تقديم: السياسة عربيًا: أزمتا الواقع والنظرية
Introduction: Arab Politics: The Crises of Reality and Theory أولًا: نظرية الأزمة وأزمة النظرية
استجابةً للأحداث والتطورات والتحديات التي تواجهها المجتمعات العربية، يواصل الفكر السياسي العربي المعاصر مناقشة قضايا سياسية ما زالت محلّ جدل حتى اليوم، مثل الاستبداد والديمقراطية والإسلامية والعلمانية والقومية، وغيرها . وعلى الرغم من أن مسائل جوهرية مثل الدولة وسياسات الحكم ومحددات العلاقة بين الحاكم والمحكومين نوقشت في حالات كثيرة ضمن مواضيع ومفاهيم مرتبطة بها، مثل الحداثة أو الديمقراطية أو نظرية الدولة الإسلامية أو الثورة ، فإنّ هذه القضايا بدأت منذ ثورات الربيع العربي تحظى باهتمام ملحوظ، سواء عبر إخضاعها لمراجعة نقدية أو تناولها بأساليب معرفية ومناظير بحثية جديدة . على هذا النحو، بدأت النقاشات تطرح فرضيات تلُامس متطلبات الواقع الجديد، من قبيل الفرضية القائلة إنّ "أزمة ممارسة الحرية في المجتمعات العربية الراهنة لا تنفصل عن أزمة تمثّل الحرية في الأيديولوجيا العربية المعاصرة، بل تعدّ أن أزمة الممارسة إنما هي[...]الوجه العملي لأزمة هذا الفكر" . تثير هذه الملاحظة الأولية سؤالين رئيَسيَن: يتعلق الأول بما إذا كانت أطروحات الفكر السياسي العربي واهتماماته تتوافق مع معطيات الواقع في المجتمعات العربية؛ ويختص الثاني بالأسباب التي تجعل الثورات العربية نقطة تحوّل في الفكر السياسي العربي. بعبارة أخرى، لا نسعى لإجرء تقييم مباشر بل نواجه، في ضوء التطورات الراهنة في المنطقة العربية، سؤلًايتعلق بمدى قدرة أطروحات الفكر السياسي العربي، الحديث والمعاصر، على التأثير، والأولويات التي تعّب رعنها، والتداعيات التي تنبّه إليها. وعلى الرغم من صعوبة الحديث عن "نظرية سياسية عربية" بالمعنى الذي نستخدمه في الإشارة إلى نظرية سياسية ألمانية أو إنكليزية أو صينية أو غير ذلك، يمكننا التحدث عن فكر سياسي عربي، بوصفه حقلًامعرفيًا يشتغل فيه مفكرون وباحثون عرب على دراسة مفاهيم السياسة في المجال العربي (مثل السلطة والحكم والدولة والسيادة والاستبداد والديمقراطية والقيم والثقافة السياسية، وغيرها.) ويهدف هذا الفكر إلى فهم الظواهر السياسية وتفسيرها في سياقها العربي، فضلًاعن تقديم تصورات ممنهجة
* باحث، معهد الدراسات الإسلامية والشرق أوسطية، جامعة برلين الحرة. Research Associate, Institute of Islamic Studies, Freie Universität Berlin. Email: emad.alali@fu-berlin.de محمد عابد الجابري، 1 قضايا في الفكر العربي المعاصر: العولمة - صراع الحضارات - العودة إلى الأخلاق - التسامح - الديمقراطية ونظام القيم - الفلسفة والمدينة (بيروت: إشكاليات الفكر العربي المعاصر مركز دراسات الوحدة العربية، 1997، ط)؛ محمد عابد الجابري، 2 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1990 1989[)]؛ شمس الدين مفكرون عرب معاصرون: قراءة في تجربة بناء الدولة وحقوق الإنسان (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات الكيلاني،، 2016)؛ حقوق الإنسان في الفكر العربي: دراسات في النصوص، سلمى الخضراء الجيوسي (محرر) (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2002.) 2 نذكر على سبيل المثال: برهان غليون، المحنة العربية: الدولة ضد الأمة، ط 4 (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2015)؛ عزمي بشارة، المجتمع المدني: دراسة نقدية، ط مفهوم الدولة 9 (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2019 1996[(الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي)]؛ عبد الله العروي،، الإصلاحية العربية والدولة الوطنية 1998 (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي الدولة في الفكر الإسلامي المعاصر)؛ علي أومليل،، 1985، ط)؛ عبدالإله بلقزيز، 2 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.)2004 3 الدولة العربية المعاصرة: بحوث نظرية ودراسات حالة، محمد حمشي ومراد دياني (محرران) (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2023)؛ الشرق الأوسط الجديد: الاحتجاج والثورة والفوضى في الوطن العربي، فواز جرجس (محرر)، ترجمة عبد الواحد لؤلؤة (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.)2016 4 سهيل الحبيب، "دولة الحريات الحديثة في البلاد العربية: أزمة الفكر الأيديولوجي العربي في استيعاب الأنموذج الممكن تاريخيًا"، في: الحرية في الفكر العربي المعاصر، مراد دياني (محرر) (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2018)، ص.481
تتوافق مع خصوصيات هذا السياق. وإذا لم يكن ثمة بدّ من الحديث عن نظرية سياسية عربية، أو حتى إمكانيتها، فمن نافل القول إنّ مفهوم "النظرية السياسية" يشمل مجموعة واسعة من المقاربات النظرية التي تتقارب أو تتباعد بدرجات متفاوتة في أطروحاتها وتفسيراتها. ومن ثم، هناك مقاربات فكرية عربية متعددة، وليست نظرية سياسية واحدة بمعنى النظرية السياسية؛ وهي تشكّل في مجموعها ما نسمّيه النظرية السياسية العربية. ويجدر التنبيه إلى أنّ هذا الأمر لا يقتصر على النظرية العربية، بل ينطبق أيضًا على النظريات السياسية في مختلف مناطق العالم ودوله . يتعرض الفكر السياسي العربي للنقد منذ عقود خلت . ومع أننا لا نصل إلى حدّ وصفه ب "العقم" كما يفعل نديم البيطار بسبب قلة الأدبيات حول الثورة والقومية العربية ، نفترض أنّ مشروع النظرية السياسية العربية يواجه أزمة مركّبة من وجهين: فمن ناحية يعاني هذا المشروع تشعبًا واسعًا وتشظيًا عميقًا يصل أحيانًا إلى حد التناقض في بعض المواضيع، مثل الجدل المستمر حول العلمانية وعلاقة الديني (الإسلامي) بالسياسي، الذي تحوّل في كثير من الحالات إلى جدل أيديولوجي وكلامي بعيد عن أيّ إطار علمي منهجي . وحتى إذا بدا أنّ هناك توافقًا عامًا على قيم وُمُثل سياسية، مثل الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية بوصفها أهدافًا ينبغي للدولة أن تحقّقها، فإنّ تفسير هذه القيم يختلف باختلاف الزاوية التي ينظر منها الكاتب . ومن ناحية أخرى، يبرز نقص في الدراسات التي
عن النظرية السياسية عمومًا، ينظر مثلًا: أندرو هيوود، 5 النظرية السياسية: مقدمة، ترجمة لبنى الريدي (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2013)؛ نشير أيضًا إلى أن حقول النظرية السياسية والفكر السياسي والفلسفة السياسية متداخلة ومن الصعب فصل بعضها عن بعض، ولا يمكننا، في هذا السياق، تقديم مزيد من التفصيل حول نقاط الالتقاء والاختلاف بينها. 6 Geraint Williams, Political Theory in Retrospect: From the Ancient Greeks to the 20 th Century (London: Edgar Elgar, 1991); Noel O'Sullivan (ed.), Political Theory in Transition (London: Routledge, 2000); Michael Freeden, Ideologies and Political Theory: A Conceptual Approach (Oxford: Oxford University Press, 1998). 7 معن زيادة، معالم على طريق تحديث الفكر العربي، سلسلة عالم المعرفة 115 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1987)؛ زكي نجيب محمود، تجديد الفكر العربي (بيروت: دار الشروق، 1971)؛ رضوان السيد وعبد الإله بلقزيز، أزمة الفكر السياسي العربي (بيروت: دار الفكر المعاصر،.)2006 8 نديم البيطار، الأيديولوجية الثورية، ط 2 (بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 1982)، ص.21 9 جورج قرم، "الفكر السياسي العربي المعاصر: علماني أم ديني؟"، المستقبل العربي، مج 83، العدد 444 2016()، ص.179-164 10 انتقد عبد الإله بلقزيز ما سماه "الفتنة الثقافية" أو "الانقسام الثقافي" بين المفكرين العرب في العصر الحديث بسبب غياب "الإجماع على قيم ثقافية عليا مشتركة"، ينظر: عبد الإله بلقزيز، الدولة والمجتمع: جدليات التوحيد والانقسام في الاجتماع العربي المعاصر (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2008)، ص.149–145
تقدّم تأملات ذاتية في تاريخ الفكر السياسي العربي الحديث وقضاياه وسجالاته، إذ تساعد هذه الدراسات في مناقشة الأسس العلمية والفلسفية للأطروحات النظرية ومسار تطورها وصلتها بالسياقات السياسية والاجتماعية، ما يتيح التعريف بأهمية النظرية السياسية لفهم الواقع السياسي وقراءته، وربما استشراف مستقبله . تأخذنا هذه الحيثية إلى استحضار مثال يوضح مسألة ذات أهمية في الدولة الحديثة هذا السياق. إذ إن وائل حلاق، في كتابه 2012()، يقدّم أطروحته التي وُصفت بأنها "بالغة البساطة"، ومفادها أنّ "مفهوم الدولة الإسلامية مستحيل التحقق وينطوي على تناقض داخلي، وذلك بحسب أيّ تعريف سائد لما تمثّله الدولة الحديثة" . تنبع "بساطة" هذه الفرضية من طبيعتها الحتمية أو الإقرارية؛ إذ إنها توحي بأنّ مفاهيم مثل "الدولة الإسلامية" و"الدولة الحديثة" ثابتة في الوعي العام وتحظى بإجماع سوسيولوجي وإبستيمولوجي بين المفكرين والمنِّظِرين والباحثين . والحقيقة أنّ الأمر ليس كذلك، وهو ما يناقشه حلاق نفسه في مواضَعَ لاحقة. وما يثير الاهتمام أنّ هذه الفرضية تتناول موضوعًا ربما يعتقد البعض أنه خارج نطاق النقاش. ونقصد بذلك أنّ حلاق يشير إلى أن الدولة الغربية الحديثة ليست المعيار النهائي ولا النموذج المثالي والوحيد في التنظيم السياسي . ونحن هنا لا نقيمّ فرضية حلاق بالتأييد أو الرفض، بل نبرز أهميتها في أنها تشدد على إمكانية التفكير والبحث عن الأفكار خارج القوالب الُمَُعَدّة مسبقًا. تحيلنا هذه النقطة إلى إشكالية يمكن وصفها بالمأزق المنهجي في نظرية المعرفة، أي دراسة الواقع العربي وتحولاته من خارجه، بالاعتماد على نظريات لم يجِرِ طرحها وتطويرها وفقًا لمعطيات هذا
11 يهتم ناصيف نصار بالتأكيد على أهمية الفلسفة السياسية للتأثير في الواقع، ينظر: التنبيهات والحقيقة: مقالات إضافية حول الفلسفة والديمقراطية (بيروت ناصيف نصار،: مركز دراسات الوحدة العربية، 2019)؛ ناصيف نصار، منطق السلطة: مدخل إلى فلسفة الأمر، ط 2 (بيروت: أمواج للنشر والتوزيع، 2005.)]1995[12 وائل حلاق، الدولة المستحيلة: الإسلام والسياسة ومأزق الحداثة الأخلاقي، ترجمة عمرو عثمان، مراجعة ثائر ديب (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2014)، ص.19 13 Richard Bellamy & Andrew Mason (eds.), Political Concepts (Manchester: Manchester University Press, 2003); Gregor McLennan et al., The Idea of the Modern State (Milton Keynes: Open University Press, 1984). 14 للاطلاع على هذه الملاحظة المنهجية، ينظر: Kai Nielsen, "Conceptual Relativism," Grazer Philosophische Studien , vol. 3, no. 1 (1977), pp. 71–87.
