الأمن من منظور بنائي: الأمن هو ما تصنعه الدول منه

Abdennour Benantar عبد النور بن عنتر |

الملخّص

This study analyses the constructivist perspective of security and establishes the constructivist contribution to security studies, particularly in terms of the conventional and critical constructivist approaches, arguing that constructivism has constituted an intellectual turning point. It demonstrates how constructivism, or rather constructivisms, has enriched and developed the concept of security and security studies on three levels. First, it approaches security as socially constructed and intersubjective. Second, it has undertaken a critical revision of major rationalist concepts, notably anarchy and the security dilemma. Third, it has introduced concepts of identity, interests, and norms to the field of security studies. However, there are shortcomings in the constructivist contribution on identity and security, in addition to inter-constructivist disagreements, which have prevented the evolution of a clear theoretical framework, even within critical constructivism, which has made the most innovative contributions to the field. The study concludes that constructivism has not formulated a distinct theory of security. However, its innovative contributions and its role as a theoretical reference point for new approaches to security constitute a constructivist perspective within International Relations. Both critical and non-critical strands of the new security approach have developed security theories grounded in constructivist insights. This constitutes the central theoretical achievement of constructivism in the field of security studies.

Security from a Constructivist Perspective: Security Is What States Make of it

تتناول هذه الدراسة مسألة الأمن من منظور بنائي، محوالة تحليل إسهامات البنائية وتوضيحها، لا ل المنعطف البنائي نقلتها الفكرية سيما التقليدية والنقدية، في الدراسات الأمنية، والتي شّك. توبيّن أن البنائية، أو بالأحرى البنائيات، أسهمت في إثراء مفهوم الأمن والدراسات الأمنية عمومًا وتطويرها على ثلاثة صُ عد. يتمثل الأول في مقاربتها الأمن بوصفه بمنيا اجتماعيًا وبنيذاتيًا. ويتمثل الثاني في مراجعتها النقدية لمفاهيم المقاربات لاعقالنية المركزية، وتحديدًا مفهومي الفوضى والمعضلة الأمنية. ويتمثل الثالث في إقحام البنائية مفاهيم أساسية في دراسة الأمن؛ هي الهوية والمصالح والمعايير. بيد أن هذه الإسهامات تعاني بعض القصور لا سيما فيما يتعلق بالهوية والأمن، فضلًا عن الخلافات البنائية البينية التي حالت دون وجود إطار نظري بنائي واضح، وإن كانت البنائية النقدية أكثر إهسامًا وتجيددًا في الدراسات الأمنية على عكس البنائية التقليدية. توصلت الدراسة إلى اس نتتجا أساسي مفاده أن البنائية لم تقدّم نظرية في الأمن قائمة في حد ذاتها، بيد أن إسهاماتها المبتكرة، وكونها مرجعية نظرية لمقاربات الأمن الجديدة، تؤكد وجود منظور بنائي للأمن في نظريات لاعالقات الدولية، حيث طوّرت مقاربات الأمن الجديدة، بطيفيها النقدي وغير النقدي، نظرية في الأمن ذات مرجعية بنائية. وهنا يكمن إنجاز البنائية النظري الأهم في الدراسات الأمنية. كلمات مفتاحية: البنائية، الأمن، الدراسات الأمنية، الفوضى، المعضلة الأمنية، البنية، الفاعل، الهوية، المصالح، المعايير.

Keywords: Constructivism, Security, Security Studies, Anarchy, Security Dilemma, Structure, Agent, Identity, Interests, Norms.

مقدمة

تتأسس المواقف النظرية في حقل العلاقات الدولية على ثلاث فئات من الافتراضات: 1. الأنطولوجية؛ أي نظرية الكائن، "ممّ يتكون العالم؟ وما المواضيع التي ندرسها؟"، 2. الإبستيمولوجية؛ أي نظرية المعرفة، "كيف نتوصل إلى تكوين معرفة حول العالم؟"،.3 المنهجية؛ أي نظرية المنهج، "ما المناهج التي نستخدمها لاستكشاف المعطيات والأدلة؟." وعلى أساس هذه الافتراضات، قد "يرى" الباحثون العالم بطرائق مختلفة: أنطولوجيًا من ناحية مجالات الموضوعات، وإبستيمولوجيًا من ناحية قبول ادّعاءات معرفية معيّنة أو رفضها، ومنهجيًا من ناحية اختيار مناهج معيّنة للدراسة  1. وعلى هذه الأسس الثلاثة (الأنطولوجية والإبستيمولوجية والمنهجية)، ارتكزت مراجعة مقاربات الأمن الجديدة لافتراضات المقاربات التقليدية، مُْقِْدِمةً على مراجعة معمّقة للأمن: تعميق المفهوم، وتوسيع القطاعات، وتنويع الموضوعات المرجعية، مع فروق متفاوتة داخل هذه المقاربات الجديدة وبينها  2. وتعكس هذه المراجعة مدى الانقصاف النظري، في حقل العلاقات الدولية، بين أهل التفسير (العقلانيون) وأهل الفهم (التأمليون)، المترتب على التضادّات الإبستيمولوجية والأنطولوجية في الحقل. تأثرت الدراسات الأمنية كثيرًا، على غرار نظريات العلاقات الدولية، بالمنعطف البنائي، إلى درجة يمكن القول معها إنه لولاه لما شهدت هذه الدراسات الزخم المعرفي الذي عرفته منذ نهاية الحرب الباردة. فقد تأسست المقاربات الأمنية الجديدة (نستخدم هذه العبارة للإحالة إلى الدراسات الأمنية النقدية وغير النقدية)، في إطار مشروع إعادة مَْشَْكَلة مفهوم الأمن وفحص معانيه، على صعيَدَي النظرية والممارسة، على مقاربة الأمن وفق منظور بنائي: الأمن ظاهرة مبنيّة اجتماعيًا وبينذاتية. وانخرط في هذا المشروع عدد هائل من الباحثين المنتمين إلى مقاربات مختلفة، نقدية وبنائية خاصةً، ما أثرى هذا الحقل الفرعي بفيض هائل من الأدبيات التي عمّقت النقاشات والإسهامات النظرية، لكنّ هذه الحركة المعرفية أفرزت أيضًا اختلافاٍتٍ كبيرةً حول مفهوم الأمن داخل المقاربات وبينها 3. ولا يسعنا إلا أن نذكّر، في هذا الصدد، بمقولة ستيف سميث: "مفهوم الأمن ساحة معركة في ذاته ولذاته" 4. ظلّت النقاشات بشأن طبيعة الواقع الدولي وكيفية مقاربته تشهد، منذ ثلاثة عقود ونيف، سج لًابين معسكرين: العقلانية (الواقعية الجديدة والليبرالية الجديدة)، والتأملية (ما بعد الحداثة، وما بعد البنيوية، والنظريات النقدية، والنظريات النسوية)، بيد أن هذه النقاشات تركّزت تدريجيًا في البنائية وتأثرت بها 5، على الرغم من نظر المقاربات السائدة (العقلانية) إلى هذه الأخيرة بكثير من الشك  6. فأول مرة، منذ أن تربّعت المقاربات العقلانية (ذات الأنطولوجيا المادية والإبستيمولوجيا الوضعية) على عرش التنظير في العلاقات الدولية، تظهر مقاربة على درجة عالية من القدرة التفسيرية في إمكانها هزّ بعض أسس المقاربات العقلانية، وهذا بغضّ النظر عن حدود البنائية وانقساماتها الداخلية (الإبستيمولوجية وحتى الأنطولوجية) من ناحية، وصمود المقاربات التقليدية في وجه المقاربات التأملية (ذات الأنطولوجيا الاجتماعية والإبستيمولوجيا المناوئة للوضعية) من ناحية أخرى. تستند البنائية إلى ثلاث مسّلمّات أساسية: 1. العالم مبنيّ اجتماعيًا من خلال عملية تفاعل بينذاتية، 2. البناء المتبادل بين الفاعلين والبنى،.3 أهمية العوامل المتعلقة بالأفكار Ideational أو غير المادية (مثل الأفكار والمعايير والهويات وغيرها.) وتسعى البنائية ل "تفسير العمليات التي يتشكّل أو يتكوّن من خلالها العالم السياسي وكيفية وصول الفاعلين إلى فهم مصالحهم على النحو الذي يفهمونها به، وكيف عليهم أو قد يتعين عليهم أن يتفاعلوا مع فاعلين آخرين." وعلى الرغم من أهمية المنعطف البنائي، فإن البنائية "ليست نظرية للعلاقات الدولية أو للأمن بقدر ما هي نظرية اجتماعية أوسع تساعد في دراسة الأمن" 7. ويرى تيد هوف أن البنائية في إمكانها أن

  1. Milja Kurki & Colin Wight, "International Relations and Social Science," in: Tim Dunne, Milja Kurki & Steve Smith (eds.), International Relations Theories: Discipline and Diversity , 5 th ed. (Oxford: Oxford University Press, 2021), p. 15.
  2. Abdennour Benantar, Sécurité et immigration: Réflexions sur les études (critiques) de sécurité et l'Ecole de Copenhague (Oran: Editions Ibn Nadim, 2024), p. 9.
  3. Ibid., pp. 9-11.
  4. Steve Smith, "The Contested Concept of Security," in: Ken Booth (ed.), Critical Security Studies and World Politics (Boulder: Lynne Rienner Publishers, 2005), p. 57.
  5. Emmanuel Adler, "Seizing the Middle Ground: Constructivism in World Politics," European Journal of International Relations , vol. 3, no. 3 (September 1997), pp. 319-320.
  6. Ted Hopf, "The Promise of Constructivism in International Relations," International Security , vol. 23, no. 1 (Summer 1998), p. 172. يعزو هوف هذا الشك الواقعي إلى الاعتقاد الخاطئ أن البنائية بالضرورة ما بعد حداثية ومناوئة للوضعية؛ وأنها مترددة بشأن ما إذا كان في إمكانها الاندماج في مناهج العلوم الاجتماعية التي تعمل بها المقاربات السائدة من دون التضحية بتميّزها النظري؛ وأنها نتيجة هذا التضارب، فشلت في تطوير برنامج بحثي بديل، ينظر: 171 p..Ibid.,
  7. Matt McDonald, "Constructivisms," in: Paul D. Williams & Matt McDonald (eds.), Security Studies: An Introduction , 4 th ed. (London: Routledge, 2023), p. 53.

تقدّم تفسيرات بديلة من تفسيرات المقاربات المهيمنة في العلاقات الدولية، فيما يتعلق بالفوضى، والتعاون، والمعضلة الأمنية، وتوازن التهديد، وميزان القوى والسلام الديمقراطي، بالاعتماد على أدواتها المفهومية الخاصة بها، لا سيما دور الهوية في السياستين الدولية والداخلية، ودور الثقافة في السياسة الدولية 8. وعملت البنائية فعلًا على إظهار ذلك، إذ واجه تركيُزُ المقاربات التقليدية على القوة والأمن في السياسة الدولية عمومًا، والدراسات الأمنية خصوصًا، تحديًا كبيرًا من المقاربات المستندة إلى العوامل المتعلقة بالأفكار، وخاصة البنائية التي تنطلق من مسلّمة البناء الاجتماعي، مرِّكِزةً على الأفكار والمعايير المحَّدَدة بينذاتيًا، والهوية والبنى الاجتماعية وتأثيرها في سلوك الدول وهويتها ومصالحها. وتنطلق البنائية، في مراجعتها افتراضات المقاربات التقليدية، من فكرة مفادها أن الممارسات الاجتماعية تنتج كل هذه العوامل وتعيد إنتاجها  9. تحاول هذه الدراسة، لتفحص الإسهامات البنائية في الدراسات الأمنية، مناقشة الإشكالية التالية: إلى أيّ مدى راجعت البنائية افتراضات المقاربات التقليدية وساهمت في إثراء حقل الدراسات الأمنية؟ وتعتمد في ذلك فرضية مفادها أن البنائية لم تقدّم "نظرية للأمن"، لكنّ إسهاماتها في الدراسات الأمنية مهمة لأنها تمثّل الرافد النظري الأساسي المشترك للمقاربات الأمنية الجديدة. ولمناقشة الإشكالية واختبار الفرضية، ينظر المبحث الأول من الدراسة في إسهامات البنائية بشأن مراجعة مفاهيم مركزية في الدراسات الأمنية، وتحديدًا الأمن والفوضى والمعضلة الأمنية. وإذا كان مفهوم الأمن عابرًا للمقاربات، فإن الفوضى والمعضلة الأمنية مفهومان واقعيان بامتياز. أما المبحث الثاني فيحلّل الإسهامات البنائية على مستوى الإضافات النوعية التي أتت بها في موضوع الأمن، بالتركيز على مفاهيم تشكّل جوهر الترسانة المفهومية البنائية، وهي الهوية والمصالح والمعايير والبنية والفاعل، في علاقتها بالأمن. ثم تصل الدراسة في خاتمتها إلى استنتاج أساسي مفاده أن البنائية لم تقدّم نظرية في الأمن قائمة في حد ذاتها، بيد أن إسهاماتها المبتكرة وكونها مرجعية نظرية للمقاربات الأمنية الجديدة تؤكد وجود منظور بنائي للأمن في نظريات العلاقات الدولية. يتعين مبدئيًا توضيح مسألتين منهجيتين مهمتين. أولاهما أننا نركز في الأساس على بنائية ألكسندر ونت، ليس ممالأةً لهذا الرافد البنائي وإقصاءً لروافد أخرى، بل اتساقًا مع تصور ملف هذا العدد الخاص من دورية سياسات عربية الذي يناقش حال البنائية بعد مرور ثلاثة عقود ونيف على صدور مقال ونت  10 التأسيسي والمرجعي عن الفوضى والبناء الاجتماعي للسياسة الدولية  11. وثانيتهما أننا نستخدم البنائية بصيغة المفرد مجازًا، فثمة بنائيات عديدة. بيد أن هذا التنوع لا ينسحب على البنائية دون سواها، بل هو خاصية في مقاربات العلاقات الدولية، حتى تلك الأكثر اتساقًا، مثل الواقعية. ونستخدم صيغة المفرد، إذًا، مع الإبقاء في أذهاننا على سمة تنوع الروافد البنائية وتعددها؛ روافد أحصتها مختلف التصنيفات، التي لا يتسع المقام هنا لذكرها ولا لمناقشتها، وإن كان التصنيف الأكثر شيوعًا هو ذلك الذي يميّز بين بنائية سائدة أو تقليدية (ونت أحد أبرز أقطابها) وبنائية نقدية 12؛ تحظى الأولى بشعبية أكبر في الولايات المتحدة الأميركية، بينما تحظى الثانية بشعبية أوسع في أوروبا 13.

أولًا: إسهامات البنائية في مراجعة مفاهيم مركزية

1. الأمن مبنيّ اجتماعيًا وبينذاتيًا

قبل مناقشة مفهوم الأمن من منظور بنائي، يتعّي ناعتماد تعريف إجرائي يكون مدخلًالمناقشة الإسهام البنائي في هذا الخصوص. عمومًا، ثمة صفتان ملازمتان لمفهوم الأمن – لكن لا تنسحبان عليه دون سواه من المفاهيم – هما أنه "ملتبس ومتنازع عليه" 14. فأرنولد والفرز اعتبره ملتبسًا  15، وباري بوزان وصفه بالمتنازع عليه16، مقتبسًا عن والتر غالي مقولته الذائعة الصيت: "المفاهيم المتنازع على

  1. Hopf, p. 172.
  2. Theo Farrell, "Constructivist Security Studies: Portrait of a Research Program," International Studies Review , vol. 4, no. 1 (Spring 2002), p. 49.
  3. 10  ينظر، في هذا العدد، مقدمة المحرر. محمد حمشي، "تقديم: البنائية هي ما يصنعه سياسات عربية، مج البنائيون منها"، 13، العدد 73 (آذار/ مارس.)2025
  4. Alexander Wendt, "Anarchy is What States Make of it: The Social Construction of Power Politics," International Organization , vol. 46, no. 2 (Spring 1992), pp. 391-425; ينظر ترجمة المقال إلى اللغة العربية، في: ألكسندر ونت، "الفوضى هي ما تصنعه الدول منها: سياسات عربية، مج السياسة الدولية بوصفها بناءًاجتماعيًا"، ترجمة سارة إسماعيل، 13، العدد 73 (آذار/ مارس 2025)، ص.152-123
  5. Benantar, pp. 75-76. وينظر في هذا العدد: محمد حمشي، "البنائية في حقل العلاقات الدولية: المدارك والمسالك"، سياسات عربية، مج 13، العدد 73 (آذار/ مارس.)2025
  6. Jeffrey T. Checkel, "Social Constructivisms in Global and European Politics: A Review Essay," Review of International Studies , vol. 30, no. 2 (April 2004), pp. 230-231.
  7. Benantar, p. 111.
  8. Arnold Wolfers, "'National Security' as an Ambiguous Symbol," Political Science Quarterly , vol. 67, no. 4 (December 1952), pp. 481-502.
  9. Barry Buzan, People, States and Fear: An Agenda for International Security Studies in the Post-Cold War Era , 2 nd ed. (New York: Harvester Wheatsheaf, 1991), p. 7.

جوهرها" 17. تتعدد تعريفات الأمن بتعدد المقاربات والباحثين إلى درجة أنه يستحيل إحصاؤها؛ وحتى إن كان ذلك ممكنًا، فلا طائل منها من ناحية القيمة المضافة لاستيعاب المفهوم؛ لأن الأخذ بتعدد التعاريف يقود بالضرورة إلى تمييع المفاهيم. والأصح منهجيًا اعتماد تعريف إجرائي نتخذه أداةً لفهم المفهوم وفحصه، وليس بوصفه تعريفًا جامعًا مانعًا، لأن هذا يتناقض وطبيعة العلوم الاجتماعية. بناء عليه، نتبنى تعريف والفرز بوصفه تعريفًا إجرائيًا؛ وذلك لمسوّغات منهجية وتحليلية، لا سيما أنه يميّز بين البعدين الذاتي والموضوعي للأمن، ما جعله يستبق إشكالية تثيرها المقاربات الأمنية الجديدة. ثمة، عمومًا، نزعة نحو الإجماع في حقل العلاقات الدولية على التعريف الذي وضعه والفرز عام 1952: "بمعنى موضوعي، يقيس الأمن غياب التهديدات للقيم المركزية، وبمعنى ذاتي، يقيس غياب الخوف من تعرض مثل هذه القيم للهجوم" 18. يؤكد والفرز على أهمية التمييز بين الموضوعي والذاتي في العلاقات الدولية، لكنه يقرّ بصعوبة قياس التهديد في سياق العلاقات بين الدول؛ أي استحالة "قياس [خطر هجوم ما] موضوعيًا"، لأن الأمر يخضع دائمًا ل "تقييم ذاتي وتخمينات" 19. ويقول تيري بالزاك إن وجاهة تعريف والفرز تكمن في استجابته لمستلزمات الدراسات الأمنية النقدية، بتغطيته ما تعتبره "مكونات أساسية للأمن، [أي] الطابع التاريخي للموضوع المرجعي وتشابك الخصائص الذاتية والموضوعية للأمن" 20. لكنّ التمييز بين البعدين الموضوعي والذاتي، على أهميته، يظل محدودًا، لأنه، كما يزعم ديديي بيغو، غير كاٍفٍ ليسمح بالتفكير في مسألة "البناء الاجتماعي للتهديد" 21. وبغضّ النظر عن الملاحظات بشأن هذا التعريف22، الذي يحظى بالإجماع في الحقل، فإنه يفيد في التمييز بين نوَعَي التهديدات عند تحليل الآثار الموضوعية المترتبة على تهديد ذاتي. وبتمييزه بين بُعَدَي الأمن، الموضوعي والذاتي، يبدو والفرز بنائيًا قبل الأوان. إن تمييز والفرز بين البعدين الذاتي والموضوعي، الذي يهيكل الأمن وسياسة الأمن على حد سواء  23، تبنّاه بوزان ثم مدرسة كوبنهاغن، بتطبيق المسلّمة البنائية القائلة بالبناء الاجتماعي، وهي المسلّمة ذاتها التي تبنّتها الدراسات الأمنية النقدية  24.

