ألكسندر ونت في الشرق الأوسط: كيف يبنى الاختلاف في قلب الهويات الجماعية؟ **
الملخّص
Scholars studying the Middle East often challenge the IR discipline's Eurocentric framings of the world by emphasizing the particularities of the Middle East, which defy and challenge the universality of Western-rooted IR theories. Social constructivism, focusing on agency and processes, has been regarded by many as an approach with the potential of taking into consideration specific historical, ideational, and cultural contexts in the Middle East region. Social constructivism, as developed by Alexander Wendt (1992 , 1994 , 1999), seems to lend itself especially well to adaptations to provide insights for the Middle East. This article revisits some aspects of Wendt's constructivism and explores its applicability in the Middle East. The article examines Wendt's cultures of anarchy to show how cooperative relations transform into conflict through processes of interaction. I examine how the Middle East provides both a potential and challenge to his argument by examining the case of Saudi relations with Hamas, with a particular focus on the episode of the 2009 Gaza war. The article examines the puzzle of how Saudi Arabia changed and evolved over the years from supporting Hamas and the Palestinian resistance to identifying it as an enemy, despite sharing pan-Islamism as a collective identity.
Alexander Wendt Meets the Middle East: The Construction of Difference within Collective Identities
يضطرّ الباحثون الذين يدرسون الشرق الأوسط، غلابًا، إلى إعادة النظر في الأطر النظرية ذات المركزية الأوروبية، التي رُسمت للعالم في حقل لاعالقات الدولية، وذلك من خلال التشديد على خصوصيات هذه المنطقة التي تتحدّى كونية نظريات لاعالقات الدولية ذات الأصول الغربية وتضعها موضع التساؤل. وقد عدّ الكثيرون البنائية الاجتماعية، التي ترّك ز على الفاعلية والسيرورات، مقاربة قادرة على مراعاة السياقات الخاصة، التاريخية والثقافية وتلك المتعلقة بالأفكار، في منطقة الشرق ها ألكسندر ونت، في كتاباته الأوسط. ويبدو أنّ البنائية الاجتماعية التي سّك (1992، 1994، 1999)، يمكن تكييفها تلالئم المنطقة، فقتدّم في شأنها رؤى جديدة. بانءً عليه، تعيد هذه الدراسة النظر في بعض جوانب بنائية ونت، مستكشفة قابليتها للتطبيق في منطقة الشرق الأوسط. وتتناول ثقافات الفوضى عند ونت لتوضيح الكيفية التي تتحوّل فيها لاعالقات التعاونية، بفعل سيرورات التفاعل، إلى صراع. وتفحص الإمكانات والتحديات التي تدفع بها المنطقة أمام حجّة ونت، وذلك بالتمعّ ن في مثال لاعالقات بين المملكة العربية السعودية وحركة المقاومة الإاسلمية "حماس"، مع التركيز خاصة على حلقة حرب غزة عام 2009. ثم تستكشف "لغز" الكيفية الذي انتقلت به المملكة، على مدى سنوات، من دعم حركة حماس والمقاومة الفلسطينية، إلى تصنيفها عدوًا لها، على الرغم من تشاركهما وهية جماعية قوامها نزعة الوحدة الإاسلمية.
Keywords: Alexander Wendt, Collective Identity, Anarchy, Pan-Islamism, Saudi Arabia, Hamas.
مقدمة
تتباين النظريات الرئيسة في حقل العلاقات الدولية تباينًا جلًّيًا في مفاهيمها عن الصراع والتعاون، لكنها تتقاسم مشتَرَكًا واحدًا، هو تجذّرها العميق في الخبرة الغربية وتاريخها الفكري. ولقد بُنيت اتجاهات نظرية متنوعة في الحقل على فكرة أنها "كونية"، على الرغم من أنها جاءت انعكاسًا لخبرات تخصّ العالم الغربي في المقام الأول. وتزداد انتقادات مقاربات العلاقات الدولية المهيمنة (أي الواقعية والليبرالية)، لتغاضيها عن محدودية منظوراتها، وتصل هذه الانتقادات إلى حد مساءلة الطبيعة الفعلية لحقل العلاقات الدولية نفسه، مثلما تجسّدها مقالة ستانليي هوفمان المنشورة عام 19771، حين وصف الحقل بأنه "علم اجتماعي أميركي." وقد كان إسهام المقاربات النظرية النقدية، مثل النسوية وما بعد البنيوية وما بعد الكولونيالية، بالغًا في فهم الإنتاج الاجتماعي للمعرفة. وفي هذا الصدد، تخبرنا ملحوظة روبرت كوكس الشهيرة بأنّ "النظرية لطالما كانت لفائدة شخص ما ولغرض ما[...]و(ما مِن) شيء عن وجود نظرية قائمة بذاتها، منفصلة عن وجهة نظر ما داخل الزمان والمكان" 2، كاشفة عن نقاشات نقدية في شأن الكيفية التي قد يتسع بها الحقل على نحو يمكن أن يعكس فيه تجربة العالم غير الغربي وتواريخه وثقافاته. وقد شهدنا في العقَدَين الماضَييَن أدبيات ومناقشات متنامية أولت اهتمامها لإمكانات وضرورات تبلور نظرية غير غربية للعلاقات الدولية (ما بعد غربية/ عالمية) 3. وواجهت دراسة حقل العلاقات الدولية في منطقة الشرق الأوسط تمُّثلُات مشوّهة شبيهة بالتمثلات التي واجهتها مناطق أخرى في الجنوب الكبير؛ إذ غالبًا ما يعيد الباحثون في المنطقة، سواء أكانوا من المنحدرين من المنطقة أم من المقيمين فيها، أم من الأجانب الذين انكبّوا على دراستها، الأطر ذات المركزية الأوروبية التي رُسمت للعالم في هذا الحقل، وذلك بتأكيد خصوصيات الشرق الأوسط، التي تتحدّى كونية نظريات العلاقات الدولية بأصولها الغربية. فمن جهة، يواجه باحثو المنطقة التحدي الدائم المتمثل في استخدام نظريات العلاقات الدولية لتفسير السياسة الإقليمية، والاستعانة بها على الرغم من أنها أداة نظرية نادرًا ما تصرّح بإشكالية التحيزات الجيوإبستيمية لهذا الحقل المعرفي. ومن جهة أخرى، غالبًا ما تكون الحالات القادمة من الشرق الأوسط اختبارًا صعبًا لنظريات العلاقات الدولية ومفاهيمها، سواء أتعلق الأمر بالحرب أم بالصراع أم بالسلام أم بالاقتصاد السياسي الدولي أم بالسيادة. وانعكس هذا التوتر على "سجال دراسات المناطق"، الذي يكشف عن الافتقار إلى التلاقح المتبادل بين نظريات العلاقات الدولية والشرق الأوسط. وقد تجاوز عدد من الدارسين الغربيين للمنطقة والباحثين المنحدرين منها هذا الانقسام على نحو متزايد، داعين إلى حوار بين نظريات العلاقات الدولية وخصوصيات الشرق الأوسط وتعقيداته 4. وقد شهدت العقود الثلاثة الماضية نشر الكثير من الأعمال المتميزة والرصينة التي جمعت بين نظريات العلاقات الدولية والمعرفة العميقة بالشؤون الإقليمية 5. وعمد بعض الباحثين إلى موضعة مقاربات العلاقات الدولية السائدة في سياق يجعلها تتلاءم مع الخصائص الإقليمية الاستثنائية المفترضة، في حين تبنّى آخرون انتقائيةً من داخل التخصص تجمع بين رؤى متأتّية من عدة مقاربات، وتتيح تحديد الديناميات السياسية في المنطقة 6. واعتبر الكثيرون أن البنائية، التي تركز على الفاعلية والسيرورات، تمثل مقاربة يمكنها مراعاة السياقات الخاصة، التاريخية والثقافية وتلك
المتعلقة بالأفكار، التي تِسِم منطقة الشرق الأوسط 7. فكانت المنطقة أرضًا خصبة أْثَْرَت النقاشات عن سياسة الهوية والعلاقات الدولية، بفضل ما تتسم به من تعقّد من جراء اشتمالها على هويات دولتية، وما دون الدولة، وما فوق الدولة 8. وقد عثر بعض الباحثين في حقل العلاقات الدولية، القادمين من منظور بنائي بوجه خاص، على دراسات حالة مثمرة في الشرق الأوسط، أسهمت في تطوير مقارباتهم وأطرهم النظرية 9. واعتبر الباحثون المشتغلون بالمنطقة أنّ مقاربات البنائية الاجتماعية تُعدّ أشد مرونة وأقل اعتمادًا على التصورات المسبقة التي تِسِم المقاربات المهيمنة في الحقل، بل إنها تعتمد بديلًامن ذلك على فرضية مفادها أن سلوك/ تصرفات الدولة ومصالحها "مبنية اجتماعيًا." وهكذا انتهى دارسو الشرق الأوسط إلى أن البنائية مقاربة مرنة يمكن تكييفها لدراسة ظواهره، على الرغم من أن مفهومها الذي تتأسس عليه ربما كان قائمًا على أفكار وخبرات غربية، بيد أنهم توافقوا على أن تطبيقها يمكن أن يستقي من الأفكار والهويات والمعايير داخل ثقافة الشرق الأوسط السياسية وتاريخه. وفي الجهود التي تروم تكييف البنائية، عمد الباحثون، غالبًا، إلى المزج بين البنائية وتيارات من الواقعية الجديدة 10، أو اقترحوا ردّ الأفكار والهويات الكامنة في علاقات المنطقة الدولية، مرة أخرى، إلى أصولها في السياسة الداخلية 11. ويبدو أن البنائية الاجتماعية، على النحو الذي تطورت به على يد ألكسندر ونت في كتاباته 12، تتميز بقابليتها العالية للتكييف وبقدرتها على تقديم رؤى معمّقة تتعلق بمنطقة الشرق الأوسط. وقد استحثّت كتابات ونت من الإشادة ومن النقد القدر الوفير داخل حقل العلاقات الدولية، بين من تبنّوا أفكاره وبنوا عليها لتطوير المقاربات البنائية داخل الحقل، ومن انتقدوا عمله لأسباب مختلفة، منها أنّ ما قدّمه يعدّ منهجًا أكثر من كونه نظرية، وتركيزه المفرط على المنظورات البنيوية التي تتجاهل السياسة الداخلية، والافتقار إلى التطبيق الإمبريقي وتجارب "العالم الواقعي." وفي دراسة الشرق الأوسط، طبّق الكثير من الباحثين البنائية وركزوا على الأفكار والهويات والمعايير في أبحاثهم، لكنّ فئة قليلة منهم استمدّت الأساس النظري لأعمالها، على نحو صريح، من أعمال ونت 13. تعيد هذه الدراسة النظر في بعض جوانب بنائية ونت الواردة في مقالته الرائدة "الفوضى هي ما تصنعه الدول منها"، مستكشفة قابليتها للتطبيق في الشرق الأوسط. وتحاجّ البنائية الاجتماعية على نحو ما سكّها ونت، بأن وجود هوية جماعية بين الدول في منطقة معيّنة يمكن أن يتجلى في منطق خاص من الفوضى؛ فسياستا القوة Politics Power والاعتماد على النفس Help Self، هما بنيتان مبنيتان اجتماعيًا، ويمكنهما التغّي ربتغّي رالهوية والمصالح. ويتجلى منطق الفوضى بأشكاله المتميزة في معايير الصراع والتعاون. ويمكن أن يحدث الانتقال داخل البنية الدولية من بنية الفوضى، التي تقوم على سياسة الاعتماد على النفس، إلى بنية تعاونية، بوساطة التفاعل بين الفاعلين عبر مسارات مقترحة: أولًا، مؤسسة السيادة؛ وثانيًا، تنمية التعاون؛ وثالثًا، تحوّل الهويات الأنانية إلى هويات جماعية 14. ويقوم مفهوم ونت للهوية الجماعية، بوصفها مصدرًا للتعاون والسلام (التحوّل من الفوضى المستندة إلى سياسة الاعتماد على النفس)، على النماذج الغربية للتعاون إلى حد ما، متجاهلًاالأشكال الثقافية الأخرى من التبعية للمسار Dependencies Path، القائمة في مناطق أخرى، ومنها الشرق الأوسط. وفي هذا الصدد تحاجّ هذه الدراسة بالآتي: في حين يُفترض أن تنتقل الدول من الهويات الأنانية إلى الهويات الجماعية، فإن الهويات الجماعية في الشرق الأوسط لطالما كانت مصدرًا للاختلاف
والصراع. وقد لحظ الباحثون في كثير من الأحيان أن الهويات الجماعية المختلفة، مثل القومية العربية ونزعة الوحدة الإسلامية، المتعارضة بطبيعتها مع المنطق الأناني، كانت مصدرًا للصراع؛ بسبب عوامل داخلية متعلقة بالشرعية، و/ أو لأن الفاعلين يملكون تأويلات متباينة للهوية ذاتها، بما هي هوية عابرةٌ للحدود 15. وقد لحظ ستيفن والت أنّ "بعض الأيديولوجيات تمثل مصدرًا للانقسام أكثر من كونها مصدرًا للوحدة، على الرغم من أن الأيديولوجيا تفترض صراحةً مبدأ التعاون الوثيق بين أتباعها" 16. وعلى نحو مماثل، خلص مايكل بارنيت17 إلى أن القومية العربية كان لها تأثير انقسامي في أتباعها. ويوضح ونت في كتابه، بناءً على قراءات للتاريخ الأوروبي وديناميات حقبة ما بعد الحرب الباردة، أن الفوضى القائمة على الاعتماد على النفس يمكن أن تتحول إلى نظام تعاوني من خلال التغيرات والتحولات الواعية وغير الواعية في هويات الفاعلين ومصالحهم. بيد أن منطق الفوضى anarchy في الشرق الأوسط يكشف عن ديناميات مختلفة. تقدّم هذه الدراسة حجة تقول إن هذه التبعية للمسار التي تقوم على تغير الهوية في اتجاه التعاون لا تعكسها ديناميات الهويات الجماعية في الشرق الأوسط، التي كانت بالأحرى مصدرًا للعداء والتهديدات، على الرغم من أن هذه الهويات تتضمن التزامات ووصفات للتعاون والدعم المتبادل، وتعريفات جلية للأعداء والتهديدات المشتركة. فأثناء سيرورات تشكّل الدولة في الشرق الأوسط، وعلى الرغم من أن السيادة كانت قد ترسّخت خلالها، انتقلت الهويات الجماعية من التعاون إلى ديناميات أنانية قوامها الاعتماد على النفس. ولتوضيح هذه الديناميات، تفحص هذه الدراسة موقف المملكة العربية السعودية من حركة حماس خلال الحرب في قطاع غزة عام 2009. ففي 27 كانون الأول/ ديسمبر 2008، شنّت إسرائيل عملية عسكرية أطلقت عليها اسم "الرصاص المصبوب"، استهدفت القطاع والحركة. وإنه لَمن اللافت للانتباه أن المملكة، التي كانت تقليديًا داعمة للقضية الفلسطينية والمموّل الرئيس لحماس في المدة 2007-1987 18، أدانت المقاومة وألقت عليها باللائمة وحمّلتها مسؤولية معاناة الشعب الفلسطيني. لذلك، تتناول الدراسة لغز التغير الذي طرأ ونما على مدى سنوات، ناقلًاالمملكة من دعم حركة حماس والمقاومة الفلسطينية إلى الخوف من فاعل غير دولتي، على نحٍوٍ يُظِهِر تحولًاواضحًا من ثقافة كانطية Kantian للفوضى إلى ثقافة هوبزية Hobbesian، مكّنتها سيرورات التفاعل. ويعدّ مثال العلاقات بين السعودية وحركة حماس حالة واحدة (أو دراسة حالة توضيحية)، تكشف عن السيرورة التفاعلية داخل نظام إقليمي فوضوي. وتوضح أن التعاون، من خلال التفاعل على المستوى البنيوي، يمكنه أن يتحوّل إلى صراع. وتكشف، أيضًا، عن تداعياٍتٍ نظرية أوسع تلقي ضوءًا واضحًا في وقت واحد على الصلاحية التي تحظى بها حجة ونت، وعلى حدود تطبيقها في الجنوب العالمي، وفي الشرق الأوسط خاصة. ثم إنها تثري الدراسات الناشئة عن السعودية، لأن هذه الحالة تقدّم مث لًاعن الكيفية التي تطورت بها نظرة المملكة إلى فاعلين غير دولتيين إذ اعتبرتهم أعداءً، لا سيما الفاعلين الذين يتبنون أيديولوجيا الإسلام السياسي. وإنّ تركيز هذه الدراسة على الحلقة التي تمثلها حرب غزة، عام 2009، لا يحول دون صلاحية التحليل الذي يمكنه أن يلقي الضوء على السياسة السعودية حيال الحلقات اللاحقة من الحروب على غزة في الشرق الأوسط، وسياساتها تجاه القضية الفلسطينية. وفي هذا الصدد، يمكن النظر إلى دراسة الحالة المنفردة هذه بوصفها حالة "نموذجية" تفسر السلوك السعودي تجاه حركة حماس. وُلدت حماس، بوصفها حركة إسلامية، من رحم جماعة الإخوان المسلمين، ذات الروافد الفكرية السنّية. وقد عَّدَْتْها السعودية تهديدًا، على الرغم من التقارب في الهوية وحلقات التعاون بينهما في الماضي؛ إذ كان من المتوقع أن تدعم السعودية الحركة بسبب مركزية القضية الفلسطينية في السردية التي تروي هوية النظام وشرعيته في الداخل، لكنّ المملكة باعدت بينهما وبين التوقعات والوصفات التي تحملها هذه الهوية الجماعية، على نحو دفع إلى الصدارة ديناميات الاعتماد على النفس المتزايدة في المنطقة، وكشف عن تحوّل واضح في اتجاه ثقافِةِ فوضى هوبزية باتت تهيمن على علاقاتهما. تتطرق الدراسة في البداية إلى المبادئ الرئيسة التي تستند إليها حجة ونت. ثم تبّي نأن الشرق الأوسط يتيح إمكانية لتطبيق هذه الحجة ورهانًا لها في الوقت نفسه؛ وذلك حين توضح المدركات السعودية التي جعلت من حركة حماس تهديدًا للمملكة، مع التركيز خاصة على حالة الحرب على غزة عام.2009
أولًا: بنائية ألكسندر ونت وإمكانية تكييفها في الشرق الأوسط
حاولت البنائية 19 أن ترأب الفجوة بين التفسيرات الواقعية والليبرالية للسياسة العالمية، وذلك بإضافة بُعد متعلق بالأفكار لدراسة سلوك الدولة على المستوى الدولي. وفي ذلك، قدّم البنائيون نماذج نظرية تستند إلى العلاقة بين الهوية وسلوك الدولة 20. وعلى النقيض من الواقعية والليبرالية المهيمنَتيَن، تفترض البنائية أن البنى لا تتشكّل من عوامل مادية فحسب، بل من عناصر معيارية أيضًا. ويشارك الفاعلون والبنى، علاوة على ذلك، في عمليات نشوء وإعادة إنتاج متبادلة تصوغ مصالح الفاعلين. ووفق هذا المنظور، فإن الهوية تشِّكِل المصالح، ومن ثمّ تحدد سلوك الفاعلين. وفي حين يفترض الواقعيون أن المصالح تنبع، على نحو موضوعي، من التوزيع النسبي للقوة في البنية الدولية، ويفترض الليبراليون أن مصالح الدولة هي تجميع لمصالح مجموعات مختلفة في الداخل، يحاجّ البنائيون بأن المصالح لا تنبع موضوعيًا، بل هي مبنية اجتماعيًا بوساطة التفاعلات التي تجري على المستوى البنيوي. وتتحدّى البنائية افتراضات الواقعية الجديدة عن المصالح الثابتة المستمدّة من الطبيعة الفوضوية للنظام الدولي. وعلى الرغم من أن البنائية انبثقت بوصفها نظرية اجتماعية ذات تنويعات تقليدية ونقدية 21، فإنّ بعض الباحثين يحاجّون بأنها تطورت لتصير نظرية سائدة في العلاقات الدولية 22. وكان لكتابات ونت، لا سيما كتابه، نظرية اجتماعية للسياسة الدولية، أثر واضح في حقل 23 Social Theory of International Politics العلاقات الدولية وتطوّر البنائية. وعلى الرغم من أن مفاهيمه خضعت لنقاشات وسجالات حماسية ومتكررة، حافلة بالإشادة وبالنقد أيضًا، فإنّ تجذّرها خارج الغرب كان محدودًا جدًا، وهو ما يعدّ لافتًا للانتباه؛ بالنظر إلى التطبيق الواسع للبنائية في مناطق الجنوب الكبير، ومنها الشرق الأوسط 24، وجنوب شرق آسيا25. فعلى الرغم من أن الباحثين اعتمدوا المعايير والأفكار في أبحاثهم القائمة على البنائية، على نحو ما ذكرنا من قبل، فإن فئة قليلة منهم استمدت الأسس النظرية لأبحاثهم من أعمال ونت على نحو صريح. ثم إن ونت لم يبِدِ انشغ لًابانعكاس مفاهيمه في "العالم الواقعي"، كما في مفهومه عن "أشكال منطق الفوضى" Anarchy of Logics، على نحو لم يعزّز تطبيقها إمبريقيًا، ويقرّ بأنّ "القرّاء الذين ينشدون مقترحات مفصّلة في شأن النظام الدولي، فضلًاعن اختبارات إمبريقية، سيصابون بخيبة أمل" 26. نمت أفكار ونت على نحو انتهى إلى تطور فكري بات بيّنًا في كتاباته. وأفضل مثال على عمله الأّولّي هو مجموعة مقالاته المهمة 27 التي توّجها بكتابه المذكور آنفًا. ثم مثّل عمله اللاحق "تحولًا غائيًا" تكشف عنه مقالته المعنونة "ِلِم تُعُّدُ الدولة العالمية حتمية؟" 28، وعمله اللاحق عن "التحول الكوانتي" في "النظرية الاجتماعية بوصفها علمًاديكارتيًا" 29. وبالنظر إلى هذه التحولات الأخيرة التي طرأت على كتابات ونت، فإن هذه الدراسة لا تناقش "كل كتاباته" والإمكانية التي تقدمها في دراسة الشرق الأوسط، بل تركز على بنائيته الاجتماعية الأولية القائمة على الافتراضات الثلاثة الآتية: لا تزال الدول القومية تُعَدُ المستوى الرئيس للتحليل. وينظر ونت إلى المستوى النظمي، أي مستوى النظام الدولي، المؤلف من