15 في السياق نفسه، يعّب رمنير شفيق عن فرضية مشابهة بأن الدولة الإسلامية، ومن خلال السعي ل "الحكم بما أنزل الله"، ذات خصائص فريدة لا تشبه بقية النظم السياسية وأشكال الحكم الحديثة، ينظر: منير شفيق، الإسلام ومواجهة الدولة الحديثة، ط 3 (تونس: دار البيرق،.)1992
السياق وتحولاته. فعندما توضع الأدبيات الإسلامية (الفقه السياسي) في نفس الإطار التحليلي مع الأدبيات الحداثية الغربية، من دون مراعاة الفروق السياقية، تظهر إشكالية منهجية؛ إذ يتناقض المعطى الواقعي مع السياق التاريخي، ما يؤدي إلى اختلال في التوازن بين العناصر الموضوعة للدراسة. ولهذه المقولة النقدية علاقة بما يُطلق عليه "سلطة/ قوة تأويل" الظواهر Interpretation of Power، فالتأويلات تؤدي دورًا جوهريًا في كيفية إدراكنا للواقع من خلال توجيه الانتباه إلى جوانَبَ معيّنة يختارها الباحث من الناحية المعرفية، علاوة على قدرتها على تقديم تصورات أو أفكار معيارية Normative تؤثّر في خياراتنا السلوكية في الواقع المعيش ، وقد تقود إلى نظم من المعتقدات Belief Systems قادرة على تشكيل وعي جمعي حول قضايا سياسية وثقافية معيّنة (الأيديولوجيا والدين وغيرهما) . ومن ثم، نعتقد أنّ المأزق المعرفي الذي أشرنا إليه يجعل هذه "السلطة التأويلية" تفقد كثيرًا من رصيدها بسبب تعارضها مع الخصوصيات الثقافية والواقعية والمعرفية أيضًا، لأنّ التصورات والأفكار لا تَُعَامل على أنها حقائق مثبتة أو مسّلمّات بديهية، بل تخضع للفحص والتقييم عبر مقارنتها بالواقع والسياق التاريخي . لا ينبغي فهم هذا على أنه رفض للاستفادة من الأبحاث والنظريات الغربية في دراسة الظواهر الخاصة بالمجتمعات العربية، إذ إنّ الانفتاح عليها قد يزيد من موضوعية الأبحاث ويرفع قيمتها النقدية من خلال تقديم أبعاد معرفية ونظرية جديدة. أمّا ما لا نعتقد في صحته، فهو الجزم بأنّ النظريات الغربية تشكّل المعيار الوحيد الذي ينبغي على أساسه تقييم مختلف الظواهر العربية .
16 John Langshaw Austin, How to Do Things with Words , The William James Lectures delivered at Harvard University in 1955 (Cambridge: Harvard University Press, 1962). 17 Mostafa Rejai, Political Ideologies: A Comparative Approach (London: Routledge, 1994); Philip E. Converse, "The Nature of Belief Systems in Mass Publics (1964)," Critical Review , vol. 18, no. 1–3 (2007), pp. 1–74; Philipp Stoellger (ed.), Deutungsmacht: Religion und belief systems in Deutungsmachtkonflikten (Tübingen: Mohr Siebeck, 2014). 18 Milton Rokeach, Beliefs, Attitudes and Values: A Theory of Organization and Change , 7 th ed. (San Francisco: Jossey-Bass Inc., 1980).
19 لا نطالب بأمر جديد، فهذه المطالبة سبق أن وردت على لسان مثقفين ومفكرين آخرين، منهم على سبيل المثال محمد عابد الجابري وطه عبد الرحمن وعزمي بشارة. ومن الأمثلة الملموسة أنّ عبد الرحمن أشار في بداية كتابه روح الحداثة إلى التحديات المعنوية التي تواجه "المجتمع المسلم" المعاصر، والتي تتجلى في أحد مظاهرها في ما يسميه "تيه فكري متمثل في فتنة مفاهيمية كبرى" نتيجة لتكاثر المفاهيم الوافدة من المجتمعات الأخرى، ليؤكد أنه "ما لم يهتِدِ [المجتمع المسلم] إلى إبداع مفاهيمه أو إعادة إبداع مفاهيم غيره، حتى كأنها من إبداع مفاهيمه ابتداءً، فلا مطمع في أن يخرج من هذا التيه الفكري الذي أصاب العقول فيه." ينظر: طه عبد الرحمن، روح الحداثة: المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلامية (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2006)، ص 11.
نستعين بهذه القراءة (النقدية) للأفكار والمنهجيات والأدوات المعرفية مدخلًاتأسيسيًا لضرورة فتح نقاش موضوعي حول الفكر السياسي العربي، ومن ثم لبلورة مشروع نظرية سياسية عربية معاصرة؛ إذ إن الظروف الراهنة تفرض أهمية البحث في كيفية معاينة الواقع العربي بأعين عربية وبمحدّدات فكرية عربية أيضًا ، ونعني بذلك الانشغال بنظرية سياسية عربية ومسارات ارتباطها بالقيم وكيفية تناولها، تفسيرًا وتحليلًاونقدًا، للتركيبات والبنى والتحولات التي تشكّل في مجموعها الصورة العامة للواقع السياسي العربي. نعتقد أن إثارة نقاش من هذا النوع في حقل الفكر السياسي العربي مَُّرَب رة بل ضرورية، حتى نتمكن من مواكبة التطورات وإعادة النظر في أدواتنا المنهجية والإبستيمولوجية لتفسير الظواهر وتأويلها. وعندما نفترض أن مهمة النظرية السياسية تكمن في تشخيص الظواهر الاجتماعية بطريقة موضوعية ومنطقية، فإنّ ذلك يقتضي انخراطها الكامل في المجتمع وفي تفاعلات قواه ومكوناته. وبما أن المؤسسة السياسية والسلطة السياسية تشّكلّان جزءًا من المجتمع ذاته، فإنّ الانشغال النظري والبحثي بممارساتهما يتطلب مراعاة كونهما فاعَليَن نشَطيَن ضمن بنيته الاجتماعية .