يُعدّ البناء الاجتماعي؛ أي إن الواقع مبنيّ اجتماعيًا، ادعاءً مركزيًا لدى مختلف التيارات البنائية. فعلى نقيض الافتراض العقلاني (المستند إلى إبستيمولوجيا وضعية) القائل إن العلاقات الدولية – والواقع الاجتماعي عمومًا – موجودة خارج أذهاننا؛ أي مستقلة عن الخطاب والتصورات، تحاجّ البنائية بأن العالم مبنيّ اجتماعيًا. ويرى نيكولاس أونوف (يعود إليه الفضل في إدخال البنائية إلى حقل العلاقات الدولية  25) أن "الناس يبنون أو يشكّلون دائمًا الواقع" 26، مؤكدًا أن "البنائية تعتبر أن الناس يصنعون المجتمع، والمجتمع يصنع الناس[...]ولطالما صنع الناس والمجتمع بعضهم بعضًا" 27. ووفق الرؤية البنائية، فإن ما هو محل رهان هو الواقع. وتجادل مايا زحفوس، في هذا الصدد، بأن الأمر يتعلق بكيفية تعاملنا بطريقة ملائمة مع وضعنا بالعلاقة بالواقع: نحن "أصلًا

  1. W. B. Gallie, "Essentially Contested Concepts," Proceedings of the
  2. Wolfers, p. 485.
  3. Ibid.
  4. Thierry Balzacq, Théories de la sécurité: Les approches critiques (Paris: Presses de Sciences Po, 2016), pp. 54-55.
  5. Didier Bigo, "L'Europe de la sécurité intérieure: Penser autrement la sécurité," in: Anne-Marie Le Gloannec (dir.), Entre union et nations: L'état en Europe (Paris: Presses de Sciences Po, 1998), pp. 66-67.
  6. 22  للاطلاع على مناقشة لهذا التعريف، ينظر.Benantar, pp. 108-111: 23  Jef Huysmans, The Politics of Insecurity: Fear, Migration and Asylum in the EU (London: Routledge, 2006), p. 3.
  7. Aristotelian Society , vol. 56, no. 1 (March 1956), pp. 167-198; وللاطلاع على مناقشة معنى المفهوم المتنازع عليه مع الإشارة إلى مفاهيم في العلاقات الدولية، ينظر: 111-113 pp..Benantar,
  8. Benantar, pp. 119-140.
  9. 25  ينظر في هذا العدد، مقدمة المحرر؛ نيكولاس أونوف، "استهلال: ما الذي ينبغي أن سياسات عربية، مج نصنعه من مقالة 'الفوضى هي ما تصنعه الدول منها'؟"، 13، عدد 73 (آذار/ مارس 2025)، ص.28-21
  10. Nicholas Onuf, World of Our Making: Rules and Rule in Social Theory and International Relations (London: Routledge, 2013 [1989]), p. 1.
  11. Nicholas Onuf, "Constructivism: A User's Manual," in: Vendulak Kubálková, Nicholas Onuf & Paul Kowert (eds.), International Relations in a Constructed World (London: Routledge, 2015 [1998]), p. 59.

جزء من واقع لا يمكن وصفه أو فهمه إلا من خلال تفسيراتنا وبالعلاقة مع ممارساتنا، التي هي في الوقت ذاته تكوينية لهذا الواقع" 28. بناءً على مسلّمة البناء الاجتماعي، ليس الأمن، وفق المسلّمة البنائية، والمقاربات الأمنية الجديدة، واقعًا موضوعيًا، بل هو بناء اجتماعي. ويقول، في هذا الخصوص، كارستن لاوستن وأول ويفر (من ممثليي مدرسة كوبنهاغن) إن "الأمن لا هو موضوعي (التهديدات نفسها)، ولا هو ذاتي (مسألة إدراك)، وإنما بينذاتي وسياسي: من يمكنه أن يقرّر ما الذي يُؤمَنَن وبأيّ آثار؟" 29. تتبنى مدرسة كوبنهاغن، شأنها شأن الدراسات الأمنية النقدية، فكرة البينذاتية (وهي مركزية في عملية الأمننة) التي تشكّل فكرة أساسية في التحليل البنائي للواقع الاجتماعي والأمن والفوضى. يتجنب البنائيون تقديم تعريف شامل ومجرد للأمن، مفضّ لين التركيز على كيفية بناء المعنى الذي يضفيه مختلف الفاعلين على الأمن في فترات مختلفة  30. وفيما يتعلق بدراسة الأمن، تستند المقاربات البنائية "إلى افتراضين أساسيين. أولهما أن 'الأمن' و'اللاأمن' فئتان تترتبان على مجال الأنشطة البشرية ويطبّقان عليها؛ وثانيهما، أن العديد من المفاهيم والعمليات والديناميات (البناء الاجتماعي للواقع، والبينذاتية، وتكوين الهوية، والتنشئة الاجتماعية")، التي سبق أن حدّدها بيتر بيرغر وتوماس لوكمان في كتابهما، تنطبق على دراسة مختلف مجالات الحياة الاجتماعية ومنها الأمن. ويذهب المدافعون عن مقاربة نظرية بنائية في دراسة الأمن إلى أبعد من ذلك، إذ "يجادلون بأن دراسة الأمن ليست مجرد مجال يمكن تطبيق رؤى البنائية الاجتماعية فيه، بل ينبغي تطبيقها فيه"، منتقدين تقليل المقاربات التقليدية لدراسة الأمن الدولي من أهمية البناء الاجتماعي أو تهميشها، بل إغفالها أهميتها الحاسمة 31. وفي حين ينصبّ اهتمام البنائية التقليدية على إعادة النظر في مسّلمّات المقاربات الأمنية التقليدية، وليس على "الطعن فيها على نحو أساسي"، متطلعةً إلى "برنامج بحثي محايد تحليليًا" يعمل بالافتراضات الأساسية لنظريات العلاقات الدولية السائدة عمومًا والدراسات الأمنية التقليدية خصوصًا، القائلة إنها مسلّم بها؛ تقترح البنائية النقدية تصورات أشد نقدية ووضوحًا بشأن البناء الاجتماعي للأمن واللاأمن والتهديد  32. ترتكز يوتا والدز وزملاؤها، في كتابهم الجماعي، في الأساس، على المقاربة البنائية النقدية، حيث اعتمدوا '"خطاب اللاأمن' موضوعًا" للتحليل، محاولين فحص كيفية عمله، وذلك استنادًا إلى افتراض أساسي مفاده أن "اللاأمن بدل أن يكون طبيعيًا، فهو نتاج اجتماعي وثقافي." ويعني القول إن اللاأمن مبنيّ اجتماعيًا أن الأفراد يتصرفون على أساس المعنى؛ أي، كما يقول ونت، يتصرفون حيال الأشياء والفاعلين الآخرين بناءً على المعاني التي يحملونها بالنسبة إليهم. فالبنائية تزعم أن العالم يتشكّل جزئيًا من خلال ممارسات ذات مغزى بالنسبة إلى الفاعلين الاجتماعيين، وأن الناس يتصرفون وفقًا للمعاني التي تحملها الأشياء من منظورهم. وهذه المعاني ثقافية في الأساس، ومن ثم فهي اجتماعية. واللاأمن مبنيّ أيضًا ثقافيًا واجتماعيًا، على غرار الأمن؛ فاللاأمن هو أيضًا نتاج عملية بناء الهوية التي من خلالها تتشكل الأنا والآخر(ون.) ومن ثم "فالهوية واللاأمن نتاج عملية تكوين متبادلة" 33.

  1. Maja Zehfuss, Constructivism in International Relations: The Politics of Reality (Cambridge: Cambridge University Press, 2004), p. 255.
  2. Carsten Bagge Laustsen & Ole Wæver, "In Defense of Religion: Sacred Referent Objects for Securitization," in: Pavlos Hatzopoulos & Fabio Petito (eds.), Religion in International Relations: The Return from Exile (Basingstoke: Palgrave Macmillan, 2003), p. 150.
  3. McDonald, p. 54.
  4. Columba Peoples & Nick Vaughan-Williams, Critical Security Studies: An Introduction , 3 rd ed. (London: Routledge, 2021), p. 19;
  5. Peoples & Vaughan-Williams, pp. 17, 24; وللاطلاع على مناقشة لمفهومي الأمن واللاأمن، ينظر: 127-128 pp..Benantar, 33  Jutta Weldes et al., "Introduction: Constructing Insecurity," in: Jutta Weldes et al. (eds.), Cultures of Insecurity: States, Communities and the Production of Danger (Minneapolis: University of Minnesota Press, 1999), pp. 9-11, 13.
  6. يحيل الباحثان هنا إلى كتاب بيرغر ولوكمان اللذين يقولان في مقدمتهما إن "الواقع مبنّي اجتماعيًا، وعلى سوسيولوجيا المعرفة أن تحلل العملية التي يجري من خلالها ذلك"، ينظر: Peter L. Berger & Thomas Luckman, The Social Construction of Reality: A Treatise in the Sociology of Knowledge (London: Penguin Books, 1966), p. 13.

تُعدّ المعاني التي يضفيها الفاعلون على الأشياء حاسمة، لأنها هي التي تحدد تصرّف الفاعلين حيالها. فمثلًا، لو طبّقنا تحليل ونت، القائل إن الفاعلين يتصرفون حيال الأشياء على أساس المعاني التي يضفونها عليها 34، على الإرهاب لقلنا إن الإرهاب ليس له معنى في حد ذاته، وإنما هو، بوصفه ظاهرة عنف سياسي، مرهون بالمعاني التي يضفيها عليه الفاعلون، الدول تحديدًا؛ ومن هنا، تأتي السمة المبنية والتوظيفية للإرهاب، بغضّ النظر عن حقيقته الميدانية 35. يرى وليام كونولي أن ثمة علاقة وطيدة بين الهوية والاختلاف، إذ لا يمكن أن توجد الهوية إلا من خلال العلاقة بالاختلاف؛ وبهذا المعنى، فالاختلاف يتشكّل بالعلاقة مع الهوية  36. وقد يصبح الاختلاف تهديدًا للهوية، ليس بسبب الأفعال التي قد يُقِبِل عليها الآخر، وإنما بسبب اعتبار الأنا حضوره أو وجوده، بوصفه آخر، قويًا. والافتراض البنائي، في هذا الصدد، هو أن اللاأمن نتاج عمليات ثقافية لبناء الهوية، لأن هويات الأنا والآخرين واللاأمن ليست معطاة، وإنما تنشأ من خلال عملية تمّثلّات يصف من خلالها الأفراد (رجال الدولة، والقادة، وأعضاء الحركات القومية، ومستخدمو الإنترنت) أنفسهم والآخرين والعالم الذي يعيشون فيه. ويقتضي، في رأي والدز وزملائها، بناء "اللاأمن عملًا اجتماعيًا معتبرًا" من الإنتاج، وإعادة الإنتاج، وربما التحويل. و"يتعّي نعلى الخطابات السائدة أن تعيد إنتاج نفسها باستمرار، من أجل الاستجابة لتحديات بناءاتها للعالم وتحديدها لذلك اللاأمن الجدير بالاستجابة." ويعني هذا أن مسألة تحديد الأمن واللاأمن تتطلب "عملًاأيديولوجيًا معتبرًا." أما الخطاب، الذي يحتجّ على الخطاب المهيمن، فيحاول إعادة تصور اللاأمن على نحو يتحدى به التمّثلّات السائدة 37. ويؤكد بيغو، في هذا الخصوص، أن الأمن محل عملية تعبئة ضخمة، بحيث تبني الوكالات المكلّفة بالأمن "الموضوع الشرعي للأمن"، مكرّسة له الوقت والإمكانات، ما يسمح بحدوث مختلف عمليات الوسم السياسية (مثل التحكم في الهجرة ومحاربة الإرهاب وغير ذلك) 38. وبغضّ النظر عن الخلط الذي يقع فيه واقعيون بعدم تمييزهم بين البنائية والنظرية النقدية، فهم يعتبرون البنائية معيارية وتسعى للسلام في السياسة الدولية. فمثلًا، يعتبر جون ميرشايمر النقاش بين الواقعية والنظريات النقدية نقاشًا بين نظرَت يالحرب والسلام. وهذا ما يعتبره ونت "خطأ كبيرًا"، مؤكدًا أن "حديث البناء الاجتماعي، مثله مثل حديث نظرية اللعبة، محايد تحليليًا بين الصراع والتعاون"، وأن النظرية النقدية لا تتنبأ بالسلام. فالحرب لا تدحض النظرية النقدية أكثر مما لا يدحض السلام الواقعية. ويعزى هذا الالتباس إلى "الخلط بين الوصف والتفسير" 39. لا يهدف المشروع البنائي التقليدي، إذًا، إلى استبدال واقع السياسة الدولية بواقع آخر، بل "يسعى لاستكشاف كيفية تطور الواقع القائم." وفي المقابل، يعتبر بنائيون نقديون النظرية الاجتماعية أداةً لتفكيك المنظومة الاجتماعية القائمة بنقد عدم المساواة والظلم في السياسة الدولية. بيد أن الأمر ليس على هذه الدرجة من الوضوح؛ ذلك أن البنائيين التقليديين يقرّون بإمكانية وجود عوالم بديلة، بتبيانهم كيفية تشكّل العمليات والفاعلين، في العلاقات الدولية. وفي الواقع، "يهتم البنائيون بالعالم الذي يعيشون فيه، ولا يتُرجم ذلك إلى التزام بإعادة بنائه" 40. ترى البنائية النقدية أن الأمن ليس "ما تفعله" الدول أو نخبة الدولة فحسب، ولا ينبغي أن يُعتبر كذلك 41. ولا يعني هذا الاهتمام فقط بفئات أخرى (الفرد والمجتمع وغيرهما) بوصفها موضوعًا مرجعيًا للأمن  42، على عكس تصور ونت المتمركز على الدولة 43، بل الاهتمام أيضًا بمجالات أخرى غير سياسة الدولة. وبالنظر إلى السمة التكوينية للحسّ المشترك، يتعّين، في رأي والدز، الاهتمام بالثقافة الشعبية 44، التي أصبحت موضوعًا بحثيًا قائمًا في حد ذاته في حقل العلاقات الدولية، في الأكاديميا الأميركية 45، لفهم السياسة العالمية. وتزعم والدز أن "دارسي العلاقات الدولية قّلمّا ينزلون من أعالي [برج] التفاعل بين الدول لتحليل الظروف الثقافية اليومية التي تجعل أعمالًامعيّنةً للدولة ممكنةً وحساسة بالنسبة إلى قطاع واسع من الجمهور، [لأن] هذه الظروف العادية هي جزء من الفعل الدولي." فمثلًا، من المهم بالنسبة إلى الفاعلين الرسميين الأميركيين أن يفّسر وا ويحددوا السياسة العالمية على نحٍوٍ يجعلها معقولة ومقنعة من منظور قطاعات واسعة

  1. Wendt, pp. 396-397.
  2. 45  تكشف الثقافة الشعبية عن المعايير الاجتماعية، والسياسات والهويات السائدة في مجتمٍعٍ ما، وبوجه عام عن طريقة تمثيل العالم. وهذا ما يجعلها جديرة بالاهتمام بالنسبة إلى الدراسات الأمنية النقدية، ينظر: Alex Macleod, "La culture populaire visuelle: Un espace à explorer pour les études critiques de sécurité," Cultures & Conflits , no. 102 (Eté 2016), pp. 17-32.
  3. Weldes et al., p. 11.
  4. Ibid., pp. 11-12, 14, 16.
  5. Didier Bigo, "Sécurité et immigration: Vers une gouvernementalité par l'inquiétude," Cultures & Conflits , no. 31-32 (Printemps-Eté 1998), p. 27.
  6. Alexander Wendt, "Constructing International Politics," International Security , vol. 20, no. 1 (Summer 1995), p. 76.
  7. Farrell, p. 59.
  8. Peoples & Vaughan-Williams, p. 26.
  9. Benantar, pp. 9, 52, 69-73.
  10. Alexander Wendt, Social Theory of International Politics (Cambridge: Cambridge University Press, 1999), pp. 7-8.
  11. Jutta Weldes, Constructing National Interests: The United States and the Cuban Crisis (Minneapolis: University of Minnesota Press, 1999), p. 240.
  12. 35  Benantar, p. 134.

من الشعب الأميركي. وبناء عليه، لا يمكن حصر إعادة إنتاج الحس المشترك في الممارسات التمثّلية للفاعلين الدولتيين، لأن التمّثلّات "تندرج ضمن بناءات العالم وكيفية عملها"، وأن الإطار الذي تنتج فيه هذه التمثلات هو الثقافة الشعبية والممارسات والمعاني المهيكلة للحياة اليومية. وتختم والدز بالقول إن "الوقت، ربما، قد حان لنولي أفعال الفاعلين الدولتيين اهتمامًا أقل، ونهتم بالجماهير 'الصامتة' التي يدّعي الفاعلون الدولتيون التحدث باسمها" 46. تهتم البنائية النقدية بالبناء البينذاتي لفهوم الحسّ العام بشأن العالم وبعملية التنشئة في الحياة اليومية؛ ومن هنا يأتي اهتمامها بالثقافة والثقافة الشعبية في دراسة الأمن. فغالبًا ما يستند صناع القرار، في عملية البناء الاجتماعي وتحديد المصلحة القومية، والتهديدات المحدقة بالدول وبهويّتها، "إلى مجموعة واسعة من الموارد الثقافية لمحاولة تحديد طبيعة التهديد وموضوعه المرجعي" 47. كما تهتم البنائية أيضًا بالخطاب في دراسة الأمن  48. وتعدّ مدرسة كوبنهاغن، التي تتخذ من البنائية مرجعية نظرية رئيسة، أكثر تركيزًا على الخطاب، لكنها انُتُقدت بسبب تركيزها عليه؛ فمثلًايعيب بيغو على مقاربة ويفر، التي تتعامل مع الأمن بوصفه فعلًاخطابيًا Act Speech، بأنها "لسانية أكثر من اللازم وغير سوسيولوجية بما يكفي"؛ فهي لا تستوعب علاقات السيطرة ولا القدرات التي يمكن أن تشكّل، من خلال الخطاب، سلطة رمزية تحدد ماهية النظام 49. وبهذا يتبنّى بيغو تحليل بيير بورديو – صاحب السوسيولوجيا النقدية – وتأكيده على القصور في مقاربة أوستين  50 اللسانية، التي يعتمد عليها ويفر في بناء نظرية الأمننة، معتبرًا أن الملفوظ الأدائي Performative لن يكتب له النجاح إلا إذا كان صاحبه (الُمُخاِطِب) يملك السلطة التي تخوّله النطق به؛ فالعامل الحاسم، إذًا، هو موقع الُمُخاِطِب (من أين؟ وبأي صفة يتكلم؟) وليس الخطاب 51. تهتم البنائية بالخطابات الصادرة من مواقع السلطة، بطريقتين مهمتين على الأقل: أولاهما أن ثمة خطابات أقوى من غيرها لوجودها في السلطة المؤسسية ولمشاركتها فيها، كما هو حال خطابات الدولة؛ وثانيتهما، بما أن الخطابات تحمل معها سلطة تحديد العالم وتشكيله، فإن تمّثلّات الأمن تصبح من المصادر الأساسية للسلطة. ويعّب رميشيل فوكو عن ذلك في حديثه عن المعرفة والسلطة اللتين تحيل إحداهما إلى الأخرى على نحو مباشر  52. وتقتبس والدز وزملاؤها جزءًا من فقرة فوكو ذات الصلة، والتي نقتبسها هنا من مصدرها الأصليي (الفرنسي)؛ إذ يحاجّ بأن "السلطة تنتج المعرفة[...]وأن السلطة والمعرفة تستلزم إحداهما الأخرى على نحو مباشر؛ ولا توجد علاقة سلطة من دون تشكيل سببي لمجال معرفي، ولا توجد معرفة لا تفترض علاقات سلطة ولا تشِّكِلها في الوقت نفسه" 53. وقد انصبّ اهتمام بيغو، في إطار بنائيته السوسيولوجية التي تصَّنَف أيضًا على أنها نقدية، على أهمية الوضع أو المكانة التي يحتلها المخاطب، وعلى التنافس بين الفاعلين داخل الحقول الاجتماعية وبينها، لا سيما حقل الأمن، حول تحديد المسائل الأمنية وشرعنتها، موظفًا تحليلات بورديو. فيقول بيغو إنه في حقل ال(لا)أمن، "المسألة الأساسية لتعريف الأمن هي معرفة من" يملك السلطة Pouvoir الرمزية لتحديد ماهية التهديدات، وهذا ما يتطلب تجاوز الخطاب إلى الاهتمام بأصحابه ومكانتهم على مستوى السلطة، ومصالحهم في الحقل 54. يوضّ ح بيغو هذه المسألة في خضمّ نقده لتصور ويفر للأمننة، معتبرًا أن أمننة مشكلةٍ ما من طرف مخاطب يفتقد موقع سلطة (مواطن عادي، مناضل، رجل سياسي يتكلم باسمه الشخصي) لن يكون لها تأثير؛ وحتى تُؤتي هذه العملية أ كَلَها، على المخاطب أن يحظى بمكانة سلطوية (نسبة إلى السلطة) معترف بها اجتماعيًا (مثل وزراء الداخلية والدفاع والعدل، ومسؤولي الشرطة، والخبراء "المعترف بهم"، وغيرهم) في الحقل السياسي أو الحقل الأمني 55. بمعنى أن مفعول الخطاب مرهون بالمكانة التي يحتلها صاحبه في الحقل الاجتماعي المعني. وتستند بنائية بيغو السوسيولوجية إلى أربعة عناصر: 1. "التفاعل الخطابي، 2. تموقع صاحب الخطاب من حيث السلطة،.3 منطق الحقل الذي يحدد الممكن وغير الممكن قوله،.3 ممارسات وكالات الأمن التي تجعل الأمن ما يصنعه المهنيون [مهنيو الأمن] منه"، باستعارة عبارة ونت 56 (الأمن هو ما تصنعه الدول منه.)

