المعرفة العفوية وروح الثورة
الملخّص
This article examines the "intuitive knowledge" as one of the most important sources for understanding the trajectories of the Arab revolutions, despite the scarcity of studies that focus on it. We explore intuitive knowledge by examining its observable manifestations, such as its role as an alternative to "ideology" in expressing social and political views, its practical application in shared traditions, its flexible interpretation of relational life emphasising its habitual and voluntary aspects, its pragmatic evaluation of social and political phenomena, and its expression of distrust in "elites" who distance themselves from ordinary people's lives. Building on these premises, we explore the relationship between intuitive thought and charismatic phenomena or volatile populism, as well as the formation and dissolution of loyalty relationships, particularly in the neoliberal era. In this context, we emphasise the importance of viewing intuitive knowledge as a starting point for analysing the relationship between political and social revolution. We argue that the separation of these two types of revolution has created additional opportunities for counter-revolution. Keywords: Intuitive Knowledge, Arab Revolutions, Ideology, Political Revolution, Social Revolution.
Intuitive Knowledge and the Spirit of Revolution
تتناول هذه الدراسة "المعرفة العفوية" باعتبارها من أهم مصادر فهم مسارات الثورات العربية، على الرغم من ندرة الدراسات التي تهتم بها. نقارب المعرفة العفوية من خلال ما نلاحظه من صفاتها، وتحديدًا باعتبارها بديلًا من "الأيديولوجيا"، بوصفها وسيلة للتعبير عن وجهات النظر الاجتماعية والسياسية، ونهجًا عمليًا تجاه التقاليد التي يتقاسمها المرء مع الآخرين، وفهمًا رمن ا للحياة الارتباطية يلقي الضوء على أبعادها المعتادة والطوعية، ونهجً ا براغمتايا للحكم على الظواهر الاجتماعية والسياسية، وكذلك تعبيرًا عن غياب الثقة ب "النخب" البعيدة عن واقع الإنسان العادي. من هذه المنطلقات، نطوّر فهمًا للعلاقة بين الفكر العفوي والظواهر الكاريزمية أو الشعبوية العابرة، وكيفية تَك وّن علاقات الولاء وتلاشيها، خاصة في العصر النيوليبرالي. ونطرح في هذا السياق أهمية فهم الفكر العفوي، باعتباره مدخلًا لتحليل أزمة العلاقة بين الثورتين السياسية والاجتماعية اللَت ين أتاح انفصالهما، كما نزعم هنا، فرصًا إضافية للثورة المضادة. كلمات مفتاحية: المعرفة العفوية، الثورات العربية، الأيديولوجيا، الثورة السياسية، الثورة الاجتماعية.
مقدمة
في شباط/ فبراير 2011، عقب استقالة الرئيس المصري محمد حسني مبارك، سأل أحد الحرّاس في الإسكندرية كاتبًا مصريًا بارزًا، يعيش في المبنى نفسه الذي يعمل فيه هذا الحارس، عن سبب عدم مرور أحد ليوزّع ثروة مبارك التي يُشاع أنها تبلغ 70 مليار دولار على الشعب. نقل الكاتب يوسف زيدان هذه الواقعة في صالونه الشهري مث لًاعلى عدم فهم الناس العاديين آلية التغيير الاجتماعي والسياسي. يمكن النظر إلى موقف الحارس من زاوية مختلفة، هي المفهوم العفوي للعدالة: فثروة الطبقة السياسية الفاسدة تُعدّ، في نظره، "ثروتنا المسروقة." ومن هذا المنظور يكون معنى الثورة، بوصفها ثورةً لا إصلاحًا تدرّجيًا، هو استعادة ما سُِلِب منا في زمن ما قبل الثورة. من خلال مثال الحارس والكاتب، يمكننا ملامسة نظاَميَن فكرَييَن متعارَضَ ين: أحدهما الليبرالية السياسية التي تسلّط الضوء على التنمية المؤسسية والواقعية (حتى في أوقات الثورة)، وتعطي الثورة السياسية الأولوية على الثورة الاجتماعية؛ ما يعني الأولوية لإنشاء ديمقراطية إجرائية وبناء مشهد سياسي بقواعد ثابتة للمساءلة. تواجه هذه الفكرة أو العقلية مجموعة مختلفة من الأولويات عن الحقوق والواجبات، يطرحها فكر عفوي، متجذّر على نحٍوٍ خاص بين الطبقات الدنيا التي تعتبر الثورة الاجتماعية والثورة السياسية أمرًا واحدًا: فالثورة في هذا التصور لا تكون مَبّرَرة إلا بقدر ما تحققه من فوائد ملموسة. في هذا الفكر العفوي، تتجّل ىالشرعية الثورية في المعاملات الدنيوية أكثر من المبادئ المجرّدة؛ فالمؤسسات البعيدة عن الحياة اليومية هي مؤسسات غريبة وغير مثيرة للاهتمام، أو لا يمكن الاعتماد عليها؛ لأن التجارب المتراكمة حتى الآن أظهرت أنها لا تستجيب لمتطلّبات حياتنا. والثورة، لأنها ثورة، تعني من وجهة النظر العفوية فرصةً نادرةً للنفاذ المباشر إلى صميم الظلم الذي قامت من أجل إزاحته من الحياة 1. تنطلق هذه الدراسة من المفارقة بين هاتين العقليتين، وتفترض أن سوء فهم الفكر العفوي، ضمن النخب المثقفة أو المسيّسة، أدى كذلك إلى سوء فهم جانب مهمّ من الثورات. وقد يعود ذلك إلى قلّة الأدبيات التي تناولت الفكر العفوي في حقل العلوم الاجتماعية، مقابل التركيز عليه أساسًا في الفنون والأعمال الأدبية. فالاهتمام الفلسفي بالفكر العفوي، حين صُنّف ضمن نموذج "الفكر البدهي" في أعمال باروخ سبينوزا ورينيه ديكارت، لم يُطَرَح بطريقة تتيح الإفادة منه في العلوم الاجتماعية، التي لم تبدأ في الاقتراب من المفاهيم المماثلة للفكر العفوي، إّل ابعد أن طوّر إدموند هوسرل نظرة فينومينولوجية قابلة للتطبيق في التحليل الاجتماعي، خاصة على يد ألفريد شوتز 2، ثم تلميذيه توماس لوكمان وبيتر برغر اللذين أدخلا إلى صميم السوسيولوجيا مفهوم "الواقع" بوصفه بناءًاجتماعيًا يصوغه الفاعلون من خلال إدراكهم، لا مجموعة من الظروف الموضوعية. وأدّت مساهمات شوتز أيضًا إلى بروز منهج الأثنوميثودولوجيا على يد تلميذ آخر هو هارولد غارفينكل، الذي كرّس منهجه هذا لدراسة التركيبة البدهية للحياة اليومية في شتى المجالات والممارسات. ولا نرى في هذه الإنجازات الفكر العفوي بقدر ما نرى ما يبدو مرادفًا له: "المنطق الشائع" Sense Common. وعلى الرغم من أهمية مفهوم "المنطق الشائع"، فإنه لا يُسعفنا في فهم الفكر العفوي الذي لا يكون بالضرورة منطقًا شائعًا أو متَوََّقَعًا، بقدر ما يبرز بوصفه بديلًامفاجئًا لمنطق شائع آخر، وأعني في هذه الحالة منطق النخبة المسموع. تُظِهِر المواجهة بين العقليتين، الحارس والكاتب، أنه في غياب أيّ مرجعية أخرى سوى الحكمة الشعبية المتراكمة في الذاكرة، وعلى نحٍوٍ يحاول الوصول مباشرة إلى جوهر الأمور، فإن الشخص العادي، المسلّح بنظرة براغماتية إلى التقاليد المألوفة، يتوقع من الثورة أن تقدم شيئًا يشبه المجتمع الطوباوي الذي جرى تمثيله خلال الثورة نفسها. يبدو من النظرة الأولية أنّ النهج العفوي يريد للثورة أن تكشف عن طبيعتها العادلة بطرائق محسوسة لا مجردة. ولن يكون لهذه النظرة سوى قدر محدود، أو متوسط في أحسن الأحوال، من الصبر على لجنة من النخبة تقضي سنوات في صياغة دستور، لن يقرأه أولئك الذين يعطون المحسوس الأولية، والذين يعرفون، من خبرتهم التاريخية، أنّ دساتيرنا ليست ثابتة، وحتى إن استقرت فإنها لا تعني الكثير لمن له سلطة كافية ليتجاوزها. وهذا ليس نابعًا من أيّ مقاومة متأصلة لفكرة الدستورية، بل من فهم براغماتي لطبيعة الحياة السياسية، رسّخه العقل العفوي على مدى عقود من الخبرة والتجارب الواقعية المتراكمة: "حقوقي" كشخص عادي لم يحمها نص قانوني على ورق، بقدر ما كانت تحميها الرشوة التي نالها الشرطي أو موظف الدولة. إن إثبات أن الأمور يمكن أن تكون على خلاف ذلك يتطلّب تجربة لم تَُتَح بعد. وهنا يكمن جوهر الطبيعة البراغماتية الملازمة للفكر العفوي.