الدول؛ إذ يمكن أن يتحقق التغيير، على نحو جوهري، بوساطة الفاعلين المشكّلين لهذا النظام. وكان هذا الجانب قد تعرّض للنقد أكثر في عمل ونت، لتجاهله تأثير السياسة الداخلية في تشكيل هويات الدول وسلوكها على المستوى النظمي. ليست مصالح الدول وهوياتها معطى متأتيًا من خارجها، بل هي مبنيّة. ويعرّف جيبرسون وآخرون الهوية بأنها تمثّل "الطابع الأساسي للدول" 30، مع اعترافهم بإمكانية تغيّ ها من خلال الإحالة على مفهوم شائع في علم النفس الاجتماعي، بالقول إنها "تحيل على صور الفردية والتمايز (الذاتية) التي يحملها الفاعل ويبرزها، والتي تتشكّل (وتعدَل بمرور الوقت) من خلال العلاقات مع 'الآخرين' ممن يحظون بالاهتمام." ومن ثمّ، يشير المصطلح (على النحو المتعارف عليه) إلى صور مبنية على نحو متبادل وتطورية عن الذات والآخر. وههنا، قد تتولد مصالح الدول أو يعاد تعريفها بوساطة الهويات الجماعية، في حين يمكن هذه الهويات الجماعية أن تتمدد وتتطور، حتى لو لم تكن متناغمة مع هويات بعض الأعضاء. أما الافتراض الثالث، والمركزي، فمفاده أن الفوضى لها أكثر من منطق، وهو ما تعكسه مقالة ونت التي يُستشهد بها على نحو واسع: "الفوضى هي ما تصنعه الدول منها: سياسة القوة بوصفها بناءًاجتماعيًا" 31. وتتجلى الفكرة الرئيسة هنا في أن ما يميز مقاربة ونت التأملية هو أنّ المقاربة العقلانية تتجسد في رؤيته عن الفاعلية Agency. وتفترض الواقعية الجديدة والمؤسساتية الليبرالية الجديدة أن مصالح الدول، مثلها مثل أولوية الاعتماد على النفس، هي مصالح خارجية المعطى، تنتج من البنية الفوضوية للنظام الدولي. في حين يحاجّ ونت، من جهة أخرى، بأنّ الاعتماد على النفس وسياسة القوة قد لا ينبعان من حالة الفوضى، لا من حيث البدهية ولا بالاعتماد على السببية. ومن ثمّ، ما من "منطق" معطى للفوضى خارج الممارسات التي تنشئ نوعًا بعينه من بنية الهويات والمصالح وتجسّده: إذ إن "الفوضى هي ما تصنعه الدول منها." وحين لا تكون هوية الدولة ومصلحتها المركزية معطاة مسبقًا على نحو ما تفترضه الواقعية خاصة، فإن هذه المتغيرات يمكنها أن تتبدّل من خلال التفاعل 32. ويرى ونت أنّ التفاعل قد يجلب التغير في هويات الدولة، مفضيًا إلى أشكال متعددة من "منطق" الفوضى، وهو ما يسميه أيضًا "ثقافات" الفوضى. ويستخدم ههنا مفهوم أشكال منطق الفوضى، القابلة للتحقق، ليحدد ثلاث ثقافات تِسِم الفوضى 33. بناءً على ذلك، يمكن النظر إلى التحليل الواقعي بوصفه إحدى ثقافات الفوضى، وربما كانت هي المهيمنة في عالمنا اليوم، لكنها قد لا تظل مهيمنة إلى ما لا نهاية؛ لأنّ ونت يزعم أن الفوضى، على المستوى الكّلي، يمكنها أن تتخذ ثلاث بنى متباينة على الأقل؛ العداء أو التنافس أو الصداقة، ويسميها، استنادًا إلى تراث المدرسة الإنكليزية: الثقافات الهوبزية، واللوكية، والكانطية. تشير أشكال منطق الفوضى لدى ونت إلى أنماط مختلفة من المجتمعات القائمة داخل البنية الفوضوية الرسمية للنظام الدولي، يستند كٌّلٌ منها إلى علاقات اجتماعية مختلفة؛ ما يعني أنها ليست مادية، بل هي بنية ثقافية تصوغها أدوار مختلفة: الصديق، والمنافس، والعدوّ. ويتأثر سلوك هذه المجتمعات بتوزيع الهويات بين الفاعلين، ولكلّ منهم موقفه الخاص به تجاه الآخرين ومقاصده أيضًا فيما يتصل باستخدام العنف. وتتبلور الثقافة السائدة في أي نظام بفعل أفكار الفاعلين فيه، وهذه الأفكار تحدّد السلوك الملائم الذي قد تتخذه الدول. فعلى سبيل المثال، إذا نظر أغلب المشاركين في النظام بعضهم إلى بعض بوصفهم أعداءً، تهيمن الثقافة الهوبزية؛ وفي مثل هذا السيناريو، يعرّف بعُضُ الفاعلين بعَضَ هم الآخر بوصفهم أعداءً، فيصير الصراع سمة مميّزة لتفاعلاتهم. لذلك كانت أول ثقافة فوضوية حددها ونت هي الثقافة الهوبزية؛ إذ يتسم النظام فيها بالصراع على الهيمنة وشيوع العلاقات العدائية بين الفاعلين. ويضع هؤلاء الفاعلون في حسبانهم، على الدوام، إمكانية حدوث تغيرّات سلبية، ساعين للتفوق على خصومهم لتحقيق مكاسب نسبية. وتشمل العناصر الرئيسة لهذا النوع من الفوضى: الأنانية، والعقلانية، واستخدام القوة ضمن استراتيجيات السياسة الخارجية. وفي هذه الثقافة، يجري تصوير "الآخر" في دور العدو، على نحو يبرر استخدام العنف غير المحدود، وأيّ قيد على استخدام العنف قد يرتبط بعدم قدرةٍ من الفاعل على التصرف (بسبب توازن القوى أو القيود الداخلية.)
أما النمط الثاني من الفوضى، فهو الثقافة اللوكية culture Lockean التي تتسم بالتنافس؛ إذ يتولى الفاعلون دور الخصوم المتنافسين، وتخضع علاقاتهم لمبادئ مثل توازن القوى والحياد وإدارة الصراعات، وكلها تحدّ من طموحاتهم على الساحة الدولية. وعلى الرغم من أن المتنافسين ينظرون بعضهم إلى بعض هنا من خلال عدسة العنف المحتمل، فإنهم يَُعَدّون أقل تهديدًا بعضهم لبعض مقارنة بالنمط الهوبزي. وعلى النقيض من مدركات العداء، يتوقع المتنافسون احترام السيادة والحرية، ويغيب الدافع إلى الهيمنة؛ إذ تلتزم الدول في الفوضى اللوكية بالوضع القائم فيما يتعلق بسيادة كلّ منها؛ ما يخفف من المخاطر الأمنية. والمتنافسون الخصوم قادرون على استخدام القوة لتسوية النزاعات، لكنّ استخدامها ليس محوريًا كما في النظام الهوبزي. ومن ثم، فإنّ توازن القوى بالغ الأهمية في صوغ هذا النمط من النظام الأناركي، الذي يستوعب داخله إمكانية الحياد أو عدم الانحياز أيضًا. وأما الثقافة الكانطية هي نظام "السلام الأبدي" الذي يتسم بهيمنة قيم القانون؛ إذ تخلق الدول شعورًا مشتركًا بال "نحن" من خلال التزام القواعد والمعايير المشتركة داخل البيئة الدولية. وفي هذا النمط، ينظر الفاعلون بعضهم إلى بعض على نحو إيجابي، ويسعون جاهدين لإرساء ممارسات الأمن الجماعي. وفي مثل هذا النظام، تتوقع الدول بعضها من بعض حل النزاعات من دون اللجوء إلى الحرب (مبدأ عدم استخدام القوة)، والعمل جماعيًا في مجال الدفاع إذا ما تعرّض أيّ عضو فيه للتهديد من طرف خارجي (مبدأ المساعدة المتبادلة.) ويقول ونت إن ثمة ثلاث مراحل يجري من خلالها تذويت المعايير Norm Internalization داخل كل نمط من أنماط ثقافة الفوضى في النظام الدولي. في المرحلة الأولى، تَُّتَبع المعايير، في المقام الأول، بسبب التهديد باستخدام القوة عقابًا على الانتهاكات التي تشملها؛ ثم تحدث المرحلة الثانية حين يلحظ الفاعلون أن التزام المعايير يتماشى مع مصالحهم الخاصة؛ وقد يؤول الامتثال المستمر إلى المرحلة الثالثة من التذويت، حيث يُنظر إلى المعايير على أنها شرعية وجزء من هوية الدولة. وهذه المرحلة هي التي "تبني" فيها المعاييُرُ الدوَلَ حًّقًا، حين تؤثر في مصالحها وهوياتها الأساسية. بيد أن ثقافة الفوضى الهوبزية قد تنبثق من الأفكار المتشاركة والسيرورات الاجتماعية في نطاق هذا المستوى الثالث، لا من العوامل المادية فحسب. وبالمثل، قد تتطور ثقافة الفوضى الكانطية من المصالح التي تحرّكها إما تهديدات العقاب (المستوى الأول)، وإما منافع التعاون (المستوى الثاني.) ويعتمد الحد الذي يبلغه التعاون بين الفاعلين على المستوى الثالث من التذويت؛ إذ تفّس رالدوُلُ بنيَةَ الدور الذي تقوم عليه ثقافة الفوضى القائمة تفسيرًا ذاتيًا، لا انطلاقًا من نمط الثقافة بعينها، وذلك استنادًا إلى فهمها العام للعلاقات بين الدول. شكٌلٌ يوضّ ح مستويات التذويت ودرجات حالة المجتمع أو التعاون
تتشكل ثقافات الفوضى داخل النظام الدولي عبر الممارسات الخطابية والسيرورات التاريخية التي تعزز الكيفية التي ينظر بها كل طرف إلى نفسه وإلى الآخرين أو تغّي رها. بعبارة أخرى، تعمل الدول على نشوء الفوضى وتسهم في الحفاظ على هذا الإنشاء، أو مثلما يقول ونت في عبارته الشهيرة "الفوضى هي ما تصنعه الدول منها"، أو "الفوضى هي ما تُنشئه الدول بتفاعلاتها." فالنظام الهوبزي لن يستمر إلا إذا
استمرت الأطراف في التصرف بناءً على الدوافع الأنانية والعسكرتارية؛ ولكن في حال بروز ممارسات جديدة، ربما تتطور الثقافة الهوبزية، في نهاية المطاف، إلى نمط مختلف. وقد تشهد ثقافات الفوضى أيضًا مراحل انتقالية؛ إذ إنها تتبنّى خصائص من أنماط الثقافات الأخرى. وفي مثل هذه الحالات، ربما تسعى الدول لتحقيق أهداف وتوظّف أساليب يتبنّاها فاعلون ينتمون إلى مستويات بنيوية مختلفة.
