعةٍ مترابطةٍ على الصعيد الخارجي وموجودة سلفًا من الفاعلين الدول، ترى المقاربة البنيوية نظاَمَ الدول على نحو علائقي؛ إذ تتشكّل الدول أو تتولد بِفِعل علاقات داخلية قوامها التفرّد Individuation (السيادة)، وربما الاختراق Penetration (دوائر النفوذ.) وهذا يعني أنه لا يمكن، بأي حال، تصور الدول بوصفها دولًا، بمعزل عن موقعها في بنية عالمية، تتألف من سلطات سياسية متفرّدة وُمُختَرَقة. وبدورها، تحدد طبيعة العلاقات الداخلية التي تؤلف البنيَةَ الاجتماعيَةَ وتشكيلُتُها مجموعة التحولات أو التوليفات الممكنة التي تبدو عليها عناصُرُها. و لا يمكن اختزال الُبُنى الاجتماعية بحكم التعريف، بوصفها مجموعة المم نكة من التحولات، إلى العلاقات بين عناصرها الملاَحَظة ضمن سياق ملموس محدد. وتعني الُبُنى إمكانية حدوث توليفة أو تجُّسُد معين للعناصر، لكنها لا تنحسر في مظهر بعينه مهما كان واقعيّا. يحاجّ منظّرو البنيانية مع الأطروحة الواقعية العلمية القائلة إننا يمكن أن ندعي أن الُبُنى الاجتماعية هي كيانات واقعية، على الرغم من أنها قد لا تكون قابلة للملاحظة، ما دامت تولّد الفاعلين وسلوكهم (بمعنى أنها تجعل السلوك ممكن الحدوث)، وأنها تُنتج آثارًا قابلة للملاحظة. وتثير هذه الأطروحة سؤلًا: متى يمكننا، على نحو مشروع، القول بوجود بنية اجتماعية ما؟ وههنا، يكمن القصور الرئيس في الاستدلال الاستنباطي في خطر الانزلاق إلى التفكير الحلقي والتأكيد الذاتي؛ فنحن نؤكد وجود بنية ما فقط، لأنها تُبدي الآثار الملاحظة التي افترضنا أنها تنتجها. وبحسب رأيي، يكمن هذا القصور في صميم التذمر المتكرر الذي يبديه الباحثون في العلوم الاجتماعية السائدة، والذين يدّعون أن النظريات الماركسية وغيرها من النظريات البنيوية في العلوم الاجتماعية هي، من حيث المبدأ، "غير قابلة للتفنيد." وتتمثل الاستجابة المناسبة على هذه المشكلة في العثور على أدلة تدعم وجود المستقلة عن الملاحظة المحددة التي اسُتُنبطت الِبِنية أو آليات عملها منها البنية، والاعتراف بأن الأنظمة الاجتماعية مفتوحة وأن ثمة

64  Bhaskar, pp. 47-56; Peter Manicas, "The Concept of Social Structure," Journal for the Theory of Social Behavior , vol. 10 (July 1980), pp. 65-82; Keat & Urry, p. 121; Andrew Sayer, Method in Social Science: A Realist Approach (London: Hutchinson, 1984), pp. 80 - 87. 65  Keat & Urry.

محاولة للتحكم في هذا الانفتاح. وهذا هو، بطبيعة الحال، ما تقوم الطبيعية عليه الممارسة العلمية في العلوم؛ إذ ينطلق العلماء، على نحو عكسي، من العمل على ظاهرة ملاحَظَةٍ ليصلوا إلى كيان مفترض مغلقة أو آلية سببية، ثم يحاولون تطوير اختبارات في أنظمة ليحددوا على نحو مستقل إن كان الاستنتاج مبررًا. والواضح أن الحصول على دليل مستقل مماثل في العلوم الاجتماعية ليس سهلًا، لكن ذلك لا يُبطل الفكرة الأساسية التي تقول إن البنى غير القابلة للملاحظة والآليات السببية يمكن استخدامها لتفسير السلوك الاجتماعي. والحال أنه في ضوء رفض الفردانيين البنى التوليدية واعتبارها "ميتافيزيقية"، من المفارقة أن تَُعَّدَ المقاربة التوليدية أقرب إلى التصور المفهومي عن البنية في الرياضيات والعلوم الطبيعية مقارنةً بالتعريف الفرداني الذي يَُعُّدُها توزيعًا لخصائص مستوى الوحدة. إلى غاية هذه النقطة، يتفق الفهم البنياني Structurationist للبنية مع الفهم البنيوي Structuralist؛ إذ يتصور كلاهما البنية على نحو توليفي بوصفها كيانًا غير قابل للاختزال، "يولد" عناصره وتحولاته الممكنة. ومع ذلك، يختلف البنيانيون عن البنيويين في تأكيدهم أن البنى الاجتماعية تختلف في جانَبيَن أساسَييَن على الأقل عن البنى الطبيعية، وأن الاعتراف بهذه الاختلافات ضروري لتجنب تشيئتها مثلما يحدث في البنيوية. يتمثل الاختلاف الأول في أن "البنى الاجتماعية، على خلاف البنى الطبيعية، لا توجد مستقلة عن الأنشطة التي تحكمها". قد يكون من المنطقي القول إن البنية الطبيعية لها وجود مستقل عن سلوك عناصرها، في

66 النظام المفتوح هو النظام الذي لا تتوافر فيه ارتباطات ثابتة وغير متغيرة. وعلى الرغم من أن تعقّد الأنظمة المفتوحة وانفتاحها غير المحدود يحدّان من إمكانية إجراء اختبارات حاسمة لادعاءات العلوم الاجتماعية، فإن هذه التحديات يمكن التعامل معها من خلال تطوير مناهج وأساليب بحثية، تأخذ في الحسبان الديناميات المتغيرة لهذه الأنظمة، ينظر: Bhaskar, pp. 164 - 165; ولا تؤثر هذه المشكلة في النظريات التي تشير إلى كيانات غير قابلة للملاحظة فحسب. للاطلاع على حجة لافتة وواقعية في شأن كيفية دراسة الأنظمة المفتوحة، في بعض الحالات، على نحو يسمح بإجراء اختبارات خاضعة للتحكم نسبيّا، ينظر: Campbell &.Cook 67 بالنسبة إلى تعريف البنية في الرياضيات، ينظر على سبيل المثال: Marc Barbut, "On the Meaning of the Word 'Structure' in Mathematics," in: M. Lane (ed.), Structuralism: A Reader (London: Jonathan Cape, 1970); Michael Resnick, "Mathematics as a Science of Patterns: Ontology and Reference," Nous , vol. 15 (November 1981), pp. 529-550; Stewart Shapiro, "Mathematics and Reality," Philosophy of Science , vol. 50 (December 1983), pp. 523 - 548. وتعتمد الفيزياء الحديثة بدورها على نظرية المجموعة (النظرية الرياضية للأنظمة الثنائية)، والتي تُعدّ تركيبية واحتمالية في نظرتها إلى البنية. يجب أن أ شير مع ذلك إلى أنني، على الرغم من تأكيدي هذا التشابه بين المفاهيم في العلوم الاجتماعية والعلوم الطبيعية، لا أقول إن العلوم الاجتماعية يجب أن تصبح فيزياء اجتماعية. إنما أحاول تبرير نوع معّي نمن التفكير والتفسير في العلوم الاجتماعية من خلال الإشارة إلى أنه موجود في العلوم الطبيعية أيضًا. 68  Bhaskar, pp. 48-49; عن الاختلافات بين البنى الطبيعية والاجتماعية، ينظر: Anthony Giddens, Studies in Social and Political Theory (London: Hutchinson, 1977), pp. 118 - 119.