ثانيًا: الثورات العربية والحاجة إلى الإبداع الفكري
بعد إلقاء نظرة عامة، يتبّي ن لمتتبّع الكتابات والأدبيات والنقاشات العربية المعاصرة أنّ الخطاب العربي السائد منذ عقود يقوم على وصف الأزمة السياسية بما يتضمنه من جوانب وأبعاد وخلفيات وتفسيرات متنوعة ومتفاوتة. وقد عّب رمحمد جابر الأنصاري عن ذلك بعبارات من قبيل "بؤس السياسة في الوجدان العربي"، و"رسوب العرب في اختبارات السياسة" . وفي هذا السياق، من الطبيعي أن يحمل هذا الخطاب في طياته أسئلة عن طبيعة هذه الأزمة وأسبابها، فضلًاعن البحث عن حلول ومخارج لها. ومن خلال دراسة هذه القضايا، برزت استقطابات واصطفافات فكرية وفق القناعات الأيديولوجية للمفكّرين والمثقفين
20 يقول حسن صعب حول أهمية تطوير العلوم الاجتماعية والسياسية في العالم العربي من خلال تحقيق استقلاليتها عن الأفكار الغربية: "لقد عملنا طويلًاكمقلدين، وكمترجمين، وكنقلة. ولقد آن لنا أن نفكر ونعمل كمبدعين"، ينظر: حسن صعب، مقدمة لدراسة علم السياسة (بيروت: منشورات المكتب التجاري، 1961)، ص.13 21 محمد طه بدوي، النظرية السياسية: النظرية العامة للمعرفة السياسية (القاهرة: المكتب المصري الحديث، 1986)، ص.32 22 من الأمثلة على الأعمال التي تعاين الأزمة السياسية العربية من أبعاد مختلفة، كتاب خالد الحروب الصادر قبيل اندلاع ثورات الربيع العربي: ينظر: خالد الحروب، هشاشة الأيديولوجيا - جبرروت السياسة (بيروت: دار الساقي،.)2010 23 محمد جابر الأنصاري، العرب والسياسة: أين الخلل؟ جذر العطل العميق (بيروت: دار الساقي، 1998)، ص 15،.31
والمنِّظِرين . ففي الإجابة عن السؤال المتعلق بأسباب الأزمة، تتباين الإجابات بين إرجاعها إلى الاستبداد السياسي وغياب الديمقراطية وضعف الدولة، وبين مقترحات علاجية مستندة إلى الليبرالية أو الإسلامية أو الاشتراكية أو العلمانية وصولًاإلى حكم دولة القانون. أظهرت ثورات الربيع العربي عمق الأزمة التي يعانيها النظام السياسي العربي ، لكن ما لا يقل أهمية عن ذلك هو التأويل القائل إنها أعادت إلى الواجهة التساؤل عن مدى الاتساق بين الواقع السياسي ومعطياته وتطوراته، من جهة، وأطروحات الفكر السياسي العربي واهتماماته، من جهة أخرى. وهو تساؤل له مبرراته، لأن الثورات الشعبية أثبتت أنها تسبق الأدبيات النظرية والفكرية العربية في قضايا السياسة والدولة والنظام والسلطة، وهذه الفجوة لا ترتبط طبعًا بالتنظير بقدر ما تعّب رعن مسألة التأثير. فالحراك الشعبي في بلدان الربيع العربي والمطالبة بإسقاط أنظمة الاستبداد والإصلاح السياسي عبر تفعيل قيم الحرية والعدالة والمساواة والكرامة الإنسانية، لم يكونا متأثَرَين بالكتابات السياسية والنظرية العربية بل جاءا نتيجةً لانسداد الأفق أمام تحسّن الأوضاع في البلدان التي شهدت ثورات . وعلى الرغم من أن بعض الكتابات العربية تطرقت إلى هذه الإشكاليات، فإنها افتقدت الحلول الواقعية، فضلًاعن أنها لم تتوقّع اندلاع ثورة شعبية (لا الثورة بالمعنى الأيديولوجي)، في الوقت الذي ظلّ فيه كثير من الكتابات بعيدًا عن القضايا الُمُِلِحّة التي مَتّ سّ جوهر المجال السياسي، مثل الدولة والسلطة والحكم، وعلاقاتها المتشابكة بالفرد والمجتمع، سواء في ترابطها أو استقلالها النسبي. وعندما يشير عزمي بشارة في معالجته لأحداث الربيع العربي إلى أنّ "سلبيات حركة التغيير الراهنة في الوطن العربي وإيجابياتها ناجمة كلها عن عفويتها وعدم نخبويتها، أي عن خروج قطاعات واسعة جدًا من الشعب إلى الحيز العام، أي إلى السياسة" ، فإنه يلمّح ضمنيًا إلى حالة الانفصال بين المجتمعات والنخبة المثقفة (أو الأكاديمية.) خلال القرن الماضي، تعاقبت أجيال من المثقفين والمنِّرظِين العرب الذين وجدوا أنفسهم معنيين بأربعة أحداث تاريخية كبيرة في التاريخ العربي الحديث: أولها سقوط الدولة العثمانية ونشوء الدولة
24 برهان غليون، اغتيال العقل: محنة الثقافة العربية بين السلفية والتبعية، ط 4 (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2006.)]1989[25 إن استخدامنا لمصطلح النظام السياسي العربي بألف ولام التعريف لا يعني وجود نظام سياسي عربي واحد ووحدوي، بل إن العالم العربي يشهد نظمًاسياسية متعددة ومتباينة تتقاسم خصائص معينة وتختلف في أخرى. 26 أحمد شراك، سوسيولوجيا الربيع العربي أو الثورات التأسيساتية (فاس: مقاربات للنشر والصناعات الثقافية،.)2017 27 عزمي بشارة، في الثورة والقابلية للثورة، ط 3 (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2016)، ص.34
الوطنية العربية في ظل الاستعمار الغربي، وثانيها الاستقلال الوطني للدول العربية ونكبة عام 1948، وثالثها نكسة عام 1967، ورابعها ثورات الربيع العربي بموجَتَيها 2011(و 2019-2018.) وإذا عدنا بنظرة فاحصة وناقدة إلى الأدبيات الفكرية السياسية العربية عبر هذه التحولات وصولًاإلى أحداث الربيع العربي، نجد أنها تعاملت تحليلًا ونقدًا مع التطورات القائمة، أي مع الصراعات وأبعادها، من دون أن تُنتج نظرية معرفية منهجية حول دراسة تفسيرات الصراع ومستوياته. تمخض عن ذلك، كما أشرنا، حالة من الاصطفاف الأيديولوجي والجمود الدوغمائي، لينشأ تياران أساسيان: الديني والعلماني ، وذلك بسبب النزوع إلى تقديم تفسيرات آنيّة للمعضلة السياسية (الاستبداد) بدلًامن الانشغال بجذورها وأسبابها العميقة. يطرح محمد عابد الجابري، في معالجته لأزمة "الإبداع" في الفكر العربي، تساؤله عّم ا إذا كان "الافتقاد إلى الجدة والأصالة" يكمن في "الفكر العربي كبنية عقلية [كأداة] أم في الفكر العربي كبنية أيديولوجية [كمحتوى"]، ليؤكد أنها أزمة تشمل الفكر العربي في كلّيته، وأنّ الخطاب العربي المعاصر لم يحرز أيّ تقدّم منذ عصر النهضة، إمّا بسبب تمسّكه بالماضي (الذاكرة) وإمّا لتمسّكه بصورة الغرب (المستقبل.) وكانت النتيجة وفقًا للجابري "انقطاع العلاقة بين الفكر العربي وموضوعه: الواقع العربي" . وبينما يرى أنّ هذا الانقطاع أدى إلى إشكالية في المفاهيم السياسية، نزعم أنّ سببه الجوهري يكمن في غياب تطوير نظرية سياسية تنبثق من الواقع العربي وتتموضع فيه، في حاضره ومشاكله وأزماته وتطلعاته، ولهذا السبب لم يكن هناك من مخرج سوى العودة إلى الماضي أو التوجّه نحو الغرب . وحتى في التعامل مع الأزمة السياسية العربية المعاصرة، التي نعتقد أنها تتعلق بجوهر مؤسسة الحكم وعلاقتها بالمجتمع، نلاحظ استمرار النزعة التفسيرية بالعودة إلى الماضي أو بالتوجّه نحو الغرب في كثير من الكتابات العربية، وقد أعادت هذه النزعة إنتاج الصراع الأيديولوجي حول تصورات الواقع، لكنها ظلّت في معظم الحالات مجردة وبعيدة عن الواقع الفعلي، إذ إنها لم تعالجه بقدر ما سعت إلى ترويج واقع غير موجود. فإذا أخذنا قضية "الدولة العربية"
ينظر على سبيل المثال: محمد كامل ضاهر، 28 الصراع بين التيارين الديني والعلماني في الفكر العربي الحديث والمعاصر (بيروت: دار البيروني للطباعة والنشر،.)1994 29 الجابري، إشكاليات الفكر العربي المعاصر، ص.57-51 30 يقول برهان غليون في هذا السياق إن "التناقض الذي يشق الوعي العربي ويشكل في الوقت ذاته محركه والدافع إلى النشاط والإبداع فيه، هو الانجذاب بين قطبين: رفض الغرب لتأكيد الذات، ورفض الذات لتأكيد الحضارة والاندماج فيها." ينظر: غليون، اغتيال العقل، ص 22؛ ومن اللافت حديث فهمي جدعان عن "الثقة المفقودة" بين الإسلام والغرب. ينظر: فهمي جدعان، الماضي في الحاضر: دراسات في تشكلات ومسالك التجربة الفكرية العربية (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر،.)1997
مث لًا، لن نجد صعوبة في استنتاج أنّ الإنتاج العربي ظلّ مقتصرًا على المسلَكيَن المذكوَرَين (الذاكرة الإسلامية أو الأفكار الغربية)، ليصل إلى نتائج معروفة مسبقًا، مفادها أنّ الحل يكمن إما في الدولة الإسلامية أو في الدولة الغربية الحديثة. وبقدر ما نرى في ثورات الربيع العربي حدثًا تاريخيًا استثنائيًا، وفرصة لإعادة التفكير في فهمنا للسياسة وما يتصل بها من علاقات اجتماعية وإنسانية وثقافية ، فإننا ننظر إليها أيضًا بوصفها إمكانية لإعادة إحياء مشروع نظرية سياسية عربية؛ فالانتقال السياسي النوعي، أي الانتقال إلى وعي جديد بالسياسة، يتطلب نظرية سياسية نوعية تسعى إلى التأثير في اتجاه بناء واقع سياسي جديد، هو بالضرورة واقع ما بعد الاستبداد؛ إذ إنّ الاكتفاء بالبحث في الاستبداد السياسي وأشكاله وتبعاته لا يفي بما هو منتَظَر من أيّ نظرية سياسية، فالمطلوب اليوم هو البحث في العوامل التي جعلت الاستبداد ممكنًا وقادرًا على ترسيخ نفسه إلى الحدّ الذي وصل إليه في الدول العربية. ويتطلب ذلك أن تسهم النظرية السياسية في تعميم القابلية للإبداع وفي إرساء التأصيل النظري والفكري لبناء ثقافة سياسية داخل المجتمعات تساعد على معالجة القابلية للاستبداد وتعزيز الفكر النقدي. وسيقود هذا إلى توسيع مجال البحث، بحيث لا يقتصر على مؤسسة الحكم وحدها، بل يأخذ في الاعتبار التركيبات والبنى المؤثرة في نسج العلاقة بين المجتمع والدولة والسياسة. وبهذا يتيح النهج المقتَرَح مج لًاواسعًا لمناقشة المفاهيم الجوهرية في النظرية السياسية، ويؤسس لربطها معرفيًا بالحياة العملية.
