استهلال: ما الذي ينبغي أن نصنعه من مقالة "الفوضى هي ما تصنعه الدول منها"؟
Foreword What should we Make of "Anarchy is what States Make of it"?
نشر ألكسندر ونت مقالته "الفوضى هي ما تصنعه الدول منها: سياسة القوة بوصفها بناءًاجتماعيًا" قبل نحو ثلاثين عامًا. وحينئذ، لم يكن عمر الحركة البنائية في حقل العلاقات الدولية قد تجاوز بضع سنوات. لدواٍعٍ عملية، يحدد ونت أنسب تأريٍخٍ لبداية الحركة بعام 1986 1، حين نشر فريدريك كراتوتشفيل وجون راغي دراستهما في دورية التنظيم الدولي، بعنوان "التنظيم. أما International Organization: A State of the Art on an Art of the State "الدولي: تطوّرات حقل قائم على الدولة مقالة ونت بعنوان "مشكلة الفاعل - البنية في نظرية العلاقات الدولية"، فقد نشُرت عام 1987. وكان ونت قد قدّم نسخة أولى عن هذه المقالة في ندوة علمية عُقدت عام 1986، ولم يزل بعُدُ طالبًا في درجة الدكتوراه؛ ولاحظُتُ خلال هذه المناسبة أن أهمية المقالة بدت للعيان وسط الجمهور داخل القاعة كلّها. وبحلول عام 1989، "جرت مياه كثيرة" سمحت بأن تصدر في الموضوع كتٌبٌ أكثر إسهابًا؛ منها كتاب كراتوشفيل، القواعد والمعايير والقرارات Rules, Norms, and Decisions، وكتابي عالم من نصعنا World of Our Making؛ وهي كتب استغرق إعدادها سنوات من الجهد. وفي مقالة "الفوضى هي ما تصنعه الدول منها" 2، استخدم ونت مصطلح البنائية نقلًاعن كتابي المذكور آنفًا 3. بهذا اللفظ، كشف ونت عن رفضه مصطلح تأُّملُي Reflectivist، الذي اعتمده روبرت كيوهان في وصف الباحثين الذين والمؤسسات الدولية 4"يشدّدون على أثر الذاتية الإنسانية في أعمالهم" من خلال السلوك الهادف Behavior Purposive، وذلك في مقابل الباحثين الذين يعتمدون "العقلانية الموضوعية" في كتاباتهم. ربما أظهر كيوهان أنه يتعامل مع المنظوَرَين على قدم المساواة، لكنّ القرّاء يدركون جيدًا تفضيلاته التي يضمرها. لذلك حين استبدل ونت وصف التأملية بكلمة "البنائية"، فإنما ألقى الضوء على الامتداد الواسع للمادة النظرية التي قلل دهاء كيوهان من شأنها متعِّمِدًا. وفي إحصاء المقاربات النظرية الذي قدّمه ونت، اعتبر أنّ "الباحثين في التقاليد الإدراكية، وما بعد البنيوية، ومنِّرظِي نسوية ما بعد الحداثة، ونسوية الموقع الاجتماعي Feminists Standpoint، ومنظّري القواعد Theorists Rule، وأنصار البنيانية
يعُّدُون جميعهم بنائيين" 5Structurationists. وعلى الرغم من أن ونت عَّدَنا، أنا وكراتوتشفيل، من "منظّري القواعد"، فإنه لم يقدّم تلميحًا يُذكر عن القواعد التي اعتمدها لتبرير تصنيفه إَّيَانا في خانة البنائيين. وفي حين أن قسمًامن الباحثين الإدراكيين وما بعد البنيويين، ونسوِّييِ ما بعد الحداثة، ونسوِّييِ الموقع الاجتماعي، كانت لديهم في الأصل هويات تنفي الحاجة إلى تسميتهم بالبنائيين، فإنه لم يتبَّقَ من تلك المجموعة سوى منِّرظِي "البنيانية." في مقالة "مشكلة الفاعل - البنية"، طوّر ونت وجهة نظر بنيانية استعنُتُ بها في كتابي أيضًا. ويعود الفضل في سكّ مصطلح البنيانية إلى أنتوني غيدنز؛ ففي كتابه المهم، تشكيل المجتمع بوصفه عملية، يعرّف التشكيل The Constitution of Society لا محض شرط مرادف للبنية أو