رحلة ألكسندر ونت من "نظرية اجتماعية للسياسة الدولية" إلى "توحيد الأنطولوجيا الفيزيائية والاجتماعية"

Sarah Nasser سارة ناصر |

.Social Theory of International Politics عنوان الكتاب الأول في لغته: نظرية اجتماعية للسياسة الدولية عنوان الكتاب:. المؤلف: ألكسندر ونت.Alexander Wendt سنة النشر:.1999 الناشر: مطبعة جامعة كامبريدج. عدد الصفحات: 294 صفحة.

عنوان الكتاب: ا لعقل الكوانتي والعلوم الاجتماعية: نحو توحيد الأنطولوجيا الفيزيائية والاجتماعية. المؤلف: ألكسندر ونت.Alexander Wendt سنة النشر:.2015 الناشر: مطبعة جامعة كامبريدج. عدد الصفحات: 354 صفحة.

Alexander Wendt's Journey from Social Theory of International Relations to Unifying Social and Physical Ontology

.Quantum Mind and Social Science: Unifying Physical and Social Ontology عنوان الكتاب الثاني في لغته:

مقدمة

لا أرى، بصفتي باحثًا خاض نقاشات الحقل نحو خمسة وعشرين عامًا، أيّ تقدّم إزاء إنهائها. صحيٌحٌ أنّ باحثي الحقل قد صاروا أكثر دراية بمسائله، إلا أن حال النقاشات لا يزال كما عهدناه. وحين يتعلق الأمر بأسس الحقل الأنطولوجية والإبستيمولوجية، فإننا نجد أنفسنا في "أرض الارتباك" ولا أمل لنا بالفرار منها  1. شهد حقل العلاقات الدولية، منذ نشأته بوصفه اختصاصًا علمًّيًا في جامعة آبريستويث ويلز في عام 1919، سلسلة من التحولات البردايمية التي اتخذت شكل نقاشات كبرى ظلّت تعّب رعن تاريخ تطور أفكاره حيال نفسه، وحيال العالم الذي يبتغي فهمه وتفسيره. انطلق النقاش الأول بين المثاليين والواقعيين، وانتهى بهيمنة المنظور الواقعي الرافض لطوباوية المثاليين وتفاؤلهم حيال السلام العالمي. وأعقبه النقاش الثاني بين التقليديين والسلوكيين في ستينيات القرن العشرين حول ضرورة استبدال المناهج التقليدية بأخرى قائمة على الفرضيات السببية القابلة للاختبار الإمبريقي؛ ومع صعود الإسهامات السلوكية في الولايات المتحدة الأميركية، أفل نجم الإسهامات التقليدية وصارت السلوكية بردايمًا راسخًا في الحقل. أما النقاش الثالث فقد برز في ثمانينيات القرن العشرين بين العقلانيين والتأمليين، واحتدم على أسس إبستيمولوجية نافح فيها العقلانيون من جهة عن الإبستيمولوجيا الوضعية المتأثرة بالسلوكية، في حين دافع التأمليون من جهة أخرى عن الإبستيمولوجيا ما بعد الوضعية التي تأخذ تعقيدات العالم الاجتماعي في الاعتبار  2. في خضم النقاش الثالث، تنامت الأدبيات البنائية وذاع من بينها صيت إسهام ألكسندر ونت التوفيقي، نظرية اجتماعية للسياسة الدولية، بوصفه رًّدًا على افتراضات التيار العقلاني السائد، الواقعية الجديدة والليبرالية المؤسساتية، في حقل العلاقات الدولية. وقد انتظم إسهامه في جزأين أساسيين، يقدّم في أولهما استجابة فلسفية يعيد من خلالها النظر في الأنطولوجيا المادية والفردانية البارزة في أعمال منظّر الواقعية الجديدة، كينيث والتز، ومنظّر الليبرالية المؤسساتية، روبرت كيوهان؛ وذلك عبر إقحام نظرية اجتماعية بديلة في فهم طبيعة السياسة الدولية وفاعليها. في حين يهدف الجزء الثاني من كتابه إلى إبراز القيمة المضافة لنسخته من البنائية الاجتماعية، وما تقدّمه من أدوات مفهومية ونظرية تتحدى افتراضات التيار السائد حول طبيعة النظام الدولي وفاعليه، وفي الوقت نفسه لا تتجاوز الأسس الإبستيمولوجية الوضعية التي يُجمع عليها أنصار ذلك التيار. ومع وضوح التقارب بين البنائية، خاصة نسخة ونت منها، والتيار السائد على حساب إقصاء التأمليين والنقديين، برزت مراجعات من داخل الحقل وخارجه تدفع نحو نقاٍشٍ جديد عابر للاختصاصات، وهو نقاش يلاقح حقول العلوم الطبيعية بحقول العلوم الاجتماعية. وبعد مضيّ ما يقارب خمسة عشر عامًا، بدا ونت كأنه قد ركب موجة النقاش الجديد. فمن التراكب والتشابك والنزعة الاحتمالية إلى اللايقين الكامن في فلسفة الكوانتوم Quantum، يقدم ونت فيما يقارب ثلاثمئة صفحة محاولة جريئة يعيد من خلالها فهم العلوم الاجتماعية والسلوك الإنساني بعدسة كوانتية. يأتي كتابه الثاني، العقل الكوانتي والعلوم الاجتماعية: نحو توحيد الأنطولوجيا الفيزيائية والاجتماعية، في سياق الأدبيات الفلسفية الرامية إلى الاستفادة من مفاهيم فلسفة فيزياء الكوانتوم في طرح مخارج ناجعة من النقاشات الكبرى في فلسفة العلوم الاجتماعية؛ إذ إنه يؤكد في مقدمة كتابه أن وصول النقاشات ما وراء النظرية في حقل العلاقات الدولية إلى طريق مسدود رسّ خ اليقين بأن أطراف النقاشات هذه لا تزال تتبنى افتراضات مغلوطة حيال الواقع؛ وهو ما دفعه إلى الارتحال خارج حدود العلوم الاجتماعية تقصيًا لحلول تنقذ الحقل من حالة الجمود التي يعيشها. وهكذا، وعبر بناء ونت على إسهام دانا زوهار وإيان مارشال، المجتمع الكوانتي The Quantum Society، الذي جادلا من خلاله بأن العقل والحياة الاجتماعية ظاهرتان كوانتيتان، يقدم في كتابه تحقيقًا أكاديميًا في مدى صحة هذه الحجة. وبخلاف كتابه السابق الذائع الصيت، نظرية اجتماعية في السياسة الدولية، الذي ناقش من خلاله أبعادًا فلسفية من دون تجاوز الجوانب ذات الصلة بحقل العلاقات الدولية، سعى كتابه الأخير لتقديم معالجة فلسفية محضة يعدنا في مطلعها بجزء آخر من الكتاب يلامس فيه أبرز مسائل الحقل. في ضوء كل ذلك، تُعنى هذه المراجعة بعرض كتاَب يونت، نظرية اجتماعية للسياسية الدولية، و العقل الكوانتي والعلوم الاجتماعية نحو توحيد الأنطولوجيا الفيزيائية والاجتماعية، الصادَرَين عن مطبعة جامعة كامبريدج Press University Cambridge، في سنَتَي 1999 و 2015 على التوالي. وتنطوي على استعراٍضٍ لأبرز الحجج في الكتابين، مع تقديم خلاصات نقدية عنهما، وإلقاء الضوء على مواضع الانقطاع والاستمرارية بينهما.

  1. Alexander Wendt, Quantum Mind and Social Science: Unifying Physical and Social Ontology (Cambridge: Cambridge University Press, 2015), p. 1.
  2. 2  للمزيد عن هذه النقاشات، ينظر: ميليا كوركي وكولن وايت، "العلاقات الدولية والعلوم الاجتماعية"، في: نظريات العلاقات الدولية: التخصص والتنوع، تيم دان وميليا كوركي وستيف سميث (محررون)، ترجمة ديما الخضرا (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2016)؛ Ole Waever, "The Rise and Fall of the Inter-Paradigm Debate," in: International Theory: Positivism and Beyond , Steve Smith, Ken Booth & Marysia Zalewski (eds.) (Cambridge: Cambridge University Press, 2009).

أولًا: نظرية اجتماعية للسياسة الدولية

بعد مرور عشرين عامًا على صدور كتاب منظّر الواقعية الجديدة الأبرز، كينيث والتز، نظرية السياسة الدولية، ذاع صيت كتاب ونت، نظرية اجتماعية للسياسة الدولية. ويميل كثير من الباحثين، ومن بينهم ستيف سميث، إلى القول إن تشابه عنواَن يالكتابين ليس من قبيل المصادفة؛ ذلك أنّ ونت سعى في كتابه لتقديم مقاربة بنائية تتقاطع تارة مع بعض الافتراضات الواقعية، وتشتبك معها تارة أخرى 3. فقد خطّ حجج هذا الكتاب ببراعة وتعقيد منقطَعَي النظير، كأنه إبّان كتابته كان يضع في الحسبان ما قد يطاوله من نقد، وما قد يؤاحذ به من مواقف، حرص كل الحرص على الإفصاح عنها بحذر بالغ. وتتأسس حجة هذا الكتاب على مبدأين أساسيين، أولهما التركيز على الأفكار البينذاتية بوصفها أساسًا للبنى الإنسانية (أو الاجتماعية.) أما ثانيهما فيتجلى في أن مصالح الفاعلين وهوياتهم) 4 تُبنى من خلال هذه الأفكار (ص 1. وينقسم الكتاب إلى جزأين أساسيين يتفرعان إلى سبعة فصول. واستنادًا إلى النقاشات الدائرة في النظرية الاجتماعية، يرسم ونت في الفصل الأول مصفوفة تضم أربع سوسيولوجيات محتملة لطبيعة البنى الدولية. يتمحور النقاش الأول حول المدى الذي يمكن من خلاله اعتبار البنى مادية أو اجتماعية، في حين يدور النقاش الثاني حول طبيعة العلاقة بين هذه البنى وفاعليها. ويتضمن هذان النقاشان موقفين رئيسين يشكلان في نهاية المطاف أربع سوسيولوجيات و"أنطولوجيات" لتفسير طبيعة البنى، وهي: الأنطولوجيا المادية في مقابل الأنطولوجيا المتعلقة بالأفكار، والأنطولوجيا الفردانية في مقابل الأنطولوجيا الُكُلّية. وفي حين تُعليي الرؤى المادية من شأن الموارد الطبيعية والجغرافيا والقدرات العسكرية، يؤكد أنصار الرؤى المتعلقة بالأفكار Ideational، الذين يموضع ونت نفسه بينهم، أهمية المعايير والقواعد والمؤسسات في تفسير البنى الاجتماعية (ص. 22-24) ولعل أبرز ما أتى به هذا الفصل يتجلى في سعيه الصريح لبلوغ أرضية نظرية لحجته تتوسط Via media أطراف النقاش الثالث في حقل العلاقات الدولية عبر توفيقها بين منطلقاته الأنطولوجية المتعلقة بالأفكار، ومنطلقاته الإبستيمولوجية الوضعية (ص. 39) ينطلق ونت في الفصل الثاني من السؤال الآتي: "كيف يمكنني أن أكون وضعيًا وفي الوقت نفسه بنائيًا؟" (ص. 47) وليجيب عن هذا السؤال، يعكف على تطوير الأساس الإبستيمولوجي الملائم لحجته التوفيقية عبر تقديمه الواقعية العلمية Scientific Realism باعتبارها شرط إمكاٍنٍ لها (ص. 90) تشير الواقعية العلمية إلى فلسفة للعلم تفترض أن العالم موجود على نحو مستقل عن الإنسان، وأن النظريات العلمية قادرة على تفسير أبعاد العالم؛ حتى تلك الأبعاد التي لا تتم ملاحظتها على نحو مباشر (ص. 1-47)5 يهدف ونت من انتقاء هذه الأرضية إلى مجابهة رفض الإمبريقيين إطلاق افتراضات حيال الأبعاد غير القابلة للملاحظة؛ ما يؤدي دورًا في إعادة فهمنا للكيفية التي نفكر من خلالها في الحقائق الاجتماعية. ويميز بين التأثيرات السببية Causal والتكوينية Constitutive؛ بغية فهم الدور الذي تؤديه الأفكار في السياسة الدولية. فمن ناحية، يؤيد الوضعيون التفسيرات السببية التي تميل إلى طرح سؤاَل ي: "لماذا؟ وكيف؟"، في حين يميل ما بعد الوضعيين إلى تأييد التفسيرات التكوينية التي تطرح سؤاَليَن: "كيف أمكن ذلك؟" Possible? How و"ماذا؟" What؟ (ص. 78) بخلاف نظرية الاختيار العقلاني التي تجادل بأن الأفكار مجرد وسائل غير سببية تدرك الدول من خلالها مصالحها المعطاة من خارجها (خارجية المنشأ)، يجادل ونت في الفصل الثالث من كتابه بأن توزيع القوة في السياسة الدولية محكوم في نهاية المطاف بالأفكار Ideas، إلا أن هذا لا يعني أن الأفكار أهم من القوة المادية، بقدر ما يعني أن القيمة التفسيرية لنظرية والتز البنيوية المرتكزة على مفهوم الفوضى وتوزيع القدرات المادية تكمن في توزيع المصالح Interest of Distribution، وأن هذه المصالح محكومة بالأفكار (ص. 96) ولأن نظرة ونت إلى العوامل المادية تختلف في منطلقاتها عن أقرانه البنائيين النقديين الذين ينفون استقلالية التأثيرات السببية للقوى المادية (ص. 110)، فإنه يدافع في نسخته البنائية عن تصور أقل حدة من ناحية نزعتها المادية Materialism Rump. ويحيل هذا التصور إلى ثلاثة أنواع من التأثيرات المستقلة على المجتمع، هي: توزيع القدرات، والمزيج التقني للقدرات المادية، والجغرافيا والموارد الطبيعية. ومن نقاش الأنطولوجيا المادية في مقابل الأنطولوجيا المتعلقة بالأفكار Materialism vs. Idealism Debate إلى نقاش الفاعل في مقابل البنية Debate Structure vs. Agent، يكشف في الفصل الرابع عن البعد الآخر من بنائيته. ففي حين أوضح الفصل الثالث أن بنائية ونت تستند إلى الأنطولوجيا المتعلقة بالأفكار Idealism من دون نفيه أهمية الأبعاد المادية السالفة الذكر، يستأنف الحديث عن الأبعاد البنيوية في بنائيته مستهلًاالفصل بالسؤالين التاليين: ما الذي يعنيه قولنا بوجود بنية من الأفكار في النظام؟ وما طبيعة التأثيرات في هذه البنية؟ فيما يتعلق بالسؤال الأول، يحرص ونت على التثبيت