ثالثًا: جدليات الاستبداد والديمقراطية
طغت السردية القائمة على ثنائية الاستبداد/ الديمقراطية على المناخ الفكري والأكاديمي العربي في العقود الأخيرة. وقد شهد الاستبداد، كما هو حال مختلف أشكال الحكم، تحولات عديدة في أيديولوجيا تبرير علاقات السيطرة والخضوع وأساليب ضبطه للعلاقات الاجتماعية وسيطرته على الأفراد والجماعات الموجودة خارج منظومته السياسية والقيمية . وأسهمت الدولة الوطنية الحديثة في تزويد الاستبداد بتقنيات إدارية وتنظيمية سلطوية جديدة، تزايد استخدامها في الضبط
31 أطوار التاريخ الانتقالي: مآل الثورات العربية (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2015 32 إمام عبد الفتاح إمام، الطاغية: دراسة فلسفية لصور من الاستبداد السياسي، سلسلة عالم المعرفة، العدد 183 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،.)1994
الاجتماعي ولتعزيز التغوّل داخل المجتمع . وُيُعدّ الاستبداد بأشكاله المختلفة (الطغيان والتعسف والقمع والدكتاتورية، وغيرها) ظاهرة كونية عاشتها معظم المجتمعات الإنسانية وعانتها على مر حقب تاريخية متباينة، ويكمن التفاوت التاريخي بين هذه المجتمعات في قدرتها على مواجهته وغلبته، وابتكار بدائل سياسية لتنظيم العلاقات داخل المجتمع ضمن أطر جديدة. وقد شكّلت المسارات المختلفة، التي اتخذتها المجموعات البشرية في حقب متفرقة، عاملًامحددًا، إلى حٍدٍ بعيد، للخصوصية الثقافية لكل مجتمع. ولا نقصد بذلك أنّ الاستبداد موروث تاريخي يرسم ملامح ثقافة مجتمع ما، فالمسألة الأساسية التي تعنينا لا تتعلق بوجود مجتمعات متقدمة وأخرى متخلفة، أو مجتمعات ديمقراطية وأخرى غير ديمقراطية، فهذه ظواهر متغيرة وليست ثابتة. لكن نوعية استجابة المجتمعات للتحولات العميقة في صيروراتها التاريخية ومدى قدرتها على التعامل مع الأزمات والانسدادات السياسية والاقتصادية والثقافية التي أنتجها (أو يعيد إنتاجها) نظام الحكم هي التي صبغت راهن المجتمع وحكمت على مستقبله . فالمجتمع، بوصفه أفرادًا وجماعاٍتٍ وقوى، يمارس دورًا في تشكيل النظام السياسي والثقافة السياسية، بالمشاركة السياسية الفاعلة في مناخ سياسي خّل اق (الديمقراطية) ، أو بالمقاومة والعزوف عن المشاركة السياسية بسبب ممارسات السلطة الحاكمة واحتكارها للمجال السياسي (الاستبداد) . ينطبق هذا على ثورات الربيع العربي التي شكّلت منعطفًا تاريخيًا غير مسبوق لا نزال نعيش إرهاصاته وتحولاته. ومن البديهي القول إنّ أهم إنجاز لهذه الثورات يكمن في إثبات وجود أزمة سياسية عميقة تتجاوز عدم رضا الشعوب عن حكوماتها . ومن الطبيعي اللجوء إلى نقيض الاستبداد، أي الديمقراطية، بوصفه مخرجًا من الأزمة. تحظى سردية "الانتقال الديمقراطي" بتوافق واسع داخل
33 للمزيد ينظر مثلًا: حنة أرندت، أسس التوتاليتارية، ترجمة أنطوان أبو زيد، ط 2 (بيروت: دار الساقي، 2016.) وللقراءة الفلسفية حول الموضوع، ينظر: ميشيل فوكو، المراقبة والمعاقبة: ولادة السجن، ترجمة علي مقلد، مراجعة وتقديم مطاع صفدي (بيروت: مركز الإنماء القومي،.)1990 34 لذلك يقول صمويل هنتنجتون في سياق مشابه: "لا يتعلق الفارق السياسي الأهم بين البلاد بشكل نظام الحكم فيها بل بدرجته." ينظر: صمويل هنتنجتون، النظام السياسي في مجتمعات متغيرة، تصدير فرانسيس فوكوياما، ترجمة حسام نايل (بيروت: دار التنوير للطباعة والنشر، 2017 1968[)]، ص.23 35 ينظر بالتحديد الفصل الثامن، في: Fabio de Nardis, Understanding Politics and Society (Cham: Palgrave Macmillan, 2020). 36 Ellen Lust-Okar & Saloua Zerhouni (eds.), Political Participation in the Middle East (Boulder: Lynne Rienner Publishers, 2008). 37 بشارة، في الثورة والقابلية للثورة، ص 67، 81،.93
النقاشات النخبوية العربية. ويبقى السؤال المشروع يتعلق بما إذا كان الانتقال السياسي إلى الديمقراطية هو الوجهة الوحيدة الممكنة لعملية الانتقال والتغيير، ويرتبط بتحديد آلياته. فإذا فهمنا الدمقرطة على أنها تحوّل في آليات عمل مؤسسة السلطة في أعلى الهرم التنظيمي، فإننا نتحدث عن دمقرطة جزئية ونخبوية، ونزعم أن تغييرًا سياسيًا كهذا يمكن إنجازه بسرعة، لكنه سيكون سطحيًا بسبب اقتصاره على الآليات الوظيفية للعمل السياسي وعلى النخبة السياسية في السلطة. أما إذا فهمنا الدمقرطة على أنها عملية جذرية لتأسيس فهم جديد للسياسة وللعلاقة بين السلطة والدولة والمجتمع، ولترسيخ وعي جمعي بالمشاركة السياسية، وبتفعيل منظومة جديدة من القيم السياسية، فإننا حينها نكون بصدد دمقرطة شاملة وجامعة . تؤدي الدمقرطة الجزئية بالضرورة إلى ديمقراطية إجرائية لأنها لا ترى المشاركة سوى في الانتخابات مثلًا. في حين تجسد الدمقرطة الشاملة ديمقراطية قيمية لأنها تسعى إلى ترسيخ ثقافة سياسية جديدة في المجتمع . كما أشرنا آنفًا، تتمتع الديمقراطية بحضور مكثف في الأدبيات السياسية العربية انطلاقًا من رفضها المبدئي للواقع العربي القائم على الاستبداد . ومع ذلك، فإننا نزعم أنّ التركيز على خطاب الديمقراطية، أو حتى على جدلية الديمقراطية - الاستبداد، ساهم في انغلاق الفكر السياسي العربي أمام تصور نماذج حكم بديلة خارج الإطار التقليدي. هذه أطروحةٌ تحتاج إلى مزيد من البحث والمعالجة؛ ومع ذلك، يبدو أن أولى خطوات تأكيد صلاحية الديمقراطية تكمن في إبقاء المجال مفتوحًا أمام البحث في خيارات بديلة خارج الديمقراطية الغربية نفسها، لأنّ إثبات صلاحية الديمقراطية لا يكون فقط بدحض نقيضها (الاستبداد.) ولا يعني هذا بالضرورة نقدًا للديمقراطية (مع أنه يظل ممكنًا وضروريًا)، بل هو محاولة لتنبيه المقاربات العربية إلى وجود فضاء واسع للتنقيب البحثي والتأصيل النظري والإبداع المعرفي في أشكال الحكم المختلفة. وحتى في دول مثل ألمانيا، تخضع الديمقراطية اليوم لمراجعة مستمرة في ضوء صعود الشعبوية والتطرف اليساري واليميني، وهو الموضوع الذي أثاره فايت زيلك