كيف يمكننا تطبيق هذا النموذج المعقّد الذي يكاد يعتمد، حصرًا، على الخبرات الغربية، في سياق الشرق الأوسط؟ تحاجّ هذه الدراسة بأن البنائية الاجتماعية هي نظرية جيدة التصميم للتطبيق في سياق إقليمي مختلف، لقدرتها على مراعاة مصادر مختلفة للأفكار. وإذا كان ونت قد اقترح ثقافات تستند إلى فلاسفة غربيين، أمثال جون لوك أو إيمانويل كانط، فإنّ المجال لّمَا يزل متاحًا للحديث عن فوضى مختلفة تستند إلى هويات مختلفة. وقد أشار كاتزنشتاين وسيل إلى أن طبيعة الهوية الجماعية في آسيا "تتأثر تأثرًا شديدًا - بطرائق لم تشرع النظريات المعاصرة للعلاقات الدولية في تحليلها بعُد - بالخبرات التاريخية وإرث العالم الذي تحتل الصين مركَزَه، وهو عالم الروماني" 34يختلف في كثير من المناحي عن تراث العالم الإغريقي -. تتمثل إحدى طرائق تطبيق البنائية الاجتماعية في الشرق الأوسط، ومناطق الجنوب الكبير الأخرى، في دراسة المعايير والهويات الجماعية التي جرى بناؤها بوساطة التفاعل في المنطقة (المعايير التفاعلية)، وتلك التي جرى جلبها من الخارج وتوطينها بنجاح (المعايير الخارجية)، وتلك التي نتجت من إعادة تعريف الهوية التي تحدث بعد تعرّض فاعل من الفاعلين لتغيير داخليي (المعايير الداخلية/ المحلية.) ويمكن ههنا أن تكون لدراسات المناطق إسهامات كبيرة في النشاط البحثي، بما توفره من سياقات تاريخية وثقافية، وهو ما يفتقر إليه باحثو العلاقات الدولية في أغلب الأحيان. وقد عَدّ الدارسون منطقة الشرق الأوسط، بما تنطوي عليه من سياسِةِ هويةٍ متعددة الطبقات، أرضًا خصبة لاختبار فرضيات البنائية 35. فقد سمحت البنائية بتفسيٍرٍ جديد للسياسة العربية يأخذ في الحسبان خصوصية الشرق الأوسط من دون المجازفة بالانزلاق في بِركة الحجج الثقافية ذات الطابع الاختزالي 36. بيد أن دراسات قليلة جدًا اعتمدت على منطق الفوضى المتعدد مثلما سكّه ونت. يقدم بارنيت قراءة بنيوية للسياسة العربية البينية بناءً على مقاربة بنائية تعتبر التفاعل بين الفاعلين والبنية Agents and Structure مصدرًا رئيسًا للهوية والمصالح 37. وُيُبّي نأن البنية الإقليمية بينذاتية، بما في ذلك هويات الفاعلين جنبًا إلى جنب مع المعايير التي تمليي السلوك المناسب لكل هوية. ففي حقبة ما بعد الاستعمار، تطورت الدول العربية إلى بنى بينذاتية قوامها "العروبة" التي صاغت هويتها العربية، و"السيادة" التي صاغت هوياتها بوصفها دولًاقومية ذات سيادة. وقد أْمْلت كل واحدة من البنيَتيَن توقعات سلوكية اتسمت بالتناقض في كثير من الأحيان، ما أدى إلى التوترات والصراعات في السياسة العربية البينية. وبسبب التفاعلات والممارسات، تغيرت هوية الدول العربية حين تراجعت القومية العربية وتعززت الهويات الوطنية والسيادة. ومع إقحام متغيرات غير مادية، مثل الهويات والقيم والأفكار والمعتقدات، في تشكيل سلوك الدولة، مكّنت البنائية الباحثين الذين يدرسون الشرق الأوسط من تحدي افتراضات الواقعية الجديدة بشأن المصالح الثابتة الناجمة عن الطبيعة الفوضوية للنظام الدولي. وفي هذا السياق، يوضح بارنيت أن التغير في محتوى الهوية له تأثير بالغ في السلوك الاستراتيجي وسياسة التحالف. فأثناء حقبة حلف بغداد 38، ترَّكَز النقاش داخل النظام السياسي العربي على صوغ تعريٍفٍ ل "الهوية الجماعية"؛ ومن ثمّ، شملت الخصومة المعايير التي ينبغي لها أن تحكم
العلاقات بين الدول العربية (أهي العروبة أم السيادة؟.) وعلى النحو الذي يوجزه في مقالته، "تنبع التهديدات، نتيجةً لذلك، من محاولة الخصم الظهور بمظهر من يتصرف على نحٍوٍ ينتهك معايير المجموعة، ويظهر الآخرون على أنهم يتصرفون بما يتفق مع تلك المعايير، وهذا ما يمثّل تهديدًا محتملًايشمل المجموعة" 39. ويحاجّ بأن المعيار السائد في فترة زمنية معينة يصوغ سلوك الدولة وخيارات التحالف التي تتخذها. فخلال حقبة حلف بغداد، كانت القومية العربية هي المعيار السائد في المنطقة، فصاغت من ثمّ سلوك التحالفات بين الدول، قبل أن يشهد بناء التهديدات في الشرق الأوسط منعرجًا مع تراجع القومية العربية. ويرى بارنيت أن حرب الخليج عام 1991 وتشكيلات التحالفات، خلال هذه الفترة، كشفتا عن تراجع القومية العربية وظهور الهويات المرتكزة على نزعة دولتية. وحالما كفّت الدول العربية عن تشارك تعريف التهديد، تباعدت في سياساتها الأمنية. بيد أنّ دارسي الشرق الأوسط خلصوا إلى أن ديناميات الهويات الجماعية كشفت عن ديناميات مختلفة عن تلك المرسومة في البنائية القائمة على الخبرة الغربية؛ إذ إن البنائية التقليدية في حقل العلاقات الدولية تفترض أنّ الدول تتماهى، على نحو إيجابي، مع من يملكون هوية مماثلة لهويتها. ويحاجّ مارك هاس بأن "أوجه التشابه الأيديولوجية كلما زادت بين قادة الدول، زادت احتمالية نظر بعضهم إلى مصالح بعضهم الآخر على أنها متكاملة، ما يعزز الحوافز التي تدفع هؤلاء إلى تشكيل تحالف" 40. لكنّ الأدلة الإمبريقية القادمة من الشرق الأوسط كانت قد تحدّت هذه الفرضية قبل فترة طويلة؛ فقد لحظ والت في دراسته عن التحالفات في المنطقة أن "بعض الأيديولوجيات تمثل مصدر انقسام أكثر من كونها مصدرًا للوحدة، على الرغم من أن الأيديولوجيا توصي صراحة بالتعاون الوثيق بين أتباعها" 41. وقد توصّل الباحثون الذين طوّروا نظريات مستمدة من البنائية لتفسير السياسة في الشرق الأوسط إلى استنتاج مهمّ، مفاده أن الهويات المتشاَرَكة يمكنها أن تكون وشائج قد تفضي إلى الصراع أو التعاون 42. وههنا، توفر الخصومة بين النظامَي نالبعثَّييّن، السوري والعراقي، مث لًاكاشفًا آخر 43. وكانت نزعة الوحدة الإسلامية، التي هدفت، صراحةً، إلى التغلب على الاختلافات الإقليمية الوطنية، مصدرًا للتفتّت والانقسام. وانتهى الباحثون إلى أن الأثر التعاوني للهويات الجماعية غالبًا ما يجري اجتنابه بسبب شيوع منطق "بقاء النظام"؛ إذ يمكن أن تمثل الهويات الجماعية تهديدات للاستقرار في الداخل؛ فيبصر القادة العرب، في عمومهم، أكثر ما يبصرون، أن التهديدات التي تحملها الأفكار، والتي تنبع من الخارج وتستهدف الاستقرار الداخليي للنظم الحاكمة العربية، تعدّ الأبرز والأهم. ويعدّ كتاب لورانس روبن، الإسلام وميزان القوى 44، محاولة لتحليل كيفية تهديد الأفكار، ممثلة في الأيديولوجيا السياسية، لبقاء النظم؛ فقد تطرّق إلى موضوع مدركات التهديد والسياسات التي اتّبعتها دولتان عربيتان ذواتا أغلبية مسلمة، هما مصر والسعودية، في استجاباتهما حيال الثورة الإسلامية في إيران 1979() والحكومة الإسلامية في السودان 1989(.) وباستخدام دراسات الحالة المقاِرِنة هذه، يقدّم روبن تحليلًاللكيفية التي تجعل الأفكار تهديدًا للدول، لا سيما الأيديولوجيا السياسية. ويحاجّ بأنّ الأيديولوجيات العابرة للحدود الوطنية يمكنها أن تمثّل تهديدات أعظم وأشد إلحاحًا من التحولات في ميزان القوى العسكري. فالأفكار والأيديولوجيا العابرة للحدود الوطنية قد تحمل تهديدًا للاستقرار الداخليي والشرعنة في دولة أخرى، مع ما تحمله من إمكانية إحداث صدى في دول أخرى. واستجابة لهذه التهديدات، تشارك الدول في "موازنة بالأفكار" Balancing Ideational، تحيل على استجابة غير عسكرية تقوم على تعبئة الموارد والتأطير المضاد للأفكار 45. أما دراسة غريغوري غوس، "موازنة حيال ماذا؟ مدركات التهديد وخيارات التحالف في الخليج" 46 - وهي دراسة مستوحاة من الواقعية النيوكلاسيكية - فتطرح فرضيات في شأن كيفية تحديد القادة الأولويات في خضمّ تهديدات متعددة، وُتُجري اختبارًا لخيارات التحالف التي اتخذتها سورية والأردن والسعودية، فيما يتعلق بالترتيبات الأمنية في الخليج العربي في المدة 1991-1971. ويجعل غوس العوامل المتعلقة بالأفكار أكثر واقعية باستخدام منطق بقاء النظام، ليحاجّ بأن الدول العربية أدركت في عمومها التهديدات المتعلقة بالأفكار، التي كانت تنبع من الخارج واستهدفت الاستقرار الداخليي للنظم الحاكمة العربية، على أنها أشد أهمية مقارنة بالتهديدات المادية. وقد نجح في تقديم هذه العوامل في طابع ملموس والربط بين المستويات النسقية والداخلية.
يتناول الجزء المتبقّي من هذه الدراسة، على نحو نقدي، إمكانية تطبيق ثقافات الفوضى التي سكّها ونت، واقتفاء أثر التغّي رفي العلاقة بين السعودية وحركة حماس. ويحاجّ بأنّ المملكة وحماس، وبسبب التفاعلات البنيوية، قد انتقلتا من ثقافة الفوضى الكانطية، القائمة على التعاون، إلى ثقافة الفوضى الهوبزية التي تتسم بالعداء. وقد بلغ هذا التّغيّر ذروته خلال الحرب في غزة عام 2009. وإذا كانت دراسة الحالة هذه تبّي نأن ثقافات الفوضى عند ونت تلقي الكثير من الضوء على سيروات التفاعل في الشرق الأوسط وتأثيرها في معايير التعاون والصراع، فإنها تكشف أيضًا عن العديد من التحديات النظرية ومكامن الضعف التي تعانيها هذه المقاربة حال تطبيقها على الجنوب الكبير. ولتوضيح هذه الديناميات، يدرس المحور التالي السياسة الخارجية السعودية تجاه حركة حماس خلال الحرب في غزة عام 2009؛ إذ انتقلت المملكة بمرور الوقت من دعم الحركة إلى معارضتها، على الرغم من أنها تتشارك معها المبادئ الداعية إلى الوحدة الإسلامية.