  1. Steve Smith, "Wendt's World," Review of International Studies , vol. 26, no. 1 (2000), p. 151.
  2. 4  سندرج الإحالات إلى الكتابين في المتن، وما دمنا سنتناول كل كتاب على حدة (باستثناء القسم الأخير من المراجعة)، فإن القارئ لن يواجه مشكلة في التمييز بينهما.

المنهجي Methodological Bracketing لبنى المعرفة الخاصة Knowledge Private للفاعلين، تزامنًا مع أشكلته البنى المشتركة التي تأخذ شكل توزيع اجتماعي للمعرفة (أي شكل ثقافة معينة) (ص. 141) أدت الثقافة دورًا في نقاش الفاعل - البنية بين البنائيين والواقعيين في حقل العلاقات الدولية؛ وهو ما تمخّض عنه موقفان: النزعة الكلانية، والنزعة Holism الفردانية Individualism (ص. 142) وفي حين يجادل الكلانيون بأن البنى غير قابلة للاختزال في مجرد خصائص الفاعلين الفردانية، ينطلق الفردانيون من موقف يقول باستقلالية الفاعلين بعضهم عن بعض وعدم اعتمادهم على البنى المحيطة بهم (ص. 155) ويرتبط هذا النقاش بالسؤال الثاني المتعلق بطبيعة تأثيرات البنية. فمن ناحية يميل أنصار النظرة الفردانية، على غرار منظري الاختيار العقلاني، إلى الحديث عن تأثيرات سببية للبنية تؤثر فقط على مستوى سلوك الفاعل العقلاني المستقل 169-167(.) ومن ناحية أخرى، ينافح أنصار النظرة الكلانية - وونت من بينهم - عن دور البنى "التكويني" أو المكوّن لهويات الفاعلين ومصالحهم وسلوكاتهم. أما الفصل الخامس من الكتاب فيهدف إلى تطبيق نسخة ونت من البنائية الاجتماعية على موضوعات ذات صلة بالسياسة الدولية، ويلقي الضوء، على وجه التحديد، على مسألة الدولة وإمكانية الحديث عن امتلاكها صفات بشرية مثل الاعتقاد والقصد والرغبة. وينتظم الفصل في إطار تحقيق ثلاثة أهداف، هي: تجسيد الدولة عبر المحاجّة بأنها فاعل لا يختزل في الأجزاء المجتمعية التي ينشأ عنها، والحديث عن الطبيعة "الحية" للدولة عبر استعراض مصالحها الموضوعية والذاتية وهوياتها الأربع، وإثبات أن الدولة ذات أسبقية وجودية على النظام الدولي (ص. 197-198) ولعل الفصل السادس، "ثلاث ثقافات للفوضى" Anarchy of Cultures Three، يمثل أحد أكثر الفصول تداولًا في أوساط الباحثين، ففيه يلقي ونت الضوء على قصور التصورات الواقعية الجديدة لمفهوم الفوضى؛ ذلك أن الفوضى عند الواقعيين الجدد أنظمة تتأصل فيها ممارسة الاعتماد على النفس وتتمخض عنها تنافسات عسكرية وتوازنات للقوى، بل حروب في بعض الأحيان (ص. 247) وتكمن مشكلة هذه التصورات في أن الفوضى ليست وعاءً فارغًا كما يدّعي هؤلاء (ص. 249)، بل إنها تحتمل، وفقًا لونت، ثلاث ثقافات أو لها ثلاثة أشكال للمنطق؛ هي: المنطق الهوبزي Hobbesian Logic، والمنطق اللوكي Lockean Logic، والمنطق الكانطي Logic Kantian. وفيما يتعلق بتصورات الواقعيين للبنية، كان والتز قد سعى لتعريفها وفق ثلاثة مبادئ: الأول، هو المبدأ الناظم لترتيب الوحدات المتفاعلة، والثاني، هو المبدأ الذي يميّز الوحدات المتفاعلة ووظائفها، والثالث، هو مبدأ توزيع القدرات المادية. بالنسبة إلى المبدأ الأول، يعرّف والتز الفوضى بوصفها مبدأ ثابتًا تنتظم فيه تفاعلات الدول. أما المبدأ الثاني، فيتجاوزه على اعتبار أن السياسة الدولية ليست محلًاللتمايزات التي قد تجد لها مكانًا في السياسة الداخلية؛ ذلك أن الدول كيانات موحدة وعقلانية وظيفتها السعي الدائم لتعظيم مصالحها النسبية. وهكذا يبقى المتغير الوحيد في البنية الدولية هو توزيع القدرات المادية للدول (ص. 252) ومن خلال التركيز على المبدأ الأول، أي الفوضى، يفصّل ونت في ثقافاته الثلاث من ناحية طبيعة الثقافة بوصفها موقفًا تجاه الآخر، ومن ناحية درجة تذويتها من الفاعلين. وتتأسس الثقافة الهوبزية على سيادة منطق العداء بين الفاعلين إثر تبادل التمثيلات السلبية بين الأنا والآخر، ولأنها تقوم على منطق حرب الجميع ضد الجميع، ولا يُعترف بحق الآخر في الوجود بوصفه كيانًا مستقلًا، بل تُستباح ممارسة العنف تجاهه (ص. 260) وهكذا، نظرًا إلى صعوبة التعاون بين الفاعلين، فإن ما يغلب على نظام الفوضى الهوبزية هو مبدأ الاعتماد على النفس، وما يسود في هذا النظام هو أربع نزعات أساسية: الأولى، هي الحرب التي وإن كبحتها الاعتبارات المادية، عرضًّيًا، تظل حقيقة محتملة في أي لحظة. أما الثانية، فهي الميل إلى القضاء على الفاعلين الأضعف عسكريًا. وتتجلى الثالثة في أن الدول القوية ستحاول تجنب الإقصاء عبر موازنة قواها مع الدول الأخرى. والرابعة هي حتمية انخراط جميع الفاعلين في الصراع وصعوبة اتخاذ موقف الحياد (ص. 265-266) أما فيما يتعلق بدرجة تذويت الفاعلين هذه الثقافة، فيجادل ونت بأن امتثالهم لمعايير الثقافة الهوبزية وقيمها يرجع إلى ممارسة الإكراه القائمة على التهديد بالعقاب (ص. 268)، ومن ثم، فإن درجة استيعاب هذه الثقافة تقتصر على مستوى سلوك الفاعلين، وحالما يتوقف الإكراه تتوقف الدول تبعًا لذلك عن الامتثال. أما الثقافة اللوكية فتؤدي فيها الدول دور المنافس Rival. ويؤكد ونت أن التمثيلات المتبادلة بين المتنافسين تجعلهم يتصرفون كما لو أنهم يعترفون بسيادة بعضهم بعضًا وبحقهم في الحياة والحرية، الأمر الذي يكبح أيّ محاولات للسيطرة، مع بقاء فكرة العنف والصراع ملازمة لهم (ص. 279) وتولّد الثقافة اللوكية، في نظر ونت، أربعة اتجاهات: أولها، قبول فكرة الحرب المقيدة؛ فمن ناحية، لا تقيد هذه الثقافة قدرة الدول على ممارسة العنف لتحقيق مصالحها الذاتية، بل تعتبر الحرب أمرًا شرعيًا لكنه أقل شيوعًا وعنفًا من الثقافة الهوبزية. وثانيها وجود عضوية للدول المعترف بسيادتها. وثالثها ميل الدول نحو موازنة القوى نتيجة الاعتراف المتبادل بسيادة بعضها بعضًا. ورابعها الحياد، أو اللامبالاة المتبادلة الناجمة عن استقرار الدول في نظام عش ودع غيرك يعش Live and Let Live System "!" ص). 285 (

وبالنظر في مدى تذويت الدول هذه الثقافة، يجادل ونت بأن الفاعلين المتنافسين يلتزمون معايير الثقافة اللوكية من ناحية أنها تخدم مصالحهم الذاتية، وحينما تتغير حسابات التكاليف والفوائد، سيتوقف الفاعلون عن الامتثال (ص. 268) أما بالنسبة إلى الثقافة الكانطية، فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، بدت دول حلف شمال الأطلسي كأنها قد تجاوزت منطق التنافس ومضت قدمًا نحو منطق الصداقة؛ إذ إنها تمكّنت من حل نزاعاتها بطرائق سلمية، واستبدلت سعيها الفردي بسعي جماعي للأمن. لقد ظلّ الاهتمام بمنطق الصداقة في حقل العلاقات الدولية ضئيلًامقارنة بمنطق العداء، وتجلى ذلك في أن معظم الدراسات سعت لمعرفة أسباب الصراع والحرب، ولم تسَعَ لمعرفة أسباب السلام؛ على اعتبار أن الصداقة والسلام حالة طوباوية، بل مؤقتة مصيرها التقهقر إلى العداء والحرب. ومع ذلك، يؤكد ونت أن الثقافة الكانطية منطق ملائم لوصف طبيعة العلاقة بين الديمقراطيات؛ إذ أدت المعرفة المشتركة بين هذه الدول دورًا في تغيير معاني التنافس المرتبطة بالقدرات العسكرية إلى معاٍنٍ تعاونية تعلمت الدول من خلالها أن تعمل معًا للدفاع بعضها عن بعض في مواجهة التهديدات الأمنية (ص. 00-298)3 ولأن الثقافة الكانطية قائمة على التعلم، فإن تذويت الدول لها ناجم عن تذويت معاييرها لتصبح جزءًا لا يتجزأ من هوياتها ومصالحها وسلوكاتها. وفي الفصل السابع (الأخير)، يقدم ونت محاولة لفهم الكيفية التي تدوم/ تتحول من خلالها ثقافات الفوضى الدولية. وينتظم الفصل في ثلاثة أجزاء أساسية، يستعرض في الجزء الأول نموذجًا تطوريًا لتشُّكُل الهوية؛ ويعالج ونت من خلاله سيرورة إنتاج الهويات وإعادة إنتاجها اجتماعيًا؛ ويحاجّ في الجزء الثاني بأن التحولات البنيوية في السياسة الدولية تتضمن تأسيس هوية جماعية؛ أما في الجزء الثالث، فيعكف على تطوير نظرية سببية تفّس رتأسيس الهوية الجماعية في ظل الفوضى الدولية، وفيه يقترح أربعة متغيرات رئيسة، هي: الاعتماد المتبادل، والمصير المشترك، والتجانس، وضبط النفس (ص. 317)

