العدل وأزمة "النظرية السياسية" في الفكر السياسي العربي المعاصر: في الحاجة إلى التسويغ

Nabil Faziou نبيل فازيو |

الملخّص

This study addresses a manifestation of the crisis within contemporary Arab political theory by examining the status of justice and analyzing the methodologies employed by selected theorists in constructing their political visions relative to this concept. We highlight the importance of a philosophical perspective and the imperative for political thought to confront aspects of this crisis. The central thesis defended here posits the necessity of shifting the discourse on justice from an abstract, transcendental perspective, often encapsulated by the question, what is justice? towards a relative vision. This alternative vision considers how justice, as a value, becomes embedded within Arab moral and political consciousness. Such a reorientation requires recognizing the significance of justice, its cultural contextualization, and its integral relationship with the concept of justification. Keywords: Justification, Justice, Political Theory, Arab Political Thought.

Justice and the Crisis of "Political Theory" in Contemporary Arab Political Thought: The Need for Justification

تتناول هذه الدراسة أحد تجّل يات أزمة النظرية السياسية في الفكر السياسي العربي المعاصر، من خلال تناول مكانة مفهوم العدل فيها، وتحليل الطرائق التي سلكها بعض المنّظ رين في بناء رؤيتهم السياسية في ضوء صلتها بهذا المفهوم. وتبرز الدراسة أهمية المنظور الفلسفي وحاجة الفكر السياسي إليه، لمواجهة بعض مظاهر تلك الأزمة وبلورة فهم معقول لها. أما الأطروحة الرئيسة التي تدافع عنها، فتكمن في ضرورة انتقال تفكيرنا في قيمة العدل من مستوى المنظور المتعالي المجرّد، الذي يحصرها في سؤال ماهوي وجوهري، إلى التساؤل عن الكيفية التي تصير بها هذه القيمة جزءًا من الثقافة الأخلاقية والسياسية في الفكر العربي؛ وهذا يستلزم الاعتراف بنسبية مفهوم العدل وارتباطه بالسياق الثقافي العربي، بما يعنيه ذلك من إبراز حاجتنا إلى مفهوم التسويغ وآليته في بناء تصوّرنا. كلمات مفتاحية: التسويغ، العدالة، النظرية السياسية، الفكر السياسي العربي.

مقدمة

إنّ انفتاح المفكّرين العرب على المرجعيات الفكرية السياسية الغربية، الحديثة والمعاصرة، مكّنهم من تعميق وعيهم النقدي بمختلف أبعاد مفهوم العدل وتوتراته في سياق الفكر الفلسفي المعاصر  1؛ إذ أفادهم ذلك في بلورة فهم نقدي لهذا المفهوم، فتح الباب أمام فهم أكثر دقّة وعمقًا لأزمة الفكر السياسي العربي  2. ويصعب أن نرجع تلك الأزمة إلى التقابل الحاصل بين المرجعيَتيَن الغربية والتراثية في ذهن المفكرين العرب فحسب 3، كما يصعُبُ أن نردّها إلى ضعف وعيهم بالصعوبات التي يطرحها الطابع المركّب للمجتمع العربي على فهمنا لمشكلته السياسية 4، أو إلى جدّة الأحداث التي شهدها العالم العربي منذ نهاية القرن التاسع عشر، ما دام مفكرو الإصلاح لم يتردّدوا في تطوير جهازهم المفهومي ليغدو أقدر على استيعاب جدّة الأحداث والأفكار المتمخضة عنها  5. ويصعب أن نرجع أزمة النظرية السياسية إلى ضعف دورها في بناء وعي سياسي يستجيب لمتطلّبات الراهن وأسئلته الملحّة، ما دام أنّها تبقى، كغيرها من النظريات، إطارًا تفسيريًا مَحكومًا بنَفَس معيارٍيٍ، ينطلق من الواقع لاستشراف ما يمكن أن يكون، أو "ما يجب أن يكون" 6، من دون أن يعني ذلك أنّ النظرية السياسية ليست أكثر من تصوّر فكري متناغم، يسبح في فضاء الفكر، في انقطاٍعٍ تام عن الواقع، وهي تبقى نتيجة انهمام بواقع سياسي محدّد، وهذا ما يحدّ من إمكانية تعميم "قوانينها" و"تفسيراتها"، ويجعلها رؤيةً مقرونة ب "سياقات" فريدة وخاصّة. ليس غرضنا من هذه الدراسة عرض ما ألّفه المفكرون العرب، قديمًا وحديثًا، في موضوع العدل، ولا تقديم صورة عامة عن تيّارات فلسفة العدالة في الفكر السياسي والأخلاقي المعاصر  7. ثمّ إننا لا نرمي الفكر العربي وتراثه بالقصور عن بلورة تصوّر معقول عن مفهوم العدل  8، إنما نقصد من هذا البحث التنبيه إلى بعض المعوّقات المعرفية التي ما زالت تعترض فهمنا له، في ضوء نظرية سياسية متجاوبة مع متطلّبات الواقع؛ وهي عوائق غير منفصلة عن الصعوبات التي ما انفكت تستوقف تطوير النظرية السياسية في الفكر السياسي العربي. لذلك يمثّل التفكير في ""أزمة 9 هذه النظرية ومفهوم العدل في الفكر العربي المعاصر مناسبةً للتساؤل عن الدور النقدي والتأسيسي الذي يمكن أن تنهض به الفلسفة السياسية في مثل هذا السياق  10، وهو دور يتجاوز رسم صورة مثالية عن العدل والدولة العادلة، ويسعى لبناء منظور نقدي وتركيبي، يلحظ صلة هذا المفهوم بآلية التسويغ ومفعولها المعياري والثقافي  11، وهو عينه المنظور الذي نعتقد أنّ النظرية السياسية في العالم العربي اليوم في حاجة إليه. فبأي معنى، وفي أيّ سياقات، يكون الانشغال العربي بمفهوم العدل تجليًا من تجلّيات أزمة النظرية السياسية في الفكر العربي المعاصر؟ وكيف تقاطع المنظوران التراثي والمعاصر في التصوّر العربي لهذا المفهوم؟ وما علاقته بالتسويغ ومنظوره السياقي؟ وكيف يمكن أن تفيد منه النظرية السياسية العربية في سياق مقاربتها واقع العدل وأسئلته؟ باختصار، تحاول هذه الدراسة الإجابة عن هذه الأسئلة في مسعى منها لمقاربة مفهوم العدل وتجلّياته في النظرية السياسية العربية.