المعرفة العفوية هي المعرفة التي تُدَرَك الحقيقة من خلالها بالإحساس المباشر أكثر من اعتمادها على التماسك المنطقي؛ ويتخذ مفهوم العدالة فيها شكلًابسيطًا وسهل الفهم، لا صيغة قانونية معقّدة؛ وترى أنّ ما هو عقلاني واضٌحٌ بذاته، بما يعني أن القول بخلاف ذلك قد يكون محاولة مشبوهة لعقلنة ما هو في جوهره غير عقلاني؛ وثقتها بأيّ شيء لا تنفصل عن المعرفة التجريبية، ومن ثمّ تتراجع كلما ابتعدت السلطة عن نطاق مجتمع الفرد؛ وتكتسب المشاركة معنى بالنسبة إلى الإنسان العفوي، من خلال الإحساس المباشر بها لا عبر تفويضها إلى الغرباء أو إلى الهياكل البعيدة عنه. ويساعدنا هذا الفهم في إدماج "المعرفة العفوية" ضمن قواعد الديمقراطية، كما جرى تصوّرها خلال الاحتجاجات الجماهيرية. فالمعرفة العفوية متجذّرة في التقاليد الاجتماعية المألوفة، خاصة ذلك الجزء من هذه التقاليد الذي يعطي الحياة الطوعية في الأوقات العادية شكلًامعيّنًا، على الرغم من أن المعرفة العفوية قادرة على التعبئة لأغراض ثورية. تتناول هذه الدراسة "المعرفة العفوية" على أنها: بديل من "الأيديولوجيا" المتقنة، باعتبارها وسيلة للتعبير عن وجهات النظر الاجتماعية والسياسية. نهج عملي تجاه التقاليد التي يتقاسمها المرء مع الآخرين. فهم مرن للحياة الارتباطية، يسلّط الضوء على أبعادها المعتادة والطوعية. أساس محتمل لاتجاهيَن قابليَن للتناقض أو الاتفاق في السياسات "الشعبوية" (أحدهما يسلّط الضوء على "الزعيم القوي"، والآخر يسلّط الضوء على "الشخص العادي.)" تعبير عن عدم الثقة ب "النخب" البعيدة عن حياة الإنسان العادي، باستثناء الحالات الكاريزمية، أو الظواهر الشعبوية العابرة، أو علاقات الولاء التي تتكوّن من خلال تداول بعض الثروة عبر الطبقات. فهم ل "المواطنة" باعتبارها تتكوّن من حزمة من المسؤوليات المباشرة، وليس من خلال تعريفات قانونية أو دستورية أو نظرية.
أولًا: مسارات الفكر العفوي
ما سمّيته "المعرفة العفوية" قد يتغّي ربمرور الوقت، لكنه لا يحدث من دون توافر عامَليَن مساعدين. بداية، يكتسب المرء تراكمًاكافيًا من البراغماتية التي تضيف إلى عناصر هذه المعرفة ثقة كافية بأنّ لمصادر القوة البعيدة مصالح أخرى غير مصالحها، وأنّ الدولة، أًّيًا كانت، قائمة لسبب يتجاوز خدمة ذاتها. وفي هذا السياق، لا نتناول الحالات الثورية، فحسب، بل نؤكد الأهمية البالغة للفكر العفوي تاريخيًا في تنقيح مصادر المعرفة العامة، بما يجعلها قابلة للحياة على مر العصور؛ وذلك لأن المنهج العفوي يعطي هذه المعرفة هالة من الاستمرارية بصفتها جزءًا من تقاليد المجتمع، على الرغم من استمرارية تعديلها من أجل تقريبها إلى ما يتوافق مع ضرورات الحياة المتغيرة التي يطرحها الفكر العفوي. في سوسيولوجيا الإسلام، مثلًا، نلاحظ قدرة الأفكار الدينية على البقاء عبر قرون من خلال تدفق مستمر للبراغماتية الدينية، بما يشمل إنتاج المذاهب والطرائق والتفسيرات المتعددة، التي أظهرت في كل عصر الأهمية اليومية للأفكار الدينية عبر الأجيال والمجتمعات 3. إن بقاء الدين الشعبي، في شكل معرفة عفوية، لا يكون ممكنًا إّل امن خلال توفير ذخيرة مستمرة من التفسيرات العملية التي تتوافق مع احتياجات الحياة العادية المألوفة. وهكذا، فإنّ البراغماتية الاجتماعية مصدر لا مفرّ منه للمعرفة العفوية، التي تتغّي ربالتوازي مع التدفق المستمر للتحقق العملي من المعرفة الجديدة. لكن المصدر الآخر للمعرفة العفوية هو ما نسمّيه عادة "التقاليد"، وهو مفهوم يُساء فهمه عندما يُنظر إليه ببساطة باعتباره نقيَضَ "الحداثة." لأغراض هذه الدراسة، سأطرح تعريفًا بسيطًا: التقاليد، على عكس "الأيديولوجيا"، هي مجال الواقع المألوف "الُمَُسََّلَم به" الذي لا يحتاج إلى تفسير أو تبرير. قد يُقدم التفسير أو التبرير في رٍّدٍ على سؤال، أما في غياب السؤال فلا ضرورة للتبرير. بخلاف ذلك، تشير "الأيديولوجيا" عادة إلى مخطط منهجي واٍعٍ للعالم - كما هو، أو كما ينبغي له أن يكون - أي الأيديولوجيا بصفتها طريقة للنظر إلى ما هو أبعد من مظهر الأشياء، خارج الحدود المألوفة للعالم، وهي وسيلة للتعبير عن الشك في صحة الواقع "الُمَُسََّلَم به." وعلى الرغم من أن الأيديولوجيا المفهومة على هذا النحو قد تعود إلى قبول الواقع المألوف أو تبريره (كما هي الحال في "الأيديولوجيا المحافظة" على سبيل المثال)، فإنها لا تتبع المسار التقليدي للمعرفة: في الفكر المحافظ الذي يطرح نفسه أيديولوجيا، يتم شرح ضرورة المألوف وتبريره منهجيًا، ونقد البدائل، ثم العودة إلى الواقع المألوف بعد مسار فكري طويل حوله 4. كانت التواريخ الثورية للقرن العشرين تستخدم الأيديولوجيا بوصلةً، معتبرة المعرفة الشعبية، في أحسن الأحوال، رديفًا لها. وقبل الربيع
العربي، كانت الثورات تميل إلى إبراز أيديولوجيا حديثة تحملها منظمة سياسية معاصرة، وتنقلها إلى الناس نخبة ثورية ترى في التقاليد الشعبية عائقًا أمام التغيير الاجتماعي لا عاملًامساعدًا عليه. إن حقيقة أن ما نسميه "الأيديولوجيا" لا يتوافق مع المعرفة العفوية، تتجلى في أن الأيديولوجيا، خلافًا للفكر العفوي، تحتاج إلى تفسير. ويمكن قياس غربة الأيديولوجيا، على سبيل المثال، من خلال كمية الكتب التي تشرح المعاني المفضلة للاشتراكية والليبرالية والماركسية والقومية وما إلى ذلك، بل حتى المنظومات الفكرية المألوفة، مثل "الإسلام"، حينما دخلت بصفتها أيديولوجيا حديثة، تطلّبت أيضًا تفسيرًا، إذ بدا أنّ معناها الحديث لم يكن عفوَّيَ الطابع. لا تتعلق الحجة هنا بصحة الفكر العفوي الذي يُفهم باعتباره مجموعة من البراغماتية المألوفة، ونقيَضَ الأيديولوجيا، بل تكمن في فهم آليات استمرارية هذا الفكر، خاصة في الأوضاع الثورية التي تستهدف إطاحة المألوف واستبداله. إضافة إلى ذلك، يبدو أن بروز المعرفة العفوية، في التعبئة الشعبية العربية المعاصرة، يتناقض بحدّة مع الحلقات السابقة من التاريخ الحديث؛ حيث كانت الأيديولوجيات تهيمن على الحياة السياسية، بما في ذلك