ثانيًا: العقل الكوانتي والعلوم الاجتماعية: نحو توحيد الأنطولوجيا الفيزيائية والاجتماعية

تتأسس الحجة الأساسية، في كتاب ونت الثاني، على افتراض أن الوعي وجميع الظواهر البشرية المقصودة Intended خاضعة لميكانيكا الكوانتوم (أو ميكانيكا الكم)، فالبشر هم في نهاية المطاف، حقيقة وليسوا مجازًا، دالات مَوجية تحافظ على تماسكها الكوانتي Coherence Quantum حتى على المستوى العياني. وهي حجة اقتضت دحض الرأي السائد القائل إن التطبيق العمليي لفيزياء الكوانتوم مقتصر على الجسيمات ما دون الذريّة Sub-atomic، وإن تأثيرات الكوانتوم تتلاشى إحصائيًا في المستوى العياني. يبحث ونت هذه الحجة عبر إثارته مشكلة العقل - الجسد Problem Mind-body المتمحورة حول صعوبة تفسير الحالات العقلية "الذاتية" عبر الحالات الدماغية "الموضوعية" التي لا تحمل أثرًا للعقلية فيها. ارتبطت هذه الصعوبة، في النظرة الكلاسيكية للعالم، بصعوبة نشأة الوعي من عالم مادي؛ إذ لطالما اعتبر أنصار النظرة الكلاسيكية من باحثي العلوم الاجتماعية الوعي مسلّمة قّلمّا تجري مَشَكَلُتُها، بوصفها نقيضًا للموضوعية والانضباط العلمي. وبناءً على ذلك، يجادل ونت بأن أعمق الخلافات الفلسفية في العلوم الاجتماعية ما هي إلا تمظهرات فرعية لمشكلة العقل - الجسد التي طالما تجاهلها الباحثون، وبهذا يكون تحدي الافتراضات الكلاسيكية لهذه الإشكالية أساسًا لحلحلة نقاشات الوضعية - ما بعد الوضعية، والمادي - الاجتماعي، والفاعل - البنية، التي طال أمدها في الحقل نحو حلول جديدة تقدمها فلسفة الكوانتوم. وتتكشف أطروحات الكتاب الأساسية في خمسة أجزاء تنبثق من طيات كل جزء منها فصوٌلٌ فرعية تلامس أبعادًا مختلفة من الأطروحات. وعلى اعتبار تكشّف معظم حجج الكتاب في أول ثلاثة أجزاء منه، فإن القدر الأكبر من الاستفاضة سيتمحور حولها من دون الانصراف عن رسم الملامح الأساسية لبقية الحجج المهمة. ينظر الجزء الأول من الكتاب، "نظرية الكوانتوم وتفسيراتها"، في "لغزين" من أعمق ألغاز العلم الحديث؛ هما الكيفية التي نفسر من خلالها الوعي، والكيفية التي نفهم من خلالها ميكانيكا الكوانتوم. ويرتبط هذان اللغزان أولًابإشكالية التصالح مع النظرة الكلاسيكية للعالم؛ وثانيًا بحقيقة أن ميكانيكا الكوانتوم، بخلاف الفيزياء الكلاسيكية، ترتبط بمسألة الوعي وعلاقته بالعالم المادي. ومن هذا الباب، يهدف هذا الجزء إلى منح القارئ في حقول العلوم الاجتماعية فهمًاتمهيديًا لنظرية الكوانتوم ومفاهيمها المفصلية وما يدور حولها من نقاشات تعامل معها ونت بأسلوب تجلّت من خلاله مراعاُتُه أن القارئ ليست له معرفة مسبقة بفيزياء الكوانتوم وما قد تثيره من مضامين رياضية مستعصية. ويؤكد في مطلع هذا الجزء أن الحديث عن فيزياء كوانتوم بلا معادلات رياضية قد يبدو ضربًا من الخيال. إلا أن المفاجأة تكمن في أن فهمنا لنظرية الكوانتوم وما قد تثيره من أسئلة ميتافيزيقية ترشد تعاملنا مع الواقع لا يستلزم منا تجويد أدواتها الرياضية؛ ذلك أن كتابات علماء فيزياء الكوانتوم كانت قد تداولت المشكلات الفلسفية وما يتمخض عنها من مفاهيم ونقاشات بلغة تخلو من التعقيدات الرياضية (ص. 9)3

وعمومًا، ينتظم هذا الجزء كما ليي: أولًا، تقديم أسس نظرية الكوانتوم ومفاهيمها الجوهرية عبر استعراض ثلاث من أشهر التجارب التي كشفت نتائجها عن السمات المميزة للمجال الكوانتي؛ ثانيًا، مناقشة ستة تحديات واجهت من خلالها النظرة الكوانتية المنظور الكلاسيكي للعالم؛ ثالثًا، استعراض خمسة مواقف أساسية لتفسير شكل العالم. فيما يتعلق بالتجارب الثلاث، يبدأ ونت في استعراض تجربة الشق المزدوج Experiment Two-Slit، التي تضرب جذورها في أكثر معضلات الفيزياء الكلاسيكية جدلًا، وهي معضلة ما إذا كان الضوء جَُسَيمًاأم موجةً. آثر إسحاق نيوتن، انطلاقًا من رؤيته الذرية للعالم، أن ينافح عن نظرية الجسيمات التي لاقت رواجًا بين علماء الفيزياء إبّان القرن الثامن عشر، وذلك حتى عام 1801، حين أجرى توماس يونغ تجربته التي حسم من خلالها الجدل لفائدة الفكرة القائلة إن الضوء عبارة عن موجة 5. المثير للاهتمام في تجربته هذه هو أان الضوء وإن كان يخلق نمطًا متداخل Interference Pattern في اللحظة التي يعبر من خلالها الشّقيّن مؤكدًا بذلك سماته الَمَوجية، فإن هذا النمط يتلاشى عند إضافة الكواشف التي تُجري قياسات على هذين الشّقيّن، ذلك أن إلكترونات الضوء تعود للتصرف كما لو كانت جسيمات. من هنا، كان الاستنتاج أنّ الإلكترون ما دامت لا تجري ملاحظته/ مراقبته "يتصرف" كما لو كان موجة؛ وما إن يخضع للملاحظة يعود للتصرف كما لو كان جَسَيمًا. يقود هذا الاستنتاج إلى تأكيد مسألتين أساسيتين في العالم الكوانتي، هما: أولًا، عدم قابلية الانفصال بين الُمُراِقِب والمراَقَب وتشكيلهما نظامًا واحدًا للكشف. ثانيًا، دور القياس في إحداث تحوٍّلٍ ما سواء كان ذلك على مستوى المعاني الأنطولوجية أو الإبستيمولوجية (ص. 6)4 وبعد ذلك، ينتقل ونت إلى مبرهنة الفيزيائي الإيرلندي جون بل، Experiment Bell، التي سعى من خلالها لتجاوز منطق الواقعية المحلية Local Reality ي الفيزياء الكلاسيكية: مبدأ الواقعية القائم على مبدَأ Reality، الذي يؤكد أن العالم موجود على نحو مستقل عن عقل الإنسان، ومبدأ المحلية/ المكانية Locality، الذي يؤكد أنه لا يوجد تأثير سببي قادر على الانتشار أسرع من الضوء، ما يدحض ما أسماه ألبرت آينشتاين. وفي Spooky Action at a Distance الفعل المخيف من بعيد مبرهنته هذه، شكّك بِل في التفسيرات التي قدمتها الواقعية المحلية للعالم، ممهدًا بذلك لإمكانية النظر في السببية اللامحلية Causation Non-local التي أكد الكوانتيون صحّتها. وأخيرًا، يستعرض ونت تجارب الاختيار المؤجل Delayed-Choice Experiments للفيزيائي جون ويلر، والتي حاول من خلالها معرفة ما إذا كان من الممكن تحديد الزمن الذي يحسم فيه الفوتون قراره بأن يتخذ شكل جسيم أو موجة، وهي التجارب التي وسّعها ويلر لاحقًا، في تسعينيات القرن العشرين، لتشمل النظر في سلوك الفوتونات على نطاق كوني  6، مؤكدًا أن الفوتون في فترة ما قبل القياس يكون في حالة تراكب مَوجية Superposition، أما في مرحلة ما بعد القياس فإن خصائصه الفعلية لا تتغير، بل ما يتغير هو قدرته على اتخاذ خاصية فعلية واحدة؛ أي إن التاريخ الفعليي للفوتون يتحدد إبّان عملية قياسه، في حين يبقى تاريخه "المحتمل"، أو ما يمكن أن يحدث له، أمرًا غير بدهي وغير يقيني. وهو ما يترتب عليه تشكيك فيزياء الكوانتوم في التصور الكلاسيكي للزمن المغلق، وفتح المجال أمام إمكانية النظر إلى الماضي والمستقبل بوصفهما ظاهرتين مفتوحتين تتضمنان أحداثًا محتملة قد لا تحدث فعليًا في الواقع (ص. 56-57) ينتقل ونت، بعد ذلك، إلى مناقشة ستة من الافتراضات التي تأسست عليها النظرة الكلاسيكية للفيزياء، مشيرًا إلى الكيفية التي تحدّتها بها ميكانيكا الكوانتوم. ويتجلى أول هذه الافتراضات في النظرة المادية Materialism التي أكدت أن الواقع يتكون حصرًا من المادة غير الحية التي يغيب عنها أيّ أثر للعقل والوعي. وهي النظرة التي دُحضت على أساس أن الجزيئات في المستوى ما دون الذرّي ليست أشياء بالمعنى المادي للكلمة؛ ذلك أننا لا نمتلك أيّ دليل يزعم عكس ذلك حتى نُخضع هذه الجزئيات للقياس،

  1. 5  في تجربته هذه "يضع يونغ مصدرًا للضوء خلف شاشة معتمة بها شق صغير يمر الضوء من خلاله في شكل حزمة مركزة. تصطدم هذه الحزمة بشاشة أخرى فيها شقّان متقاربان يمر الضوء من خلالهما إلى الشاشة الثالثة والأخيرة الخالية من الشقوق. ويجادل يونغ، بأنه في حال كان الضوء عبارة عن جسيمات، فإن ما نتوقع رؤيته على الشاشة الثالثة هو مناطق ساطعة ناتجة من عبور الضوء من الشَّقيَن، كما نتوقع وجود مناطق معتمة ناجمة عن اصطدام جسيمات الضوء بالجسيمات المحيطة بالشَّقيَن. مع ذلك، فإن ما لاحظه يونغ كان عبارة عن نمط متداخل Pattern Interference من تناوب الحزم المضيئة والمظلمة، وهو النمط الذي يمكن توقعه في حال كان الضوء عبارة عن موجة. وتفسير ذلك يعود إلى أن التقاء قمة موجة أولى بقمة موجة ثانية ينجم عنه تضخّم هاتين الموجتين، فنرى على الشاشة مناطق ساطعة. أما في اللحظات التي تلتقي فيها قمة موجة أولى بقاع موجة ثانية، فُتُلغي هاتان الموجتان إحداهما الأخرى ونرى على الشاشة مناطق مظلمة" (ص. 43-44)
  2. 6  يشير ونت إلى أن "ويلر ينطلق من اكتشاف آينشتاين بأن الجاذبية انحناء زمني - مكاني يؤدي إلى انحناء الضوء؛ ليجادل بأنه إذا كان الضوء الصادر عن النجم الزائف كويزار Quasar، الذي يعد ظاهرة تبعد مليارات السنين الضوئية عن الأرض، يستغرق وقتًا طويلًا للوصول إلينا، فإنه بالإمكان القول إن ما يصل إلينا يعكس ما كان يحدث في الكويزار ذلك الوقت وليس اليوم، بل من الممكن أن يكون الكويزار قد اختفى منذ فترة طويلة. إذًا، حين ننظر إلى النجوم الزائفة، فإن ما نشاهده حرفيًا هو الماضي البعيد جدًا. والآن، لو افترضنا أن المجرة تقع في المنتصف بين الكويزار والأرض، وأن لهذه المجرة جاذبية تجعل الضوء القادم من الكويزار ينحني حول المجرة يمينًا ويسارًا، لتتقاطع بعد ذلك الأشعة المنحنية وهلة قبل أن تعود إلى اتجاهاتها المختلفة، السؤال هنا، هل سيمر الفوتون إلى اليمين أو اليسار؟ تجيب الفيزياء الكلاسيكية بأن الاختيار يمتنع حين يواجه الفوتون المجرة في المنتصف، أما فيزياء الكوانتوم فتجادل بأن اختيارنا إجراء القياس يؤثر في وصف ما حدث بالماضي. ولكن أيّ ماٍضٍ؟ هنا، يؤكد ويلر أن الفوتون في مرحلة ما قبل القياس يأخذ شكل موجة تتسم بطبيعة تراكبية. أما في مرحلة ما بعد القياس، فالتغير يحدث لا في خصائصه الفعلية، بل في قدرته على اتخاذ خاصية فعلية واحدة، ومن ثم، فإجراء القياس يحدد تاريخ الفوتون الفعليي لا المحتمل" (ص. 56-57)