أولًا: في معوّقات التفكير العربي في العدل

يصعب أن نقارن ما ألّفه الباحثون العرب المعاصرون في موضوع العدل بما نلفيه عند نظرائهم الغربيين. وقد يدفعنا النَّفَس التأريخي والمدرسي للكثير من الدراسات الغربية إلى الاعتقاد أنّها لا تتجاوز مستوى تلخيص أبرز نظريات الفلاسفة - منذ أفلاطون وأرسطو، وصولًاإلى جون رولز وويل كيمليكا ونانسي فرايزر - وأنها لهذا السبب عينه لا تختلف عن معظم التأليف العربي في موضوع العدل، الذي هو، إّل افيما ندر، أقرب إلى التلخيص والشرح منه إلى

  1. Will Kymlicka, Les théories de la Justice: Une introduction (Paris: La découverte, 2003).
  2. 2  رضوان السيد، سياسات الإسلام المعاصر: مراجعات ومتابعات (بيروت: دار الكتاب العربي، 1997)، ص.279
  3. 3  أوليفر شاربروت، محمد عبده: الإسلام الحديث وثقافة الالتباس، ترجمة طارق غانم (بيروت: نماء، 2023)، ص.224
  4. 4  عزمي بشارة، مقالة في الحرية (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2016)، ص.150
  5. 5  محمد عابد الجابري، المشروع النهضوي العربي: مراجعة نقدية، ط 5 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2016)، ص.58
  6. Hans Kelsen, Théorie pure du droit (Bruxelles: Bruylant, 1999), p. 73.
  7. يمكن أن يرجع القارئ في خصوص هذا الموضوع، إضافة إلى كتاب ويل كيمليكا  7 نظريات العدالة الذي أفرده للتيارات الفلسفية المعاصرة خاصة، وعليه اعتمد بعض المفكرين العرب الذين سنأتي على مناقشة تصورهم، إلى كتاب: صمويل فريدمان، اتجاهات معاصرة في فلسفة العدالة: جون رولز نموذجًا، ترجمة فاضل جتكر (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2015.) وفيما يتعلق بتاريخ مفهوم العدالة، نقترح الرجوع إلى كتاب: مختصر تاريخ العدالة، ترجمة مصطفى ناصر، سلسلة عالم المعرفة ديفد جونستون، 873
  8. 8  سبق أن تناولُتُ المفهوم التراثي للعدل، خاصة في بعَدَيه السياسي والأخلاقي، ينظر: نبيل العدالة والعدل: مساهمة في تفكيك بارادايم الملك في الإسلام الكلاسيكي (بيروت فازيو،: مؤمنون بلا حدود، 2019)؛ ينظر أيضًا: Nabil Faziou, "La justice dans la pensée politique islamique," in: Sarhan Dhouib & Mongi Serbaji (dir.), La Justice dans une perspective transculturelle (Paris: L'Harmattan, 2024), p. 81.
  9. بشأن أزمة الفكر السياسي العربي، ينظر: رضوان السيد وعبد الإله بلقزيز  9، أزمة الفكر السياسي العربي (بيروت: دار الفكر المعاصر،.)2006
  10. Norberto Bobbio, Teoria general de la politica (Madrid: Trotta, 2009), p. 93. 11  Rainer Forst, Justification and Critique (Cambridge: Polity Press, 2014), p. 41.
  11. (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،.)2012