38 نتفق مع عزمي بشارة في تأكيده في سياق مناقشة الانتقال الديمقراطي في حالَتَي مصر وتونس أنّ ترسيخ التقاليد الديمقراطية يتطلب، من ضمن أمور أخرى، وحدة وطنية واسعة لإنجاح الانتقال والتزام النخب والقوى السياسية الرئيسة بالإجراءات الديمقراطية. ينظر: عزمي بشارة، الانتقال الديمقراطي وإشكالياته: دراسة نظرية وتطبيقية مقارنة (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2020 ص)،.550-542 39 Iris Marion Young , Inclusion and Democracy (New York: Oxford University Press, 2000). 40 المواطنة والديمقراطية في البلدان العربية، علي خليفة الكواري (محرر) (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2004)؛ خلدون حسن النقيب، الدولة التسلطية في المشرق العربي المعاصر: دراسة بنائية مقارنة، ط 2 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.)1996
في كتابه أفول الديمقراطية، والذي يفترض أنّ الديمقراطية ونظرية الديمقراطية المصاحبة لها مهددَتَان بالفشل إذا لم تواكبا التطورات الاجتماعية في الواقع . لا يعني خضوع الديمقراطية للمراجعة أنها فشلت، بل هذا جزء من تفاعٍلٍ معرفي مع تحولات الواقع. وتتوافر أطروحات فلسفية وسوسيولوجية لا ترى في الديمقراطية النموذج الأمثل، أو على الأقل الأوحد، في بناء النظام السياسي والاجتماعي الملائم. من الأمثلة على ذلك، روبرت ميشلز الذي يبرر موقفه غير المؤيد للديمقراطية بصيرورات سياقية معينة، مثل الصراع الطبقي والبرجوازية وغيرهما. لكنه يورد في سياق هذا التبرير نقطة جديرة بأن نأخذها في الحسبان عند الحديث عن الديمقراطية في السياق العربي. فيتساءل عّم اإذا كانت "الديمقراطية هدفًا في حد ذاته في إطار التطور التاريخي"، لايجيب بقوله إن الافتراض أنّ الديمقراطية تمثّل "كمال " Vollendung هو موقف "أيديولوجي محض"، لأنه لا يمكن أن تكون هناك نظرية كاملة، "خاصة فيما يتعلق بأشكال الدولة ومشاعر الجماهير"، لأنه لا يمكن التنبؤ بمسار التاريخ. وهكذا، يفترض ميشلز أن الديمقراطية جاءت تطورًا وتفاعلًافي ظل ظروف معيّنة . تقبل هذه المقولة العديد من التأويلات والقراءات التي قد نتفق معها أو نختلف، وما يهمنا التأكيد عليه هو أن الديمقراطية، نظريةً وتطبيقًا، ليست معصومة من النقد ، كما أنه يظلّ ممكنًا أن تُنِتِج تحولات أيديولوجية غير ديمقراطية من داخلها نفسها . وليست الديمقراطية مفهومًا بدهيًا، فهي تشمل نظريات ومنطلقات فلسفية وأسسًا سوسيولوجية متباينة بما يتناسب مع اختلاف الحالات والسياقات . لقد أنتج الفكر الغربي مجموعة من النظريات في الديمقراطية، فنظرية كارل بوبر مختلفة مثلًاعن نظرية هارولد لاسكي، كما أن الديمقراطية في التطبيق العملي تختلف من حالة إلى أخرى وفقًا لطبيعة النظام السياسي في كل تجربة تاريخية. وإذا كنّا مقتنعين بأن الديمقراطية ليست حكرًا على ثقافة بعينها،
41 Veith Selk, Demokratiedämmerung: Eine Kritik der Demokratietheorie (Berlin: Suhrkamp Verlag, 2023). 42 Robert Michels, Masse, Führer, Intellektuelle. Politisch-soziologische Aufsätze 1906-1933 , Mit einer Einführung von Joachim Milles (Frankfurt: Campus Verlag, 1987), p. 183. 43 Robert Dahl, Democracy and its Critics (New Haven: Yale University Press, 1989). 44 Tzvetan Todorov, The Inner Enemies of Democracy (Cambridge: Polity Press, 2014). 45 Diana C. Mutz, Hearing the Other Side: Deliberative Versus Participatory Democracy (Cambridge: Cambridge University Press, 2006).
فإننا مقتنعون بالقدر ذاته بأنّ نظرية الديمقراطية غير مغلقة على مبادئ ومفاهيم كونية وثابتة، بل لديها دينامية لاستيعاب العديد من الأفكار الجديدة والانفتاح على التجديد. ومن هنا، تبرز ضرورة تطوير نظرية عربية مستقلة في الديمقراطية، لا يمكن أن تتحقق إّل ا في إطار نظرية عربية مستقلة في السياسة والدولة والحكم، وهي نظرية لم تثبت حضورها وفاعليتها في الثقافة السياسية العربية حتى الآن . فالاجتهادات النظرية في الديمقراطية عمومًا تستقي أفكارها وتصوراتها من النظريات الغربية أو تحاول استلهام النظم ما قبل الحداثية؛ لكن، ألا يمكن تصوّر شكل نظام سياسي عربي خاص وعابر للتيارات الأيديولوجية العربية، بحيث يدمج قيمًاومبادئ سياسية وثقافية من مختلف التيارات بما يتناسب مع صيرورة المجتمعات لايًااصأت لاوًااأ بلطتت ةبراقلام هذه نّأ كردن؟اهتايصوصخو ةيبرعلا نظريًا لمنظومة القيم قبل دمجها، وتستلزم، بعبارة كارل مانهايم، الانتقال من التصورات الأيديولوجية إلى "سوسيولوجيا المعرفة" للوصول إلى أكبر قدر من الحقيقة حول مسار التاريخ وطبيعة العلاقات الاجتماعية . وُتُعدّ هذه الخطوة ضرورية لإحياء منظومة الأفكار السياسية العربية بما يجعلها تخرج من تقوقعها حول النوستالجيا العربية نفسها، أو حول النظرية/ التجربة الغربية.
رابعًا: نحو إعادة تأسيس نظري في السياسة والدولة
إنّ التحولات التي عاشتها المجتمعات العربية، ولا تزال تعيشها، ناتجة من تفاعلات واقعها السياسي، الناتج من شروط ظرفية وسببية حددت، ولا تزال تحدد، معالمه. ونفترض أنّ لطبيعة العلاقات الاجتماعية، داخل المجتمع نفسه، تأثيرًا عميقًا في السياسة. وُيُفترض أنّ تفاعل المجتمع مع قضاياه وشؤونه هو ما يرسم ملامح السياسة ويؤطّرها. وتتطور السياسة بتطور المجتمع نفسه، إذ إنه لا يمكن أن تقوم السياسة من دون مجتمع، ولا يمكن من يمارس السلطة أن يحكم إّل اعبر تفويض من المجتمع. وما يصنع الاختلاف بين المجتمعات هو طبيعة هذا التفويض وحدوده وأدواته (القوة/ العنف/ الانقلاب، الانتخاب المباشر، الانتخاب عبر البرلمان،... إلخ) .
46 لماذا انتقل الآخرون إلى الديمقراطية وتأخر العرب؟ علي خليفة الكواري وعبد الفتاح ماضي (تنسيق وتحرير) (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.)2009 47 كارل مانهايم، الأيديولوجيا واليوتوبيا: مقدمة في سوسيولوجيا المعرفة، ترجمة محمد رجا الديريني (الكويت: شركة المكتبات الكويتية، 1980)، ص 146 وما بعدها. 48 Michael Rush, Politics and Society: An Introduction to Political Sociology (Hemel Hempstead: Harvester Wheatsheaf, 1992).