الفترات التي شهدت حضورًا شعبيًا للأحزاب الحديثة أو النخب الثورية الجديدة، التي نادت بالتجديد الاجتماعي، أو بحقوق المواطنة أو التنمية الاجتماعية والاقتصادية بصفتها مشاريع تتطلّب التوجيه من خلال الأيديولوجيات، وتجاوز التقاليد القديمة وطرائق التفكير المألوفة حول المجتمع والمستقبل. وكانت فترة "الضباط الأحرار" 5 التي ميّزت معظم فترة ما بعد الاستقلال، في أجزاء واسعة من العالم العربي، مث لًا على ذلك، حيث ظهر ضباط شبان غير تقليديين انحدروا من خلفيات اجتماعية هامشية، وتبَّنَوا أفكارًا جديدة حول الاشتراكية والهندسة الاجتماعية، فَحَظوا فترة بثقة قطاعات كبيرة من السكان، وتمتّعوا بصفات كاريزمية إلى أن فشلوا. ومن ثمّ، فإنّ الفكر العفوي ليس دائمًا عدوًا للأيديولوجيا، بل قد يُفهم على أنه خطاب احتياطي متاح دائمًا، لأنه كامن في المجتمع. بعبارة أخرى، قد يتراجع الفكر العفوي عندما يبدو الوعد الأيديولوجي بتحقيق واقع أفضل قابلًاللتطبيق عمليّا، ليعود إلى الصدارة حين يتم تقويض هذا الوعد 6. وكما هو معلوم، تراجع الخطاب الديني إلى الخلفية في ذروة عهد الضباط الأحرار، إلى درجة أن لا حكومة رأت فيه خطرًا، كما يتضح في حالة محمد أنور السادات الذي روّج لجماعة الإخوان المسلمين بصفتهم ثقلًاموازنًا للمعارضة اليسارية. وركّز شاه إيران الجزء الأكبر من قمعه على اليسار الراديكالي بدلًامن المعارضة الإسلامية. ورغم أنّ الإسلام السياسي لا يعّب رفي الواقع عن معرفة عفوية، كما هو محدد هنا، فإنه احتفظ باتصاله بطابع الإسلام الاجتماعي التقليدي، الذي ظل خلال تلك الفترة خطابًا احتياطيًا، يمكن أن يستيقظ عندما تتعثر بدائله، واحدًا تلو الآخر.
ثانيًا: المعرفة العفوية والثورة
يمكن فهم الانتفاضات العربية التي اندلعت في أواخر عام 2010 على أنها تتضمن أبعادًا ليبرالية في الأيديولوجيا أو النيّة، بدليل المطالبة بدولة مدنية أو بحكم مسؤول أمام الشعب، إلا أنها كانت مدفوعة إلى حٍدٍ بعيد بمعرفة عفوية، بدت قادرة فورًا على حشد الملايين من الناس غير المسَّيَسين. ويتجّل ىذلك في أنه إذا كانت أنظمة ما قبل عام 2011 تعرف معارضتها الأيديولوجية وتقمعها، فإنّ الخطر الفعلي الذي واجهته عاَمَي 2011 و 2019، تمثّل في أفراد لم يكونوا جزءًا من أّي منظمة سياسية، ونادرًا ما أدلوا بأصواتهم في انتخابات، ولم يشاركوا في أيّ مظاهرة قبل اندلاع الثورات. من هنا، يمكن القول إن تلك الثورات كانت أناركية في أسلوبها، وإن بدت ليبرالية في نيّتها 7. ففي حين أنّ فنّ حركتها لم يتطلّب أو لم يبُرز قيادة شاملة أو منظمات مركزية، فإنّ المطالب الأساسية، من مساءلة وحكم الشعب وحقوق المواطنة وغياب الفساد وقيام الدولة المدنية، تمثّل جوهر البرنامج الليبرالي الكلاسيكي الذي يرتكز على مسألة الحقوق والمشاركة، ويشكّل بذلك عمِاد الثورة السياسية. لكن عند إضافة مطلَبَي "الخبز" و"العدالة الاجتماعية" إلى هذه المطالب، تتجاوز الإطار الليبرالي الكلاسيكي، لتدخل في فضاء أوسع يسَّمَى الثورة الاجتماعية. إن التداخل بين الثورتين السياسية والاجتماعية أمر معروف، بدءًا من التحليل الماركسي لثورات عام 1848 في أوروبا، التي يمكن مقارنتها إلى حٍدٍ بعيد بالثورات العربية. فقد جاءت تلك الثورات في شكل موجة
عابرة للبلاد، وطرحت في مقدّمها مطالَبَ تشاركية ومواطنية وحقوقية، وفي ذيلها مطالَبَ اجتماعية. وبذلك بدت كأنها تعّب رعن مطالب كل الطبقات، باستثناء الأرستقراطيين والحكّام (وإلى حٍّدٍ ما الفلاحين.) لكن كما في حالة عام 1848، تضمّنت مرحلة بناء النظام الجديد في البلدان التي بدا أن الثورة نجحت فيها، مثل تونس ومصر، نقطة ضعف قاتلة، تمثّلت في تأجيل الثورة الاجتماعية حتى تُنجز الثورة السياسية مهمتها، وهذا، بمعنى ما، يعيد إنتاج المعضلات التي واجهت ثورات عام 1848 وغيرها من الثورات في أوروبا في القرن التاسع عشر، التي انتقدها بيتر كروبوتكين 8، لأنها أغفلت مسألة "الخبز" وركّزت بدلًامن ذلك على مطالب الطبقة الوسطى 9. في نهاية المطاف، أدّى هذا الانفصال إلى أن تخّل ىعن الثورات الفقراُءُ أو الطبقة العاملة التي لم تَرَ في الثورة السياسية المحضة سوى القليل من الأمل في الخلاص من بؤسها. ولا يُسعفنا التحليل الذي يُرجع كل الأمور إلى المؤامرات والعوامل الخارجية والقمع؛ لأنّ هذه العوامل لا تثمر ما لم يتزعزع الإجماع الشعبي على الثورة. وقد أثبتت التجربة نفسها ذلك، إذ إن الثورة بِسِلميتها وما بدا إجماعًا شعبيًا حولها، واجهت آلَةَ السلطة القمعية في تونس ومصر وسورية واليمن والجزائر والسودان (وإلى حٍدٍ ما في البحرين، حيث تطلّب الوضع تدخلًاعسكريًا مباشرًا من دول الجوار.) كان الأسلوب الأناركي للانتفاضات في حد ذاته متجذّرًا في المعرفة العفوية، وفي التقاليد المألوفة للحياة اليومية التي تفرض العمل العفوي والمعونة المتبادلة والتضامن مع الأقارب والجيران في مواجهة الغرباء، الذين هم نظام الحكم في اللحظة الثورية. وحقيقة بقاء المعرفة العفوية في الصدارة وعدم تراجعها أمام الأيديولوجيات المقترحة 10، سواء الإسلامية أو الليبرالية، قد تكون مستندة إلى الذاكرة التاريخية 11. لكن فهم طبيعة المعرفة العفوية واستمراريتها يساعدنا في تحديد التصدّعات في المشروع الثوري، التي من خلالها عادت الثورة المضادة إلى المشهد، بعد عاَميَن من الثورة في مصر، وبعد عقد من الزمن في تونس. وفي كلتا الحالتين، كانت القضية نفسها: الفجوة المتزايدة بين الثورة السياسية والاجتماعية، أو بين الخطوط العريضة المنهجية للفكر الليبرالي، في مقابل المنطلقات الحميمية والتجريبية للفكر العفوي. تعّب ر الثورتان، السياسية والاجتماعية، عن مطلب المشاركة، وإن اختلفت طرق التعبير عنه. ففي الثورة السياسية، كما عرفناها حتى الآن، يتمحور مفهوم المشاركة حول حق الانتخاب الحرّ والنزيه، وهي الطريقة التي يشعر فيها "الشعب" بأنه يشارك: أي من خلال تمثيله من شخص أو حزب آخر، يُطَلَب منه أن يثق بهذا الممثل، إلى أن تُتاح له فرصة التصويت