قريب منها. ولهذه العملية نتائج بنيوية؛ فمنها ينِسِل لفُظُ البنيانية (وهي مصطلح جديد تمامًا)، أو البناء Construction (وهو مصطلح مألوف لكنه يحمل العديد من السمات المجازية.) فيكون البناء الاجتماعي هو عملية تشكيٍلٍ متشاركة Co-Constitutive تعمل في الاتجاهين: فحين يشكّل الفاعل Agent العالم على صورته، فإن العالم المتشِّكِل على ذلك النحو إنما يِسِم الفاعل بفاعليته، أي قدرته على الفعل. لِننُظُْرْ في التوصيف الدقيق الذي يقدّمه ونت في هذا المقطع: إنّ المقاربة البنيانية[...]بمنحها الفاعلين والبنى وجودًا أنطولوجيًا متساويًا إنما تحاول أن تتجنب ما أعُّدُه عواقَبَ سلبية للفردانية والبنيوية معًا. ومشروع البنيانية ليس محض توليف بلا معنى بين "أقصى ممكٍنٍ في المقاربتين"؛ بل يقوم على تصوٍّرٍ مفهومي خاص جدًا للعلاقة "فاعل - بنية." يجبرنا هذا التصور المفهومي على إعادة التفكير في الخصائص الأساسية للفاعل (الدولة) وبنى النظام. كما يسمح لنا، في المقابل، باستخدام الفاعلين والبنى لشرح بعض الخصائص الرئيسة لدى كٍّلٍ منهما بوصفها تأثيرات من كل واحد منهما تجاه الآخر، وبرؤية الفاعلين والبنى على أنها كيانات "يحدّد بعضها بعضًا" أو "يشكل بعضها بعضًا بصورة متبادلة" 6. وكان في إمكان ونت، في ذلك الوقت، أن يطلق على "مشروع البنيانية" اسم البنائية، فيتبع بذلك طريق العديد من المنظرين الاجتماعيين الآخرين ممن لديهم اهتمامات مماثلة. وبعد خمس سنوات استوعب فيها ونت المزيد من النظريات الاجتماعية، وسّع إطاره المرجعي بطريقة لافتة للانتباه حين كتب مقالته "الفوضى هي ما تصنعه الدول منها." ولنقتبْسْ أيضًا من هذه الدراسة المقطع التالي (مع حذف الحاشية الواردة فيه) 7: هدفي في هذه الدراسة هو بناء جسٍرٍ بين هَذَين التقليَدَين البحثَّييّن (ومن ثمّ، بين النقاشات الواقعية - الليبرالية والعقلانية - التأملية)، وذلك من خلال تطوير حجةٍ بنائية مستمدة من البنيانية وسوسيولوجيا التفاعل الرمزي، نيابةً عن الادعاء الليبرالي القائل إن المؤسسات الدولية يمكنها تحويل هويات الدولة ومصالحها. وسوسيولوجيا التفاعل الرمزي هي فرع غنيّ ومتنوع من النظرية الاجتماعية يمتد تاريخه إلى عقود عديدة مضت. وفي هذا الصدد، اعتمد ونت على كتابين في قائمة مصادره، هما كتاب جورج هربرت ميد، العقل والذات والمجتمع Mind, Self, and Society، وكتاب بيتر برغر وتوماس لوكمان، البناء الاجتماعي للواقع. يشدّد هذان الكتابان على The Social Construction of Reality البعد الذاتي للفاعلية الإنسانية، بل ذهب بيرغر ولوكمان إلى أبعد من ذلك حين وضعا تصورًا للطريقة التي يشكّل بها الفرد، بوصفه ذاتًا، والمجتمع، والذات والموضوع، أحدهما الآخر، عبر تشكيل الشرط الأنطولوجي الذي نسميه جزافًا الواقع. صار التفاعل الرمزي منبعًا سخيًا بالنسبة إلى ونت يغرف منه كيفما يشاء؛ لكنه منبع انطوى على خطر كبير، على الأقل من وجهة نظر ونت الخاصة. ففي مقالة "مشكلة الفاعل - البنية"، ذكر ونت الذاتية في عجالة 8 من دون أن يأتي على ذكر البينذاتية على الإطلاق؛ أما بعد خمس سنوات، فقد احتلت "المعرفة البينذاتية" (أو "الفهوم والتوقعات البينذاتية)" مكانةً مركزيةً في بنائه المشروع الموَّسَع الذي أطلق عليه اسم البنائية. وقد أعلن، في شرحه ما كان يقصده بالمعرفة البينذاتية، عن مبدَأ ين:
يتمثل أحد المبادئ الأساسية للنظرية الاجتماعية البنائية في أن البشر يتصرفون تجاه الأشياء، بمن فيهم الفاعلون الآخرون، بناءً على المعاني التي تحملها تلك الأشياء بالنسبة إليهم 9. المبدأ الثاني للبنائية [هو]: تنشأ المعاني ويجري من خلالها تنظيم الأفعال من التفاعل نفسه 10. وتغترف الإحالات والحواشي التي يدعم بها ونت رأيه من المقولات الرئيسة التي تزخر بها نزعة التفاعل الرمزي. وكذلك الحال مع مصطلح "معاني " Meanings، الذي يبدو أنه يربط بين المبدَأ ين الآنَفَي الذكر ضمن مقولة متماسكة إطارها المرجعي بنائي بوضوح. وتكشف نظرة متفحصة إلى ذلك عن مكامن للخطر. فبينما يشير المبدأ الأول إلى أن المعنى ذاتي على الدوام، يشير الثاني إلى أنّ المعاني تتخذ طابعًا موضوعيًا بالنسبة إلى أولئك الذين يؤدي تفاعلهم إلى ظهورها. وههنا ينجليي مكمن الخطر واضحًا: إذ كيف يمكن أن تكون المعاني ذاتية وموضوعية في الوقت نفسه؟ وكيف يعرف فاعل ما Actor أنّ المعنى الذي يسبغه على شيء ما هو المعنى ذاته الذي يسبغه فاعل آخر على الشيء ذاته؟ وقد منح التفاعليون الرمزيون الأنطولوجيا نصيبًا وافرًا من الاهتمام (أي دراسة ما يعنيه الوجود)، في إطار اشتباكهم مع معنى المعنى Meaning of Meaning The. لكن الأنطولوجيا لم تكن كافية؛ إذ بدا أنّ الإبستيمولوجيا (أي دراسة ما تعنيه المعرفة) تكمن في كل نقاش يتصل بما نعتقد أننا نعرفه، وفي كل تفاعل ينتج منه المعنى. ولو استخدمنا لغة مجازية لقلنا إنّ نزعة التفاعل الرمزي انتقلت بالنظرية الاجتماعية إلى حافة جرف إبستيمولوجي، ومن على قمته لاحت خيارات ثلاثة: 1() إما التمُّعُن في الجرف ثم التراجع إلى أمان الأنطولوجيا الواقعية؛ 2() وإما القفز من الهاوية وتحمّل عواقب الشك الراديكالي واليأس الوجودي؛)3(وإما نزول الجرف باستخدام السّلّم الهش الذي يقدّمه المنعطف اللغوي في الفلسفة، وحينها ينتهي المطاف بالمرء في عالم جديد غريب من إنشائه الخاص. وسلك شطر كبير من المنظّرين الاجتماعيين منعطف اللغة، وترتبت على ذلك مجموعة متنوعة من النتائج. واعتبر العديد من المراقبين في العلوم، ومنها العلوم الاجتماعية، أنّ العدمية ستكون النتيجة الحتمية. وحينها، صارت الواقعية حديثة Modern حداثية Modernist، وُعُدّت الخيارات الأخرى "ما بعديات"، سواء أكانت ما بعد حديثة، أم ما بعد حداثية، أم ما بعد بنيوية، أم ما بعد وضعية. في مقالة "مشكلة الفاعل - البنية"، احتفى ونت ب "جهود أنصار الواقعية العلمية الذين قلبوا تبعية الأنطولوجيا للإبستيمولوجيا في الاتجاه المعاكس"، وعدّ البنيانية "أنطولوجيا اجتماعية" 11. لكننا، وفي مقالة "الفوضى هي ما تصنعه الدول منها"، نراه وقد وجّه سهام اللوم إلى البنائيين لإنفاقهم "جهدًا هائلًاعلى الأسئلة المتعلقة بالأنطولوجيا"؛ وأنهم لا بد من أن يتعلموا "الرؤية عبر دخان الإبستيمولوجيا وحرارتها" 12. وفي السنوات الخمس ما بين مقالَتَي ونت المركزيَتيَن، اشتعلت "النقاشات الإبستيمولوجية بين الحداثيين وما بعد الحداثيين" 13 في حقل العلاقات الدولية. وحينما لمح ونت الخطر قاب قوسين، جنح إلى الأمان الذي يقدّمه العلم الحديث.