  1. Weldes, pp. 240-241.
  2. Peoples & Vaughan-Williams, pp. 27-28.
  3. Weldes et al., p. 17.
  4. Bigo, "L'Europe de la sécurité intérieure," p. 70.
  5. J. L. Austin, How to do Things with Words (Oxford: Oxford University Press, 1962).
  6. Pierre Bourdieu, Langage et pouvoir symbolique (Paris: Editions du
  7. Weldes et al., p. 17.
  8. Michel Foucault, Surveiller et punir (Paris: Gallimard, 1993), p. 36.
  9. Didier Bigo, "La mondialisation de l'(in)sécurité? Réflexions sur le champ des professionnels de la gestion des inquiétudes et analyse de la transnationalisation des processus d'(in)sécurisation," Cultures & Conflits , no. 58 (Eté 2005), p. 89; وعن السلطة الرمزية، ينظر: 201-211 pp..Bourdieu,
  10. Bigo, "L'Europe de la sécurité intérieure," p. 70. 56  Bigo, "Sécurité et immigration," p. 38.
  11. Seuil, 2001), p. 165.

2. الفوضى هي ما تصنعه الدول منها

تقتضي مناقشة مفهوم المعضلة الأمنية مناقشة مفهوم الفوضى 57، الذي يعدّ مسلّمةً أساسيةً متفقًا عليها في النظرية الواقعية بمختلف روافدها، لكنّ ثمة اختلافًا بين الواقعيين بشأن الهدف الأسمى في نظام دولي فوضوي البنية  58. تُعدّ الفوضى مفهومًا مركزيًا في الحقل، إلى درجة أنه يمكن دراسة تاريخ العلاقات الدولية من خلاله  59. وُيُقصد بالفوضى Anarchy غياب سلطة تعلو سلطة الدول. ويرى كينيث والتز أن فوضى النظام الدولي، التي يترتب عليها العنف وانعدام النظام  60، تفرض منافسة بين الدول المنشغلة ببقائها وأمنها، زاعمًاأنه "بين الدول، حالة الطبيعة هي حالة الحرب، [ومن ثم فإن] الاعتماد على النفس Self-help هو بالضرورة مبدأ العمل في نظام فوضوي." ففي نظام الاعتماد على النفس، مخاوف الدول بشأن بقائها هي التي تحدد سلوكها. وبناء عليه، فإن شغلها الشاغل هو الحفاظ على موقعها في النظام الدولي، وليس تعظيم قوّتها 61. يتقاسم الليبراليون الجدد المسّلمّات الواقعية الجديدة ذاتها: مركزية الفاعل الدولتي، والدول بوصفها فاعلًا وحدويًا وعقلانيًا يوجد في بيئة فوضوية. لكنّ الفوضى بالنسبة إليهم لا تؤدي حصرًا إلى منطق الاعتماد على النفس. وفي سياق النقاش بين الواقعيين الجدد والليبراليين الجدد، أقبل طرَفَا النقاش على تنازل متبادل: أقر الليبراليون الجدد بفكرة "القوة السببية للبنية الفوضوية"، في مقابل إقرار الواقعيين الجدد بفكرة مفادها أن "العملية يمكن أن توِّدلِ سلوكًا تعاونيًا" حتى في سياق الاعتماد على النفس 62. ويرى الواقعيون الجدد أن التعاون بين الدول ممكٌنٌ لخفض مخاطر اللاأمن وضمان مكاسب نسبية غير مطلقة لكل طرف، وأن السياق الفوضوي يمكن أن يكون أقل حدّة لمّا يكون التنافس بين الدول محكومًا بآليات الأمن التعاوني التي تحدّ من الخداع وقلة الثقة والحسابات الخاطئة. ومن ثم، تحلّ الفوضى الناضجة محلّ الفوضى البحتة، وتكون فرص الحرب أقل. وقد نَّظَر جوزيف غريكو وتشارلز غلايزر لهذه الواقعية الجديدة التعاونية التي تلتقي، في تحليلاتها، مع واقعية ليبرالية تستند خصوصًا إلى أفكار هيدلي بول الذي يرى أن الدول قادرة على تجاوز الفوضى بإقامة قواعد تسهّل التعايش وتردع العدوان  63. ويتبنى باري بوزان فكرة الفوضى، مميزًا بين ثلاثة أنواع: غير ناضجة، ووسطى، وناضجة 64. فمن الناحية التطبيقية، يبقى النموذج الأول مجردًا، بينما يتوافق النموذج الثاني وبنية العلاقات بين دول العالم عمومًا، وبنية العلاقات بين دول الجماعة الأمنية الأورو-أطلسية وبقية دول العالم، أما النموذج الثالث فينطبق على الجماعة الأمنية الأورو-أطلسية 65. ترفض البنائية الفكرة العقلانية القائلة بأسبقية وجود الفوضى، والتي أصبحت مقرونة بعبارة ونت الشائعة: "الفوضى هي ما تصنعه الدول منها"، فهي بينذاتية وغير موجودة بذاتها؛ وهي نتاج ممارسات الفاعلين. ومن ثم، فالفوضى، مثلها مثل سياسة الاعتماد على النفس، هي نتاج العمليات Porcesses التفاعلية، وليست نتاج البنية. فبخلاف الادّعاء الواقعي القائل إن الاعتماد على النفس خاصية للفوضى، يعزوه ونت إلى العملية لا إلى البنية: "لا يوجد 'منطق' للفوضى بمعزٍلٍ عن الممارسات التي تنشئ بنية معينة للمصالح والهويات وتجسدها دون غيرها. إن الاعتماد على النفس وسياسة القوة هما مؤسستان، وليسا سمتين أساسيتين للفوضى. إن الفوضى هي ما تصنعه الدول منها  "66. عمليًا، يقرّ ونت بأن الفوضى بنية بينذاتية، سواء أقادت إلى الصراع أم إلى التعاون؛ ويتبنّى، كما قلنا، تحليل الواقعيين الجدد القائل إن الصراع ليس حتميًا وليس التفاعل الوحيد الممكن في سياق فوضوي. ومن ثم، فإن إضافة ونت النوعية تكمن في مقاربته للفوضى بوصفها بنية بينذاتية من نتاج التفاعلات بين الدول، وليست معطاة مسبقًا. من منظور بنائي، النظام الدولي، الذي يوصف عادة بأنه فوضوي لافتقاده حكومة مركزية، يبقى نظامًا تصنع قواعَدَه الممارسُةُ البشرية وتعيد إنتاجها. وهذه القواعد البينذاتية هي وحدها التي تضفي معنى على الممارسات الدولية، وليس الطبيعة البشرية أو الفوضى 67. وبشأن أهمية القواعد والتكوين المتبادل، يجادل أونوف بأن "الناس

  1. 57  للاطلاع على مناقشة موسّعة لهذا المفهوم في الفكر الواقعي، ينظر: Barry Buzan, Charles Jones & Richard Little, The Logic of Anarchy: Neorealism to Structural Realism (New York: Columbia University Press, 1993).
  2. 58  عبد النور بن عنتر، "التسلح والمعضلة الأمنية في المنطقة المغاربية: التنافس الجزائري سياسات عربية -، مج المغربي"، 12، العدد 68 (أيار/ مايو 2024)، ص.13
  3. Brian C. Schmidt, The Political Discourse of Anarchy: A Disciplinary History of International Relations (New York: State University of New York Press, 1998).
  4. Kenneth N. Waltz, Theory of International Politics (Reading: Addison- Wesley, 1979), pp. 101, 114.
  5. Ibid., pp. 102, 105, 111, 126.
  6. Wendt, "Anarchy is What States Make of it," pp. 391-392.
  7. Charles-Philippe David, La guerre et la paix: Approches contemporaines de la sécurité et de la stratégie (Paris: Presses de Sciences Po, 2000), p. 40.
  8. Buzan, pp. 21, 147-148, 175-179.
  9. Benantar, p. 122.
  10. التشديد في Wendt, "Anarchy is What States Make of it," pp. 394-396. ()النص الأصليي
  11. Stefano Guzzini, "A Reconstruction of Constructivism in International Relations," European Journal of International Relations , vol. 6, no. 2 (June 2000), p. 155.

يصنعون القواعد، والقواعد تصنع المجتمع، وقواعد المجتمع هي ما ينجعل الناس يتصرفون على نحو معّي  "68. وفي قطيعة مع تصور والتز البنيوي، يتبنّى ونت، إذًا، تصورًا يعطي الأولوية للعملية، التي تحدد، في رأيه، البنية المادية. وحتى إن كان تصوره يسير في اتجاه التصور الليبرالي  69، فإن منطلقه مختلف: الفوضى غير موجودة بذاتها، وليس لها قدرة سببية بذاتها، بل، على العكس من ذلك، هي مرهونة بالتأويلات التي يضفيها عليها الفاعلون؛ ومن ثم، فهي مبنية اجتماعيًا. وبناء عليه، يحاجّ ونت بأن الفوضى "مبنية اجتماعيًا، ومن ثم يمكن أن تقود إلى سياسات تنافسية، كما إلى حالات يمكن أن تنشأ فيها بنى الهوية والمصالح" 70، ملخّصًا إياها في عبارته الذائعة الصيت: "الفوضى هي ما تصنعه الدول منها." كما يجادل بأن تريده الدول "آثار الفوضى والبنية المادية مرهونة بما " 71، ويوضح خلافه مع والتز في هذا الصدد قائلًا: "تقود الالتزامات المادية والفردية والتز إلى استنتاج أن الفوضى تجعل السياسة الدولية بالضرورة صراعية، وعاَلَمًاقائمًا على 'الاعتماد على النفس.' وتقودني الالتزامات المثالية والكلانية إلى الرأي القائل إن 'الفوضى هي ما تصنعه الدول منها"' 72. ويتقاطع تصور ونت القائل إن الفوضى يمكن أن تفضي إلى سياسة تنافسية كما إلى وضعيات يمكن أن تنشأ فيها هويات ومصالح مع رؤية واقعيين جدد تبنّوا تصورًا مخالفًا لرؤية والتز، مثل غلايزر (صاحب الواقعية البنيوية البديلة) 73. بيد أن ونت لا يرفض العناصر المادية، ولكنه ينتقد المكانة التي منحها إياها الواقعيون. فبينما يحدد الواقعيون الجدد البنية ماديًا، يحددها البنائيون بينذاتيًا، من دون تجاهل الآثار المترتبة على القدرات المادية  74. يقول ونت إن تصرّف الدول تجاه الأعداء يختلف عن تصرفها حيال الأصدقاء، لأن الأعداء مصدر تهديد، خلاف الأصدقاء، مدّعيًا أن "الفوضى وتوزيع القوة لا يكفيان لتمييز الصديق من العدوّ. وتختلف دلالة القوة العسكرية الأميركية لدى كندا عنها لدى كوبا، على الرغم من تشابه موقعيهما 'البنيويين"'  75؛ لأن الأولى حليفة في حين أن الثانية تمثل تهديدًا، ويعود اختلاف وضعهما هذا إلى مفعول العوامل المتعلقة بالأفكار في السياسة الدولية  76. كما أن معنى الصواريخ البريطانية لدى الولايات المتحدة يختلف عن معنى الصواريخ السوفياتية. ومن ثم، يخلص ونت إلى القول إن "توزيع القوة قد يؤثّر دائمًا في حسابات الدول، ولكنّ كيفية التأثير تلك تعتمد على الفهوم والتوقعات البينذاتية، وعلى 'توزيع المعرفة' التي تشكّل تصوراتها عن نفسها وعن الآخر" 77. يميز ونت بين ثلاث ثقافات للفوضى (عداوة، وتنافس، وصداقة:) ثقافة هوبزية – نسبة إلى توماس هوبز – تنظر فيها الدولة إلى الأخرى على أنها عدو، وثقافة لوكية – نسبة إلى جون لوك – تنظر فيها الدولة إلى الأخرى على أنها منافس، وثقافة كانطية – نسبة إلى إيمانويل كانط – تعتبر فيها الدولُةُ الأخرى صديقًا. وبما أنها أفكار متشاَرَكة، تفضي هذه الثقافات إلى تشكيل هويات الدول ومصالحها، بحيث تختلف تصوراتها ومصالحها من ثقافة إلى أخرى؛ ما يفسر التغير في سلوكها بعضها حيال بعض، إذ يترتب على الانتقال من نموذج ثقافي - فوضوي إلى آخر ظهور أشكال جديدة من الهويات المتشاَرَكة بين الدول، وهكذا دواليك 78. في رأي ونت، الفكرة المتشاَرَكة الوحيدة التي يمكن أن تكون مستقرة في حال الفوضى، في رأي الواقعيين، هي إمكانية نشوب حرب في أيّ وقت، ومن ثم فالصراع يكون بسبب العوامل المادية وليس الأفكار المتشاَرَكة. أما هادلي بول، فيرى أن الانتقال من النظام الدولي إلى المجتمع الدولي مرهون بنموّ المعرفة المتشاَرَكة، فهو يربط، إذًا، على غرار الواقعيين، بين الفوضى الصراعية في النظام الدولي وحالة الطبيعة التي تغيب فيها الأفكار المتشاَرَكة، كما يربط بين الفوضى التعاونية في المجتمع الدولي ووجود أفكار متشاَرَكة بين الدول. وعلى الرغم من اتفاقهما على آفاق نشوء الأفكار المتشاَرَكة في الفوضى، فإن الواقعيين والغروشيين (نسبة إلى هيغو غروشيوس 1645-1583) يتفقون على أن "الأفكار المتشاَرَكة مرتبطة بالتعاون." ومن ثم، فهم يقترحون "أنه في ظل غياب التعاون، فإن أيّ نظام Order قائم في النظام الدولي يجب أن يكون ناتجًا من عوامل مادية وليس ثقافية." ويعتبر ونت هذا مجحفًا في حق المثاليين الذين يرون أن "الأفكار المشتركة قد

  1. Onuf, World of our Making , p. 66.
  2. 69  ينظر في هذا العدد: أونوف، ص.28-21
  3. Wendt, "Anarchy is What States Make of it," pp. 394-396.
  4. Wendt, Social Theory of International Politics , p. 106. (التشديد في النص الأصليي)
  5. Ibid., p. 6.
  6. Charles L. Glaser, "Realists as Optimists: Cooperation as Self-help," International Security , vol. 9, no. 3 (Winter 1994-1995), pp. 56, 60, 87.
  7. Alexander Wendt, "Identity and Structural Change in International Politics," in: Yosef Lapid & Friedrick Kratochwil (eds.), The Return of Culture
  8. Wendt, "Anarchy is What States Make of it," p. 397.
  9. Ronald L. Jepperson, Alexander Wendt & Peter J. Katzenstein, "Norms, Identity, and Culture in National Security," in: Peter Katzenstein (ed.), The Culture of National Security: Norms, Identity in World Politics (New York: Columbia University Press, 1996), p. 34.
  10. Wendt, "Anarchy is What States Make of it," p. 397. 78  Wendt, Social Theory of International Politics , pp. 246-312.
  11. and Identity in IR Theory (Boulder: Lynne Rienner Publishers, 1996), p. 54.

تشكّل صراعًا"، وفي حق الواقعيين الذين يرون أن "القوى المادية يمكن أن تفضي إلى التعاون." وخلاف ذلك، يزعم ونت أن العوامل المادية، مثلها مثل العوامل غير المادية، قد تحفز على الصراع كما التعاون، لأن المعرفة المشتركة لا تقتصر على التعاون: "يمكن أن تشكّل المعتقدات المشتركة حرب الجميع ضد الجميع الهوبزية أو السلام الدائم الكانطي. ومثل نظرية اللعبة عمومًا، فإن المعرفة المتشاَرَكة ومختلف مظاهرها – المعايير والقواعد وغير ذلك – محايدة تحليليًا فيما يتعلق بالتعاون والصراع" 79. ويقول رونالد جبرسون وألكسندر ونت وبيتر كاتزنشتاين إن العوامل المادية يمكن أن "تقود أيضًا إلى التعاون"، لذا يتعين على أيّ نظرية للأمن القومي، سواء أكانت واقعية أم غير واقعية، أن تهتم بالتعاون والصراع على حد سواء 80.