حين أن البنى الاجتماعية لا تتجسد إلا من خلال ممارسات الفاعلين. فعلى سبيل المثال، لا وجود للبنية العميقة التي تؤلف نظام الدول إلا بفضل اعتراف الدول بقواعد معيّنة وأدائها ممارسات محددة؛ فإذا ما توقفت الدول عن هذا الاعتراف أو أداء هذه الممارسات، فإن نظام الدول على النحو القائم حاليّا سيختفي تلقائيّا. تعتمد، إذًا، البنى الاجتماعية من الناحية الأنطولوجية على وجود عناصرها (على الرغم من أنها غير قابلة للاختزال إلى هذه العناصر) على نحو لا نعثر عليه في البنى الطبيعية. أما الاختلاف الثاني، فهو أن "البنى الاجتماعية، على خلاف البنى الطبيعية، لا توجد مستقلة عن تصورات الفاعلين عما يقومون به في أنشطتهم". بتعبير آخر، تمتلك البنى الاجتماعية بُعدًا خطابيّا متأصلًا، بمعنى أنها لا تنفصل عن المسوّغات والفهوم الذاتية التي يسبغها الفاعلون على أفعالهم. ولا تعني هذه الخصيصة الخطابيّة أن البنى الاجتماعية يمكن اختزالها في تفكير الفاعلين بشأن ما يفعلونه، ما داموا لا يدركون السوابق أو التداعيات البنيوبة المترتبة على أفعالهم؛ بل إنها تعني أن وجود البنى الاجتماعية واشتغالها يعتمدان على فهوم البشر الذاتية، كما يعني أنها لا تكتسب فاعليتها السببية إلا بوساطة الوعي والفعل العملَييَن. وتمامًا كما أن البنى الاجتماعية تعتمد أنطولوجيّا على ممارسات الفاعلين وفهومهم الذاتية، فإن القوى السببية والمصالح لدى هؤلاء الفاعلين تتشكل، بدورها، ومن ثم تُفسر من خلال البنى. ثمة نوعان متميزان من البنى التي تُشكل الفاعلين: البنى الخارجية أو الاجتماعية، والبنى الداخلية أو التنظيمية. وكل نوع منهما يفسر مجموعة متميزة من القوى السببية والمصالح لدى الفاعلين، الاجتماعية والمتأصلة على التوالي. لذلك، يحوز جميع الفاعلين ثلاث قدرات أو قوى متأصلة بحكم بنيتهم التنظيمية الداخلية أو "تكوينهم"1:. الفهم النظري (حتى لو كان غير دقيق) لأنشطتهم، بمعنى أنه يمكنهم تقديم مسوّغات لسلوكهم، 2. مراقبة سلوكهم على نحو تأملي وإمكانية تعديله، 3. اتخاذ القرارات. تميز هذه القوى السببية الفاعلين من العناصر غير العاقلة التي تشكّل البنى الطبيعية، وبقدر ما يمكن اعتبار الدول وحدات للفعل توجهها أهدافها، يمكن اعتبارها فاعلين وفقًا لهذا التعريف. ومع ذلك، فإن البنى التنظيمية الداخلية مهمة أيضًا لتفسير المصالح المدركة ذاتيّا لدى الفاعلين. فعلى سبيل المثال، قد تكون الاختلالات في اتخاذ القرارات الفردية والتنظيمية في الدولة حاسمة في تحديد الكيفية التي تتحول بها المتطلبات البنيوية الاجتماعية أو الموضوعية

69  Bhaskar, pp. 48 - 49. 70  Giddens, The Constitution of Society , pp. 5 - 6.

لممارسات الدولة الفعالة، أي "المصالح الواقعية" لدى الدولة، إلى مصالح ذاتية وأداء فعلي. وتعتمد القوى السببية الأخرى والمصالح الواقعية لدى الفاعلين على السياق البنيوي الخارجي أو الاجتماعي، ومن ثم لا يمكن تفسيرها إلا من خلاله، وذلك على الرغم من الأهمية التي تحظى بها بُناهم التنظيمية الداخلية. فعلى سبيل المثال، تعتمد قوى الرأسماليين السببية (مثل الاستثمار وسحب الاستثمار، واستخراج فائض القيمة من العمل) ومصالحهم الواقعية (مثل تعظيم الأرباح، وما إلى ذلك) على مبادئ التنظيم الخاصة بنمط الإنتاج الرأسمالي الذي يحدد موقعهم ومصالحهم بصفتهم رأسماليين. وبالمثل، فإن قوى الدولة السببية - مثل الحفاظ على السيطرة على الموارد وإمكانية استخدام القوة في إقليم ترابي معّين، والتصرف داخل بيئة دولية خالية من الإكراه القانوني، وما إلى ذلك – تمنحها إياها البنى الاجتماعية المحلية والدولية التي ما كانت لتصير دولة إلا بموجبها. وقد تكون هذه العلاقات البنيوية عامة، مثل المبادئ التنظيمية في النظام بين الدول (مثل السيادة والاختراق) التي تُشكّل الدول بوصفها دولًا، أو قد تكون مبادئ تنظيمية أكثر تحديدًا تخص أنظمة دولية ملموسة، مثل توازن القوى الذي تتعرّف به أنواع معيّنة من الدول. وهكذا، فإن الدولة "حاملة الميزان" في نظام توازن القوى، أو دولة المركز في الاقتصاد العالمي الرأسمالي، تحوز قوى ومسؤوليات ومصالح معيّنة لا تمتلكها إلا بفضل موقعها البنيوي الاجتماعي. فإذًا، تحدد البنى الاجتماعية شروط وجود الدول وتصرفاتها؛ والواقع أننا من دون المبادئ الاجتماعية المنِّظِمة لا يمكننا الحديث على نحو مُجدٍ عن اللبنات الأساسية للعلاقات الدولية: "الدول"، و"قوى الدولة"، و"السياسة الخارجية"، وما إلى ذلك. بعبارة أخرى، تُولّد البنى الدولية والمحلية "قواعد اللعبة" (المعرّفة على نحٍوٍ واسٍعٍ يشمل الفاعلين من الدول أنفسهم) التي تتفاعل الدول في إطارها. تصوغ النظرية البنيانية، إذًا، مفهومها للفاعلين والبنى، بوصفها كايانات يشكّل أحدها الآخر، لكنها متمايزة أنطولوجيّا، ذلك أن كل

71 يتناول منظّرو البنيانية على نحو معمق، حتى الآن، طبيعة المصالح ودورها في تفسيرات العلوم الاجتماعية. وعلى الرغم من أن بعض منظّري البنيانية الذين يميلون إلى المادية قد يرفضون الاستخدام التفسيري للمصالح، فإنني أميل إلى الاعتقاد أن إطارهم المفهومي للعلاقة بين الفاعل والبنية يفترض وجود تمييز ضمني على الأقل بين المصالح "الذاتية" و"الحقيقية." وربما لا يزال أفضل عرض شامل للمفاهيم المختلفة للمصالح، والصعوبات في تفسيرها، هو مقالة وليام كونولي، "المصالح في السياسة"، في كتابه: William E. Connolly, The Terms of Political Discourse (Princeton: Princeton University Press, 1974), pp. 45 - 84. 72 للاطلاع على مناقشة عن توازن القوى تتفق في مضمونها، إن لم يكن في منطقها الفلسفي، مع التفسير الذي أقترحه، ينظر: Ashley, "The Poverty of Neorealism," pp. 276 - 279.

منها يعدّ بمعنى ما نتيجةً للآخر؛ أي إن "أحدهما يحدد الآخر على نحو متبادل." فالبنى الاجتماعية هي نتيجة للعواقب المقصودة وغير المقصودة للأفعال البشرية، كما أن تلك الأفعال تفترض مسبقًا سياقًا بنيويّا غير قابل للاختزال، أو أنه يتوسط بينها. هذا الفهم للعلاقة فاعل - بنية يعدّ ممكنًا إذا تصوّرناهما تابَعيَن أنطولوجيّا أحدهما للآخر، وتصوّرنا الفاعلين من ناحية العلاقات الداخلية التي تُعِّفرِهم بهذه الصفة، وتصوّرنا البنى الاجتماعية على أنها ليست موجودة إلا بوساطة الفاعلين والممارسات التي تشكلها. وهذا ما يعنيه غيدنز ب "ازدواجية البنية"، حيث تكون "الخصائص البنيوية للأنظمة الاجتماعية أداةً وفي الوقت نفسه نتيجةً للممارسات التي تعدّ مسؤولة عن تشكيل تلك الأنظمة". ومن ثمّ، فإن النظرية البنيانية هي أكثر من مجرد محاولة لتحقيق توازن أكبر بين البنية والفاعلية في النظرية الاجتماعية، مقارنةً بالفردانية والبنيوية. فالأنطولوجيا الاجتماعية في البنيانية تقدم مفهمة جذرية للخصائص الأساسية لدى الفاعلين والبنى الاجتماعية، على نحو يجعل بعضها تابعًا لبعض أنطولوجيّا، وقد سمحت هذه المفهمة الجديدة بتجنب "أخطاء" الاختزال والتشيئة التي تتسم بها الفردانية والبنيوية. وكما سأوضح في القسم التالي من الدراسة، لا يخلو الاعتماد الأنطولوجي والمفهومي المتبادل بين الفاعلين والبنى في النظرية البنيانية من تداعيات مهمة لتفسير الفعل الاجتماعي. وعمومًا، يجبرنا ذلك على النظر إلى الفاعلين والبنى، بوصفهم مشاركين معًا في إنتاج الظواهر الاجتماعية. وفي هذا الصدد يقول هاسكار":ليس المجتمع خليقةً غير مشروطة للفاعلية البشرية (الإرادوية)، لكنه لا يوجد مستقلًاعنها (التشيئة.) كما أن الفعل الفردي ليس محِّدِدًا بالكامل (الفردانية) للأشكال الاجتماعية (الحتمية)، ولا هو محَّدَد بالكامل بها".

رابعًا: دروٌسٌ لنظرية العلاقات الدولية

ركزت مناقشتنا للنظرية البنيانية حتى الآن على الأنطولوجيا الاجتماعية الخاصة بها، وعلى تصورها المفهومي لطبيعة العلاقة بين البنى الاجتماعية والفاعلين، سواء أكانوا أفرادًا أم منظمات. وإذا كانت هذه النظرية لا تفضي، منفردة، إلى ادعاءات أو فرضيات في شأن بنى محددة للنظام الدولي أو الأسباب التي تحكم أفعال الدول،

73  Giddens, Central Problems in Social Theory , p. 69. 74  Roy Bhaskar, "Emergence, Explanation, and Emancipation," in: Paul Secord (ed.), Explaining Human Behavior (Beverly Hills: Sage Publications, 1982), p. 286.