مرة أخرى (وخلال هذه الفترة بين انتخابات متعاقبة، يُفترض أّل ايحدث أيّ تغيير يُذَكَر في السياسات المتبعة، وهذا ما نقده جان جاك روسو نفسه في الديمقراطية الانتخابية في إنكلترا) 12. أمّا في الثورة الاجتماعية فتبرز رؤية أخرى لمفهوم المشاركة، ذات أهمية أكبر لأولئك الذين اضطروا إلى الاعتماد على أنفسهم بدلًامن الاعتماد على السلطات قبل الثورة، وتشمل إلى حٍدٍ بعيد أشك لًامن المساعدة المتبادلة والتضامن العملي. ولذلك، فإنّ شعورهم ب "المشاركة" تجريبي وايومي ومحسوس وملموس، وليس تفويضًا وتمثيل 13. في الواقع، كان السبب الرئيس لشعبية الحركات الاجتماعية الإسلامية، طوال عقود قبل الثورة، يتلخّص تحديدًا في أنها وفّرت لأتباعها إحساسًا مباشرًا ويوميًا بأنهم مواطنون مشاركون في تخفيف المشكلات الاجتماعية والاقتصادية والجسدية للآخرين، وعلى وجه التحديد في ظروف غابت فيها الديمقراطية الرسمية أو افتقرت إلى الصدقية 14. إنّ استمرار الفكر العفوي بعد عام 2011، بالنسبة إلى كثيرين، لا يُعزى إلى روح تقليدية متمسكة بذاتها أو معادية للسياسة، بقدر ما يعود إلى أنّ المجال السياسي بعد الثورة احتكرته أحزاب استمرت في الاسترشاد في المقام الأول بأيديولوجيتها، على الرغم من أن الثورات لم تكن مرتبطة بأيّ حزب سياسي، ولم يتوقّع أيّ حزب حدوثها فعليًا، فضلًاعن قيادتها. طبعًا هذا لا ينفي وجود أ طر تنسيقية ذات طبيعة غير حزبية، سواء
صورة لافتة في أحد شوارع القاهرة بعد ثورة عام 2011
تلك التي حاولت أن تفاوض على الانتقال الديمقراطي بعد الثورة، كما في السودان وتونس، أو ساهمت في تنظيم الاحتجاجات، على الرغم من أنها لم تتوقع ثورة، كما في مصر مثلًا، أو اختزلت دورها في العمل التنسيقي وتبادل المعلومات، كما في المراحل الأولى من الثورة السورية، أو برز جزء مهم منها من داخل النظام، كما في ليبيا 15. لكن لا نرى في أٍّيٍ من هذه الأطر ما نراه في الثورات الكلاسيكية من بروز تنظيم موّحد يؤطّر إجماعًا شعبيًا، أو حتى التنظيم الفكري الاستراتيجي للثورة عمومًا، كما نرى مثلًا في حزب الوفد، في ثورة عام 1919 في مصر، أو في مسار الثورة الإيرانية 1979()، أو في كثير من مراحل الثورات ضد الاستعمار، مثل بروز منظمة التحرير الفلسطينية إطارًا توحيديًا في الحالة الفلسطينية، قبل مساومات أوسلو 1993()، أو جبهة التحرير الوطني في الحالة الجزائرية. على الرغم من ذلك، يمكن ملاحظة تسامح الفكر العفوي مع الأحزاب السياسية خلال فترة معيّنة، إذ حصل بعضها على نسبة عالية من الأصوات في الانتخابات، على الرغم من علاقتها المترددة أو المتأخرة أو التابعة للثورات، بينما ظل كثيرون ينظرون إليها على أنها خارج الإطار الحقيقي للعملية الثورية. وقد ظهر ذلك واضحًا في العديد من اللافتات في الشوارع التي كانت حذرة من الأحزاب عمومًا، ففي حين استفادت الأحزاب من الثورة من حيث قدرتها على المنافسة انتخابيًا والتمتع بحرية التعبير، لم يُنظر إلى أيّ منها على أنه يجسد روح الثورة، على عكس التجارب التاريخية السابقة، مثل علاقة حزب الوفد بثورة عام 1919 في مصر. لكنّ الواقع بعد عام 2011 أظهر أنّ بعض الأحزاب لم تفز بالانتخابات إّل الأن المشهد السياسي بعد الثورة كان منَّظَمًاحول الأحزاب، ولم تتّضح كيفية التعامل مع المعرفة العفوية، أو كيفية بناء مساحة سياسية تستوعبها.
ثالثًا: الفكر العفوي بعد الثورة
كشفت السياسات الحزبية في مرحلة ما بعد الثورة عن فجوة بين الأيديولوجيا والفكر العفوي لم تكن واضحة من قبل. ومن الأمثلة على ذلك الانتخابات واستطلاعات الرأي العام التي جرت في تونس على مدى عشر سنوات، في الفترة 2021-2011، التي أظهرت أنّ الدعم
الملتزم للأحزاب لم يتجاوز نصف الأصوات التي فازت بها فعليًا، أو حتى ثلثها. واللافت للانتباه أكثر أنّ نتائج استطلاعات الباروميتر العربي أظهرت أنه، رغم اعتقاد أكثر من ثمانية من كلّ عشرة تونسيين أنّ الديمقراطية هي النظام الأفضل، فإنّ سبعة منهم من بين هؤلاء العشرة يرون في الوقت نفسه أنها تؤدي إلى عدم الاستقرار، وتراجع الأداء الاقتصادي، وضعف القدرة على اتخاذ القرارات 16. قد تفسر عوامل عديدة هذه المفارقَةَ الغريبة، أسهلها وأقلّها إفادة القول إن الجماهير لا تفهم معضلات الانتقال الديمقراطي. وبالفعل كانت هذه النظرة الدونية لما نسمّيه الفكر العفوي من أول التفسيرات التي سمعتها مباشرة في مصر، بدءًا من آذار/ مارس 2011، أي في المراحل الأولى من التفكير في نظام ما بعد الثورة، وبالتحديد بعد أن وافق 77 في المئة من المصريين في استفتاء على دستور موقت للمرحلة الانتقالية، اقترحه المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذي كُلّف بإدارة تلك المرحلة. ففي اجتماع حضره عدد كبير من الناشطين في قاعة الصاوي في القاهرة بعد ذلك الاستفتاء، بدأُتُ أسمع أقولًامفادها أنّ معضلتنا الأساسيّة تكمن في أن نسبة 77 في المئة من الشعب جاهلة، وهو عكس ما كان يُقال عن "الشعب" خلال اللحظة الثورية السابقة لسقوط رأس النظام. ومع ازدياد الاحتقان السياسي، اتّضح لي أنّ هذه النظرة امتدّت إلى بعض الأوساط الأكاديمية أيضًا، خاصة حينما واجهني أحد أعضاء جمعية أكاديمية مصرية خلال مؤتمر حول مسارات الثورة بقوله إن نصف شعبنا "لا يعرف الفرق بين الديمقراطية والملوخية." تُثبت هذه المواقف الأهمية البالغة لفهم الفكر العفوي، ليس فقط في السياقات الثورية التي نحن نتناولها هنا، بل أيضًا في التعامل مع الظواهر الشعبوية أو الكاريزمية المصاحبة للتغييرات السياسية الكبرى. ففي الحالات الثورية، نلاحظ فرقًا هائلًابين المسارات اليومية البراغماتية للفكر العفوي وفهم الأحزاب للثورة عمومًا، خاصة في الحالة المصرية. وقد يكمن هذا الاختلاف في أن التجربة المصرية انهارت خلال سنتين بعد الثورة، بينما صمدت التجربة التونسية عشر سنوات. ففي تونس لم يكن للأحزاب مفٌّرٌ من الدخول في الحوار وبناء التحالفات، على الرغم من المشاحنات؛ ما خفّف من الشعور باستئثار السلطة من