وحين يقول ونت "إن الفوضى هي ما تصنعه الدول منها"، فذلك يعني أن ثمة العديد من الفهوم المختلفة للفوضى في العالم، وأن أفعال الدولة ينبغي أن تكون أشد تنوعًا من مجرد الاعتماد على النفس؛ أي إن قوة الممارسات هي ما يُبقي على المواقف المختلفة للفوضى، والمتجذرة في البنى الاجتماعية، على نحو يحول تقريبًا دون تغييرها. ويكمن إسهام البنائية، في هذا الخصوص، في تقديمها إحاطة بشأن أمرين أساسيين: "كيف وأين يمكن أن يحدث التغيير؟" 81. وهكذا، قدّم ونت نقدًا بنائيًا لفكرة فوضوية بنية النظام الدولي، التي تقول بها العقلانية، بطيفيها الواقعي الجديد والليبرالي الجديد؛ ما سمح بالتوصل إلى فكرة مفادها وجود معاٍنٍ متعددة للفوضى لدى مختلف الفاعلين، وهي "معاٍنٍ مبنيّة على ممارسات جماعاتهم البينذاتية وفهومها. وإذا كانت الفهوم المتعددة للفوضى ممكنة، عندئذ يمكن أن يبدأ المرء في التنظير في المجالات المختلفة ومجالات القضايا في السياسة الدولية التي يفهمها الفاعلون على أنها أكثر أو أقل فوضوية" 82. انخرط طرف ثالث في النقاش بشأن الفوضى، يتمثل في نظرية التعقد التي تطرح افتراض التعقد بديلًا من افتراض الفوضى في نظرية العلاقات الدولية  83، معتبرةً مفهوم الفوضى اختزاليًا، ومنتقدةً العقلانية والبنائية على حد سواء؛ إذ تعيب على الأولى، التي تعتبر الفوضى "فرضية مؤِّسِسة"، بينما السياسة الدولية دينامية ومعقدة، عجَزَها عن تفسير بعض نماذج التفاعلات التعاونية (التعاون على المدى البعيد، والاندماج الإقليمي، وغير ذلك) بين الدول وحتى بعض التفاعلات الصراعية. وتعيب على الثانية نقل التركيز من العوامل المنطوية ضمن البنية إلى تلك المنطوية ضمن الفاعلية Agency، في حين أن العوامل غير المادية تتحول، مع الوقت، إلى بنى تنبثق منها ظروف وقيود مماثلة لتلك التي تتَّوَلد عن البنى المادية  84. ويمكن ههنا قلب مثال ونت بشأن الأسلحة النووية لنبّي نأن العوامل غير المادية، لا سيما الهوية، تترتب عليها، مع مرور الزمن، قيود على السلوك الأميركي حيال كوريا الشمالية مماثلة لتلك المترتبة على القيود المادية، علمًاأن التهديد الكوري للأمن الأميركي محدود جدًا نظرًا إلى الفارق الضخم بين قوة الطرفين التقليدية والنووية. المعضلة الأمنية ليست متأصلة في الفوضى بل بنية اجتماعية مشَّك لة بالنظر إلى النقاشات النظرية والإمبريقية التي تثيرها المعضلة الأمنية Dilemma Security، يمكن اعتبارها مفهومًا "متنازعًا عليه" 85. وفكرة المعضلة الأمنية قديمة، كما يتضح من تفسير ثيوسيديدس للحروب الإغريقية: "إن القوة التي كان الأثينيون قد بلغوها والخوف

  1. Ibid., pp. 160, 252-253. يرى ونت بشأن المعرفة أن "مفهوم المعرفة المشتركة يعادل مفهوم 'الفهوم البينذاتية' الذي يحبّذه البنائيون"، ينظر: 160 p..Ibid.,
  2. Jepperson, Wendt & Katzenstein, p. 39.
  3. Hopf, p. 180.
  4. Ibid., p. 174.
  5. Dylan Kissane, Beyond Anarchy: The Complex and Chaotic Dynamics of International Politics (Stuttgart: Ibidem-Verlag Press, 2014), p. 23.
  6. 84  محمد حمشي، مدخل إلى نظرية التعقد في العلاقات الدولية (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2021)، ص.235-234
  7. Paul Roe, Ethnic Violence and Societal Security Dilemma (London: Routledge, 2005), p. 8.

رْغَم اهم على الحرب الذي كانوا يثيرونه في نفوس الإسبارطيين أ" 86. ويمكن اعتبار هوبز أول من وضع تعريفًا للمعضلة الأمنية: "بسبب عدم ثقة الواحد بالآخر، لا سبيل لأيّ إنسان إلى أن يأمن على نفسه على نحو معقول بما فيه الكفاية إلا بالاستباق؛ أي بالقوة أو بالحيلة للتسلط على الناس جميعًا ما استطاع، حتى لا يرى قوة أخرى كبرى بما يكفي لتعرّضه للخطر[...]، وأيضًا لأن ثمة من يستمتعون بالتأمل في قوتهم بأعمال الغزو فيسعون له إلى أبعد مما يقتضيه أمنهم، وإذا كان الآخرون، الذين سيسعدهم، بخلاف ذلك، أن يكونوا مرتاحين في حدود متواضعة وأّل ايزيدوا قوتهم بالغزو، فإنهم لن يكونوا قادرين على البقاء طويلًابالاعتماد على دفاعهم فقط" 87. لكن جون هيرتز هو أول من سكّه بوصفه مفهومًا، حين أشار إلى أن الدول، في سياق فوضوي، ولحماية نفسها تحسّبًا لأيّ هجوم، تسعى لحيازة المزيد من القوة، ما يجعل دولًاأخرى تشعر بمزيد من اللاأمن فتستعد، مرغمةً للأسوأ. وبما أنه لا يمكن أن تشعر أيّ دولة بالأمن التام في عالم يتسم بالتنافس بين وحداته، فإن هذا الوضع يفضي إلى حلقة مفرغة من مراكمة الأمن والقوة  88، وفي النتيجة إلى دوامة الفعل ورد الفعل، ما يجعل احتمال اندلاع الحرب واردًا على الدوام  89. ولا يمكن، إذًا، أن تتخذ الدول بسهولة إجراءات لتعزيز أمنها من دون أن تجعل الدول الأخرى تشعر بأمن أقل. وبما أن الإمكانيات العسكرية قد تستخدم للدفاع كما للهجوم، فمن الصعب على الدول التمييز بين الإجراءات التي تتخذها الدول الأخرى للدفاع عن نفسها، وتلك التي تتخذها للاعتداء على الآخرين  90. يعزو الواقعيون المعضلة الأمنية إلى بنية النظام الدولي الفوضوية  91. ففي بيئة فوضوية، يقول والتز، "ما هو مصدر راحة بالنسبة إلى إحدى الدول، هو مصدر توجّس بالنسبة إلى الأخرى، وبناء عليه فالدولة التي تراكم وسائل الحرب، حتى لو كان ذلك لدفاعها الخاص، تعتبرها دول أخرى تهديدًا يقتضي الرد. وهذا الرد في حد ذاته يُستخدم حينئذ لتأكيد قناعة الدولة الأولى بأن تخوفها كان في محله" 92. فالعلاقة بين الفوضى والمعضلة الأمنية علاقة تفاعل وتآثر و(إعادة) إنتاج متبادل؛ توِّدلِ الفوضى المعضلة الأمنية التي تنتج وتغذي، أيضًا، الفوضى 93. تكمن أهمية اعتماد مفهوم المعضلة الأمنية الواقعي – على الرغم من الانتقادات الموجهة إليه  94 – في استناده إلى ركيزتين: مادية، أي الإمكانات العسكرية؛ وغير مادية، أي المدركات، ومن ثم مسألة التأويل. ومن المنطقي، إذًا، أن يمتد نقد البنائية للفوضى إلى المعضلة الأمنية بدحض التصور الواقعي (الجديد) 95 القائل إن المعضلة الأمنية متأصلة في بنية النظام الدولي الفوضوية  96. ويزعم ونت أنه لا يمكن فهم المعضلة الأمنية حقًا، والتي لا تزال في صميم المقاربات التقليدية، إلا من خلال إطار التحليل البنائي 97. فهو لا يعتبرها متأصلة في الفوضى، بل بنية اجتماعية مشَّكَلة من الفهوم البينذاتية التي تكون فيها الدول غير واثقة ببعضها البعض إلى درجة افتراضها الأسوأ فيما يتعلق بنيّات الدول الأخرى. ومن ثم، تحدّد مصالحها على أساس الاعتماد على النفس، الذي هو أصلًانتاج الممارسات الاجتماعية. وبناءً عليه، فالتغير في الممارسات يؤدي إلى التغير في المعرفة البينذانية التي تشكّل النظام الدولي  98. ويؤكد ونت، عند مناقشته خصائص البنى الاجتماعية أو عناصرها (المعرفة المتشاَرَكة، والموارد المادية، والممارسات) أن الفهوم المشتركة والتوقعات أو المعرفة هي التي تحدد، جزئيًا، البنى الاجتماعية، وهي تشكل الفاعلين وطبيعة علاقاتهم، سواء أكانت تعاونية أم صراعية، ضاربًا المثل بالمعضلة الأمنية بوصفها نتاج الممارسات  99. وحتى إذا كان ونت يقبل بفكرة وجود معضلات أمنية بين الدول كما يقرّ بأهمية العوامل المادية، فإنه لا يمنحها الأولية في عملية التشكيل/ التكوين. تتفق الدراسات الأمنية النقدية مع تصور ونت البنائي القائل إن التغير في الممارسات يقود إلى التغير في المعرفة البينذاتية التي تشكّل

  1. Thucydide, Histoire de la guerre du Péloponnèse , tome 1, Jean Voilquin (trad.), Jean Capelle (notes) (Paris: GF-Flammarion, 1966), p. 43.
  2. Thomas Hobbes, Leviathan (Oxford: The Clarendon Press, 1909), p. 95.
  3. John H. Herz, "Idealist Internationalism and the Security Dilemma," World Politics , vol. 2, no. 2 (January 1950), p. 157.
  4. 89  حمشي، ص.297
  5. Barry Buzan & Eric Herring, The Arms Dynamic in World Politics (London: Lynne Rienner Publishers, 1998), p. 85.
  6. Herz, pp. 157-180; Robert Jervis, "Cooperation under the Security Dilemma," World Politics , vol. 30, no. 2 (January 1978), pp. 167-214; عن مراجعة تحليلية لمفهوم المعضلة الأمنية، ينظر: Charles L. Glaser, "Security Dilemma Revisited," World Politics , vol. 50, no. 1
  7. Kenneth N. Waltz, "The Origin of War in Neorealist Theory," Journal of Interdisciplinary History , vol. 18, no. 4 (Spring 1988), p. 619.
  8. 93  عبد النور بن عنتر، "التسلح والمعضلة الأمنية." ص.14
  9. 94  من منظور الدراسات الأمنية النقدية، المعضلة الأمنية ظاهرة مهمة في العلاقات بين الدول، لكنها تبقى نتاج ممارسات الفاعلين. ينظر: Ken Booth, "Security and Self: Reflections of Fallen Realist," in: Keith Krause & Michael C. Williams (eds.), Critical Security Studies: Concepts and Cases (London: UCL Press, 1997), p. 108.
  10. 95  بن عنتر، "التسلح والمعضلة الأمنية"، ص.14
  11. Herz, p. 157; Waltz, "The Origin of War in Neorealist Theory," p. 619.
  12. Peoples & Vaughan-Williams, p. 20.
  13. Wendt, "Anarchy is What States Make of it," p. 407; Wendt, "Constructing International Politics," p. 73. 99  Wendt, "Constructing International Politics," pp. 73, 77.
  14. (October 1997), pp. 171-201.

النظام، حيث تعتبر، هي الأخرى، المعضلة الأمنية نتاج ممارسات الفاعلين  100. وفي هذا الشأن، يتوافق تحليل كان بوث (أبرز ممثليي مدرسة آبرستويث للدراسات الأمنية النقدية) للمعضلة الأمنية وتحليل ونت (البنائية التقليدية) للفوضى والمعضلة الأمنية؛ فهما يتقاسمان الافتراض ذاته الذي مؤداه أن ثمة ممارسات اجتماعية أخرى يمكن أن تحفز التعاون بين الدول  101. بمعنى أن الممارسات الاجتماعية قد تفضي إلى الصراع تمامًا كما تفضي إلى التعاون. ما الخلاص من المعضلة الأمنية؟ ثمة اختلاف في الرؤى بين الواقعيين. يقول والتز إن الدول محكوم عليها بالعيش مع المعضلة الأمنية – المترتبة على أوضاعها، وليس على إراداتها، التي لا يمكن حلها، وإنما التعامل معها 102. ويشاطره ميرشايمر الرأي مدّعيًا أنه لا سبيل لتحسين المعضلة الأمنية طالما أن الدول تعيش في سياق فوضوي  103. في حين سبق لوالفرز أن جادل بأن المخرج يكمن في ضبط النفس، فقال إن "الرغبة في الإفلات من هذه الحلقة المفرغة [المعضلة الأمنية] تفترض الكثير من تمالك النفس والاعتدال لا سيما في اختيار مستوى المستهدف" 104، خاصة أن المسألة تبقى حبيسة التأويل؛ تأويل الإشارات بمنحها مضمونًا عدائيًا أو غير عدائي. لكنّ المشكلة ليست دائمًا في التأويل في حد ذاته، وإنما في السياق. فمثلًا، في سياق عادي لا تنظر الدولة إلى مناورات عسكرية على مقربة من حدودها، بغضّ النظر عن حجمها، على أنها تحضير لعمل عدائي من طرف الدولة المجاورة، لكن لو أ جريت المناورات نفسها في سياق يتسم بالتوتر في العلاقة الثنائية لاختلف تأويلها لتلك المناورات. أما البنائية فترى، خلافًا للتصور الحتمي للواقعية الجديدة، أن ثمة مخرجًا من المعضلة الأمنية، مطبّقةً عليها تحليلها للفوضى نفسه: بما أن المعضلة الأمنية نتاج ممارسات اجتماعية، فإن التغير في الممارسات يؤدي إلى التغير في المعرفة البينذاتية الُمُشِّكِلة للنظام الدولي  105. ويزعم ونت أن الهويات والمصالح عرضة للتغير من خلال فهوم جديدة، ما يجعل المعضلة الأمنية غير حتمية. ومن ثم، فإن افتراض الأسوأ بشأن نيّات الآخرين ليس أمرًا لا مفر منه، خلافًا لما يدّعيه الواقعيون؛ ذلك أننا "من خلال التفاعل الاجتماعي[...]نخلق وننشئ بنى اجتماعية دائمة نسبيًا على أساسها نحدد هوياتنا ومصالحنا" 106؛ ما يمِّكِن إعادة تحديد الهويات والمصالح من المساعدة في الخلاص من المعضلة الأمنية. وهنا يمكن أن نستعير فكرة ونت، لنقول إن المعضلة الأمنية هي ما تصنعه الدول منها. أما الدراسات الأمنية النقدية، التي تعتبر هي الأخرى المعضلَةَ الأمنيَةَ نتاج الممارسات الاجتماعية، فتقول بإمكانية تجاوزها؛ إذ يرى بوث أن "المعضلة الأمنية ليست قدرًا محتومًا"، بل يمكن تجاوزها ب "خلق الظروف السياسية للثقة (بالخصوص في شكل جماعات أمنية") 107. وإذا كان ونت، الذي يتبنّى مفاهيم واقعية مركزية مثل الفوضى والمعضلة الأمنية، يتعامل معها من منطلقات مغايرة، فإن بنائيين آخرين يشككون في الجدوى التحليلية للمعضلة الأمنية، مثل هوف الذي يقول: "بما أن الهويات والمعايير والممارسات الاجتماعية تقلل من اللايقين، فإن المعضلة الأمنية لا ينبغي أن تكون نقطة الانطلاق لتحليل العلاقات بين الدول" 108. وخلافًا للادعاء الواقعي القائل إن المعضلة الأمنية نتاج اللايقين وعدم الثقة بنيّات الآخرين، يقول البنائي هوف إنه مهما كانت أهمية المعضلة الأمنية لفهم العلاقات الصراعية بين الدول، فليس ثمة أدلة كثيرة على المعضلات الأمنية بين دول أو مجموعات دول: دول أعضاء في التحالف نفسه، ودول أعضاء في هيئة اقتصادية، وربما دولتان مسالمتان أو دولتان محايدتان، وما إلى ذلك. وعلى خلاف الواقعيين، يقول هوف بإمكانية التعامل مع اللايقين، في السياسة الدولية، بوصفه متغيرًا وليس ثابتًا. وفي هذا السياق، "يمكن أن توفر البنائية فهمًالما يحدث في أغلب الأوقات في العلاقات بين الدول. فبتوفير المعنى، تقلل الهويات من اللايقين، لأن الدول تفهم بعضها بعضًا بأشكال مختلفة؛ فمثلًا، كان للقدرات السوفياتية والفرنسية معنى مختلف بالنسبة إلى بريطانيا." ويؤكد هوف هنا على نقطة مهمة: اليقين ليس دائمًا مصدرًا للأمن؛ فمعرفة دولةٍ أن دولةً أخرى معتدية لا يحلّ في الحقيقة المعضلة الأمنية، بل يستبدلها فقط "بنوع من اللاأمن"، إذ تكون على يقين بأن الدولة الأخرى مهِّدِدة لها بالفعل. وبناء عليه، يرى هوف أن مهمة البنائية تتمثل في "إبراز 'السياق' الذي يجعل اللايقين متغيرًا يتعين فهمه، بدل ثابت يتعين افتراضه" 109. ثمة نقطة أخرى ينبغي الإشارة إليها، وهي أن السمة الصراعية في العلاقات بين الدول ليست بالضرورة نتاج المعضلة الأمنية، إذ لا يمكن اختزال الصراعات في مجرد سوء التفاهم، الناتج من الارتياب والشك

  1. Booth, "Security and Self," p. 108.
  2. Benantar, pp. 126-127.
  3. Waltz, Theory of International Politics , p. 187.
  4. John J. Mearsheimer, The Tragedy of Great Powers Politics (New York:
  5. Wolfers, p. 495.
  6. Wendt, "Anarchy is What States Make of it," p. 407; Wendt,
  7. Wendt, "Anarchy is What States Make of it," pp. 404, 406. 107  Ken Booth, Theory of World Security (Cambridge: Cambridge University Press, 2012), p. 430.
  8. W.W. Norton & Company, 2001), p. 53.
  9. Hopf, p. 199. 109  Ibid., p. 188.
  10. Constructing International Politics," p. 73.

المتبادَليَن. وفي النتيجة، فإن القول إن كل صراع هو نتاج المعضلة الأمنية يعني أن كل صراع غيُرُ عقلاني وناتٌجٌ من سوء تفاهم  110. فثمة الكثير من الصراعات في العالم لا يمكن اختزالها في المعضلة الأمنية.

ثانيًا: إسهامات/ إضافات بنائية بشأن الأمن

المعايير وتأثيرها في سلوك الدول ومصالحها

على الرغم من اهتمام الليبراليين بالمعايير ومناقشتهم لها، فإن البنائيين هم من طوروا هذا المفهوم في نظرية العلاقات الدولية، معتبرين إياها نتاج عملية بينذاتية، ومن ثم فهي لا تتشكل في فراغ، بل هي تطورية؛ يصوغها الفاعلون الاجتماعيون ويعيدون إنتاجها ويشرعنونها، وهنا تكمن أهميتها في فهم الهويات وتفسيرها وتطور المعايير في المجتمعات وبينها  111. وثمة علاقة وطيدة بين المعايير والمنظومات الدولية Regimes، لأن الأخيرة نتاج معايير، لكن يمكنها أيضًا، مع مرور الوقت، أن تسهم في إنتاجها 112. وتعرّف مارثا فينمور وكاثرين سيكينك المعايير بأنها "مقياس السلوك الملائم بالنسبة إلى الفاعلين من ذوي هوية معينة." وبما أن المعايير تحيل إلى "مقاييس السلوك 'الملائم' أو الصحيح"، فإن الأبعاد البينذاتية والتطورية حاضرة في كل نقاش بشأنها  113. وخلاف الأفكار، التي ليست لها بالضرورة تبعات على السلوك، فإن "المعايير متشاَرَكة واجتماعية؛ فهي ليست ذاتية فحسب، بل بينذاتية [و]تخص تحديد السلوك" 114. فالمعايير تصف، إذًا، "التوقعات الجماعية بشأن سلوك الفاعلين الملائم من ذوي هوية معيّنة" 115. وثمة نوعان من المعايير: الضابطة Regulative والتكوينية Constitutive: الأولى ذات طبيعة آمرة وإكراهية في علاقتها بالسلوك، بينما الثانية ذات طبيعة تكوينية، تشكّل فاعلين أو مصالح أو فئات أفعال جديدة  116. وتأتي الطبيعة السببية للمعايير من وظيفتها الضابطة للسلوك  117. في رأي البنائية، المعايير متغيرة، ومن ثم يمكن أن تؤثّر في مصالح الدول بتغييرها وبإنشاء مصالح جديدة. وفي هذا، ترى فينمور أن "السياق المعياري" بالغ الأهمية لأنه هو الذي يحدد تصورات المصالح 118، وأن البحث في المصالح، التي هي بينذاتية، يقتضي مقاربات مختلفة منها تلك التي تركّز على المعايير الدولية وكيفية هيكلتها المصالح، معتبرة أن مقاربة المعايير هذه تلقي الضوء على كيفية تغّي رالمصالح. وبناء عليه، تخلص فينمور إلى القول: "بما أن المعايير مبنيّة اجتماعيًا، فهي تتطور وفق التغيرات في التفاعل الاجتماعي. يشكّل فهم هذا التطور المعياري والمصالح المتغيرة الذي يخلقها محوَرَ تركيٍزٍ رئيسًا لأي برنامج بحث بنائي" 119. تحتل الشرعية مكانة مركزية في المعايير، بحيث تميزها من القوة. فخلاف الأخيرة، تسعى المعايير، على الرغم من سمتها الإكراهية، إلى رضا الفاعلين وما يترتب عليه من قابلية المحاجة بتلك المعايير في حقهم. ومن ثم، ما يميز المعايير من القوة يكمن في درجة شرعيتها أكثر مما يكمن في درجة قدرتها على الإكراه  120. وقد بّي نونت أهمية الشرعية وما يترتب عليها في عملية تذويت المعايير كما ليي: "إن القول بأن المعيار شرعي يعني أن الفاعل يقبل تمامًا ادعاءاته على نفسه، وهو ما يعني تبنّي الدور الذي تم وضعه فيه ذاتيًا من قِبل الآخر المعمم" 121. أما بشأن تبنّي المعايير، فتحدد فينمور وسيكينك ثلاث مراحل: الانبثاق، والانتشار/ القبول، والتذويت 122. وفيما يتعلق بتذويت المعايير، يقترح ونت ثلاثة أنماط تتوافق ومنظورات العلاقات الدولية الرئيسة: القوة أو الإكراه في الحالة الأولى (منظور واقعي)، والمصلحة في الحالة الثانية (منظور ليبرالي)، والشرعية في الحالة الثالثة (منظور بنائي.) في النمط الأول، الذي يكون فيه الانصياع للمعايير قسريًا، لا يترتب على قبول المعايير تأثير في هوية الفاعل أو طريقة

  1. Stefano Guzzini & Sten Rynning, "Réalisme et analyse de la politique étrangère," in: Frédéric Charillon (dir.), Politique étrangère: Nouveaux regards (Paris: Presses de Sciences Po, 2002), p. 45.
  2. Audie Klotz & Cecelia Lynch, "Le constructivisme dans la théorie des relations internationals," Critique internationale , vol. 2, no. 1 (Hiver 1999), pp. 58, 60.
  3. Robert Axelrod & Robert O. Keohane, "Achieving Cooperation Under Anarchy: Strategies and Institutions," World Politics , vol. 38, no. 1 (October 1985), p. 250.
  4. Martha Finnemore & Kathryn Sikkink, "International Norm Dynamics and Political Change," International Organization , vol. 52, no. 4
  5. Martha Finnemore, National Interest in International Society (Ithaca: Cornell University Press, 1996), p. 22.
  6. Peter J. Katzenstein, "Introduction: Alternative Perspective on
  7. Finnemore & Sikkink, p. 891.
  8. Wendt, Social Theory of International Politics , p. 82.
  9. Martha Finnemore, "Constructing Norms of Humanitarian Intervention," in: Katzenstein (ed.), pp. 154, 157.
  10. Ibid., p. 157. 120  Laïdi Zaki, "L'Europe, puissance normative internationale," in: Renaud Dehousse (dir.), Politiques européennes (Paris: Presses de Sciences Po, 2009), p. 227.
  11. (Autumn 1998), p. 891.
  12. Wendt, Social Theory of International Politics , pp. 272-273. 122  Finnemore & Sikkink, p. 895.
  13. National Security," in: Katzenstein (ed.), p. 5.