فإن للإشكالية الواقعية/ البنيانية دروسًا إبستيمولوجية ونظرية، في آن واحد، يمكن أن تستفيد منها دراسة العلاقات الدولية. فمن جهة، تكيّف الأنطولوجيا الاجتماعية في النظرية البنيانية مقاربَتَها مع تفسير أفعال الدول، وهذا يتوافق مع جهود الواقعيين العلميين الرامية إلى قلب تبعية الأنطولوجيا للإبستيمولوجيا، التي تتسم بها النزعة الإمبريقية، ومن ثم يجعلون شكل التفسيرات العلمية يعتمد على طبيعة الكيانات وخصائصها السببية. وبعيدًا عن هذا الاهتمام العام بشكل التفسيرات، فإن للبنيانية دروسًا يمكن أن تستفيد منها أيضًا نظريات العلاقات الدولية الجوهرية من ناحية المحتوى، أو ربما على نحو أدق، في طبيعة الأجندات البحثية التي تقوم عليها تلك النظريات ونطاقها. تخبرنا النظرية البنيانية، بخاصة، أن النظرية الواقعية الجديدة ونظرية النظام - العالم تقدمان بالفعل استبصارات مهمة في شأن بنى النظم الدولية ودينامياتها، لكنها تترك فجوات مهمة في التنظير حول ركيزتي نظريّة العلاقات الدولية الأساسيتين: الدول، وبنى النظام الدولي.

1. الدروس الإبستيمولوجية

ثمة عدد قليل من الأبحاث الإمبريقية التي تستند صراحة إلى النظرية البنيانية، وهو ما قد يوضح مضامينها في تفسير سلوك الدول. ولا أستطيع تطوير توضيح إمبريقي مطول في هذه الدراسة، إلا اعتمادًا على تكييف أدبيات أنتجها بعض منظّري البنيانية وفلاسفة العلوم الاجتماعية من الواقعيين الذين تناولوا قضايا التفسير في العلوم الاجتماعية، وذلك بغية تقديم حجتين إبستيمولوجيتين عامتين: 1. أن للتحليلات البنيوية وتلك القائمة على الفاعل وظائف مميزة وغير قابلة للاختزال في تفسير الفعل الاجتماعي، بيد أن 2. كلتيهما تَُعَدّ عنصرًا ضروريّا لتقديم تفسير كامل للفعل الاجتماعي. ولهاتين الحجتين مضامين مهمة في فهمنا لطبيعة التفسيرات البنيوية وتلك التي أدعوها بالتاريخية، وحدود هذه التفسيرات، كما أن لهما مضامين في دمجهما معًا ضمن تحليل ذي طابع "بنيوي - تاريخي."

75 يظهر الاستخدام الأكثر استفاضة لمنظور بنياني صريح في الأبحاث الإمبريقية، على الأرجح، في: Allan Pred, Place, Practice, and Structure (Cambridge, UK: Polity Press, في كتابه التفسير في التاريخ الاجتماعي Explanation in Social History، يجادل لويد (ص. 306) بأن أعمال عدد من المنظّرين السابقين للنظرية البنيانية يتبنون فكرة بنيانية عن البنية، ومنه على سبيل المثال: Barrington Moore, Social Origins of Dictatorship and Democracy (Boston: Beacon Press, 1966); Alain Touraine, The Self-Production of Society (Chicago: Chicago University Press, 1977); Abrams. 76  Sayer; David Sylvan & Barry Glassner, A Rationalist Methodology for the Social Sciences (Oxford: Blackwell, 1985).

التفسيرات هي إجابات عن أنواع معيّنة من الأسئلة، ولذلك يتحدد ما يُعدّ تفسيرًا كافيًا بناءً على موضوع السؤال وما يجري التعامل معه بوصفه إشكالية. من المنظور البنياني، ثمة نوعان من الأسئلة التي تتصل بتفسير الفعل الاجتماعي: "كيف يكون الفعل س ممكنًا؟" و"لماذا حدث الفعل س بدلًامن الفعل ع؟." تختلف مجالات هذين السؤالين، ومن ثمّ تختلف أنواع الإجابات المتوقعة. فالأسئلة من نوع "كيف؟" تهتم بمجال الممكن، في حين أن أسئلة "لماذا؟" تتعلق بمجاِلِ الفعِّيلّ. ولتوضيح طبيعة التفسير البنيوي وحدوده، لا بد من الإبقاء على تمييز إبستيمولوجي ومنهجي واضح بين منطق هذه الأسئلة: فالتحليل "البنيوي" يفسر الممكن، في حين أن التحليل "التاريخي" يفسر الفعلي. ذلك أن التحليل التاريخي يركز على ما حدث بالفعل أو ما سيحدث، ومن ثمّ يعتبر إمكانية حدوث تلك الأحداث أمرًا غير إشكالي. ورلذلك فإن المفَّس Explanandum هنا هو السلوك الفعلي، وليس نطاق السلوكات الممكنة. يُعدّ هذا التحليل التاريخي للأسباب الظرفية مكونًا أساسيّا في تفسير أفعال الدولة، لكنه يُعّد شرطًا ضروريّا، وليس كافيًا، للتفسير العلمي. وفقًا لإبستيمولوجيا الواقعية العلمية، تتطلب أسئلة "لماذا؟" إجابات عن أسئلة "كيف؟"؛ أي إننا لتفسير قيام دولة ما بالفعل "س" بدلًامن الفعل "ع"، ينبغي لنا أن نعرف كيف كانت هذه الدولة واختياراتها ممكنة من الأساس. لذلك، من الضروري أن نجعل السلوك الفعلي وخصائص الدول وأنظمة الدول "إشكالية" بديلًامن قبولها على أنها "معطاة." فلا بدّ من التحليل البنيوي لتفسير الخصائص السببية للدول التي تجعل أفعالها ممكنة. وفي مناقشتنا التالية بشأن التحليل البنيوي والتاريخي، سنتحدث عن الأدوار الإبستيمولوجية المتمايزة - على الرغم من كونها مترابطة - التي يؤديها هذان الشكلان من التفسير. يبدأ البحث البنيوي بالأحداث الفعلية، أي بالتاريخ، ومن خلال عملية نقٍدٍ واستدلاٍلٍ – أي عبر طرح تساؤلات عما ينبغي وجوده كي تحدث تلك الأحداث – يستخلص البنى الاجتماعية والتنظيمية الداخلية التي تجعل تلك الأحداث ممكنة. ويمكن نمذجة هذه البنى بعد ذلك باستخدام تقنيات كيفية (رياضية أو لغوية) لوصف إمكانات

77 للاطلاع على عرض منهجي لتداعيات التمييزات الإبستيمولوجية بين أنواع الأسئلة المختلفة، ينظر: Alan Garfinkel, Forms of Explanation (New Haven: Yale University Press, 1981), pp. 21-48; على الرغم من منظوره الأنطولوجي المناهض للواقعية، فإن كتاب فان فراسن، الصورة العلمية The Scientific Image، يقدم أيضًا فهمًاجيّدًا للمنطق أو "البراغماتية" المرتبطة بأنواع مختلفة من التفسيرات.

العلاقات بينها وبين الأحداث القابلة للملاحظة، وإْنْ كانت مثل هذا النمذجة غير ممكنة على الدوام في الأنظمة المفتوحة. وعلى أّي حال، تسهم التفسيرات البنيوية في تفسير الأحداث القابلة للملاحظة، عبر الكشف عن أنها حالات من الطرائق الممكنة التي يتصرف بها الفاعلون الاجتماعيون، حيث تتحدد تلك الإمكانات من خلال القوى السببية والمصالح التي تفرضها البنية عليهم. بعبارة أخرى، تكشف التفسيرات البنيوية عن شروط الوجود أو "قواعد اللعبة" التي تحكم الفعل الاجتماعي. بهذا المعنى، تُعدّ النظرية البنيوية "نقدية" بالضرورة، لأنها تجبرنا على النظر إلى ما وراء المظاهر، للوصول إلى العلاقات الاجتماعية الكامنة التي تولّد الأشكال التي تبدو عليها الظواهر (بالمعنى الذي يحيل على الإمكانية.) وعلى الرغم من أن التحليلات البنيوية تُعدّ جزءًا من تفسير شامل للأحداث الفعلية، فإنها لا تفسر تلك الأحداث تفسيرًا مباشرًا، بل تكتفي بالإجابة عن سؤال: كيف تكون هذه الأحداث ممكنة؟ وما التوليفات أو التحولات في عناصر البنية التي تتسق مع مبادئها الناظمة لها؟ ومع أن التحليلات البنيوية قد تكشف عن "نزعات" لتحيين البنى بطرائق معيّنة، فإن التعميم أو التنبؤ الدقيق لا يعدّان جزءًا مهمًامن التفسيرات البنيوية، وأي محاولة لاستخدامها في تفسير إنتاج أحداث معيّنة تفسيرًا مباشرًا ستخاطر بتجاوز نطاقها التفسيري الملائم. من جهة أخرى، ينكبّ البحث التاريخي على "دراسة الأحداث والموضوعات الفعلية بوصفها 'وحدات من تحديدات متنوعة'، جرى عزل كل منها وفحصه من خلال بحث [بنيوي] تجريدي". وتتعامل التفسيرات التاريخية مع مصالح الفاعلين وقواهم السببية، بوصفها معطاة (أو تعيد بناءها من دون أن تحاول تفسيرها)، ثم تحاول تفسير أحداث معيّنة بالتركيز على كيفية تأثر تلك القوى والمصالح بالحوافز التي تواجه الفاعلين. وعند هذا المستوى، تتقدم الواقعية الجديدة في عملها؛ إذ تحدد بدقة السياق البنيوي وشواغل الفاعلين وقواهم السببية، ثم تحاول الإجابة عن السؤال: "لماذا قامت الدولة 'س' بالفعل 'ع' بدلًامن الفعل 'ص'؟"، لكن

