الفوضى هي ما تصنعه الدول منها: سياسة القوة بوصفها بناءًاجتماعيًا ***
الملخّص
This article draws from structurationist and symbolic interactionist sociology, seeking to build a bridge between the realist–liberal and rationalist–reflectivist debates in the field of international relations. In doing so, it argues against the neorealist claim that self-help is given by anarchic structure exogenously to process. It further argues that self-help and power politics do not follow either logically or causally from the anarchic structure of the international system, but are generated by process rather than by structure. There is no logic of anarchy apart from the practices that create and instantiate one particular structure of identities and interests rather than another. Self-help and power politics are institutions, not essential features of anarchy – anarchy is what states make of it. The article explores three ways in which identities and interests are transformed under anarchy: by the institution of sovereignty, by an evolution of cooperation, and by intentional efforts to transform egoistic identities into collective identities. Keywords: Constructivism, Neorealism, Liberalism, Structurationism, Anarchy, Social Construction, Identities and Interests, Alexander Wendt.
Anarchy is what States Make of it: The Social Construction of Power Politics
تبني هذه المقالة على السوسيولوجيا البنيانية والتفاعلية الرمزية، وتسعى إلى بناء جسر بين طرفي النقاشين الواقعي - الليبرالي اولعقالني - والتأملي في حقل لاعالقات الدولية. وتقوم استراتيجية بناء هذا الجسر على نقد الفرضية الواقعية الجديدة القائلة إن اعتماد الدول على نفسها هو نت جا بنية فوضوية خارجية المنشأ ومستقلة عنها. وبدلًا من ذلك، تحاجج المقالة بأن سياسة الاعتماد على النفس وسياسة القوة لا تنبعان من بنية النظام الدولي الفوضوية، لا منطقيًا ولا سببيًا، وأنهما تنتجان من الممارسات والعمليات لا من البنية؛ فليس ثمة منطقٌ للفوضى بمعزٍلٍ عن الممارسات التي تنشئ بنية معينة للمصالح والهويات وتجسدها دون غيرها. وتخلص المقالة إلى أن اعتماد الدول على نفسها وجنوحها نحو سياسة القوة ليست سمات متأصلة في فوضوية النظام الدولي؛ فالفوضى هي ما تصنعه الدول منها. وتبين ثلاث طرائق يجري من خلالها تحويل الهويات والمصالح في ظل الفوضى: من خلال مؤسسة السيادة، ونشأة التعاون وتطوره، والجهود القصدية التي تستهدف تحويل الهويات الأنانية إلى هويات جماعية.
مقدمة
عاد النقاش بين الواقعيين والليبراليين إلى البروز مرة أخرى محورًا للتنازع في نظرية العلاقات الدولية 1. وبينما دار النقاش في الماضي حول نظريات متنافسة عن الطبيعة البشرية، ينشغل النقاش اليوم أكثر بمدى تأثر أفعال الدولة ب "البنية" (الفوضى وتوزيع القوة) في مقابل "العمليات" (التفاعل والتعلّم) والمؤسسات. هل يجبر غياب سلطة سياسية مركزية الدول على ممارسة سياسة القوة التنافسية؟ وهل تستطيع المنظومات الدولية Regimes تجاوز هذا المنطق، وبأيّ شروط؟ وما المعطى وغير القابل للتغيير في الفوضى؟ وما الذي يمكن أن يخضع للتغير فيها؟ يستند النقاش بين "الواقعيين الجدد" و"الليبراليين الجدد" إلى التزام مشترك ب "العقلانية" 2. وعلى غرار جميع النظريات الاجتماعية، توجّهنا نظرية الاختيار العقلاني نحو طرح بعض الأسئلة دون غيرها، فنتعامل مع هويات الفاعلين ومصالحهم بوصفها معطاة شكّلتها عوامل خارجية، ونركز على الكيفية التي تتولد بها النتائج عن سلوك الفاعلين. وهكذا، تقدم العقلانية مفهومًا سلوكيّا في الأساس للسيرورة والمؤسسات على حد سواء؛ فهي تغّي رالسلوك لا الهويات والمصالح 3. وإضافة إلى هذه الطريقة في تأطير مشكلات البحث، يتشارك الواقعيون الجدد والليبراليون الجدد افتراضات متشابهة بشأن الفاعلين؛ فالدول هي الفاعلون المسيطرون في النظام، وهي تعرّف الأمن من ناحية "مصالحها الذاتية." وقد يختلف الواقعيون الجدد والليبراليون الجدد في الإجابة عن سؤال: إلى أيّ حد تكون الدول مدفوعة بالمكاسب النسبية أو المطلقة؟ إلا أن كلا الجانبين يتّخذان الدولة المهتمة بمصلحتها الذاتية نقطة انطلاق لبناء النظرية. تبدو نقطة البداية هذه منطقية بالنسبة إلى الواقعيين الجدد؛ لأنهم يعتقدون أن الأنظمة الفوضوية هي بالضرورة أنظمة قائمة على "الاعتماد على النفس"، وهي أنظمة تغيب فيها السلطة المركزية والأمن الجماعي على حدّ سواء. يضطلع الاعتماد على النفس المترتب على الفوضى والملازم لها بوظيفة أساسية في الواقعية الجديدة؛ إذ يؤدي إلى توليد ديناميات تنافسية متأصلة في معضلة الأمن ومشكلة الفعل الجماعي. ولا يُنظر إلى الاعتماد على النفس بوصفه "مؤسسة"، وهو، على هذا النحو، يتولى دورًا تفسيريّا متميزًا مقارنة بالعمليات؛ إذ إنه يحدد شروط التفاعل، لكنه لا يتأثر به. ونظرًا إلى أن الدول التي لا تتمكن من التوافق مع منطق الاعتماد على النفس يجري استبعادها من النظام، فإن التعلّم البسيط أو التكيّف السلوكي يظل الخيار الوحيد الممكن؛ أما التعلّم المركّب الذي تنطوي عليه إعادة تعريف الهويات والمصالح، فهو غير ممكن على الإطلاق 4. ومن ثمّ، فإنّ الأسئلة المتعلقة بتشكيل الهوية والمصالح تُعدّ غير مهمة لطلاب العلاقات الدولية. والإشكالية العقلانية، التي تختزل العمليات في ديناميات التفاعل السلوكي بين فاعلين يتشكلون من الخارج، تحدد نطاق النظرية النظمية. ومن خلال تبنّي مثل هذا المنطق في التفكير، يتنازل الليبراليون للواقعيين الجدد عن القوة السببية التي تنطوي عليها البنية الفوضوية، لكنهم يكتسبون حجة خطابية قوية ترى إمكانية أن تولّد العمليات سلوكًا تعاونيّا، حتى في نظام معطى قائم على الاعتماد على النفس. قد يعتقد بعض الليبراليين أنّ الفوضى تشكّل، في الواقع، دولًا بهويات ذاتية المصالح ومستقلة عن الممارسة؛ وبهذا الاعتقاد يتنازل أنصار تلك الليبرالية "الضعيفة" عن قوة الفوضى السببية، سواء على مستوى الخطاب، أو على مستوى الموضوع، ويسلّمون بمفهوم العقلانية السلوكي المحدود للقوة السببية الكامنة في المؤسسات. إنهم واقعيون قبل أن يكونوا ليبراليين (ويمكننا تسمية مقاربتهم واقعية
"ضعيفة)"؛ نظرًا إلى أنهم لا يتجاوزون "حدود" الواقعية، إلا إذا كان في إمكان المؤسسات الدولية تغيير القوى والمصالح 5. ولكن بعض الليبراليين يطمحون إلى المزيد. فحين يتحدث جوزيف ناي عن "التعلّم المركّب"، أو يناقش روبرت جيرفيس "المفاهيم المتغيرة للذات والمصلحة"، أو يتناول روبرت كيوهان المفاهيم "السوسيولوجية" للمصلحة، فإن كلا منهم يشدّد على دور مهمّ تؤديه تحّولّات الهوية والمصلحة في برنامج البحث الليبرالي؛ ما يؤدي، بالنتيجة، إلى إرساء مفهوم، أقوى ومقِنِع أكثر، للعمليات والمؤسسات في السياسة العالمية 6. وفي الواقع، ينبغي أن يقضّ مضاجَعَ أنصار الليبرالية "القوية" التمييُزُ القائم على ثنائية البنية والسيرورة، والمتضمن تفضيلًا للبنية على السيرورة، ما دامت تحولات الهوية والمصالح من خلال السيرورة هي أساسًا تحولاٌتٌ في البنية. ولا تقدّم العقلانية ما يكفي لدعم مثل هذه الحجة 7؛ وهو ما دفع، جزئيّا، فريدريك كراتوتشفيل وجون راغي إلى المحاجّة، في مقال مهمّ، بأن الأنطولوجيا الفردانية، التي تقوم عليها هذه الحجة، تتعارض مع الإبستيمولوجيا البينذاتية Intersubjectivist الضرورية لكي تفي نظرية المنظومات Regime Theory بوعودها كاملة 8. فلا يمكن المنظومات أن تغّي رالهويات والمصالح لو تعاملنا مع هذه الأخيرة بوصفها معطاة. وبسبب هذا الإرث العقلاني، وعلى الرغم من الدراسات العديدة والثرية المتنامية عن التعلّم المركّب في السياسة الخارجية، يفتقر الليبراليون الجدد إلى نظرية نسقية عن الكيفية التي تحدث بها هذه التغّي رات؛ ومن ثمّ، عليهم أن يمنحوا الرؤى الواقعية بشأن البنية امتيازًا خاصًا، ريثما يتمكنون من تطوير رؤى خاصة بهم بشأن العمليات. وتكمن المفارقة في أن النظريات الاجتماعية التي تسعى لتفسير الهويات والمصالح موجودة بالفعل، وقد أطلق كيوهان عليها اسم النظريات "التأملية" Refelctivist 9؛ وبما أنني أريد أن أؤكد على تركيزها على البناء الاجتماعي للذاتية وأقلل من الاهتمام بمشكلة الصورة التي نُسجت حولها، أقتفي أثر نيكولاس أونوف وأطلق عليها اسم النظريات "البنائية" Constructivist 10. وعلى الرغم من وجود اختلافات مهمة، يتقاسم الإدراكيون Cognitivists، وما بعد البنيويين Poststructuralists، ونسويو وجهة النظر Standpoint Feminists، والنسويّون ما بعد الحداثيين Feminists Postmodernist، ومنظّرو القواعد Rule Theorists، والبنيانيون Structurationists، اهتمامًا مشتركًا بالمسألة "السوسيولوجية" الأساسية التي صرف العقلانيّون عنها النظر – وأقصد بها على وجه التحديد مسألة تشُّكُل الهوية والمصالح. ومع ذلك، غطّت على مساهمة البنائية المحتملة في بناء نظرية ليبرالية قوية النقاشاُتُ الإبستيمولوجية الأخيرة بين الحداثيين وما بعد الحداثيين، التي يدين فيها معياُرُ العلم المنشّقيّن بعدم تحديد برنامج بحثي سائد Conventional خاص بهم، في الوقت الذي يحتفي فيه المنشقون بتحرّرهم من ضوابط معيار العلم 11. تغذي مجموعة من القضايا الحقيقية هذا النقاش، ما يؤدي إلى انقسام داخل التيار البنائي ذاته. أما بالنسبة إلى موضوع العلاقات الدولية، فيهتمّ البنائيون الحداثيون وما بعد الحداثيين بكيفية تشكّل ممارسات الفاعلين؛ وهو غير بعيد عن اهتمام الليبرالية القوية بالكيفية التي تحوّل بها المؤسسات المصالح. إنهم يتقاسمون مفهومًا إدراكيًا بينذاتيًا للسيرورة، تكون فيه الهويات والمصالح متضمنة في التفاعلات ووليدةً لها [أي داخلية المنشأ Endogenous]، بدلًامن
المفهوم السلوكي - العقلاني الذي يقدم الهويات والمصالح بوصفها خارجية تتشكل بعيدًا عن التفاعل [أي خارجية المنشأ.]Exogenous أهدف من خلال هذه الدراسة إلى بناء جسر بين هذين الاتجاهين المختلفين (وامتدادًا لذلك، بين النقاشين الواقعي - الليبرالي والعقلاني - التأمليي)، وذلك من خلال تطوير حجة بنائية مستمدّة من السوسيولوجيا البنيانية Structurationist والتفاعلية الرمزية، نيابة عن الادعاء الليبرالي القائل إن المؤسسات الدولية يمكنها تحويل هويّات الدول ومصالحها 12. ويتضمّن ذلك، خلافًا للتنظير "الاقتصادي" الذي يهيمن على أبحاث العلاقات الدولية النظمية السائدة، شكلًا"سوسيولوجيّا ونفسيّا اجتماعيّا" من النظرية النظمية التي تكون فيها الهويات والمصالح متغرّي ا تابعًا13. ولا يعنيني، في هذا السياق، إن كانت "الليبرالية الجماعاتية" لا تزال محسوبةً على الليبرالية؛ فما يعنيني هو أن البنائية يمكن أن تساهم على نحو بارز في انشغال الليبرالية العميق بمسألة تشُّكُل الهوية والمصالح، وقد يفضي هذا الإسهام إلى إثراء البنائية باستبصارات ليبرالية حول التعلّم والإدراك، اللَذَين طالما أغفلتها. تتمثل استراتيجيتي الرامية إلى بناء هذا الجسر في الحجاج ضد ادعاء الواقعيين الجدد القائل إن الاعتماد على النفس هو نتاج بنية فوضوية خارجية المنشأ بالنسبة إلى العمليات ومستقلة عنها. لم يبذل البنائيون جهدًا يُعتدّ به لأخذ القوى السببية للفوضى على محمل الجد. وهذا أمر مؤسف، ما دام المنظور الواقعي للفوضى يبرر إغفال التحويل المؤسسي للهويات والمصالح، ما يفضي إلى بناء نظريات نظمية من ناحية عقلانية بحتة. بناء عليه، يجب تحدي قواها السببية المزعومة إذا كانت العمليات والمؤسسات غير خاضعة للبنية. وأحاجّ بأن الاعتماد على النفس وسياسة القوة لا ينبعان من الفوضى، لا من ناحية منطقية ولا من ناحية سببية، كما أحاجّ بأننا إذا وجدنا أنفسنا اليوم في عالٍمٍ يسوده الاعتماد على النفس، فإن ذلك يرجع إلى العمليات لا إلى البنية. لا يوجد "منطق" للفوضى بمعزلٍ عن الممارسات التي تُنشئ وتجسد بنية معينة للمصالح والهويات دون غيرها. إن الاعتماد على النفس وسياسة القوة مؤسستان، وليسا سمتين أساسيتين للفوضى. إنّالفوضى هي ما تصنعه الدول منها. أفحص، في الأقسام التالية من الدراسة، وبعيٍنٍ ناقدة، الادعاءات والافتراضات الواقعية الجديدة، وأطوّر حجتي بشأن كيفية بناء سياسَتَي الاعتماد على النفس والقوة بناءًاجتماعيّا في أثناء الفوضى. ثم أستكشف ثلاث طرائق يجري من خلالها تحويل الهويات والمصالح في أثناء الفوضى: من خلال مؤسسة السيادة، وعبر نشأة التعاون وتطوره، ومن خلال الجهود القصدية التي تستهدف تحويل الهويات الأنانية إلى هويات جماعية.