التأصيل النظري  12. غير أنّ استدعاء تاريخ النظريات الفلسفية في العدل، عند الفلاسفة الغربيين المعاصرين، بقي يشِّكِل جزءًا من استراتيجية تفكير نقدي في الواقع السياسي، ويعّب رعن رغبة في تطوير النظرية السياسية وجعلها أقدر على فهم موضوعها وبناء منظور نقدي يساعد في توجيه الوعي السياسي. لذلك اقترن هذا الضرب من التأريخ للعدل باستشكاٍلٍ لمضمونه وشروط التفكير فيه، فأمست كل دراسة عنه محاولةً تسعى لإعادة بناء مفهومه في ضوء رؤية معيّنة إلى السياسة والعيش المشترك  13. وغدا التفكير في العدل، مع المفكرين الغربيين، خطوةً في طريق بناء النظرية السياسية، وجعلها أكثر قدرة على استيعاب الواقع السياسي ومتغّي راته، لذلك تزجّ بنا كتاباتهم في معمعة النقاشات السياسية العمومية، وما ينتظمها من صراع وتساؤلات بشأن مستقبل العيش المشترك، فيبدو تأليفها، كما قراءتها ومناقشتها، حاجةً مجتمعية نابعة من مخاض المجتمع الغربي نفسه. يمكن أن نفهم، إذًا، سبب اعتقاد رولز أنّ من مهمات الفلسفة السياسية الإسهام في صياغة حٍّسٍ عمومي بالعدل من خلال بلورة يوتوبيا مجتمعية مرشدة للوعي الجمعي بالسياسة وأسئلتها  14؛ ما دام الإسهام في صياغة فهمنا لهذا المفهوم يبقى إسهامًا في توليد موقف ذهني من الدولة وشعورًا بالانتماء إلى المجتمع. يختلف الوضع عندما يتعلّق الأمر بما يؤلّفه الباحثون العرب؛ فعلى الرغم من كل التبريرات التي يعلّلون بها اختيارهم الكتابة عن تصوّر هذا الفيلسوف أو ذاك لموضوع العدل، فإنه يمكن الافتراض أنّ ذلك لم يكن كافيًا للارتفاع بسؤال العدل، من منظور التراث والحداثة معًا إلى مستوى الإشكالية المنتظمة في إطار نظريةٍ سياسية نابعة من الراهن وأسئلته، وقادرة على توجيه تفكيرنا، بل تبقى الترجمات الكثيرة التي أنجزها الباحثون العرب لأبرز الأعمال الغربية في الموضوع محدودَةَ الأثر، على الرغم من الجهد الكبير المبذول فيها، وكذلك اتصالها مباشرة بالنصوص الغربية في لغاتها الأصلية. ينبغي لنا أن نتساءل: لماذا لم نستطع تصيير سؤال العدل سؤلًامحوريًا في فكرنا السياسي، على الرغم من حضوره القوي في متون الإصلاحيين العرب، وعلى الرغم من كِّلِ ما ألّف عنه؟ لماذا لم تُفلح ترجمة كتاب نظرية العدل لرولز، على سبيل المثال، في ضخّ عناصر تصُّوُره للعدل في النظرية السياسية العربية، على الرغم من كلّ مظاهر الجدّة التي ينضح بها، والتي شكّل دخولها إلى التداول السياسي والفلسفي الغربي هزّةً أعادت ترتيب أوضاع النظرية السياسية في الفكر الغربي المعاصر؟  15 لماذا نشُعُر أنّ دساتيرنا وقوانيننا ومعاييرنا الأخلاقية لم تتأثر بُمُكتسبات الفهم المعاصر للعدالة والعدل؟  16 يسهل أن نجيب عن هذا السؤال بتبنّي منظوٍرٍ تاريخي تقدّمي؛ فنردّ ذلك إلى أنّ المسار التاريخي للمجتمعات العربية يختلف عن مسار المجتمعات الغربية الحديثة، وأنّ مفهوم كل واحد منهما عن العدل يترجم، على نحٍوٍ ما، طبيعة مسارهما التاريخي والسياسي. يسهل أيضًا أن نرجع سوء فهمنا للتصور المعاصر للعدل إلى بنية المجتمع العربي المتجذّرة في القَبَلية والُعُصَبَوية والطائفية؛ وهو ما يحول دون تمثّل مفهوم نابع من تجربة سياسية قامت على الدولة القوية القادرة على استيعاب مختلف مظاهر التعدد الثقافي والعرقي، التي صارت آلية لعقلنة المجتمع، كما بيّنت فلسفة هيغل في الدولة، حيث يتعلّق الأمر برؤية للعدِلِ تتحدّر من فلسفة إنسانوية استقامت على الاعتراف بمركزية الإنسان وكونية طبيعته التي غدت، في هذه الحالة، المصدر الرئيس لحقوقه، بما يعنيه ذلك من تبرٍّمٍ من التفسير اللاهوتي للحقّ والدولة والعدل، ومن فصٍلٍ بين "السياسي" و"الديني"، والنظر إلى المواطنة بصفتها الهوية السياسية للأفراد  17. تكمن قوّة هذا التفسير ومعقوليته في نَفَسه التاريخي الذي يلحظ دور التاريخ في نحت مفاهيم الفكر السياسي وإعادة توجيهها. بيد أنّه يكتفي بتسجيل هذا المعطى التاريخي، من دون الاحتفال بمفعول العولمة التي أعادت هيكلة علاقة فكرنا السياسي المعاصر بالفكر الغربي ومكتسباته. لم يعد وعينا السياسي بمعزل عن "بردايمات" الفكر السياسي الغربي، التي تعجّ الدساتير العربية بمفاهيمها، وتعلن تبنيها مبادءها الكبرى التي تتصدّرها فكرة حقوق الإنسان. فرضت

  1. 12  لا ينفي هذا الحكم وجود بعض الحالات الاستثنائية التي سعى أصحابها لاستشكال مفهوم العدل في ضوء أسئلة الراهن العربي، من دون الانفصال عن المرجعيات الفلسفية
  2. John Rawls, Théorie de la justice (Paris: Nouveaux Horizons, 1987), p. 324.
  3. 17  عبد الإله بلقزيز، في الدولة (بيروت: منتدى المعارف، 2019)، ص.61
  4. المعاصرة، ونخصّ بالذكر منها، على سبيل المثال لا الحصر، الجهد الذي يبذله الزواوي بغورة في تعقّبه مسارات فلسفة العدالة المعاصرة في الكثير من أعماله، حيث يتجاور في مقاربته الاّطلّاع الواسع على أعمال الفلاسفة المعاصرين، مع رغبة في تأصيل المفهوم في السياق الفلسفي والتداولي العربي. ينظر على سبيل المثال: الزواوي بغورة، الاعتراف: من أجل مفهوم جديد للعدل، دراسة في الفلسفة الاجتماعية (بيروت: دار الطليعة، 2013)، ص 173؛ ومقالته عن مفهوم "العدالة الصحية"، في: الزواوي بغورة، السياسة الحيوية من منظور الفلسفة الاجتماعية: دراسات في الجسد والمرض والعنصرية والعدالة الصحية في النظام الدولي الجديد (بيروت: دار السؤال، 2022)، ص.253
  5. 16  نستعمل هنا مفهوم العدالة للإشارة إلى بعدها القيمي؛ أي إلى ما سّم اه المتقدمون فضيلةً يمكن أن تتوطن في النفس، وأن يتم تدبير المدينة في ضوئها، ومن خلال استلهام نموذجها في التناغم. في حين نشير بالعدل إلى الفعل المتعلق بالسياسة ومنطق التدبير والتوزيع. ينظر في الفرق بين المفهومين: ناصيف نصار، منطق السلطة: مدخل إلى فلسفة الفعل، ط 2 (بيروت: دار أمواج، 2001)، ص 233؛ وبشأن الاختلاف بين العدالة، من حيث هي قيمة، وغيرها من القيم المتداخلة معها، ينظر: جرانت لاموند، "المنهجية"، في: دليل كامبرردج في فلسفة القانون، ص 4.1
  6. 14  John Rowls, Justice et démocratie (Paris: Seuil, 1993), p. 211. 15   دليل كامبرردج في فلسفة القانون، جون تاسيولاس (محرر)، ترجمة حمد شكري، (الرياض: نادي الكتاب، 2024)، ص.16