78 ثمة مقدمة ممتازة لبعض المناهج الشكلية التي يمكن استخدامها في التحليلات البنيوية التوليدية موجودة في الفصلين الخامس والسادس من كتاب: Sylvan & Glassner, A Rationalist Methodology. 79 المنهج في العلوم الاجتماعية في كتابه، يجادل ساير بأن عدم إدراك حدود التحليل البنيوي يؤدي إلى ظهور سمة حتمية، أو ما يسميه سمة "المزيف الملموس" الموجودة في العديد من الدراسات الماركسية، يُنظر: 217 p..Sayer, 80  Ibid., p. 216. 81 لا أقصد باستخدامي مصطلح "التاريخي"، في وصف هذا النوع من التفسير، الإيحاء بأن هذا هو النمط التفسيري الذي يستخدمه المؤرخون دائمًا، أو أن الممارسة البحثية للمؤرخين بالضرورة غير بنيوية أو غير نظرية. على العكس من ذلك، يبدو أنه تمامًا مثلما أن العلم الاجتماعي الجيّد تاريخي، فإن التاريخ الجيّد بنيوي ونظري أيضًا. إنني أحاول فقط أن أؤكّد أن التفسيرين "التاريخي" و"البنيوي" هما شكلان من أشكال البحث، يتميزان باستقلالية إبستيمولوجية ولكنهما مترابطان، بغض النظر عمن يستخدمها.

لا بد أيضًا من ملاحظة مفادها أن أحد الآثار المقصودة أو غير المقصودة لأفعال الدولة هو إنتاج بنى النسق أو إعادة إنتاجها؛ ومن ثمّ، فإن التحليل التاريخي ضروري، لتفسير انبثاق الظروف البنيوية واستمرارها، التي تمثل الأداة والشرط اللذين يجعلان أفعال الدولة ممكنة. إن هذه الخاصية التكرارية التي تميز التفسيرات البنيوية والتاريخية هي "الوحدة" الكامنة وراء "التنوع" الذي تتسم به تلك التفسيرات، وهي من ثم تشكل الأساس النهائي لترابطهما الإبستيمولوجي. بيد أنه لا بد من الإبقاء على التمييز بين نمَطَي التفسير هذين واستقلاليتهما؛ إذ إن كلًامنهما يفسر، في نهاية المطاف، خصائص الموضوعات المركزية للنمط الآخر. وتشير الحدود التفسيرية للتحليلات البنيوية والتاريخية إلى أن التفسير الكامل لأفعال الدولة – أي التفسير الذي يشرح الكيفية التي تصير بها أفعال الدولة ممكنةً، ولماذا حدث بهذه الصورة المحددة في لحظة معيّنة – سيتطلب دمج هذه المنهجيات في تحليل "بنيوي - تاريخي" أو ديالكتي". وسيتطلب هذا الدمج استخدام تحليل بنيوي تجريدي لغرض التنظير وتفسير القوى السببية للدول وممارساتها ومصالحها، واستخدام التحليل التاريخي العيني لتتبع تسلسل الخيارات والتفاعلات التي تؤدي إلى أحداث معيّنة (وكذا إلى إعادة إنتاج البنى الاجتماعية) من ناحية أهميتها السببية. وبالنظر إلى صعوبة إجراء أبحاث بنيوية وتاريخية على نحو متزامن في الوقت ذاته، قد يتطلب التحليل البنيوي - التاريخي "فرز" النموذج التفسيري الأول، ثم يليه الثاني؛ أي النظر في البنى الاجتماعية

82 مصطلح "البنيوي - التاريخي" مأخوذ من كتاب: Fernando Cardoso & Enzo Faletto, Dependency and Development in Latin America (Berkeley, CA: University of California Press, 1978), pp. ix-xiv; بينما مصطلح "الديالكتيكي" مأخوذ من كتاب: Sylvan & Glassner, A Rationalist Methodology , pp. 154 - 155; ويعكس كلا المصطلحين العلاقة بين البحثين "التجريدي" و"الملموس" في كتاب ساير المنهج في العلوم الاجتماعية. ومع أن بيتر مانيكاس لا يستخدم أًّيًا من هذين المصطلحين، فإنه يقدم مث لًاجيّدًا للمنطق وآثار هذا النمط من البحث، في نقده كتاب ثيدا سكوكبول الدولة والثورات الاجتماعية: Theda Skocpol, State and Social Revolutions (Cambridge: Cambridge University Press, 1979); ويمكن الاطلاع على مراجعته للكتاب في: Peter T. Manicas, "States and Social Revolutions. A Comparative Analysis of France, Russia, and China," History and Theory , vol. 20, no. 2 (1981), pp. 83  Giddens, Central Problems in Social Theory , pp. 80 - 81. وُتُعدّ هذه الفكرة عن "الفرز" محورًا لبعض الانتقادات الرئيسة التي وُجّهت إلى النظرية البنيانية. ينظر على سبيل المثال: Margaret Archer, "Morphogenesis versus Structuration: On Combining Structure and Action," The British Journal of Sociology , vol. 33 (December 1982), pp. 455-483; Nicky Gregson, "On Duality and Dualism: The Case of Structuration Theory and Time Geography," Progress in Human Geography , vol. 10 (June 1986), pp. 184 - 205.

والفاعلين بوصف كل منهما معطى مؤقتًا، بهدف فحص الآثار التفسيرية للآخر. لكن هذه الصعوبة المنهجية لا ينبغي أن تحجب الاعتماد المتبادل الإبستيمولوجي بين التحليلين البنيوي والتاريخي، ثم إن الأدوار التفسيرية لكل من الفاعلين والبنى الاجتماعية لا يمكن فهمها بمعزل عن العلاقات المتبادلة بينهما. وتنِسِل هذه النتيجة مباشرة من أنطولوجيا النظرية البنيانية. فالفاعلون غير منفصلين عن البنى الاجتماعية، بمعنى أن أفعالهم لا يمكن أن تكون ممكنة إلا بفضل هذه البنى، كما أن البنى الاجتماعية لا يمكن أن يكون لها أثر سببي إلا بقدر ما يجسدها الفاعلون. وهكذا، فإن الفعل الاجتماعي "يتحَّدَد على نحو مشترك" بين خصائص الفاعلين وخصائص البنى الاجتماعية في آن واحد.