أولًا: الفوضى وسياسة القوة
عزا الواقعيون الكلاسيكيون، من أمثال توماس هوبز ورينهولد نيبور وهانز مورغنثاو، الأنانية وسياسة القوة إلى الطبيعة البشرية في المقام الأول، في حين يركّز الواقعيون البنيويون أو الواقعيون الجدد على الفوضى. ويرجع هذا الاختلاف جزئيّا إلى التفسيرات المتباينة للقوى السببية الكامنة في الفوضى. وُيُعدّ عمل كينيث والتز التحل ليي مهّمًا لكلا التفسيرين، ففي كتابه الإنسان والدولة والحرب، يعرّف الفوضى بأنها شرط إمكانية لنشوب الحرب أو سبٌبٌ "ميٌرِّسٌ" لنشوبها، مجادلًا بأن "الحروب تنشب لأنه ما من شيء يمنع نشوبها" 14. ومع ذلك، فإن الطبيعة البشرية أو السياسة الداخلية للدول المعتدية هي التي توفر الدافع الأّولّي أو السبب "الفعّال" للصراع الذي يجبر الدول الأخرى على الردّ بالمثل 15. إلا أن موقف والتز هذا لا يبدو متسقًا تمامًا بشأن ذلك؛ إذ إنه يتملص، من دون تبرير، من الادعاء السببي الميّس رالقائل إن ثمة إمكانية دائمة لنشوب الحروب في ظل الفوضى، ويشير إلى الادعاء السببي النّشط القائل إن "الحرب قد تحدث في أي لحظة" 16. وعلى الرغم من دعوة والتز الختامية إلى نظرية قائمة على الصورة الثالثة، فإن الأسباب الفعّالة التي تمهّد للأنظمة الفوضوية تقع ضمن الصورتين الأولى والثانية. ويقلب ذلك رأسًا على عقب في كتابه نظرية السياسة الدولية؛ إذ إنه يرفض نظريات الصورتين الأولى والثانية بوصفها "اختزالية"،
وحيث يبدو منطق الفوضى في حد ذاته مشِّكِالًالسياسة الاعتماد على النفس وسياسة القوة بوصفها سماٍتٍ ضرورية للسياسة العالمية 17. إن هذا لأمر مؤسف، فمهما كان رأي المرء في نظريات الصورَتيَن الأولى والثانية، فإنها تنطوي على فضيلة الإشارة إلى أن الممارسات تحدد طبيعة الفوضى. فوجهة النظر التي تركز على السببية الميِّسر ة للحرب ترى أن الطرف (ب) لن يضطر إلى الدفاع عن نفسه، إلا في حال تسببّت عوامل بشرية أو محلية في هجوم الطرف (أ) عليه. وعلى الرغم من أن أنظمة الفوضى قد تتضمّن ديناميات تؤدي إلى سياسة قوةٍ تنافسية، فإنها قد لا تتضمنها بالضرورة، ومن ثم، يمكننا مناقشة الشروط التي تظهر في ظلها بنى معيّنة للهويات والمصالح. أما في الواقعية الجديدة، فيجري إلى حد بعيد تقليص دور الممارسات في تشكيل طبيعة الفوضى؛ وهكذا، ثمة مسائل أقل يمكن الجدل بشأنها: فسياستا الاعتماد على النفس والقوة، ببساطة، يجري التعامل معهما، بوصفهما معطاَتيَن يُفترض أن منشأهما خارجي بالنسبة إلى بنية نظام الدول. لن أجادل، في هذا السياق، في وصف الواقعيين الجدد لنظام الدول المعاصر بأنه عالٌمٌ تنافسي قائم على الاعتماد على النفس 18، بل سأكتفي بمناقشة جانبه التفسيري. وسأطوّر حجتي عبر ثلاث مراحل: سأفكك، أولًا، مفهوَمَي الاعتماد على النفس والفوضى، مبِّيِنًا أن مفاهيم مصلحة الأمن الذاتية ليست سمات مكِّوِنة للفوضى. وأبّين، ثانيًا، كيفية إنتاج الاعتماد على النفس وسياسة القوة التنافسية سببيّا من عمليات التفاعل بين الدول، والتي لا تؤدي فيها الفوضى سوى دوٍرٍ ميّسر. وفي كلتا هاتين المرحلتين من تطوير حجّتي، سأضع، عن وعي ذاتي، محددات الصورتين الأولى والثانية لهويات الدول بين قوسين وأصرف عنها النظر، لا لأنها غير مهمة (لأنها بالطبع مهمّة)، بل لأن هدفي، على غرار والتز، يكمن في إزالة الغموض الذي يلفّ "منطق" الفوضى. ثم، ثالثًا، أعيد طرح محددات الصورتين الأولى والثانية لتقييم أثرها في تشكيل الهويّة في سياق أنواع مختلفة من الفوضى.
الفوضى والاعتماد على النفس والمعرفة البينذاتية
يعرّف والتز البنية السياسية ضمن ثلاثة أبعاد: المبادئ المنِّمظِة (وهي الفوضى في هذه الحالة)، ومبادئ التمايز (التي تغيب هنا)، وتوزيع القدرات 19. ولا يتنبأ هذا التعريف في حد ذاته سوى بالقليل عن سلوك الدول؛ فلا يتنبأ بإمكانية أن تكون الدولتان صديقتين أو عدوتين، أو ستعترف إحداهما بسيادة الأخرى، أو سترتبطان بروابط حكم سلالية، أو ستكونان قوَتيَن مراجعتين أو قوَّت يوضٍعٍ قائم، وما إلى ذلك. تؤثر هذه العوامل - وهي في جوهرها عوامل بينذاتية - في مصالح الدول الأمنية، ومن ثمّ في طبيعة تفاعلها في حالة الفوضى. وفي مراجعة مهمة لنظرية والتز، يشير ستيفن والت ضمنًا إلى ذلك، حين يدفع بأنّ "توازن التهديدات"، لا توازن القوى، هو ما يحدد تصرفات الدول، كما يحدد التهديدات التي تُبنى اجتماعيّا 20. بعبارة أعمّ، ودونما أيّ افتراضات بشأن بنية الهويات والمصالح في النظام، لا يستطيع تعريف والتز للبنية التنبؤ بمحتوى الفوضى أو دينامياتها. إن الاعتماد على النفس يُعدّ إحدى هذه البنى البينذاتية؛ وهي، بصفتها كذلك، تؤدي مهمة التفسير الحاسمة في النظرية. والسؤال: أكان الاعتماد على النفس سمةً منطقية أم عرضية للفوضى؟ وسأطوّر في هذا الجزء من الدراسة مفهوم "بنية الهويات والمصالح"، وأبّي نأن أًّيًا منهما ينشأ منطقيّا من الفوضى. يتمثل أحد المبادئ الأساسية للنظرية البنائية الاجتماعية في أن البشر يتصرفون تجاه الأشياء، بما في ذلك الفاعلون الآخرون، بناءً على المعاني التي تحملها تلك الأشياء لهم 21. وتختلف تصرفات الدول تجاه أعدائها عن تصرفاتها تجاه أصدقائها؛ لأنّ الأعداء يشكّلون تهديدًا لها، على عكس الأصدقاء. ومع ذلك فالفوضى وتوزيع القوة لا يكفيان لتمييز الصديق من العدوّ. تختلف دلالة القوة العسكرية الأميركية لدى كندا عن دلالتها لدى كوبا، على الرغم من تشابه موقَعَيهما "البنيوي"، تمامًا مثلما تختلف دلالة الصواريخ البريطانية عن دلالة الصواريخ السوفياتية بالنسبة إلى الولايات المتحدة الأميركية. وقد يؤثر توزيع القوة دائمًا في حسابات الدول، أما كيفية التأثير تلك فتعتمد
على الفهوم والتوقعات البينذاتية، وعلى "توزيع المعرفة" التي تشكّل تصوراتها عن نفسها وعن الآخر 22. فإذا ما "نسي" المجتمع ما هي الجامعة، فإن سلطات الأساتذة والطلاب وممارساتهم ستختفي من الوجود؛ وإذا قرر الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة أنهما لن يعودا عدَّوَين، فإنّ "الحرب الباردة تكون قد انتهت." وهكذا، فإن المعاني الجماعية هي التي تشكّل البنى التي تنظّم تصرفاتنا. يكتسب الفاعلون هويّات – وهي فهوم وتوقعات بشأن الذات، مستقرة نسبيّا ومحِّدِدة للأدوار – من خلال المشاركة في مثل هذه المعاني الجماعية 23. والهويات بطبيعتها علائقية؛ أي إن "الهوية، بما تحمله من ارتباطات مناسبة بالواقع النفسي، تكون دائمًا هوية ضمن عالم محدّد مبنيّ اجتماعًّيًا"، بحسب ما يذهب إليه بيتر بيرغر 24. إن لكل شخص عدة هويّات مرتبطة بأدوار مؤسسية، فقد يكون فرٌدٌ ما أخًا وابنًا ومعلمًاومواطنًا. وبالمثل، قد تكون لدولة ما هويات متعددة، من قبيل أن تكون "ذات سيادة" و"قائدة للعالم الحر" و"قوة إمبريالية"، وما إلى ذلك 25. في حين تتباين درجة الالتزام بهويات معينة وتختلف أهمية كل منها، فإنّ كل هوية تمثل بطبيعتها تعريفًا اجتماعيّا للفاعل، يرتكز على النظريات التي يعتنقها الفاعلون جماعيًا بشأن أنفسهم، وبشأن الآخرين، والتي تشكّل بنية العالم الاجتماعي. إن الهويات هي أساس المصالح. ولا يمتلك الفاعلون "محفظة" من المصالح يحملونها معهم بمعزٍلٍ عن السياق الاجتماعي؛ بل إنهم يحدّدون مصالحهم في أثناء سيرورة تحديد المواقف 26. وكما يقول نيلسون فوت: "إن الدافع[...]يشير إلى الدرجة التي يُعِّفرّ بها الإنسان، بوصفه مشاركًا في السيرورة الاجتماعية المستمرة التي يجد نفسه فيها بالضرورة، موقفًا إشكاليّا يستدعي تصرفًا محددًا، وتكون عواقبه متوقعة إلى حد ما، وبناء على ذلك، يكتسب الطاقة المناسبة لأدائه" 27. وقد نمرّ في بعض الأحيان بمواقف غير مسبوقة في تجاربنا، وعلينا في مثل هذه الحالات بناء معناها، ومن ثمّ بناء مصالحنا، وتعريفها إما عن طريق القياس أو اختراعها من جديد. ولهذه المواقف غالبًا سمات روتينية ومعتادة، فنضفي عليها حينها معانَيَ بناءً على أدوار محدّدة مؤسسًّيًا. وحين نقول إن لدى الأساتذة "مصلحة" في التدريس أو البحث أو الخروج في إجازة، فإننا نفترض أن على من يؤدي الوظيفة المترتبة على هوية دور "الأستاذ" تحديد مواقف معينة بوصفها تتطلب أفع لًامعينة. ولا يعني هذا أنهم بالضرورة سيفعلون
ذلك (فالتوقعات والكفاءة لا تساوي الأداء)، إلا أنهم لن يحصلوا على منصب "الأستاذ" الدائم إذا لم يفعلوا ذلك. يؤدي غياب الأدوار أو فشلها إلى زيادة صعوبة تحديد المواقف والمصالح وتعريفها؛ ما قد يفضي إلى ارتباك في تعريف الهوية. وهذا ما نشهده اليوم في الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي سابقًا: إذ إن غياب تعريف هويَتَيهما عبر تبادل نسب التهديد والعداء في سياق الحرب الباردة يجعلهما تبدوان غير متأكدَتيَن مّم اينبغي أن تكون عليه "مصالحهما." إن المؤسسة مجموعة أو "بنية" مستقرة نسبًّيًا من الهويات والمصالح. وتتجسد، غالبًا، هذه البنى في قواعد ومعايير رسمية، ولا تكتسب قوة تحفيزية إلا بفضل تنشئة الفاعلين اجتماعيّا على المعرفة الجماعية ومشاركتهم الفعلية فيها. فالمؤسسات في جوهرها كيانات معرفية؛ إذ إنها لا توجد بمعزٍلٍ عن الأفكار التي يتبناها الفاعلون حول كيفية عمل العالم 28. ولا يعني هذا أن المؤسسات ليست حقيقية أو موضوعية، أو أنها "ليست سوى" معتقدات. وبوصفها معرفة جماعية، فإن خبرتنا بالمؤسسات تجعلنا نرى في وجودها حالةً "تتجاوز الأفراد الذين يجسدونها في اللحظة" 29 التي نختبرها فيها. وهكذا، تواجه المؤسسات الأفراد بوصفها حقائق اجتماعية قسرية إلى حد ما، لكنها تظل من الناحية الوظيفية نتاجًا لما "يعرفه" الفاعلون على نحو جماعي. لا توجد الهويات وهذه المدركات الجماعية بعضها بمعزل عن بعض؛ إذ "يشِّكِل بعضها بعضًا" 30. من هذا المنظور، تُعدّ المأسسة سيرورة استيعاٍبٍ لهويات ومصالح جديدة، وليست مجرد شيءٍ يحدث خارجها ويؤثر في السلوك فحسب، وُتُعدّ التنشئة الاجتماعية سيرورة معرفية لا مجرد سيرورة سلوكية. على هذا النحو، قد تكون المؤسسات تعاونية أو صراعية، وهي مسألة تغيب أحيانًا عن الدراسات المتعلقة بالأنظمة الدولية التي تميل إلى المساواة بين المؤسسات والتعاون. ولا شك في أن ثمة اختلافات مهمة بين المؤسسات الصراعية والتعاونية، ولكن جميع العلاقات المستقرة نسبًّيًا بين الذات والآخر – حتى تلك المتعلقة ب "الأعداء" – يجري تعريفها على نحو بينذاتي. إنّ الاعتماد على النفس مؤسسة في حد ذاتها، وهي واحدة من بنى الهويات والمصالح المتنوعة، التي قد توجد في أثناء الفوضى. تُعنى عمليات تشكيل الهويات في أثناء الفوضى، أولًا، بالحفاظ على الذات أو "أمنها." لذلك، تختلف مفاهيم الأمن من ناحية كيفية ربط تماهي الذات مع الآخر معرفيًا وحدوده 31، وأود الإشارة إلى أنّ معنى الفوضى وتوزيع القوة يعتمد على هذا التباين المعرفي. ودعوني أوِضِ حْ ذلك بمتّصل قياسي Standard Continuum من الأنظمة الأمنية 32. في أحد طرَف يالمَّتَصل، يقع النظام الأمني "التنافسي"، وفيه تعِّفرِ الدول أمنها، على نحو سلبي، بربطه بأمن بعضها بعضًا، بحيث تُعدّ المكاسب التي تحققها الذات Ego خسارةً للآخر Alter. وتشكّل هذه الطريقة السلبية في التعريف المتبادل بين الذات والآخر، في أثناء الفوضى، أنظمةً تقوم على سياسة القوة "الواقعية:" إذ إن الفاعلين الذين يتجنبون المجازفة يستشفّون نيات الفاعلين الآخرين من خلال القدرات، وينشغلون بالمكاسب والخسائر النسبية. وفي أقصى الحالات، كما في حرب الكل ضد الكل في رأي هوبز، يصبح التصرف الجماعي في مثل هذا النظام شبه مستحيل؛ إذ إن كل فاعل يجب أن يعيش في خوف مستمر من أن يُغَدَر به وُيُطَعَن في الظهر. أما في الوسط فيقع النظام الأمني "الفرداني"، الذي لا تهتم فيه الدول بالعلاقة بين أمنها وأمن الدول الأخرى؛ ويشكّل هذا النظام أنظمة "نيوليبرالية"، حيث تظل الدول في هذا الإطار تولي أمنها اهتمامًا
خاصًا، لكنها تركز تحديدًا على المكاسب المطلقة بدلًامن المكاسب النسبيّة. ثمّ إن موقع الدولة في بنية توزيع القوى يكون أقل أهمية، ويكون التصرف الجماعي ممكنًا أكثر (إلا أنه يظلّ خاضعًا للانتفاع بالمجّان، لأن الدول تظل "أنانيّة.)" يُعدّ النظامان الفرداني والتنافسي شكَليَن من أشكال الفوضى القائمة على "الاعتماد على النفس"، بمعنى أنّ الدول لا تربط أمنها الذاتي بأمن الآخرين، بل تتعامل مع الأمن بوصفه مسؤولية فردية تقع على عاتق كل دولة. وبالنظر إلى غياب تعريف معرفي إيجابي للهوية تُبنى على أساسه الأنظمة الأمنية، فإن سياسة القوة داخل هذه الأنظمة ستتضمن بالضرورة جهودًا للتلاعب بالآخرين لتحقيق المصالح الذاتية. يتناقض ذلك مع النظام الأمني "التعاوني"، حيث تعرف الدول بعضها بعضًا على نحو إيجابي، وُيُنظر إلى أمن كٍّلٍ منها بوصفه مسؤولية الجميع. وليس هذا اعتمادًا على النفس بأي معنى قد يثير اهتمامنا، لأن "الذات" التي تَُعَّرَف المصالح من خلالها هي المجتمع؛ ولأن مصالح الدول الوطنية هي مصالح دولية 33. من الناحية العملية، بطبيعة الحال، يتفاوت مدى تماهي الدول مع المجتمع، بدءًا بالشكل المحدود الذي تجسّده "التوافقات" الدولية وصولًاإلى الشكل الكامل المتمثل في ترتيبات الأمن الجماعي 34. واعتمادًا على تطور الذات الجماعية، فإنها ستنتج ممارسات أمنية متفاوتة من ناحية الإيثار والإيجابيّة تجاه المجتمع؛ وهذا ما يجعل التصرف الجماعي أقل اعتمادًا على وجود تهديدات نشطة وأقل عرضة للانتفاع بالمجان 35. وفضلًاعن ذلك، فإنها تعيد هيكلة الجهود الرّامية إلى تحقيق أهداف الفرد، أو "سياسة القوة"، من ناحية المعايير المشتركة بدلًامن القوة النسبية 36. تفيد وجهة النظر هذه بأنّ مَْيْل دراسات العلاقات الدولية إلى النظر إلى القوة والمؤسسات بوصفهما تفسيرين متعارضين للسياسة الخارجية يُعُّدُ مضلّلًا، بما أن الفوضى وتوزيع القوة لا يكتسبان أيّ معنى لتصرفات الدولة إلا من خلال الفهوم والتوقعات التي تشكّل الهويات والمصالح المؤسسية. والاعتماد على النفس هو إحدى هذه المؤسسات؛ إذ إنه يشكّل نوعًا واحدًا من الفوضى، لكنه ليس النوع الوحيد. لذلك، يبدو أن تعريف والتز للبنية ذات الأجزاء الثلاثة غير دقيق. وللانتقال من البنية إلى الفعل، من الضروري إضافة جزء رابع، وهو بنية الهويات والمصالح في النظام، التي تتشكل بينذاتًّيًا. إنّ لهذا تأثيرًا مهًّم افي الطريقة التي نتصور بها الدول وهي في حالة الطبيعة، قبل لقائها الأول بعضها مع بعض. ونظرًا إلى أنّ الدول لا تمتلك مفاهيم عن الذات والآخر، ومن ثم، عن المصالح الأمنية، بمعزل عن التفاعل فيما بينها أو قبله، فإننا نفترض أكثر مما ينبغي بشأن حالة الطبيعة إذا ما اتفقنا مع والتز، الذي يرى أن الفوضى تجعل "الأنظمة السياسية الدولية، مثلها مثل الأسواق الاقتصادية، تتشكل من خلال التفاعل بين وحدات تهتم بنفسها" 37. إننا نبالغ في افتراضاتنا إذا جادلنا بأن الفوضى تجعل الدول وهي في حالة الطبيعة تواجه حتمًاحالة "معضلة أمنية" أو حالة "مطاردة الأيل" 38. تفترض هذه الادعاءات وجود تاريخ من التفاعل اكتسب من خلاله الفاعلون هويات ومصالح "أنانية"؛ بينما لم تكن لديهم، قبل التفاعل (الذي لا يزال مجردًا من عوامل الصورتين الأولى والثانية)، أيّ خبرة تمكّنهم من بناء مثل هذه التعريفات للذات والآخر. ويعني افتراض خلاف ذلك أن ننسب إلى الدول، وهي في حالة الطبيعة، صفاٍتٍ لا يمكن أن
تمتلكها إلا في حالة المجتمع 39. إن الاعتماد على النفس هو مؤسسة، وليس سمةً مكِّوِنةً للفوضى. فما هي، إذًا، السمة المكِّوِنة لحالة الطبيعة التي تسبق أيّ تفاعل؟ إذا ما جرّدنا الذات من خصائصها التي نفترض أنها تسبق تفاعل الذات مع الآخرين، فلن يتبقى أمامنا سوى شيئين: الأول هو الركيزة المادية للفاعلية، بما في ذلك قدراتها الكامنة في جوهرها. بالنسبة إلى البشر، ذلك هو الجسد؛ أما بالنسبة إلى الدول، فهي أجهزة الحكم التنظيمية. ولأغراض بلاغية، أفترض أن المادة الخامّ التي يتكون منها أعضاء نظام الدول يُنِتِجها المجتمع الداخليي، وذلك قبل ولوج الدول سيرورة تشكيل المجتمع الدولي 40، مع أن هذه السيرورة لا تعني استقرارًا في حدود الأقاليم الترابية ولا في السيادة، وهي شروٌطٌ للسمة الفردانيّة يجري التفاوض عليها دولًّيًا (كما سأناقش.) أما الثاني، فهو الرغبة في الحفاظ على هذه الركيزة المادية، أي البقاء. لكن ذلك لا يستلزم "الاهتمام بالذات"، بما أن الفاعلين لا يمتلكون "ذاتًا" قبل التفاعل مع آخر؛ ومن ثمّ، فإن الكيفية التي ينظرون بها إلى معنى هذا البقاء ومتطلباته تعتمد على العمليات التي تنشأ وتتطور من خلالها مفاهيم الذات. ربما يحيط كل ذلك قدٌرٌ كبير من الغموض، لكنّ قضية مهمة تُطرح على المحك، وهي: أمنشأ هويات سياسة الدول الخارجية ومصالحها داخليي أم خارجي بالنسبة إلى نظام الدول؟ يمثل القول إنها داخلية المنشأ الإجابة من وجهة نظر تتبنى نظرية النظم الفردانية أو على الأقل اهتمامًا بعامل التنشئة الاجتماعية؛ وهي وجهة نظر تتناسب مع العقلانية. أما القول إن الهويات والمصالح خارجية المنشأ، فيمثل الإجابة من وجهة نظر نظرية النظم التي تتبنى كليّا عامل التنشئة الاجتماعية. ويبدو أن والتز يتبنّى الإجابة الثانية ويقترح آليَتيَن - هما المنافسة والتنشئة الاجتماعية - تحدد البنية بموجبهما أفعال الدولة 41. ومع ذلك، فإن محتوى حجته بشأن هذا الدور الذي تؤديه البنية يفترض وجود نظاٍمٍ قائم على الاعتماد على النفس، وهو نظاٌمٌ لا يَُعَُّدُ في حد ذاته سمة مكِّوِنة للفوضى. ويشير جيمس مورو إلى أن آليَتَي والتز تحددان السلوك فحسب، ولا تحددان الهوية والمصلحة 42. وهذا ما يفسر كيف يمكن اتهام والتز ب "الفردانيّة" و"البنيويّة" في الآن نفسه 43؛ فهو فرداٌنّيٌ فيما يتعلق بالتكوين النظمي للهويات والمصالح، في حين أنه بنيوي فيما يتعلق بالمحددات النظمية للسلوك.