طرف واحد وإقصاء الآخرين. وفي هذه الحالة، اقتربت سلطة ما بعد الثورة من أحد أوجه الفكر العفوي عندما يكون ثوريًا. وهو الشعور بوجود إجماع على الثورة، إذ يعّب رالشخص العادي عن هذا الإجماع مباشرة من خلال اندماجه في الثورة، فُيُمَنَح لهذا الشعور بالإجماع رمز يسمّى "الشعب"، كيان له كلمة موحّدة لا تُخطئ. قد لا يستمر مثل هذا الشعور في البروز تعبيرًا عفويًا إذا لم تقتض الحاجة، لكننا نتوقع له حضورًا قويّا في الحالات الثورية التي تتطلّب شعورًا بإجماع الإرادة الذي يصبح أشد ضرورة للتغلّب على عدوّ قويّ يسَّمَى "النظام." في المحصّلة النهائية، للأحزاب المنَّظّمة والمؤدلجة منطق يختلف جذريًا عن الفكر العفوي. ومن هنا، وبفعل هذا الاختلاف في المنطق، تبرز مع مرور الوقت مسافة ملموسة بين الفكر الحزبي المنظّم الهادف إلى الحكم، والفكر العفوي البراغماتي الذي يسعى إلى إيجاد حلول يومية عملية، والمرتبط بالتقاليد الاجتماعية المتعارف عليها 17. إنّ بروز هذه المسافة يرتبط ارتباطًا وثيقًا بفهم الانقلاب الدستوري الذي قام به قيس سعيّد، الذي أعدّ له من خلال نقد أهمية الأحزاب، وتقديم نفسه شخصًا من خارج الطبقة السياسية برمّتها، وبعبارة أخرى، باعتباره شخصًا يمثل نهجًا أقرب إلى عفوية المعرفة (التي أعتقد أنها تكمن في جذور الجاذبية الحالية لما نسمّيه "الشعبوية.)" وهكذا، يمكننا أن نفهم لماذا لم يواجه سعيّد مقاومة شعبية تُذكر عندما علّق، بضربة واحدة، النظام السياسي القائم على الأحزاب السياسية (وهذا لا يعني أنّ هذا "الإنجاز" سيكون أبديًا، أو أنه كان قدرًا مقدّرًا). أما في مصر فتبدو الصورة أوضح. فقد فازت جماعة الإخوان المسلمين وحلفاؤها بأربعة انتخابات واستفتاءات متتالية خلال العامين التاليين للثورة، لكنها انهارت بسرعة في العام الثالث، نتيجة انقسامات خطرة داخل الطبقة السياسية في مرحلة ما بعد الثورة، وما تبع ذلك من انتفاضة شعبية، أتاحت للجيش فرصة لاستعادة السلطة. في أعقاب انقلاب عبد الفتاح السيسي 2013()، أخبرني ناخب سابق لجماعة الإخوان المسلمين عن نشاطه في تعبئة عائلته بأكملها للتصويت لمصلحة محمد مرسي عام 2012، ليس لأنه كان عضوًا في الجماعة أو ملًّم ابها، بل لأنه كان يعتقد أن الإخوان كانوا قوّة أخلاقية جديرة بالثقة، "بتوع ربنا"، كما عّب ر. لكنّ عامًا واحدًا في السلطة كان كافيًا لتغيير هذه الحكمة العفوية كليّا. من المعروف أنّ عوامل خارجية أدّت دورًا مهمًافي تقويض التجربة الديمقراطية في مصر، إلى جانب الثورة المضادة داخليًا التي ساندتها قوى ما يسمّى ب "الدولة العميقة"، خاصة في بعض الوزارات التي سيطرت على جوانب مهمة في الحياة العامة، مثل الداخلية والكهرباء والتموين. لكن حينما طُرحت هذه النقطة، خلال حوارات عادية في
الجدول)1(نموذَجَا المساعدة والولاء
| المساعدة الاجتماعية والحركات الحديثة | المساعدة الاجتماعية والسياسات التقليدية |
|---|---|
| الحركات الاجتماعية ---> الولاء الأيديولوجي | علاقات الدعم الموروثة ---> الولاء الموروث |
| الحركة الاجتماعية العميل/ المستفيد | الراعي/ الزعيم/ ولّيّ الأمر العميل/ المستفيد |
مصر، بعد خمسة شهور من الانقلاب، فوجئُتُ بإجابات من مؤيدي الانقلاب تقول إنهم يقرّون بذلك، لكنّ الإشكالية الأساسية بالنسبة إليهم تمثلت في أنّ الرئيس مرسي وضع نفسه في موقع المسؤولية، ومن ثمّ كان عليه أن يتعامل مع المؤامرات ويتغلّب عليها. هنا نلمس جانبًا آخر من الفكر العفوي، ربما يتعدّى الطرح الوصفي المعتاد للعقل التآمري 18. فالمقولة العفوية لا تقوم فقط على نظرة تسعى للوصول المباشر إلى لبّ الأزمة، من ذلك، مثلًا، اعتبار الساحة السياسية بأكملها صيرورة مؤامرات فحسب، بل تتضمن اقتراحًا لحلّ هذه الحالة المستدامة: إذا وضعت نفسك في موقع المسؤولية عن حال الأمة، فيجب أن تتوقّع المؤامرة وتعمل على إنقاذنا منها. ولا يُعفيك من هذه المسؤولية قولك إنك تواجه مؤامرة؛ لأنّ المؤامرة جزء من طبيعة السياسة. وإن كنت أنت قد طلبت ثقتنا بك رئيسًا للبلاد، فقد افترضنا أنك ذو قدرة على مواجهة المؤامرات، لكنك لم تنجح في هذا الامتحان.
رابعًا: نظرة إلى التقاليد بصفتها مقاومة للتحوّل النيوليبرالي
إضافة إلى التباين بين الأحزاب السياسية بأيديولوجيتها المحددة سلفًا والتعبئة الشعبية التي تتبع طريق المعرفة العفوية، العامل المهم الآخر في هذه القضية هو تراث العصر النيوليبرالي، الذي قوّض في نهاية المطاف الإيمان المتبقي بعهد الضباط الأحرار. ما تبقّى بعد ذلك من وعدهم ب "الثورة من الأعلى"، كان نظامًا يُنظر إليه على نطاق واسع بوصفه فاسدًا. ومن المهم أن نفهم معنى "الفساد" من منظور المعرفة العفوية، بما يستدعي التمييز بينه وبين أشكال التكيّف المقبولة مع المصاعب اليومية الأكثر شيوعًا بين الفئات الأشد فقرًا. ومن الأمثلة الدالة على ما أشير إليه مظاهرة شهدُتُها في آذار/ مارس 2011 في القاهرة، أمام وزارة الداخلية، شارك فيها نحو 200 ضابط شرطة، جرى فصلهم من الخدمة، بسبب تلقّيهم رشاوى قبل الثورة، وذلك في إطار سياسة ما بعد الثورة لمكافحة الفساد. ومع ذلك، طالب هؤلاء الضباط بإعادة توظيفهم، بحجة أنّ الرشاوى التي تلقّوها كانت ضئيلة! (خاصة مقارنة بالموظفين الأعلى رتبةًالذين احتفظوا بمناصبهم.) يتضح من خلال تلك الحادثة المفهوم العفوي للعدالة، الذي أصبح توقعًا طبيعيًا في حياة موظفي الحكومة من ذوي الأجور المتدنّية: فالفساد ليس أيّ سرقة، ولا يشمل ما يُعدّ ضروريًا للعيش. ففي العصر النيوليبرالي، غدا مفهوم الفساد تسمية أخرى لحكومة لم تفعل إّل االقليل من أجل الشعب، وفعلت كل شيء من أجل نخبة من رجال الأعمال متحالفة معها. لقد ترسّخت في هذا العصر علاقات وثيقة بين النخب السياسية والاقتصادية، تجسّد من خلالها انتقال من نخبة قديمة راعية (اكتسبت الولاء بتقديم منافع ملموسة لعملائها)، إلى نخبة نيوليبرالية جديدة (احتكرت الثروة ولم تُعد توزيعها في أيّ اتجاه اجتماعي.) وفي المنطقة العربية، بدأ التحوّل النيوليبرالي في وقت أبكر مما شهده بقية العالم 19؛ إذ يمكن اعتبار سياسة الانفتاح