تعريف نفسه بالعلاقة مع الآخرين. وفي النمط الثاني، الذي يكون فيه العمل بالمعايير تحكمه اعتبارات مصلحية، يتعرض سلوك الفاعل لتغير طفيف لحصوله على مزايا أو مكاسب لكن الفاعل، مع ذلك، لا يعيد تعريف هويته ولا علاقته بالمجموعة المنخرطة في عملية التذويت ذاتها. بينما في النمط الثالث، الذي يعتقد فيه الفاعل أن المعايير شرعية، تنشأ عملية تعريف الهوية بالعلاقة مع المجموعة، ما يؤثّر في الطريقة التي يحدد بها الفاعل هويته  123. ويشير ونت إلى أنه إذا كانت المعايير غير مذوتة، فإن الناس يتبنّون حيالها موقفًا توظيفيًا، حيث يمكن أن يتماشوا مع المجموعة، لكن على أساس حسابات مفادها أنه من المفيد بالنسبة إليهم بوصفهم أفرادًا أن يتصرفوا، في تلك اللحظة، على هذا النحو فحسب 124. ويجادل ثيو فاريل بأن المقاربات البنائية في الدراسات الأمنية تواجه "مشكلتين منهجيتين: إثبات وجود المعايير، وإظهار أثرها في النتائج السلوكية." تأتي المشكلة الأولى من المكانة الإبستيمولوجية التي منحتها تلك المقاربات لما هو "غير قابل للملاحظة"؛ فالبنائيون يقولون إن للمعايير وجودًا موضوعيًا، فهي "معتقدات متشاَرَكة موجودة 'هناك' في العالم الواقعي، في المعنى الذي تعطيه للأشياء المادية" مثل حظر الانتشار النووي. لكن إذا كان من الممكن ملاحظة الممارسات الاجتماعية على نحو مباشر، فالأمر ليس كذلك بالنسبة إلى "المعتقدات المتشاَرَكة التي تجسّدها"، ومن هنا يأتي السؤال المحّي ر: "كيف نعرف أن هذه المعتقدات المتشاَرَكة موجودة؟" 125. ما يهمّ بالنسبة إلى البنائيين هو ما يتقاسمه الأفراد، فهم لا يهتمون ب "المعتقدات التي يحملها الفاعلون بقدر ما يهتمون بتلك التي يتشاركونها. إذ يجب التعبير عن المعتقدات، إن لم يكن تدوينها وتسجيلها، حتى يتم تشاركها. وبهذه الطريقة، غالبًا ما تترك المعتقدات المتشاَرَكة بقايا مادية" 126. ويمكن إثبات المعايير الدولية من خلال القوانين الدولية والوطنية والقرارات والقوانين والوثائق والتصريحات الرسمية وغير العلنية... وبما أنه من غير الممكن ملاحظة المعايير في مجملها، فلا سبيل إذًا لإقامة العلاقات السببية بين المعايير والسلوك على نحو قاطع. لذلك، فإن كيفية تفسير البنائية للفعل مرهونة بالنظر في الآليات المنتجة لهذه العلاقات السببية، ما يمكّن البنائية من أن تبّي ن "كيف أن شيئًا (الثقافة) لا يمكننا ملاحظته مباشرة يشكّل شيئًا يمكننا ملاحظته (السلوك") 127. ثمة زاوية ميتة في التحليل البنائي للمعايير، وهي علاقتها بالقوة، أو ما يمكن أن نعّب رعنه بالتعارض بين قوة المعايير ومعايير القوة، لأن وضع المعايير وتطبيقها في السياسة الدولية كانا ولا يزالان رهان قوة: تتطور عملية ضبط سلوك الدول والتصورات والأفكار التي تسعى دول لتذويتها من قبل غيرها في سياق علاقات قوى. ولا غرابة، إذًا، في أن تكون معظم المعايير الدولية نتاج الفاعلين الأشد نفوذًا عالميًا وذلك وفقًا لمصالحهم، ما يدل على أهمية علاقات القوة في وضع المعايير والعمل بها أو مراجعتها. لذا، فالقوى المهيمنة تصقل المعايير الدولية، لكنّها لا تتردد في التنصل منها وانتهاكها إذا رأت أن مصالحها تقتضي ذلك، متحولةً من عملية بناء المعايير والدفاع عنها إلى عملية "مراجعة المعايير." كما أن الدول تسعى قدر الإمكان للمشاركة في وضع المعايير حتى لا تُبنى في غيابها و/ أو على حسابها. وفضلًاعن ذلك، لا تحدد المعايير سلوك الدول والفاعلين الاجتماعيين عمومًا إلا إذا تقيّدوا بها. فالدول توظفها على صعيدين: إنها تقبل بها من دون أن تتقيد بها حتى لا تَُّتَهم بعرقلة المنظومة المعيارية الدولية أو إجهاضها؛ وحين تقبل بها وتتقيد بها، لا تتردد في توظيفها و/ أو انتهاكها وفقًا لمصالحها. فثمة قوى كبرى، لا سيما الولايات المتحدة، تؤدي دورًا أساسيًا في بناء المعايير الدولية، لكنها لا تتردد في انتهاكها. فالقوى الكبرى التي لها الفضل في بناء المعايير ونشرها وتبنّيها دوليًا تنخرط أيضًا في مراجعة المعايير، مقِّوِضةًالمنظومة المعيارية الدولية التي وضعتها، أو شاركت في وضعها إلى جانب غيرها، أو كانت من وضع غيرها 128.

2. الهوية والمصالح والأمن

إذا كانت معظم المقاربات، في حقل العلاقات الدولية، تتفق اليوم على أهمية الهوية بوصفها أداةً لفهم الأمن والسياسة الأمنية، فإنها تختلف بشأن المضامين المفهومية للهوية وتفسيرات آثارها في سلوك الدول. ومع ذلك، يمكن تمييز ثلاثة تصورات أساسية بشأن العلاقة بين الهوية الوطنية والأمن. تتبنى المقاربة العقلانية "تصورًا جوهرانيًا للهوية" مفاده أن الهوية مرتبطة في الأساس بالدولة، وُيُنظر إليها بوصفها "معطى ثابتًا، وطبيعيًا، ووحدويًا، ومميزًا، وساكنًا." وعلى نقيض هذا التصور، تتبنى المقاربتان الثانية والثالثة تصورًا مفاده أن الهوية مبنيّة اجتماعيًا وتاريخيًا، وتتعّي ندراستها بطريقة علمية. وتلتقي هاتان المقاربتان في "المنعطف البنائي" لنظريات العلاقات الدولية، لكنهما تختلفان في تفسيرهما للهوية. فمن جهة، ثمة البنائية التقليدية التي تنظر إلى "الهوية بوصفها معطى ثابتًا نسبيًا، وإن كانت عرضة للتغيير"، ومن جهة أخرى، ثمة "النظريات

  1. Wendt, Social Theory of International Politics , pp. 250, 268-275.
  2. Ibid., p. 220.
  3. Farrell, p. 60.
  4. Ibid.
  5. Ibid., pp. 60, 62.
  6. Abdennour Benantar, "L'Algérie et la construction d'une norme internationale: Criminalisation de paiement de rançon," The Algerian Journal of Political Sciences and International Relations , vol. 16, no. 1 (June 2023), pp. 156-157.

النقدية"، لا سيما البنائية النقدية وما بعد الحداثة والنسوية، التي تعتبر "العلاقة بين الهوية والأمن نتيجة بناء وإعادة بناء دائمين" 129. واجهت افتراضات المقاربات التقليدية بشأن القوة والأمن، في السياسة الدولية عمومًا والدراسات الأمنية خصوصًا، تحديًا كبيرًا من المقاربات المستندة إلى العوامل المتعلقة بالأفكار، لا سيما البنائية التي تهتم بالأفكار والمعايير، المحَّدَدة بينذاتيًا، والهوية والبنى الاجتماعية وتأثيرها في سلوك الدول وهويتها ومصالحها؛ إذ تنتج الممارسات الاجتماعية كل هذه العوامل وتعيد إنتاجها  130. وتركّز البنائية على "دور الأفكار، والمعايير، والمعرفة، والثقافة، والحجة في السياسة" مشددةً، في الخصوص، على "الأفكار والفهوم البينذاتية في الحياة الاجتماعية" 131. وتستند البنائية تحديدًا إلى ثلاثة مبادئ أساسية: 1. "يتشكل التفاعل الإنساني في المقام الأول من خلال العوامل المتعلقة بالأفكار، وليس العوامل المادية فحسب"، 2. "أهم العوامل المتعلقة بالأفكار متشاَرَكة على نحو واسع أو هي معتقدات 'بينذاتية'، لا تختزل في الأفراد"،.3 "تبني هذه المعتقدات المتشاَرَكة مصالح الفاعلين وهوياتهم." وتهتم البنائية ب "الوقائع الاجتماعية" (السيادة، والحقوق، وغير ذلك) التي "ليس لها واقع مادي، لكنها موجودة فقط لأن الناس يؤمنون جماعيًا بوجودها ويتصرفون على أساس ذلك. ويعدّ فهم كيف تتغير الوقائع الاجتماعية والطرائق التي تؤثر بها في السياسة شغل التحليل البنائي الشاغل" 132. تُعدّ الهوية  133 مفهومًا مركزيًا في التحليلات البنائية، ومن ثم في المقاربات الأمنية الجديدة، سواء النقدية أو غير النقدية، والتي تتقاسم كلها مع البنائية الفكرة القائلة بوجود علاقة بين الهوية والأمن  134. ويرى كتّاب الدراسات الأمنية النقدية، على غرار بوث، أن مسألة الهوية لا يمكن فصلها عن الأمن  135، إذ تقيم البنائية علاقة بين الهوية والأمن، مؤكدةً على دور الهوية في السياسة الدولية، وبوجه خاص من ناحية إسهامها في تفسير تنوّع سلوك الدول. فالهوية توِّدلِ المصالح وتحدّدها. ومن ثمّ، يتعين الأخذ في الحسبان مدركات الدول فيما يتعلق بمصالحها، خاصة أن الأخيرة تحدّدها الهويات التي هي أبعد من أن تكون ساكنة  136. ويرى ونت أن "الهويات هي أساس المصالح" 137، إذ لا يمكن فاعلًاأن يعرف ماذا يريد ما دام لا يعرف من هو  138. فالهويات نتاج التفاعلات الاجتماعية وُتُنتج المصالح، والهويات والمصالح بينذاتية وتتغير تبعًا للسياق الاجتماعي  139. لكن حتى إن كان ونت يعتبر الهوية والمصالح نتاج عملية التفاعل والممارسات الاجتماعية، فإنه يظل، إلى حد ما، واقعيًا في تصوره لمّا يتعلق الأمر بالحفاظ على هذه الهوية  140: "لإعادة إنتاج هوية دولة، فالمجموعة في حاجة إلى إدامة احتكار الاستخدام الشرعي للعنف على أراضيها" 141. يشكّل فهم كيفية بناء الهويات والمعايير والممارسات الاجتماعية التي تنتجها وتعيد إنتاجها، وكذلك البناء المتبادل لهذه المسائل، جزءًا رئيسًا من برنامج البنائية البحثي، إذ إنها تفترض أن الهويات جزء من الممارسات التكوينية للدولة، ومن ثمّ فهي مُنِتِجة لتصرفاتها داخليًا وخارجيًا. فالدول تتصرف على نحو مختلف بعضها حيال بعض وفقًا لهوية كل واحدة منها. وبناء عليه، يمكن توقّع وجود أنماط سلوك مختلفة بين مجموعات الدول التي لها هويات ومصالح مختلفة. وإذا كان من المغري القول إن التشابه يوِّدلِ التعاون، فإن من المستحيل اعتبار ذلك تحليلًامسبقًا. وتوفّر الهوية لكل دولة فهمًابشأن الدول الأخرى، من حيث طبيعتها، ومصالحها، وأفعالها المحتملة، ومواقفها ودورها في سياق سياسي معين. لذا، فإن هوية الدولة، في السياسة العالمية، "هي في جزء منها نتاج الممارسات الاجتماعية التي تكِّوِن هذه الهوية داخل البلاد. وبهذه الطريقة، تقيّد سياسة الهوية في داخل البلاد مصالح الدولة وأفعالها في الخارج كما تتيحها." وبناء عليه، فإن حاجة الدولة إلى بناء هوية وطنية في الداخل بغية شرعنة سلطتها تؤثر في هويتها في الخارج. ومن ثم فإن تحليلًابنائيًا أكثر نقدية قد يبدأ بإلقاء الضوء على حاجة الدولة إلى الآخر، في السياسة الدولية، حتى تبرر سلطتها داخليًا 142.

  1. Alex Macleod, Isabelle Masson & David Morin, "Identité nationale, sécurité et la théorie des relations internationales," Etudes internationales , vol. 35, no. 1 (Mars 2004), pp. 12-13.
  2. Farrell, p. 49.
  3. Martha Finnemore & Kathryn Skkink, "Taking Stock: Constructivist
  4. Ibid., pp. 392-393.
  5. 133  للاطلاع على مناقشة معمقة لمفهوم الهوية، ينظر: عزمي بشارة، "تأملات في مسألة
  6. Benantar, Sécurité et immigration , p. 147.
  7. Booth, "Security and Self," p. 88.
  8. Macleod, Masson & Morin, p. 16.
  9. Wendt, "Anarchy is What States Make of it," p. 398. 138  Wendt, Social Theory of International Politics , p. 321.
  10. Research Program in International Relations," Annual Review of Political Science , vol. 4 (2001), p. 392.
  11. Abdennour Benantar, "Quelle architecture de sécurité pour la Méditerranée?" Critique Internationale , no. 69 (Octobre-Décembre 2015), p. 140. 140  Benantar, Sécurité et immigration , p. 148.
  12. تبنّين، مج الهوية"، 11، العدد 14 (صيف 2022)، ص.47-15
  13. Wendt, Social Theory of International Politics , p. 130.
  14. Hopf, pp. 193, 195-196.

تظهر هويات الدول، وفق التصور البنائي، من خلال تفاعلاتها مع بيئتها المحلية والدولية، حيث تشِّكِل المجتمعات الدولية والمحلية، التي توجد فيها الدول، هوياتها على نحو قويّ وتصقلها. وبما أنها فاعل اجتماعي، فالدولة مدمجة في قواعد اجتماعية وأعراف تكِّوِن هويتها وتحدد مصالحها  143. وفي هذا الصدد، تجادل والدز وزملاؤها بأن "تشكيل الهويات غالبًا ما يكون عملية متبادلة"، إذ يسعى كل طرف لتحقيق هويته، وبذلك يهدد الآخرين الذين تتدعّم هويتهم ردًا على ذلك  144. وعمومًا، توجد الغيرية، أو بناء الآخر Othering، في صميم العملية الهوياتية. فالآخر يجري إدراكه على أنه يمنع الأنا من أن تكون، لكنه في الوقت نفسه ضروري لها كي تكون؛ إنه شرط سابق لوجود هويتها  145. ففي عملية (بناء) الهوية، الآخر مطلوب ومستبعد في الوقت نفسه  146. وعمومًا، تُبنى الهويات من خلال سرديات إقصائية تقيم حدودًا تفصل بين الأنا والآخرين  147. ويمكن أن نطبّق فكرة المعضلة الأمنية على الهوية، إذ ثمة ما يمكن تسميته ب "معضلة هوياتية"، حيث يؤدي سعي طرف ما لتحقيق هويته إلى تهديد إمكانية تحقيق الطرف الآخر لهويته. تتميز البنائية، وبالتحديد أنطولوجيًا، من المقاربات العقلانية بتركيزها على الأفكار والمعايير، في السياسة الدولية، مؤكدةً على الدور الذي تضطلع به الهوية ومقيمةً علاقة بينها وبين الأمن. وعلى غرار العوامل المادية عند الواقعيين، تعتبر البنائية الهوية عاملًامحددًا في تفسير سلوك مختلف الدول في النظام الدولي. ويعدّ الكتاب الجماعي ثقافة الأمن القومي، الذي حرره بيتر كاتزنشتاين، أحسن مثال على ذلك  148، إذ يقترح وزملاؤه "منظورًا سوسيولوجيًا لسياسة الأمن القومي"، بالتركيز على العوامل الاجتماعية، بغية تحليل دور الثقافة والمعايير وتشكيل الهوية وتأثيرها في مختلف قضايا الأمن القومي  149. ويستخدمون الثقافة في كتابهم بمعنى "جملة من المقاييس التقييمية (مثل المعايير أو القيم) والمقاييس المعرفية Cognitive (مثل القواعد أو النماذج) التي تحدد من هم الفاعلون الاجتماعيون الموجودون في نظاٍمٍ ما وكيف يعملون ويتشابكون، وكيف يتصلون بعضهم ببعض" 150. لقد انصبّ اهتمامهم، إذًا، على تأثير الثقافة والهوية في الأمن القومي: "ما يهمّ هو كيف تؤثر الهويات والمعايير في الطرائق التي يحدد بها الفاعلون مصالحهم في المقام الأول" 151. إنهم مُيْ شْكلون مصالح الدول، التي غالبًا ما تعتبرها التفسيرات السائدة للأمن القومي أمرًا مسلّمًابه، استنادًا إلى العوامل الثقافية، مجادلين بأن الفاعلين يحددون مصالحهم الأمنية على أساس عوامل ثقافية. لكن هذا لا يعني أن العوامل المادية غير مهمة في تحليل الأمن القومي، وإنما لتأكيد أن جملة من العوامل غير المادية (المعايير والهوية والثقافة) صارت أشد أهمية في تفسير الأمن القومي. ويشددون على أن "مصالح الدولة ليست موجودة 'ليستكشفها' الفاعلون العقلانيون المهتمون بمصالحهم. فالمصالح تُبنى من خلال عملية تفاعل اجتماعي." ويهتمون بتأثير الهويات السياسية، معتبرين "الدول فاعلين اجتماعيين"، ويحللون "الهويات في سياقات تاريخية خاصة"، سعيًا منهم لفهم "تأثيرات الهويات المتغيرة في المصالح السياسية، ومن ثمّ في سياسات الأمن القومي" 152. يزعم جبرسون وونت وكاتزنشتاين أن " التباين في هوية دولة ما، أو التغيرات في هويتها، يؤثر في مصالح الأمن القومي أو سياسات الدول، فالهويات توِّلِد المصالح وتشكّلها  "153. وخلاف التصور الواقعي القائل إن "المصالح القومية" هي ببساطة موضوعات يمكن ملاحظتها أو استكشافها، تقدّم والدز تصورًا بنائيًا يعتبر المصالح القومية أبنية اجتماعية من نتاج معاٍنٍ بينذاتية وثقافية، يُفهم على أساسها النظام الدولي ومكانة الدولة فيه؛ أي تمّثلّات يعطي وفقها مسؤولو الدولة والآخرون معنى للعالم المحيط بهم  154. ويحيلنا تحليل والدز إلى مفهوم "المخيال الأمني" الذي سَّكَته؛ وَتَقصد به "بنية معاٍنٍ وعلاقات اجتماعية راسخة، تنشأ انطلاقًا منها تمّثلّات عالم العلاقات الدولية" 155. ويجعل المخياُلُ الأمني التمّثلّاِتِ ممكنةً، وهي التي تسمح بتوضيح، سواء للرسميين أو للآخرين، من "نحن"؟ وماذا نمثل؟ ومن "هم أعداؤنا"؟ وماذا يمثلون والطريقة التي يهددوننا بها؟ وكيف يمكننا أن نفعل ما في وسعنا لمعالجة تلك التهديدات؟  156