المجتمع هو الحلقة الأولى، الأساس، في أيّ نظام إنساني ينحو في اتجاه التنظيم السياسي. ومع التطور التاريخي في إطار تنظيم العلاقة بين المجتمع والسياسة، من خلال بروز معطيات جديدة مثل التطور الصناعي وأنماط الملكية الفردية والعامة وغيرهما، نشأت الدولة إطارًا منظمًاللعلاقة داخل المجتمع نفسه، ومن ثم بينه وبين السلطة. فالدولة هي أيضًا حاجة بشرية، وتطورت بتطور هذه الحاجة وتحولاتها. وعندما تظهر السياسة بصورة غير متناسبة مع منظومة المجتمع الأخلاقية، فإن ذلك يعني وجود خلل في العلاقة بين السياسة والدولة والمجتمع، وهو ما يتضح في حالة المجتمعات العربية، من خلال تفّش يمظاهر الاستبداد والتعسف والقمع مثلًا. والدور المهمّ للفكر السياسي تاريخيًا يتمثل في تحديد مكامن الإشكاليات وتحليلها، واقتراح حلول معقولة لها، فقد كانت النظريات السياسية دائمًا نتاجًا فكريًا ينبع من رحم الأزمات . بناءً عليه، يصبح منطقيًا أن تحظى الدولة بعد ثورات الربيع العربي بتجدد الاهتمام البحثي على نحو متزايد . ويلاحظ في هذا السياق بروز جدل ضمني بين الباحثين في حقل دراسات الدولة ونظريتها حول الدولة بوصفها مفهومًا نظريًا وكيانًا واقعيًا. ففي كتاب عودة الدولة، الذي يناقش التحولات في النظام السياسي المصري منذ بداية ثورة 25 يناير 2011 والصيرورات المتعاقبة ، تُعرض الدولة بوصفها مفهومًا متطابقًا مع النظام السياسي، وهي مقاربة لا نراها صحيحة، غير أنّ هذه المقاربة تكشف عن فجوة قائمة في نظرية الدولة العربية . ثمة اختلافات دقيقة بين مفاهيم السياسة والدولة والسلطة، ويؤدي الخلط بينها إلى خلل مفهومي لا ينبغي تجاهله. وفي هذا السياق، يشدد برهان غليون على أهمية التمييز بين السياسة والدولة في علاقتهما بالمجتمع لبناء حركة سياسية "صحية وحقيقية"، ويؤكد أنّ مشكلة الحركات الإسلامية هي ضعف اشتغالها على مفهوم الدولة وتقصيرها في تأصيله، في حين أنّ مشكلة الحركات العلمانية تكمن في "غياب مفهوم السياسة كنشاط متميز
49 مهدي محفوظ، اتجاهات الفكر السياسي في العصر الحديث (بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 1990.) وتجري في العادة دراسة العلاقة بين الأفكار والواقع في حقل "تاريخ الأفكار." ينظر خاصة: عزمي بشارة، 50 مسألة الدولة: أطروحة في الفلسفة والنظرية والسياقات بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات (الدوحة/، 2023)؛ عزمي بشارة، الدولة العربية: بحث في المنشأ والمسار (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2024 علي الدين هلال [وآخرون]، 51 عودة الدولة: تطور النظام السياسي في مصر بعد 30 يونيو (القاهرة: الدار المصرية اللبنانية،.)2015 52 أزمة الدولة في الوطن العربي، بحوث ومناقشات الندوة الفكرية التي نظمها مركز دراسات الوحدة العربية بالتعاون مع مركز كارنيغي للشرق الأوسط والجمعية العربية للعلوم السياسية (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.)2011
عن الدولة أو عن الصراع من أجل السلطة" . والحقيقة أننا نتفق مع هذا الطرح، بل نجادل بضرورة الوعي بهذا التمييز بين الدولة والسياسة، إلا أننا نزعم في الوقت نفسه أنّ الحدود بينهما ليست بذلك الوضوح، فهما مفهومان متداخلان في العديد من الجوانب، ومن أهم هذه الجوانب هو ارتباطهما الوثيق بالمجتمع وقيمه وتوازناته . ويشدد غليون على التمييز بين الدولة والسلطة، "أي بين المؤسسة كشروط إجرائية لممارسة السلطة، وبين السلطة كمصدر اختيارات اجتماعية وسياسية وفكرية"، لأن هذا التمييز يحول دون إساءة استخدام السلطة وتحويلها إلى سلطة قهرية أو دكتاتورية . ورغم تحفّظنا على هذا التقييد لمفهوم الدولة بالقواعد الإجرائية ، تعود إشكالية التمييز القطعية التي تضع مفاهيم السياسة والدولة والسلطة في نماذج منفصلة مستقلة. ومع أنه لا يوجد تَطابق كامل بين مفهوَمَي الدولة والسلطة، فإن الفصل التام بينهما يصعب الدفاع عنه، مفهوميًا وواقعيًا. وإذا اعتبرنا المجتمع هو الحلقة الواصلة بين الدولة والسياسة، فإن التفاعل بين المجتمع والسياسة يُعدّ أيضًا الرابط المحوري بين الدولة والسلطة . بناء عليه، فإن هذه المفاهيم رغم تمايزها، مترابطة ومتشابكة، ولا يمكن إدراكها على نحو صحيح إّل ابمراعاة تداخلها في النظرية والواقع أيضًا. لا يتسع مقام هذه المقدمة لمناقشة مفهوم الدولة ونظرياتها المتعددة ، وما يهمنا في سياق الدعوة إلى بلورة مشروع لنظرية سياسية عربية هو التأكيد على الحاجة إلى منح العلاقة التشاكلية والتفاعلية بين المجتمع والسياسة والدولة والسلطة مزيدًا من التأصيل العلمي والفلسفي والسوسيولوجي. فالتطورات الراهنة في الدول العربية تدفع بالدراسات والنقاشات العربية السياسية إلى منح التفاعلات الاجتماعية في تحديد شكل الوعي بالسياسة والدولة
53 برهان غليون، نقد السياسة: الدولة والدين، ط 4 (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2007)، ص.524 54 Michael Marinello, Social Theory, the State, and Modern Society (Buckingham: Open University Press, 2006). 55 غليون، نقد السياسة، ص.538 56 لا نقصد انتقاد مفهوم الدولة في أعمال غليون، بل نقتصر في ذلك على هذا الطرح فحسب. 57 Gianfranco Poggi, The Development of the Modern State: A Sociological Introduction (Stanford: Stanford University Press, 1978). 58 ينظر مثلًا: بشارة، مسألة الدولة؛ David Held , Political Theory and the Modern State (Cambridge: Polity Press 1989); Colin Hay et al., (eds.), The State: Theories and Issues (New York: Palgrave Macmillan, 2006); ينظر الترجمة العربية في: الدولة: نظريات وقضايا، كولين هاي [وآخرون] (محررون)، ترجمة أمين الأيوبي (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2020
والسلطة مزيدًا من الاهتمام، وذلك من خلال إعادة النظر في حتمية مقولة إن الدولة أو السلطة هي التي تحدد نوعية العلاقات الاجتماعية، أي تضبط المجتمع وفقًا للقيم التي تؤمن بها النخبة الحاكمة؛ ومن ثم، الانتقال إلى تأمّل مقولة إن المجتمع يؤدي دورًا حاسمًا في تعريف السلطة وسياسة الدولة. وبعد ثورات الربيع العربي، تبدو الحاجة إلى هذا الانتقال مُِلِحّة، لأنها تسهم في تعزيز وعٍيٍ أعمق بمفاهيم الدولة والسياسة بصفتهما ظاهرتين سياسيتين لا يمكن اختزالهما في مفهوم السلطة. وإذا ما افترضنا أنّ السياسة متجذّرة Embedded في المجتمع وتتشكل من خلال تفاعلاته وقيمه المتغيرة، فإنّ الدولة لا يمكن أن تنشأ وتتطور بمعزٍلٍ عن المجتمع والسياسة. فالدولة ظاهرة سياسية مرتبطة بالمحيط الاجتماعي ومتفاعلة معه وتستمد أسباب وجودها وبقائها منه ومن متطلباته. من هذا المنظور، نحاجّ بأنّ الأزمة السياسية في العالم العربي لا تكمن في الدولة ، بل في نمط معّي نمن ممارسات السلطة السياسية، وهو نمط ناتج من انقطاع تاريخي حصل بين المجتمع والسياسة في لحظة تاريخية فارقة، ولا يزال متواصلًاحتى يومنا هذا، وتمثّل ثورات الربيع العربي الحدث التاريخي الوحيد، منذ عهدنا ب "الدولة الوطنية" العربية، الذي عَرَّب عن محاولة جادّة لإعادة ربط المجتمع بالسياسة. أما عن لحظة الانقطاع بالضبط، فتبقى موضوعًا مفتوحًا على العديد من التأويلات والقراءات التاريخية، على الرغم من وجود شبه إجماع ضمن الأدبيات التراثية، الإسلامية وغير الإسلامية، على أنّ نهاية الخلافة الراشدة كانت اللحظة التي دشّنت مرحلة الحكم العضوض. غير أن ما يهمّنا، وهو مرتبط بهذه القضية، هو طرح حسن الترابي اللافت، الذي يرى أنّ المجتمع الإسلامي ابتعد عن المؤسسة السياسية لحظة تحوّلها إلى أداة قهر، ذلك أنّ المجتمع قادر على الوجود والعيش من دون الدولة لأنه يشكّل المؤسسة السياسية الأولى، وليس الدولة . كما أشرنا سابقًا، نفترض وجود تلازم بين نظريَتَي الدولة والسياسة، إذ تُفهم الدولة باعتبارها ظاهرة سياسية في ضوء فهمنا للمجال السياسي. ويرى ياسين الحافظ أنّ السياسة العربية "سياسة متأخرة" بسبب عجزها عن النهوض بواقع العرب ومواجهة "ألاعيب وعدوانات ومؤامرات إمبريالية عصرية عاتية"، ويخلص إلى أنّ "مأساة السياسة العربية تتجلى في كونها تحاور العالم الحديث بغير منطقه[...]، في كونها عاجزة عن حل هذا التفارق بين واقع العرب القائم وواقع العرب
59 Brian R. Nelson, The Making of the Modern State: A Theoretical Evolution (New York: Palgrave Macmillan, 2006). 60 بشارة، الدولة العربية، ص.18 61 حسن الترابي [وآخرون]، حوارات في الإسلام، الديمقراطية، الدولة، الغرب (بيروت: دار الجديد، 1995)، ص.43
الواجب، [أي] نقل العرب من الفوات إلى المعاصرة" . لا يمكن هذا الفهم القائم على رؤية أيديولوجية أحادية للسياسة أن ينهي "مأساة السياسة العربية." وما نحتاج إليه هو نظرية سياسية عربية نقدية قادرة على وضع أطروحات واقعية عن العلاقة بين الفرد/ المجتمع والدولة، والتي تحدد فهمنا للسياسي Political The، والذي نقصد به كل الأبعاد المعنية بالشأن السياسي بما فيها المؤسسة السياسية، وهو الفهم أو التعريف الأفقي للسياسة (العلاقات التفاعلية)، من دون أن يقتصر على العمليات السياسية المتعلقة بصنع القرار السياسي، وهو التعريف الرأسي للسياسة (من أعلى إلى أسفل.) وفي ضوء ذلك، يمكن توصيف السياسة في العالم العربي بأنها سياسة فوق المجتمع، ومنفصلة عن قضاياه؛ وهو ما يشكّل جوهر أزمتها، لأنّ السياسة حين تتعالى على المجتمع تفقد أسباب وجودها وتنحرف نحو الاستبداد والطغيان وإشاعة القمع والعنف . ومن خلال هذا الاستعلاء، تتولد رؤية لدى السلطة عن ذاتها باعتبارها حاكمة للمجتمع يمنحها الشرعية للتحكّم في مصيره، وتصبح "دولة التحكّم لا الحكم" . أما بارتباطها بالمجتمع، فتقبل السياسة الالتزام بضوابَطَ تقيّدها. وقد تكون هذه القيود أخلاقية أو دينية أو قانونية وضعية أو حتى تقليدية مستمدة من الأعراف الشعبية.