| أسباب الفساد | نسبة مئوية | طرائق التعبير عن عدم الرضا عنه | نسبة مئوية |
|---|---|---|---|
| عدم معاقبة مرتكبي الفساد | 97 | الاتصال بالإدارة المعنية | 21.5 |
| انخفاض مستويات المعيشة | 86 | الاتصال بالقيادة | 0.2 |
| القرابة والقبيلة | 80 | الاتصال باللجنة الثورية | 29.3 |
| إهمال القيم الأخلاقية في المدرسة | 70 | طرح الأمر في اجتماع المؤتمر الشعبي | 12.8 |
| عدم كفاءة القوانين | 67 | الاتصال بوسائل الإعلام | 4.4 |
| فشل الأسرة في تعليم احترام قواعد القانون | 38 | التحدث في الأماكن العامة | 0.5 |
| فشل المسجد في تعزيز قيم مكافحة الفساد | 31 | التحدث فقط مع الأفراد الموثوق بهم | 94.6 |
| التزم الصمت | 68.9 | ||
| خيارات أخرى | 23.0 |
التي انتهجها السادات في سبعينيات القرن العشرين العلامة الأولى على هذا التحوّل المرتَقَب. ومن هذا المنظور، أصبح الفساد في الوعي العفوي للفئات الفقيرة تعبيرًا عّم اُفُقد في العصر النيوليبرالي: غياب تقاليد تداول الثروة أو ممارساتها، التي لازمت نخبة الأعيان التي اضمحلّت، أو السياسات الاجتماعية لأنظمة الضباط الأحرار التي تآكلت لاحقًا. مع مرور الوقت، وبفعل النموّ الديموغرافي الهائل وهيمنة النزعات النيوليبرالية، نشأ فراغ في شبكة الأمان الاجتماعي، ملأته جزئيًا الحركات الإسلامية منذ السبعينيات. كانت لهذه الحركات خبرة سابقة في مجال تقديم الخدمات الاجتماعية، وفي الواقع، بدأت غالبًا، كما حدث في غزة بعد عام 1967، منظمات خيرية، قبل أن تتحوّل لاحقًا إلى هيئات سياسية. غير أن اللغة الإسلاموية كانت ذات قدرة خاصة على التواصل المباشر مع عناصر المعرفة العفوية المتجذرة في الثقافة الشعبية، حتى عندما كانت الحركات الإسلامية المنظمة ذات توجه أيديولوجي حديث. ولم يكن ذلك التباين مهمًاخلال فترة من الوقت، إذ قبل أن تصل هذه الحركات إلى الحكم وتمارس السلطة على أيّ شعب، كان يُنظر إليها أساسًا بوصفها كيانات أخلاقية، "بتوع ربنا"؛ الأمر الذي منحها في العصر النيوليبرالي ميزة الظهور بمظهر القوى الجدول)2(المواقف من الفساد في ليبيا ما قبل الثورة
المحصّنة ضد الفساد. على أن الفساد لم يكن يقتصر على الرشوة البسيطة؛ فهذه كانت أمرًا متوقعًا وشائعًا، بل تمثّل في غياب تداول الثروة، وهو ما كان يُعدّ القاعدة في العلاقات الرعوية الباتريمونيالية التي نادرًا ما كان يُنَظَر إليها على أنها "فاسدة." إلى جانب "الفساد" النيوليبرالي الذي أعقب عهد الضباط الأحرار الذين يُعدّون من الموثوق بهم سابقًا، برز عامل آخر أضفى أهمية متزايدة على الفكر العفوي خلال ما يسَّمَى بالعصر العربي المظلم)2011-1974(20، وهو انهيار جميع مصادر الثقة الاجتماعية تقريبًا، باستثناء تلك التي يمكن اعتبارها "تقليدية." فقد بدأت في تلك الحقبة مصادر الثقة التقليدية، التي كانت تؤدي سابقًا دورًا هامشيًا، أو تمثّل آلياِتِ دعٍمٍ خلفية للحياة اليومية، تكتسب أهمية متعاظمة بوصفها الملاذ الأخير للدعم في بيئات معزولة ومنفصلة عن الدولة، لم تعد ترى في مؤسساتها فائدة تُذَكَر. ومن الأمثلة الجيدة على ما أشير إليه دراسة استقصائية نادرة أ جريت في ليبيا قبل اندلاع الثورة بعشر سنوات، تناولت أسباب "الفساد"
وأنماط الاستجابة له. من بين الأسباب الكثيرة المذكورة، كان السببان الأقل حضورًا في إجابات المستجيبين هما الأسرة والمسجد؛ أي أقرب مصادر الثقة إليهم، وكذلك المصادر التي جسّدت العناصر الأساسية لما نسمّيه التقاليد. والأهم من ذلك أن قائمة مصادر الفساد تضمّنت القبيلة، في إشارة إلى ضعفها في ذلك الوقت بوصفها مؤسسة اجتماعية، إلى جانب عوامل أخرى، من قبيل تدّن يمستويات المعيشة ورداءة التعليم وقصور المعايير القانونية. أما فيما يتعلق بطرق التعبير عن عدم الموافقة على الفساد فقد كانت الإجابات الأكثر شيوعًا لافتة في دلالتها: إذ جاءت الردود الأقل رواجًا تلك التي لها علاقة بالاتصال بالسلطات أو بوسائل الإعلام، بينما فضّ ل معظم المشاركين التحدث إلى أفراد يثقون بهم أو التزام الصمت تمامًا. وهكذا نرى أن المعرفة العفوية تكتسب صدى لأنها تتماشى بطبيعتها مع القريب والمألوف، وتبقى على مسافة من المؤسسات الرسمية. وقد دخل معظم الناس مرحلة الثورة بالعقلية نفسها.
خامسًا: المعرفة العفوية بصفتها تقاليد تجريبية
عندما نتحدث عن التقاليد الاجتماعية باعتبارها أحد مصادر الإرشاد للفكر العفوي، فإننا نعني بها نهجًا عمليًا للحياة، لا تفسيرًا مدرسيًا لها. وهذا الاختلاف مهمّ، خاصةً حين نتناول الفكر العفوي بوصفه ممارسة شعبية. فمن يشعر بالحاجة إلى تفسير التقاليد تفسيرًا مدرسيًا، هو في نهاية المطاف شخص لا تربطه بها علاقة عفوية؛ إذ إن التقاليد بالنسبة إليه موضوع يتطلّب التفسير أو التبرير أو التحقق أو الإحياء، أو لأيّ فعل آخر غير كونها موردًا متاحًا للاستخدام الفوري. في كلتا الحالتين، يظل مفهوم التقاليد قائمًا بوصفه وسيلة لتخيّل التماسك الاجتماعي، كما هو أو كما ينبغي له أن يكون. قد تنطوي التقاليد الشعبية، بطبيعة الحال، على مختلف أشكال علاقات القوة. لكن إلى الحد الذي تبدو فيه التقاليد طبيعية بالنسبة إلى الشخص الذي يلتزم بها، لا مفروضة عليه قسرًا، فإنها تعّب رعن طوعية الحياة. في هذه الحالة، تكون التقاليد قابلة للاستخدام بديلًا من التنظيم الرسمي للحياة الذي تمارسه الدولة عبر القانون. وإلى الحد الذي يتطلّب فيه قانون الدولة الطاعة بالإكراه أو الشرطة أو السجن، أو أيّ آلية أخرى للعقوبة، فلا بد من التمييز بينه وبين التقاليد في شكلها البدهي والطوعي (وهنا يجب الانتباه إلى أننا نتحدث عن التقاليد المقبولة طوعيًا بعامةٍ، لا تلك التي تُرفض، ومن ثمّ تتطلّب استخدام العنف؛ فحضور العنف يشير إلى تحوّل اجتماعي وإلى بروز معارضة للتقاليد من داخلها، وهو ما يعني فقدانها مكانتها بوصفها دليلًاعلى الإجماع الاجتماعي المقبول.) هنا يكمن الفرق