الفوضى والبناء الاجتماعي لسياسة القوة
إذا لم يكن الاعتماد على النفس سمة مكوّنة للفوضى، فلا بدّ من أ ن ينبثق سببيّا من العمليات التي تؤدي فيها الفوضى دورًا ميرِّسًا فحسب 44. ويعكس ذلك المبدُأ الثاني من مبادئ البنائية: تنشأ المعاني
45. ومع ذلك التي يجري من خلالها تنظيم الأفعال من التفاعل نفسه ، فإن الوضع الذي تجد الدول نفسها فيه، حين يواجه بعضها بعضًا أول مرة، قد لا تصمد فيه إلا مفاهيم الهوية المتمركزة على الذات؛ وإذا كان الأمر كذلك، وحتى لو كانت هذه المفاهيم مبنية اجتماعيّا، فقد يكون الواقعيون الجدد محّقيّن حين يتعاملون مع الهويات والمصالح بوصفها ثابتة، ومن ثمّ فهم محقون في منح الأولوية معنىً معيّنًا للبنية الفوضوية مقارنةً بالعمليات. وفي هذه الحالة، يصيب العقلانيون في المحاجّة من أجل مفهوم سلوكي ضعيف للفرق الذي تحدثه المؤسسات، وسيكون الواقعيون على حٍّقٍ حين يقولون إن أي مؤسسات دولية يجري إنشاؤها ستكون بطبيعتها غير مستقرة؛ لأنها، من دون القدرة على تحويل الهويات والمصالح، ستكون "موضوعات مستمرةً للاختيار" بالنسبة إلى فاعلين خارجيّي المنشأ، لا يقيّدهم سوى تكاليف المعاملات المتعلّقة بتغيير السلوك 46. بعبارة أخرى، قد تحدّ الفوضى من التفاعل على نحو حاسم، حتى في وجود دور سببي ميِّسر؛ ومن ثمّ فإنها تحدّ من أشكال النظرية النظمية القابلة للتطبيق. سأتناول هذه القضايا السببية: أولًا، من خلال بيان كيفية تطور الأفكار الأمنية المتمركزة حول الذات؛ ثمّ، ثانيًا، من خلال فحص الظروف التي قد يدفع فيها سبب فعّال رئيس، مثل الافتراس Predation، دولًافي هذا الاتجاه دون غيره. تميل مفاهيم الذات والمصلحة إلى أن "تعكس" مع مرور الوقت ممارسات الآخرين. ويتجسد مبدأ تشكّل الهوية هذا في مفهوم "الذات المرآة" Self Looking-Glass، المستقى من التفاعلية الرمزية، الذي يؤكد أن الذات هي انعكاس لتنشئة الفاعل الاجتماعية. لنتأمّْلْ مثلًافاعَلَْي ن– إيغو [الذات Ego] وآلتر [الآخر Alter] – يتقابلان أول مرة 47، وكلاهما يبتغيان البقاء ولديهما قدرات مادية معيّنة؛ ولا أحد منهما يحوز دوافع بيولوجية أو داخلية للسلطة أو النفوذ أو المجد أو الغزو؛ ولا يجمعهما أي تاريخ من الأمن أو انعدامه. فماذا ينبغي أن يفعلا؟ قد يرجّح الواقعيون أن على كلّ منهما أن يتصرف بناءً على افتراض الأسوأ بشأن نيات الآخر، ويبررون هذا السلوك بوصفه سلوكًا حصيفًا بالنظر إلى احتمال الهلاك الناجم عن ارتكاب أحدهما أيّ خطأ. يظل هذا الاحتمال قائمًا حتى في حالة المجتمع المدني؛ ومع ذلك، ستكون حالة المجتمع مستحيلة إذا اتخذ الأفراد قراراتهم بناءً على افتراض الاحتمالات الأسوأ. وبدلًامن ذلك، تَُّتَخذ معظم القرارات- وينبغي أن تُتَخَذ - على أساس الاحتمالات التي تنتج من التفاعل، ومما يفعله الفاعلون. في البداية، تأتي إيماءة من إيغو [أو الذات]، قد تتمثّل، على سبيل المثال، في تقدٍمٍ أو تراجٍعٍ أو تلويٍحٍ بسلاح أو إلقاء سلاح أو هجوم أو غيره 48. بالنسبة إلى إيغو، تمثّل هذه الإيماءة الأساس الذي يهيّئه للردّ على آلتر [أو الآخر] بناءً على تلك الإيماءة. ولأن هذا الأساس مجهول تمامًا بالنسبة إلى إيغو، فليس أمامه إلا الاستدلال أو "إسناد معاٍنٍ معيّنة" بشأن نيات إيغو وإن كانت تشكّل تهديدًا، خصوصًا بالنظر إلى أن الفوضى هي ما يسود ههنا 49. يتوقّف مضمون هذا الاستدلال إلى حد بعيد على اعتباَرَين: الأول هو الصفات الجسدية التي يتسم بها إيغو، والتي تنطوي على إيماءته الأولى؛ وهي صفات يفتعلها إيغو جزئيًا، وتشمل اتجاه الحركة، وضجة الإيماءة، وتكرارها، وتبعاتها المباشرة 50. أما الاعتبار الثاني، فيتعلّق بما يقصده آلتر بهذه الصفات إذا ما بدرت منه هذه الإيماءة بنفسه. وقد يرتكب آلتر "خطأ " في إسناد معان معينة إلى نيات إيغو عند استدلاله بشأن تلك النيات؛ لا يوجد مسوّغ يجعله يفترض مسبقًا، قبل الإيماءة، أنّ إيغو يشكّل تهديدًا؛ وذلك نظرًا إلى أنه لا يمكن تحديد تكاليف الخطأ واحتمالاته، إلا من خلال المرور بسيرورة من إرسال الإشارات وتأويلها 51. إن التهديدات الاجتماعية ليست طبيعيةً، بل يجري بناؤها.
اﻟﻣؤﺳﺳﺎت
دعونا نتأَّمَْلْ مث لًاعلى ذلك. هل نفترض، مسبقًا، أننا على وشك التعرض للهجوم، إذا ما تواصلت معنا كائنات من حضارة فضائية؟ لا أعتقد ذلك. سنكون طبعًا في حالة تأهب شديد، ولكنّ خيار وضع قواتنا العسكرية في حالة تأهّب، أو دفعها لشنّ هجوم، سيعتمد على كيفية تأويلنا للإيماءة الأولى الواردة من تلك الكائنات، وإن كانت تمثّل تهديدًا لأمننا – ولو لمجرّد تجنّب تحويل ما قد يكون خصمًاخطيرًا إلى عدوّ مباشر. بعبارة أخرى، لا يجبرنا احتمال الخطأ على التصرف بناءً على افتراض أن الكائنات الفضائيّة تشكّل تهديدًا: فالتصرف يعتمد على الاحتمالات التي نحدّدها، والتي تعتمد في جزء كبير منها على ما تفعله الكائنات الفضائية؛ إذ إننا، قبل إيماءتها الأولى، لا نحوز أيّ أساس منهجي نحدد على أساسه الاحتمالات. فإذا كانت إيماءتهم الأولى تكمن في القدوم بألف مركبة فضائية وتدمير مدينة نيويورك، فسنعرّف الموقف على أنه تهديد وسنردّ بناءً على ذلك. أما إذا قدموا بمركبة فضائية واحدة وهم يردّدون ما فحواه أنهم "قدموا في سلام"، فسنشعر "بالطمأنينة"، وقد نردّ عليهم بإيماءة تهدف إلى طمأنتهم، حتى إن لم يفسروها بالضرورة على هذا النحو 52. شكٌلٌ يوضح التحديد المشترك للمؤسسات والعمليات
اﻟﻌﻣﻠﯾﺔ
تستكمل هذه السيرورة، التي تنطوي على إرسال الإشارات أو الإيماءات وتأويلها والاستجابة لها، "فعلًااجتماعًّيًا" ما وتبدأ سيرورة خلق معان بينذاتية؛ وهي سيرورة تتقدم مراحلها بالطريقة نفسها. تنشأ عن الفعل الاجتماعي الأول توقعات لدى كلا الطرفين بشأن سلوك في المستقبل، بيَدَ أن هذه التوقعات من المحتمل أن تكون خاطئة، ومن المؤكد أنها مؤقتة، إلا أنها تظل توقعات. ويرسل إيغو [أو الذات]، بناءً على هذه المعرفة المؤقتة، إيماءةً جديدة تشير، مرة أخرى، إلى الأساس الذي سيردّ بناءً عليه على الآخر، وسيستجيب آلتر [أو الآخر] لها مرة أخرى؛ ما يضيف إلى رصيد المعرفة التي يحوزها كل منهما عن الآخر، وهكذا دواليك مع مرور الوقت. وتتمثل الآلية ههنا في التعزيز؛ إذ يكافئ فيها التفاعُلُ الفاعلين على تبنّي أفكار معينة بعضهم عن بعض، ويثنيهم عن تبني أفكار أخرى. وإذا تكررت هذه "التصنيفات المتبادلة" خلال فترة كافية، فإنها ستنشئ مفاهيم مستقرة نسبًّيًا لدى الذات والآخر فيما يتعلق بالقضية التي تشكّل موضوع التفاعل 53. إننا، بعبارة أخرى، ومن خلال التفاعل المتبادل، ننشئ ونجسد البنى الاجتماعية الراسخة نسبيّا، والتي على أساسها نعرّف هوياِتِنا ومصالَحَنا. يلخّص جيف كولتر اعتماد البنية على السيرورة من
الناحية الأنطولوجية على النحو التالي: "لا تجري إعادة إنتاج معايير التنظيم الاجتماعي نفسها إلا من خلال توجهات وممارسات الأعضاء المنخرطين في التفاعلات الاجتماعية بمرور الزمن[...]فالتشكيلات الاجتماعية ليست 'موضوعية' مثل الجبال أو الغابات، ولكنها ليست 'ذاتية' مثل الأحلام أو التخيلات. إنها، مثلما يقرّ معظم دارسي العلوم الاجتماعية على المستوى النظري، أبنية بينذاتية" 54. ينطبق النموذج الإجمالي المبسّط لتشكّل الهويات والمصالح، المقترح في الشكل، على المؤسسات التنافسية تمامًا، كما ينطبق على المؤسسات التعاونية. تتطور الأنظمة الأمنية القائمة على الاعتماد على النفس، من خلال دورات تفاعل يتصرف فيها كل طرف بطرائق تُشعر الآخر بأنها تهدّد ذاته؛ ما يفضي إلى توقعات مفادها أن الآخر غير جدير بالثقة. وتنشأ الهويات التنافسية أو الأنانية عن انعدام الأمن هذا؛ إذ تضطر الذات، إذا كان الآخر يشكّل تهديدًا لها، إلى "محاكاة" مثل هذا السلوك في تصوّرها لعلاقة الذات بالآخر 55. إن التعامل مع الذات، بوصفها مجرّد هدف لإرضاء الآخرين، من شأنه أن يُحُول دون تعريف الآخرين على نحو إيجابي، وهو أمر ضروري للأمن الجماعي؛ وخلاف ذلك، إن التعامل معها بطرائق تنطوي على تعاطف مع أمن الذات من شأنه أن يسمح بمثل هذ الطريقة الإيجابية في تعريف الآخر 56. تُعدّ أنظمة التفاعل التنافسية عرضةً ل "المعضلات" الأمنية؛ إذ تشكّل مساعي الفاعلين لتعزيز أمنها من جانب واحد تهديدًا لأمن الآخرين؛ ما يفضي إلى استمرار انعدام الثقة والاغتراب. ومع ذلك، فإن أشكال الهويات والمصالح التي تشكل مثل هذه المعضلات لَِهِي في حد ذاتها آثار مستمرة للتفاعل، وليست خارجية المنشأ أو مستقلة عنه؛ إذ يجري إنشاء الهويات أثناء "نشاط محدد بعينه" ومن خلاله 57. إننا لا نبدأ علاقتنا مع الغرباء في ظلّ معضلة أمنية؛ فمعضلات الأمن لا تنتج من الفوضى أو الطبيعة. بطبيعة الحال، قد يصعب تغيير مثل هذه المعضلة بمجرد مأسستها (وسأعود إلى هذه المسألة لاحقًا)، ولكن المسألة الأساسية تظل قائمة: فالهويات والمصالح تتشكّل على نحو تشاركي من خلال معاٍنٍ جماعية تظل دومًا في طور التشكّل وإعادة التشكّل. وكما أكّد شيلدون سترايكر، "السيرورة الاجتماعية هي سيرورة بناٍءٍ وإعادة بناء للذات والعلاقات الاجتماعية" 58. وإذا ما وجدت الدول نفسها في نظام قائم على الاعتماد على النفس، فذلك لأن ممارساتها هي التي جعلتها كذلك. أما تغيير الممارسات فمن شأنه أن يؤدي، من ثم، إلى تغيير المعرفة البينذاتية التي تشكّل النظام.