خامسًا: مساهمات هذا العدد الخاص
سبق أن أشرنا إلى أنّ الأزمة السياسية في الواقع العربي تترافق مع أزمة في النظرية السياسية، وافترضنا أن من أهم خطوات الخروج من الأزمة إعادة النظر في الفكر السياسي العربي، وخاصة ابتعاده عن الواقع السياسي العربي وانخراطه فيه، ويتطلب هذا المسار أولًاتجاوز القيود التي تفرضها الأيديولوجيا السياسية، وإنهاء حالة الاستقطاب الأيديولوجي؛ لأنه لا يقدّم أيّ قيمة مضافة حقيقية للوعي الجمعي بشأن الإنسان والواقع، وثانيًا الابتعاد عن التمركز حول النظام الحاكم
ياسين الحافظ، 62 اللاعقلانية في السياسة العربية: نقد السياسات العربية في مرحلة ما بعد الناصرية، الأعمال الكاملة (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2005)، ص 17 وما بعدها. 63 نذكر في هذا السياق فرضية ديفيد إيستون الأساسية، وفحواها أن وجود النظام السياسي واستمراريته وشرعيته مرتبطة بالتفاعل الإيجابي بينه وبين المجتمع، وخاصةً من خلال حصول النظام السياسي على دعم Support المجتمع على أساس علاقة وثيقة متمثلة في مدخلات Inputs، مثل القرارات والوظائف والتصرفات التي يقوم بها النظام السياسي، بوصفها استجابة لمطالب Demands معيّنة من الأفراد أو المجموعات في المجتمع، إضافة إلى مخرجات Outputs تجسد نمط استقبال المجتمع لقرارات النظام السياسي ووظائفه. ينظر: David Easton, A Systems Analysis of Political Life (New York: John Wiley and Sons, 1965). حليم بركات، 64 المجتمع العربي في القرن العشرين: بحث في تغير الأحوال والعلاقات (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2000)، ص.533
والسلطة السياسية وتفكيك ثنائية "المؤيد - المعارض" بوصفها أحد معيقات التفكير النقدي البنّاء. فليست وظيفة النظرية السياسية تأييد الحكم أو معارضته، بل تفسير الظواهر السياسية، ومنها الحكم نفسه والأزمات السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية المرتبطة به، وينبغي أن يتمّ ذلك بأدوات معرفية وتصورات منطقية وإرشادات علمية، تسهم في إثراء النقاش العام حول هذه القضايا. وفي ظل إدراك حجم التحديات التي تواجه النظرية السياسية العربية المعاصرة وقدرتها على مواكبة التحولات الراهنة المتسارعة، بما في ذلك ما تطرحه هذه التحولات من قضايا جديدة أو ما تحدثه من تغيرات مفهومية ذات صلة بالقضايا نفسها (مثل الدولة والحكم والسيادة والمواطنة، وغيرها)، تطرح أبحاث هذا العدد الخاص من دورية سياسات عربية ، بعض الأسئلة المتصلة بالنظرية السياسية العربية في خٍّطٍ مواٍزٍ لما هي عليه الأوضاع في الواقع العربي، وما يميز هذه الأبحاث بصورة خاصة هو التنوع الذي تعرضه في تصوراتها والرؤى التي تطرحها. يعالج محمد بامية، في دراسته مفهوم الثورة من منظور "المعرفة العفوية" في الحالات الثورية العربية، مفترضًا أنّ هذا النوع من المعرفة يمكن عدّه بديلًا من الفكر الأيديولوجي الذي لا يعّب ر بالضرورة عن "روح الثورة" كما هي في الشارع المنتفض. ويفترض بامية، استنادًا إلى عدد من الأمثلة الملموسة من الحالات العربية، أنّ سوء فهم الفكر العفوي في الحالات الثورية العربية أدى إلى سوء تقدير في إدراك جانب مهمّ من الثورة؛ وكانت النتيجة وجود ثورتين: الثورة الاجتماعية التي تعّب ر عن هموم الشارع والحياة اليومية، والثورة السياسية ذات التوجّه والهدف السياسي، والتي تبتعد عن قضايا الشارع ولا تعّب ربالضرورة عن صوته. ويخلص إلى أنّ هذين الفهمين للثورة والانفصال بينهما لا يشكلان عاملًايساعد في الدفع بمسار الثورة نحو غاياتها، بل يخدم الثورة المضادة. أما نبيل فازيو فيستند إلى مقاربة نقدية لمفهوم العدل بمعالجة "بعض المعيقات المعرفية" من داخل النظرية السياسية العربية، لينطلق من ذلك لمناقشة أزمة التسويغ في الفكر السياسي العربي، وليطرح فرضيته البارزة، القائلة إنّ الانشغال الفلسفي والنظري العربي بمفهوم العدل لم يرتق بهذا المفهوم ليكون "سؤلًامحوريًا" في
65 عُِرِضت هذه الأوراق في إطار ورشة علمية، بعنوان "إعادة التفكير بالنظرية السياسية العربية: تحديات نظريات الانتقال"، نظمها معهد الدراسات الإسلامية والشرق أوسطية في جامعة برلين الحرة Berlin Universität Freie يوَمَي 26 و 27 نيسان/ أبريل 2024، بدعم من الأكاديمية العربية الألمانية الشبابية للعلوم والعلوم الإنسانية Academy Young Arab-German AGYA - Humanities and Sciences of. وخضعت للتحكيم العلمي المزدوج في دورية سياسات عربية. يشكر المحرر، في هذا السياق، فلوريان تسيّميّن Florian Zemmin على دعمه ومرافقته في عقد الورشة عبر اقتراح الأفكار وتقديم التسهيلات الإدارية على مستوى الجامعة، وهاني رشوان على مساهمته في ترتيبات تنظيم الورشة.
الفكر السياسي العربي مقارنة بمكانته في النظرية السياسية الغربية. ويفسر فازيو ذلك باختلاف طبيعة المساَرَين التاريخي والسياسي للمجتمعات. وتهدف الدراسة إلى الإسهام في عملية تثبيت مفهوم العدل في الحياة السياسية العربية بنقله من مفهوم مجرد إلى قيمة واقعية سياقية، أي بجعله جزءًا من الثقافة السياسية والأخلاقية في الفكر العربي. وفي دراسة عن ثورات الربيع العربي، يناقش عماد العلي مفهوم "الثورة" على أساس منهجي يتجاوز ثنائية النجاح/ الفشل في تقييم الثورات، وذلك بوضع إطار نظري يتضمن أفكارًا وأطروحاٍتٍ قيمية معيارية وسوسيولوجية حول الثورة في سياق تاريخي مشابه لسياق الثورات العربية. استنادًا إلى ذلك، تفترض الدراسة أن الثورات العربية ليست محاولة لإسقاط أنظمة الحكم القائمة فحسب، بل تتجاوز مسألة الرفض القطعي لممارسات الاستبداد والتعسف، لتطرح فكرتها الأساسية القائلة إن الثورات شكّلت دعوة "للعودة إلى السياسة" التي تعني إعادة النظر في كل ما يتعلق بالمجال السياسي بما فيها من إعادة توجيه نحو تطوير علاقة تعاقدية جديدة وتفاعلية إنتاجية بين المجتمع والدولة. وفي الدراسة الرابعة، يلقي الزواوي بغورة الضوء على الحالة السياسية ومفهوم السلطوية في الجزائر في إطار الخطاب السياسي العربي المعاصر. وبالإحالة إلى مقاربات ذات صلة، منها تحليل الخطاب والفلسفة الاجتماعية، واستنادًا إلى أفكار ميشيل فوكو وماكس هوركهايمر، يحاول رؤية العلاقات السلطوية بين المجتمع والسلطة في الجزائر من منظور إبستيمولوجي مختلف. وُيبُرز الباحث أربع مقاربات مختلفة (التاريخية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية) تلتقي في نقاط عديدة يهدف من خلالها إلى تحليل طبيعة العلاقة السلطوية والنظام السلطوي. تساعد هذه الاستراتيجية على أن تشمل الدراسة معالجة بنى وقضايا مختلفة في إطاٍرٍ واحد، في محاولة للكشف عن العلاقة بين الفلسفة الاجتماعية وتصوراتها والتجربة السياسية الجزائرية.