  1. Katzenstein, "Introduction: Alternative Perspective on National Security," pp. 23-24.
  2. Weldes et al., p. 15.
  3. Ole Wæver, "Insécurité, identité: Une dialectique sans fin," in: Le Gloannec (dir.), pp. 119-120.
  4. Mark B. Salter, Barbarians & Civilization in International Relations
  5. Macleod, Masson & Morin, p. 20.
  6. Ibid., pp. 15-16.
  7. Katzenstein, "Introduction: Alternative Perspective on National
  8. Ibid., p. 6.
  9. Ibid., pp. 17, 30.
  10. Ibid., pp. 1-2, 25. 153  التشديد في النص الأصليي Jepperson, Wendt & Katzenstein, p. 60. ()
  11. (London: Pluto Press, 2002), p. 10.
  12. Jutta Weldes, "Constructing National Interests," European Journal of International Relations , vol. 2, no. 3 (September 1996), p. 280.
  13. Jutta Weldes, Constructing National Interests , p. 10. 156  Ibid., p. 15.
  14. Security," pp. 1, 5, 29.

خلافًا للواقعية الجديدة التي "تفترض أن جميع الوحدات في السياسة العالمية لها هوية ذات معنى واحد ودائم"، تزعم البنائية أن هوية الدولة متغيرة وفقًا للسياق التاريخي والاجتماعي والسياسي؛ لذلك، فالهوية مسألة إمبريقية يتعّي ن"التنظير لها في سياق تاريخي" 157. وفيما يتعلق بأهمية السياق وتحوّله، يقول عزمي بشارة، مذكرًا بالسمة المصطنعة والمرَّكَبة للهوية، إنّ "تعريف الناس لهوياتهم الجماعية يتغير عبر المراحل التاريخية، وأحيانًا في المرحلة ذاتها، وفق تغير النظام الاجتماعي والسياسي القائم، وكذلك وفق تحديد الآخر الذي ترتسم بموجبه صورة جماعة الانتماء في كل مرة بوصفها مختلفة عن الآخر" 158.

يشدد جبرسون وونت وكاتزنشتاين على أهمية العوامل الثقافية في تشكيل هوية الدولة، وأن بناء الهوية يكون بالعلاقة مع هوية الآخر. فإذا كانت بعض المصالح مثل البقاء Survival "موجودة خارج الهويات الاجتماعية الخاصة"، فإن "العديد من مصالح الأمن القومي مرهونة ببناء معّي نلهوية الذات بالعلاقة مع هوية الآخرين المتصَّوَرة[...]وغالبًا لا يمكن أن يقرر الفاعلون مصالحهم حتى يعرفوا ماذا يمثلون – 'من هم' – وهذا مرهون بالعلاقات الاجتماعية" 159. وبالنظر إلى التفاعل الإدراكي بين الدول، يعتبر ونت الهوية والمصالح متغيرات داخلية المنشأ Endogenous، تنشأ داخل نظام التفاعل بين الدول؛ وفي النتيجة، إذا كانت "أنظمة التفاعل المتنافسة عرضة ل 'معضلات' أمنية"، فإن أشكال الهوية والمصلحة التي تشِّكِل 'هذه المعضلات الأمنية' هي في حد ذاتها آثار مستمرة للتفاعل، وليست خارجية المنشأ Exogenous.[...]ليست المعضلات الأمنية معطاة بالفوضى أو الطبيعة. بالطبع، بعد مأسستها، قد تصبح مثل هذه المعضلة صعبة التغيير." والأمر الأهم الذي يتعين تأكيده، في هذا الشأن، هو أن "الهويات والمصالح تتشكّل من خلال المعاني الجماعية التي هي دائمًا قيد العمل Process In." وفي الحصيلة، فإن وجود الدول في نظام الاعتماد على النفس يعود إلى ممارساتها، وبناء عليه، "سيؤدي تغيير الممارسات إلى تغيير المعرفة البينذاتية التي تكِّوِن النظام" 160 الذي توجد فيه تلك الدول. وبحسب ونت، لا يستند اكتساب الدول هويات إلى "توزيع القوة" فحسب، بل إلى "الفهوم والتوقعات البينذاتية" 161، وتوجد مسألة التوقعات في صميم التصور البنائي للجماعات الأمنية  162. ويضرب مث لًاعلى دور الفهوم المشتركة والتوقعات في تمييز الصديق من العدو من خلال البنية العلائقية بين الفاعلين: ليست الأسلحة النووية في حد ذاتها المشكلة، وإنما وضع/ هوية من يمتلكها، أهو صديق أم عدوّ؟ ذلك أن الصداقة والعداء هما من قبيل "الفهوم المتشاَرَكة." فالإدراك الأميركي ل 005 سلاح نووي بريطاني و 5 أسلحة نووية كورية شمالية مختلف تمامًا. يفّس رونت هذا بأن الولايات المتحدة تعتبر بريطانيا صديقًا، بينما كوريا الشمالية غير ذلك 163. ويؤكد البنائيون أهمية العوامل المتعلقة بالأفكار على المستوى الدولي لتأثيرها في تصورات الأمن وممارساته، وخاصة أهمية الهوية الوطنية وتأثيرها في سياسة الدولة الأمنية؛ فعلى أساس الهوية يكون توسيم الدولة للأخرى بوصفها عدوًا أو صديقًا  164. وثمة حالات أخرى في السياق نفسه، تتعلق بالإدراك الأميركي، والغربي عمومًا، للأسلحة النووية التي تمتلكها قوى غربية وإسرائيل من جهة، والأسلحة النووية الروسية، والعراقية المزعومة في وقت من الأوقات، والكورية الشمالية، والإيرانية المحتملة اليوم. فالدول الغربية لا تعتبر الأسلحة النووية الإسرائيلية تهديدًا لها وتتغاضى عنها تمامًا مطبّقة انتشارًا نوويًا انتقائيًا. فلا غرابة، إذًا، في أن يتعامل الاتحاد الأوروبي مثلًامع تونس والمغرب، في وثائق أ عدّت في إطار سياسة الجوار الأوروبية، وكأنهما دولتان معنيتان بالانتشار النووي وستسمحان به، على الرغم من أنهما لم تسعيا يومًا لامتلاك هذه الأسلحة ولم يُشتبه فيهما قط، بينما تتغاضى الوثيقة الخاصة بإسرائيل عن ترسانة هذه الأخيرة النووية  165.

  1. Ibid., pp. 175-176; Hopf.
  2. 158  بشارة، ص.37
  3. Jepperson, Wendt & Katzenstein, pp. 58, 60.
  4. Wendt, "Anarchy is What States Make of it," p. 407.
  5. Ibid., p. 397.
  6. Emmanuel Adler & Michael Barnett (eds.), Security Communities (Cambridge: Cambridge University Press, 1998).
  7. Wendt, "Constructing International Politics," p. 73.
  8. McDonald, p. 55.
  9. عبد النور بن عنتر،  165 غرب المتوسط مركبًا أمنيًا: مبادرة   5+5 دفاع وديناميات الأمن والهجرات، ترجمة عومرية سلطاني (الدوحة: مركز الجزيرة للدراسات، 2024)، ص.139

يتعمق التحليل البنائي لهذه المسألة موضحًا أهمية البناء الخطابي للتهديدات وانتقائيتها، وخاصة أهمية البعد غير المادي؛ أي المعاني التي يضفيها الفاعلون على العناصر المادية؛ إذ تبين الحالات المشار إليها آنفًا دور ما تسميه والدز وزملاؤها "التكوين الخطابي ل التهديد الذي تمثله الأسلحة النووية"، حيث يعمل الخطاب الجماعي على وضع تهديدات في الواجهة، بينما يتجاهل أخرى؛ ما ينمّ، بحسب والدز وزملائها، عن بناء اجتماعي للتهديد، بغضّ النظر عن الخطر الفعليي للأسلحة النووية، لأن ما يهمّ في فهم هذه الأمثلة هو مسألة المعاني  166. ويخلص ونت، من تحليله لإدراك الأسلحة النووية وعلاقة الصداقة - العداء، إلى أن "القدرات المادية في حد ذاتها لا تفسر شيئًا، فآثارها تفترض وجود بنى معرفة متشاَرَكة متنوعة لا يمكن اختزالها في القدرات" 167. ومن ثم، يتعّي ناعتبار القوة مادية وخطابية في الوقت نفسه؛ ذلك أن "فهم أنماط السلوك بوصفها نتيجة لعمل القوة المادية أو الاقتصادية [يكون] بالتضافر مع البنى الأيديولوجية، والممارسات الاجتماعية، والمعايير الممأسسة وشبكات المعنى البينذاتي" 168.

البنائيتان التقليدية والنقدية: اتفاق حول مركزية الهوية وخلاف حول طبيعتها وعلاقتها بالأمن

يعير البنائيون  169 الهوية في بناء الأمن أهمية كبيرة، لكنهم يختلفون بشأن طبيعة العلاقة بين الهوية والأمن  170؛ فالبنائيتان التقليدية والنقدية تختلفان بشأن موضوع الهوية، ويجد الخلاف بينهما جذوره في خياراتهما الإبستيمولوجية والأنطولوجية. تسعى البنائية التقليدية للكشف عن الهويات والممارسات الاجتماعية المرتبطة بإنتاجها وإعادة إنتاجها، وفهم كيفية تحديد تلك الهويات أفع لًامعيّنة. بينما لا تتوقف البنائية النقدية عند تأثير الهويات، بل تسعى لتفسير كيف ينتهي الأمر بالناس إلى الاعتقاد برواية وحيدة للحقيقة؛ أي إن "البنائية النقدية تهدف إلى نسف الأساطير المرتبطة بتكوين الهوية، بينما يرغب البنائيون التقليديون في التعامل مع تلك الهويات بوصفها أسبابًا محتملة للفعل." فعلى خلاف البنائية التقليدية، تدّعي النظرية النقدية الاهتمام بالتغيير، وبمسألة القدرة على التغيير. وإذا كان البنائيون النقديون يقرّون، عن وعي، بمشاركتهم في عملية إنتاج البنى الاجتماعية وتكوينها وتثبيتها، وبعدم إمكانية الفصل بين ذاتية الباحث والموضوع محل الملاحظة البحثية (البعد النقدي والتأمليي)، فإن البنائيين التقليديين يتجاهلون ذلك ويتبنّون، في المقابل، الفهم التأو ليي لموضوعات متصلة بعضها ببعض في شبكة من المعاني البينذاتية، يكون فيها الملاحظ منفصلًاعن موضوع بحثه  171. وفي حين يكتفي البنائيون التقليديون بتفسير معرفي Cognitive للهوية، أو لا يقترحون أيّ تفسير، إذ يقبلون بفكرة وجود الهويات ويسعون إلى فهم إعادة إنتاجها وآثار ذلك، فإن البنائيين النقديين يميلون إلى "اعتبار أن شكلًامن الاغتراب هو أصل الحاجة إلى الهوية. ويوظف البنائيون النقديون النظرية الاجتماعية النقدية لتوضيح فهمهم لأصل الهوية." فمثلًا، يرى تزفيتان تودوروف وأشيس نادندي أن الهويات الأوروبية لم تكن مكتملة، من دون الأخرى، حتى لقائها شعوب الأميركتين والهند. وتتضح أهمية الاختلاف بين الأنا والآخر في تحديد الأنا هويتها، في حكاية هيغل عن العبودية: حتى مالك العبيد الأقوى لا يمكنه أن يعرف هويته الخاصة ويحددها ويمارس سلطته على الرقيق إلا لمّا يساعده هؤلاء الرقيق على بناء هويته من خلال ممارسة العبودية. قد تقبل البنائية التقليدية هذه الفرضية؛ أي الحاجة إلى الآخر لبناء الأنا، أما البنائية النقدية فتذهب أبعد من ذلك  172. وتجدر الإشارة ههنا إلى أننا إذا قبلنا بفكرة اكتمال الهوية الأوروبية بلقاء الآخر، فإن ذلك حدث مع الإسلام قبل اكتشاف الأميركتين، إذ يقول هشام جعيّط إن أوروبا تحددت بالعلاقة وبالتعارض مع الإسلام، وإن شبه الجزيرة الإيبيرية، التي صارت أول قوة أوروبية تسيطر على العالم، تحددت بالعلاقة وبالتعارض مع الإسلام، في إطار الريكونكيستا 173. وهكذا، تظل البنائية التقليدية قريبة من المقاربات التقليدية، وتحديدًا الواقعية والليبرالية، مدّعيةً إمكانية دراسة العالم ووصفه وتحليله موضوعيًا، في حين أن البنائية النقدية تشدد على أهمية أشكال التمّثلّات في تشكيل العالم الحقيقي. وبالنسبة إلى البنائيين التقليدين، يكمن الاهتمام الأساسي من وصف العلاقة بين الأمن والهوية في إظهار أن الهوية (والخبرة التاريخية أو السياق الثقافي المرتبط بها) تساعد في تحديد مضامين مصالح الدول، ومن ثمّ

  1. Weldes et al., "Introduction: Constructing Insecurity," p. 12. (التشديد في النص الأصليي)
  2. Wendt, "Constructing International Politics," p. 73.
  3. Hopf, p. 199.
  4. 169  لمقارنة مختصرة لأهم نقاط التوافق، وخاصة الخلاف بين أطياف البنائية، بحسب تصنيف جيفري تشاكل، من خلال مراجعة لبعض الأدبيات، ينظر: 229-244 pp..Checkel,
  5. McDonald, p. 56.
  6. Hopf, pp. 183-184.
  7. Ibid., p. 184.
  8. Hichem Djaït, "L'Europe et l'Islam: La dynamique historique," Diogène , no. 91 (Juillet-Septembre 1975), p. 15.

الطريقة التي ستتصرف بها في السياسة العالمية  174. فالهوية شيء يمكن الكشف عنه من خلال التحليل. وهذا ما "يتسق مع الالتزام بالإبستيمولوجيا الوضعية: الاعتقاد أن المحللين يمكنهم أن يفحصوا بموضوعية العالم الموجود هناك." وُتُقاَرَب الهويات، وفق هذا الإطار التحل ليي، على أنها "مستقرة نسبيًا." ويعدّ عمَل اكاتزنشتاين 1996() وونت 1999() مثاَليَن معَرّب ين عن هذه المقاربة: فكلاهما اقترح العمل بالأطر الإبستيمولوجية والمنهجية لنظرية العلاقات الدولية التقليدية، واعتبر البنائية مكمّلًافكريًا للمقاربات المادية في داخل الحقل. وفي هذه الحالة، يمكن أن يفسر فحص العلاقة بين الهوية والأمن تردد ألمانيا واليابان في استخدام القوة في السياسة الدولية المعاصرة بالنظر إلى خبرتهما خلال الحرب العالمية الثانية  175. أما البنائيون النقديون فيركّزون في الأساس، في دراسة العلاقة بين الأمن والهوية، على فحص الكيفية التي تصبح بها سرديات الهوية الوطنية مسيطرة، وتساعد في تحديد حدود شرعية عمل سياسي، وقابلة لنلتحقيق في سياقات معيّنة ووقت معّي176. وهذا ما يتضح من تحليل والدز وزملائها، المشار إليه آنفًا، والذي يبّي نأن السردية الأمنية المهيمنة تشدد على تهديدات في حين أنها تتجاهل أخرى  177. ويرى البنائيون النقديون أن التحليلات الساعية لتحديد "الهوية الوطنية" تنطوي على مخاطر صراع السلطة من خلال تفضيل بعض سرديات الهوية وتهميش أخرى. ويتسق مثل هذا الموقف مع الإبستيمولوجيا ما بعد الوضعية، التي يستحيل على المحِّللِ فيها أن يقف خارج العالم الذي يحاول تحليله  178. ولا ينصبّ الاهتمام البنائي هنا على سؤال "لماذا" تتصرف الدول على النحو الذي تتصرف به؟ بقدر ما ينصبّ على سؤال "كيف يمكنها ذلك؟" وهما من الأسئلة التي وضحتها روكسان دوتي: "كيف يجري إنتاج المعاني؟ وكيف تُربط بمختلف الأشياء والفاعلين الاجتماعيين، ومن ثم تشكيل آليات تفسيرية تخلق إمكانياٍتٍ ما وتقصي أخرى؟" 179. ومن بين أهم المنظّرين المهتمين بهذا النوع من البنائية، والدز، وفيرك، وبارنيت. وبخلاف البنائية التقليدية، تعتبر البنائية النقدية الهوية غير مستقرة بطبيعتها؛ فهي متغيرة ومحل تنافس دائم. ويمكن أن تكون تمّثلّات الأمن والتهديد مركزية في هذا الصدد، حيث تصلح لتحديد من 'نحن' و'الآخر/ الآخرون' الذي/ الذين نحن في حاجة إلى الحماية منهم. وبناء عليه، تصبح دراسة الهوية دراسةً لمختلف التمّثلّات التي تتنافس مع أخرى لتوفير تمثيل واقعي لهوية مجموعة معيّنة، والطريقة التي يتعين على هذه المجموعة أن تتصرف بها  180. يتقاسم البنائيون، بمختلف أطيافهم، ثلاث أفكار أساسية بشأن الأمن: 1. الأمن مبنيّ اجتماعيًا، 2. يختلف معناه باختلاف السياقات،.3 هو محل تفاوض وتنازع، إذ يتنافس الفاعلون لتحديد هوية مجموعةٍ ما وقيمها بطريقة توفّر أساسًا للعمل السياسي. ويعتبر البنائيون الهوية والمعايير مركزية في دراسة الأمن، لأن كلتيهما توفر حدود العمل السياسي الشرعي. أما الفاعلون والبنى، فإن أحدهما يشكّل الآخر. وبما أن العالم من صنع الفاعلين، فإن "التغيير ممكن، حتى إن كان صعبًا" 181. وتستند البنائية النقدية إلى ثلاث مسّلمّات أساسية: 1. الواقع مبنيّ اجتماعيًا، 2. بناء الواقع انعكاس لعلاقات السلطة وتشُّيُئها، وفي المقابل، يؤدي الفاعلون دورًا محوريًا في إنتاج هذا الواقع المبني وإعادة إنتاجه،.3 تنزع البنائية السمة الطبيعية عن الأبنية المسيِطِرة، وتسهّل تصور عوالم حياتية بديلة، كما مُت شِْكِل البنائية النقدية شروط ادعاءاتها الخاصة، لذلك فهي أيضًا تأملية 182. ثمة فروق مهمة بين البنائيتين التقليدية والنقدية بشأن قضايا مفهومية وإمبريقية (الإبستيمولوجيا، والهوية، وغيرهما)، إذ ينشئ التزامهما بفكرة البناء الاجتماعي أرضية مشتركة لمناقشة "مقاربة بنائية للأمن." لكن على الرغم من الالتزام المشترك بافتراض البناء الاجتماعي للأمن، فإن "محاولات تبيان كيف يعمل الأمن وكيف يمكننا دراسة هذا البناء [تبقى] أكثر إثارة للجدل." وإذا كان معظم البنائيين قد تجنّبوا هذه المسألة، فإن مدرسة كوبنهاغن "حاولت تطوير نظرية أكثر تماسكًا لدراسة الأمن" 183. والملاحظ أن البنائية النقدية لم تدخل في نقاش نظري مع البنائية التقليدية، لكنها فعلت ذلك مع مدرسة كوبنهاغن، التي تعدّ المجموعة البحثية الأوسع إسهامًا في تجديد الدراسات الأمنية منذ نهاية الحرب الباردة  184. وهو ما أثمر إسهامًا نظريًا ثرًّيًا جدًا في الدراسات الأمنية إلى جانب النقاش النقدي البيني والنقاش بين المقاربات النقدية وغير النقدية في الدراسات الأمنية، إذ تشترك كلها في تفاعلات نقاشية مع مدرسة كوبنهاغن للدراسات الأمنية. وهي نقاشات تركزت في ثلاثة إسهامات

  1. McDonald, p. 56.
  2. Ibid., p. 57.
  3. Ibid.
  4. Weldes et al., "Introduction: Constructing Insecurity," p. 12.
  5. McDonald, p. 57.
  6. 179  مقتبس في.Ibid:
  7. Ibid.
  8. Ibid., p. 67.
  9. Weldes et al., "Introduction: Constructing Insecurity," p. 13.
  10. McDonald, p. 67.
  11. Alex Macleod, "Les études de sécurité: Du constructivisme dominant au constructivisme critique," Cultures & Conflits , no. 54 (Eté 2004), p. 37.