الدول المفترسة والفوضى بوصفها سببًا ميسّ رًا
تقدم نظرية المرآة، التي تتناول تشكّل الهوية، تفسيرًا أوّلًّيًا للكيفية التي تتطور من خلالها سيرورة إنشاء الهويات والمصالح، لكنها لا توضح السبب الذي قد يدفع نظامًا دوليًا، مثل النظام القائم إن صح هذا الجدل، إلى تكوين هويّات أنانية بدلًامن هويات جماعية. سأفحص في هذا القسم الافتراس بوصفه سببًا فعّ لًاقد يولّد، إذا ما ا قترن مع الفوضى بوصفها سببًا ميرِّسًا، نظامًا قائمًا على الاعتماد على النفس. ومع ذلك، سأبّين، من خلال ذلك، الدور الرئيس الذي تؤديه بنية الهويات والمصالح بوصفها وسيطًا لدور الفوضى التفسيري. إن حجة الافتراس واضحة ومقنعة؛ إذ يمكن أن تغدو بعض الدول ميالةً بطبعها إلى العدوان بغض النظر عن أسباب ذلك، سواء أكانت بيولوجية أم ناجمة عن سياسة داخلية أم ناجمة عن مظلومية ممنهجة. إن السلوك العدواني الذي تنتهجه الدول المفترسة Predator، أو ما يطَلَق عليها أحيانًا "التفاحات الفاسدة"، قد يجبر الدول الأخرى على تبنّي سياسة قوة تنافسية والردّ بالمثل، إذ إن امتناعها عن ذلك قد يؤدي إلى إضعافها أو حتى تدميرها بالكامل. وقد تتفوق دولة مفترسة واحدة على مئة دولة مسالمة، فلا وجود لأي ضمانات في ظل الفوضى. وُتُعَزَى قوة هذه الحجة جزئيّا إلى أنها ضعيفة للغاية: فبدلًا من تبنّي الافتراض القويّ القائل إن جميع الدول تسعى بطبيعتها للقوة (وهي نظرية اختزالية بحتة لسياسة القوة)، فإنها تفترض سعي دولة واحدة فقط للقوة وأنّ على الدول الأخرى أن تحذو حذوها؛ لأنّ الفوضى تسمح للدولة المفترسة باستغلال الدول الأخرى.
من المهم، عند طرح هذه الحجة، إعادة تأكيد أن احتمال التعرض للافتراس في حد ذاته لا يجبر الدول على توقعه مسبقًا بانتهاج سياسة قوة تنافسية خاصة بها. ولا يعني احتمال التعرض للافتراس "أنّ الحرب قد تنشب في أي لحظة"، بل إن نشوبها في الواقع قد يكون مستبعدًا للغاية. ومع ذلك، فقد يهيّئ مجرّد ظهور دولة مفترسة تكوين الهويات والمصالح على النحو التالي. إذا كانت حالة الفوضى مكَّوَنة من طرفين، وكانت الذات هي الطرف المفترس، فإنه يتعّي نعلى الطرف الآخر حينها إما أن يعِّفرِ أمنه بمقتضى مبدأ الاعتماد على النفس وإما أن يدفع الثمن. وينبثق هذا مباشرةً من الحجّة المطروحة، القائلة إن مفاهيم الذات تعكس معاملة الآخر لها. أما في حالة الفوضى المكوّنة من أطراف عديدة، فيعتمد تأثير الافتراس أيضًا على مستوى الهوية الجماعية المكتسبة سلفًا في النظام. وإذا حدث الافتراس مباشرة بعد أول لقاء في حالة الطبيعة، فسيجبر الآخرين عند تعاملهم معه على الدفاع عن أنفسهم فرادى أولًا، ثم على نحو جماعي عندما يدركون وجود تهديد مشترك. أما ظهور مثل هذا التحالف الدفاعي، فسوف يجري لجمه بشدّة إذا كانت بنية الهويات والمصالح قد تطوّرت سلفًا إلى عالم هوبزي يتسم بانعدام الأمن المطلق؛ لأن الحلفاء المحتملين سيفتقرون إلى الثقة المتبادلة، وسيواجهون صعوبات جمّة في تنسيق الإجراءات الجماعية؛ بل قد تنشأ الخلافات بينهم، بوصفهم أطرافًا غير آمنين، ما إن يتمّ القضاء على الدولة المفترسة. أمّا إذا كانت هوية الأمن الجماعي قوية متماسكة، فإن أضرار ظهور دولة مفترسة قد تكون أقلّ كثيرًا؛ فإذا هاجمت هذه الدولة أحد أعضاء مجموع الدول، فسيهبّ المجموع للدفاع عن الضحية وفقًا لمبدأ "الكلّ من أجل الواحد والواحد من أجل الكلّ "، حتى إن لم تكن الدولة المعتدية تمثّل تهديدًا فعليًا لبقية الأعضاء. وإذا لم تكن الدولة المفترسة قويةً بما يكفي للصمود في وجه مجموع الدول، فسوف تتعرض للهزيمة ويتحقق الأمن الجماعي. أما إذا كانت قوية بما فيه الكفاية، فسيفَّعَل منطق حالة الفاعَليَن (الدولة المفترسة ومجموع الدول)، كما ستعيد سياسة توازن القوى ترسيخ نفسها بنفسها. لذلك، يُعدّ توقيت ظهور الافتراس، نسبة إلى تاريخ تشُّكُل الهوية في المجتمع، مسألةً مهمة في فهم دور الفوضى التفسيري بوصفه سببًا م يرِّسًا. يقود الافتراس دائمًا الضحايا إلى الدفاع عن أنفسهم، ولكن نوع الدفاع، إن كان جماعيّا أم منفردًا، يتوقف على تاريخ التفاعل داخل مجموع الدول المحتمل بقدر ما يتوقّف على طموحات الدولة المفترسة. هل سيجدد زوال التهديد السوفياتي مخاوف انعدام الأمن القديمة بين أعضاء حلف شمال الأطلسي؟ ربما، ولكنّ ذلك لن يحدث إذا كانت لديهم أسباب مستقلة عن هذا التهديد تدفعهم إلى ربط أمن كٍّلٍ منهم بأمن الآخرين. ترتبط الهويات والمصالح بالعلاقات وتتحدّد بها، ولكنها ليست سمات جوهرية ل "محفظة" تعريفيّة ما Portfolio؛ فقد تكون الدول متنافسة في بعض العلاقات ومتضامنة في أخرى. وُتُعدّ حالات الفوضوى "الناضجة" أقل قابلية للتراجع إلى حالة هوبزية مقارنةً بحالات الفوضى "غير الناضجة"؛ والنضج الذي يتمَّثَل في تطور بنى الهويات والمصالح ليس سوى نتاج السيرورة 59. وُيُعدّ مصدر الافتراس مهًّم اأيضًا؛ فإذا كا نابعًا من أسباب كامنة في مستوى الوحدة، التي تكون في مأمن من التأثيرات النظمية (أسباب مثل الطبيعة البشرية أو السياسة الداخلية إذا أ خذت بمعزل عن الأسباب الأخرى)، فإنه يعمل بطريقة تشبه "السمة الجينية" المتأصّلة في عالم نظام الدول المبني بناءًاجتماعيّا. وحتى في حالة نجاحها، فإن هذه السمة لا تنتقي دولًامفترسة أخرى بالمعنى التطوري، بقدر ما تعلّمها الاستجابة والردّ بالمثل. وبما أن هذه السمات المتعَّلَمة لا يمكن تجاهلها، فإن الدول الأخرى ستستمر في سلوكها التنافسي إلى أن يتم تدمير الدولة المفترسة، أو إلى أن تتغير من الداخل. مع ذلك، وفي الحالة الأكثر ترجيحًا، ينبع الافتراس جزئًّيًا على الأقل من تفاعل نظميّ سابق، ربما نتيجةً لمظلومية من الماضي (لا يسعنا ههنا إلا أن نستحضر ألمانيا النازيّة أو الاتحاد السوفياتي.) في هذه الحالة تكون الاستجابة لهويّة مكتسبة بالتعلّم؛ إذ يمكن أن تتحوّل من خلال التفاعل الاجتماعي مستقبلًاإلى استرضاء وطمأنة بأن الاحتياجات الأمنية سُتُلَّبَى، وإلى تأثيرات نظمية في السياسة الداخلية، وما إلى ذلك. بعبارة أخرى، ثمة أمٌلٌ أكبر، في هذه الحالة، في أن تتمكن السيرورة من تحويل التفاحة الفاسدة إلى تفاحة جيدة. يتّسق دور الافتراس في توليد نظام قائم على الاعتماد على النفس، إذًا، مع التركيز النظميّ على السيرورة، فحتى لو كان مصدر الافتراس خارجيّا تمامًا عن النظام من ناحية المنشأ، فإن ما تفعله الدول هو ما يحدد نوعية تفاعلاتها في ظل الفوضى. وفي هذا الصدد، من غير المستغرب أن يكون الواقعيون الكلاسيكيون، لا الواقعيون البنيويون، هم من يركّزون على هذا النوع من الحجج. إنّ تركيز الواقعيين الكلاسيكيين على أسباب سياسة القوة الكامنة في مستوى الوحدة والعناصر الداخلية يفضي بسهولة أكبر إلى وجهة نظر ميِّسر ة لدور الفوضى التفسيري (ومن ثمّ إلى نظرة إلى العلاقات الدولية تركّز على السيرورة) مقارنة بتركيز الواقعيين البنيويين على الفوضى بوصفها
"سببًا بنيويّا" 60؛ ولا يحتاج الواقعيون الجدد إلى فكرة الافتراس، لأنهم يتعاملون مع طبيعة النظام القائمة على الاعتماد على النفس بوصفها معطى. يثير ذلك من جديد مسألة الدور الذي تؤديه الطبيعة البشرية والسياسة الداخلية في تشكيل السياسة العالمية من حيث مدى هذا الدور ونوعه؛ إذ إنه كلما كان هذا الدور أكبر وأشدّ تدميرًا، كان الافتراس أشدّ وطأة، وكانت الفوضى أقل قابلية لتشكيل هويات جماعيّة. لقد افترض الواقعيون الكلاسيكيون، بطبيعة الحال، أنّ التعطش الفطري للسلطة أو المجد يستبد بالطبيعة البشرية. ولكنّي أحاجّ بأن مثل هذه الافتراضات وُِضِ عت لسبب وجيه؛ فالإنسان الهوبزي، الذي لا تتغير طبيعته الهوبزية، يوفر السبب القويّ الفعّال واللازم لتشاؤم لا هوادة فيه بشأن السياسة العالمية، وهو تشاؤم لا يمكن أن توفره البنية الفوضوية وحدها، بل لا يمكن أن توفره البنية الفوضوية حتى إن صاحبها سلوك الاعتداء بين الفينة والأخرى. يمكن المرء، مثليي تمامًا، أن يشكك في مثل هذا الافتراض الجوهراني، لكنّ ذلك لا يؤدي إلى نتائج حاسمة على حساب النظرية النظمية. فالتركيز على السيرورة النظمية بدلًامن البنية النظمية يشير إلى أن الوقت قد حان لإعادة النظر في النقاش بشأن الأهمية النسبية لنظريات الصورة الأولى والثانية والثالثة لتشُّكُل هوية الدولة 61. إذا افترضنا مؤقتًا أنّ النظريات النظمية الخاصة بتشكل الهوية في السياسة العالمية تستحق مساعي بنائها، فدعوني أختم باقتراح القول إن التحالف الواقعي - العقلاني "يشيّئ" الاعتماد على النفس، بمعنى أنه يعامله بوصفه ممارسةً مستقلةً ومنفصلة عن الممارسات التي يجري من خلالها إنتاجه والمحافظة عليه. يعرّف بيتر بيرغر وتوماس لوكمان التشيئة على النحو التالي: ["إنها] إدراك منتجات نشاط الإنسان كما لو أنها ليست من صنعه – مثل حقائق الطبيعة المسلّم بها أو نتائج القوانين الكونية أو تجلّيات الإرادة الإلهية. وتعني التشيئة أن الإنسان قادر على نسيان أنه هو من يؤلف العالم البشري Authorship، وأن جدليّة الإنسان، أي الُمُنِتِج، ومنتجاته قد غَّيَبها عن الوعي. إن العالم المقَّيَد[...]يختبره الإنسان بوصفه حقيقة غريبة، فَيَُعُدّه نتاجًا غريبًا عنه ولا يحوز أي سيطرة عليه، لإنتاج نشاطه الخاص به" 62. بعبارة أخرى، يتجاهل التحالف الواقعي - العقلاني، بإنكاره فكرة أن الدّول تشكّل هوياتها ومصالحها على نحو جماعي، حقيقة أن سياسة القوة التنافسية تساهم في خلق "مشكلة النظام" Order نفسها التي من المفترض أنها تحلّها؛ ويعني ذلك أن الواقعية نبوءة تتحقق من تلقاء نفسها. وبعيدًا عن كونها معطىً خارجَّيّ المنشأ، تُبنى المعرفة البينذاتية التي تشكّل الهويات والمصالح التنافسية، وُتُبَنَى يومًا بعد يوٍمٍ من خلال سيرورات "تكوين الإرادة الاجتماعية" 63. إنها ما صنعته الدول من نفسها.
ثانيًا: التحّولّات المؤسّ سية لسياسة القوة
لنفترض أن عمليات تشكيل الهويات والمصالح أنشأت عاَلَمًالا تعترف فيه الدول بالحق في إقليم ترابي أو الحق في الوجود، عندئذ، ستنشب حرب الجميع ضد الجميع. وفي هذا العالم، تحمل الفوضى معنى "واقعيّا" لسلوك الدولة: انعدام الأمن والانشغال بالقوة النسبية. ولا تحمل الفوضى هذا المعنى، إلا في أثناء ممارسات جماعية تنتج انعدام الأمن؛ وإذا كانت هذه الممارسات مستقرةً نسبيّا، فإنها ستشكّل نظامًا من شأنه مقاومة التغير. بعبارة أخرى، لا توفر الحقيقُةُ القائلة إنّ عوالم سياسة القوة مبنية اجتماعيّا أيّ ضمانات لأن تكون قابلة للتغيير، وذلك لمسِّوَِغيَن على الأقل. يكمن المسوّغ الأول في أن أيّ نظام اجتماعي ما إن يتشكّل، فإنه يواجه كَّلّ عضو من أعضائه بوصفه - أي النظام الاجتماعي - حقيقة اجتماعية موضوعية تعزز أنماطًا معينة من السلوك وتقوّض أخرى. فمثلًا، تميل أنظمة الاعتماد على النفس إلى مكافأة سلوك التنافس ومعاقبة سلوك الإيثار. وتتوقف إمكانية التغير على سماح شروط هذا التنافس بظهور أفعاٍلٍ لا تتّسق مع النمط السلوكي الذي يمليه النظام،
ففي حال غياب هذا الهامش يعاد إنتاج النظام نفسه من دون إعادة إنتاج الفاعلين الذين لا يمتثلون لذلك النمط 64. أما المسوّغ الثاني فيكمن في أن مصالح الفاعلين، المتمثلة في الحفاظ على الاستقرار النسبي للأدوار التي تؤديها الهويات، قد تكبح التغيير النظمي وتعوّقه. ولا تتجذّر هذه المصالح فحسب في الرغبة في تقليل القلق وانعدام اليقين، التي تتجلى في جهود تأكيد المعتقدات القائمة بشأن العالم الاجتماعي، بل تتجذّر أيضًا في الرغبة في تجنب التكاليف المتوقعة عند الإخلال بالالتزامات التي يتعهد بها الفاعل للآخرين، لا سيما تلك التي يتعهد بها الفاعل لقواعده الانتخابية ولحلفائه الخارجيين في حالة الدول، بوصفها جزءًا من ممارسات سابقة. وأمّا مستوى المقاومة التي تثيرها هذه الالتزامات فيعتمد على "بروز" هويات الأدوار المحددة للفاعل 65. فمثلًا، من المرجّح أن تقاوم الولايات المتحدة التهديدات التي تشكّل خطرًا على هويتها بوصفها "قائدًا للحملات المناهضة للشيوعية" أكثر من دفاعها عن هويتها بوصفها "مدافعًا عن حقوق الإنسان." ومن المرجح أن تؤدي الممارسات والمعلومات التي تتحدى تقريبًا أيّ دور للهويات إلى خلق تنافر إدراكي وحتى تصوراٍتٍ بشأن التهديدات، وقد يفضي ذلك إلى مقاومة تحولات الذات وتغّي رها، ومن ثمّ مقاومة التغير الاجتماعي 66. وبفعل مسوّغات نظمية و"سيكولوجية"، قد تتّسم الفهوم والتوقعات البينذاتية بخاصية تديم نفسها بنفسها، مشِّكِلة حالات من التبعيّة للمسار تعوّق تقبّل الأفكار الجديدة عن الذات والآخر أو تجاوزها. ولا يغّي رهذا من حقيقة أن الفاعلين ينتجون، من خلال الممارسة، الهويات والمصالح ويعيدون إنتاجها باستمرار؛ إذ إنهم "يختارون الآن التفضيلات التي سيختارونها لاحقًا" 67. وهذا يعني أن تلك الخيارات قد لا تماَرَس بدرجات معقولة من الحرية. قد يكون هذا تبريرًا بنائيّا للموقف الواقعي القائل إن التعلّم البسيط وحده الممكن في ظل أنظمة الاعتماد على النفس. وقد يقرّ الواقعيّون أن مثل هذه الأنظمة مبنية اجتماعيّا، إلا أنهم سيحاجّون بأن الهويات، وما يقابلها من مصالح بعد أن تصبح ممأَسَسةً، حينئذ، سيكون تحويلها أو تغييرها شبه مستحيل. سأفحص فيما تبقّى من هذه الدراسة ثلاثة تحولات مؤسسية للهوية والمصالح الأمنية، تمكّن الدول من الفكاك من عالم هوبزي من صنعها الذاتي. وبذلك، أسعى لتوضيح ما يعنيه قولنا إن "المؤسسات تحوّل الهويات والمصالح"، مؤكّدًا أن مفتاح مثل هذه التحولات يكمن في ممارسة مستقرة نسبيّا.