المراجع
العربية
أسس التوتاليتارية. ترجمة أنطوان أبو زيد. ط أرندت، حنة. 2. بيروت: دار الساقي،.2016 أزمة الدولة في الوطن العربي. بحوث ومناقشات الندوة الفكرية التي نظمها مركز دراسات الوحدة العربية بالتعاون مع مركز كارنيغي للشرق الأوسط والجمعية العربية للعلوم السياسية. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2011 أطوار التاريخ الانتقالي: مآل الثورات العربية. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2015 إمام، عبد الفتاح. الطاغية: دراسة فلسفية لصور من الاستبداد السياسي. الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،.1994 الأنصاري، محمد جابر. العرب والسياسة: أين الخلل؟ جذر العطل العميق. بيروت: دار الساقي،.1998 أومليل، علي. الإصلاحية العربية والدولة الوطنية. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،.1985 بدوي، محمد طه. النظرية السياسية: النظرية العامة للمعرفة السياسية. القاهرة: المكتب المصري الحديث،.1986 بركات، حليم. المجتمع العربي في القرن العشرين: بحث في تغير الأحوال والعلاقات. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2000 بشارة، عزمي. الانتقال الديمقراطي وإشكالياته: دراسة نظرية وتطبيقية مقارنة. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2020. ________. الدولة العربية: بحث في المنشأ والمسار. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2024. المجتمع المدني: دراسة نقدية. ط ________. 9. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2017 1996[.] ________. في الثورة والقابلية للثورة. ط.3 الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2016
________. مسألة الدولة: أطروحة في الفلسفة والنظرية والسياقات. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2023 الدولة في الفكر الإسلامي المعاصر. ط بلقزيز، عبد الإله. 2. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2004 ________. الدولة والمجتمع: جدليات التوحيد والانقسام في الاجتماع العربي المعاصر. بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر،.2008 الأيديولوجية الثورية. ط البيطار، نديم. 2. بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع،.1982 الترابي، حسن [وآخرون.] حوارات في الإسلام، الديمقراطية، الدولة، الغرب. بيروت: دار الجديد،.1995 إشكاليات الفكر العربي المعاصر. ط الجابري، محمد عابد. 2. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1990.]1989[________. قضايا في الفكر العربي المعاصر. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.1997 جدعان، فهمي. الماضي في الحاضر: دراسات في تشكلات ومسالك التجربة الفكرية العربية. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر،.1997 الحافظ، ياسين. اللاعقلانية في السياسة العربية: نقد السياسات العربية في مرحلة ما بعد الناصرية. الأعمال الكاملة. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2005 الحروب، خالد. هشاشة الأيديولوجيا - جبرروت السياسة. بيروت: دار الساقي،.2010 الحرية في الفكر العربي المعاصر. مراد دياني (محرر.) الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2018 حقوق الإنسان في الفكر العربي: دراسات في النصوص. سلمى الخضراء الجيوسي (محرر.) بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2002 حلاق، وائل. الدولة المستحيلة: الإسلام والسياسة ومأزق الحداثة الأخلاقي. ترجمة عمرو عثمان. مراجعة ثائر ديب. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2014 الدولة العربية المعاصرة: بحوث نظرية ودراسات حالة. محمد حمشي ومراد دياني (محرران.) الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2023 الدولة: نظريات وقضايا. كولين هاي [وآخرون] (محررون.) ترجمة أمين الأيوبي. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2020 زيادة، معن. معالم على طريق تحديث الفكر العربي. سلسلة عالم المعرفة 115. الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،.1987 السيد، رضوان وعبد الإله بلقزيز. أزمة الفكر السياسي العربي. بيروت: دار الفكر المعاصر،.2006 شراك، أحمد. سوسيولوجيا الربيع العربي أو الثورات التأسيساتية. فاس: مقاربات للنشر والصناعات الثقافية،.2017 الشرق الأوسط الجديد: الاحتجاج والثورة والفوضى في الوطن العربي. فواز جرجس (محرر.) ترجمة عبد الواحد لؤلؤة. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2016 شفيق، منير. الإسلام ومواجهة الدولة الحديثة. ط.3 تونس: دار البيرق،.1992 صعب، حسن. مقدمة لدراسة علم السياسة. بيروت: منشورات المكتب التجاري،.1961 ضاهر، محمد كامل. الصراع بين التيارين الديني والعلماني في الفكر العربي الحديث والمعاصر. بيروت: دار البيروني للطباعة والنشر،.1994 طه، عبد الرحمن. روح الحداثة: المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلامية. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،.2006 العروي، عبد الله. مفهوم الدولة. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،.1998 غليون، برهان. اغتيال العقل: محنة الثقافة العربية بين السلفية والتبعية. ط.4 الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2006.]1989[________. المحنة العربية: الدولة ضد الأمة. ط.4 الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2015 ________. نقد السياسة: الدولة والدين. ط.4 الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،.2007
فوكو، ميشيل. المراقبة والمعاقبة: ولادة السجن. ترجمة علي مقلد. مراجعة وتقديم مطاع صفدي. بيروت: مركز الإنماء القومي،.1990 قرم، جورج. "الفكر السياسي العربي المعاصر: علماني أم ديني؟"، المستقبل العربي. مج 83، العدد 444.)2016(الكيلاني، شمس الدين. مفكرون عرب معاصرون: قراءة في تجربة بناء الدولة وحقوق الإنسان. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2016 لماذا انتقل الآخرون إلى الديمقراطية وتأخر العرب؟ علي خليفة الكواري وعبد الفتاح ماضي (منسقان ومحرران.) بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2009 مانهايم، كارل. الأيديولوجيا واليوتوبيا: مقدمة في سوسيولوجيا المعرفة. ترجمة محمد رجا الديريني. الكويت: شركة المكتبات الكويتية،.1980 محفوظ، مهدي. اتجاهات الفكر السياسي في العصر الحديث. بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع،.1990 تجديد الفكر العربي. بيروت: دار الشروق محمود، زكي نجيب.،.1971 المواطنة والديمقراطية في البلدان العربية. علي خليفة الكواري (محرر.) بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2004 نصار، ناصيف. التنبيهات والحقيقة: مقالات إضافية حول الفلسفة والديمقراطية. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2019 منطق السلطة: مدخل إلى فلسفة الأمر. ط ________. 2. بيروت: أمواج للنشر والتوزيع، 2005.]1995[النقيب، خلدون حسن. الدولة التسلطية في المشرق العربي المعاصر: دراسة بنائية مقارنة. ط 2. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.1996 هلال، علي الدين [وآخرون.] عودة الدولة: تطور النظام السياسي في مصر بعد 30 يونيو. القاهرة: الدار المصرية اللبنانية،.2015 هنتنجتون، صمويل. النظام السياسي في مجتمعات متغيرة. تصدير فرانسيس فوكوياما. ترجمة حسام نايل. بيروت: دار التنوير للطباعة والنشر، 2017.]1968[هيوود، أندرو. النظرية السياسية: مقدمة. ترجمة لبنى الريدي. القاهرة: المركز القومي للترجمة،.2013
الأجنبية
Austin, John Langshaw. How to Do Things with Words. Cambridge: Harvard University Press, 1962. Bellamy, Richard & Andrew Mason (eds.). Political Concepts. Manchester: Manchester University Press, 2003. Converse, Philip E. "The Nature of Belief Systems in Mass Publics." Critical Review. vol. 18, no. 1–3 (2007). Dahl, Robert. Democracy and Its Critics. New Haven: Yale University Press, 1989. De Nardis, Fabio. Understanding Politics and Society. Cham: Palgrave Macmillan, 2020. Easton, David. A Systems Analysis of Political Life. New York: John Wiley and Sons, 1965. Frieden, Michael. Ideologies and Political Theory: A Conceptual Approach. Oxford: Oxford University Press, 1998. Hay, Colin et al. (eds.). The State: Theories and Issues. New York: Palgrave Macmillan, 2006. Held, David. Political Theory and the Modern State. Cambridge: Polity Press, 1989. Lust-Okar, Ellen & Saloua Zerhouni (eds.). Political Participation in the Middle East. Boulder: Lynne Rienner Publishers, 2008. Marinello, Michael. Social Theory, the State, and Modern Society. Buckingham: Open University Press, 2006. McLennan, Gregor et al. The Idea of the Modern State. Milton Keynes: Open University Press, 1984. Michels, Robert. Masse, Führer, Intellektuelle: Politisch- soziologische Aufsätze 1906–1933. Frankfurt: Campus Verlag, 1987. Mutz, Diana C. Hearing the Other Side: Deliberative Versus Participatory Democracy. Cambridge: Cambridge University Press, 2006.
Nelson, Brian R. The Making of the Modern State: A Theoretical Evolution. New York: Palgrave Macmillan, 2006. O'Sullivan, Noel (ed.). Political Theory in Transition. London: Routledge, 2000. Poggi, Gianfranco. The Development of the Modern State: A Sociological Introduction. Stanford: Stanford University Press, 1978. Rejai, Mostafa. Political Ideologies: A Comparative Approach. London: Routledge, 1994. Rokeach, Milton. Beliefs, Attitudes and Values: A Theory of Organization and Change. 7 th ed. San Francisco: Jossey-Bass Inc., 1980. Rush, Michael. Politics and Society: An Introduction to Political Sociology. Hemel Hempstead: Harvester Wheatsheaf, 1992. Selk, Veith. Demokratiedämmerung: Eine Kritik der Demokratietheorie. Berlin: Suhrkamp Verlag, 2023. Stoellger, Philipp (ed.). Deutungsmacht: Religion und Belief Systems in Deutungsmachtkonflikten. Tübingen: Mohr Siebeck, 2014. Todorov, Tzvetan. The Inner Enemies of Democracy. Cambridge: Polity Press, 2014. Williams, Geraint. Political Theory in Retrospect: From the Ancient Greeks to the 20 th Century. London: Edgar Elgar, 1991 Young, Iris Marion. Inclusion and Democracy. New York: Oxford University Press, 2000.