ثانيًا: دراسة الحالة: الحرب في غزة عام 2009
بدأت إسرائيل سلسلة من الهجمات الجوية على قطاع غزة، في 27 كانون الأول/ ديسمبر 2008، توسّعت لاحقًا إلى هجوم برّي. وقد دفعت هذه الحرب إلى الواجهة، أكثر فأكثر، الانقسامات الإقليمية التي كانت قد تبلورت خلال حرب لبنان عام 2006، بين معسكَرَي ما يسمى "محور الاعتدال"، في إحالة على مصر والسعودية والأردن، و"محور المقاومة" الذي يحيل على إيران وسورية وحزب الله وحركة حماس. وقد تكررت المدركات السعودية في شأن حزب الله عام 472006 في نسخة أخرى تجاه حركة حماس عام.2009 خلال القمة العربية الاستثنائية، التي عُقدت في الدوحة في 16 كانون الثاني/ يناير 2009، انتقدت السعودية حماس لتخلّيها عن وقف إطلاق النار مع إسرائيل، وألقت باللائمة عليها من جرّاء خسائر الحرب التي تكبّدتها غزة. وقد صرّح وزير الخارجية السعودي في ذلك الوقت، سعود الفيصل، قائلًاإنّ "هذه المجزرة الرهيبة ما كانت لتقع لو كان الشعب الفلسطيني يقف موحدًا خلف قيادة واحدة ينطلق من منطلق واحد وينطق بصوت واحد" 48. وكرّر الرئيس المصري الأسبق، حسني مبارك، الفكرة نفسها بقوله: "لقد حذرناكم مرارًا من أنّ رفض تمديد التهدئة سيدفع إسرائيل إلى العدوان على غزة، وأكدنا لكم أن إعاقة الجهد المصري لتمديد التهدئة هي دعوة مفتوحة لإسرائيل لهذا العدوان" 49. وماثلت جريدة الشرق الأوسط السعودية بين ما أقدمت عليه حماس والخطوة التي اتخذها حزب الله وأفضت إلى حرب لبنان عام 2006. وعلى نحو مماثل، ألقت مصر باللائمة صراحة على الحركة لتخلّيها عن التهدئة مع إسرائيل. وصرّح وزير خارجية مصر، حينئذ، أحمد أبو الغيط قائلًاإنّ "حماس منحت تل أبيب فرصة على طبق من ذهب لضرب غزة" 50. ورأت مصر والسعودية أن حماس صارت مجرد بيدق في يد إيران، وهي بلد غير عربي، واتهمتاها بخدمة المصالح الإيرانية لا العربية. وحيال ذلك، اتهم منتقدو السياسات الخارجية السعودية والمصرية النظم المنضوية تحت "محور الاعتدال" المزعوم، بالتواطؤ مع إسرائيل، وهي العدوّ اللدود للعالَميَن العربي والإسلامي. وعلى الرغم من أن ردات الفعل العربية على الحرب في غزة، عام 2009، أبرزت الانقسامات بين الدول العربية، فإن هذه الأحداث تطرح أسئلة أخرى بشأن ديناميات الهوية الجماعية لبعض دول المنطقة، لا سيما ما تعلق منها بنزعة الوحدة الإسلامية. فحركة حماس حركة سنّية معترف بأنها تمثل رافدًا ينتمي إلى أيديولوجيا تنظيم الإخوان المسلمين، وبأنها تمزج بين الأيديولوجيا التقليدية التي تقوم على نزعة الوحدة الإسلامية وبين القومية الفلسطينية. وبالنظر إلى موقعها في قلب الصراع العربي الإسرائ ليي ومرجعيتها السنّية، كان ينبغي لحماس أن تجتذب دعم السعودية، وهي مَلَكية ذات أيديولوجيا سنّية تتبنّى مبادئ الوحدة الإسلامية. فكان من لافت المفارقات أنّ آل سعود، النخبة الحاكمة التي تقول بزعامة العالم الإسلامي ودعم القضية الفلسطينية، دانوا المقاومة.
المملكة العربية السعودية وحركة حماس: ثقافة فوضى كانطية
كانت القضية الفلسطينية، تقليديًا، موضوعًا يثير حساسيات فكرية ودينية في السياسة الخارجية السعودية؛ إذ ترى المملكة، بوصفها القائم على مكة المكرمة والمدينة المنورة بما تمثلانه من مقدسات عند المسلمين، نفسها كأنها تحمل مهمة إلهية تقضي بحماية الأماكن المقدسة في الإسلام. ومن خلال هذا المنظور، تحظى فلسطين، لا سيما
القدس، بأهمية خاصة في التصور الذي تحمله المملكة عن ذاتها، بحيث تعهدت تاريخيًا بالدفاع عن القضية الفلسطينية ودعمها 51. وعلى وجه الخصوص، تشكّل القضية الفلسطينية والقدس جزءًا من البعد الإسلامي في سردية الهوية السعودية. ويقول جون إسبوزيتو "إن تحرير القدس ونشوء دولة فلسطينية باتا مكوّنًا رئيسًا في السياسة الخارجية السعودية، وقضية إسلامية حشد لها الملك فيصل الدعم الإسلامي في أرجاء العالم" 52. وبعبارة أخرى، مثّلت القضية الفلسطينية عنصرًا أساسيًا في تصوّر السعودية لذاتها على المستوَييَن الإقليمي والداخليي 53. وقد قال الملك فهد بن عبد العزيز وولي عهده الأمير عبد الله بن عبد العزيز، في خطاب إلى حجاج مكة المكرمة خلال عام:1997 لقد استمرت المملكة العربية السعودية في التمسك بموقفها المتمثل في دعم السلام العادل والشامل الذي سيضع نهاية للقمع، ويعيد الأراضي العربية المحتلة إلى شعوبها في فلسطين وسورية ولبنان. أما فيما يتعلق بالقدس وبناء المستوطنات الإسرائيلية هناك، فإن موقف المملكة واضح تمامًا وقد عّب رت عنه مرات عدة. إن السعودية تستنكر وتدين كل ما يحدث في القدس من أفعال تتعارض مع طبيعة المدينة والحقوق المشروعة لسكانها العرب 54. وعلى الرغم من أن المملكة لم تكن يومًا في خط المواجهة في الصراع العربي - الإسرائ ليي، ولم تشارك قواتها قط في عمليات عسكرية ضد إسرائيل، فإنّ القضية الفلسطينية كانت في صميم الدبلوماسية السعودية الدولية والإقليمية، تحرّكها هويتها القائمة على مبادئ الوحدة الإسلامية. وبعد هزيمة القوات العربية في حرب الأيام الستة عام 1967، انخرط آل سعود بفاعلية في مواصلة الصراع ضد إسرائيل، وعملوا حينها على تقديم الدعم المالي لدول خط المواجهة. وعندئذ، دعم السعوديون الفلسطينيين ماليًا ودبلوماسيًا، لا سيما منظمة التحرير الفلسطينية، ثم حركة حماس في تسعينيات القرن العشرين. وخلال السبعينيات، قدّمت المملكة للمنظمة مئات الملايين من الدولارات، وزهاء مليار دولار أميركي 55. ومع الانسحاب المصري من الصراع في الثمانينيات 1979() وتوقيع معاهدة السلام الأردنية - الإسرائيلية 1994()، اتخذت المملكة لنفسها دورًا إقليميًا، عبر قيادة الوساطة في لبنان وعملية السلام الفلسطينية - الإسرائيلية وتيسير بلوغها. وبدءًا من أوائل التسعينيات، دعمت المملكة الفلسطينيين ماليًا لحضور محادثات السلام وشاركت بنشاط في بعض المحادثات الإقليمية التي أفضت إلى جولات مدريد وأوسلو من المفاوضات 56. لقد دأبت السعودية، طوال الوقت، على رسم صورة تؤكد تأييد المقاومة، وهي الصورة التي عززتها عبر الدعم المالي. يجمع المملكة وحركة حماس تاريٌخٌ طويل من التفاعل. فمنذ الانتفاضة الأولى عام 1987، كانت السعودية أحد أبرز الداعمين الماليين للحركة. 5 في المئة من ميزانية حماس 57وتقول بعض التقديرات إنها قدّمت 0. وقدّمت السعودية للحركة الدعم المالي رسميًا مرَتيَن، الأولى عام 1988، والثانية عام 1998. وقد تكثّف هذا الدعم على نحو خاص، بعد أن دعمت منظمة التحرير الفلسطينية صدّام حسين أثناء الغزو العراقي للكويت في عام 1991، وسمحت المملكة لحماس حينها بأن تفتح مكتبًا لها في جدة، وقد أتاحت لها، إضافة إلى ذلك، جمع أموال التبرعات من المنطقة من دون قيود 58. وعام 2007، كان للرياض دوٌرٌ في التفاوض على التهدئة وتشكيل حكومة ائتلافية بين حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح" وحركة المقاومة الإسلامية "حماس." وحتى ذلك الحين، أبقت المملكة على دعمها المالي للحركة. وفي غضون ذلك، مكّنت السردية الإسلامية المملكَةَ من أداء دور حاسم في الوساطة بين حركَتَي فتح وحماس. وكانت حماس، عقب انتخابات عام 2006، قد فازت بأغلبية المقاعد في المجلس الوطني الفلسطيني، وصار زعيمها، إسماعيل هنية، رئيسًا للوزراء الفلسطيني. وانتهى تنامي قوة حركة حماس في علاقتها بحركة فتح، جنبًا إلى جنب مع الصراع على الحكومة الجديدة، إلى توترات حادة. وفي شباط/ فبراير 2007، دعا الملك عبد الله كلا الفصيلين إلى مكة للتفاوض على شروط "حكومة الوحدة"، ووعد بدعٍمٍ قدره 075 مليون دولار أميركي لهذه الحكومة المنتظرة 59. ثمّ أخفقت جهود الوساطة بعد أن اشتدت
التوترات بين الفصيَليَن في أعقاب اتفاق مكة، وانتهت إلى انقسام في الحكومة: فحكمت فتح الضفة الغربية وحكمت حماس قطاع غزة. ثم تدهورت العلاقة بين المملكة وحماس بعد انهيار المفاوضات وسيطرة الحركة على قطاع غزة في حزيران/ يونيو 2007، وشرعت في خفض دعمها المالي. وفي غضون ذلك، زادت إيران دعمها لحماس عبر المساعدات العسكرية، وأعانت على تلبية متطلبات ميزانيتها الشهرية. وعام 2009، عَّدَت السعودية حركة حماس تهديدًا خطيرًا، فيما يمكن عَُّدُه تحولًافي علاقتهما من ثقافة فوضى كانطية إلى ثقافة هوبزية، إذا ما استخدمنا مصطلحات ونت. وتعكس هذه المدركات مفارقة بالنظر إلى علاقات التعاون السابقة بين المملكة والحركة، والتقارب بينهما بفضل الهويات الجماعية القائمة على الإسلام ونزعة الوحدة الإسلامية. لقد حدث التبُّدُل في العلاقة بينهما؛ بسبب التفاعلات على المستوى البنيوي في الشرق الأوسط، الأمر الذي يكشف عن تحوّل واضح في ثقافة الفوضى من كانطية إلى هوبزية، بمصطلحات ونت، بعد أن انتقل الطرفان من الدعم والتعاون المتبادل إلى العداء. وعلى الرغم من أن هوية حماس الإسلامية تتوافق مع هوية المملكة وتمسّكهما بديناميات الوحدة الإسلامية هويةً جماعيةً لهما، فإن الديناميات البنيوية أدت إلى حدوث تغّي رفي تأويلات هذه الهويات لدى الفاعلين الذين صاغوا مصالحهم بناءً على ذلك. وقد تمثلت التغيرات البنيوية في الشرق الأوسط في النظام الإقليمي المستجدّ بعد غزو العراق عام 2003، الذي ولّد ظروفًا مختلفة للتفاعلات، على نحٍوٍ دفع حماس والمملكة في اتجاه تأويٍلٍ مختلف للهويات القائمة على مبادئ الوحدة الإسلامية، نتجت منها آثار معيارية متنوعة انتهت إلى حدوث تغّي ر في السلوك.