1. السيادة والاعتراف والأمن
في حالة الطبيعة الهوبزيّة، تكتسب الدول طبيعتها الفردانية من خلال السيرورات الداخلية التي تشكلها بوصفها دولًا، ومن خلال قدرتها المادية على ردع تهديدات الدول الأخرى. أمّا في هذا العالم، فحتى لو كانت الدول في مأمن مؤقت من اعتداءات الآخرين، فإن أمنها لا يستند إلى أي أساس في الاعتراف الاجتماعي، وفي الفهوم أو المعايير البينذاتية التي تقرّ بحق الدولة في الوجود، وفي إقليمها وسيادتها على رعاياها. فالأمن، في هذا السياق، يُختزل في معادلة القوّة الوطنية وحدها. يغّي رمبدأ السيادة هذا الوضع، من خلال توفيره أساسًا اجتماعيّا لسمة الدول الفردية وأمنها. وبما أن السيادة مؤسسة، فإنه لا وجود لها إلا بفضل فهوم وتوقعات بينذاتية محددة؛ فلا سيادة من دون سيادة أخرى. لا تشكّل هذه الفهوم والتوقعات نوعًا معيّنًا من الدولة – الدولة "ذات السيادة" – فحسب، بل إنها تمثّل أيضًا شكلًامعيّنًا من المجتمعات؛ لأن الهويات ذات طبيعة علائقية. وجوهر هذا المجتمع يكمن في الاعتراف المتبادل بحق كل طرف في ممارسة سلطة سياسية حصرية ضمن حدود إقليمه الترابي. وتشكّل هذه "الأذون" Permissions المتبادلة 68 عالمًا متمايزًا من الناحية المكانية لا من الناحية الوظيفية؛ إنه عالٌمٌ تتشكل فيه مجالات الممارسة وتنتظم حول مجالات "محلية" و"دولية"، بدلًامن أن تنتظم حول أداء أنشطة
معيّنة 69. وبالطبع، قد يكون تحديد موقع الحدود الفاصلة بين هذه المجالات موضع نزاع في بعض الأحيان؛ إذ تكون الحرب إحدى الممارسات التي تتفاوض الدول من خلالها على شروط تفرّدها. وذلك لا يغير حقيقة أن الدول لا تتمتع "بحقوق ملكية الإقليم الترابي" إلا بموجب الاعتراف المتبادل 70. ويعمل هذا الاعتراف بوصفه شكلًامن "الانغلاق الاجتماعي" الذي يسلب الفاعلين غير الدول قدرتهم على الفعل، بينما يعزز التفاعل بين الدول ويساعد على استقراره 71. لقد أصبحت معايير السيادة الآن أمرًا مفروغًا منه، وطبيعية، حتى إنه بات من السهل التغاضي عن المدى الذي غدت معه هذه المعايير افترا ضًا مسبقًا، ونتاجًا مستمرًا للممارسة. فعندما تفرض الدول ضريبة على "مواطنيها" دون غيرهم، وعندما "تحمي" أسواقها من "الواردات" الأجنبية، وعندما تقتل آلاف العراقيين في نوع معّي نمن الحروب بينما ترفض "التدخل" لقتل شخص واحد في نوع آخر، كما في حالات الحروب "الأهلية"، وعندما تخوض حربًا عالمية ضد نظام سعى لتقويض مؤسسة السيادة، ثم تعيد ألمانيا مرة أخرى إلى الألمان، فإنها بذلك تتصرف على أساس معايير مشتركة تتعلق بمعنى أن تكون الدولة ذات سيادة، ومن خلال هذه الأفعال، تعيد إنتاج تلك المعايير. أمّا إذا ما توقّفت الدول عن التصرف وفقًا لتلك المعايير، فإن هويتها بوصفها "ذات سيادة" ستختفي (هذا إن لم تختف بالضرورة هويتها بوصفها "دولًا.)" إن الدولة ذات السيادة هي إنجاز مستمر للممارسة، وليست إنشاءً نهائيّا (يجري مرة واحدة) لمعايير قائمة بطريقة ما بمعزل عن الممارسة 72. وهكذا، فالقول إن "مؤسسة السيادة تحوّل الهويات وتغيرها" إنما هو اختصار للقول إن "الممارسات المنتظمة تنتج هويات ذات سيادة (فاعلين) ومعاييرها المؤسسية (بنى) تشكّل إحداها الأخرى." إن الممارسة هي جوهر الحلول البنائية لمشكلة الفاعل - البنية. وقد لا تمثّل هذه السيرورة المستمرة أيّ مشكلة من الناحية السياسية في سياقات تاريخية محددة؛ بل بمجرد تشكّل مجتمع قائم على الاعتراف المتبادل، قد يكون لأعضائه، حتى المحرومون من مزاياه 73، مصلحة راسخة في إعادة إنتاجه. وفي الواقع، هذا جزء من معنى الهوية. لكن هذه الهوية والمؤسسة تظّل ان رهنًا بما يفعله الفاعلون: فزوال تلك الممارسات سيعني زوال الشروط البينذاتية لوجودها. لعلّ ذلك يعلّمنا شيئًا عن كيفية إعادة إنتاج مؤسسات الدول ذات السيادة من خلال التفاعل الاجتماعي، لكنه لا يخبرنا أيّ شيء عن سبب نشوء بنى الهويّات والمصالح هذه في المقام الأول. قد يبدو ثمة شرطان ضروريان لحدوث ذلك: 1. يجب أن تكون كثافة التفاعلات وانتظامها عالَييَن بما فيه الكفاية؛ 2. يجب أن يكون الفاعلون غير راضين عن أشكال الهويات والتفاعلات القائمة مسبقًا. وبتوافر هذين الشرطين، يكون معيار الاعتراف المتبادل نسبيّا غير متطلب من ناحية الثقة الاجتماعية؛ إذ يتّخذ شكل لعبة ضمان Game Assurance يعترف فيها لاعب بسيادة اللاعبين الآخرين، ما داموا يعترفون بسيادته. وقد يساعد أيضًا صوغ مبادئ قانونية دولية، مثل تلك المتضمّنة في صلح أوغسبورغ 1555() وصلح وستفاليا 1648()، من خلال وضع معايير صريحة لتحديد انتهاكات التوافق الاجتماعي الناشئ 74. ويعتمد صمود مثل هذا التوافق على ما تفعله الدول، فإذا عاملت بعضها بعضًا على أنها ذات سيادة، فإنها بمرور الوقت
ستعمل على مأسسة ذلك النمط من الذاتية؛ وإذا لم تفعل ذلك، فلن يصبح هذا النمط هو المعيار. سُتُحِدِث ممارسات السيادة تحولًافي الفهوم المتعلّقة بالأمن وسياسة القوة بثلاث طرائق على الأقل. أولًا، ستعِّفرِ الدول أمنها (وأمننا) على أساس الحفاظ على "حقوقها في ملكية" أقاليم ترابية محددة. وبينما نرى في ذلك الآن أمرًا طبيعيّا، فإن المحافظة على الحدود الترابية لا تعادل في الواقع بقاء الدولة أو شعبها، بل من المرجّح أن يزداد أمن بعض الدول، إذا تخلّت عن بعض أراضيها، مثل تنازل "الاتحاد السوفياتي" عن بعض جمهوريات الأقليات، وتخّل ييوغوسلافيا عن كرواتيا وسلوفينيا، وغير ذلك. بعبارة أخرى، تؤثّر حقيقة أن ممارسات السيادة كانت موجهة على مرّ التاريخ نحو إنتاج فضاءات ترابية متمايزة في الكيفية التي تتصور بها الدول ما يجب عليها "تأمينه"، كي تتمكّن من أداء وظائفها ضمن هويتها تلك؛ وهي سيرورة قد تساعد في تفسير "ترسيخ" الحدود الترابية على مرّ القرون 75. ثانيًا، بقدر ما تنجح الدول في تذويت معايير السيادة، فإنها ستكون أشد احترامًا للحقوق الترابية للآخرين 76. و لا يُعزى ضبط النفس هذا في المقام الأول إلى تكاليف انتهاك معايير السيادة، على الرغم من أن في معاقبة المنتهكين (كما في حرب الخليج) عِظةٌ تذكّر الجميع بحجم التكاليف المحتملة لمثل هذه الانتهاكات؛ بل إنه يُعزى إلى أن عدم انتهاك حقوق الآخرين الترابية من دون "قضية عادلة" يُعدّ جزءًا مما يعنيه أن تكون الدولة "ذات سيادة." ومن الأمثلة الجلية على مثل هذا التأثير المؤسسي، كما طرحه ديفيد سترانج على نحو مقنع، الاختلاف الملاحظ في المعاملة التي تعاَمَل بها الدول الضعيفة داخل مجتمعات الاعتراف المتبادل وخارجها 77. ما الذي يمنع الولايات المتحدة من غزو جزر الباهاماس، أو يمنع نيجيريا من الاستيلاء على توغو، أو يُثني أستراليا عن احتلال فانواتو؟ من الواضح ههنا أن القوة ليست هي القضية، وفي هذه الحالات، حتى تكاليف العقوبات ستكون على الأرجح ضئيلة. وقد يدفع البعض بالقول إن القوى العظمى ببساطة لا "مصلحة" لها في هذه الغزوات، وقد يكون الأمر كذلك فعلًا، ولكن قلة الاهتمام هذه لا يمكن فهمها إلا من خلال اعتراف تلك القوى بسيادة الدول الضعيفة. فلا مصلحة لديّ في استغلال أصدقائي، لا بسبب التكاليف والمكاسب النسبية المترتبة على ذلك، بل لأنهم أصدقائي. وفي المقابل، إن غياب الاعتراف يساعدنا في تفسير ممارسات الدول الغربية المتمثلة في احتلال الأراضي والاستعباد والإبادة الجماعية ضد الشعوب الأميركية الأصلانية والأفريقية. في ذلك العالم، لا شيء يهمّ سوى القوة، لكنّ هذا لا ينطبق على العالم اليوم. أخيرًا، بقدر ما تتعلم الدول، من خلال التنشئة الاجتماعية المستمرة، أن سيادتها تعتمد على اعتراف الدول الأخرى بها، يمكنها الاعتماد في حماية أمنها على البنية المؤسسية للمجتمع الدولي على نحو أكبر، وعلى نحو أقل على الوسائل الوطنية الفردية، وخاصة القوة العسكرية. بعبارة أخرى، يمكن أن تعيد الفهوم البينذاتية، المتجسدة في مؤسسة السيادة، تعريَفَ معنى قوة الآخرين من أجل أمن الذات. ويعني هذا من الناحية السياسية أن الدول تستطيع أن تكون أقل قلقًا بشأن البقاء والقوة النسبية على المدى القصير، ومن ثمّ يمكنها تحويل مواردها وفقًا لذلك. ومن المفارقات أن القوى العظمى، أي الدول ذات الوسائل الوطنية الأكبر، قد تواجه صعوبة أكبر في تعلّم هذا الدرس؛ فالقوى الصغيرة لا تملك ترف الاعتماد على وسائل وطنية، ومن ثمّ فإنها قد تتعلم على نحو أسرع أن الاعتراف الجماعي هو حجر زاوية الأمن. لا يعني أٌّيٌ مما سبق أنّ القوة تفقد قيمتها في مجتمع الدول ذات السيادة. ففي بعض الأحيان، تتعرض الدول فعلًاللتهديد من أولئك الذين لا يعترفون بوجودها أو بمطالبها الترابية الخاصة، أو الذين يستاؤون من الآثار الخارجية الناجمة عن سياساتها الاقتصادية، وما إلى ذلك. ولكن رحى هذه التهديدات غالبًا ما تدور ضمن شروط لعبة السيادة، ويبّي نلنا مصير نابليون وهتلر ما يحدث حين لا تكون كذلك.