"عالمية" العولمة، المتأصّلة في عالمية التقنية ورؤيتها الميتافيزيقية إلى العالم والإنسان  18، على وعينا السياسي، الخروَجَ من شرنقة تصوّراته الكلاسيكية، وإدراَكَ اندراجه الحتمي في سيرورات العولمة الجارفة. وألقى هذا الوضع بظلاله على تصوّرنا لمفهوم العدل؛ فبعد أن كان القاموس التقليديّ، في صيغتيه الشرعية والسلطانية خاصّةً، مهيمنًا على مختلف خطابات العدل قبل مرحلة التحديث، وجد الفكُرُ السياسي العربي نفسه ملزمًا بالإنصات لدرس نظيره الغربي باعتباره تجسيدًا للتقدّم الذي حقّقته الإنسانية على مستوى التمدّن وتدبير الشأن العام  19، بل بوصفه أحد أهم أسباب تقدم الغرب وتأخّر المسلمين  20. لذلك انصرف أبرز مفكري الإصلاح والنهضة إلى مراجعة مفاهيم الفكر السياسي التقليدي، وجهد هؤلاء في تجديده في ضوء مكتسبات الفكر الحديث  21. ولم يكن من الممكن أن يواصل المفكرون العرب التفكير في العدل انطلاقًا من معناه التقليدي، كما صاغه القول الكلامي والفلسفي والسلطاني والفقهي؛ لأنهم وجدوا أنفسهم أمام مفهوٍمٍ آخر له، يتجاوز حدوده شرعيًا، ويمثّل مرجعيةً منافسةً له على مستوى تحديد مشروعية الدولة ومقبولية الاجتماع السياسي؛ عدٌلٌ يتأصّل في الفهم الطبيعي للإنسان، كما في فكرة الأصل التعاقدي للدولة وسلطتها، ويقيم تمييزًا بين الشرعية (القانونية) والمشروعية المرتبطة بالحقّ، وينتظم ضمن تصوّر سياسي، تكون فيه الدولة جهازًا مؤسساتيًا يمارس سلطته على المواطنين داخل مجال ترابي معّين، خاضع لسيادته، وحيث تتميّز الدولة، بمقتضى تعريفها هذا، من الحاكم وشخصيته وأهوائه. لذلك يمتاز التصوّر الحديث للعدل من التصوّرات الدينية التي ربطت الحقّ بالشرع، باعتباره الترجمة القانونية لمبادئ الدين. يمكن أن نعمّم الملاحظة عينها على تفاعل الفكر السياسي العربي مع الفكر السياسي الغربي المعاصر ومفهومه عن العدل، الذي يبقى سليل الوجه السياسي للعولمة. فقد زحزحت هذه الأخيرة الكثير من يقينياتنا عن الحقّ والحرية والعدل، وسرعان ما تمّت عولمة نماذج "جديدة" من الحقوق لم تكن معهودة في السابق، مكرّسةً قدرة العولمة على الفتك بالحدود الوطنية والقومية بين الدول، وتفتيت السيادة الوطنية 22. وما انفكّ هذا النَّفَس "العالمي" للحقوق يلقي بظلاله على الفكر السياسي العربي اليوم، ويحمله على التفكير بجدّية في الأسئلة التي يطرحها على الاجتماع السياسي العربي، حيث يتعلّق الأمر بمنعطٍفٍ "جديد" في مسار الفكر السياسي العربي، يفرض على كلّ تفكيٍرٍ جدّي في العدل الوعي بالإبدال البردايمي الذي حدث في الفكر المعاصر. لا يمكن اعتبار اهتمام الباحثين العرب بمستجدّات فلسفة العدل المعاصرة نوعًا من "الترف الفكري"، كما أن عنايتهم المتزايدة بأطروحاتها تجسّد صدى لمِا تشهده الساحة الفكرية والسياسية الغربية من نقاٍشٍ حول الحقوق ومآلات العدل، أكثر مّم اهو اهتماٌمٌ نابع من تقلّبات المجتمع العربي وأسئلته. لا يصدر هذا الحكم على عمل هؤلاء الباحثين، أولًا، عن نزعة إرادوية تفترض أنّنا لا نزال نملك الحرية والوقت أيضًا لاتّخاذ قراٍرٍ بالاهتمام بمثل هذه الأسئلة، أو بالإعراض عنها. والحال أنّها أسئلة ما عادت تنتظر قرارنا ذاك؛ فهي تداهمنا بسبب عولمة السياسة وأسئلتها المجتمعية والحقوقية. وهذا الُحُكم لا يلحظ ثانيًا أنّ استدعاء أسئلة الفكر السياسي المعاصر، والتعريف بما أنجزه في موضوعها الفلاسفة الغربيون، ليس أمرًا يمكن أن نرجعه إلى هاجٍسٍ أكاديمي صرف فحسب، بقدر ما هو نابع في الكثير من الأحيان من تحّولّات الاجتماع العربي، وما تطرحه على وعينا من أسئلة اليوم. لذلك يبدو اللجوء المتكرر إلى نظرية رولز في العدل كأنه بحٌثٌ لأسئلة التوزيع والإنصاف والديمقراطية عن أجوبةٍ ما عادت مرجعياتنا التقليدية ولا منظوماتنا الفكرية القائمة تسعفنا بها. ويبدو أيضًا هَوَس الباحثين العرب بالتعدّد الثقافي وفلسفته، كما طوّرها تشارلز تايلور وطلبته، وكيمليكا خاصة 23، محاولةً للبحث عن أسئلة الاختلاف الديني والثقافي و"الطائفي"، التي تمزّق المجتمعات العربية، عن أجوبة معقولة يمكن الاهتداء بها في مواجهة هذه المعضلة. يضاف إلى ذلك أنّ الانفتاح المستمر على فلسفة النسوية ومراجعاتها المستمرة لأسس المجال العمومي وشروط الديمقراطية، في ضوء فكرة الاعتراف وإعادة التوزيع، إنما يكشف عن مركزية سؤال المرأة ووضعها في المجتمعات العربية، ويرمي إلى أن يجد له جوابًا فيما ألّفه الفلاسفة المعاصرون، من أمثال أكسيل هونيت وراينر فورست وفرايزر وهارتموت روزا وشونتال موف وسياليا بنحبيب، وغيرهم. يتعلّق الأمر ب "نماذج" حقوق ترسم في تداُخُلها معالَمَ فهم مغاير للعدل، يتداخل فيه السياسي والاجتماعي والثقافي والحقوقي والاقتصادي. وسيكون مجانبًا للصواب النأُيُ بالنفس عّم اُيُكَتَب في السياَقيَن الفلسفي والسياسي الغربي بشأن هذه القضايا، بدعوى أن