تصنيف السعودية حركة حماس على أنها الآخر
غالبًا ما تُقرأ مدركات السعودية تجاه حركة حماس عام 2009، وإنزالها إياها منزلة العدوّ، على أنها استراتيجية واقعية، وذلك بالقول إن المملكة كانت بصدد موازنة نفوذ إيران وتمددها في المنطقة. وإذا ما نظرنا إلى الدعم الإيراني للحركة ولغيرها من الجماعات الفلسطينية، فإنّ هذا المنطق الواقعي يبدو دقيقًا في الوهلة الأولى. ولكن بعد مزيد من التمعّن، يبدو أن الأمر أشد تعقيدًا من ذلك. فقد جاء تحالف حماس مع إيران نتيجة للتغير في العلاقة مع المملكة في أعقاب عزلة الحركة الدولية والإقليمية بعد عام 2006. وكانت التشكيلة الإقليمية التي نشأت في أعقاب التدخل الأميركي في العراق منعرجًا حاسمًاصاغ البنية الإقليمية، وغّي رسيرورات التفاعل بين الفاعلين الإقليميين، وأحدث تبُّدُلًافي ثقافة الفوضى السائدة بين المملكة وحماس. وكان سقوط نظام صدام حسين وتدمير القدرات العسكرية العراقية سببًا في تغير توزيع القوة الإقليمية؛ إذ صار التفوق العسكري الإسرائ ليي واضحًا في الفضاء بين العرب وإسرائيل، لا سيما مع الإصرار على التمسّك بمعاهدة السلام المصرية - الإسرائيلية لعام 1979 وإبرام معاهدة السلام الأردنية - الإسرائيلية في عام 1994. ثم إن الولايات المتحدة الأميركية، من خلال "كسر" الدولة العراقية، قضت على قوة العراق وعلى ما كانت تمثله من عازل إقليمي في مواجهة إيران، التي حاولت ملء الفراغ الناتج وتوسيع نفوذها 60. ما يعني أن المثلث المستقر التقليدي، المؤَّلَف من إيران والعراق والسعودية، حيث كانت القوى الثلاث تحقق توازنًا فيما بينها، قد انهار ليفسح الطريق أمام مواجهة سعودية - إيرانية. وأدى هذا التغير البنيوي في توازن القوى الإقليمي إلى تكوين تشكيلات مختلفة. فقد تشَّظَت الدول العربية من حول معسكَرَين؛ إذ دعم التحالف المدعوم من الولايات المتحدة، والمؤَّلَف من السعودية ومصر والأردن، التسوية السلمية للصراع العربي - الإسرائ ليي. أضف إلى ذلك أنّ هذا المعسكر عرّف إيران بوصفها التهديد الأهم لاستقرار المنطقة. أما التحالف الثاني فقد ضمّ إيران وسورية وحزب الله وحركة حماس. وَعَّدَ هذا المعسكر، الذي يطَلَق عليه عادة "محور المقاومة"، الولايات المتحدة وإسرائيل المصدَرَين النهائَّييَن للتهديد في المنطقة. وكثيرًا ما أ طلق على تشظّي المنطقة من حول هَذَين المعسكَرَين وصف "الحرب الباردة العربية الجديدة." عند توقيع معاهدة السلام المصرية - الإسرائيلية عام 1979، برزت السعودية بوصفها الدولة العربية الرئيسة التي تحاول رعاية السلام في الصراع العربي - الإسرائ ليي، وربطت تطبيع علاقاتها الاقتصادية مع إسرائيل بتحقيق تقدّم نحو إقامة دولة فلسطينية. وبدءًا من ثمانينيات القرن العشرين، أصبحت لدى المملكة رؤية للصراع تقوم على السلام الشامل، بعد أن أطلق خادم الحرمين الشريفين، الملك فهد بن عبد العزيز، أول مبادرة سلام عربية، عام 1982، حين كان لا يزال وليًا للعهد. وفي شباط/ فبراير 2002، في أعقاب الانتفاضة الفلسطينية في الضفة الغربية وغزة عام 2000، قدّم وليّ العهد الأمير عبد الله مبادرة سلام ثانية، أقَّرَتها لاحقًا جامعة الدول العربية وصارت تُعرف باسم "مبادرة السلام العربية." كان الاقتراح تعبيرًا صريحًا عن الموقف السعودي من الصراع وعَرَض على إسرائيل التطبيع الكامل
للعلاقات مع جيرانها مقابل الانسحاب الكامل إلى حدود عام 1967؛ لكنه لم يؤِّدِ إلى مفاوضات حقيقية. بيد أنّ التأثيرات التي تزامن فيها الصعود السريع لليمين الإسرائ ليي المناهض للسلام بقيادة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وبناء المستوطنات اليهودية غير القانونية، ونموّ التسلطية داخل السلطة الفلسطينية بقيادة الراحل ياسر عرفات، والعمليات الاستشهادية التي نفّذتها حركة حماس وغيرها من المنظمات الفلسطينية، وتراجع التزام الحكومات الأميركية، قوّضت كلها اتفاقيات أوسلو، ليتوّج الأمر باشتعال الانتفاضة الثانية عام 2000. وبسبب تلك الحلقات العنيفة وأحداث 11 سبتمبر 2001، دعمت السعودية مبادرة السلام العربية لعام 2002، التي دعت النظَمَ العربية إلى تطبيع علاقاتها مع إسرائيل في مقابل إقامة دولة فلسطينية ذات سيادة 61. وفي عام 2007، حاول الملك عبد الله إحياء "مبادرة السلام العربية" خلال قمة الرياض لتعزيز جولة جديدة من المفاوضات بين الفلسطينيين وإسرائيل 62. كانت الرؤية السعودية المؤيدة للمفاوضات استراتيجيةً أ نشئت للجمع بين شراكة المملكة مع الولايات المتحدة، وسردية هويتها المرتبطة ارتباطًا وثيقًا بدعم القضية الفلسطينية. ومن خلال الوساطة بين الفلسطينيين وإسرائيل، كانت المملكة ستظهر بمظهر الوصيّ على هذه القضية. لكنها تعرّضت، بعد أحداث 11 سبتمبر، لضغوط هائلة من الولايات المتحدة لتنأى بنفسها عن أيديولوجيات الإسلامويين، التي نُظر إليها على أنها المصدر الرئيس لما يسمّى الإرهاب. وهكذا، امتثلت المملكة للسردية الأميركية واتخذت دور قائد التحالف العربي "المعتدل" الهادف إلى موازنة "الراديكالية" في المنطقة. ولأن القضية الفلسطينية تمثل جوهر الهوية السعودية، فقد كان على آل سعود أن يربطوا استراتيجيتهم بسردية هويتهم. فأصدر الشيخ عبد العزيز بن باز، المفتي السعودي الراحل، فتوى يقول منطوقها إن السلام بين اليهود والمسلمين متوافق مع الشريعة، مستشهدًا بمثال النبي محمد، صلى الله عليه وسلم، بل أصدر فتوى أخرى تبيح للمسلمين زيارة المسجد الأقصى بوصف ذلك وسيلة لتيسير السلام مع إسرائيل 63. وعلى الرغم من اعتماد حركة حماس سردية الهوية الإسلامية السنّية، المماثلة للهوية التي تتبنّاها السعودية، فإنها قدّمت رؤية بديلة من الصراع تستند إلى مفهوم "المقاومة." لذلك، ليس مفاجئًا أن تتحدى رؤية الحركة ادعاء المملكة دعم القضية الفلسطينية؛ وهكذا، نشأ صدع في علاقتهما واتسع نطاقه. وكان على حماس أن تختار بين دعم السعودية ودول عربية أخرى، والموافقة على استراتيجية السلام مع إسرائيل والتخليي عن المقاومة المسلحة، أو الاعتماد على دعم إيران مع الحفاظ على هويتها بوصفها حركة مقاومة. وقال أحمد يوسف، مستشار زعيم الحركة الراحل، إسماعيل هنية: "أغضبت علاقاتنا مع إيران المملكة العربية السعودية، لكن في بعض الأحيان لا يكون أمامنا خيار. ونحن نفضّ ل إقامة علاقات أوثق مع المملكة وربما سيأتي ذلك اليوم" 64. لقد واجه قادة حماس أحَدَ خياَرَين: إما تعديل مبادئهم الأساسية لضمان دعم الدول العربية، أو قبول الدعم الإيراني مع الحفاظ على موقف عدواني ضد إسرائيل. وبما أن مصر والسعودية سارتا على درب المقاطعة الأميركية لحماس، فقد مضى قادة الحركة في الخيار الثاني؛ إذ لجؤوا إلى جمهورية إيران الإسلامية للحصول على الدعم المالي، آخذين في الحسبان الموقف الإيراني المتشدد تجاه إسرائيل. خلاصة القول إن الحركة استفادت من الخصومات المستشرية في المنطقة لتعزيز موقفها 65، أي إن العلاقة بين حماس وإيران استراتيجية محضة، ولن تتصرف الأولى نيابة عن الثانية؛ فقد ألحّ صلاح البردويل، عضو المكتب السياسي لحماس في غزة، على أنّ الحركة، في حال نشبت حرب بين إسرائيل وإيران، "لن تكون جزءًا من هذه الحرب" 66. وأيّد إسماعيل هنيّة هذا الموقف بقوله: "حماس حركة فلسطينية تتصرف داخل الساحة الفلسطينية وتنفّذ أعمالها السياسية والميدانية على نحو يلائم مصالح الشعب الفلسطيني" 67. وهكذا يمكن أن يكون التفاعل بين الفاعلين والبنى، من منظور بنائي، عدسة جيدة لاستكشاف هذه العلاقة المتغيرة بين المملكة وحماس، التي انتقلت من التعاون إلى العداء. كانت سياسات الحركة الإقليمية
وسرديتها تقف على تناقض صارخ مع الدعوة السعودية إلى تسوية سلمية في وقت تعرضت فيه المملكة لضغوط غير مسبوقة من الولايات المتحدة والغرب لدعمها الإسلام السياسي في المنطقة. لقد تبنّت الحركة الفلسطينية مبدأ أساسيًا مفاده أن الاستقلال والحرية لن يتحققا إلا من خلال الكفاح المسلح، وفي رأيها أن هذا هو المنطق الوحيد الذي تفهمه إسرائيل. ومن وجهة النظر هذه، ليس السلام مع إسرائيل خيارًا لدى حماس بأي حال. وفي هذا الصدد يقول خالد مشعل: "إن عدونا لا يتعرض للضغط إلا عندما يكون تحت نيراننا، وعندما تصيبه صواريخنا تجبره على إجراء محادثات معنا" 68. وعلى الرغم من معارضة حركة حماس باستمرار مفاوضات السلام مع إسرائيل، فإنها عَّدَت الهدنة خيارًا استراتيجيًا. وقد أطلق الشيخ أحمد ياسين هذه الفكرة في أوائل تسعينيات القرن العشرين؛ إذ إنه رأى أن "الإسلام يبيح هدنة مؤقتة خلال فترة محدودة مع العدوّ اليهودي إذا اقتضى الأمر" 69. وعلى الرغم من اعتدال حركة حماس طوال التسعينيات وعقب فوزها في الانتخابات، فإنّ الكفاح المسلح ضد إسرائيل كان ولا يزال في قلب أيديولوجيتها وعلّة وجودها. انطلاقًا من هذا المنظور، تغّي رت حماس في مدركات السعوديين فصارت عدًّوًا، ولا بد من أن الأمر قد تفاقم بسبب دعم إيران للحركة؛ فقد اُّتّهمت حماس بخدمة المصالح الإيرانية لا المصالح العربية أو الفلسطينية، وكذلك جرى تصويرها بوصفها تهديدًا لأنها سمحت لإيران بتوسيع نفوذها على القضية الفلسطينية، فتصرفت ضد مقتضى ما يسمى "المصلحة العربية." واستشرى تصوير الحركة على أنها بيدق إيراني في التغطية الإعلامية العربية، لا سيما في وسائل الإعلام السعودية، التي اتهمت حماس بمساعدة إيران في الاستيلاء على الشرق الأوسط 70. وعلى سبيل المثال، تساءل طارق الحميد، الصحافي في جريدة الشرق الأوسط السعودية، عما إذا كان دعم إيران حركة حماس وحزب الله وتصنيف عناصرهما على أنهم "مقاتلون في سبيل الحرية" أو "حركات تحرر"، يرقى إلى "اختطاٍفٍ [للقضايا العربية]، خدمةً لمصالح إيران" 71. وفي جريدة الرياض السعودية اليومية، حذّر الكاتب السعودي، عليي المحمود، من "التوسع الأخطبوطي" الإيراني. وفي رأيه، "تريد إيران السيطرة على المنطقة، ليس من خلال نشر أيديولوجيتها[...]