بالنسبة إلى ونت، يتكشّف الخطر في إنكار ما بعد الحداثة مزاعم اتّسام العلم بالموضوعية، ونقدها اعتماده على نظرية المطابقة بين الواقع والحقيقة. وأحسب أنّ الرجل ما أدرك تمامًا المدى والخطورة اللذين يطرحهما مثل هذا التحدّي، والخطر المتأّت يمن نقاش الإبستيمولوجيا إلا حين قرأ كتابي عالٌمٌ من نصعنا، وقدّم له مراجعة عام 1991. وكانت قدمه قد ولجت في مكمن الخطر فعلًا مثلما أعتقد؛ ولقد فعل ذلك في اللحظة التي استخدم فيها مصطلح "معاني" لربط مبدَأ يه في البنائية. لتوضيح ذلك، اسمحوا لي بأن أشرح
كيفية تعامل بيرغر ولوكمان مع هذه الخطوة المحفوفة بالمخاطر في كتابهما، البناء الاجتماعي للواقع. يمكن أن يعني الواقع أشياء كثيرة. وبالنسبة إلى مؤلَفَي الكتاب، فإن الواقع المقصود هو "عالم الإدراك السائد Commonsense الذي يميّز الحياة اليومية"؛ إن المعرفة المتأتّية من الإدراك السائد "تشكل نسيج المعاني الذي من دونه لا يمكن أن يوجد مجتمع" 14. وحالما "ُيُبنى المجتمع بوساطة نشاٍطٍ يعّب رعن معنى ذاتي[...]يمكن حينها طرح السؤال المركزي في النظرية السوسيولوجية على النحو التالي: كيف يمكن أن تصير المعاني الذاتية وقائع موضوعية؟" 15. والإجابة المختصرة ههنا هي أنّ الناس، بوصفهم كائنات اجتماعية، يتبادلون الإشارات (الإيماءات والرموز والكلمات) للتعبير عن "معانيهم الذاتية:" في حالة التفاعل وجهًا لوجه، تمتلك اللغة صفةً متأصّلةً من المعاملة بالمثل تميّزها من أي نظام إشاراٍتٍ آخر. إذ يمكن الإنتاج المستمر للإشارات الصوتية في المحادثة أن يتزامن بدقة مع النيّات الذاتية المستمرة للمتحدثين. فأنا أتكلم على نحو ما أعتقد، وكذلك يفعل شريكي في المحادثة. ويسمع كلانا ما يقوله كٌّلٌ منا في اللحظة نفسها تقريبًا، ما يجعل الوصول المستمر والمتزامن والمتبادل إلى ذاتية كٍّلٍ منا أمرًا ممكنًا، وهو تقارٌبٌ بينذاتي في الوضع المباشر وجهًا لوجه لا يمكن أي نظام إشارات آخر أن يكرره. وعلاوة على ذلك، فأنا أسمع نفسي بينما أتحدث؛ حيث صارت معاني الذاتية متاحة لي بصورة موضوعية ومستمرة وصارت، بحكم الواقع، "أكثر واقعية" بالنسبة إلّي 16. لا بدّ لي من أن أشير إلى ثلاث مسائل يتضمّنها هذا المقطع اللافت للانتباه. أولاها أنّ تركيزه منصبّ على الحياة اليومية؛ وثانيتها أنه يعُّدُ الكلام حاسمًافي منح الظواهر الذاتية معنى موضوعًّيًا؛ وثالثتها أنه ينصّ على أن المحادثة تقتضي "تقاربًا بين الذوات." فالعمليّة تجري على نحو أفضل حين تكون ذاتيتا الطرَفيَن قريبتين بدرجةٍ كافية من رؤية إيماءات إحداهما للأخرى، وتسجيل نبرة الصوت، وتأويل لحظات التردد والصمت، وطلب التوضيحات، وما إلى ذلك. لكنّ القرب المادي لا يشكل الانشغال الرئيس لدى بيرغر ولوكمان وهما يستخدمان مصطلح "البينذاتية"؛ إذ نقرأ لهما النص التالي: "بالنسبة إليّ، أرى واقع الحياة اليومية على أنه عالم بينذاتي أتشاركه مع آخرين. وهذه البينذاتية تقيم تمييزًا حاًّدًا ما بين الحياة اليومية والحقائق الأخرى التي أعيها" 17. إن البينذاتية ههنا هي "تشاُرٌُكٌ "، و"عالٌمٌ"، وليست محض وصٍفٍ موضوعي لشخَصيَن أحدهما على مقربة من الآخر. في رأيي الخاص، لجأ المؤلفان هنا إلى فكرة حدوث تحُّوُل مضمر في المعاني؛ حيث يصير التبادل بين الذوات وضعًا ذاتيًا مشتركًا. أما عن كيفية حدوث ذلك، فلا يقدم المؤلفان شرحًا؛ لأنّ ذلك (وهذا في رأيي الخاص أيضًا) لا يحدث. فنحن حين "نتشارك" المعاني، عبر اللغة بصورة رئيسة، فإننا نثق بوجود إدراك عامّ لما (نعتقد) أننا نعنيه، ينتقل عبر ما نقوله نحن (والآخرون)، وما قلناه في