أما ما قبل القياس فتظل هذه الجزئيات موجودة في حالة دالات مَوجية تفتقر إلى الصلابة أو الكتلة 7. وأما ثاني هذه الافتراضات، فيتعلق بالأنطولوجيا الذرّية Atomism التي تأسست على ثلاثة ادعاءات، هي: 1) قابلية الأجسام الكبيرة للاختزال في خصائص الأجسام الأصغر حجمًا وتفاعلاتها؛ 2) امتلاك الأجسام خصائص محددة؛)3 قابلية الأجسام لفصل بعضها عن بعض على نحو تام، ما يلغي إمكانية تأثرها بعلاقاتها مع الأجسام الأخرى؛)4 اعتبار هويتها محكومة حصرًا بموقعها وزمانها الداخلَييَن. تعرّض الادعاء الأول للتحدي حتى بين أوساط الكلاسيكيين أنفسهم؛ على اعتبار أن الكّل Whole في كثير من الأحيان أكثر من مجرد مجموع أجزائه Parts التي يُختزل فيها. في حين شمل النقد الادعاء الثاني وفق مبدأ اللايقين الذي نفى إمكانية امتلاك الكائنات خصائص محددة؛ على اعتبار أن خصائص الأجسام بمنزلة تراكبات احتمالية تتحدد يقينًا إبّان لحظة القياس. أما الادعاء الثالث فقد تصدى له مفهوم التشابك Entanglement الذي يشير إلى الطبيعة العلائقية في الأنظمة الكوانتية وعدم خضوعها لمنطق قابلية الفصل التام، ومفهوم اللامحلية Non-locality الذي يفتح مج لًالإمكانية التواصل والتآثر بين الأجسام المنفصلة عن بعضها (ص. 60-61) ثم ينتقل ونت ليقدم الإرادة الحرة والخاصية الاحتمالية للأنظمة الكوانتية بوصفهما تحديًا للافتراض الكلاسيكي الثالث المتمثل في الأنطولوجيا الحتمية Determinism. وفي هذا السياق، يشير، سيرًا على خطى بروس غيلمور وزملائه، إلى أن التخليي عن النظرة الفيزيائية القائلة بإمكانية تابعية Supervene الحالات الكلّية للحالات الجزئية يتيح انتقال الظواهر اللاحتمية الكوانتية تصاعديًا إلى المستويات الكلّية؛ ما يفتح مج لًالتباحث مفاهيم على غرار الإرادة الحرة (ص. 62-63) وأما رابع هذه الافتراضات فيرتبط بالنظرة الميكانيكية Mechanism التي تموضع الطبيعة الآلية والمحلية في قلب توصيفها لمبدأ السببية المقتصر، بحسب هذه النظرة، على الظواهر المادية دون العقلية. وقد تحدّت النظرية الكوانتية هذا الافتراض عبر استدلاَليَن؛ يتعلق الأول بغياب الأسباب الكامنة في انهيار الدالة الَمَوجية عند قياسها، في حين يتأسس الثاني على إثباتات مبرهنة بِل بوجود ترابطات علائقية لامحلية بين أنظمة الكوانتوم المتشابكة. وهو ما يفسح المجال لثلاثة تصورات بديلة: أولها أن تستبدل السببية الفيزيائية للمستويات الجزئية بإطار تكامليي Complementarity؛ وثانيها أن يتوسع توصيف مفهوم السببية ليشمل السببية اللامحلية؛ وثالثها إقحام الأبعاد العقلية، غير المادية، عند تفسير انهيار الدالة الَمَوجية والسببية اللامحلية (ص. 63-64) أما خامس تلك الافتراضات، فيتجلى في افتراض الزمان والمكان المطلقين Absolute Space and Time الذي نسلت منه ادعاءات تحاجّ بمحلية المكان وخطية الزمان واستمراريته. وهي الادعاءات التي شملها نقد لاذع من نظرية الكوانتوم في ثلاثة مواضع: أولها أن موقع/ مكان الجزيئات غير قابل للتحديد إلى حين لحظة قياسها؛ وثانيها انتفاء مبدأ المحلية عبر إثباتات تجارب بِل؛ وثالثها اعتبار الزمان والمكان ظاهرتين منبثقتين Emerge من العلاقات وليس العكس (ص. 65-66) أما آخر تلك الافتراضات، فيتمثل في تمييز الكلاسيكيين بين الذات والموضوع Distinction Subject-object، عبر موضعتهم البشر في دور المتفرج على الطبيعة لا المشارك في أفعالها؛ على اعتبارها خطوة علمية ضرورية للحيلولة دون تلوّث العلم باختيارات البشر ومعتقداتهم الذاتية. وقد طرح هذا التمييز إشكالية من منظور الكوانتوم ارتبطت بحقيقة أن القياس قادر على إحداث تحولات على مستوى المعاني الأنطولوجية أو الإبستيمولوجية؛ وذلك منذ أن أصبح المراقب متشابكًا Entangled - لا محالة - مع عملية انتقال الدالات الَمَوجية من عالم الكوانتوم الاحتمالي إلى عالم الحقائق الكلاسيكي العياني  8 (ص).67-66 بعد أن يستعرض ونت الكيفيَةَ التي تتحدى من خلالها نظرية الكوانتوم أعتى افتراضات الفيزياء الكلاسيكية، ينتقل إلى مناقشة الكيفية التي اشتبكت بها خمسة تفسيرات كوانتية مع الإشكالات الثلاثة التالية: 1) كيف يمكن مواءمة المظاهر الكلاسيكية مع الواقع الكوانتي؟ 2) لماذا تنهار الدالة الَمَوجية؟)3 مكانة العقل في الطبيعة؟ وبالتركيز على السؤال الأخير، ينطلق من مشكلة العقل - الجسد لُيُجري تمييزًا بين المنطلقات الواقعية "الأنطولوجية" التي تندرج ضمنها تفسيرات مادية وتفسيرات متعلقة بالأفكار، والمنطلقات الأداتية "الإبستيمولوجية." ففي حين يجادل الواقعيون "الأنطولوجيون"،

  1. 7  يؤكد ونت أن بعض علماء الفيزياء كانوا قد حاولوا توسيع مفهوم المادة لتشمل نتائج فيزياء الكوانتوم، "إلا أن جهودهم هذه ظلّت محدودة في ظل الاكتشافات المستمرة في الحقل والتي تجعل من محتوى المادية أكثر قابلية للتبدل، فضلًاعن احتمالية توصّل الفيزيائيين إلى حقيقة تموضع العقل باعتباره أساسًا للواقع، ما سيعيد تعريف الأنطولوجيا المادية على أنها أنطولوجيا متعلقة بالأفكار وغير قابلة للدحض" (ص. 59-60)
  2. 8  ابتكر إرفين شرودنغر، في سياق دفاعه عن النظرة الكلاسيكية للعالم، تجربة من أشهر التجارب الذهنية في فيزياء الكوانتوم، وهي تجربة القطة الحية الميتة. يدور سيناريو هذه التجربة الذهنية حول قطة توضع داخل صندوق مغلق مع قنينة مليئة بغازات قاتلة يتم إطلاقها ميكانيكيًا بطريقة عشوائية. ويتساءل شرودنغر عما يجري داخل الصندوق وعن حال القطة قبل فتحه، مؤكدًا أنه وفقًا للنظرة الكلاسيكية للعالم يجب أن تكون القطة في حالة واحدة وأن فتح الصندوق ما هو إلا تأكيد لما قد حدث لها بالفعل. أما في النظرة الكوانتية فتكون القطة في حالة تراكب Superposition حتى لحظة فتح الصندوق وإجراء القياس عبر المراقب (ص. 69)

على غرار تفسير جي آر دبليو  GRW 9، بأن نظرية الكوانتوم قادرة على توصيف الواقع، يميل الأداتيون "الإبستيمولوجيون"، على غرار تفسير كوبنهاغن  10، إلى عَِّدِ الكوانتوم مجرد أداة للتنبؤ بنتائج التجارب. وضمن فئة الواقعية الأنطولوجية، تنافح الرؤية المادية عن التفسيرات المتماشية مع النظرة التي تفند إمكانية وجود بعد عقليي أساسي في المادة، في حين تفترض الأنطولوجيا المتعلقة بالأفكار وجود دور أساسي للعقل في الواقع، وهو دور لا يمكن اختزاله في المادة. من هذا الباب، ينتقي ونت النفسانية الشاملة Panpsychism ويجعلها أرضية تجسيرية بين الأنطولوجيا المادية والأنطولوجيا المتعلقة بالأفكار (ص 72، 73، 89.) في الجزء الثاني، "الوعي الكوانتي والحياة"، يمعن ونت النظر في مسألة ترابط الوعي وفيزياء الكوانتوم، متحدّيًا بذلك عددًا من الافتراضات والمفاهيم الكلاسيكية التي اقترحها فلاسفة الفيزياء  11وفلاسفة العلوم الاجتماعية  12 حول الوعي وأدواره في الحياة. وفيه، يقدّم نظرية الوعي الكوانتي القادرة على التوفيق بين ثلاثة افتراضات أساسية، هي: 1) الافتراض المادي لنظرية الدماغ الكوانتي، الذي يرى أن الدماغ قادر على الحفاظ على حالات كوانتية متماسكة "فعلية"؛ ما بيكتلرا ةلكشب مفرعُيُ ال ملاحّاا مدّقي 13 Combination Problem التي ظلت فترة طويلة بمنزلة اعتراض على النفسانية الشاملة؛ 2) الافتراض الميتافيزيقي للنفسانية الشاملة القائل إن الوعي كامن في بنية المادة نفسها؛)3 افتراض أن التماسك الكوانتي جوهر للحياة وقوة دافعة فيها (ص. 92) بدايةً، تفترض نظرية الدماغ الكوانتي أن العمليات الكوانتية في المستوى ما دون الذرّي يمكن تضخيمها وإبقاؤها في حالة تراكب على المستوى العياني للكائن الحي؛ إذ إن هذه النظرية تعمل على توسيع الخصائص المعروفة لأنظمة الكوانتوم التي تسري على الإلكترونات والفوتونات، لتصف من خلالها الكيانات الأكبر حجمًا، مثل الدماغ الذي يظل في حالة تراكب احتمالية ولا يتحقق واقعيًا إلا بالإدراك وما يعقبه من إرادة تؤدي إلى انهيار دالته الَمَوجية (ص. 95) ففي حالة التماسك الكوانتي، يكون الدماغ مجرد دالة مَوجية احتمالية، وليس حقيقيًا بالمعنى الكلاسيكي للحقيقي، بل يصير كذلك عند انهيار دالته الموجية وفك ترابطه De-coherence. وعلى الرغم من أن نظرية الدماغ الكوانتي تمكنت من دمج عناصر الوعي المتعددة في وعي موحّد للدماغ، فإنها عجزت عن تقديم حل واضح لمشكلة العقل - الجسد؛ ذلك أنها لم تستطع تفسير السبب الكامن في وعي الأدمغة. ومع ذلك، فقد فتحت هذه النظرية المجال أمام ونت ليعكس كل الغرابة الكوانتية التي تحدث على المستوى ما دون الذرّي إلى المستوى الذرّي؛ ما حفز الجزء الثاني من نظريته، أي النفسانية الشاملة، التي عَّدَها بديلًاأكثر إقناعًا لمشكلة العقل - الجسد من المادية والثنائية  14. وتقترح النفسانية الشاملة أن الوعي ليس مجرد خاصية بشرية تتميز بها المواد الشديدة التعقيد، بل تذهب إلى بنية المادة نفسها لتجادل بأن الوعي ممتد من المستوى الذرّي إلى المستوى ما دون الذرّي Down Way the All. ويرى ونت أن حجة مثل هذه تعدّ مقبولة؛ ذلك أنه بخلاف الفيزياء الكلاسيكية التي يترادف فيها معنى الفيزيائي Physical مع المادي Material، تنهار في فيزياء الكوانتوم كل المفاهيم الكلاسيكية المألوفة عن مادية المادة؛ ما يفتح مج لًالتقديم فهم فيزيائي لا يتعارض مع افتراض "وعي المادة" في النفسانية الشاملة. وبتركيزه على جانب النفس Psyche في النفسانية الشاملة، يستعرض الأبعاد الثلاثة للذاتية 16: الإدراك Cognition، والخبرة Experience، والإرادة Will. فإذا كان الإدراك يعادل التفكير، فإن الخبرة، أو الوعي، تعادل الشعور Feeling، ومع الإدراك بوصفه دالة مَوجية تنهار في شكل تجربة، تكون الإرادة، إذًا، هي القوة السببية الكامنة في هذا الانهيار (ص. 121) ومن الأدمغة الكوانتية والنفسانية الشاملة التي ساعدته في أشكلة الوعي إلى المستوى ما دون الذرّي، يعكس ونت مرآته التحليلية عودة إلى المستوى الذرّي العياني؛ عبر المحاَّجَة بأن الحياة الاجتماعية لا تختلف جوهريًا عن حياة الجسيمات ما دون الذرّية (ص. 131) وهنا، يقدّم ونت الأنطولوجيا الحيوية Vitalism 17 التي يجادل