2. الدروس النظرية

قد يبدو هذا النقاش الخاص ببعض الدروس الإبستيمولوجية المستقاة من النظرية البنيانية عامًا جًّدًا، لكنه مع ذلك نقاش يتصل على نحو وثيق بنطاق نظريات العلاقات الدولية الجوهرية ومحتواها. ومن الدروس الأساسية المستفادة من الحجة الواردة في القسم الثاني، حول العلاقة بين الفاعل والبنية، أن نظريات العلاقات الدولية ينبغي أن يكون لها أساس في النظريات التي تتناول وحدات التحليل الرئيسة (الفاعلون من الدول، وبنى النظام الدولي.) إن هذه النظريات ليست محض خيارات ملائمة أو مرغوب فيها، بل هي ضرورية لتفسير أفعال الدول. وتنبع هذه الضرورة مباشرةً من تصور الواقعية العلمية الذي يرى أن التفسير هو ما يحدد الآليات السببية؛ وتنبع كذلك من الادعاءات الأنطولوجية للنظرية البنيانية في شأن العلاقة بين الفاعلين والبنى. فإذا كانت خصائص الدول وبنى النظام الدولي ذات صلة سببية بالأحداث الحاصلة في النظام، وإذا كانت تلك الخصائص مترابطة بكيفية معيّنة، فإن الفهوم النظرية التي تتناول كلتا الوحدتين تصبح ضرورية لتفسير أفعال الدول. ولذلك، ينبغي أن نرفض ما قاله والتز عن أن نظرية الدولة ليست جزءًا من مهمة تطوير نظريات نظمية للعلاقات الدولية، ذلك أن النظرية البنيانية تقدم إطارًا مفهومًّيًا ومنهجيّا للتغلب على هذا الفصل؛ ومن ثم فهي ترسم أجندة بحثية محددة، تهدف إلى التنظير لدراسة الفاعلين من الدول وبنى النظام الدولي حيث ينتمون في آن واحد. يتمثل جوهر هذه الأجندة في استخدام التحليل البنيوي للتنظير لشروط وجود الفاعلين من الدول، واستخدام التحليل التاريخي لشرح نشوء البنى الاجتماعية وإعادة إنتاجها. قد يتطلب تقديم ملاحظات أولية حول المحتوى المحتمل لمثل هذه النظريات مقالة أخرى، لكن يمكن أن أشير إلى بعض الاتجاهات ومضامين الأبحاث التي قد تكون ذات صلة بهذه الأجندة البحثية. إن "التنظير للدولة" يعني جهدًا بحثيّا، يسعى لتطوير فهم راسخ من الناحية النظرية والإمبريقية للخصائص ذات الدلالة السببية (مثل القوى والمصالح والممارسات) التي تحظى بها الدولة، بوصفها كيانًا أو فاعلًاتنظيميّا. ومن الناحية المثالية، ستعرّف مثل هذه النظرية الطرائق المحتملة لتصرفات الفاعلين من الدول تعريفًا ةلود تاكولس نأش ف يةددحم تاعقوت جِتِنت نأ نم لادًااب، لامًاااش معيّنة. وتتشكّل الطرائق الممكنة لتصرفات الفاعل، وُتُفَّس ر من خلال السياق البنيوي الاجتماعي الذي ينتمي إليه، ومن خلال بنيته التنظيمية الداخلية؛ وهي على هذا النحو تَُعَُّدُ قابلة للتفسير البنيوي. وهكذا، يمكن استخدام التحليل البنيوي لتوضيح المبادئ المنِّمظِة للبنية الاجتماعية التي تتولد منها الدولة، بوصفها نمطًا خاصًا من الفاعلين الاجتماعيين؛ أي المبادئ التي تجعل الدولة دولة في المقام الأول. وسيمكّن هذا الاستخدام من الاعتراف بالدولة، بوصفها كيانًا اجتماعيّا في جوهرها، بدلًامن اعتبارها فردًا أولًّيًا هوبزيّا. ويمكن أن يكشف التحليل البنيوي أيضًا عن البنى التنظيمية الداخلية للدولة، التي تحكم مدركاتها واستجاباتها لمتطلبات البنية الاجتماعية والفرص التي تتيحها. يقلل منظّرو العلاقات الدولية من أهمية مثل هذه البنى التنظيمية الداخلية في تفسير أفعال الدولة، لكن هذه البنى تمثل السبب المباشر لأي فعل تقوم به الدولة، ولذلك فالمرجّح أنها آليات مهمة في إنتاج سلوكها. طلبًا للمزيد من التوضيح، نقول إن ثمة، على الأقل، أربع بنى تتشكل منها الدولة: البنية الاقتصادية اجتماعية  - الداخلية، والبنية السياسية - الداخلية، والبنية الاقتصادية - الدولية، والبنية السياسية -الدولية. وقد درست أبحاث حديثة تسير في خط التوجه البنيوي النقدي، الذي تنتهجه النظرية البنيانية، جميع هذه البنى، على الرغم من أن الكثير منها لا يزال في مراحل أولية وغير مندمج على نحو جيّد في الأبحاث البنيوية الأخرى. وتوجد أكثر التحليلات الرصينة حول الشروط البنيوية لوجود الدولة ضمن التقليد الماركسي الجديد،

84  Stephen Krasner, "Are Bureaucracies Important?" Foreign Policy , no. 7 (Summer 1972), pp. 159-179; Robert Art, "Bureaucratic Politics and American Foreign Policy: A Critique," Policy Sciences , vol. 4 (December 1973), pp. 467 - 490. 85 تشير هذه التعددية في البنى إلى رفض ما يمكن تسميته "الأحادية البنيوية"؛ أي الرأي القائل بوجود مجموعة واحدة فقط من المبادئ التنظيمية الأساسية، مثل تلك الخاصة بالاقتصاد، التي يمكن تفسيرها تفسيرًا توليديّا، ومن ثم القول إنها تشكل الفاعلين. ويتوافق هذا التوجه المناهض للأحادية مع النقد الموجه إلى الماركسية البنيوية على أيدي مؤلفين ما بعد ألتوسيريين، مثل باري هيندس وبول هيرست، ينظر: Barry Hindess & Paul Hirst, Mode of Production and Social Formation (London: MacMillan, 1977); وينظر أيضًا كتاب أرنستو لاكلو وشانتال موف: Ernesto Laclau & Chantal Mouffe, Hegemony and Socialist Strategy (London: Verso, 1985). لكن حلّهم لمشكلة الأحادية البنيوية القائم على نظرية الخطاب يعارض في جوهره اقتراحي بأن نبني نظريات تتعلق ببنى اجتماعية متعددة على أساس الواقعية العلمية.

والنقاشات التي فتحها الأخير مع التيار الفيبري. وتركز الأدبيات الماركسية الجديدة، على نحو أساسي، على علاقة الدولة (الرأسمالية) بالبنى الاقتصادية الداخلية، بينما يركز منظّرو النظام - العالم على دور الدولة في البنى الاقتصادية الدولية. وعلى الرغم من أن فهم نظرية النظام - العالم لبنى الرأسمالية العالمية يعاني التركيز المفرط على علاقات التبادل، فإن أدبياتها، مع أدبيات الماركسية الجديدة، توفر استبصارات مهمة في شأن الشروط الاقتصادية لوجود الدولة، ومن ثم حول بعض قواها السببية وتبعاتها. وفي رأيي،،ُتَُعَُّدُ الأبحاث التي تتناول البنى السياسية التي قد تشكل الدولة وتنطلق من المنظور البنيوي النقدي، قليلةً نسبيّا. مع ذلك، وعلى المستوى الداخلي، ثمة أعمال مبتكرة تنطلق من الرفض الغرامشوي للاقتصادوية Economism الفجة، التي تسود معظم النظريات الماركسية الجديدة، وتسعى بدلًامنها للتنظير للأشكال السياسية اعتمادًا على المفاهيم البنيوية - النقدية. ويجري الآن توسيع هذا الخط من التحليل، ليشمل المستوى الدولي على يد عدد من الباحثين الذين يركزون على طبيعة المبادئ الأساسية المنِّظِمة لنظام الدول وتداعياتها، مثل السيادة وتوازن القوى والسيطرة بالهيمنة، على مفهمة الدولة وتفسير تصرفاتها.

86 للاطلاع على أمثلة بارزة لنظرية الدولة في الماركسية الجديدة، ينظر: John Holloway & Sol Picciotto (eds.), State and Capital: A Marxist Debate (London: Edward Arnold, 1978); Poulantzas; Goran Therborn, What Does the Ruling Class Do When It Rules? (London: New Left Books, 1978), Theda Skocpol, "Political Response to Capitalist Crisis: Neo-Marxist Theories of the State and the Case of the New Deal," Politics and Society , vol. 10, no. 2 (1981), pp. 155-201; Michael Mann, "The Autonomous Power of the State," European Journal of Sociology , vol. 25, no. 2 (1984), pp. 185 - 213. 87 للاطلاع على أمثلة النقد الموجه إلى نظرية النظام العالمي من زاوية "الإنتاج"، ينظر: Brenner; Howe & Sica, "Political Economy, Imperialism," الصياغة المفاهيمية البديلة لبنية الاقتصاد العالمي الرأسمالي (من حيث نمط الإنتاج العالمي) طورتها مدرسة "تدويل رأس المال" في الاقتصاد السياسي الماركسي، يُنظر Christian Palloix, "The Self-Expansion of Capital on a World Scale," Review of Radical Political Economics , vol. 9 (Summer 1977), pp. 1 - 28. 88  Poulantzas; Nicos Mouzelis, Politics in the Semi-Periphery (New York: St. Martins, 1986); Samuel Bowles & Herbert Gintis, Democracy and Capitalism (New York: Basic Books, 1986). 89  Bruce Andrews, "Social Rules and the State as a Social Actor," World Politics , vol. 27 (July 1975), pp. 521-540; Robert Cox, "Gramsci, Hegemony, and International Relations: An Essay in Method," Millenium , vol. 12 (Summer 1983), pp. 162-175; Ruggie; Ashley, "The Poverty of Neorealism;" Richard K. Ashley, "Social Will and International Anarchy: Beyond the Domestic Analogy in the Study of Global Collaboration," in: Hayward Alker & Richard K. Ashley, Anarchy, Power, Community: Understanding International Cooperation (forthcoming). على الرغم من الفائدة المحتملة لهذا البحث بالنسبة إلى المشكلة البنيانية، فإن بعض هؤلاء الباحثين ربما يرفضون ربطهم بهذه النظرية، وخاصة فيما يتصل بأساسها في الفلسفة الواقعية للعلم.