  1. 18  عبد السلام بنعبد العالي، هايدغر ضد هيجل (التراث والاختلاف) (بيروت: دار التنوير، 2006)، ص.11
  2. سعيد بنسعيد العلوي،  19 الأيديولوجيا والحداثة: قراءات في الفكر العربي المعاصر (بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1987)، ص.11
  3. 20  السيد وبلقزيز، ص 4؛ ينظر أيضًا: عبد الرحمن الكواكبي، الأعمال الكاملة للكواكبي 7، ط 3 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.)2007
  4. 21  محمد الحداد، محمد عبده: قراءة جديدة في خطاب الإصلاح الديني (بيروت: دار الطليعة، 2003)، ص.163
  5. Norberto Bobbio, Le future de la démocratie (Paris: Seuil, 2007), p. 39.
  6. حسام الدين علي مجيد،  23 إشكالية التعددية الثقافية في الفكر السياسي المعاصر: جدلية الاندماج والتنوّع (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2010)، ص.253

مجتمعاتنا لم تدرك بعُدُ التقدّم الذي يأذن لنا بالانخراط في التفكير فيها. لم تعد المجتمعات العربية بمنأى عن العولمة السياسية والحقوقية، ولا ينفكّ الفكر الغربي يطرح علينا أسئلةً تعنينا نحن أيضًا بالضرورة، وما نكتبه عن مفكّريه وفلاسفته السياسيين ليس ترفًا، بقدر ما هو محاولة للإمساك بمنطق تفكيره ورؤيته التي تفرض نفسها علينا. لذلك يمكن التساؤل عن أسباب ما يمكن اعتباره إخفاقًا للفكر السياسي العربي في صياغة مفهوم عن العدل، ينقلنا من مستوى شرح المتون الفلسفية الغربية والتراثية بشأن العدل إلى مستوى التفكير "فيه" في أسئلة راهننا؛ أي في تحويل العدل إلى منظوٍرٍ لفهم السياسة والعيش المشترك، وعّم اإذا كان ذلك راجعًا إلى قصور في جهازنا المفهومي الذي لم يستطع الإنصات للواقع ومعطياته، والتقاط متغّي راته والوعي بجدلياته، أم إلى محدودية المنظور الذي نصدر عنه في مقاربتنا هذا السؤال، كما غيره من أسئلة عيشنا المشترك. سنحاول، فيما يلي، وجوابًا عن هذه الأسئلة، إثباَتَ الفكرة التالية: إنّ قصور الفكر السياسي العربي المعاصر عن صياغة مفهوم عن العدل، يستجيب لشروط واقعه، لا يرجع إلى ضعٍفٍ فكري، ولا إلى افتقار إلى قرار بناء تصوٍّرٍ "خاص بنا"، إنما مردّه إلى المنظور الذي بقي يحكم رؤيتنا للعدل ومفاهيم المجال السياسي. نعتقد أنّ هذا المنظور متجذّر في رؤية كلاسيكية للحقيقة والإنسان والسلطة، عمل الفكُرُ المعاصر على تخطّيها  24، وهو يفرض علينا أفقًا تأويليًا نفهم في إطاره المرجعيات السياسية والأخلاقية، التراثية والحديثة، ويحول دون إدراك حاجة فكرة العدل إلى تأصيل فلسفي. لتكون النتيجُةُ افتقاَرَ هذا المنظور إلى فهٍمٍ أصيل للذات والهوية الإنسانية التي تبقى، في نهاية المطاف، موضوع العدل والسياسة 25.

ثانيًا: في مسألة المنظور

ليس المنظور تفصيلًابسيطًا في الفكر السياسي؛ لأنه يمثّل الإطار التأويلي الذي نصدر عنه في فهمنا السياسة ومفاهيمها، ويستدعي بناؤه الوعَيَ بطبيعة المعرفة التي يحتاج إليها التفكير في السياسة ومجالها. ويحقّ لنا أن نتساءل عن طبيعة المنظور الذي يحكم رؤيَةَ الباحثين العرب للعدل؛ عن أسسه المعرفية وما يترتّب عليها من اختيارات منهجية، والرؤية الفلسفية التي يصدرون عنها في صياغتهم هذا المفهوم. لعلّنا لا نبالغ في القول إنّ مبنى المنظور ذاك على أسس ثلاثة تجعل منه منظورًا لا يلحظ مستجدّات الفكر السياسي ومقتضياته الراهنة: أولها، الفصُلُ بين المجالات المعرفية التي تتّخذ من السياسة موضوعها الرئيس، مع تأويلها وفق رؤية شاملة تنظم المشاريع النقدية التي تناولت المسألة السياسية في الفكر العربي المعاصر. وثانيها، الارتهاُنُ إلى المنطق الحاكم للتصورات التراثية للعدل، بدلًامن البحث عن منظوٍرٍ "مغاير" و"أنسب" لفهم سؤال العدل، يكون أقدر على استيعاب شروط راهننا، وتأويل التراث نفسه في ضوء هذا الراهن. وثالثها، النزوُعُ إلى المواءمة بين مقولات التراث وتصوّرات الفكر المعاصر للعدل، بما يعنيه ذلك من تكريس نزعة انتقائية في تعاملنا مع المرجعيتين معًا. تحتاج هذه الأسس إلى مزيد من التوضيح والمعالجة.