السابق، وما سنستمر في قوله. هذا هو حالنا في الغالب ونحن نتعامل في خضمّ شؤوننا المشتركة في الحياة اليومية، مثلما يشير بيرغر ولوكمان على الأقل؛ إذ كلما قَّلَت "معرفتنا" بشركائنا في الكلام، زادت احتمالية إسباغنا معانَيَ متباينة لما يُقال. ويزيد التباين بزيادة عدد الناس ودرجة قربهم منّا. ويزيد أيضًا حين يقَّدَم الكلام في شكل مكتوب، أو حين يتُرَجَم من لغة إلى أخرى. بل إن اللغة نفسها متعددة المعاني؛ إذ تتكاثر الاستعارات في كل لغة، وتتيح كل لغة العديد من المعاني المتداخلة أو غير المتسقة لما نقوله. لم يكن بيرغر ولوكمان وحدهما، من بين علماء التفاعل الرمزي، ممّن تناولوا البينذاتية. ثمة مصدر أساس يمثله عالم الفينومينولوجيا إدموند هوسرل، وقد أطلق عليها عبارة "حالة ما قبل الإخبار" Condition Pre-Predicative. يعتمد الإخبار على اللغة، لأن إمكانية معرفة ما نتشاركه من دون اللجوء إليها هو أمر يتجاوزني (مثلما ذكرُت في كتابي) 18. وحتى نكون منصفين، فإنّ بيرغر ولوكمان أدرَكَا أن الكلام هو الوسيط الذي يصير من خلاله مفعول البينذاتية نافذًا، لكنهما فشلا في إدراك أن الكلام يمدّ مفهوم البينذاتية بمعاٍنٍ متعددةٍ سمُتُها عدم التوافق. لا يسعني إّل اأن أستنتج أن البينذاتية هي حشٌوٌ فضفاض مراوغ مخادع (واسمحوا لي بأن أستخدم هذه الاستعارات العاميّة الإنكليزية 19). فالمعاني لا يمكن تحديدها ولا إقرارها بصورة نهائية؛ ولا يمكن ضبط معنى المعاني، والذاتية سيدة الموقف. ومثلما يفترض بيرغر ولوكمان، ثمّة العديد من صنوف الواقع التي يعيها كٌّلٌ منّا، وهي مختلفة متباينة حتى ونحن نعُّدُها متشابهة. وخلاصة القول إنّ ونت، وهو يغرف من التفاعل الرمزي معلنًا عن مبدأيه في البنائية، ولج في متاهة مفهومية ليس لها منفذ.
في مقالة "مشكلة الفاعل-البنية"، وضع ونت 20 "الضرورات الموضوعية" في مقابل "المصالح الذاتية"؛ لكنه فعل ذلك بطريقة عابرة، من دون أن يأتي على ذكر البينذاتية. وفي مقالة "الفوضى هي ما تفعله الدول منها"، أشار إليها مرات قليلة، إحداها حين قَرَن بينها وبين "المعاني" في قوله: "عملية إرسال الإشارات والتأويل والاستجابة هذه تستكمل 'فعلًااجتماعيًا' وتشرع في عملية خلق معاٍنٍ بينذاتية" 21. وتبدو ههنا إفادته من برغر ولوكمان واضحةً جلية؛ على النحو الذي توضحه بقية الفقرة. ثم إنه، في موضع آخر من المقالة نفسها، فضّ ل استخدام عبارات مثل "المعاني الجماعية" 22 و"المعرفة الجماعية" 23. لكنه لم يوضح في أيّ وقت من الأوقات ما كان يقصده ب المعاني أو البينذاتية. بل ناقش الهوية معظم الوقت، ومنها "الهويات الجماعية" و"هويات الدولة." لقد عَّدَ على الدوام أنّ التجسّد الموضوعي للذاتية عملية معطاة. بعد ذلك بعامين، في مقالة مهمة أخرى، نجد ونت قد استخدم اللغة نفسها؛ يقول: "الهويات الاجتماعية هي مجموعات من المعاني التي ينسبها الفاعل إلى نفسه وهو يتخذ منظور الآخرين، أي بوصفه موضوعًا اجتماعيًا"؛ "تمنح البنى البينذاتية معنى للبنى المادية، وبحسب المعاني يتصرف الفاعلون"؛ "يتشكل العالم الاجتماعي عبر المعاني والدلالات المتشاَرَكة، والتي يمكن التلاعب بها من خلال الممارسات الخطابية" 24. إن مصطلح الهوية وحده حظي بالتعريف الدقيق من ونت، حيث يقول: "تمتلك الهويات الاجتماعية خصائص بنيانية فردية واجتماعية، وهي خرائط إدراكية في الوقت نفسه تمِّكِن الفاعل من تحديد 'من أنا/ نحن' في موقٍفٍ ومواقع داخل بنية قوامها أدوار اجتماعية تستند إلى فهوٍمٍ وتوقعاٍتٍ متشاركة" 25. أما كيفية التنقل من ال "أنا" إلى ال "نحن"، ومن "بنية الدور" إلى "الفهوم والتوقعات المتشاركة"، فلا يجري تفسيرها. ثم جاء التوضيح في صفحات كتاب ونت الموَّسَع، نظرية اجتماعية، حيث Social Theory of International Politics للسياسة الدولية وردت إحالته على البينذاتية في عجالة سريعة؛ وذلك في قوله: "أعتقد أن المعرفة المتشاركة تعادل تلك 'الفهوم البينذاتية' التي يفضلها البنائيون" 26؛ أما مشكلة الانتقال من عدٍدٍ من الفهوم الذاتية إلى المعرفة العامة فقد أزيحت جانبًا وببساطة. ولم يواجه ونت المشكلة مباشرة إّل افي محاولته تحديد معنى كلمة "معنى" أخيرًا؛ ذلك أن "النظريات المرجعية"، ومعها نظرية ونت نفسه، "تمنح أهميةً للكيفية التي يتحَّدَد بها معنى مصطلحاٍتٍ من مثل 'كلب' أو 'دولة"' 27. ربما اعتقد المرء أن مثال الكلب سيكون الحالة الأسهل. ويؤول بنا النقاش الموسّع الذي يقدّمه ونت إلى استنتاَجيَن لا يمكن التوفيق بينهما: الكلاب هي كلاب لأننا نقول ذلك، أو الكلاب تشكّل نوعًا طبيعيًا من الأشياء في العالم. في الحالة الأولى، يرتبط ما نعنيه عندما نقول "كلب" بالسياق على الدوام، والسياق ليس ثابتًا البتّة. وفي الثانية، يتطابق المعنى والحقيقة في نهاية المطاف حالما نتخلص من أخطاء التصنيف (فإذا كانت الكلاب ثدييات مستأَنَسة، فإن تسمية الكلاب البرية الأفريقية بأنها "كلاب" هي أحد هذه الأخطاء)، ومن الاستعارات المضللة (كقولنا: أنا مرهق dog-tired I'm.) وهنا، يصطفّ ونت، بواقعية أيضًا، إلى جانب الأنواع الطبيعية والمعاني الحقيقية، فيقول: "لا يمكن أن تتكاثر الكلاب مع القطط بقطع النظر عن كيفية تصنيفنا لها. وهو ما يخبرنا شيئًا عن طبيعتها" 28. أما معنى Stateفأكثر إشكالية. فاللغويون يميزون بين "الأسماء المعدودة" Nouns Count و"الأسماء غير المعدودة" Nouns Mass. إنّ الكلب هو اسم معدود وهو ما يجعل مثال الكلاب الحالة الأسهل (نسبيًا) في تحديد المعاني؛ إذ يمكننا أن نقرر ما إذا كان أي كلٍبٍ مفترٍضٍ يُعُّدُ كلبًا (أي إنه ينتمي إلى النوع الذي نطلق عليه "كلاب)"، ثم يمكننا بعد ذلك تحديد أي نوع من الكلاب هو. أما الَّشَ عر و الشعب والحالة State الحالة الراهنة (كما في affairs of State) فهي أسماء غير معدودة نماذجية؛ بحيث إننا نتعامل معها بوصفها كلّيات. وتسير الدولة (كما في الكيان الترابي ذي السيادة) و الأمة State في الاتجاهين اعتمادًا على السياق. أما كلمة شعب فقد تحولت في الآونة الأخيرة إلى اسم معدود؛ كما في عبارة: "نحن شعوب الأمم المتحدة"، الواردة. و السيادة في ديباجة ميثاق الأمم المتحدة الذي صيغ عام 1945 اسم غير معدود مثلما يبدو واضحًا جدًا. أما كلمة معنى فهي في حدّ ذاتها لغٌزٌ محّي ر: بالنسبة إلى الواقعيين، على الأقل، "المعنى" بصيغة المفرد هو اسم غير معدود له معنى حقيقي واحد؛ وفي صيغة الجمع هو عالم من الأنواع المحَّدَدة والمعاني
التي توافقها. أما بالنسبة إلى ما بعد الحداثي المناهض للواقعية مثليي، فإن كلمة "معنى" بوصفها اسمًاغير معدود ليست متجانسةً؛ والأنواع مؤقتة على الدوام، والمعاني محلّ مشاحّة دومًا. أنا أفترض أن السيادة (بوصفها اسمًاغير معدود) فريدة من نوعها ولا تخضع للمقارنة ضمن النوع الذي تنتمي إليه، وليست لها هوية جاهزة؛ وتكتنفها ظلال كثيرة من المعنى، إلى حدّ أنّه لا أحد منّا يجزم على وجه الدقة بما نعنيه عندما نستخدم هذا المصطلح. وهذه هي في الغالب حال الأسماء غير المعدودة التي فقدت خصوصيتها المرجعية الملموسة. فإذا كنا نظن أننا نرى "الَّشَعر" على حقيقته، فنحن لا نشعر بمثل هذا التصور حين نسمع كلمة "سيادة"؛ ولذلك، ما زلنا مستمرين في الكتابة عن معناها.