بل من خلال الحفاظ على المنظمات المسلحة [في الدول العربية]، فهي تنتهك ولاءها لأوطانها، وتستبدله بالولاء لإيران" 72. وفي يومية الوطن، قال الكاتب السعودي عليي سعد الموسى إن الدول العربية باتت تخضع ل "الاستعمار الفارسي." وأضاف أنّ: إيران اليوم باتت لاعبًا أساسيًا جوهريًا في السياسة العربية.[...]إننا اليوم نعيش بشائر الاستعمار الفارسي في نسخة مطورة من مفهوم الاستعمار، ذاك الذي لم يعد جيوشًا تدكّ مناطق [معينة] أو أعلامًا ترتفع على المباني العامة. ينبع الاستعمار والوصاية في العصر الحديث من تبعية [قوى إقليمية مختلفة لإيران][...]اختارت إيران [مناطق] في جسد الخريطة العربية من دون أن تضغط على زناد، فكل ما تفعله لمشروعها إنما تفعله عبر الأيادي العربية 73. بناءً على ذلك، ليس مستغربًا أن تقدّم الجرائد السعودية الخاضعة لتأثير الدولة الهجوَمَ الإسرائ ليي على غزة بوصفه هجومًا على النفوذ الإيراني في المنطقة. واتهم الكاتب السعودي، خلف الحربي، الدعاية السعودية التي تقودها الدولة، بتسويق فكرة مفادها أنّ "أيّ تأييد للمقاومة [حركة حماس] هو تحريض على الإرهاب" 74. ومع نشوب الحرب، انخرطت المملكة في عملية خطابية لتصنيف حركة حماس على أنها تمثّل الآخر، الأمر الذي كشف عن تبدّل في ثقافة الفوضى إلى ثقافة هوبزية، نُظر فيها إلى حماس بوصفها عدًّوًا. أولًا، ألقت السعودية باللائمة على الحركة واعتبرت أنها حمّلت نفسها مسؤولية حرب عام 2009 برفضها المفاوضات مع إسرائيل. والواقع أن حرب غزة اشتعلت في نهاية فترة التهدئة التي دامت ستة أشهر بين حركة حماس وإسرائيل، بعد أن فشلت المفاوضات بين الإسرائيليين والفلسطينيين 75، أو، بعبارة أخرى، ألقت السعودية باللائمة على حماس لأنها عَّدَتها السبب في معاناة الفلسطينيين في غزة، تلك التي كان يمكن اجتنابها لو أن الحركة امتثلت للرؤية السعودية لحلّ الصراع. وقد انجلت هذه السردية السعودية أكثر فأكثر خلال حرَب ي غزة الثانية والثالثة (عاَمَي 2012 و 2014)؛ إذ ألقى الملك السعودي باللائمة صراحةً على حماس. ففي عام 2014، وصف الملك عبد الله
الحرب بين الحركة وإسرائيل، في تصريح لافت للانتباه، بأنها "مجزرة جماعية" تسبّبت فيها حماس 76. ومثلما فشلت الوساطة السعودية على المستوى الفلسطيني - الإسرائ ليي في تهدئة موقف حماس تجاه إسرائيل، فإن تدخّل المملكة في الانقسام الفلسطيني الداخليي فشل أيضًا. فبعد بضعة أشهر من اتفاق مكة، تطور الوضع إلى صراع على السلطة انتهى بسيطرة حركة حماس على قطاع غزة مع بقاء حركة فتح مسيطرة على الضفة الغربية. بناءً عليه، عَّدَت المملكة الحرَبَ الإسرائيلية على غزة، عام 2009، نتيجةً مباشرة لفشل حماس في الوحدة مع فتح. ولدرء السخط الداخليي، حاولت المملكة تصوير حماس على أنها "الآخر" من خلال التشكيك أيضًا في الصدقية الدينية للحركة. فعلى سبيل المثال، لم تعترف السعودية بالضحايا الفلسطينيين على أنهم شهداء، وهو موقف انعكس بوضوح في وسائل الإعلام السعودية، مثل قناة العربية التلفزيونية 77. وُصُوّرت حماس على أنها وكيل إيراني يقوّض ما يسمى "المصلحة العربية"، وهي في عُرف السعودية عملية السلام مع إسرائيل. أخيرًا، اعتمدت السعودية على خطاب العلماء الديني لنزع الشرعية عن الاحتجاجات المؤيدة لحركة حماس. فقد أصدر عبد العزيز آل الشيخ، مفتي المملكة، فتوى تحرّم الاحتجاجات لدعم غزة ووصف هذه الأعمال بأنها غوغائية 78. وبدلًا من ذلك، ذكر المفتي أنّ أفضل طريقة لمساعدة الفلسطينيين هي إرسال المساعدات والتبرع بالمال 79. أضف إلى ذلك أنّ المملكة ابتغت من وراء ذلك الرفع من صدقيتها الإقليمية من خلال تقديم الدعم المالي للفلسطينيين. ففي نهاية الحرب، عرض آل سعود تقديم دعم بقيمة مليار دولار لإعادة إعمار غزة 80. باختصار، شيطنت المملكة حماس وصوّرتها على أنها تمثل الآخر، وذلك على الرغم من التشابه في أيديولوجيتهما السنّية المشتركة. وهو التشابه الذي كشف تناقضات الهوية السعودية وفقدانها الاتساق، مهِّدِدًا استقرار السردية التي تستند إليها هذه الهوية. بل إن الخطاب الطائفي (السنّي - الشيعي)، الذي تستخدمه المملكة لتمييز ذاتها والنأي بها عن "محور المقاومة"، قد بدا فاقدًا لصدقيته.
تأملات ختامية
عام 2009، دانت السعودية، التي تصوّر نفسها تقليديًا على أنها الداعم للقضية الفلسطينية، حركة حماس. ومن الصعب أن نتخيل أنّ فاعلًاغير دولتي، محشورًا في قطاع غزة، يمكنه أن يكون مصدر تهديد مادي للمملكة، حتى مع تلقّيه الدعم المالي من إيران. لقد وصلت حماس إلى السلطة في غزة، وهي التي تتقاسم مع المملكة هوية جماعية، لكنها اختلفت عنها بسبب التغيرات في الظروف الداخلية، لتمِّلثِ بذلك رهانًا يتحدى تمايز هوية المملكة. بناءً على ذلك، انتقدت السعودية حركة حماس؛ لا بسبب حربها ضد إسرائيل فحسب، بل أيضًا بسبب هويتها الإسلامية التي تشبه إلى حد بعيد هوية المملكة. وبعبارة أخرى، أعادت السعودية تعريف هويتها وصنّفت حماس بوصفها "الآخر." وفي هذا السياق، تغّي ر منطق الفوضى من الكانطية القائمة على التعاون إلى الهوبزية القائمة على العداء. ويكشف هذا المنطق وذاك عن مستويات محدودة جدًا من التذويت. ففي البداية، كان تعاون المملكة مع الحركة ملتزمًا معايير الوحدة الإسلامية؛ لأن ذلك كان يتوافق مع مصالحها الخاصة. وحين تعرّضت المملكة لضغوط بنيوية عقب تغّي رالتشكيلة الإقليمية بعد عام 2003، تحوّل التعاون إلى عداء. ولم تخضع ثقافة الفوضى الهوبزية كذلك للتذويت لأن السعودية تبنّت موقفًا معياريًا معاديًا لحركة حماس، لكنّ هذا الموقف لا يزال مقيدًا بالرأي العام العربي، الذي يظل داعمًاللمقاومة. وهذا المستوى المنخفض من التذويت يلقي الضوء على الديناميات الموضحة في إطار ونت النظري، ويكشف أن التغّي رمن ثقافة فوضى إلى أخرى يحدث بسبب التفاعل بين الفاعلين. أعني بذلك أن منطَقَي الفوضى هذين انهارا لأنهما لم يذَّوَتا على نحٍوٍ كاٍفٍ. ويفضي مثُلُ هذا التحليل إلى تفسير آخر مختلف عن التفسير الحالي للسياسة الإقليمية، الذي يتسم غالبًا بتحيز حتمي يطابق بين الهوية الجماعية والتعاون. وهكذا، فإن لنزعة الوحدة الإسلامية تأويلات ونتائج مختلفة بالنسبة إلى المملكة وحركة حماس معًا. بيد أن تطبيق مقاربة ثقافات الفوضى هذه في الشرق الأوسط يُظهر حدود السياق التاريخي الذي تطورت فيه نظرية ونت. ويكشف تطبيق منطق الفوضى في المنطقة عن دور الفاعلين المحليين، لا سيما الفاعلين المسلحين من غير الدول، مثل حركة حماس، في تشكيل السياسة الإقليمية، ومن ثم فاعليتهم. ما يعني أن تطبيق منطق الفوضى، الذي يتطابق مع الخبرة الغربية، لا يتواءم مع تعقّد التفاعلات بين الفاعلين، داخل الثقافة والمعايير التاريخية في المنطقة. فالفاعلون المسلحون من غير الدول، على نحو حركة حماس، هم
فاعلون يملكون نفوذًا ويؤثّرون في علاقات الشرق الأوسط الدولية 81، الأمر الذي يمثل رهانًا يتحدّى رؤية ونت للنظام الدولي، المتمحورة حول الدول القومية وحدها. تتنوع مقاربات العلاقات الدولية التي تتعامل مع مناطق محددة، لكنها تهمل، غالبًا، السياقين التاريخي والثقافي. ومن جهة أخرى، يمكن أن توفر دراسات المناطق هذا السياق وتكون الموقع المناسب للتنظير في الأنساق الفرعية وذات السمة الاستثنائية، بيد أنها تظل "خاضعة في عمومها لتخصصات لا تولي التنظير كثيرًا من الاهتمام، بل تتشدّق بعذر الاستثنائية لاجتناب التنظير" 82. ولرأب الفجوة بين هذين المجاَليَن البحثَييَن، ناقشت هذه الدراسة قابلية بنائية ونت للتطبيق، وهي مقاربة يمكن تكييفها لتحليل المناطق ذات المرجعية الثقافية والفكرية التي تتباين عن التجربة الغربية؛ إذ يمكن الهوية الجماعية بين الدول في منطقة ما أن تتجلى في أشكال من منطق الفوضى أو ثقافات فوضى خاصة ومتميزة. وهذه الأشكال من المنطق تتباين، في أغلب الأحيان، عن الأشكال التي سكّها ونت. فديناميات الهويات الجماعية في مناطق كثيرة قد تستند إلى معايير إما أنها ترسّخت بسبب التفاعلات، وإما أنها تأثرت بالتغيرات المحلية. وفي بعض الحالات، قد تكون الهويات الجماعية محلّ نزاع وتحٍّدٍ أيضًا، من جانب الفاعلين الإقليميين، مثلما تبيّنه الحالة السعودية حين أدت التغيرات البنيوية وسيرورات التفاعل إلى إعادة تعريف الهوية والمصالح. وفي الشرق الأوسط، حيث لا تزال الدول في المراحل الأولى من التشكّل، لم يذوّت الفاعلون بعُدُ أيّ ثقافة محددة للفوضى؛ ومن ثمّ فهم يكشفون عن ديناميات مختلفة للهويات الجماعية في المنطقة. فعلى الرغم من البروز العضوي للهويات الجماعية في الشرق الأوسط بسبب الدين والتاريخ والثقافة، على نحو نزعة الوحدة الإسلامية والقومية العربية، فإنّ الفاعلين لم يذوّتوا بعُدُ المعايير المرتبطة بهذه الهويات، ما يكشف عن منطق مختلف يتباين عن التصور المفهومي الذي صاغه ونت انطلاقًا من التجربة الغربية. والأبحاث المستقبلية يمكنها دراسة هذه الديناميات في الشرق الأوسط، لتستنبط منها أشكال منطق الفوضى التي تطورت في المنطقة وصاغت علاقات التعاون والصراع فيها.