في أثر المشروعات النقدية في فهمنا التراث السياسي

نترك جانبًا ما ألّفه أنصار الأصالة وخصومهم في موضوع العدل من موقٍعٍ أيديولوجي صرف  26، ونركّز على الدراسات التي انصرفت إلى تحليل المفهوم من منظور "معرفي"، ينتمي إلى تاريخ الأفكار السياسية والأخلاقية. نلاحظ، أولًا، أنّ غالبية تلك الدراسات لم تستشكل مباشرةً مفهوم العدل في التراث السياسي والأخلاقي العربي، إنما تناولته في سياق أعم من خلال دراسة الخطاب الأخلاقي أو السياسي أو الديني - الكلامي في الإسلام. وكان من نتائج هذا الوضع أن نُِظِر إلى العدل من حيث هو مفهوٌمٌ لاحق لغيره من مفاهيم العقل العملي التراثي، وغالبًا ما آثر الباحثون التفكير فيه في سياق قراءات شاملةٍ لهذا التراث، تنتسب إلى مشروعات نقدية، تربط التراث بالحداثة وأسئلتها في الوعي العربي. وهذا ما يستوقفنا في مقاربة محمد عابد الجابري، مثلًا، لفكرة العدل في التراث الإسلامي؛ فقد تناولها في إطار مشروعه النقدي للعقل العربي الذي حمله على تحليل التصوّر الفقهي والكلامي للعدل في إطار نقده العقل السياسي العربي، قبل أن يمضي إلى تحليل التصوّر الأخلاقي للعدالة في سياق تفكيك العقل الأخلاقي العربي. وفي الحالَتيَن معًا، يترجم العدل محدداٍتٍ قْبْلية وخطاباٍتٍ عملية كان لها الإسهام الأكبر في نسج "العقلانية العملية" في الإسلام. لم يَرَ الجابري في الفقه السياسي غير تلخيٍصٍ للخطاب الكلامي وإضفاء طابع تشريعي على إشكاليته  27، وطفق يبحث، عند محمد أبو بكر الباقلاني خاصّةً،

  1. Jürgen Habermas, Vérité et justification (Paris: Gallimard, 2001), p. 181.
  2. Louis Carré, Axel Honneth: Le droit à la reconnaissance (Paris: Michalon, 2013), p. 33; Charles Taylor, Les sources du moi: La formation de l'identité
  3. 26  الزواوي بغورة، "خطاب العدل في الفكر العربي المعاصر: دراسة تحليلية ونقدية تبّين، مج لنماذج أيديولوجية ونظرية"، 12، العدد 74 (شتاء 2024)، ص.93 27  محمد عابد الجابري، العقل السياسي العربي: محدداته وتجلّياته، ط 4 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2000)، ص.359
  4. moderne (Paris: Seuil, 1998), p. 768; Nancy Fraser, Qu'est ce que la justice sociale? Reconnaissance et redistribution (Paris: La découverte, 2011), p. 77.