2. التعاون بين أنانيين وتحولات الهوية
بدأنا هذا القسم بحالِةِ طبيعة هوبزية. يُعدّ التعاون لتحقيق مكاسب مشتركة أمرًا بالغ الصعوبة في هذا السياق نظرًا إلى انعدام الثقة، وِقصِر الآفاق الزمنية، والانشغال بالقوة النسبية؛ فالحياة في حالة الطبيعة، بحسب هوبز، "قاسية ووحشية وقصيرة." وتحوّل السيادة هذا النظام إلى عالم لوكي (غالبًا ما) تكون فيه حقوق الملكية معترفًا بها على نحو متبادل، و(غالبًا ما) تكون فيه مفاهيم الأمن أنانية بدلًامن أن تكون تنافسية، ما يقلل من مخاوف أن يستولي، في أيّ لحظة، متعاونون محَتَملون على ما تملكه الدولة، على نحو يمكّنهم من التفكير في أشكال تعاون مباشرة أكثر. ثمة شرط ضروري لمثل هذا التعاون، يتمثل في أن تكون النتائج مترابطة ترابطًا إيجابيًا؛ بمعنى وجود مكاسب محتملة لا يمكن تحقيقها من خلال عمٍلٍ أحاديّ. قد تعترف دولتان، مثل البرازيل وبوتسوانا، إحداهما بسيادة الأخرى، ولكنهما في حاجة إلى المزيد من الحوافز لدفعهما نحو الانخراط في عمل مشترك. وأحد أهم مصادر الحوافز هو "الكثافة الدينامية" المتنامية في التفاعل بين الدول، في عالم يعجّ بتكنولوجيات اتصالات جديدة وأسلحة نووية وآثار خارجية ناجمة عن التنمية الصناعية، وغير ذلك 78. لكن هذه الكثافة الدينامية المتنامية، مع الأسف، لا تضمن أن تحقّق الدول في الواقع مكاسب مشتركة؛ إذ ينطوي الاعتماد المتبادل أيضًا على الانكشاف Vulnerability ومخاطر أن تكون الدولة الطرف "المغفّل." وإذا ما اسُتُِغِل الاعتماد المتبادل على هذا النحو، فإنه سيتحول إلى مصدر للصراع بدلًامن أن يكون أساسًا للتعاون. هذا هو الأساس المنطقي الكامن، الذي يقوم عليه الافتراض القائل إن الدول الأنانية غالبًا ما تجد نفسها في مواجهة معضلة السجينين؛ وهي لعبة تكون فيها الاستراتيجية المهيمنة، إذا لُعبت مرة واحدة فحسب، هي الانشقاق عن الطرف الآخر والهروب منه. وكما بَّي ن مايكل تايلور وروبرت أكسلرود، يمكن الأنانيين الذين يستخدمون استراتيجية العين بالعين، مع تكرار اللعب والخوف من المستقبل، أن يتجنبوا هذه النتيجة وُيُنشئوا مؤسسات تعاونية 79. تبدو القصة التي يرويها تايلور وأكسلرود عن هذه السيرورة في ظاهرها مشابهة تمامًا لتحليل جورج هربرت البنائيّ بشأن التفاعل الذي يستند جزٌءٌ منه أيضًا إلى منظور "الألعاب" 80. يُعدّ التعاون إيماءة تشير إلى استعداد الذات للتعاون؛ فإذا خالفها الآخر، قامت الذات بالشيء نفسه؛ ما يشير إلى عدم استعدادها للتعرض إلى أيّ استغلال. ومن خلال تبادل أدوار اللعبة بمرور الوقت، يتعلم كلا الطرفين كيفية بناء توقعات مستقرة نسبيّا بشأن سلوك الآخر؛ ومن خلال ذلك، تتشكل عادات التعاون (أو غيره.) وعلى الرغم من المخاوف المتشابهة بشأن التواصل والتعلّم وتشكيل العادات، فإن ثمة فارقًا مهًّم ابين التحليل القائم على نظرية الألعاب والتحليل البنائي الذي يتناول التفاعل، والذي يؤثر في كيفية تصورنا للقوى السببية التي تحظى بها المؤسسات. في التحليل التقليدي للتعاون، القائم على نظرية الألعاب، حتى لو كانت ألعابًا تكرارية، تكون بنية اللعبة – لعبة الهويات والمصالح – مستقلة عن التفاعل وخارجية المنشأ بالنسبة إليه، ومن ثمّ فهي لا تتغير 81. ويضع هذا التحليل سيرورة تشكّل الهويات والمصالح في "صندوق أسود"، ويركز بدلًامن ذلك على العلاقة بين التوقعات والسلوك، كما يتناول المعايير التي تنشأ وتتطور من التفاعل بوصفها قواعد وانتظامات سلوكية خارجية بالنسبة إلى الفاعلين، ومقاومة للتغير بسبب تكاليف المعاملات المترتبة على إنشاء معايير جديدة. إن تحليل التعاون بين الأنانيين، القائم على نظرية الألعاب، هو تحليل سلوكي. في المقابل، يركز التحليل البنائي للتعاون على كيفية تأثير التوقعات الناتجة من السلوك في الهويات والمصالح. إن سيرورة إنشاء المؤسسات هي سيرورة لتذويت مفاهيم جديدة عن الذات والآخر، واكتساب هويات أدوار جديدة، وليست مجرّد وضع قيود خارجية على سلوك الفاعلين خارجيّي المنشأ 82. بعبارة أخرى، حتى إن لم يكن ذلك مقصودًا، فإن السيرورة التي يتعلم الأنانيون من خلالها التعاون هي في الوقت نفسه سيرورة إعادة بناء مصالحهم
وتشكيلها من ناحية الالتزامات المشتركة بالمعايير الاجتماعية. وبمرور الوقت، سيميل هذا إلى تحويل ترابط النتائج الإيجابي إلى ترابط إيجابي بين المنافع أو المصالح الجماعية التي تنتظم حول المعايير ذات الصلة. وستقاوم هذه المعايير التغير؛ بسبب ارتباطها بالتزامات الفاعلين حيال هوياتهم ومصالحهم، وليس فقط بسبب تكاليف المعاملات. بعبارة أخرى، التحليل البنائي ل "مشكلة التعاون" هو في الأساس تحليٌلٌ إدراكي لا سلوكي؛ لأنه يتعامل مع المعرفة البينذاتية التي تحدّد بنية الهويات والمصالح، أي بنية "اللعبة"، بوصفها داخلية المنشأ تنجم عن التفاعل في حد ذاته. يمكن أن يوضح النقاش بشأن مستقبل الأمن الجماعي في أوروبا الغربية أهمية هذا الاختلاف. يفترض أيّ تحليل ليبرالي أو عقلاني مخفف أن "محفظة" مصالح الدول الأوروبية لم تتغير جذريًا، وأن ظهور عوامل جديدة، مثل انهيار التهديد السوفياتي وصعود ألمانيا، سوف يغير معدلات التكاليف بالنسبة إلى المكاسب المترتبة أثناء سعيها للمحافظة على الترتيبات القائمة؛ ما يؤدي إلى انهيار المؤسسات القائمة. لقد شكّلت الدول الأوروبية مؤسسات تعاونية لأسباب أنانية وجيهة، وقد تدفعها هذه الأسباب نفسها إلى رفض تلك المؤسسات؛ لكن لعبة سياسة القوة الأوروبية لم تتغير. في مقابل ذلك، يقترح أيّ تحليل ليبرالي أو بنائي قويّ لهذه المشكلة أنّ أربعة عقود من التعاون قد تكون كافية لتحويل الاعتماد المتبادل الإيجابي بين النتائج إلى "هوية أوروبية" جماعية تعِّفرِ الدول من خلالها "مصالحها الذاتية" على نحو متزايد 83. وحتى لو كانت الأسباب الأنانية نقطة بدايتها، فإن سيرورة التعاون تميل إلى إعادة تعريف تلك الأسباب عبر إعادة تشكيل الهويات والمصالح من منظور فهوم والتزامات بينذاتية جديدة. ومّم الا شك فيه أن التغيرات في توزيع القوة، خلال أواخر القرن العشرين، تشِّكِل تحديًا لهذه الفهوم الجديدة. غير أن ذلك لا يعني أن لدى دول أوروبا الغربية مصلحة متأصلة، خارجية المنشأ، في التخليي عن الأمن الجماعي، إذا كان الثمن مناسبًا. إن هوياتها ومصالحها الأمنية في سيرورة مستمرة؛ وإذا ما أصبحت الهويات الجماعية "متجذرة"، فإنها ستقاوم التغير تمامًا شأنها شأن الهويات الأنانية 84. وبعبارة أخرى، قد لا تكون الدول الأوروبية عام 1990 كما كانت عليه عام 1950؛ إذ إنها شهدت تحوّلًامن خلال المشاركة في أشكال جديدة من المعرفة الاجتماعية.
النظرية الاستراتيجية النقدية والأمن الجماعي
يواجه تحوّل الهويات والمصالح، من خلال "نشوء وتطور التعاون" قيَدَين مهَّميَن: أولهما أن سيرورة ذلك تدريجية وبطيئة. عادةً ما تتمثل أهداف الفاعلين، في سيرورة مثل هذه العملية، في تحقيق مكاسب مشتركة ضمن ما يعدّونه سياقًا مستقرًا نسبيّا؛ وبالنتيجة، من غير المرجّح أن ينخرطوا في تفكير معمّق حول كيفية تغيير معايير ذلك السياق (بما في ذلك بنية الهويات والمصالح)، ومن غير المرجّح كذلك أن يتبعوا سياسات مصممة خصيصًا لإحداث مثل هذه التغييرات. قد يؤدي تعلّم التعاون إلى تغيير تلك المعايير، إلا أن ذلك يحدث نتيجةً غير مقصودة لسياسات متّبعة لأسباب أخرى، وليس نتيجة لجهود مقصودة هدفها تجاوز المؤسسات القائمة. أما القيد الثاني، وهو الأشد جوهرية، فيتمثل في أن قصة تطور التعاون تفترض مسبقًا أنّ الفاعلين لا يعِّفرِون بعضهم بعضًا على نحو سلبي. يجب أن ينصبّ انشغال الفاعلين على المكاسب المطلقة؛ وبقدر ما يدفعهم العداء وانعدام الثقة إلى تعريف أمنهم على نحو نسبي، سيكون من الصعب تقبّل الانكشافات التي تصاحب التعاون 85. ويعدّ ذلك أمرًا مهًّم ا، لأن هذا "التوازن المركزي" في نظام الدولة هو، على وجه التحديد، ما يخضع لمثل هذا التفكير التنافسي في الغالب؛ ولذلك، يمكن أن يجادل الواقعيون بأن إمكانية التعاون داخل "قطب" واحد (الغرب مثلًا) تتداخل مع هيمنة التنافس بين قطبين (الصراع بين الشرق والغرب.) قد تكون العلاقات بين القطبين قابلة لتطبيق بعض المعاملة بالمثل الإيجابية في مجالات مثل الحد من التسلح، ولكنّ مناخ انعدام الثقة لا يترك متّسعًا يُذكر أمام هذا التعاون وعواقبه المفضية إلى التحوّل 86. إنّ الشروط التي يعرّف من خلالها الفاعلون بعضهم بعضًا على نحو سلبي، التي تجعل الحاجة إلى "نشأة التعاون وتطوره" أشد إلحاحًا، تتعارض جوهريًا مع هذا المنطق. مع ذلك، قد يخضع هذا الموقف، الذي يبدو مستعصيًا على الحل، لمنطق تحوّل مختلف تمامًا، منطق تحرّكه جهود واعية لتغيير بنى الهويات والمصالح أكثر مما تحرّكه عواقب غير مقصودة. قد تبدو هذه الطوعية Voluntarism متناقضة مع روح البنائية؛ إذ يُفَتضر أن الفاعلين الثوريين المحتملين في حد ذاتهم يُعدّون نتاج التنشئة الاجتماعية لبنى الهويات والمصالح. فكيف لهم أن يفكروا في تغيير
ما يدينون به لهويتهم؟ تكمن إمكانية ذلك في التمييز بين التعريف الاجتماعي للذات ولقرار الاختيار الشخصي، أو بين ما أطلق عليه ميد [في اللغة الإنكليزية] Me وI 87. أما الأولى، فهي ذلك الجزء من الذاتية الذي يُعَّرَف من منظور الآخرين؛ فالتوقعات الشخصية والسلوكية لهوية دور الشخص بوصفه "أستاذًا"، أو هوية دور الولايات المتحدة بوصفها "قائدًا لتحالف"، على سبيل المثال، تكون مبنيةًاجتماعيّا. ومع ذلك، لا تؤدّى الأدوار بطريقة آلية وفقًا لوصفات دقيقة، بل إن كل فاعل "يأخذها" ويكيّفها بطرائق خاصة ومتفرّدة 88. وحتى في أكثر المواقف عرضة للتقييد، ينطوي أداء الدور على خيار يتخذه الفاعل. وأمّا الثانية، فهي ذلك الجزء من الذاتية الذي فيه تكمن حيازة الأدوار والتفاعل على أساسها، وما يقابلها من حرية وجودية. إن كون الأدوار "يتخذها" الفاعلون يعني، من الناحية المبدئية، أن لديهم دائمًا القدرة على "تخطيط الشخصية"؛ أي الانخراط في تأمل ذاتي نقدي، واتخاذ خيارات هادفة لإحداث تغيرات في حياتهم 89. ولكن، متى أو في أي ظروف يمكن ممارسة هذه القدرة الإبداعية؟ من الواضح أنه لا يمكن ممارستها في أغلب الأحيان: فلو كان الفاعلون يعيدون ابتكار هوياتهم باستمرار، لكان النظام الاجتماعي مستحيلًا، كما أن الاستقرار النسبي للهويات والمصالح في عالمنا الواقعي يشير إلى ميلنا إلى العمل الاعتيادي بدلًامن العمل الإبداعي. ويتطلب الاختيار الاستثنائي والواعي الهادف إلى تغيير الأدوار أو تجاوزها شرطين أساسيين على الأقل: أولًا، لا بد من وجود سبب للتفكير في الذات من منظور جديد، غالبًا ما ينبع على الأرجح من وجود مواقف اجتماعية جديدة لا يمكن إدارتها من خلال فهوم ذاتية موجودة مسبقًا؛ ثانيًا، لا يمكن أن تكون التكاليف المتوقعة من تغيير الدول للدور على نحٍوٍ مقصود وواع – أي العقوبات التي يفرضها الآخرون ممن جرى التفاعل معهم في أدوار سابقة – أكبر من فوائده. يصبح في وسع الفاعلين، عند توافر هذين الشرطين، الانخراط في تأمل ذاتي وممارسات مصَّمَمة خصيصًا لتحويل هوياتهم ومصالحهم، ومن ثمّ "تغيير الألعاب" التي ينخرطون فيها. لم تحظ هذه النظرية والممارسة الاستراتيجية "النقدية" بما تستحقّانه من اهتمام دارسي السياسة العالمية (وربما يكون ذلك إرثًا آخر من المصالح الخارجية المنشأ)، لا سيما أنّ إحدى أهم ظواهر السياسة العالمية المعاصرة هي سياسة "التفكير الجديد" المرتبطة باسم ميخائيل غورباتشوف؛ وهي في الواقع كذلك 90. بناء عليه، دعوني أستخِدِْمْ هذه السياسة مث لًا على الكيفية التي يمكن أن تحوّل بها الدول نظامًا أمنًّيًا تنافسًّيًا إلى نظام تعاوني؛ ما يقسّم سيرورة عملية التحوّل إلى أربع مراحل. المرحلة الأولى في التحوّل القصدي، هي انهيار الإجماع بشأن التزامات الهوية. ففي الحالة السوفياتية، تركزت التزامات الهوية على النظرية اللينينية للإمبريالية، التي تؤمن بأن العلاقات بين الدول الرأسمالية والاشتراكية صراعية بطبيعتها، كما تركزت على أنماط التحالف الناجمة التي وَّلَدها هذا الاعتقاد. وفي ثمانينيات القرن العشرين، انهار الإجماع داخل الاتحاد السوفياتي بشأن النظرية اللينينية، وذلك لعدة مسوّغات، يبدو أن من بين أهمها عجز الدولة عن مواجهة التحدي الاقتصادي والتكنولوجي والعسكري القادم من الغرب، وتراجع شرعية الحكومة السياسية في الداخل، ورسائل الطمأنة القادمة من الغرب بأنه لا ينوي غزو الاتحاد السوفياتي؛ وهي طمأنة ساهمت في تقليل التكاليف الخارجية لتغيير الأدوار 91. وقد مهّدت هذه
العوامل الطريق أمام انتقال جذري في القيادة، وما تلاه من "كسر الجليد عن المشكلات الصراعية" المتعلّقة بالعلاقات مع الغرب 92. يتيح انهيار الإجماع مرحلةً من الفحص النقدي الذي يستهدف الأفكار القديمة عن الذات والآخر، ومن ثمّ، بنى التفاعل التي من خلالها تعززت تلك الأفكار. وفي فترات الاستقرار النسبي التي تميز أدوار الهويات، قد تتجسد الأفكار والبنى، وبالنتيجة يجري التعامل معها بوصفها موجودة وقائمة على نحو مستقل عن الفعل الاجتماعي. وإذا كان الأمر كذلك، فإن المرحلة الثانية هي مرحلة نزع السمة الطبيعية، وتحديد الممارسات التي تعيد إنتاج أفكار تبدو حتمية بشأن الذات والآخر؛ وهي، بهذا المعنى، تَُعَدّ شكلًامن أشكال النظرية "النقديّة" أكثر من كونها نظريةً من نظريات "حلّ المشكلات" 93. وينبغي أن تُفضَيَ نتيجة هذا النقد إلى تحديد "ذواٍتٍ محتملة" وتطلعاٍتٍ جديدة 94. ويجسّد التفكير الجديد هذا التنظير النقدي. يرغب غورباتشوف في تحرير الاتحاد السوفياتي من المنطق الاجتماعي القسري للحرب الباردة، وفي إشراك الغرب في تعاون واسع النطاق. ولتحقيق هذه الغاية، رفض غورباتشوف الاعتقاد اللينيني بوجود صراع مصالح متأصل بين الدول الاشتراكية والرأسمالية، والأهم من ذلك أنه أقرّ بالدور الحاسم الذي أدّته الممارسات العدوانية السوفياتية في إدامة هذا الصراع. تمهّد إعادة التفكير هذه الطريق أمام مرحلة ثالثة من الممارسة الجديدة. غالبًا ما تكون إعادة التفكير في أفكار المرء عن الذات والآخر غير كافية، فالهويات القديمة تعززت عبر أنظمة تفاعل مع فاعلين آخرين تظل ممارساتهم حقيقةًاجتماعيةً بالنسبة إلى العامل التحو ليي. لذلك، فإن تغيير الذات غالبًا ما يقتضي بالضرورة تغيير هويات الآخرين ومصالحهم، الذين يساهمون في تعزيز أنظمة التفاعل تلك وإدامتها. ووسيلة إحداث مثل هذا التغيير هي ممارسات الفرد نفسه، وتحديدًا ممارسة "التحويل المتبادل"؛ وهي تقنية للتحكّم في المتفاعل تستخدم فيها الذات تكتيكات تمُّثٍُلٍ ذاتي إلى جانب إدراة الوضع القائم، في محاولة لتأطير مفاهيم الآخر للمواقف الاجتماعية بطريقة تولّد الدور الذي ترغب الذات في أن يؤدّيه الآخر 95. في الواقع، تحاول الذات، عبر "التحويل المتبادل"، حثّ الآخر على اتخاذ هوية جديدة (وهكذا يتم إشراك الآخر في مساعي الذات لتغيير نفسها) من خلال التعامل معه كما لو كان أصلًا يمتلك تلك الهوية. وينبع هذا المنطق مباشرة من نظرية المرآة المتعلّقة بتشكيل الهويات؛ إذ تكون هوية الآخر انعكاسًا لممارسات الذات؛ وبتغيير تلك الممارسات، تبدأ الذات في تغيير فهم الآخر لنفسه. يعتمد فحوى هذه الممارسات على المنطق الذي من خلاله تعززت الهويات القائمة مسبقًا. تتعزز أنظمة الأمن التنافسية، من خلال ممارسات تزعزع الثقة، وتولّد انعدام الأمن. وفي هذه الحالة، ينبغي أن تسعى الممارسات التحويلية لتعليم الدول الأخرى أن دولة معيّنة جديرة بالثقة، ولا ينبغي النظر إليها بوصفها تهديدًا لأمن الدول الأخرى؛ والطريقة الأسرع نحو ذلك تتمثل في اتخاذ مبادرات أحادية الجانب، وتعهّدات مُلِزِمة ذاتًّيًا تحظى بما يكفي من الأهمية، لتجعل دولة أخرى تواجه "عرضًا لا يمكنها رفضه" 96. وقد حاول غورباتشوف القيام بذلك عبر الانسحاب من أفغانستان وأوروبا الشرقية، والتخفيض غير المتكافئ في القوى النووية والتقليدية، والدعوة إلى "دفاع دفاعي" Defense Defensive، وغيره. وعلاوةً على ذلك، استطاع بكل مهارة أن يصور الغرب في دور الُمُلَزَم أخلاقيّا بمدّ يد العون للاتحاد السوفياتي، مشددًا على روابط المصير المشترك بين الاتحاد والغرب، ومشيرًا إلى أن إحراز المزيد من التقدم في العلاقات بين الشرق والغرب مرهون بتبنّي الأخير الهويَةَ المنسوبة إليه. وتمثّل كل هذه الأفعال أبعادًا للتحويل المتبادل، الغرض منها هو التخلص من "الذريعة" الغربية القائمة على انعدام الثقة بالاتحاد السوفياتي، والتي سبق أن ساعدت، في نظر غورباتشوف، على تعزيز الهويات التنافسية في الماضي.