لمدرسة كوبنهاغن، هي: توسيع الأمن، والأمن المجتمعي، والأمننة، من أصل أربعة (المركب الأمني الإقليمي هو إسهامها الرابع) 185. تستند مقاربة النظرية النقدية للهوية إلى افتراضات بشأن السلطة، إذ ترى النظريات النقدية أن "السلطة تماَرَس في كل تبادل اجتماعي، وأن ثمة دائمًا فاعلًامسيطرًا في هذا التبادل؛ [لذلك] تعدّ إماطة اللثام عن علاقات السلطة هذه جزءًا أساسيًا من الأجندة البحثية للنظرية النقدية." في حين تبقى البنائية التقليدية '"محايدة تحليليًا' في مقاربتها لموضوع علاقات القوة." ويؤمن البنائيون التقليديون "بفكرَت يوجود السلطة في كل مكان وإعادة الممارسات الاجتماعية إنتاج علاقات القوة"، لكنهم "لا يهتمون بالضرورة بمساءلة هذه العلاقات." وتجدر الإشارة هنا إلى وجود مفارقة، تكمن في تشابه تصور النظرية النقدية القائل إن "كل العلاقات الاجتماعية توجد في مواقف هرمية، أو تبعية أو سيطرة"، مع التصور الواقعي الذي يقول بوجود السمات ذاتها في العلاقات الدولية. وبالنظر إلى الخلافات البنائية البينية، تنطوي مختلف التصورات البنائية على أجندات نظرية مختلفة. ففي حين تسعى البنائية التقليدية ل "إنتاج معرفة ورؤى جديدة مبنية على فهوم جديدة[...]تحلّل النظرية النقدية القيود الاجتماعية والفهوم الثقافية من منطلق اهتمام الإنسان الأسمى بالتنوير والانعتاق" 186. وهي بذلك تتشارك مع المقاربات الأمنية النقدية مفهوم الانعتاق. لكن لا تقول كل أطياف البنائية النقدية والدراسات الأمنية بفكرة الانعتاق، وهي مفهوم مركزي عند طيف أساسي في الدراسات الأمنية النقدية، والمتمثل في مدرسة آبرستويث 187.

العلاقة بين الهوية والأمن: قصور تحليلات البنائية ومدرسة كوبنهاغن

تعتبر الهوية مفهومًا مركزيًا في تحليلات مدرسة كوبنهاغن، إلى درجة اختزالها مفهوم الأمن المجتمعي في الأمن الهوياتي  188. وقد قدّم بيل ماكسويني، في نقده لتحليلات مدرسة كوبنهاغن بشأن الهوية والأمن، نقدًا ينسحب أيضًا على البنائية (التقليدية) ولو بطريقة غير مباشرة كما سنرى. فهو يحاجّ بأن "الهوية ليست واقعة اجتماعية؛ بل هي عملية تفاوض بين الأفراد ومجموعات المصالح. فأن يكون المرء إنكليزيًا أو إيرلنديًا أو دنماركيًا هو نتيجة عملية سياسية." وخلاف ما ذهبت إليه مدرسة كوبنهاغن، لا يعتبر ماكسويني الهوية "متغيرًا مستقلًا"، وإنما نتاج "عملية توسيم Labelling تعكس صراع مصالح على المستوى السياسي." ومن ثم، فإن وضع هوية معيّنة أو وجاهتها لا يمكن أن يتقرر مسبقًا. وبخلاف ما ذهبت إليه مدرسة كوبنهاغن أيضًا، يرى ماكسويني أن مشكلة الأمن لا تأتي من كون الأفراد لهم هويات منفصلة، بل على العكس، قد تكون لهم هويات متميزة تحديدًا بسبب مشكلة الأمن. فالهوية الاجتماعية هي قبل كل شيء مسألة توسيم، على غرار "الأمن واللاأمن اللذين يبدآن أيضًا في إدراكنا للانكشافات والتهديدات" 189. في رأي ماكسويني، لا يمكن أن نقرر بموضوع الهوية، ولا بوجاهتها، مسبقًا، فهي، حتى لو كانت وجيهة، ليست بالضرورة سببًا لمشكلة أمن، كما يفترضها كتّاب مدرسة كوبنهاغن، إذ من المرجح أيضًا أن تكون هي المفعول. ومن ثمّ، يتعين تفكيك عملية تشكيل الهوية على المستوي المجتمعي الفرعي. فعلى سبيل المثال، شهدت إيرلندا الشمالية تعايشًا بين تضارب المصالح ومشكلة الأمن وصراع الهوية بين الوحدويين والقوميين، كما حدث بين الصرب والكروات في يوغسلافيا السابقة، وبين الجمهوريات المختلفة في الاتحاد السوفياتي السابقة. فمشكلة الأمن، إذًا، لا تنشأ لأن للناس هويات منفصلة فحسب، بل يمكن أن تكون لهم هويات منفصلة بسبب مشكلة الأمن. وكما وضّ ح روجرز بروبايكر، فإن القومية في الجمهوريات السوفياتية لم تكن سببًا في القمع، بل كانت نتيجةً له 190. لذلك، لا يمكن اعتبار الهوية متغيرًا مستقلًا، بخلاف ما يدعيه كتّاب مدرسة كوبنهاغن، لأنها نتاج عملية توسيم تعكس تضارب المصالح على المستوى السياسي  191. فالأمن، في "المقاربة السوسيولوجية البديلة" لدراسة الأمن الدولي التي يقترحها ماكسويني، يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالهوية، كما ترتبط سياسة الأمن ارتباطًا وثيقًا بإعادة بناء الهوية الجماعية. ويكمن مفتاح إنتاج الأمن وسياسة الأمن وإعادة إنتاجهما في عملية إنتاج الهوية الجماعية. فنحن "نختار مشكلاتنا الأمنية كما نختار المصالح والهوية التي تصاحبها" 192.

  1. 185  عن إسهام مدرسة كوبنهاغن في الدراسات الأمنية والنقاشات/ الانتقادات التي أثارتها، ينظر (خاصة الفصول الخمسة الأخيرة:) Sécurité et immigration.Benantar,
  2. Hopf, p. 185.
  3. Benantar, Sécurité et immigration , pp. 50, 55, 58.
  4. 188  للاطلاع على تحليل لرؤية هذه المدرسة للهوية وانتقاداتها، ينظر:
  5. Bill McSweeney, Security, Identity and Interests: A Sociology of International Relations (Cambridge: Cambridge University Press, 2004), pp. 73-74.
  6. 190  ينظر مثلا: Rogers Brubaker, "Nationhood and the National Question in the Soviet Union and Post-Soviet Eurasia: An Institutionalist Account," Theory and Society , vol. 23, no. 1 (1994), pp. 47-78.
  7. McSweeney, p. 73. 192  Ibid., p. 12.
  8. Ibid., pp. 141-166.

يمكن تطبيق تحليل ماكسويني، القائل إن مشكلة الأمن هي السبب في وجود هويات مختلفة وليس العكس، على حالات ليست فيها الهوية سابقة للصراع. ويمكن أن نذكّر بحالة العلاقة الأميركية - الكورية الشمالية، التي ذكرها ونت مث لًاعلى الأسلحة النووية والهوية (وضع الصديق والعدو)، لنتساءل: أيّهما أسبق في هذه الحالة العامل المادي أم غير المادي؟ فماذا عن مدركات العلاقة بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية لو لم تتدخل الأولى في الحرب الكورية؟ إذا كان من الصعب دحض مقولات البنائية وحججها بشأن العلاقة بين الهوية والأمن، فإن ثمة بعض "الزوايا الميتة" في تحليلاتها، لا سيما مسألة الأسبقية. ويستند الادعاء البنائي إلى فكرة مركزية مفادها أن الدول تتصرف (تتصارع و/ أو تتعاون) على أساس الهوية، التي تحدد المصالح. وتوجد، بطبيعة الحال، حجج تدعم هذا الطرح، بيد أن ثمة حالات تتشكل فيها الهوية بالموازاة أو لاحقًا.

5. البنية والفاعل والهوية والأمن

يرى البنائيون، بخلاف الواقعيين الذين يقولون بالبعد المادي فحسب للبنية، أن ثمة علاقة تكوينية/ تشكيلية متبادلة بين الفاعلين والبنى الاجتماعية؛ فالفاعلون يشِّكِلون البنى، والعكس صحيح، وثمة علاقة بين الهوية والمصالح؛ فالثانية هي من تحدد الأولى. مُي شكل البنائيون، إذًا، كيفية نشأة الهوية والمصالح وتكوّنها وتغيرها وتآثرها (تأثر وتأثير)، وذلك على عكس الواقعيين الجدد والليبراليين الجدد الذين يعتبرونها معطاة ومفروغًا منها  193. وهنا، يمنح ونت البنية والفاعل مقامًا أنطولوجيًا متساويًا، ويجادل بأنهما يتشكلان بطريقة متبادلة، حتى إن كانا متمايَزَين أنطولوجيًا  194. فمن خلال "انخراطهم في ممارسات اجتماعية معينة، يُنتج الفاعلون ويعيدون إنتاج البنى الاجتماعية التي تكوّن تلك الممارسات والهويات المرتبطة بها وتضبطها. وحتى إن كان الفاعلون والبنى الاجتماعية يتبادلون التكوين والتحديد، فإن الآلية التي يجري من خلالها هذا[...]هي ما يفعله الفاعلون: فهويتنا تتحدد – أو تصبح محَّدَدة – بما نفعله. يمكن أن يفعل الفاعلون أشياء حتى لو لم تكن لديهم بالفعل الهويات التي ستخلقها تلك الممارسات في نهاية الأمر." فالدول يمكنها أن تنخرط في سياسة اجتماعية لدواٍعٍ أنانية (كما هو الحال في بنية فوضوية لوكية)، بيد أن استمرار هذه السياسة مع مرور الوقت سيفضي إلى تأُّكُل الهويات الأنانية وستخلق هويات جماعية  195؛ بمعنى الانتقال من ثقافة فوضوية إلى أخرى. تزعم البنائية، إذًا، أن ثمة تكوينًا متبادلًابين الفاعل والبنية، وأن المصالح جزء من عملية بناء الهوية، وأن القوة مادية وخطابية على حد سواء، وأن التغيير في السياسة الدولية ممكن وصعب في الوقت نفسه  196. وتعدّ البنية مفهومًا مركزيًا أيضًا نال قسطًا كبيرًا من الاهتمام، لا سيما من خلال النقاش بشأن العلاقة بين البنية والفاعل. وُتُعرف البنية، في السياسة الدولية، بأنها "جملة من القيود غير القابلة للتغيير نسبيًا والمفروضة على سلوك الدول" 197. ويقوم التصور البنائي للعلاقة بين الفاعلية والبنية، الذي أسس له ونت في مقاله عام 1987 198، على فكرة مفادها أن للبنية علاقةً وطيدةً بالفاعل والهوية. وتهتم البنائية بسؤالين مركزيين: "إلى أيّ مدى تقيّد البنى أفعال الدول وتمكّنها؟ وإلى أيّ مدى يمكن أن يحيد الفاعلون عن قيود البنى؟." فما تهتم به البنائية هو الكيفية التي تنتج بها الأفعاُلُ الفاعل والبنية، أو لا تنتجهما، انطلاقًا من اعتبارها أن "سلوكًا أو تصرفًا ذا معنى غير ممكن إلا في إطار سياق اجتماعي بينذاتي"؛ أي ضمن بنية اجتماعية تتكون من عناصر متشاَرَكة (أفكار، وقيم، ومعتقدات، ومعايير، وثقافة، ومدركات، وغير ذلك.) ففي حال غياب المعايير، تفقد ممارسُةُ السلطة أو الأفعاُلُ المعنى؛ ذلك أن المعايير التكوينية هي التي تحدد الهوية بتحديد الأفعال التي على أساسها يتعرّف الآخرون إلى تلك الهوية ويستجيبون لها على نحو ملائم  199. "وبما أن البنية لا معنى لها من دون مجموعة من المعايير والممارسات الموضوعية، فإن الفوضى، وهي العنصر البنيوي الأشد أهمية في نظرية العلاقات الدولية السائدة، لا معنى لها" 200. فالبنى الاجتماعية هي ما يؤثّر في هويات الفاعلين ومصالحهم ومدركاتهم للتهديد، وليس العوامل المادية التي تظل ثانوية ولا يكون لها مفعول إلا لمّا يمنحها الفاعلون معانَيَ بينذاتية  201. فوفق الرؤية البنائية، يقول ونت إنه من خلال بنية المعرفة المتشاَرَكة فحسب، تكتسب الموارد المادية معنى بالنسبة إلى أفعال الفاعلين  202.

  1. Farrell, p. 50.
  2. Alexander Wendt, "The Agent-Structure Problem in International Relations," International Organization , vol. 41, no. 3 (Summer 1987), pp. 339, 360; وينظر ترجمة المقال إلى اللغة العربية، في: ألكسندر ونت، "مشكلة الفاعل - البنية في سياسات عربية، مج نظرية العلاقات الدولية"، ترجمة أحمد قاسم حسين، 13، العدد 27
  3. Wendt, Social Theory of International Politics , p. 342. (التشديد في النص الأصليي)
  4. Hopf, p. 181.
  5. Ibid., p. 172.
  6. Wendt, "The Agent-Structure Problem in International Relations," pp. 335-375.
  7. Hopf, pp. 172-173.
  8. Ibid., p. 173.
  9. Wendt, Social Theory of International Politics , pp. 23-24. 202  Wendt, "Constructing International Politics," p. 73.
  10. (كانون الثاني/ يناير 2025)، ص.130-103

يزعم هوف أن "الهويات ضرورية، في السياسة الدولية كما في المجتمع المحليي، من أجل ضمان حد أدنى، على الأقل، من مستوى القابلية للتنبؤ والنظام"؛ ذلك أن "التوقعات الدائمة بين الدول" تقتضي "هويات بينذاتية مستقرة بما فيه الكفاية لضمان أنماط سلوك قابلة للتوقع." ففي حال غياب الهويات، يكون العالم شواشيًا ولايقينيًا؛ أي أشدّ خطورة من الفوضى. وفي رأيه، تؤدي الهويات ثلاث وظائف ضرورية: "تقول لكم، وللآخرين، من أنتم، وتقول لكم من هم الآخرون." وبذلك، فهي تحدد جملة معيّنة من المصالح والتفضيلات بشأن خيارات الفعل. لذلك، فهوية الدول تنطوي "على تفضيلاتها وما يترتب عليها من أفعال"، والدولة تفهم "الآخرين وفق الهوية التي تنسبها إليهم، بينما تعيد بالتوازي إنتاج هويتها الخاصة من خلال الممارسات الاجتماعية اليومية." ومع ذلك، فإن مُنتج الهوية لا يتحكم في معناها بالنسبة إلى الآخرين، لأن البنية البينذاتية هي التي تحسم أمر المعنى في النهاية. فمثلًا، كانت دول من أوروبا الشرقية تنظر، إبان الحرب الباردة، إلى الاتحاد السوفياتي على أنه روسيا، على الرغم من الجهد الكبير الذي كان يبذله لبناء هوية سوفياتية  203. تزعم البنائية أن القوة المادية والقوة الخطابية ضروريتان لفهم السياسة الدولية، والتأكيد عليهما مهم لأن البنائيين غالبًا ما يوصفون بعدم الواقعية "لإيمانهم بقوة المعرفة والأفكار والثقافة والأيديولوجيا واللغة؛ أي الخطاب." وتتمثل القوة الخطابية، في رأي هوف، في هذه العناصر (قوة المعرفة، والأفكار، والثقافة، وغيرها.) وتعود "الفكرة القائلة إن الأفكار شكل من أشكال السلطة[...]، وإن القوة المادية والقوة الخطابية مرتبطتان إحداهما بالأخرى" إلى تحليلات فوكو بشأن العلاقة بين السلطة والمعرفة، وأنطونيو غرامشي بخصوص الهيمنة الأيديولوجية، وماكس فيبر بشأن السلطة، وكلها أفكار استلهمت منها البنائية. وتبّي نأبحاث في حقل العلاقات الدولية والدراسات الأمنية أهمية دراسة الأبعاد المادية والخطابية للسلطة، كون قوة الممارسات الاجتماعية تكمن "في قدرتها على إنتاج معاٍنٍ بينذاتية تشكّل البنى الاجتماعية والفاعلين على حد سواء." ويتمثل الجانب الأهم في قوة الممارسات "في قدرتها على إنتاج إمكانية التنبؤ، ومن ثم النظام"، إذ تقلل الممارسات الاجتماعية "إلى حد بعيد من اللايقين بين الفاعلين داخل جماعة مهيكلة اجتماعيًا." فأفعال الدولة في مجال السياسة الخارجية تقيّدها وتعززها الممارسات الاجتماعية السائدة في داخل الدولة وخارجها. وتجادل البنائية بأن سياسة الهوية صراع مستمر من أجل السيطرة على السلطة الضرورية اللازمة لإنتاج المعنى في مجموعة اجتماعية. وطالما أن ثمة اختلافات، فثمة إمكانية للتغيير" 204.