عن جذور تصوّر علي بن محمد بن حبيب الماوردي للعدالة التي لا تعدو أن تكون، وفق هذه القراءة، شرطًا من الشروط التقليدية التي اشترطها المتكلّمون الأشاعرة في الإمام  28. أمّا في العقل الأخلاقي العربي، فإن العدل لم يكن غير صدى للنظريات الفلسفية اليونانية تارة، وللتصوّرات الأخلاقية السياسية الفارسية تارة أخرى 29. لذلك بدا هذا المفهوم ثانويًا وغير ذي قيمة في تحليل الجابري الفكَرَ التراثي السياسي والأخلاقي، وحتى حينما دعا، في خاتمة العقل السياسي العربي، إلى ضرورة النفي التاريخي لمحددات هذا العقل، والانتقال من الغنيمة إلى الاقتصاد، ومن العقيدة إلى الأيديولوجيا الدولتية، ومن القبيلة إلى المواطنة، فإنّ دعوته تلك لم تقترح تصوّرًا سياسيًا للعدل، وبقي هذا متواريًا خلف شعار الديمقراطية الذي شهره في وجه الاستبداد المتحِّدِر إلينا من التراث. بذلك يكون النَّفَس الشمولي لمشروع الجابري النقدي قد حال دون تبُّي نخصوصية مفهوم العدل كما صاغه خطاُبُ الفقه السياسي، خاصّة على مستوى تقنيات التدبير التي تتجاوز أفق إشكالية الإمامة، وتجعل من "فقه التدبير" ترجمةً عملية لمبدأ العدل، ومدخلًالفهم طبيعة المشروعية المرتبطة بفعل سياسة الدولة وتدبيرها  30. لعلّ عدم اهتمام الجابري بالتداخل القائم بين مجالات "الفقه السياسي" و"أدب النصيحة" و"علم الكلام"، راجع إلى التصنيفات التي يفرضها منظور مشروعه النقدي على التراث وتأويله؛ فبدلًامن صهر فقه السياسة في علم الكلام، وبدلًامن اعتبار تصوّره للعدالة مجرّد صدى لشروط الإمامة، يحُسُُنُ البحث في التقاطعات التي حصلت داخل التراث بين خطاب الفقه السياسي وخطاب الآداب السلطانية/ النصيحة، والخطاب الكلامي، كما في العلاقة الجدلية التي ربطت المفهوم ذاك بالواقع وشروطه، وحينها سندرك أنّ مفهوم العدل كان مفهومًا عابرًا لهذه الخطابات كلّها، وحمل في طيّاته الكثير من معالم تصوّرات المفكرين التراثّييّن المختلفة عن الواقع ومحدداته. وسيتضح حينها أنّ دفاع المعتزلة عن العدل لم يكن بمعزل عن موقفهم السياسي من السلطة السياسية، وأنّ العدل عند الفقهاء لم يكن مجرّد شعاٍرٍ واجهوا به استبداَدَ الحاكم بالسلطة، بل كان محِّدِدًا معياريًا لمشروعية السلطة التي اقترنت بالشرع في عرفهم. المطلوب، إذًا، الخروُجُ من التصنيفات السكونية للخطابات المكِّوِنة للتراث السياسي الإسلامي، التي فرضتها رؤية المشروعات النقدية وتأويلاتها الشمولية للتراث. والوعي، في مقابل ذلك، بالتداخلات القائمة بينها؛ لأنّ من شأن ذلك أن يُفهَمَنا كيف يستطيع مفهوٌمٌ سياسي أو أخلاقي، مثل مفهوم العدل، أن ينهَلَ من كل تلك الخطابات، وأن يتقدّم إلى مشهد وعينا المعاصر في صورة تركيب يحمل في طيّاته عناصَرَ الرؤى المنتظمة للفكر السياسي الكلاسيكي في ديناميته التي تجسّد ليونته وقدرته على التقاط متغّي رات الواقع. وبذلك نتجاوز الانتقائية التي تعامل بها عدد من المفكرين مع الموروث السياسي والأخلاقي، ونتجنّب أحكامهم السلبية عنه، ونزعتهم الانتقائية التي تقف وراءها 31. في ضرورة الخروج من المنظور الخلدوني في دراسة التراث السياسي والأخلاقي لا يبدو أنّ الجابري ينفرد وحده بهذا المنظور التجزيئي للتراث السياسي العربي الإسلامي، فهذا الموقف ليس جديدًا على الوعي العربي، إنما يضرب بجذوره، على نحو لاشعوري ربما، في موقف عبد الرحمن بن خلدون من التراث السياسي العربي الذي تلقّف الباحثون المحدثون، عربًا ومستشرقين، أحكامه وتصنيفاته. كرّس ابن خلدون فصلًاجذريًا بين الخطابات السياسية المكِّوِنة لهذا التراث، حينما ميّز القول الفلسفي (السياسة المدنية) من القول الفقهي (السياسة الشرعية الدينية) والقول السلطاني (السياسة العقلية.) وعلى أنقاض نقده هذه الخطابات السياسية، أرسى دعائم نظريته في الدولة القائمة على فكرة العصبية و"طبائع العمران" البشري. ومعه، اخُتُزلت الفلسفُةُ السياسية في تصُّوُرها المدينة الفاضلة التي لا تقبل، في نظره، التحقق في دنيا البشر، ومعه أيضًا اخُتُزلت الآداب السلطانية في نموذج السياسة العقلية التي مدارها على المصلحة الدنيوية  32. والملاحظة عينها يمكن أن تُقال عن حكمه على الفقه السياسي الذي اختزله في السياسة الدينية 33، طامسًا بذلك الأبعاد غير الدينية في التصوّر الفقهي السياسي للسياسة وتدابيرها، بل طمس أيضًا الاختلافات الكامنة داخل كلّ خطاب على حدة، فغدت السياسة العقلية (الآداب السلطانية والنصيحة برمّتها)، مثلًا، قرينة الدفاع عن الاستبداد، وقد أخذ اللاحقون به والمعاصرون 34 بهذا الحكم، من دون تفكير في التمايزات الممكن وجودها بين كتّاب الآداب والنصيحة. والملاحظة عينها يمكن أن تُقال عن حكمه على الفقه السياسي والفلسفة السياسية. لذلك كان من الطبيعي أن يقود هذا المنظور التجزيئي

  1. 28  المرجع نفسه، ص.361
  2. محمد عابد الجابري، العقل الأخلاقي العربي:  29 دراسة تحليلية نقدية لنظم القيم في
  3. 30  فازيو، العدالة والعدل، ص.182
  4. فهمي جدعان، "العدل في حدود ديونطولوجيا عربية"، في:  31 ما العدل؟ معالجات في السياق العربي، (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2014)، ص.93
  5. 32  عبد الرحمن بن خلدون، المقدمة (بيروت: دار الكتب العلمية، 1999)، ص.239-238 33  المرجع نفسه، ص.150
  6. الثقافة العربية، نقد العقل العربي)4((بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،)2001، ص.315
  7. عبد المجيد الصغير،  34 المعرفة والسلطة في التجربة الإسلامية: قراءة في نشأة علم الأصول ومقاصد الشريعة (القاهرة: رؤية للتوزيع والنشر، 2010)، ص.95