إنّ ما فعله ونت في مقالة "الفوضى هي ما تصنعه الدول منها" هو التالي: لقد خصّ "مؤسسة" السيادة بنقاش طويل ومسهب 29، وهو أمر يتطلّب النظر المسبق للمؤسسة بوصفها مفهومًا متعدد الأشكال في حقل العلاقات الدولية. وهذا عمل لا تعرف له نهاية؛ والسبب الدقيق ههنا هو أنّ اللغة تظل مهمة جدًا في هذا الصدد. لكن ونت لم يبُدُ على استعداد لمنحها ما تستحقه من أهمية: فالفاعلون لديه لا يتكلمون، والمحادثة لا تتيح البتّة مج لًالإنشاءٍ مشترٍكٍ للمعنى؛ إنه يجادل بإسهاب في هذا وذاك، لكن الناس لا يفعلون ذلك. فلا يستطيع ونت أن يخبرنا كيف يجعل الناس (بصورة ذاتية) العالم على النحو الذي يعتقدونه (بصورة موضوعية.) لذلك، فمفهوم البينذاتية هنا لا مفعول له، ولا أحسب أن ونت فكّر فيه يومًا على الرغم من إعلانه أنه يتبنى خيار التفاعلية الرمزية. ربما كان في وسع ونت أن يجد ضالّته في التحوّل نحو اللغة، غير أنّ هذا المنعطف محفوف بالمخاطر. وبدلًا من ذلك، تشبّث بالأنطولوجيا الواقعية التي ترى أن اللغة تتعلق بالتمّثلّات لا بالأداء؛ أي لا تتدخّل مباشرة في البناء الاجتماعي. وفي مثل هذا الخيار، يتحوّل المعنى إلى اسم معدود. وقد نلاحظ بعض هذا الموقف لدى ونت لو أعدنا استذكار مقالة "الفوضى هي ما تصنعه الدول منها" مرة أخرى، لكنه لن يكون واضحًا تمامًا؛ لأنّ الرجل صنّف فيه البنيانية والتفاعل الرمزي ضمن التقاليد "الحداثية" أسوةً بتصنيفه لنفسه أيضًا 30. وإنّه اَلدّعاء خادع، إذ يمكن علماء ما بعد الحداثة أن يستعينوا بالبنيانية (مثلما فعلُتُ أنا في كتابي)؛ كما أنّ التفاعل الرمزي صالح في الاتجاهين (مثلما أوضحُتُ من قبُلُ.) ثم إنّ ولاءاته في كتابه قد انجلت بوضوح حين اختار السلامة أولًا. تمثّل مقالة "الفوضى هي ما تصنعه الدول منها" علامة فارقة، في مسار الحركة البنائية في العلاقات الدولية، بل في الحقل برمّته؛ إذ إنها تُعدّ أكثر دراسة في دورية اسُتُشهد بها في تاريخ الحقل (أكثر من 10000 مرة، وهو ما يمثّل، وفقًا لمحرك غوغل الأكاديمي Scholar Google، ثلاثة أضعاف عدد مرات الاستشهاد الخاصة بمقالة "مشكلة الفاعل - البنية.)" بل يمكنني أن أشهد شخصيًا على التأثير المباشر الذي أحدثته مقالة ونت المنشورة عام 1992؛ إذ إنها أسهمت في تقديم البنائية إلى العديد من الباحثين أكثر مما فعل كتاب عالم من نصعنا على الإطلاق. وانتهى نشُرُ المقالة في أكثر دوريةٍ رائدة في هذا الحقل، وفي توقيت حاسم، إلى إضفاء الشرعية على الحركة البنائية ومنحها زخمًا. وبعد فترة وجيزة، انضمت البنائية إلى الواقعية والليبرالية بوصفها تشكل معًا الركائز الثلاث في نظرية العلاقات الدولية 31، وعزز كتاب ونت المنشور عام 1999 تحُّوُل البنائية من حركة هامشية إلى سمة مميزة للحقل، اليوم وفي المستقبل المنظور. كيف نفسر هذا النصر العلمي المظَّفَر؟ إذ إن ونت، عام 1992، لم يكن باحثًا كبيرًا يحظى بمثل المنزلة المرموقة التي بلغها اليوم ولا العدد الكبير من المتابعين. كما أن المقالة ليست سهلة بالنسبة إلى المبتدئين أو الأكاديميين الذين ليست الإنكليزية لغتهم الأولى. علاوة على ذلك، نادرًا ما تُستحضر المبادئ الأساسية في بنائية ونت، والتي أعاد الاشتغال بها في مقالة أخرى لتصير ثلاثة "افتراضات أساسية" 32. ويكمن "مفتاح الجواب" المتاح هنا في أنّ التوقيت كان له الدور الأكبر؛ إذ غّي رت نهاية الحرب الباردة كل شيء، فقفزت البنائية من
الظل حين أدرك الباحثون الشباب على وجه خاص أنّ الواقعية فشلت في توقّع نهاية النظام القديم، وأن الليبرالية قدّمت للمستقبل رؤية هزيلة. لقد منحت البنائية الاجتماعية وعدًا بطريقة أفضل للنظر إلى سياسة القوة Politics Power، وهذا بالضبط ما وعد به ونت في العنوان الفرعي لمقالته الصادرة عام.1992 يمكن إضافة الكثير في هذا الصدد أيضًا. ومثلما ذكرت آنفًا، فإنّ مقالة "الفوضى هي ما تصنعه الدول منها" هي حافة جرٍفٍ هاٍرٍ يسير بجمهوره من الباحثين الشباب إلى حافة منحدر إبستيمولوجي ثم يتراجع قافلًا. لطالما عدّ معظم الواقعيين النقاشات الإبستيمولوجية سخيفةً