  1. 9  تتأسس نظرية جي آر دبليو، التي تعود تسميتها إلى الحروف الأولى من كنية منظّريها جيانكارلو جيراردي، وألبرتو ريميني، وتوليو ويبر، على محاولة تجاوز الإشكاليات الأساسية في معادلة شرودنغر التي تسمح بتراكب الحالات العيانية التي لم تجر ملاحظتها في الواقع. يتمثل حلّهم في تعديل معادلته عبر افتراض أن الأنظمة الكوانتية تخضع لمحلية تلقائية، تقتضي احتمالية انهيار النظام عشوائيًا من حالة كوانتية إلى حالة كلاسيكية (ص. 76)
  2. 10  يعمل هذا التفسير على تثبيت السؤال الأنطولوجي المتعلق بشكل العالم الكوانتي لفائدة مَْشَْكَلة السؤال الإبستيمولوجي المتعلق بنوع المعرفة التي يمكن التوصل إليها بشأن العالم الكوانتي (ص. 73)
  3. 11  كان فلاسفة علم الفيزياء قد تداولوا دور الوعي في عملية القياس بمعزل عن مشكلة العقل - الجسد.
  4. 12  يشكّك فلاسفة العلوم الاجتماعية في نجاعة الحلول التي تقدمها نظرية الكوانتوم للتعامل مع إشكالية الوعي.
  5. 13  أي كيف يمكن دمج مليارات العناصر الواعية في المادة في الوعي الوحدوي للدماغ؟
  6. 14  بالنسبة إلى الماديين، يتمثل التحدي في إبراز الكيفية التي يمكن من خلالها تفسير العقل، سواء أكان ذلك من منطلقات اختزالية، أو انبثاقية، تتأسس على مركزية المادة الميتة التي تفتقر إلى أي أثر للعقل بداخلها. أما أنصار الثنائية، وإن كانوا يجادلون بفرادة العقل على المستويات الأنطولوجية، فإنهم يتقاطعون مع الماديين في اعتبار المادة مفتقرة إلى أشكال الحياة أو العقل فيها. 15  مرادف للنفس لدى باحثي العلوم الاجتماعية.
  7. 16  باتت هذه الأنطولوجيا مرفوضة عالمًّيًا بسبب تعاملها مع الحياة بوصفها قوة غير مادية وغير قابلة للرصد.

من خلالها بأن التماسك الكوانتي هو الأساس المادي للحياة التي لا يمكن تفسيرها بالرجوع إلى مادة صّم اء ميتة، بل إلى قوة غير مادية وغير قابلة للرصد. غير أنه لا يحبذ إطلاق صفة اللامادية على مفهوم التماسك الكوانتي؛ إذ إنه في نهاية المطاف ظاهرة فيزيائية من المفترض أن تكون بعيدة كل البعد عن تكهنات الميتافيزيقيا والإلهام. وهنا يشير إلى أنّ عَّدَ التماسك الكوانتي ظاهرةً فيزيائيةً لا مادية يعني إعادة النظر في مدى إحكام الإغلاق السببي للفيزياء وفتح المجال لولوج المذاهب غير المادية، على غرار الحيوية والنفسانية الشاملة (ص 145-144، 147.) وفي الجزء الثالث، يعيد النظر في النموذج الكلاسيكي للإنسان مقترحًا استبداله بنموذج كوانتي للإنسان Man of Model Quantum، فينطلق من استعراض للأسس الخمسة التي ينبني عليها النموذج الكلاسيكي، وهي: أولًا، مادية الإنسان الكلاسيكي، بمعنى أن حالاته الأنطولوجية العقلية ليست سوى حالات دماغية، غير أن هذا لا يعني بالضرورة افتقاره إلى الوعي، بل إن حل مشكلة العقل - الجسد، كما يقترح أنصار هذا المنظور، يكمن في التعامل مع العقل بوصفه ظاهرة ثانوية من دون الحاجة إلى إقحام قواه الملتبسة التي لا يمكن تفسيرها كلاسيكيًا. ثانيًا، قابلية الإنسان الكلاسيكي للانفصال عن الآخرين عقليًا وجسديًا. ثالثًا، اتصاف خصائص الإنسان الكلاسيكي في المستوى الجزئي بالتحديد والواقعية. أما على المستوى الكّلي، فغالبًا ما يعاني الناس التناقض والشك والحالات الذهنية غير المحددة. رابعًا، اقتصار استجابة الإنسان الكلاسيكي للقوى السببية المحلية Local سواء أكان منبع هذه القوى بيئة خارجية أم إدراكات داخلية متجلية في مستوى السلوك. خامسًا، يتحدد سلوك الإنسان الكلاسيكي من خلال اقتران الأسباب الداخلية والخارجية في جسده؛ ما يعني غياب الإرادة الحرّة عنه (ص. 151-152) تتجاهل هذه النظرة الكلاسيكية الخبرَةَ والمعنى والغاية؛ على اعتبار أن الخبرة وعي لا ترصده المادية، والمعنى ينتفي بانتفاء الخبرة، والغاية تتناقض مع مادية العالم الآلية، الأمر الذي يجعل تصورات هذه النظرة للإنسان تقدمه بوصفه آلة أو في أحسن أحواله زومبي (ميت حي:)! آلة إن نظرنا إلى افتراضات نظرية الاختيار العقلاني، وزومبي إن التفتنا إلى التفسيرات الاجتماعية المهيمنة على تصورات النظرية الاجتماعية؛ والتي من خلالها يقتصر سلوك الإنسان على إعادة إنتاج الأعراف والثقافة من دون أدنى تأمل. بمعنى آخر، ما يقدمه ونت هو اقتراح رؤية لإنسان كوانتي حٍّيٍ وواٍعٍ (ص. 152-153) ويدعم حجته بنتائج عالَمَي النفس، دانيال تفرسكي وعاموس كانيمان، التي أكدا من خلالها وجود أنماط سلوكية شاذة تحيد عن تنبؤات نظريَتَي القرار الكلاسيكية والاختيار العقلاني. وهي الأنماط التي أثبتت أن البشر في الواقع يخالفون الافتراضات العقلانية المتوقعة حيال سلوكاتهم وتشكيل تفضيلاتهم. من هذا المنطلق، يقحم ونت نظرية الاختيار الكوانتي التي طورها منذ عشر سنوات علماء النفس والفيزياء الرياضية، والتي تسمح لصانعي القرار بتشكيل احتمالات وتفضيلات وفق منطق الكوانتوم؛ عبر التشكيك في مسألة تعظيم المنفعة بوصفه خيارًا عقلانيًا  18، والتشكيك في محلية العلاقات بين الذوات، بل التشكيك في عقلانية اتخاذ القرار في معزٍلٍ عن العاطفة والوعي  19 (ص). 167-166 أما في الجزء الرابع، وعنوانه "اللغة والضوء والعقول الأخرى"، فيحاول ونت ببساطة إنجاز ثلاث مهمات: الأولى هي إجراء مراجعة للأدبيات البارزة في مسألة دلالات الكوانتوم  20 Semantics Quantum، وهي تُظهر أن نظرية الكوانتوم تقدّم طرقًا مقنعة لنمذجة إنتاج المعنى اللغوي، وأثر هذه الطرق في النقاش بين المناهج التركيبية والسياقية للغة  21؛ أما الثانية، فهي تقديم نموذج كوانتي للتفكير في مسألة العقول الأخرى  22. فبعيدًا عن النظرة الكلاسيكية التي تتصور عقولنا كآلات تعالج المعلومات بصورة محلية، محددة وغير مباشرة، يجادل النموذج الكوانتي لمصلحة تشابك عقولنا اللامحليي والمباشر عبر اللغة والسياق؛ والثالثة هي ادعاؤه أن ما يميز الأفراد في حالة التشابك مع البنى الاجتماعية هو أنهم غير قابلين للفصل التام بعضهم عن بعض Separable Fully Not، مقترحًا، من منطلق كوانتي للإدراك، وجود معنى حرفي لمقولة دانيال كولاك "أنا أنت" في أفعالنا الداخلية؛ فبحسب ونت "أنا أنت؛ بقدر ما تتشابك دوالّنا الَمَوجية عبر اللغة؛ وأنا أنت، حين تنهار دوالّنا في أفعالنا البينذاتيّة؛ وأنا أنت، حين نعيش حياتنا الخاصة. قد تكون الحدود بيننا غير واضحة كما هي حدود المحيطات، شمال المحيط الهادئ ليس كجنوب المحيط الأطلسي، إلا أننا على مستوى اللاوعي المشترك كلنا جزء من "المحيط الواحد" (ص. 242) يتمثل مقترح ونت، إذًا، في أن التشابك اللغوي يربط

  1. 17  على اعتبار أن العقل البشري في حالة تراكب لا في حالة محددة يمكن تعظيمها.
  2. 18  يجري اتخاذ القرار الكوانتي بطريقة تشمل الدماغ وما يكتنفه من عواطف ووعي لا تستثنيها؛ فصحيح أن علماء الأعصاب كانوا قد حاجّوا من أجل الترابط بين العقل والعاطفة في عملية صنع القرار في ظل اللايقين، إلا أن الكوانتوم تقدمها بوصفها مصدرًا لصنع القرار.
  3. 19  تؤكد دلالات الكوانتوم على أن الحالة الأساسية لمفهوٍمٍ ما يمكن تخيّلها بوصفها تراكبًا للمعاني المحتملة؛ إذ يكون لكل منها متّجه خاص داخل دالته الَمَوجية.
  4. 20  هذا نقاش طويل في اللسانيات، يتناول ما إذا كان المعنى مبنًّيًا من وحدات دلالية أصغر لها محتوى جوهري كما يجادل أنصار وجهة النظر التركيبية، أم أنه يعتمد، على نحو غير قابل للاختزال، على السياق المحّل يكما يجادل أنصار وجهة النظر السياقية.
  5. 21  ترجع مسألة العقول الأخرى إلى تمييز الفلاسفة بين مشكلتين: الأولى مشكلة معرفية، تتمثل في "قراءة ذهنية" لمعرفة ما يفكر فيه الآخرون، والثانية مشكلة أعمق تتجلى في معرفة ما إذا كان لدى الآخرين عقول مشتركة في المقام الأول. ومع ذلك، فإن المسألة في العلوم الاجتماعية تتجلى في كيفية معرفتنا أفكار الآخرين. والجواب السائد هو عبر آلية استنتاجية غير مباشرة.