الجوهري بين التقاليد في شكلها الطوعي وقانون الدولة، حتى عندما يزعم بعضهم أن قانون الدولة يستند إلى التقاليد الاجتماعية؛ وذلك لأن التقاليد عندما تتطلّب قانون الدولة كي يتم الالت زام بها، فإن هذا يشير إلى أنها لم تعد معيارًا مقبولًاطوعيًا، بل أصبحت تستند إلى الإكراه؛ وهو ما يعني أنّ الت قاليد فقدت مكانتها بوصفها تعبيرًا عن إجماع اجتماعي واضح. وكذلك عندما تزعم الدولة، خدمةً لمصلحتها الخاصة المتمثلة في إضفاء الشرعية على قانونها، أن تشريعاتها تستند إلى التقاليد الشعبية، فإنّ الهدف من هذا الادعاء ليس حماية ما يمكن أن يستمر من دون تدخّل الدولة، بل تعزيز شرعية القانون ذاته. وبهذا المعنى، يجب أن ننظر إلى القانون والتقاليد بوصفهما متضاَّدَين لا متكامَليَن 21، خلافًا لما يزعمه بعضهم خطأ: فقانون الدولة يرتبط دائمًا بإمكانية الإكراه، في حين تظل التقاليد الشعبية مصدرًا للتواصل الاجتماعي ما دامت تحتفظ بطابعها الحميم الذي لا يحتاج إلى قوة ق سرية للحفاظ عليه. وُيُعدّ لجوء المجتمع إلى العنف أو إلى سلطة الدولة لضمان استمرار التقاليد دليلًا على ذبولها وفقدان طابعها العفوي. ففي شكلها القسري القانوني، تفقد التقاليد صلتها بالمعرفة العفوية، وتتحوّل في الواقع إلى نقيضها. إلى جانب ارتباط الفكر العفوي بالأبعاد الحميمة وغير القسرية للتقاليد العادية، فهو يمثّل أحد أساليب تصور شكل "الشخص العادي"، وبمعنى آخر، هو أيضًا طريقة للحكم على ما ليس "عاديًا." وليس الهدف بالضرورة دائمًا معاقبة الانحراف، بقدر ما هو في محاولة إيجاد طرائق للتفاوض معه. ولأغراض هذا التحليل، أي لفهم كيفية ارتباط الفكر العفوي بالحركات السياسية، من المهم التوقف عند العلاقة بين الفكر العفوي وظواهر مثل "الكاريزما" في العصر الحديث، حين سعى الشخص العادي للخلاص على أيدي سلطة تَصَّوَرها قريبةً منه، وفي الوقت نفسه غير عادية، ومحبوبة بما يتجاوز المقاييس العادية، لأنها تمنحه شعورًا بالقوة غير العادية التي يحتاج إليها في لحظة نضال كبير. ويكمن الميل إلى الكاريزما في ما نسمّيه اليوم "الشعبوية." والفرق المهم بين الظاهرتين يتمثل في أنّ الزعيم
الكاريزماتي، كما تجّل ىفي العصور المناهضة للاستعمار، كان يبدو كأنه يمثّل إجماع المجتمع، بينما يمثل الزعيم الشعبوي اليوم شخصية مثيرة للانقسام، يرفضها بوضوح جزء كبير من المجتمع 22. غير أنّ النوعين من الزعماء، الكاريزميين والشعبويين، يمكن أن يتوافق كٌّلٌ منهما بطريقته مع أحد عناصر الفكر العفوي، وهو أنّ مثل هذا الزعيم يمنح الشخص العادي شعورًا بالقوة التي يحتاج إليها في أوقات الضعف المتخيّل أو الحقيقي. لكن لا يمكن اعتبار الخبرات الكاريزمية أو الشعبوية الديماغوجية مرافقات ضرورية للفكر العفوي، بل قد تتوافق معه مؤقتًا، إلى الحد الذي يجعلنا ندرك حاجة الشخص العادي إلى مصادر أخرى للقوة تقع خارج نطاق قدرته الذاتية. ويظهر، من منظور تاريخي، أنّ علاقة تبدو غير قابلة للانفصام، بين الشخص العادي والزعيم القويّ، قد تنشأ في أوقات الأزمات الحادة، فحسب، مع بروز ديمومة أكثر لهذه العلاقة في الحالة الكاريزماتية مقارنة بالحالة الشعبوية 23. ففي مثل هذه الظروف، يقف الزعيم القويّ محلّ الشخص العادي، مضيفًا إليه القوة في أوقات الحاجة الماسّة إليها. وحتى في هذه الحالة، تميل المعرفة العفوية إلى تصوير الزعيم القويّ باعتباره تجسيدًا مثاليًا للشخص العادي، صادقًا في معتقداته، مَُحَصّنًا ضدّ الفساد، بسيطًا في حياته، أبًا حنونًا، ويمكن التسامح معه حتى بعد فشله (مثل جمال عبد الناصر بعد نكسة عام 1967) إلى الحد الذي يُفترض فيه أنه يعمل من أجلنا بحسن نيّة. تُظِهِر انتفاضات عام 2011 وما بعدها أنّ الفكر العفوي قد خرج فعلًامن عصر الكاريزما، على الرغم من أنه لا يزال عرضة في بعض الأحيان لانفجارات قصيرة الأمد من الشعبوية (صدام حسين، وعبد الفتاح السيسي، وقيس سعيّد:) ديماغوجية، انقسامية، تفتقر إلى الصدقية الكافية لتشكيل إجماع اجتماعي. والأهم من ذلك من الناحية الاجتماعية، أننا شهدنا رفضًا شبه شامل لجميع النخب، وهو ما تجّل ىبوضوح أكبر في موجة احتجاجات عام 2019 في لبنان والجزائر والعراق، وحتى السودان. ففي جميع هذه الحالات، عّب ر الشارع صراحة عن معارضته لجميع النخب المعروفة، بمن في ذلك السياسيون من مختلف الأطياف والأحزاب السياسية. ومع ذلك، كان الاستثناء الوحيد لهذا الرفض شبه الشامل للنخب هو "التكنوقراطية." ففي هذه السياقات، كانت الاستجابة النموذجية للمحتجين للسؤال: من يجب أن يحلّ محل هيكل السلطة القائم؟ تتمثل في تشكيل نظام انتقالي برئاسة حكومة تكنوقراط. إذًا، ما التكنوقراطية من وجهة نظر المعرفة العفوية؟ ببساطة، إنها أحد أشكال الخبرة التي لا يمتلكها الشخص العادي، والتي لا تزال ضرورية لإدارة البلاد، ويمكن الوثوق بها لما يُفترض عن طبيعتها غير السياسية أو الحيادية سياسيًا. إنها مجال الخبرة الفنية البحتة، أي الجزء الوحيد المتبقّي من ثقافة النخبة الذي لا يزال من الممكن الوثوق به. وهنا يكمن مرة أخرى التوجّه البراغماتي للفكر العفوي: فلم نشهد بعد حكمًاللتكنوقراطيين (ربما لأن الساسة كانوا دائمًا يقفون في طريقهم.) لكن هذا النوع من الخبراء قد يُرَفَض أيضًا لاحقًا، عندما تدرك النظرة العفوية تعاِل يالخبراء أو ابتعادهم عن الفطرة السليمة 24. وقد تجّل ى ذلك بوضوح مع التكنوقراطيين في المكسيك Los Científicos حينما أداروا عملية تحديث البلاد بأسلوب فوقي، قبل اندلاع الثورة المكسيكية عام.1910
سادسًا: عندما تصبح المعرفة العفوية مقاومة
أخيرًا، تُعدّ غزة، بوصفها موقعًا للمعرفة العفوية، من أكثر مناطق العالم كثافة سكانية، يسودها الفقر ويشكّل اللاجئون منذ عام 1948 الغالبية العظمى من سكانها. يعيش هؤلاء تحت احتلال خانق منذ عام 1967، وحصار أشد خنقًا منذ عام 2005. فلم يكن انفجار هذا المكان، في تشرين الأول/ أكتوبر 2023، مفاجئًا من حيث وقوعه، فحسب، بل من حيث الوقت الذي استغرقه حتى ينفجر.