المراجع
Aarts, Paul & Gerd Nonneman (eds.). Saudi Arabia in the Balance: Political Economy, Society, Foreign Affairs. London: Hurst & Company, 2005. Acharya, Amitav & Barry Buzan. "Why Is There No Non-Western International Relations Theory? An Introduction." International Relations of the Asia- Pacific. vol. 7, no. 3 (2007). Acharya, Amitav. "How Ideas Spread: Whose Norms Matter? Norm Localization and Institutional Change in Asian Regionalism." International Organization. vol. 58, no. 2 (2004). ________. "Global International Relations (IR) and Regional Worlds: A New Agenda for International Studies." International Studies Quarterly. vol. 58, no. 4 (2014). Adler, Emmanuel. "Seizing the Middle Ground: Constructivism in World Politics." European Journal of International Relations. vol. 3, no. 3
Ajami, Fouad. The Dream Palace of the Arabs: A Generation's Odyssey. New York: Knopf Doubleday Publishing Group, 2009. Alghasian, Aziz. "A Revived Arab Peace Initiative from Saudi Arabia Could Save the Middle East." The Cairo Review of Global Affairs (2024). at: https://acr.ps/1L9zRyO Barnett, Michael. Dialogues in Arab Politics: Negotiations in Regional Order. New York: Columbia University Press, 1998. Bilgin, Pinar. "Thinking Past 'Western' IR." Third World Quarterly. vol. 29, no. 1 (2008). Bowen, Wayne H. The History of Saudi Arabia. Santa Barbara, CA: Greenwood Publishing Group, 2008.
Cammett, Melani & Isabel Kendall. "Political Science Scholarship on the Middle East: A View from the Journals." PS: Political Science & Politics. vol. 54, no. 3 (2021). Cavatorta, Francesco, Gervasio Gennaro & Frost Lillian. "The Middle East and North Africa in Political Science Scholarship: Analyzing Publication Patterns in Leading Journals, 1990–2019." International Studies Review. vol. 24, no. 3 (2022). Cox, Robert W., with Timothy J. Sinclair. Approaches to World Order. Cambridge: Cambridge University Press, 1996. Chubin, Shahram & Charles Tripp. "Iran-Saudi Arabia Relations and Regional Order." Adelphi Papers. vol. 36, no. 304 (1996). Chubin, Shahram. "Iran's Power in Context." Survival. vol. 51, no. 1 (2009). Darwich, May. "Foreign Policy Analysis and Armed Non-State Actors in World Politics: Lessons from the Middle East." Foreign Policy Analysis. vol. 17, no. 4 (2021). ________. Threats and Alliances in the Middle East: Saudi and Syrian Policies in a Turbulent Region. Cambridge: Cambridge University Press, 2019. Esposito, John L. Islam and Politics. Syracuse: Syracuse University Press, 1998. Gause, Gregory F. "Balancing What? Threat Perception and Alliance Choice in the Gulf." Security Studies. vol. 13, no. 2 (2003). ________. "Ideologies, Alignments, and Underbalancing in the New Middle East Cold War." PS: Political Science & Politics. vol. 50, no. 3 (2017). Guzzini, Stefano & Anna Leander (eds.). Constructivism London: Relations. International and Routledge, 2006. Hinnebusch, Raymond, and Jasmine K. Gani, eds. The Routledge Handbook to the Middle East and North African State and States System. Abingdon, Oxon: Routledge, 2019. Haas, Mark L. "Ideology and Alliances: British and French External Balancing Decisions in the 1930s." Security Studies. vol. 12, no. 4 (2003). Halliday, Fred. The Middle East in International Relations: Power, Politics and Ideology. Cambridge: Cambridge University Press, 2005. Hinnebusch, Raymond. "Identity in International Relations: Constructivism versus Materialism, and the Case of the Middle East." The Review of International Affairs. vol. 3, no. 2 (2003). ________. The International Politics of the Middle East. 2 nd ed. Manchester: Manchester University Press, 2015. Hoffmann, Stanley. "An American Social Science: International Relations." Daedalus. vol. 106, no. 3
Hopf, Ted. "The Promise of Constructivism in International Relations Theory." International Security. vol. 23, no. 1 (1998). Jensen, Irving Michael. The Political Ideology of Hamas: A Grassroots Perspective. London: I.B. Tauris, 2008. Kaye, Dalia Dassa. Beyond the Handshake: Multilateral Cooperation in the Arab-Israeli Peace Process, 1991–1996. New York: Columbia University Press, 2001. Katzenstein, Peter J. (ed.) The Culture of National Security: Norms and Identity in World Politics. New York: Columbia University Press, 1996. Khan, Muqtedar M. A. Jihad for Jerusalem: Identity and Strategy in International Relations. Santa Barbara, CA: Greenwood Publishing Group, 2004.
Kienle, Eberhard. Ba'th versus Ba'th: The Conflict between Syria and Iraq 1968–1989. London: I.B. Tauris, 1990. Kostiner, Joseph. "Saudi Arabia and the Arab–Israeli Peace Process: The Fluctuation of Regional Coordination." British Journal of Middle Eastern Studies. vol. 36, no. 3 (2009). Lynch, Marc. State Interests and Public Spheres: The International Politics of Jordan Identities. New York: Columbia University Press, 1999. Onuf, Nicholas. World of Our Own Making: Rules and Rule in Social Theory and International Relations. Columbia: University of South Carolina Press, 1989. Piscatori, James (ed.). Islam in the Political Process. Cambridge: Cambridge University Press, 1983. Rabi, Uzi (ed.). International Intervention in Local Conflicts: Crisis Management and Conflict Resolution since the Cold War. London: I.B. Tauris, 2010. Robertson, Wilm. "In the Thick and The Thin of Social Constructivism." Canadian Review of Comparative Literature/ Revue Canadienne de Littérature Comparée. vol. 26, no. 2 (June 1999). Rother, Stefan. "Wendt Meets East: ASEAN Cultures of Conflict and Cooperation." Cooperation and Conflict. vol. 47, no. 1 (2012). Roy, Olivier. The Politics of Chaos in the Middle East. London: Hurst & Company, 2007. Rubin, Lawrence. Islam in the Balance: Ideational Threats in Arab Politics. Stanford, CA: Stanford University Press, 2014. Salem, Paul. Bitter Legacy: Ideology and Politics in the Arab World. Syracuse: Syracuse University Press, 1994. Shahi, Deepshikha & Gennaro Ascione. "Rethinking the Absence of Post-Western International Relations Theory in India: 'Advaitic Monism' as an Alternative Epistemological Resource." European Journal of International Relations. vol. 22, no. 2 (2016). Stein, Ewan. "Beyond Arabism vs. Sovereignty: Relocating Ideas of International Relations of the Middle East." Review of International Studies. vol. 38, no. 4 (2012). Suh, J. J., Peter J. Katzenstein & Allen Carlson (eds.). Rethinking Security in East Asia: Identity, Power, and Efficiency. Stanford, CA: Stanford University Press, 2004. Telhami, Shibley & Michael Barnett (eds.). Identity and Foreign Policy in the Middle East. Ithaca: Cornell University Press, 2002. Tessler, Mark, Jodi Nachtwey & Anna Banda. Area Studies and Social Science: Strategies for Understanding Middle East Politics. Bloomington: Indiana University Press, 1999. Teti, Andrea & Pamela Abbott. "Scholarship on the Middle East in Political Science and International Relations: A Reassessment." PS: Political Science & Politics. vol. 56, no. 2 (2023). Teti, Andrea. "Bridging the Gap: IR, Middle East Studies and the Disciplinary Politics of the Area Studies Controversy." European Journal of International Relations. vol. 13, no. 1 (2007). Tickner, Ann J. "Knowledge Is Power: Challenging IR's Eurocentric Narrative." International Studies Review. vol. 18, no. 1 (2016). Valbjørn, Morten & André Bank. "The New Arab Cold War: Rediscovering the Arab Dimension of Middle East Regional Politics." Review of International Studies. vol. 38, no. 1 (2012).
Valbjørn, Morten. "Still Dripping with Identity Politics? Beyond Classic Identity Politics: Three Ways of Discussing Identity Politics in the Study of the International Relations of the New Middle East." APSA MENA Politics Newsletter. vol. 2, no. 1 (2019). ________. "Toward a 'Mesopotamian Turn': Disciplinarity and the Study of the International Relations of the Middle East." Journal of Mediterranean Studies. vol. 1, no. 2 (2004). Walt, Stephen. The Origins of Alliances. Ithaca: Cornell University Press, 1987. Wendt, Alexander. "Anarchy is What States Make of it: The Social Construction of Power Politics." International Organization. vol. 46, no. 2 (1992). ________. "Collective Identity Formation and the International State." American Political Science Review. vol. 88, no. 2 (1994). ________. "Why a World State Is Inevitable." European Journal of International Relations. vol. 9, no. 4 (2003). ________. Social Theory of International Politics. Cambridge: Cambridge University Press, 1999. Wilson, Peter & Douglas Graham. Saudi Arabia: The Coming Storm. New York: M.E. Sharpe, 1994.