الجسيمات ما دون الذرّية لتشِّكِل نظامًا كوانتيًا واحدًا (ص. 210)، واللغة مثل الضوء (ص. 233)، فهي كون دلالي وبنية أساسية يدرك من خلالها الأفراد أفكارهم ونيّاتهم وحالاتهم الذهنية وذكرياتهم الجماعية. أخيرًا، يعيد ونت، في الجزء الخامس، النظر في نقاش الفاعل - البنية من وجهة نظر كوانتية؛ ولأنه كان قد تطرق إلى الفاعلين الأفراد في الجزء الثالث، فإن تركيزه في هذا الجزء قد انصب على البنى الاجتماعية. ويتقاطع، عبر دفاعه عن أنطولوجيا ترفض إمكانية اعتبار البنى متعاليةً عن خصائص الفاعلين وتفاعلاتهم  23 (ص. 244)، مع منظور الممارساتيين Practice Theorist في رفضهم للسببية المنحدرة من البنى Causation Downward، والتي تفرض خطاب مستويات التحليل على الباحثين. إلا أنه يخالفهم في مسألة تثبيتهم الأنطولوجي للفاعلين والبنى وَمَْشَْكَلتهم الممارسة، مؤكدًا أنّ البنى الاجتماعية تنبثق من عالم الإمكانات الكوانتي إلى عالم الحقائق الكلاسيكي عبر الفاعلين (ص. 264) وكانت نتيجة ذلك كلّه أن قدّم ونت نموذجًا مجسّمًاثلاثيّ الأبعاد "هولوغرام" Holographic للدولة، تتشابك فيه الذوات الفردية الواعية في المجتمع عبر بنى اجتماعية تمكّن فاعليتها Agency وتمنحها أثرًا لامحليًا (ص. 246) فمن وجهة نظر كوانتية، الدولة دالة مَوجية لامحلية يتشاركها ملايين الأفراد عبر الزمان والمكان؛ إنها مجرد احتمال وليست واقعًا، حتى تتجسد واقعيًا عند انهيار الدالات الَمَوجية للأفراد مؤقتًا في شكل ممارساتهم اليومية على غرار التصويت ودفع الضرائب، أو الاستثنائية على غرار الحرب (ص. 268) ما يجعل الدولة، إذًا، حقيقة في لحظة ما هي ممارسات أفرادها المؤقتة؛ فعلى عكس الفاعلين الكلاسيكيين، يتشابك الفاعلون الكوانتيون اجتماعيًا عبر اللغة في حقائق بينذاتية خطابية تتعلق بالدولة (ص. 268-269) لذلك، حتى إن لم نكن قادرين على رؤية الدولة، عيانيًا، لوجودها في أذهاننا وممارساتنا الثلاثية الأبعاد، فمن خلال مراقبتها يمكننا إدراكها، الدولة في نهاية المطاف مثل قوس قزح، موجودة فقط حين ينظر إليها شخص ما (ص. 273) وهنا يصل ونت إلى مسألة الوعي الجماعي Collective Consciousness وشعور ال ""نحن We-feeling الذي يربط بين المشاعر والهوية على مستوى الجماعة (ص. 277)

ثالثًا: خلاصات نقدية حول "نظرية اجتماعية للسياسة الدولية"

لا شك في أن كتاب نظرية اجتماعية للسياسة الدولية يعدّ أحد أبرز النصوص المؤسسة  24 للمقاربة البنائية الاجتماعية في حقل العلاقات الدولية؛ إذ إن ونت سعى من خلاله للبرهنة على أن الإسهامات التي تقرّ بدور الأفكار في السياسة الدولية قادرة على بناء مشروع بحثي وعلمي واضح. وفيما ليي، نقدم ثلاثة استنتاجات نقدية عن الكتاب تتمحور حول: 1) موقف ونت الإبستيمولوجي الوسيط. 2) موقف ونت البنيوي.)3 نظرة ونت للعلاقة بين المادة والأفكار.

موقف ونت الوسيط

يقول ونت: "أنا وضعيّ، أتموضع في الوسط بين أطراف النقاش الثالث؛ لا لأنني أبتغي الوصول إلى إبستيمولوجيا انتقائية، بل لأنني لا أعتقد أن الأنطولوجيا المتعلقة بالأفكار تقتضي تبنّي الإبستيمولوجيا ما بعد الوضعية[...]؛ بناءً عليه، آمل أن أجد موقفًا وسيطًا في كل هذا" 25. هكذا موضع ونت نفسه في النقاش الإبستيمولوجي بين الوضعيين وما بعد الوضعيين؛ سعيًا منه للخروج بمساهمة تدفع نحو حقل تعددي يفتح المجال أمام الاتصال المعرفي بين طرَف يالنقيض. إلا أن توجهاته الوضعية كانت محلّ نقٍدٍ من أقرانه البنائيين الراديكاليين  26، الذين ما أجازوا قفزه على التعارض الجليّ بين مواقفه الأنطولوجية المتعلقة بالأفكار ومواقفه الإبستيمولوجية الوضعية Positivism. لم يأت النقد من بين أقرانه الراديكاليين فحسب، بل من أوساط التيار السائد، أيضًا، الذي سعى ونت للتقارب المعرفي معه، إلى حد قول روبرت كيوهين، منظّر المؤسساتية الجديدة، بأن التوقف عند بعض حجج ونت يجعل القارئ يشعر "كأنه مجرد عقلانيّ قد قرأ كتابات فوكو" 27. أما ستيف سميث، فلم يتفق مع محاولة ونت تطوير مقاربة "علمية" لدراسة العالم الاجتماعي؛ مشيرًا إلى أنه لا يصحّ أن يَُعُدّ نفسه منظّرًا منخرطًا في فلسفة "الفهم" Understanding ومتموضعًا في الأنطولوجيا نفسها إلى جانب النسوية، وما بعد الحداثة،

  1. 26  Robert O Keohane. "Ideas Part-Way Down," Review of International Studies , vol. 26, no. 1 (2000), pp. 125–130.
  2. ينبغي الإشارة هنا إلى أن كتاب نيكولاس أونوف  23 عالم من صُ نعنا World of our Making يعدّ الكتاب المؤسس الأول للمقاربة البنائية الاجتماعية في الحقل.
  3. Alexander Wendt, Social Theory of International Politics (Cambridge, UK: University Press, 1999), pp. 39- 40.
  4. 25  ينظر على سبيل المثال لا الحصر: Friedrich Kratochwil. "Constructing a New Orthodoxy? Wendt's 'Social Theory of International Politics' and the Constructivist Challenge," Millennium , vol. 29, no. 1 (January 2000), pp. 73–101.
  5. 22  اشتهرت هذه الأنطولوجيا بين أوساط ما بعد البنيويين أمثال لاتور ودولوز. وهي أنطولوجيا تتفق مع الفردانية في رفض الأنطولوجيات الهرمية.

والمدرسة الإنكليزية، ويؤمن في الوقت نفسه بأن الوضعية طريقٌ ملائم لفهم تعقيدات العالم الاجتماعي  28. أما ونت، فقد كان يأمل أن يكون كتابه هذا سببًا في تجاوز مصادر التشتت المعرفي والمضيّ نحو جماعة معرفية تسودها التعددية، "ُيُجري فيها الإمبريقيون تجاربهم التي يستنبطون من خلالها قوانين سلوكية، ويبني فيها العقلانيون نظرياتهم الاستنتاجية،[...]ويفكّر فيها المنظّرون النقديون في البنى العميقة" (ص. 91) والحقيقة أننا أمام مثل هذا الهدف نتساءل عن مسألتين: الأولى، لماذا لا يرغب ونت في الاعتراف بأن أهدافه هذه أقرب إلى طرح الانتقائية؟ والثانية، كيف سينجح منطٌقٌ مثل هذا وهو يرى إمكانية مضيّ كل باحٍثٍ بالنهج الذي يعتقد فيه الصواب؟ إذ كيف نوفّق، على سبيل المثال، بين من يرى ضرورة مقاربة مسألة ما وفق منطق الاستدلال الإحصائي ومن يرى مقاربتها بتحليل الخطاب؟

2. موقف ونت البنيوي

كنا قد أشرنا إلى أن نسخة ونت من البنائية الاجتماعية نافحت عن موقٍفٍ "كلاني" في نقاش الفاعل - البنية؛ على اعتبار أن بنية النظام تؤدي دورًا سببيًا، بل مشِّكِالًاللفاعلين وهوياتهم وسلوكهم. غير أن ثمة إشكاليتين تتمخضان عن موقف كهذا: تتعلق الأولى بمسألة غياب قدرة الفاعل على التأمل في تأثيرات البنية الدولية. وتتجلى الثانية في غياب دور الصورة المحلية عن تفسير السياسة الدولية. فيما يتعلق بالإشكالية الأولى، يصير جلًّيًا سعي ونت لتوسيع دور المعتقد Belief على حساب الرغبة Desire في نظرته للفاعلية البشرية؛ إذ إن خطوة كهذه كانت ضرورية لتجاوز الحديث عن إمكانية تأمل الفاعل في مخرجات البيئة الدولية. تقليديًا، دافع العقلانيون عن نظرة تفصل بين المعتقد والرغبة؛ فالرغبة تؤدي دورًا دافعًا للسلوك، في حين تمنح المعتقدات الفاعل القدرة على تصور العالم (ص. 119) ومع ذلك، لم يرَضَ ونت بمثل هذا الفصام، وسعى في كتابه للتوفيق بينهما عبر ما سماه "نظرية معرفية للرغبة"، وفيها يحاجّ بأن الرغبة شكل من أشكال المعتقدات المسؤولة عن تقييم العالم (ص. 122) سُتُلقي هذه النظرية بظلالها لاحقًا على تنظيره لثقافات الفوضى الدولية الثلاث؛ فنجده يجادل بأن الثقافة الدولية السائدة تؤدي دور المعتقدات التي تضفي على البعد المادي معناه وترشد الفاعلين إلى التصرف وفقًا لمنطق الملاءمة Appropriateness (ص. 262) وبهذا، يبدو كأن الفاعل، وفق منظور ونت، يفتقر إلى الإرادة الحرّة Will Free ويتأثر "حتميًا" بثقافة الفوضى السائدة. أمّا الإشكالية الثانية فتنبع من حقيقة أن تنظير ونت الُكلُانيّ حال دون مَْشَْكَلة الأبعاد المحلية للفاعلين، الأمر الذي أفضى إلى ظهور ثغرات في تنظيره لتحولات الهوية الجماعية في الفصل السابع؛ ذلك أنه لا يُشتَرَط أن يكون التحوّل في الهوية الجماعية أو الثقافة الدولية خطَّيَ الاتجاه، أي من ثقافة هوبزية إلى ثقافة كانطية؛ إذ قد تؤدي بعض العوامل المحلية دورًا في تحويل الثقافة الكانطية التعاونية إلى ثقافة لوكية تنافسية أو تحويل الثقافة اللوكية التنافسية إلى ثقافة هوبزية صراعية. وبخلاف هذه النظرة التي يحرص فيها ونت على التثبيت المنهجي للمستوى المحليي، يقدّم المنظّر البنائي، تيد هوف، في إسهامه رابطًا بين الهويات المحلية وتوجهات السياسة الخارجية، موكًّدًا اعتبارها – أي الهويات – فهومًا بينذاتية ترشد الفاعلين إلى معرفة التهديدات والفرص، والأعداء والأصدقاء في البيئة الدولية 29.

3. رؤية ونت للعلاقة بين المادة والأفكار

تعرّض منظور ونت للعلاقة بين المادة والأفكار إلى نقد تجلى أبرزه في مراجعات روبرت كيوهين وستيف سميث. فمن جانب، اعتبر كيوهين تنو لاؤس "؟ةيدالام ىوقلا نم مهأ راكفلاأ له "، لالًااضم لاؤًااس لأنه يفتح مج لًالإجابات مراوغة. وأكدّ في المقابل نجاعة استبداله بسؤال "كيف تتجلى أهمية الأفكار في الجانب المادي؟"؛ ذلك أن سؤلًاكهذا يحيل إلى إجاباٍتٍ تبحث عن الآليات السببية لكيفية تداخل الأفكار بالأبعاد المادية، ما يوضح الدور الذي تؤديه الأفكار في مسائل على غرار السلام الديمقراطي، والحركات الاجتماعية العابرة للحدود الوطنية، وغيرهما 30. ومن جانب آخر، وجد سميث شيئًا من الالتباس في تصورات ونت للعلاقة بين المادة والأفكار، مشيرًا إلى أن ونت يجادل في بعض المواضع بأن المادة المتمثلة في القوة والمصالح موجودة مستقلة عن الأفكار ولها تأثيراتها السببية، ويعود في مواضع أخرى ليجادل بأن الأفكار مسؤولة عن تشكيل محتوى المصالح. وهكذا، تارة تكون المادة متغيرًا سببيًا ذا أسبقية على الأفكار، وتارة أخرى تصير متغيرًا تابعًا متأثرًا بسببية الأفكار  31.