وعلى الرغم من أن هذه الملاحظات لا تبدو أكثر من خطوط عامة، فإنني أرى أن كل هذه الأبحاث يمكنها أن تساهم في حل مشكلة شاملة، يطرحها أتباع مقاربة بنيانية للعلاقات الدولية؛ وهي تطوير نظرية نقدية لقوى الدولة السببية ومصالحها. ومن التداعيات المترتبة على رفض الأحادية البنيوية أنه سيتطلب صوغ نظريات عن العلاقات أو "الترابطات" بين البنى المختلفة التي تُشِّكِل الدولة. وبتعبير مختلف، تتولّد مشكلة في علاقة "البنية – البنية" عن الإشكالية البنيانية. وتقع هذه المشكلة في القلب من الأدبيات التي تناولت "العلاقات بين أنماط الإنتاج"، وهي ضمنية في كثير من النقاشات "ما بعد الماركسية" المتأخرة. والمفارقة أن هذه المشكلة تذكّرنا بالنقاش المبكر الذي طرحه ج. د. سينغر حول إشكالية مستويات التحليل، وإن كان هذا النقاش مث لًالمشكلة نظرية ومنهجية أوسع تتعلق بفهم العلاقات بين البنى المختلفة، بغض النظر عن نوعها (سياسية أم اقتصادية)، أو مستوى التحليل المرتبط بها (داخلية أم دولية.) ومع أن "مشكلة البنية - البنية"، بوصفها مسألة نظرية ومنهجية، تتجاوز النظرية البنيانية، فإن حلّها ستكون له تداعيات على أيّ محاولة تروم بناء نظريات وتفسيرات مرضية لتصرفات الدولة. فكل بنية تنتمي إليها الدولة لها منطقها الخاص، والمتطلبات اللازمة لإعادة إنتاجها، ومن ثم القواعد التي تفرضها لممارسةٍ ملائمةٍ من جانب الدولة. لذلك، فإن تطوير نظرية بنيوية عن الدولة وأفعالها يتطلب أكثر من مجرد توضيح المبادئ البنيوية المنِّظِمة المختلفة التي تتولد عنها الدول؛ بل يتطلب أيضًا عزلًاوتقييمًاللدور السببي وللعلاقات المتداخلة بين مختلف العوامل البنيوية، المتنافسة أحيانًا، التي تحدد أفعال الدولة. إن الحاجة إلى نظرية عن الدولة في العلاقات الدولية تعكسها الحاجة إلى نظريات عن البنى النسقية التي تشكل الدولة. وعلى نحو عام، سيكون لهذه النظريات على الأقل عنصران رئيسان: 1. نموذج تزامني يوضح المبادئ المنِّمظِة، والمنطق، ومتطلبات إعادة الإنتاج الخاصة بالبنية المعنية، 2. سردية تاريخية عن نشأة هذه البنية وإعادة إنتاجها. وقد انتاب المنظّرين البنيويين التردُدُ أو إنهم لم يستوعبوا االطبيعة العَرَضية لنشوء البنى وإعادة إنتاجها، وهم يفضلون بدل من ذلك قراءات وظيفية أو غائية لهذه العملية. ويمكن تصحيح

90  Aidan Foster-Carter, "The Modes of Production Controversy," New Left Review , vol. 107 (January-February 1978), pp. 47-77; Harold Wolpe (ed.), The Articulation of Modes of Production (London: Routledge & Kegan Paul, 1980). 91  J. D. Singer, "The Levels of Analysis Problem in International Relations," in: Klaus Knorr & Sidney Verba (eds.), The International System: Theoretical Essays (Princeton: Princeton University Press, 1961), pp. 77 - 92.

ذلك بشد الانتباه إلى التأكيد الذي توليه النظرية البنيانية للخصوصية التاريخية والطبيعة العَرَضية التي تميز تشكَّلَ البنى الاجتماعية. وانطلاقًا من التصور البنياني الذي يرى أن البنى الاجتماعية لا تتجسد ويعاد إنتاجها إلا من خلال أنشطة الفاعلين الاجتماعيين، ينبغي أن يبدأ التحليل التاريخي للتشكّل البنيوي الاجتماعي بتحديد العواقب المقصودة وغير المقصودة لتصرفات الدولة (وتصرفات الفاعلين الآخرين.) وعلى الرغم من التنوع في الأدوات المنهجية المتاحة لمثل هذا التحليل، فإن المنهجية القائمة على نظرية الألعاب، ضمن الأعمال الحديثة التي أنتجتها الواقعية الجديدة، قد تكون ملائمة جدّا لهذه المهمة التحليلية. فقد أثبتت تحليلات الألعاب التكرارية، و"المؤسسية الجديدة"، في دراسة المؤسسات السياسية، فائدتهما في تقديم استبصارات عن انبثاق المؤسسات الاجتماعية وإعادة إنتاجها، بوصفها نتائج غير مقصودة للتفاعلات الاستراتيجية. ولا يوجد سبب مبدئي يمنعنا من أن نطبّق منطق مثل هذه التحليلات على تحليل البنى التوليدية. لكن لا بد لنا من أن ندرك أن نماذج نظرية الألعاب تركز على المشكلات التقنية المرتبطة باتخاذ القرارات، التي معطى تواجه الفاعلين الذين يُنَظَر إليهم بوصفهم؛ وبذلك فإن هذه النماذج تهمل الطرائق التي تعمل بها بنية التفاعلات الاجتماعية على تشكيل هؤلاء الفاعلين أو تمكينهم. لذلك، لا بد من أن يُستكَمَل استخدام نظرية الألعاب في الفهم التاريخي لانبثاق البنى الاجتماعية بفهم توليدي، يشمل الكيفية التي يُبنى بها الفاعلون وأوضاع التفاعل الاستراتيجي. من الواضح أن هذه الملاحظات المتعلقة بالدروس، التي يمكن أن يستقيها مضمون نظريات العلاقات الدولية ونطاقها من النظرية البنيانية، لا ترسم سوى خطوط عريضة وعامة، ويقتصر هدفها على الكشف عن أنواع الأبحاث ذات الصلة بالمقاربة البنيانية في العلاقات الدولية. وينبغي التأكيد، في واقع الحال، أن النظرية البنيانية في حد ذاتها لا يمكنها توليد ادعاءات نظرية محددة تخص العلاقات الدولية، بل إن تداعياتها الإبستيمولوجية من شأنها أن ترشدنا إلى الشكل الذي ينبغي أن تتبعه تفسيرات أفعال الدولة، وأن تقترح أجندة بحثية للتنظير اللاحق له، لكنها لا تساهم مباشرة في فهمنا الجوهري للعلاقات الدولية في حد ذاتها. وتثير هذه الفكرة مسألة المعايير التي يجب أن يُقيّم من خلالها دارسو العلاقات الدولية النظرية البنيانية. وبما أن سمتها التحليلية أو ما وراء النظرية تمنع تقييمها إمبريقيّا، أرى

92  Michael Taylor, Anarchy and Cooperation (New York: Wiley, 1976); Robert Axelrod, The Evolution of Cooperation (New York: Basic Books, 1984); James March & Johan Olsen, "The New Institutionalism: Organizational Factors in Political Life," American Political Science Review , vol. 78 (September 1984), pp. 734 - 748. المترجم)(

أن تقييمها ينبغي أن يجري على أسس براغماتية، أي بناءً على قدرتها على حلّ المشكلات في النظريات الجوهرية القائمة، واقتراح مجالات جديدة للبحث النظري والإمبريقي، أو دمج الأبحاث المختلفة. ومن خلال هذا المعيار، أعتقد أن النظرية البنيانية تتفوق بوضوح على منافستيها الرئيستين، الفردانية والبنيوية؛ إذ توفّر إطارًا تفسيريّا لخصائص الفاعلين من الدول وبنى النظام الدولي في آن واحد، وهو ما لا توفره الأنطولوجيات الفردانية والبنيوية في الواقعية الجديدة ونظرية النظام - العالم. وهي تحدد أجندة بحثية للعلاقات الدولية، تنتظم وتدمج تحت إشكالية واحدة مجموعة متنوعة من الأبحاث الحالية في العلوم الاجتماعية. وههنا تكمن احتمالات المساهمة التي قد تقدمها النظرية البنيانية في أبحاث العلاقات الدولية، لكننا لا نستطيع تقييم أهمية هذه المساهمة، ما لم يحاول المنظّرون استخدام المنظور البنياني أرضيةً لأبحاثهم النظرية والإمبريقية والإفادة منها.

خاتمة

لن أحاول في هذه الخاتمة إيجاز حجاج طويل في شأن إشكالية الفاعل - البنية والنظرية البنيانية، بل سأختم بالحديث عن خيطه الناظم الآخر، المتعلق بالدروس المستقاة من الواقعية العلمية للبحث في العلوم الاجتماعية. وسواء أ قَّدَمت النظريُةُ البنيانية حّلًامرضيًا لمشكلة الفاعل - البنية أم لم تفعل، فإن تبني أبحاث العلوم الاجتماعية منظوَرَ الواقعية العلمية بخصوص الأنطولوجيا والإبستيمولوجيا قد يفضي إلى نتائج ثورية محتملة في أبحاثهم النظرية والإمبريقية. لقد قادت هيمنة الخطاب الإمبريقي في العلوم الاجتماعية الباحثين الإمبرريقي إلى انقسام بارز بين "العلم" (أي العلم) والبردايمات الهرمنيوطيقية ونظرية النقد التي زُعم أنها "غير علمية". ومهما كانت حدود النزعة الطبيعوية في العلوم الاجتماعية، فإن الواقعية العلمية تقوّض هذه الثنائية بفضل تحديها جوهر الحجة الإمبريقية؛ أي تأويلات العلوم الطبيعية التي يستند إليها استئثارها بعباءة "العلم." تقدم الواقعية العلمية، إذًا، بديلًامن المواقف الاعتيادية في شأن النزاع على الوضعية  Positivismusstreit ، التي تدعو

93  Brian Fay, Social Theory and Political Practice (London: Allen & Unwin, 1975). 94 تعني Positivismusstreit بالألمانية "الخلاف في الوضعية" أو "النزاع في الوضعية." وتشير إلى نقاش فلسفي ومنهجي بارز جرى بين الفلاسفة وعلماء الاجتماع الألمان في ستينيات القرن العشرين. كان الخلاف الرئيس في دور الوضعية في العلوم الاجتماعية، حيث ناقش ماكس هوركهايمر، يورغن هابرماس، وتيودور أدورنو من مدرسة فرانكفورت "النظرية النقدية" مع كارل بوبر وأنصاره في "الوضعية النقدية"، حول إمكان تطبيق المنهجيات العلمية على العلوم الاجتماعية بالطريقة نفسها المتبعة في العلوم الطبيعية.