ومشتّتةً للانتباه 33. وربما اعتقدنا أنّ ونت كان يستهدف الواقعية حين صاغ أحد الأقسام الفرعية في مقالته بعنوان "الفوضى وسياسة القوة". ليس الأمر كذلك! بل إنّ ونت Anarchy and Power Politics34 في هذا القسم يمهد الأرضية لنقاش "التحول المؤسسي لسياسة القوة" Institutional Transformation of Power Politics في القسم الفرعي الذي يليه مباشرة 35. وهكذا استبقت الواقعيُةُ الليبراليَةَ التي تَلَتها مباشرة. وأرى أنّ جمهور ونت المستهدف كان يتألف من باحثين شباب ذوي ميول ليبرالية مثله؛ وهو الجيل الجديد الذي صقَلَْتْه الأحداث لا النقاشات. ربما يستذكر القرّاء مقطعًا من مقالة ونت اقتبسُتُه آنفًا يقول: "هدفي في هذه الدراسة هو بناء جسر[...]امتدادًا للادعاء الليبررالي القائل إن المؤسسات الدولية يمكنها تحويل هويات الدولة ومصالحها" 36. وهكذا يسير بنا هذا الجسر، ويسير بالبنائية، إلى عالم جديد يمكن أن يعتنقه الليبراليون أخيرًا. سأقدّم دليلًاآخر دقيقًا إلى حٍّدٍ ما على أنّ هدف ونت كان إعادة بناء التنظير الليبرالي؛ إذ يخبرنا عنوان مقالته الشهيرة أن الفوضى هي ما تصنعه الدول (أي فاعلو الدول) منها What States Make of it، ولا يقول إن الفوضى هي ما تصنعه الدول.What States Make It وفي اللغة الإنكليزية، الُّصُنع Making هو بناء؛ فيكون البناء الاجتماعي صنعًا للعالم World-making. وحين أستخدم سؤال: ما الذي نصنعه، أنا أو شخص آخر أو نحن، من ما نصعناه كلّنا معًا (أو سنصنعه أو ينبغي أن نصنعه)، فقد نقلُتُ مفردات الخطاب من ما تفعله Do الكلمات إلى ما تقوله Say نفعله الكلمات بشأن ما Do نحن. يحب الليبراليون في مجال العلاقات الدولية حديث الأفكار؛ لأن الأفكار تمكّنهم من دمج شواغلهم المعيارية فيها. لذلك، فَْلْتنتقل الأفكار الراديكالية عن صنع العالم World-making إلى الأطراف حيث كانت طوال الوقت؛ ويمكن أن يمضَيَ غلُاة ما بعد الحداثة قُدمًا والزهو على حافة الجرف الإبستيمولوجي حيث ينتمون؛ وْلْتمتلئ صفحات الدوريات العلمية والكتب بسجالات لا تنتهي عن الهوية والمعايير. بذلك، أفسح ونت لليبرالية مكانًا في حقل العلاقات الدولية، فأحال هذا الحقل مكانًا آمنًا للباحثين الليبراليين. وإنه ل إنجاز رائع بالكلّية. وإذا ما اتفقنا على أن ونت لم يكن بمفرده في التمكين لهذا الإنجاز، فلن يكون يسيرًا أن نتخيل إمكانية حدوث ذلك كله لولا الدفعة التي أنجزتها مقالة "الفوضى هي ما تصنعه الدول منها." وهذا لعمري مّما يُعدّ بحقّ صُنعًا للعالم.World-making
المراجع
Berger, Peter & Thomas Luckmann. The Social Construction of Reality: A Treatise in the Sociology of Knowledge. London: Penguin Books, 1967. Gilpin, Robert G. "The Richness of the Tradition of Political Realism." International Organization. vol. 38, no. 2 (1984). Keohane, Robert O. "International Institutions: Two Approaches." International Studies Quarterly. vol. 32, no. 4 (1988). Onuf, Nicholas Greenwood. World of Our Making: Rules and Rule in Social Theory and International Relations. Columbia: University of South Carolina Press, 1989. Onuf, Nicholas. The Mightie Frame: Epochal Change and the Modern World. New York: Oxford University Press, 2018. Walt, Stephen M. "International Relations: One World, Many Theories." Foreign Policy. no. 110 (1998). Wendt, Alexander E. "The Agent-Structure Problem in International Relations Theory." International Organization. vol. 41, no. 3 (1987). __________. "Anarchy Is What States Make of It: The Social Construction of Power Politics." International Organization. vol. 46, no. 2 (1992). __________. "Collective Identity Formation and the International State." American Political Science Review. vol. 88, no. 2 (1994). __________. Social Theory of International Politics. Cambridge: Cambridge University Press, 1999.