ومع ذلك، لا تستطيع هذه الممارسات، في حد ذاتها، تحويل نظام أمني تنافسي؛ لأنها إذا لم تتلَّقَ معاملة بالمثل من الآخر، فإنها ستعرّض الذات للخسارة وسرعان ما تذوي. ولكي تتمكّن الممارسة الاستراتيجية النقدية من تحويل الهويات التنافسية، لا بدّ من أن "يكافئها" الآخر؛ ما سيشجع الذات على المزيد من هذه الممارسات 97. وسيؤدي ذلك، بمرور الوقت، إلى مأسسة التعريف الإيجابي المتبادل بين أمن الذات وأمن الآخر، بدلًامن تعريفهما على نحو سلبي؛ وهكذا، سيوفر ذلك أساسًا بينذاتًّيًا متينًا لما كان في البداية مجرّد التزامات مبدئية بهويات ومصالح جديدة 98. وعلى الرغم من الخطاب السائد اليوم حول نهاية الحرب الباردة، تبقى شكوك المشككين قائمة حيال قدرة غورباتشوف (أو أيّ قائد مستقبليي) على تأسيس بنية بينذاتية لهويّة سوفياتية (أو روسية) جديدة. وثمة مصادر، داخلية وبيروقراطية وإدراكية - أيديولوجية، للمقاومة في الشرق والغرب على حد السواء، لا سيما في ظل اهتزاز الدعم الداخليي للقوى الديمقراطية. ولكن، إذا صحّت حجتي بخصوص دور المعرفة البينذاتية في إنشاء بنى تنافسية للهويات والمصالح، فإن التفكير الجديد يُظهر على الأقل تقديرًا أكبر، سواء أكان واعيًا أم لا، لبنية سياسة القوة الأعمق، مقارنةً بما اعتدناه في ممارسة العلاقات الدولية.
خاتمة
تستند جميع نظريات العلاقات الدولية إلى نظريات اجتماعية، تُعَنَى بالعلاقة بين الفاعلية والسيرورة والبنية الاجتماعية. لا تحدد النظريات الاجتماعية محتوى نظرياتنا الدولية، ولكنها تهيكل الأسئلة التي نطرحها بشأن السياسة العالمية ومقارباتنا للإجابة عنها. تتمثل القضية الجوهرية المطروحة في نقاشات النظرية الاجتماعية في: ما نوع الأسس التي تقدم مجموعة الأسئلة والاستراتيجيات البحثية الأكثر إفادةً في تفسير التغيرات الجذرية التي يبدو أنها تأخذ مجراها في النظام الدولي في أواخر القرن العشرين؟ وبعبارة أبسط، كيف ينبغي أن تبدو النظريات النظمية للعلاقات الدولية؟ وكيف ينبغي لها مَْفَْهَمة العلاقة بين البنية والسيرورة؟ أينبغي أن تستند حصرًا إلى مقايسات "اقتصادية - جزئية" يجري عبرها التعامل مع الهويات والمصالح بوصفها معطاة وخارجية المنشأ من خلال البنية، ويجري عبرها اختزال السيرورة في تفاعلات ضمن تلك المعايير، أم ينبغي أن تستند أيضًا إلى مقايسات "سوسيولوجية" و"نفسية - اجتماعية" تكون فيها الهويات والمصالح، ومن ثمّ معنى البنية، داخلية المنشأ وناتجة من السيرورة نفسها؟ ما الذي يجب أن يشكّل أساسًا للنظريات النسقية في السياسة العالمية: الفردانية – السلوكية، أم البنائية - الإدراكية؟ على الرغم مما جاء في هذه الدراسة، فإن هذا السؤال يظل في نهاية يتنيحان نم اّيًّقيبمرإ لاؤًااس فاطلام: ىدم لعى اّيًّئزج هتباجإ دمتعت، لاوًااأ أهمية التفاعل بين الدول في تشكيل هوياتها ومصالحها. فمن ناحية، قد تكون العوامل الداخلية أو الجينية، التي صرفت النظر عنها على نحو منهجي، هي في الواقع محددات لهويات الدول ومصالحها أهم مقارنةً بالعوامل النظمية. وبقدر ما يَُعَدّ ذلك صحيحًا، فإن فردانية المقاربة العقلانية والامتياز الذي تحظى به البنية مقارنة بالسيرورة في هذه المقارنة يصبحان أساسًا أشد ملاءمة للنظرية النظمية (إن لم يكونا كذلك لنظرية الصورتين الأولى والثانية)؛ لأن الهويات والمصالح هي في الواقع، وإلى حد بعيد، خارجية المنشأ بالنسبة إلى التفاعل بين الدول. ومن ناحية أخرى، إذا كانت العوامل التي صرفُتُ النظر عنها غير مهمة نسبيّا أو إذا كانت أهمية النظام الدولي تتفاوت تاريخيّا (ربما بتفاوت مستوى الكثافة الدينامية والاعتماد المتبادل في النظام)، فإن مثل هذا الإطار لن يكون مناسبًا ليمثّل أساسًا حصريّا لنظرية نظمية عامة. ثانيًا، تعتمد الإجابة عن سؤال الشكل الذي ينبغي أن تبدو عليه النظريات النظمية، أيضًا، على مدى سهولة تغّي ر هويات الدولة ومصالحها نتيجةً للتفاعل النظمي؛ فحتى لو كان التفاعل مهمًافي البداية في بناء الهويات والمصالح، فإن منطقه، ما إن تتمّ مأسسته، قد يجعل التحول صعبًا للغاية. فإذا تغّي رمعنى البنية بالنسبة إلى أفعال الدولة ببطء شديد فيصبح معيارًا، بحكم الواقع، تجري ضمنه السيرورة؛ فقد يكون من المناسب، من الناحية الجوهرية، تبنّي الافتراض العقلاني القائل إن الهويات والمصالح مُعطاة (مع أن هذا قد يختلف تاريخيّا.) ومع ذلك، لا يمكننا معالجة هذه القضايا الإمبريقية، إلا إذا كان لدينا إطار لإجراء بحث منهجي، يجعل من هويات الدولة ومصالحها قضية للبحث النظري والإمبريقي على حد السواء. ودعوني أشدد ههنا على أنّ ذلك لا يعني أننا لا ينبغي لنا أبدًا التعامل مع الهويات
والمصالح على أنها معطاة؛ إذ ينبغي أن يكون تأطير مشكلات البحث واستراتيجياته مدفوعًا بالأسئلة لا بالمنهج. وإذ لم نُِعِْرْ مسألة تشكل الهويات والمصالح اهتمامًا، فقد نجد افتراضات الخطاب العقلاني معقولة تمامًا. بعبارة أخرى، لا ينبغي اعتبار أٍّيّ مما ورد في هذه الدراسة هجومًا على العقلانية في حد ذاتها. ومع ذلك، لا ينبغي أن نسمح لهذا الموقف التحل ليي المشروع بأن يصبح موقفًا أنطولوجيّا بحكم الواقع فيما يتعلق بمحتوى نظرية الصورة الثالثة، على الأقل ليس قبل أن نتأكد من أن التفاعل النظمي لا يؤدي دورًا مهمًافي سيرورات تشكّل هويات الدول ومصالحها. لا ينبغي لنا التسرع في اختيار أنثروبولوجياتنا الفلسفية ونظرياتنا الاجتماعية. ومن خلال المحاجّة بأننا لا نستطيع استنباط بنية هويات ومصالح، قائمة على الاعتماد على النفس، من مبدأ الفوضى وحده – ومن خلال المحاجّة بأن الفوضى هي ما تصنعه الدول منها – قدّمت هذه الدراسة تحديًا لأحد المبررات المهمة التي تسوّغ تجاهل سيرورات تشكّل الهويات والمصالح في السياسة العالمية؛ وهي بذلك تمهّد الطريق للبحث في القضايا الإمبريقية التي أثارتها الدراسة آنفًا، ومن ثمّ، فهي تمهد الطريق لنقاش بشأن ما إذا كانت الافتراضات الجماعاتية أو الفردانية تحديدًا تشِّكِل أساسًا أفضل للنظرية النظمية. لقد حاولُتُ، من خلال مثال أّولّي، أن أشير إلى ما قد تبدو عليه أجندة بحثية كهذه. ينبغي أن يكون الهدف منها هو تقييم العلاقة السببية بين الممارسات والتفاعلات (بوصفها متغيرًا مستقلًا) والبنى الإدراكية على مستوى الدول فرادى وعلى مستوى نظم الدول التي تشكّل الهويات والمصالح (بوصفها متغيرًا تابعًا)؛ وأعني بذلك العلاقة السببية بين ماهية الفاعلين و ما يفعلونه. قد تكون لدينا فكرة مسبقة، مفادها أن الفاعلين من الدول والبنى النظمية "يشكّل بعضهم بعضًا"، لكن هذا لا يفيدنا كثيرًا في غياب فهم الكيفية التي يشكّل بها التفاعل الثنائي والثلاثي والمتعدد الأطراف، أًّيًا كان عدد الأطراف، "المخزوَنَ المعرفي" الذي يكِّوِن الهويات والمصالح وبنى الحياة الدولية، وفي الوقت نفسه يتشكّل من خلاله. وفي هذا الصدد، يكتسي دور الممارسة أهمية خاصة في تشكيل المواقف من كون هذه البنى معطاة. فكيف؟ ولماذا يقوم الفاعلون بتشيئة البنى الاجتماعية؟ وفي أيّ ظروف ينزعون عنها هذه التشيئة؟ قد يثير تمركز هذه الأجندة على الدولة دهشة البعض، لا سيما ما بعد الحداثيين، وعلى "نحو يبعث على إحباط مألوف" 99. ومن الواضح أن أهمية الدول، مقارنةً بالشركات المتعددة الجنسيات والحركات الاجتماعية الجديدة والشركات عبر الوطنية والمنظمات الدولية ما بين الحكومية، آخذة في التراجع؛ وتستحق أشكال السياسة العالمية "ما بعد الحداثية" اهتمامًا بحثًّيًا أكثر مما حظيت به. ولكنني أعتقد، مع الواقعيين، أن الدول ذات السيادة ستظل على المدى المتوسط الفاعل المهيمن في النظام الدولي. إن أيّ انتقال إلى بنى جديدة للهوية والسلطة السياسية العالمية – أي إلى سياسة "ما بعد دولية" – سيجري بوساطة الحل المؤسسي الخاص الذي يستهدف حلّ التوتر بين الوحدة والتنوع، أو بين الخصوصية والعالمية، أي الدولة ذات السيادة؛ سيجري هذا الانتقال بوساطة الدولة ذات السيادة وسيعتمد في الوقت نفسه على سيرورتها 100. وفي عالٍمٍ كهذا، ينبغي أن يظل هناك مجال كاٍفٍ لنظريات عن السياسة الفوضوية ما بين الدول، إلى جانب أشكال أخرى من النظرية الدولية؛ ولذلك، فأنا واقعي ودولتي Statist. ومع ذلك، حاججت في هذه الدراسة بأن النزعة الدولتية ليست في حاجة إلى التقيد بالأفكار الواقعية بشأن ما يجب أن تعنيه "الدولة." يمكن أن تتحول هويات الدولة ومصالحها جماعًّيًا في سياق فوضوي بفعل عوامل عديدة – فردية أو داخلية أو نظمية أو عبر وطنية – ومن ثمّ، فهي تُعدّ متغيرات تابعة مهمة. إنّ إعادة بناء هذه النظرية الدولية المتمركزة على الدولة ضرورية، إذا أردنا التنظير على نحٍوٍ كاٍفٍ بشأن الأشكال الناشئة للهوية السياسية عبر الوطنية، التي ستساعد الدول ذات السيادة في تشكيلها. ولذلك، آمل أن تكون الدولتية، شأنها شأن الدولة، تقدميّة من الناحية التاريخية. لقد حاججت بأن البنائيين ومؤيدي الليبرالية القوية يمكنهم، بل ينبغي لهم، العمل جنبًا إلى جنب وتوحيد جهودهم من أجل المساهمة في نظرية دولية تركز على السيرورة. ولكلّ فريق أوجه قصور تكملها أوجه قوة الفريق الآخر. لم يتمكن الليبراليون الجدد من ترجمة أبحاثهم عن بناء المؤسسات والتعلّم المركّب إلى نظرية نظمية تتجنب ما توليه الواقعية من أولوية تفسيرية للبنية، ويعزى ذلك جزئيّا إلى تبنّيهم مقاربة نظرية الاختيار العقلاني في بناء النظرية. بعبارة أخرى، يكمن قصور هؤلاء في عزوفهم المستمر، على مستوى النظرية النظمية، عن تجاوز الافتراض الفرداني القائل إن الهويات والمصالح معطاة وخارجية المنشأ. يعوّض البنائيون هذا القصور بأنطولوجيا جماعاتية ممنهجة، تشكّل فيها المعرفة البينذاتية
الهويات والمصالح. إلا أن البنائيين، من جانبهم، غالبًا ما ركّزوا جهودًا هائلة على الأسئلة المتعلقة بالأنطولوجيا والتكوين، في حين أنهم لا يركّزون ما يكفي من جهد لسبر أغوار الأسئلة السببية والإمبريقية المتعلقة بكيفية إنتاج الهويات والمصالح من خلال الممارسة في ظروف فوضوية. ونتيجةً لذلك، لم يأخذ البنائيون في الحسبان الرؤى الليبرالية الجديدة بشأن التعلّم والإدراك الاجتماعي. إن أيّ محاولة لاستخدام خطاب تفاعليي بنياني - رمزي لتجسير الهوة بين تقليَدَين بحثَييَن، لا يتبنى أٌّيٌ منهما خطابًا كهذا، لن ترضي أحدًا على الأرجح. ولكنّ ذلك يرجع جزئيّا إلى انهماك "الطرفين" في الخلافات القائمة حول الحالة الإبستيمولوجية التي تشهدها العلوم الاجتماعية. إن وضع العلوم الاجتماعية، وخاصة العلاقات الدولية، يجعل الوصفات والاستنتاجات الإبستيمولوجية سابقة لأوانها في أحسن الأحوال. تتطلّب الأسئلة المختلفة معايير استدلال متباينة؛ فرفض أسئلة معيّنة، لأن إجاباتها لا تتوافق مع معايير الفيزياء الكلاسيكية، يعني الوقوع في فخ علوم اجتماعية يحركها منهج البحث لا أسئلته. وعلى المنوال نفسه، لا يجبرنا التخليي عن القيود المصطنعة، التي تفرضها مفاهيم البحث الوضعية المنطقية، على التخليي عن "العلم." وبعيدًا عن ذلك، ليس ثمة سبب وجيه لإيلاء الإبستيمولوجيا هذه الأهمية الهائلة؛ فلا الوضعية ولا الواقعية العلمية ولا ما بعد البنيوية تفيدنا في فهم بنية الحياة الدولية ودينامياتها. إن فلسلفات العلوم ليست نظريات في العلاقات الدولية. ومّم ايدعو إلى التفاؤل ههنا أن أنصار الليبرالية القوية والبنائيين الحداثيين وما بعد الحداثيين يطرحون أسئلة متشابهة إلى حد بعيد بشأن جوهر العلاقات الدولية؛ وهذا ما يميز كلا الفريقين عن تحالف الواقعيين الجدد والعقلانيين. لا يزال أمام البنائيين وأنصار الليبرالية القوية الكثير ليتعلموه بعضهم من بعض، إذا ما تمكّنوا من رؤية ما يجمعهم على الرغم مما تثيره الإبستيمولوجيا من سجال.
المراجع
Adler, Emanuel & Beverly Crawford (eds.). Progress in Postwar International Relations. New York: Columbia University Press, 1991. Alker, Hayward & Richard Ashley (eds.). After Realism, Work in Progress. Massachusetts Institute of Technology, Cambridge, and Arizona State University, Tempe, 1992. Ashley, Richard. "Political Realism and Human Interests." International Studies Quarterly. vol. 38 (June 1981). _________. "The Geopolitics of Geopolitical Space: Toward a Critical Social Theory of International Politics." Alternatives. vol. 12 (October 1987). _________. "The Poverty of Neorealism." International Organization. vol. 38 (Spring 1984). _________. "Untying the Sovereign State: A Double Reading of the Anarchy Problematique." Millennium. vol. 17 (Summer 1988). Ashley, Richard & R. B. J. Walker. "Reading Dissidence/ Writing the Discipline: Crisis and the Question of Sovereignty in International Studies." International Studies Quarterly. vol. 34 (September 1990). Axelrod, Robert. The Evolution of Cooperation. New York: Basic Books, 1984. Ayoob, Mohammed. "The Third World in the System of States: Acute Schizophrenia or Growing Pains?" International Studies Quarterly. vol. 33 (March 1989). Barnett, Michael. "Sovereignty, Institutions, and Identity: From Pan-Arabism to the Arab State System." University of Wisconsin, Madison, 1991. (Unpublished manuscript) Barnes, Barry. The Nature of Power. Cambridge: Polity Press, 1988.