الباحثين في العلوم الاجتماعية إلى التفكير "على نحو استنباطي" في "الآليات السببية" وهم يبنون نظرياتهم، بدلًامن السعي لإدراك تعميمات شبيهة بالقوانين في شأن الانتظامات القابلة للملاحظة. وتتمثل إحدى النتائج الأهم المترتبة على هذا التحول الأنطولوجي والإبستيمولوجي في التحفيز العلمي على التنظير البنيوي بالمعنى التوليدي أو العلائقي. وُتُعدّ هذه الوصفة المنهجية "نقديةً" في جوهرها، ما دامت تتطلب نقد الأشكال القابلة للملاحظة وتفكيكها، للوصول إلى البنى الاجتماعية الكامنة التي تولدها. وهكذا، فإن أحد الدروس المستقاة من الواقعية العلمية يفيد أن "النظرية النقدية" (بالمعنى الواسع) ضرورية لتطوير العلوم الاجتماعية، ومن ثام لتطوير العلاقات الدولية، بوصفها "علم."

95  Roy Bhaskar, "Scientific Explanation and Human Emancipation," Radical Philosophy , vol. 26 (1980), pp. 16-26; Christopher Dandeker, "Theory and Practice in Sociology: The Critical Imperatives of Realism," Journal for the Theory of Social Behavior , vol. 13 (July 1983), pp. 195 - 210.

المراجع

Abrams, Philip. Historical Sociology. Ithaca: Cornell University Press, 1982. Alker, Hayward & Richard K. Ashley. Anarchy, Power, Community: Understanding International Cooperation (forthcoming). Allision, Graham. Essence of Decision. Boston: Little Brown, 1971. Althusser, Louis. Etienne Balibar & Reading Capital. London: New Left Books, 1970. Anderson, Perry. Arguments within English Marxism. London: Verso, 1980. Andrews, Bruce. "Social Rules and the State as a Social Actor." World Politics. vol. 27 (July 1975). Archer, Margaret. "Morphogenesis versus Structuration: On Combining Structure and Action." The British Journal of Sociology. vol. 33 (December 1982). Aronson, Jerrold. A Realist Philosophy of Science. New York: St. Martins, 1984. Art, Robert. "Bureaucratic Politics and American Foreign Policy: A Critique." Policy Sciences. vol. 4 (December 1973). Ashley, Richard. "Three Modes of Economism. " International Studies Quarterly. vol. 27 (December 1983). ________. "The Poverty of Neorealism." International Organization. vol. 38 (Spring 1984). Axelrod, Robert. The Evolution of Cooperation. New York: Basic Books, 1984. Benjamin, Roger & Stephen Elkin (eds.). The Democratic State. Lawrence, Kans.: University of Kansas Press, 1985. Bhaskar, Roy. "Scientific Explanation and Human Emancipation." Radical Philosophy. vol. 26 (1980).

________. The Possibility of Naturalism. Brighton, UK: Harvester Press, 1979. Bottomore, Tom & Robert Nisbet (eds.). A History of Sociological Analysis. London: Heinemann, 1979. Bourdieu, Pierre. Outline of a Theory of Practice. Cambridge: Cambridge University Press, 1977. Bowles, Samuel & Herbert Gintis. Democracy and Capitalism. New York: Basic Books, 1986. Boyd, Richard. "On the Current Status of the Issue of Scientific Realism." Erkenntnis. vol. 19 (May 1983). Brenner, Robert. "The Origins of Capitalist Development: A Critique of Neo-Smithian Marxism." New Left Review. no. 104 (July-August 1977). Buzan, Barry & R. J. Barry Jones (eds.). Change in the Study of International Relations: The Evaded Dimension. London: Frances Pinter, 1981. Callinicos, Alex. "Anthony Giddens: A Contemporary Critique." Theory and Society. vol. 14 (March 1985). Cardoso, Fernando & Enzo Faletto. Dependency and Development in Latin America. Berkeley, CA: University of California Press, 1978. Chase-Dunn, Christopher. Socialist States in the World- System. Beverly Hills: Sage Publications, 1982. Chase-Dunn, Christopher & Joan Sokolovsky. "Interstate Systems, World-Empires and the Capitalist World- Economy: A Response to Thompson." International Studies Quarterly. vol. 27 (September 1983). Chase-Dunn, Christopher & Richard Rubinson. "Toward a Structural Perspective on the World-System." Politics and Society. vol. 7, no. 4 (1977). Churchland, Paul & Clifford Hooker (eds.). Images of Science: Essays on Realism and Empiricism. Chicago: Chicago University Press, 1985. Cohen, Ira. "The Status of Structuration Theory: A Reply to McLennan." Theory, Culture, and Society. vol. 3, no. 1 (1986). Connolly, William E. The Terms of Political Discourse. Princeton: Princeton University Press, 1974. Cook, Thomas & Donald Campbell. "The Causal Assumptions of Quasi-Experimental Practice." Synthese. vol. 68 (July 1986). Cox, Robert. "Gramsci, Hegemony, and International Relations: An Essay in Method." Millenium. vol. 12 (Summer 1983). Dandeker, Christopher. "Theory and Practice in Sociology: The Critical Imperatives of Realism." Journal for the Theory of Social Behavior. vol. 13 (July 1983). De Mesquita, Bruce Bueno. "Toward a Scientific Understanding of International Conflict: A Personal View." International Studies Quarterly. vol. 29 (June 1985). ________. The War Trap. New Haven: Yale University Press, 1981. Duplessis, Robert. "From Demesne to World-System: A Critical Review of the Literature on the Transition from Feudalism to Capitalism." Radical History Review. no. 13 (Fall 1976). Durkheim, Emile. The Rules of Sociological Method. Chicago: Chicago University Press, 1938. Elster, Jon. Making Sense of Marx. Cambridge: Cambridge University Press, 1985. Farr, James. "Marx's Laws." Political Studies. vol. 34 (June 1986). Fay, Brian. Social Theory and Political Practice. London: Allen & Unwin, 1975. Finifter, Ada (ed.). Political Science: The State of the Discipline. Washington: APSA, 1983. Foster-Carter, Aidan. "The Modes of Production Controversy." New Left Review. vol. 107 (January- February 1978).

French, Peter et al. (eds.). Causation and Causal Theories. Minneapolis: University of Minnesota Press, 1984. Friedman, Milton. The Methodology of Positive Economics. Chicago: Chicago University Press, 1953. Garfinkel, Alan. Forms of Explanation. New Haven: Yale University Press, 1981. Giddens, Anthony. Central Problems in Social Theory. Berkeley, CA: University of California Press, 1979. ________. Profiles and Critiques in Social Theory. Berkeley, CA: University of California Press, 1982. ________. Studies in Social and Political Theory. London: Hutchinson, 1977. ________. The Constitution of Society: Out-line of the Theory of Structuration. Cambridge, UK: Polity Press, 1984. Gilpin, Robert. War and Change in World Politics. Princeton: Princeton University Press, 1981. Gintis, Herbert. "On The Theory of Transitional Conjunctures." Review of Radical Political, Economics. vol. 11, no. 3 (1979). Gregory, Derek. "Human Agency and Human Geography." Transactions of the Institute of British Geographers. vol. 6, no. 1 (1981). Gregory, Derek & John Urry (eds.). Social Relations and Spatial Structures. London: MacMillan, 1985. Gregson, Nicky. "On Duality and Dualism: The Case of Structuration Theory and Time Geography." Progress in Human Geography. vol. 10 (June 1986). Hacking, Ian. Representing and Intervening. Cambridge: Cambridge University Press, 1983. Harre, Rom & Edward Madden. Causal Powers. Totowa, NJ: Rowman and Littlefield, 1975. Hausman, Daniel. "Are There Causal Relations among Dependent Variables?." Philosophy of Science. vol. 50 (March 1983). Hellman, Geoffrey. "Realist Principles." Philosophy of Science. vol. 50 (June 1983). Hindess, Barry & Paul Hirst. Mode of Production and Social Formation. London: MacMillan, 1977. Holloway, John & Sol Picciotto (eds.). State and Capital: A Marxist Debate. London: Edward Arnold, 1978. Jessop, Bob. Nicos Poulantzas: Marxist Theory and Political Strategy. New York: St. Martins, 1985. Kaye, Harvey. "Totality: Its Application to Historical and Social Analysis by Wallerstein and Genovese." Historical Reflections. vol. 6 (Winter 1979). Keat, Russell & John Urry. Social Theory as Science. London: Routledge & Kegan Paul, 1982. Keohane, Robert. After Hegemony: Cooperation and Discord in the World Political Economy. Princeton: Princeton University Press, 1984. ________ (ed.). Neorealism and its Critics. New York: Columbia University Press, 1986. Kincaid, Harold. "Reduction, Explanation, and Individualism." Philosophy of Science. vol. 53 (December 1986). Kitcher, Philip, Bas van Fraassen & Wesley Salmon. "Approaches to Explanation." The Journal of Philosophy. vol. 82 (November 1985). Fraassen, Bas C. Van. "Salmon on Explanation." The Journal of Philosophy. vol. 82, no. 11 (1985). Kitcher, Philip. "Two Approaches to Explanation." The Journal of Philosophy. vol. 82, no. 11 (1985). Salmon, Wesley C. "Conflicting Conceptions of Scientific Explanation." The Journal of Philosophy. vol. 82, no. 11 (1985). Knorr, Klaus & Sidney Verba (eds.). The International System: Theoretical Essays. Princeton: Princeton University Press, 1961.