خاتمة

بعد ثلاثة عقود ونيف من صدور مقال ونت الذائع الصيت، "الفوضى هي ما تصنعه الدول منها"، لم تتوصل البنائية بعد إلى وضع نظرية في الأمن، على الرغم من إسهاماتها المعتبرة في هذا الخصوص التي شَّكَلت أرضية نظرية خصبة مشتركة للمقاربات الأمنية الجديدة، بشقّيها النقدي وغير النقدي، التي تطورت في إطار المنعطف البنائي. لكن كيف يمكن مطالبة البنائية، التي لا تُعتبر نظرية في العلاقات الدولية، أن تقدّم نظرية في الأمن؟ حتى لا نكون مجحفين في حق البنائية، بمختلف أطيافها، يتعين الإقرار بأن التزام هذه الأطياف بافتراض البناء الاجتماعي واعتمادها على العوامل المتعلقة بالأفكار في دراسة الأمن يمكّنان من الحديث عن وجود مقاربة بنائية للأمن، لكنها مقاربة تقاطعية لأنها تتجاوز البنائية لتمتد إلى المقاربات الأمنية الجديدة، النقدية وغير النقدية، التي تشترك في المرجعية النظرية البنائية. فمن المفارقة أن هذه المقاربات الأمنية الجديدة هي التي طَّوَرت تصورًا بنائيًا للأمن خارج المقاربة البنائية من ناحية التموقع، لكن على أساسها، بوصفها مرجعية نظرية مركزية. ونظرًا إلى أن البنائية رافد نظري لمقاربات أمنية مختلفة، فإن نظريات الأمن التي طوّرتها الأخيرة لا يستقيم أمرها من دون المرجعية البنائية. لكن كيف يمكن تفسير هذه المفارقة البنائية؟ يمكن اقتراح ثلاثة تفسيرات أساسية. التفسير الأول، على الرغم من إسهامات البنائية في الدراسات الأمنية، فإنها لم تطور نظرية في الأمن، ولم تسَعَ لذلك بالنسبة إلى نسختها السائدة أو على الأقل بعض أطرافها، إذ أبقت البنائية التقليدية على تحليلاتها في إطاٍرٍ يجعلها امتدادًا وتطويرًا لتحليلات المقاربات العقلانية، أكثر منها قطيعة مع هذه الأخيرة. ويتأكد هذا الارتباط بالمقاربات التقليدية بوضوح في الكتاب الجماعي الذي حرره كاتزنشتاين  205 وفي كتاب ونت206. فكلاهما اصطف إلى جانب العقلانية على حساب التأملية. ويشدد كاتزنشتاين وزملاؤه على "الحاجة إلى منهجية تأويلية خاصة" 207. وهذا موقف مناقض للنظرية النقدية، بوصفها نظرية تكوينية، والتي لها مآخذ

  1. Hopf, pp. 174-175.
  2. Ibid., pp. 177-180.
  3. Katzenstein (ed.).
  4. Wendt, Social Theory of International Politics.
  5. Katzenstein, "Introduction: Alternative Perspectives on National Security," p. 67.

كثيرة على الوضعية  208. وقد وصل هذا الاصطفاف حد الإقصاء الواضح للدراسات الأمنية ذات التوجه البنائي التأمليي. فبعد أن أكد كاتزنشتاين وزملاؤه أنهم يتبنّون تصورًا ضيقًا للدراسات الأمنية  209، جاءت خاتمة الكتاب أشد وضوحًا في هذا الخصوص: "لا ينبغي أن تقتصر الدراسات الأمنية على الدول ومسائل الأمن العسكري فحسب. ولا ينبغي أيضًا توسيعها حتى تشمل كل المسائل المرتبطة على نحو مباشر أو غير مباشر بالعنف بين الأفراد والجماعات. يمكن أن تضيف الدراسات الأمنية الأوسع إلى التحليل التقليدي للأمن القومي إذا كانت للمسائل والفاعلين الذين تدرسهم روابط قابلة للإثبات مع الدول والمسائل ذات الأهمية العسكرية" 210. فتصورهم الضيّق للدراسات الأمنية يتوافق والتصور ذاته عند ستيفن والت  211. أما ونت، فهو الآخر واضح في انحيازه الصريح إلى التيار العقلاني، على الرغم من أن مشروعه البحثي يدّعي تجسير الهوة بين العقلانية والتأملية، مجهضًا، منذ البداية، محاولته التوفيقية هذه. تواجه البنائية معضلتين: الأولى "خارجية" على مستوى التعارض الإبستيمولوجي الوضعي - ما بعد الوضعي، لكن ونت حسمه بالتزامه الوضعي قائلًا: "أنا وضعي" 212. وقد قوّض انحيازه هذا مشروعه التوفيقي بين العقلانية والتأملية. أما الثانية فتقاطعية داخلية - خارجية، وتتمثل في العلاقة بين البنائيتين التقليدية والنقدية، إذ إن أيّ "تصالح" بين بنائية ونت والبنائية النقدية يعني إخلاله بالتزامه الإبستيمولوجي الوضعي، وفي المقابل يقِّوِض أيّ "تصالح" بنائي بيني علاقة ونت مع الواقعية، وعلاقة البنائية النقدية مع المقاربات النقدية وما بعد الحداثة والتأملية عمومًا. وبالطبع، حسم ونت الأمر، كما قلنا، بتفضيل التزامه الخارجي (إزاء الواقعية والعقلانية عمومًا) على حساب التأملية عمومًا والبنائية الأخرى (أي النقدية) خصوصًا، ما قوّض، في نهاية المطاف مشروع الأرضية الوسطى لأنه مرفوض أصلًامن البنائية النقدية. يمكن اعتبار بنائية ونت واقعية، وذلك لسببين. أولًا، ينصبّ اهتمام بنائية ونت، والبنائية التقليدية عمومًا، على مراجعة مسّلمّات الدراسات الأمنية التقليدية، وليس "الطعن فيها على نحو أساسي" 213. ثانيًا، يتبنّى ونت الافتراضات الواقعية؛ فهو يقول إنه يتقاسم الافتراضات الواقعية التي لخّصها ميرشايمر في خمسة عناصر: 1. فوضوية السياسة الدولية، 2. سعي الدول لامتلاك قدرات هجومية،.3 اللايقين، إذ لا يمكن أن تكون الدول واثقة تمامًا بنيّات غيرها،.4 سعي الدول للبقاء،.5 الدول فاعلون عقلانيون 214. ويضيف أنه يمكن تقاسم افتراضين إضافيين: 1. الدولة بوصفها وحدة تحليل، 2. أهمية التنظير النظمي أو "الصورة الثالثة" 215. التفسير الثاني، وهو تفسير مترتب على الأول، وجود خلافات بنائية بينية – على غرار الخلافات الواقعية البينية حول تفسير الفوضى والمعضلة الأمنية – بشأن تحليل مسائل مركزية مثل طبيعة العلاقة بين الهوية والأمن ونطاق الأخير. وحتى لا نجحف في حق البنائيين، يتعين الإشارة هنا إلى أن إسهامات البنائية النقدية خففت من وقع غياب "نظرية بنائية" للأمن، مقترحةً منظورًا بنائيًا موسعًا للأمن. التفسير الثالث، ربما ساهمت مكانة البنائية، بوصفها مرجعية مشتركة لمختلف المقاربات الأمنية الجديدة، في الحد من تطوير "نظرية بنائية" في الأمن. وبما أن مختلف المقاربات الأمنية الجديدة، التي تتفق في الأساس حول رفض المقاربات الأمنية التقليدية، تتغذى كلها من الرافد البنائي عمومًا، وإن كانت منتقدة لنسخته التقليدية لخياراتها ولانحيازها إلى المقاربات التقليدية، فإنها لا ترفض البنائية التقليدية، ممثلة في ونت أساسًا، جملة وتفصيلًا، بل تتعامل معها بانتقائية نظرية، ما أوجد نوعًا من خطوط التوافق حول تصورات بشأن مفاهيم مركزية (الفوضى، والمعضلة الأمنية، والعلاقة بين الهوية والأمن، وغير ذلك.) إذًا، ترفض المقاربات الأمنية الجديدة خياراِتِ البنائية التقليدية الإبستيمولوجيَةَ، لكنها تتقاسم معها الأنطولوجيا الاجتماعية ومسلّمة البناء الاجتماعي والتصورات ذاتها بشأن مفاهيم مركزية. يتمثل الاستنتاج الأهم من كل هذا في أنه إذا كانت البنائية (التقليدية) لم تفلح في مشروعها التوفيقي بوصفها أرضية وسطى بين المقاربات العقلانية والمقاربات التأملية، فإن نجاح البنائية، بأطيافها

  1. Hopf, p. 183.
  2. Katzenstein, "Introduction: Alternative Perspectives on National Security," p. 10.
  3. Peter Katzenstein, "Conclusion: National Security in a Changing World," in: Katzenstein (ed.), p. 525.
  4. Stephen M. Walt, "The Renaissance of Security Studies," International Studies Quarterly , vol. 35, no. 2 (June 1991), p. 212.
  5. Wendt, Social Theory of International Politics , p. 39.
  6. Peoples & Vaughan-Williams, p. 17.
  7. Wendt, "Constructing International Politics," p. 72; لتفاصيل بشأن هذه الافتراضات وتحليل ميرشايمر، ينظر: John J. Mearsheimer, "The False Promise of International Institutions," International Security , vol. 19, no. 3 (Winter 1994-1995), pp. 5-49.
  8. Wendt, "Constructing International Politics," p. 72. تحيل فكرة "الصورة الثالثة" إلى تحليل والتز لمستويات التحليل: الفرد (طبيعة الإنسان وسلوكه - حالة الطبيعة)؛ الدولة (بنيتها الداخلية)؛ النظام الدولي (بنيته الفوضوية.) يتحدث والتز، في تقديمه لكتابه، عن أصل فكرة "الصور الثلاث" ومبررها، ينظر: Kenneth N. Waltz, Man, the State and War: A Theoretical Analysis , 3 rd ed. (New York: Columbia University Press, 2001 [1959]).

المختلفة، يكمن في مستوى آخر، ربما لم يكن متوقعًا بهذا الحجم: فهي أصبحت، بفضل إسهاماتها النظرية الأصيلة أرضية نظرية مشتركة للمقاربات الأمنية الجديدة، مُشكّلةً رافدها النظري الأساسي. وههنا، يكمن نجاح البنائية نظريًا في حقل الدراسات الأمنية، بل يمكن القول إن كل المقاربات الأمنية الجديدة بنائية.

المراجع

العربية

تبنّين. مج بشارة، عزمي. "تأملات في مسألة الهوية." 11، العدد 14 (صيف.)2022 بن عنتر، عبد النور. "التسلح والمعضلة الأمنية في المنطقة المغاربية: سياسات عربية التنافس الجزائري -. مج المغربي." 12، العدد 68 (أيار/ مايو.)2024 ________. غرب المتوسط مركبًا أمنيًا: مبادرة 5+5 دفاع وديناميات الأمن والهجرات. ترجمة عومرية سلطاني. الدوحة: مركز الجزيرة للدراسات،.2024 حمشي، محمد. مدخل إلى نظرية التعقد في العلاقات الدولية. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2021

الأجنبية

Adler, Emmanuel & Michael Barnett (eds.). Security Communities. Cambridge: Cambridge University Press, 1998. Adler, Emmanuel. "Seizing the Middle Ground: Constructivism in World Politics." European Journal of International Relations. vol. 3, no. 3 (September 1997). Alex, Macleod. "Les études de sécurité: Du constructivisme dominant au constructivisme critique." Cultures & Conflits. no. 54 (Eté 2004). Axelrod, Robert & Robert O. Keohane. "Achieving Cooperation Under Anarchy: Strategies and Institutions." World Politics. vol. 38, no. 1 (October 1985). Austin, J. L. How to do Things with Words. Oxford: Oxford University Press, 1962. Balzacq, Thierry. Théories de la sécurité: Les approches critiques. Paris: Presses de Sciences Po, 2016.

Benantar, Abdennour. "Quelle architecture de sécurité pour la Méditerranée?" Critique Internationale. no. 69 (Octobre-Décembre 2015). ________. "L'Algérie et la construction d'une norme internationale: Criminalisation de paiement de rançon." The Algerian Journal of Political Sciences and International Relations. vol. 16, no. 1 (June 2023). ________. Sécurité et immigration: Réflexions sur les études (critiques) de sécurité et l'Ecole de Copenhague. Oran: Editions Ibn Nadim, 2024. Berger, Peter L. & Thomas Luckman. The Social Construction of Reality: A Treatise in the Sociology of Knowledge. London: Penguin Books, 1966. Bigo, Didier. "Sécurité et immigration: Vers une gouvernementalité par l'inquiétude." Cultures & Conflits. no. 31-32 (Printemps-Été 1998). ________. "La mondialisation de l'(in)sécurité? Réflexions sur le champ des professionnels de la gestion des inquiétudes et analyse de la transnationalisation des processus d'(in)sécurisation." Cultures & Conflits. no. 58 (Eté 2005). Brubaker, Rogers. "Nationhood and the National Question in the Soviet Union and Post-Soviet Eurasia: An Institutionalist Account." Theory and Society. vol. 23, no. 1 (1994). Booth, Ken (ed.). Critical Security Studies and World Politics. Boulder: Lynne Rienner Publishers, 2005. ________. Theory of World Security. Cambridge: Cambridge University Press, 2012. Bourdieu, Pierre. Langage et pouvoir symbolique. Paris: Editions du Seuil, 2001. Buzan, Barry. People, States and Fear: An Agenda for International Security Studies in the Post-Cold War Era. 2 nd ed. New York: Harvester Wheatsheaf, 1991. Buzan, Barry & Herring Eric. The Arms Dynamic in World Politics. London: Lynne Rienner Publishers, 1998. Buzan, Barry, Charles Jones & Richard Little. The Logic of Anarchy: Neorealism to Structural Realism. New York: Columbia University Press, 1993. Charillon, Frédéric (dir.). Politique étrangère: Nouveaux regards. Paris: Presses de Sciences Po, 2002. Checkel, Jeffrey T. "Social Constructivisms in Global and European Politics: A Review Essay." Review of International Studies. vol. 30, no. 2 (April 2004). David, Charles-Philippe. La guerre et la paix: Approches contemporaines de la sécurité et de la stratégie. Paris: Presses de Sciences Po, 2000. Dehousse, Renaud (dir.). Politiques européennes. Paris: Presses de Sciences Po, 2009. Djaït, Hichem. "L'Europe et l'Islam: La dynamique (Juillet- no. Diogène. historique." Septembre 1975). Dunne, Tim, Milja Kurki & Steve Smith (eds.). International Relations Theories: Discipline and Diversity. 5 th ed. Oxford: Oxford University Press, 2021. Farrell, Theo. "Constructivist Security Studies: Portrait of a Research Program." International Studies Review. vol. 4, no. 1 (Spring 2002). Finnemore, Martha. National Interest in International Society. Ithaca: Cornell University Press, 1996. Finnemore, Martha & Kathryn Sikkink. "International Change." Political and Dynamics Norm International Organization. vol. 52, no. 4 (Autumn 1998). ________. "Taking Stock: Constructivist Research Program in International Relations." Annual Review of Political Science. vol. 4 (2001).

Paris: punir. et Surveiller Michel. Foucault, Gallimard, 1993. Gallie, W. B. "Essentially Contested Concepts." Proceedings of the Aristotelian Society. vol. 56, no. 1 (March 1956). Glaser, Charles L. "Realists as Optimists: Cooperation as Self-help." International Security. vol. 9, no. 3 (Winter 1994-1995). ________. "Security Dilemma Revisited." World Politics. vol. 50, no. 1 (October 1997). Guzzini, Stefano. "A Reconstruction of Constructivism in International Relations." European Journal of International Relations. vol. 6, no. 2 (June 2000). Hatzopoulos, Pavlos & Fabio Petito (eds.). Religion in International Relations: The Return from Exile. Basingstoke: Palgrave Macmillan, 2003. Herz, John H. "Idealist Internationalism and the Security Dilemma." World Politics. vol. 2, no. 2 (January 1950). Hobbes, Thomas. Leviathan. Oxford: The Clarendon Press, 1909. Hopf, Ted. "The Promise of Constructivism in International Relations." International Security. vol. 23, no. 1 (Summer 1998). Huysmans, Jef. The Politics of Insecurity: Fear, Migration and Asylum in the EU. London: Routledge, 2006. Katzenstein, Peter (ed.). The Culture of National Security: Norms, Identity in World Politics. New York: Columbia University Press, 1996. Kissane, Dylan. Beyond Anarchy: The Complex and Chaotic Dynamics of International Politics. Stuttgart: Ibidem-Verlag Press, 2014. Klotz, Audie & Cecelia Lynch. "Le constructivisme dans la théorie des relations internationales." Critique internationale. vol. 2, no. 1 (Hiver 1999). Krause, Keith & Michael C. Williams (eds.). Critical Security Studies: Concepts and Cases. London: UCL Press, 1997. Kubálková, Vendulak, Nicholas Onuf & Paul Kowert (eds.). International Relations in a Constructed World. London: Routledge, 2015 [1998]. Laïdi, Zaki. La norme sans la force: L'énigme de la puissance européenne. Paris: Presses de Sciences Po, 2013. Lapid, Yosef & Friedrick Kratochwil (eds.). The Return of Culture and Identity in IR Theory. Boulder: Lynne Rienner Publishers, 1996. Le Gloannec, Anne-Marie (dir.). Entre union et nations: L'état en Europe. Paris: Presses de Sciences Po, 1998. Macleod, Alex. "La culture populaire visuelle: Un espace à explorer pour les études critiques de sécurité." Cultures & Conflits. no. 102 (Eté 2016). Macleod, Alex, Isabelle Masson & David Morin. "Identité nationale, sécurité et la théorie des relations internationales." Etudes internationales. vol. 35, no. 1 (Mars 2004). McSweeney, Bill. Security, Identity and Interests: A Sociology of International Relations. Cambridge: Cambridge University Press, 2004. Mearsheimer, John J. "The False Promise of International Institutions." International Security. vol. 19, no. 3 (Winter 1994-1995). ________. The Tragedy of Great Powers Politics. New York: W.W. Norton & Company, 2001. Onuf, Nicholas. World of Our Making: Rules and Rule in Social Theory and International Relations. London: Routledge, 2013 [1989]. Peoples, Columba & Nick Vaughan-Williams. Critical Security Studies: An Introduction. 3 rd ed. London: Routledge, 2021.

Robert, Jervis. "Cooperation Under the Security Dilemma." World Politics. vol. 30, no. 2 (January 1978). Roe, Paul. Ethnic Violence and Societal Security Dilemma. London: Routledge, 2005. Salter, Mark B. Barbarians & Civilization in International Relations. London: Pluto Press, 2002. Schmidt, Brian C. The Political Discourse of Anarchy: A Disciplinary History of International Relations. New York: State University of New York Press, 1998. Thucydide. Histoire de la guerre du Péloponnèse. Jean Voilquin (trad.). Jean Capelle (notes). Paris: GF- Flammarion, 1966. Walt, Stephen M. "The Renaissance of Security Studies." International Studies Quarterly. vol. 35, no. 2 (June 1991). Waltz, Kenneth N. Theory of International Politics, Theory of International Politics. Reading: Addison- Wesley, 1979. ________. "The Origin of War in Neorealist Theory." Journal of Interdisciplinary History. vol. 18, no. 4 (Spring 1988). ________. Man, the State and War: A Theoretical Analysis. 3 rd ed. New York: Columbia University Press, 2001 [1959]. Weldes, Jutta et al. (eds.). Cultures of Insecurity: States, Communities and the Production of Danger. Minneapolis: University of Minnesota Press, 1999. Weldes, Jutta. "Constructing National Interests." European Journal of International Relations. vol. 2, no. 3 (September 1996). ________. Constructing National Interests: The United States and the Cuban Crisis. Minneapolis: University of Minnesota Press, 1999. Wendt, Alexander. "The Agent-Structure Problem International Relations." International in Organization. vol. 41, no. 3 (Summer 1987). ________. "Anarchy is What States Make of It: The Social Construction of Power Politics." International Organization. vol. 46, no. 2 (Spring 1992). Politics." International "Constructing International Security. vol. 20, no. 1 (Summer 1995). ________. Social Theory of International Politics. Cambridge: Cambridge University Press, 1999. Williams, Paul D. & Matt McDonald (eds.). Security Studies: An Introduction. 4 th ed. London: Routledge,

Wolfers, Arnold. "'National Security' as an Ambiguous Symbol." Political Science Quarterly. vol. 67, no. 4 (December 1952). Zehfuss, Maja. Constructivism in International Relations: The Politics of Reality. Cambridge: Cambridge University Press, 2004.