  1. 30  Steve Smith, "Wendt's World," Review of International Studies , vol. 26, no. 1 (2000), p. 154.
  2. Ted Hopf, Social Construction of International Politics: Identities & Foreign Policies, Moscow, 1955 and 1999 (Ithaca, NY: Cornell University Press, 2002).
  3. Robert O Keohane, "Ideas Part-Way Down," Review of International Studies , vol. 26, no. 1 (2000), p. 129.
  4. 27  Steve Smith, "Wendt's World," Review of International Studies , vol. 26, no. 1 (2000), pp. 151-163.

رابعًا: خلاصات نقدية حول "توحيد الأنطولوجيا الاجتماعية والفيزيائية"

نلقي في هذا القسم من المراجعة الضوء على خلاصتين رئيستين من كتاب ونت الثاني نحسبهما تقتضيان مزيدًا من التقصي والنظر. ولنوضح مسألة أساسية ههنا، وهي أن قيمة هذا الجزء تكمن في تجاوزه المنطق الذي يقول لو أن الباحث فعل كذا وكذا لكان أصوب وأقوم، والانتقال إلى المنطق الذي ينظر نقديًا في مدى اتساق حجج الكتاب ومفاهيمه مع منطقه الناظم وأسسه التي يحتكم إليها.

1. نظرية الممارسة ومستويات التحليل

إذا كان الشق الأول من عنوان الكتاب، "العقل الكوانتي"، قد تطرق إلى مسألة الوعي، فإنّ الشق الثاني من العنوان "توحيد الأنطولوجيا الفيزيائية والاجتماعية" يُعدّ محط نقاشنا في هذا السياق. فمع مساعي ونت تجاوز النقاش المتعلق بالعوامل المادية في مقابل العوامل المتعلقة بالأفكار، قدّم في الجزء الثاني من كتابه ثلاث أطروحات رئيسة: أولًا، مفهوم التماسك الكوانتي بوصفه الأساس الفيزيائي للحياة. وثانيًا، النفسانية الشاملة بوصفها مدخلًاملائمًا لمساعي عقلنة المادة. وثالثًا، جعل من الحيوية الكوانتية أساسًا أنطولوجيًا فيزيائيًا يتعامل مع الذاتية بأبعادها الثلاثة: الإدراك، والخبرة الشعورية، والإرادة (ص 145-144، 147.) وعلى الرغم من أن ونت كان قد استعان بأدبيات نظرية الممارسة Theory Practice، على غرار أعمال بيير بورديو وثيودور شاتزكي، في مواضع عدة على رأسها التمهيد لوجهة النظر الكوانتية حيال نقاش الفاعل - البنية، فإنه لم يستعرض ما قد تقدمه هذه الأدبيات من إمكانات تتجاوز نقاش العوامل المادية في مقابل العوامل المتعلقة بالأفكار  32. فعلى سبيل المثال، تتميز أعمال شاتزكي التي تحوّل الممارسة من فعل إلى منطلق أنطولوجي، بفتح المجال أمام إمكانية التفاعل بين أربع أنطولوجيات، هي المادية والاجتماعية والفاعل والبنية، وفي حال نقصان إحداها تنتفي إمكانية الحديث عن الممارسة؛ فهي قائمة إذًا على دمٍجٍ بين المكونات الأربعة، وقابلة في الوقت ذاته للتحليل بالعودة إلى إحداها فقط. ومن خلال التركيز على الفاعل، في حين تتعامل الحيوية الكوانتية مع الذاتية باعتبارها تجربة إدراكية شعورية، يقدّم شاتزكي تصورًا أكثر شمولًا واتساعًا للممارسة بوصفها أداءً ل "الوجود الإنساني" ينبني على أربعة أبعاد: حالة الإدراك الواعي بالحواس الخمس، والظروف المتعلقة بالأفكار مثل المعتقدات والتوجهات، والسلوكات التي تصف ما يقوم به المرء من أفعال، والمشاعر المفِّسر ة لوجود المرء في العالم في لحظة معينة، وتتجلى في بُعده السلوكي 33. من ناحية أخرى، يقودنا نقاش الفاعل - البنية إلى التناقضات المتجلية في موقف ونت حيال مسألة مستويات التحليل، صحيح أنه كان قد أكد مشاركته الممارساتيين وجهة النظر الرافضة لخطاب مستويات التحليل، بل موافقته إياهم على حقيقة اعتبار السببية المنحدرة إلى أسفل أمرًا مضللًا(ص. 264)، ومع ذلك فإن منطق عمل بعض المفاهيم التي يتبناها لا يصحّ في معزل عن مستويات التحليل. فعلى سبيل المثال، يشير ونت إلى أن "النفسانية الشاملة تأخذ بالتأثير العياني المعروف – إاننا واعون – نزول Downward إلى المستوى ما دون الذرّي، لتصبح المادة ذات تفكير جوهري" (ص. 1)3 فضلًاعن ذلك، يؤكد أن نظرية العقل الكوانتي "تأخذ التأثيرات في المستوى ما دون الذرّي صعودًا Upward إلى المستوى العياني للعقل" (ص. 1)3 وهكذا نجد الكتاب يعج بالمصطلحات التي تدعم حقيقة أن ونت لم يتمكن من الفكاك تمامًا من منطق المستويات؛ ففيما يقارب الخمس عشرة مرة في الكتاب، أتى على ذكر مصطلَحَي نزولًا/ صعودًا Downward Upward/، في حين أنه استخدم مفهوم المستويات الجزئية والكلية Levels Macro Micro/ نحو خمسة وستين موضعًا في الكتاب.

2. الإدراك والعاطفة والتنافر الإدراكي

صحيح أنّ ونت، في سياق تداوله لمضامين الذاتية الثلاثة، كان قد أكد أن مفهوم الإدراك يشير إلى كل الوظائف المرتبطة بعملية التفكير اللاواعية التي من بينها معالجة المعلومات وتخزينها في الذاكرة، ومن ثم استعادتها والتعلم من دروسها مستقبلًا، إلا أن تصوراته لهذا المفهوم تعارضت مع حججه الناقدة للمنظور الكلاسيكي عن صنع القرار العقلاني. فعلى الرغم من أن تصوره للإدراك يعطي قرائن على قبوله إمكانية الفصل بين الأبعاد الإدراكية العقلانية الباردة والأبعاد العاطفية الواعية والحارّة، فإننا نجده في الفصل الثالث من الكتاب يعود ليلقي الضوء على أهمية العاطفة في صنع القرار العقلاني. ففي خضمّ دفاعه عن نظرية القرار الكوانتي، يشير إلى أنه بخلاف نظرية المنفعة المتوقعة Expected Utility Theory ذات الأسس الاحتمالية المؤكدة لضرورة استبعاد العاطفة اللاعقلانية عن مجال العقل، تفتح نظرية القرار الكوانتي مج لًالإغناء مفهوم العقلانية عبر نمذجة الأبعاد العاطفية في إطار صنع القرار (ص. 167)

  1. 31  يشير هذا إلى مخاطر عودة ونت إلى الوضعية التي تنطلق من نموذٍجٍ ما وتحاول فرض
  2. افتراضاته ومفاهيمه على الواقع الاجتماعي مع تغييب التفسيرات أو "التأويلات" الأخرى المهمة في السياق نفسه. 32  Theodore R. Schatzki, Social Practices: A Wittgensteinian Approach to Human Activity and the Social (Cambridge: Cambridge University Press, 1996).

تضرب جذور هذين الموقفين المتضاربين، أي الموقف الذي يقتصر الإدراك فيه على التفكير العقلاني البارد، والموقف الذي يوسّع مضامين العقلانية لتحتمل الأبعاد العاطفية، في نقاش تمحور حول طبيعة العلاقة بين العقل والعاطفة Debate Reason-emotion. فمن ناحية، قد تتقاطع منطلقات موقفه الأول مع المنظورات العقلية التي تأثرت بالمبدأ الديكارتي "أنا أفكر، إذًا أنا موجود" sum ergo Cogito,؛ إذ تُنِّصِب هذه المنظورات العقل لا العاطفة في مركز الكون، بوصفه المحرك للفعل الإنساني؛ فما يفعله المرء يتمخض في نهاية المطاف عما يدركه بعقله لا على ما تمليه عليه عواطفه 34. والعاطفة، وفق هذا المنظور، أشبه ب "سوائل يجاهد كل شخص في كبتها بداخله، إلا أنها تتنفس وتزبد بين فينة وأخرى" 35؛ وهو منظور كانت قد مهدت له كتابات سيغموند فرويد، التي تعاملت مع العاطفة بوصفها نزعات تنحصر في الأبعاد الغريزية والبيولوجية، من الممكن تقييدها أو ضبطها حتى لا تتداخل سلبيًا في ذاكرة الإنسان وتفكيره القويم. من ناحية أخرى، يتقاطع موقفه الثاني، الكوانتي، مع المنظورات التي تسعى لإقحام العاطفة في حيز العقلانية؛ إما بوصفها مصدرًا لا غنى عنه للأبعاد العقلانية 36، وإما بوصفها أبعادًا لا غنى عنها لاستمرارية النوع البشري  37. بعيدًا عن ضبابية موقفه حيال علاقة العاطفة بالإدراك، ومن خلال الالتفات إلى العوامل الأخرى التي قد تتداخل مع الإدراك إبّان عملية صنع القرار، يُستغرب عدم خوض ونت في مفهوم التنافر الإدراكي Dissonance Cognitive الذي يشير إلى التعارض/ التراكب المحتمل في أفكار الفرد ومعتقداته واتجاهاته وسلوكاته، والذي يفضي، في نظر ليون فستنغر، إلى محاولة استعادة الاتساق الإدراكي عبر تبديل السلوكات، من خلال الدافع الداخليي، والتبرير الذاتي، والبحث الانتقائي عن معلومات أو مواقف جديدة 38. فعلى الرغم من أن الإطار الاحتمالي الكلاسيكي لصنع القرار قد يعوق الباحثين أحيانًا عن تباحث مثل هذا المفهوم، فإن القيمة التفسيرية لنظرية القرار الكوانتي قد تجعلها أحد التخوم الواعدة لمعالجته. ففي دراسة سعت للبرهنة على أن العوامل الخفية تؤدي دورًا في تحقيق التوازن بين الإدراكات المتضاربة بغية استعادة الاتساق العقليي، جادلت بولينا كرينكوفا بضرورة التعامل مع التنافر الإدراكي بوصفه مصدرًا لاحتمالية غير كلاسيكية تنتهك صيغة بايز Bayes الشرطية   39، بل تنتهك قانون الاحتمال الكلاسيكي  40.