Bar-Tal, Daniel et al. "Conflict Termination: An Epistemological Analysis of International Cases." Political Psychology. vol. 10 (June 1989). Bartunek, Jean. "Changing Interpretive Schemes and Organizational Restructuring: The Example of a Religious Order." Administrative Science Quarterly. vol. 29 (September 1984). Becker, Howard. "Notes on the Concept of Commitment." American Journal of Sociology. vol. 66 (July 1960). Berger, Peter & Thomas Luckmann. The Social Construction of Reality. New York: Anchor Books, 1966. Berger, Peter. "Identity as a Problem in the Sociology of Knowledge." European Journal of Sociology. vol. 7, no. 1 (1966). Bhaskar, Roy. The Possibility of Naturalism. Atlantic Highlands, NJ: Humanities Press, 1979. Bloom, William. Personal Identity, National Identity and International Relations. Cambridge: Cambridge University Press, 1990. Boge, Volker & Peter Wilke. "Peace Movements and Unilateral Disarmament: Old Concepts in a New Light." Arms Control. vol. 7 (September 1986). Breakwell, Glynis. Coping with Threatened Identities. London: Methuen, 1986. Breslauer, George & Philip Tetlock (eds.). Learning in U.S. and Soviet Foreign Policy. Boulder, CO: Westview Press, 1991. Buzan, Barry. People, States, and Fear. Chapel Hill: University of North Carolina Press, 1983. Buzan, Barry et al. (eds.). The European Security Order Recast. London: Pinter, 1990. Calhoun, Craig et al. (eds.). Structures of Power and Constraint. Cambridge: Cambridge University Press, 1991. Caws, Peter (ed.). The Causes of Quarrel. Boston: Beacon, 1989. Cohen, Michael & Robert Axelrod. "Coping with Complexity: The Adaptive Value of Changing Utility." American Economic Review. vol. 74 (March 1984). Coplin, William. "International Law and Assumptions About the State System." World Politics. vol. 17 (July 1965). Coulter, Jeff. "Remarks on the Conceptualization of Social Structure." Philosophy of the Social Sciences. vol. 12 (March 1982). Crittenden, Kathleen. "Sociological Aspects of Attribution." Annual Review of Sociology. vol. 9 (1983). Cronk, George. The Philosophical Anthropology of George Herbert Mead. New York: Peter Lang, 1987. Czempiel, Ernst-Otto & James Rosenau (eds.). Global Changes and Theoretical Challenges. Lexington, MA: Lexington Books, 1989. Dalby, Simon. Creating the Second Cold War. London: Pinter, 1990. Dessler, David. "What's at Stake in the Agent-Structure Debate?" International Organization. vol. 43 (Summer 1989). Dunn, John (ed.). The Economic Limits to Modern Politics. Cambridge: Cambridge University Press, 1990. Duvall, Raymond & Alexander Wendt. "The International Capital Regime and the Internationalization of the State." 1987. (Unpublished Manuscript) Earle, Walter. "International Relations and the Psychology of Control: Alternative Control Strategies and Their Consequences." Political Psychology. vol. 7 (June 1986).
Elster, Jon. Sour Grapes: Studies in the Subversion of Rationality. Cambridge: Cambridge University Press, 1983. England, Paula & Barbara Stanek Kilbourne. "Feminist Critiques of the Separative Model of Self: Implications for Rational Choice Theory." Rationality and Society. vol. 2 (April 1990). Fain, Haskell. Normative Politics and the Community of Nations. Philadelphia: Temple University Press, 1987. Farr, Rob & Serge Moscovici (eds.). Social Representations. Cambridge: Cambridge University Press, 1984. Fay, Brian. Critical Social Science. Ithaca, NY: Cornell University Press, 1987. Ferguson, Yale & Richard Mansbach. "Between Celebration and Despair: Constructive Suggestions for Future International Theory." International Studies Quarterly. vol. 35 (December 1991). Foote, Nelson. "Identification as the Basis for a Theory of Motivation." American Sociological Review. vol. 16 (February 1951). Frankfurt, Harry. "Freedom of the Will and the Concept of a Person." Journal of Philosophy. vol. 68 (January 1971). Gecas, Viktor. "Rekindling the Sociological Imagination in Social Psychology." Journal for the Theory of Social Behavior. vol. 19 (March 1989). Giddens, Anthony. Central Problems in Social Theory. Berkeley: University of California Press, 1979. Goffman, Erving. The Presentation of Self in Everyday Life. New York: Doubleday, 1959. Gorbachev, Mikhail. Perestroika: New Thinking for Our Country and the World. New York: Harper & Row, 1987. Gregory, Derek & John Urry (eds.). Social Relations and Spatial Structures. London: Macmillan, 1985. Grieco, Joseph. "Anarchy and the Limits of Cooperation: A Realist Critique of the Newest Liberal Organization. International Institutionalism." vol. 42 (Summer 1988). Haas, Ernst. When Knowledge Is Power. Berkeley: University of California Press, 1990. Haas, Peter. "Do Regimes Matter? Epistemic Communities and Mediterranean Pollution Control." International Organization. vol. 43 (Summer 1989). Harvey, John et al. (eds.). New Directions in Attribution Research. vol. 3. Hillsdale, NJ: Lawrence Erlbaum, 1981. Hewitt, John. Self and Society: A Symbolic Interactionist Social Psychology. Boston: Allyn & Bacon, 1988. Higgs, Robert. "Identity and Cooperation: A Comment on Sen's Alternative Program." Journal of Law, Economics, and Organization. vol. 3 (Spring 1987). Hindess, Barry. Political Choice and Social Structure. Aldershot, UK: Edward Elgar, 1989. Hochman, Harold & Shmuel Nitzan. "Concepts of Extended Preference." Journal of Economic Behavior and Organization. vol. 6 (June 1985). Hollis, Martin & Steven Smith. Explaining and Understanding International Relations. Oxford: Clarendon Press, 1989. Holsti, Kal. "National Role Conceptions in the Study of Foreign Policy." International Studies Quarterly. vol. 14 (September 1970). Howard, Judith & Peter Callero (eds.). The Self-Society Dynamic. Cambridge: Cambridge University Press, 1991.
Huber, Joan (ed.). Macro-Micro Linkages in Sociology. Beverly Hills, CA: Sage, 1991. Ikenberry, John & Charles Kupchan. "Socialization and Hegemonic Power." International Organization. vol. 44 (Summer 1989). Jackson, Robert & Carl Rosberg. "Why Africa's Weak States Persist: The Empirical and the Juridical in Statehood." World Politics. vol. 35 (October 1982). Jervis, Robert. "Cooperation Under the Security Dilemma." World Politics. vol. 30 (January 1978). _______. "Realism, Game Theory, and Cooperation." World Politics. vol. 40 (April 1988). Kaplowitz, Noel. "Psychopolitical Dimensions of International Relations: The Reciprocal Effects of Conflict Strategies." International Studies Quarterly. vol. 28 (December 1984). _______. "National Self-Images, Perception of Enemies, and Conflict Strategies: Psychopolitical Dimensions of International Relations." Political Psychology. vol. 11 (March 1990). Keohane, Robert (ed.). Neorealism and Its Critics. New York: Columbia University Press, 1986. Keohane, Robert. "International Institutions: Two Approaches." International Studies Quarterly. vol. 32 (December 1988). ________. "International Relations Theory: Contributions of a Feminist Standpoint." Millennium. vol. 18 (Summer 1989). ________. After Hegemony. Princeton, NJ: Princeton University Press, 1984. ________. International Institutions and State Power. Boulder, CO: Westview Press, 1989. Kohut, Heinz. Self-Psychology and the Humanities. New York: Norton, 1985. Krasner, Stephen (ed.). International Regimes. Ithaca, NY: Cornell University Press, 1983. Krasner, Stephen. "Sovereignty: An Institutional Perspective." Comparative Political Studies. vol. 21 (April 1988). Kratochwil, Friedrich & John Ruggie. "International Organization: A State of the Art on an Art of the State." International Organization. vol. 40 (Autumn 1986). Kreisberg, Louis et al. (eds.). Intractable Conflicts and Their Transformation. Syracuse, NY: Syracuse University Press, 1989. Kubalkova, Vendulka & Albert Cruickshank. Thinking New About Soviet "New Thinking". Berkeley: Institute of International Studies, 1989. Kupchan, Charles & Clifford Kupchan. "Concerts, Collective Security, and the Future of Europe." International Security. vol. 16 (Summer 1991). Kuran, Timur. "The Tenacious Past: Theories of Personal and Collective Conservatism." Journal of Economic Behavior and Organization. vol. 10 (September 1988). Kurtines, William & Jacob Gewirtz (eds.). Morality, Moral Behavior, and Moral Development. New York: Wiley, 1984. Lapid, Yosef. "The Third Debate: On the Prospects of International Theory in a Post-Positivist Era." International Studies Quarterly. vol. 33 (September 1989). Latsis, Spiro. "Situational Determinism in Economics." British Journal for the Philosophy of Science. vol. 23 (August 1972). Lebow, Richard Ned & Janice Gross Stein. "Beyond Deterrence." Journal of Social Issues. vol. 43, no. 4
Lipson, Charles. "International Cooperation in Economic and Security Affairs." World Politics. vol. 37 (October 1984). Lumsdaine, David. Ideals and Interests: The Foreign Aid Regime, 1949–1989. Princeton, NJ: Princeton University Press, 1993. Lynch, Allen. Gorbachev's International Outlook: Intellectual Origins and Political Consequences. New York: Institute for East-West Security Studies, 1989. Mansbridge, Jane (ed.). Beyond Self-Interest. Chicago: University of Chicago Press, 1990. Maoz, Zeev & Daniel Felsenthal. "Self-Binding Commitments, the Inducement of Trust, Social Choice, and the Theory of International Cooperation." International Studies Quarterly. vol. 31 (June 1987). March, James. "Bounded Rationality, Ambiguity, and the Engineering of Choice." The Bell Journal of Economics. vol. 9 (Autumn 1978). Markus, Hazel & Paula Nurius. "Possible Selves." American Psychologist. vol. 41 (September 1986). McNall, Scott & Gary Howe (eds.). Current Perspectives in Social Theory , vol. 1. Greenwich, CO: JAI Press, 1980. Mead, George Herbert. Mind, Self and Society. Chicago: University of Chicago Press, 1934. Mearsheimer, John. "Back to the Future: Instability in Europe After the Cold War." International Security. vol. 13 (Summer 1990). Meyer, Stephen. "The Sources and Prospects of Gorbachev's New Political Thinking on Security." International Security. vol. 13 (Fall 1988). Milburn, Thomas & Daniel Christie. "Rewarding in International Politics." Political Psychology. vol. 10 (December 1989). Milner, Helen. "The Assumption of Anarchy in International Relations Theory: A Critique." Review of International Studies. vol. 17 (January 1991). Osterhammel Jurgen Wolfgang Mommsen, (eds.). Imperialism and After: Continuities and Discontinuities. London: Allen & Unwin, 1986. Monroe, Kristen (ed.). The Economic Approach to Politics. New York: Harper Collins, 1991. Morgan, David & Michael Schwalbe. "Mind and Self in Society: Linking Social Structure and Social Cognition." Social Psychology Quarterly. vol. 53 (June 1990). Morrow, James. "Social Choice and System Structure in World Politics." World Politics. vol. 41 (October 1988). Murphy, Raymond. Social Closure. Oxford: Clarendon Press, 1988. Nayatullah, Naeem & David Levine. "Politics and Economics in Contemporary International Relations Theory." Syracuse University, Syracuse, NY (1990). Niou, Emerson & Peter Ordeshook. "Realism Versus Neoliberalism: A Formulation." American Journal of Political Science. vol. 35 (May 1991). Nye, Joseph. "Neorealism and Neoliberalism." World Politics. vol. 40 (January 1988). ________. "Nuclear Learning and U.S.-Soviet Security Regimes." International Organization. vol. 41 (Summer 1987). Onuf, Nicholas. World of Our Making. Columbia: University of South Carolina Press, 1989. Perinbanayagam, R. S. Signifying Acts: Structure and Meaning in Everyday Life. Carbondale: Southern Illinois University Press, 1985.
Risse-Kappen, Thomas. "Are Democratic Alliances Special?" Yale University, New Haven, CO, 1991. (Unpublished manuscript). Rose, Arnold (ed.). Human Behavior and Social Processes. Boston: Houghton Mifflin, 1962. Rosenberg, Morris & Ralph Turner (eds.). Social Psychology: Sociological Perspectives. New York: Basic Books, 1981. Rosenberg, Shawn & Gary Wolfsfeld. "International Conflict and the Problem of Attribution." Journal of Conflict Resolution. vol. 21 (March 1977). Ruggie, John. "Continuity and Transformation in the World Polity: Toward a Neorealist Synthesis." World Politics. vol. 35, no. 2 (January 1983). Sakamoto, V. "Unilateral Initiative as an Alternative Strategy." World Futures. vol. 24, no. 1-4 (1987). Schelling, Thomas. "The Intimate Contest for Self-Command." The Public Interest. vol. 60 (Summer 1980). Sen, Amartya & Bernard Williams (eds.). Utilitarianism and beyond. Cambridge: Cambridge University Press, 1982. Sen, Amartya. "Goals, Commitment, and Identity." Journal of Law, Economics, and Organization. vol. 1 (Fall 1985). ________. "Rational Fools: A Critique of the Behavioral Foundations of Economic Theory." Philosophy and Public Affairs. vol. 6 (Summer 1977). Shapiro, Ian & Alexander Wendt. "The Difference That Realism Makes: Social Science and the Politics of Consent." Politics & Society. vol. 20, no. 2 (1992). Shih, C. & Martha Cottam (eds.). Contending Dramas: A Cognitive Approach to Post-War International Organizational Processes. New York: Praeger, 1996. Smith, Anthony. "States and Homelands: The Social and Geopolitical Implications of National Territory." Millennium. vol. 10 (Autumn 1981). Smoke, Richard & Andrei Kortunov (eds.). Mutual Security. New York: St. Martin's Press, 1991. Snyder, Jack. "The Gorbachev Revolution: A Waning of Soviet Expansionism?" World Politics. vol. 12 (Winter 1987-1988). Strang, David. "Anomaly and Commonplace in European Expansion: Realist and Institutional Accounts." International Organization. vol. 45 (Spring 1991). Stryker, Sheldon. "The Vitalization of Symbolic Interactionism." Social Psychology Quarterly. vol. 50 (March 1987). Suganami, Hidemi. "Bringing Order to the Causes of War Debates." Millennium. vol. 19 (Spring 1990). Taylor, Michael. Anarchy and Cooperation. New York: Wiley, 1976. Tickner, Ann. "Hans Morgenthau's Principles of Political Realism: A Feminist Reformulation." Millennium. vol. 17 (Winter 1988). Triska, Jan (ed.). Dominant Powers and Subordinate States. Durham, NC: Duke University Press, 1986. Turner, Jonathan. A Theory of Social Interaction. Stanford, CA: Stanford University Press, 1988. Walker, R. B. J. "History and Structure in the Theory of International Relations." Millennium. vol. 18 (Summer 1989). ________. "Realism, Change, and International Political Theory." International Studies Quarterly. vol. 31 (March 1987). ________. "Security, Sovereignty, and the Challenge of World Politics." Alternatives. vol. 15 (Winter 1990).
Walker, R. B. J. & Saul Mendlovitz (eds.). Contending Sovereignties. Boulder, CO: Lynne Rienner, 1990. Walker, Stephen (ed.). Role Theory and Foreign Policy Analysis. Durham, NC: Duke University Press, 1987. Walt, Stephen. The Origins of Alliances. Ithaca, NY: Cornell University Press, 1987. Waltz, Kenneth. Man, the State, and War. New York: Columbia University Press, 1959. ________. Theory of International Politics. Boston: Addison-Wesley, 1979. Wartenberg, Thomas. "The Concept of Power in Feminist Theory." Praxis International. vol. 8 (October 1988). Weinstein, Eugene & Paul Deutschberger. "Some Dimensions of Altercasting." Sociometry. vol. 26 MA: (December 1963). Wendt, Alexander. "The Agent-Structure Problem in International Relations Theory." International Organization. vol. 41 (Summer 1987). _______. "The States System and Global Militarization." PhD. Dissertation, University of Minnesota. Minneapolis, 1989. _______. "Bridging the Theory/ Meta-Theory Gap in International Relations." Review of International Studies. vol. 17 (October 1991). Wendt, Alexander & Michael Barnett. "The International System and Third World Militarization." (1991). (Unpublished Manuscript) Williams, Michael. "Rousseau, Realism, and Realpolitik." Millennium. vol. 18 (Summer 1989). Wrong, Dennis. "The Oversocialized Conception of Man in Modern Sociology." American Sociological Review. vol. 26 (April 1961). Zald, Mayer & John McCarthy (eds.). The Dynamics Cambridge, Movements. Social of Winthrop, 1979.