هنا أيضًا، تصبح المعرفة العفوية ضرورة مطلقة للبقاء، وأمثلتها كثيرة، وسأكتفي بالتركيز على المصدر الوحيد ذي الصلة بمناقشتنا للتقاليد في سياق هذا البحث. فقد كانت مصاعب الحياة في غزة، خلال العقود القليلة الماضية، التي تضمّنت مستويات بطالة مرتفعة جدًا، تعني أنّ الشخص الذي يعمل كان مؤمنًا بضرورة عدم تعرّض أيّ فرد من الأسرة الممتدة للجوع. وكانت النتيجة الطبيعية لذلك تعزيز مكانة الأسرة الممتدة بصفتها مؤسسة دعم أخيرة؛ إلى جانب ذلك، أدّت الجمعيات الخيرية والإسلامية دورًا مهمًا، وكلتاهما عززت حركة المجتمع نفسها نحو رؤية محافظة، لا تُفَهَم هنا باعتبارها أيديولوجيا متقنة، ولا مقاومة عنيدة للفوائد (غير المتاحة بأي حال) للتقدم أو الحداثة، لكن باعتبارها بوصلة أساسية للبقاء. وخلال العقدين الماضيين، بين الاحتلال الإسرائيلي الثاني عام 1967، وتأسيس حركة المقاومة الإسلامية "حماس" عام 1987، يمكن ملاحظة هذه النزعة المحافظة المتزايدة من خلال واقع تمثّل في أنّ بناء المساجد فاق الزيادة السكانية بمقدار 1.6 مرة. وعام 2006، فازت حماس في الانتخابات الفلسطينية الأخيرة المسموح بها، للسبب نفسه الذي دفع الناس في مصر وتونس بعد الثورة إلى التصويت لمصلحة المنظمات الشقيقة: أولئك كانوا أشخاصًا قريبين من الله، أي قريبين منّا (وهنا يجب التذكير بأن فوز حماس، على الرغم من ارتباطه برفض متناٍمٍ في المجتمع الفلسطيني لاتفاقية أوسلو، كان أيضًا مرتبطًا برفٍضٍ أشد للفساد في السلطة الفلسطينية.) بمعنى آخر، يظل الفكر العفوي، على الرغم من أنه واقعي وتجريبي، يميل دائمًا إلى تفضيل ذلك الذي يكون قريبًا منه في المعاناة المجرّبة، ودافئ الإحساس كاليومي والمألوف، حتى وإن كان يفتقر، كالإنسان المعدم، إلى الخبرة في السياسة العليا، وإن كان لا علاقة له بذلك البعيد، بارد القلب، وغير مهتم بالحياة. ننهي هذه الدراسة بالحديث عن أبرز مثال لدور الفكر العفوي في روح الثورة، وهو الحدث الذي أطلق شرارة كل الثورات العربية، وتمثّل في إحراق محمد البوعزيزي لجسده في مدينة سيدي بوزيد التونسية، في 17 كانون الأول/ ديسمبر 2010 25. من هذه النقطة، انطلقت ثورات هائلة، بلا موارد، وبلا هوادة. لم يكن لها رموٌزٌ أو أيديولوجيا واضحة، وعّب رت عن استمرارية توقعات قديمة للمواطنة والمشاركة، وهي التوقعات التي يتم اكتشاف طبيعتها البدهية وشكلها النقيّ مرة أخرى بعد أن جرى إخفاؤها في لغة خطاب نخبوي أو متعاٍلٍ. وهكذا حينما أضرم البوعزيزي النار في جسده، ثم في البلاد كلها، لم يكن يدرك تمامًا ما كان سيمثّله رمزيًا، وهو عودة المظالم إلى الأرض والتعبير عنها بأكثر الطرائق الدنيوية الممكنة، ليس تلميحًا، وليس إعادة تمثيل لصراع أزلي بين الخير والشر، وليس تعبيرًا عن أيديولوجيا حزبية أو دينية، بل كان تعبيرًا إنسانيًا عن المعاناة والاحتجاج؛ الأمر الذي نفى الحاجة إلى الدخول في جدال حول الأفكار والأيديولوجيات والأنظمة السياسية والمسار الصحيح للعمل، والتكتيكات والاستراتيجيات، وما إلى ذلك. لقد رفض البوعزيزي مصيره، وأنهى حياته علنًا وبطريقة مروعة. لكن قبل ذلك، كان قد اتّبع كل الوصفات المعتادة للبقاء حيّا بحيّز من الكرامة؛ فقد تلقّى تعليمًا، وعاش وفقًا للقواعد، ولم ينتِمِ إلى أي حزب، ولم يزعج أحدًا، واجتهد في العمل، وبقي راضيًا بالحد الأدنى من الحياة، حتى انُتُزع منه ذلك. لقد رُويت قصته مرارًا وتكرارًا، وكانت خلاصة معناها الأخلاقي بسيطة للغاية: لم تكن المقاومة خياره الأول، فقد سعى أولًا لجميع الخيارات الأخرى. ثم بدت كل الأبواب والإمكانيات مغلقة، تمامًا مثل انغلاق النظام الذي قبع تحته طوال حياته. إن تعبيره عن شكل مأساوي رفيع من الشعور الجماعي يتجّل ىفي الطاقة العاطفية الهائلة التي اجتاحت البلاد بأكملها بسرعة، وجعلت من المستحيل على أٍّيٍ كان أن يشعر بأنّ الحياة يمكن أن تستمر كما كانت من قبل. هنا تبدأ الثورة: عند النقطة التي لا يبدو فيها فعل إ ضرام النار في الجسد بمنزلة تعبير عن مرض نفسي، بل هو فعل يمكن أن يتوافق معه أيّ فكر عفوي.
المراجع
العربية
الأيوبي، نزيه. تضخيم الدولة العربية: السياسة والمجتمع في الشرق الأوسط. ترجمة أمجد حسين. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2010 العلي، عماد. "الثورة بين الأهداف الواقعية والمضامين المعيارية"، سياسات عربية، مج 13، العدد 74 (أيار/ مايو.)2025 بامية، محمد. نظام بلا سلطة: المفهوم الأناركي للنظام الاجتماعي. بيروت: دار جسور،.2024 بشارة، عزمي. في الثورة والقابلية للثورة. ط.3 الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2016. الترابي، حسن [وآخرون.] حوارات في الإسلام: الديمقراطية، الدولة، الغرب. بيروت: دار الجديد، 1995. النقيب، خلدون حسن. في البدء كان الصراع: جدل الدين والإثنية: الأمة والطبقة عند العرب. بيروت: دار الساقي،.1997
الأجنبية
Aboubakr, Randa et al. (eds.). Spaces of Participation: Dynamics of Social and Political Change in the Arab World. Cairo: American University in Cairo Press, 2021. Al-Werfalli, Mabrouka. Political Alienation in Libya: Assessing Citizen's Political attitude and Behavior. Reading: Ithaca Press, 2011. Antonelli, Francesco. Technocratic Politics: Beyond Democratic Society? London/ New York: Routledge, 2023. Berger, Helge & Mark Spoerer. "Economic Crises and the European Revolutions of 1848." The Journal of Economic History. vol. 61, no. 2 (2001). Berger, Peter L. & Thomas Luckmann. The Social Construction of Reality. New York: Anchor, 1967. Caramani, Daniele. "Will vs. Reason: The Populist and Technocratic Forms of Political Representation and Their Critique to Party Government." The American Political Science Review. vol. 111, no. 1 (2017). Haddad, Bassam. "Anarchist Method, Liberal Intention, Authoritarian Lesson: The Arab Spring between Three Enlightenments." Constellations. vol. 20, no. 2 (2013). ________. Lifeworlds of Islam: The Pragmatics of a Religion. New York: Oxford University Press, 2019. ________. "The Rise and Fall of Postcolonial Charisma." Arab Studies Quarterly. vol. 45, no. 1 (2023). Haddad, Bassam, Rosie Bsheer & Ziad Abu-Rish (eds.). The Dawn of the Arab Uprisings: End of an Old Order? London: Pluto Press, 2012. Fromm, Erich. The Revolution of Hope: Toward a Humanized Technology. New York: Harper & Row, 1968. Garfinkel, Harold. Studies in Ethnomethodology. New York: Polity, 1991. Kropotkin, Peter. The Conquest of Bread. London: Penguin, 2015 [1892]. Latif, Rusha. Tahrir's Youth: Leaders of a Leaderless Revolution. Cairo: American University in Cairo Press, 2022. Michels, Robert. Political Parties: A Sociological Study of the Oligarchical Tendencies of Modern Democracy. New York: Hearst's International Library Co., 1915. Sandel, Michael J. Democracy's Discontent: A New Edition for Our Perilous Times. Cambridge, Massachusetts: Harvard University Press, 2022. Schutz, Alfred. Der sinnhafte Aufbau der sozialen Welt. Vienna: Springer, 1932. Shorter, Edward. "Middle-Class Anxiety in the German Revolution of 1848." Journal of Social History. vol. 2, no. 3 (1969). Tunisia Report 2024. Arab Barometer VIII. at: https://acr.ps/1L9GPnT