خاتمة: الانقطاع والاستمرارية في أعمال ونت وما بينهما: نظرة في الكتابين معًا

تتجلى ملامح الانقطاع بين الكتاَبيَن، موضوَعَي هذه المراجعة، في مسألة الأنطولوجيا وانعكاساتها على العلاقة بين العقل والمادة؛ ففي نظرية اجتماعية للسياسة الدولية، ينطلق ونت من الأنطولوجيا التابعية Supervenience ليجادل بأسبقية الثقافة على الطبيعة، وبأهمية الأفكار التي لا ينبغي أن تُختزل في مجرد اللحظات التي تتضاءل فيها أهمية القوة والمصلحة  41. بمعنى آخر، ينظر إلى العقل (أو الأفكار) بوصفه ذا طبيعة مستقلة عن المادة، وهي نظرة تضرب جذورها في فلسفة رينيه ديكارت الذي أسس لهذا الفصام. بخلاف ذلك، يحاجّ ونت في العقل الكوانتي من أجل التخليي عن المضامين الكلاسيكية لمفهوَمَي العقل والمادة، وذلك عبر تبني أنطولوجيا النفسانية الشاملة التي تزيل الفصام بين المفهومين بافتراض وعي المادة. خلافًا لذلك، يمكن تلمّس الاستمرارية بين الكتابين في "المقاربة البنائية" التي استأنفت سيرها من نظرية اجتماعية للسياسة الدولية إلى العقل الكوانتي الذي نالت منه حيزًا تجلى عند انتقال ونت من الأجزاء التي ركزت على المستوى ما دون الذرّي إلى الأجزاء التي ركزت على المستوى الذرّي. ففي لحظة الانتقال هذه، بدا كأنه قد خلع نظاراته الكوانتية التي أرته عالمًا احتماليًا معقدًا من الموجات والجسيمات، ليضع نظاراته البنائية التي أعادته إلى عالم الأفكار والبنى واللغة والبينذاتية. فنجده يتداول حججًا بشأن الدولة بوصفها بنية اجتماعية ذهنية تتشكل عبر الممارسات البينذاتية اللغوية للأفراد

  1. Jack Barbalet, Emotion, Social Theory and Social Structure: A Macrosociological Approach (Cambridge: Cambridge University Press, 2007), pp. 29-61.
  2. Barbara H. Rosenwein, "Worrying about Emotions in History," The American Historical Review , vol. 107, no. 3 (June 2002), pp. 834-836.
  3. Theodore Kemper, "Reason in Emotions or Emotions in Reason," Rationality and Society , vol. 5, no. 2 (1993), p. 278.
  4. 36  للمزيد حول هذه الإسهامات، ينظر: Randolph M. Nesse, "Evolutionary Explanations of Emotions," Human Nature , vol. 1, no. 3 (1990), pp. 261-289; Steven Pinker, How the Mind Works
  5. 37  ينظر:
  6. 38  تجادل مبرهنة بايز بأن معرفتنا لاحتمالية حدوث أمر ما ممكنة إْنْ أحطنا بالظروف المسبقة المحيطة به. 39  Polina Khrennikova, "A Quantum Framework for 'Sour Grapes' in Cognitive Dissonance," Quantum Interaction (2014), pp. 270-280. 40  Alexander Wendt, Social Theory of International Politics (Cambridge, UK: University Press, 1999), p. 371.
  7. (New York: W.W. Norton & Company, 1997), p. 374.
  8. Leon Festinger, A Theory of Cognitive Dissonance (Stanford, California: Stanford University Press, 1957).

الذين يتفاعلون ضمن شبكة مشتركة من المعاني والأعراف، بل نجد عباراته الكوانتية تتضاءل شيئًا فشيئًا إلى أن تصبح ضربًا من المجاز  42. وبين الانقطاع والاستمرارية تهيمن الوضعية التي لئن انقطع معها ونت بوصفها إبستيمولوجيا، فإنها ظلت تلازمه كلما تعلق الأمر بصوغ فهمه لكيفية ارتباط المفاهيم والعالم. فمن ناحية انقطاعه عن الإبستيمولوجيا الوضعية، يمكن أن نفهم كتابه الأول بوصفه محاولة لتجاوز الفخاخ التي علق بها أقرانه الراديكاليون الذين افتقرت إسهاماتهم ما بعد الوضعية إلى مشروع بحثي واضح. فمن جانب، يثبت لهم ونت، مستعينًا بالواقعية العلمية، سذاجة منافحتهم عن وجود ترابط متساوق بين الملاحظة والواقع. ومن جانب آخر، يستند إلى الإبستيمولوجيا الوضعية ليؤكد لهم، أي ما بعد الوضعيين، إمكانية الجمع بين الرؤى الأنطولوجية القائلة إن العالم مبنيّ اجتماعيًا، والقول بأهمية الدولة والقوى المادية والحسابات العقلانية. بخلاف ذلك، جاء كتابه الثاني بما ليي: أزال الحدود التي ابتدعتها الفيزياء الكلاسيكية بين المراقب والواقع (أي بين الملاِح ظ والملاَحَظ)، وأقحم الوعي في جوهر القوى المادية، واستعاض عن الحسابات العقلانية بحسابات كوانتية. أما من ناحية الوضعية بوصفها أساسًا لتصوراته المتعلقة بارتباط المفاهيم Positivism Order Higher، فصحيح أن أوليفر كيسلر كان قد احتفى بالتحولات الإبستيمولوجية التي أحدثها ونت في مواجهة البنائية الراديكالية داعيًا أنصارها إلى ضرورة المحافظة على مثل هذا الموقف الذي يمكن النظر إليه "بوصفه تدخلًا سياسيًا في الأكاديميا الأميركية التي تهيمن عليها النظرة الوضعية" 43، وبوصفه وسيلة لهدم الحدود العلمية ونقد البنائيين المعتدلين الذين لا يزالون يقايضون البنائية بالوضعية؛ إلا أنه ما فتئ يحذر من إمكانية الوقوع في فخ التقهقر نحو الوضعية 44، وهو تحذير نجده أقرب إلى توصيف واقع ما جرى فعلًا. في العقل الكوانتي، نافح ونت عن معتقده الخاص القائل إن "البشر دالات مَوجية تسير على أقدام، وذلك ليس من باب التشبيه والاستعارة، بل باعتباره ادعاءً واقعيًا بشأن ماهية الناس" (ص. 3) ومع تجليي تعامله مع "الدالة الَمَوجية" بوصفها خيطًا ناظمًايربط حججه ومفاهيمه، بل مع سعيها المتكرر لإثبات افتراضه إلى الحد الذي تعامل فيه مع فيزياء الكوانتوم ومفاهيمها بوصفها "الحقيقة الوجودية" أو "الحل المنتظر" لا بوصفها حججًا قابلة للدحض والتفنيد، بدا كأنه يفر من براثن الوضعية فقط، ليجد نفسه بين أحضانها من جديد. قد يكون ذلك مقبولًافي أطروحات أخرى - أعني الانطلاق من مسلّمة كهذه ونفي التعامل معها باعتبارها استعارة مفيدة - إلا أن هذا الطرح لا يصحّ عند النظر في مساعي إسهامه هذا تحديدًا؛ ذلك أنه كان قد قدّم كتابه بوصفه محاولة لتقديم اقتراح يتجاوز نقاشات الحقل المثنوية أنطولوجيًا وإبستيمولوجيًا، ومن أهمها نقاش الوضعية - ما بعد الوضعية. بناءً عليه، كيف يصح مسعاه هذا في ظل انخراطه في منطق تعميمي أشبه بمنطق الوضعيين؟ ففي مواضع كثيرة، بدا كأنه يشبع تفسيرات الواقع الاجتماعي بدلالات افتراضاته وشبكاته المفهومية؛ ما أدى به إلى القفز على بعض السنن المنطقية التي قد يفرضها الواقع الاجتماعي نفسه. فهو لم يوضح الضرورة خلف التحول نحو المنظور الكوانتي، بل كان جلّ ما قدّمه هو الثمرات المرجوة من إدراج شبكة مفهومية مثل الوعي الجماعي والإدراك والتجربة والإرادة، بل الدولة أيضًا، في إطار فيزياء الكوانتوم، مع سيولة مطّردة في تراتبية المفاهيم بحسب ما تقتضيه الحجّة في كل جزء؛ فتارة تكون الإرادة هي القوة الدافعة إلى انهيار الدالة الَمَوجية (ص. 121)، وتارات أخرى يرتبط انهيارها باللغة بوصفها حقيقة بينذاتية (ص. 242) تُعدّ أساسًا لترابط البشر الواقعي. وما بين هذه وتلك، غاب الثبات عن تراتبية المفاهيم في بعض المواضع. لم يتوقف منطق ونت التعميمي عند السيولة في تراتبية المفاهيم، بل شمل أيضًا التراتبية الأنطولوجية في حجته؛ فبالرغم من أنه اعتبر الوعي موجودًا عند كل مستوى للتحليل، والتي أفرد في معالجتها والتمهيد لها جزءًا كاملًاوشذراٍتٍ متفرقةً بين الفصول، فإنّ أولوية هذه الحجة تحدّتها حجّة الدالة الَمَوجية، في مواضع عدة في الكتاب، من خلال نحو ثلاثة عشر موضعًا 45، إلى حدّ أن الوعي نفسه بات يندرج ضمن إطار هذه الحجة؛ إذ إنه جادل بأن الوعي يُفَهَم بوصفه تجربة تتجلى في انهيار دالة الموجة وتحقق إمكاناتها. ومن هذا المنطلق، يجادل تورستن ميشيل بأن ثانوية مسألة الوعي في الكتاب تفضي حتمًاإلى اعتبار تفصيل ونت في مسائل الوعي والذات أمرًا غير مبرر، بل يقتضي استبداله بالنظر في وجود الدالات الَمَوجية وإمكاناتها .

  1. في هذا السياق، يعدّ كتاب محمد حمشي،  41 مدخل إلى نظرية التعقد في العلاقات الدولية، مث لًاآخر لاستخدام المفاهيم المستقاة من فيزياء الكوانتوم مجازيًا. ينظر: محمد حمشي، مدخل إلى نظرية التعقد في العلاقات الدولية (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2021
  2. Oliver Kessler, "The Mind-Body Problem and the Move from Supervenience to Quantum Mechanics," Millennium: Journal of International Studies , vol. 47, no. 1 (2018), pp. 74-86.
  3. Ibid., pp. 82, 85.
  4. 44  ينظر الصفحات: 3، 37، 97، 153، 154، 181 (في موضعين)، 201، 259، 283، 289،
  5. Torsten Michel, "Of Particles and Humans: The Question of 'Human Being' in Alexander Wendt's Quantum Mind and Social Science," Millennium , vol. 47, no. 1 (September 2018), p. 123.

ختامًا، يمكن القول إن تبنّي ونت الوضعية في كتابه الأول كان نتيجة محاولته بناء أرضية معرفية مشتركة يتجاوز الحقل من خلالها خلافاته، في حين أن انفصاله عنها في كتابه الثاني نبع من إدراكه أن المخرج من نقاشات الحقل لن يأتي هذه المرة بتوفيٍقٍ من الداخل. وعلى الرغم من ارتحاله إلى الفيزياء الكوانتية، فإنّ إسهامه ظلّ مشغولًابطرح الأسئلة النابعة من هموم حقل العلاقات الدولية.

المراجع

العربية

حمشي، محمد. مدخل إلى نظرية التعقد في العلاقات الدولية. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2021 نظريات العلاقات الدولية: التخصص والتنوع. تيم دان وميليا كوركي وستيف سميث (محررون.) ترجمة ديما الخضرا. بيروت/ الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2016

الأجنبية

Barbalet, Jack. Emotion, Social Theory and Social Structure: A Macrosociological Approach. Cambridge: Cambridge University Press, 2007.

Festinger, Leon. A Theory of Cognitive Dissonance. Stanford, California: Stanford University Press, 1957. Hopf, Ted. Social Construction of International Politics: Identities & Foreign Policies, Moscow, 1955 and 1999. Ithaca, NY. Cornell University Press, 2002. Kemper, Theodore. "Reason in Emotions or Emotions in Reason." Rationality and Society. vol. 5, no. 2 (1993). Keohane, Robert O. "Ideas Part-Way Down." Review of International Studies. vol. 26, no. 1 (2000). Kessler, Oliver. "The Mind-Body Problem and the Move from Supervenience to Quantum Mechanics." Millennium. vol. 47, no. 1 (2018). Khrennikova, Polina. "A Quantum Framework for 'Sour Grapes' in Cognitive Dissonance." Quantum Interaction (2014). Kratochwil, Friedrich. "Constructing a New Orthodoxy? Wendt's 'Social Theory of International Politics' and the Constructivist Challenge." Millennium. vol. 29, no. 1 (January 2000). Michel, Torsten. "Of Particles and Humans: The Question of 'Human Being' in Alexander Wendt's Quantum

Mind and Social Science." Millennium. vol. 47, no. 1 (September 2018). Nesse, Randolph M. "Evolutionary Explanations of Emotions." Human Nature. vol. 1, no. 3 (1990). Rosenwein, Barbara H. "Worrying about Emotions in History." The American Historical Review. vol. 107, no. 3 (2002). Schatzki, Theodore R. Social Practices: A Wittgensteinian Approach to Human Activity and the Social. Cambridge: Cambridge University Press, 1996. Smith, Steve. "Wendt's World." Review of International Studies. vol. 26, no. 1 (2000). Smith, Steve, Ken Booth & Marysia Zalewski (eds.). International Theory: Positivism and beyond. Cambridge: Cambridge University Press, 2009. Wendt, Alexander. Social Theory of International Politics. Cambridge. UK: Cambridge University Press, 1999. ________. Quantum Mind and Social Science: Unifying Physical and Social Ontology. Cambridge: Cambridge University Press, 2015.