Knorr-Cetina, Karin & Aaron Cicourel (eds.). Advances in Social Theory: Toward an Integration of Micro and Macro-Sociologies. London: Routledge & Kegan Paul, 1981. Krasner, Stephen. "Are Bureaucracies Important?." Foreign Policy. no. 7 (Summer 1972). Krimerman, Leonard (ed.). The Nature and Scope of Social Science. New York: Appleton-Century- Crofts, 1969. Laclau, Ernesto. & Chantal Mouffe. Hegemony and Socialist Strategy. London: Verso, 1985. Lane. M. (ed.). Structuralism: A Reader. London: Jonathan Cape, 1970. Latsis, Spiro. "Situational Determinism in Economics." The British Journal for the Philosophy of Science. vol. 23 (August 1972). Layder, Derek. "Problems in Accounting for the Individual in Marxist-Rationalist Theoretical Discourse." British Journal of Sociology , vol. 30 (June 1979). ________. Structure, Interaction, and Social Theory. London: Routledge & Kegan Paul, 1981. Leplin, Jarrett (ed.), Scientific Realism , Berkeley, CA: University of California Press, 1984. Lloyd, Christopher. Explanation in Social History. Oxford: Blackwell, 1986. Individualism "Methodological Steven. Lukes, Reconsidered." The British Journal of Sociology. vol. 19 (June 1968). Machlup, Fritz. "Situational Determinism in Economics." The British Journal for the Philosophy of Science. vol. 25 (September 1974). Mandelbaum, Maurice. "Societal Facts." The British Journal of Sociology. vol. 6 (1955). Manicas, Peter. "The Concept of Social Structure." Journal for the Theory of Social Behavior. vol. 10 (July 1980). Mann, Michael. "The Autonomous Power of the State." European Journal of Sociology. vol. 25, no. 2 (1984). March, James & Johan Olsen. "The New Institutionalism: Organizational Factors in Political Life." American Political Science Review. vol. 78 (September 1984). McNall, Scott & Gary Howe (eds.). Current Perspectives in Social Theory. vol. 1. Greenwich, Conn: JAI Press, 1980. McNall, Scott (ed.). Theoretical Perspectives in Sociology. New York: St. Martins, 1979. Miller, David. "Back to Aristotle." The British Journal for the Philosophy of Science. vol. 23 (February 1972). Moe, Terry. "On the Scientific Status of Rational Models." American Journal of Political Science. vol. 23 (February 1979). Moore, Barrington. Social Origins of Dictatorship and Democracy. Boston: Beacon Press, 1966. Mouzelis, Nicos. "Reductionism in Marxist Theory." Telos. no. 45 (Fall 1980). ________. Politics in the Semi-Periphery. New York: St. Martins, 1986. Murray, Robin. "The Internationalization of Capital and the Nation-State." New Left Review. vol. 67 (May- June 1971). Ollman, Bertell. Alienation: Marx's Conception of Man in Capitalist Society. Cambridge: Cambridge University Press, 1976. O'Neill, John (ed.). Modes of Individualism and Collectivism. New York: St. Martins, 1973. Ostrom, Elinor. "An Agenda for the Study of Institutions." Public Choice. vol. 48, no. 1 (1986).

Palloix, Christian. "The Self-Expansion of Capital on a World Scale." Review of Radical Political Economics. vol. 9 (Summer 1977). Poulantzas, Nicos. State, Power, Socialism. London: Verso, 1978. Pred, Allan. Place, Practice, and Structure. Cambridge, UK: Polity Press, 1986. Putnam, Hilary. Mathematics, Matter, and Method. Cambridge: Cambridge University Press, 1975. Resnick, Michael. "Mathematics as a Science of Patterns: Ontology and Reference." Nous. vol. 15 (November 1981). Resnick, Stephen & Richard Wolff. "The Theory of Transitional Conjunctures and the Transition from Feudalism to Capitalism." Review of Radical Political Economics. vol. 11 (Fall 1979). Rosenau, James. "Before Cooperation: Hegemons, Regimes, and Habit-Driven Actors in World Politics." International Organization. vol. 40 (Autumn 1986). Ruben, David-Hillel. The Metaphysics of the Social World. London: Routledge & Kegan Paul, 1985. Ruggie, John Gerard. "Continuity and Transformation in the World Polity: Toward a Neorealist Synthesis." World Politics. vol. 35 (January 1983). Salmon, Wesley. Scientific Explanation and the Causal Structure of the World. Princeton: Princeton University Press, 1984. Sayer, Andrew. Method in Social Science: A Realist Approach. London: Hutchinson, 1984. Schlagel, Richard. "A Reasonable Reply to Hume's Skepticism." The British Journal for the Philosophy of Science. vol. 35 (December 1984). Secord, Paul (ed.). Explaining Human Behavior. Beverly Hills: Sage Publications, 1982. Shapiro, Stewart. "Mathematics and Reality." Philosophy of Science. vol. 50 (December 1983). Skocpol, Theda. "Political Response to Capitalist Crisis: Neo-Marxist Theories of the State and the Case of the New Deal." Politics and Society. vol. 10, no. 2

________. "Wallerstein's World Capitalist System: A Theoretical and Historical Critique." American Journal of Sociology. vol. 82 (March 1977). ________. State and Social Revolutions. Cambridge: Cambridge University Press, 1979. Smith, Steve (ed.). International Relations, British and American Perspectives. Oxford, UK: Blackwell, 1985. ________. Reading Althusser. Ithaca: Cornell University Press, 1984. Snidal, Duncan. "The Game Theory of International Politics." World Politics. vol. 38 (October 1985). Steinbrunner, John. The Cybernetic Theory of Decision. Princeton: Princeton University Press, 1974. Sylvan, David & Barry Glassner. A Rationalist Methodology for the Social Sciences. Oxford: Blackwell 1985. Taylor, Michael. Anarchy and Cooperation. New York: Wiley, 1976. Taylor, Peter. "The Poverty of International Comparisons: Some Methodological Lessons from World- Systems Analysis." Department of Geography. University of Newcastle- upon-Tyne, 1985. Therborn, Goran. What Does the Ruling Class Do When It Rules? London: New Left Books, 1978. Thompson, Edward. The Poverty of Theory and Other Essays. New York: Monthly Review Press, 1978. Thompson, William R. (ed.). Contending Approaches to World System Analysis. Beverly Hills: Sage Publications, 1983.

Thrift, N. "On the Determi- nation of Social Action in Space and Time." Society and Space. vol. 1 (March 1983). ________. "Bear and Mouse or Bear and Tree? Anthony Giddens' Reconstitution of Social Theory." Sociology. vol. 19 (November 1985). Touraine, Alain. The Self-Production of Society. Chicago: Chicago University Press, 1977. Van Fraassen, Bas. The Scientific Image. Oxford: Clarendon Press, 1980. Wallerstein, I. The Politics of the World-Economy. Cambridge: Cambridge University Press, 1984. ________. The Modern World-System I. New York: Academic Press, 1974. ________. "The Rise and Future Demise of the World Capitalist System: Concepts for Comparative Analysis." Comparative Studies in Society and History. vol. 16 (September 1974). Waltz, Kenneth. Theory of International Politics. Reading, Mass: Addison-Wesley, 1979. Willoughby, John. "The Changing Role of Protection in the World Economy." Cambridge Journal of Economics. vol. 6 (June 1982). Wilson, Fred. "Harre and Madden on Analyzing Dispositional Concepts." Philosophy of Science. vol. 52 (December 1985). Wolpe, Harold (ed.). The Articulation of Modes of Production. London: Routledge & Kegan Paul, 1980. Wylie, Alison. "Arguments for Scientific Realism: The Ascending Spiral." American Philosophical Quarterly. vol. 23 (July 1986).