إلى الحديث عن "وحدة" كلّ واحد من تلك الخطابات السياسية؛ إذ تسوّغ هذه الوحدة والتناغم الداخلي للخطاب انفصاله الكّل ي عن غيره من الخطابات، والتخلي الكّل يعن فكرة الكاتب/ المؤلّف. وهكذا، يغلب على مقاربة الباحثين في الآداب السلطانية الحديُثُ عن خطاب يعيد تدوير نفسه، ويكاد كلّ مسهم فيه أن يعيد إنتاج ما قيل من قبله، ويضيع في هذا الخطاب صاحب هذا القول أو ذاك، فنجد مرويات مجهولة، تُنَسَب في كل مرة إلى مفكرين مختلفين. هذا ما نلفيه، في هذا المعرض، في تمسك عز الدين العلام، في دراسته عن الآداب السلطانية، بوحدة الخطاب السلطاني؛ كما في حديث كمال عبد اللطيف عن "الاستواء النيّص يواكتمال النمطية" المهيمَنيَن على الخطاب السلطاني  35. يعني هذا الأمر، بالنسبة إلى مفهوم العدل، أنه ليس أكثر من كلمةٍ تنعكس فيها الرؤية الاستبدادية الحاكمة لخطاب الآداب السلطانية، أو الرؤية المتعالية المنتظمة للقول الكلامي، أو تلك المثالية التي تُكرّس مفارقة الفلسفة السياسية لواقعها. أما الاختلافات الموجودة بين المفكرين داخل كل خطاب على حدة، وبين تلك الخطابات كلها، فغير ذات قيمة، ما دام "المؤلّف قد مات"، وما بقي داخل كل خطاب هو تدوير فكرة الاستبداد  36. خلف تصنيفات ابن خلدون لتاريخ الفكر السياسي في الإسلام يثوي تسليمه بأنّ الأمر يتعلّق بخطابات جسّدت ردات فعل متباينة على واقع واحد؛ واقع العمران وقوانينه المرتبطة بالاستبداد والقهر والتغلّب الذي يمثل جوهر الدولة  37. بذلك تكون الفلسفة السياسية هروبًا من هذا الواقع إلى حلم لن يتحقّق، ما دام البشر بشرًا يعيشون وفق طبائع العمران  38، كما تكون الآداب السلطانية سياسة عقلية تسِّوُِغُ القهَرَ والاستبداد  39، من دون أن تلحظ الشرع ومقتضياته المعيارية التي تخدم المسلم في الدنيا، كما في الآخرة؛ في حين يقترح الفقه السياسي سياسةً دينية مبناها على الشرع وأحكامه، بصرف النظر عن العمران وطبائعه. فهل يحقّ لنا أن نساير اليوم، في تأويلنا العدل التراثي، أحكام ابن خلدون؟ هل كانت مواجهة واقع العدل تعني، بالنسبة إلى المتقدمين، الهروب منه أو تسويغه فحسب؟ يمكن أن نزعم أنّ من شأن تفكيك المنظور الخلدوني أن يكشف عن تمفصلات مفهوم العدل داخل التراث السياسي برمّته، وأنّ تفكيرنا في التصوّر التراثي للمفهوم مطالب بتجاوز التصنيف الخلدوني، والبحث بدلًامن ذلك عن الذاتية السياسية التي انتظمت في ذلك التراث. لا يعني الاستبداد، بالضرورة، الطغيان 40 المقترن بالعْسْف والجْوْر، وهذا ما يدل عليه حضور الدعوة إلى العدل في الخطاب السياسي التراثي. قد يُقال إنّ العدل لا يتجاوز في هذا الخطاب مفهوم النظام المقابل للفتنة والفوضى، في مستواه الفردي (أخلاق النفس)، كما في مستوى الاجتماع السياسي (تدبير الملك)، وأنّ التضايف الحاصل بينه وبين العقل والشرع يبقى العلامة الفارقة على ذلك  41. وعلى الرغم من مشروعية مثل هذا الاعتراض، فإنّ مشكلته تكمن في الاختزال الذي يمارسه على تصُّوُر الآداب السلطانية لفكرة العدل؛ فمع أنّه يجعله حبيس التصوّر الأخلاقي لاعتدال النفس، يَصهره في التصوّرات الفلسفية التي اعتمدت فكرة انسجام قوى النفس معيارًا وشرطًا للعدالة على الطريقة الأفلاطونية والفارابية  42. ومن ثمة، يخدم هذا المنظور التقابل القائم، في ذهن ابن خلدون، بين تصوّر الآداب السلطانية والنصيحة للعدالة، وتصوّر الفقهاء للعدل الذي اعتبروه تجسيدًا لمقولات الشرع، كما يكرّس الفصل الذي أقامه بين هذه المجالات كلها. والحال أنّ خطاب الآداب السلطانية وجد نفسه ملزمًا بصياغة رؤيةٍ واضحة عن النفس وتراُتُب قواها وأخلاقها، حتى يتبّي نمعنى العدل من حيث هو قيمةٌ تنجم عن نوع من التناغم الداخلي بين مختلف تلك القوى. من هذا المنظور، يدرك أصحاب الآداب السلطانية العدل قيمةً أخلاقية تحتاج إليها نفس الَمَِلِك حتى تصير معتدلة وعادلة في أفعالها 43، كما تحتاج إليها سياسة الُمُلك حتى تتحقّق شروط العدل في الرعية. وهكذا، يكون العدل ضمانةً لحسن سياسة الُمُلك. وعندما يقرّ عبد الرحمن الشيزري بأنّ "من

  1. 35  كمال عبد اللطيف، في تشريح أصول الاستبداد (بيروت: دار الطليعة، 1999)، ص 94؛ ينظر أيضًا: عز الدين العلام، النصيحة السياسية: دراسة مقارنة بين آداب الملوك الإسلامية
  2. 36  عز الدين العلام، الآداب السلطانية: دراسة في بنية وثوابت الخطاب السياسي، سلسلة عالم المعرفة 243 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 2006)، ص.35
  3. 37  ابن خلدون، ص.236
  4. 38  من الصعب فصل موقفه من السياسة المدنية التي اعتبرها مجرد فكرة حالمة، لا أمل في تحقيقها في الواقع، عن موقفه العام من الفلسفة، كما بيّنه في الفصل بعنوان "في إبطال الفلسفة وفساد منتحليها"، ينظر: المرجع نفسه، ص.238
  5. 39  ينظر على سبيل المثال: عبد اللطيف، ص.201
  6. Leo Strauss, La tyrannie (Paris: Gallimard, 1954), p. 53.
  7. 41  محمد بن علي بن محمد بن الأزرق، بدائع السلك في طبائع الملك، تحقيق علي سامي النشار (بغداد: منشورات وزارة الإعلام، 1977)، ص 231. ويعتبر أحمد بن تيمية أن العدل مما تختاره الفطرة السليمة التي هي العقل. ينظر: أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، الحسبة في الإسلام أو وظيفة الحكومة الإسلامية (بيروت: دار الكتب العلمية، [د. ت)].، ص. 29 وليس صدفة أن ينتهي تفكير بعض المسلمين في علاقة السلطة السياسية بالعدل إلى فكرة سياسات الإسلام المعاصر، ص "المستبد العادل." ينظر: السيد،.296 42  الشيخ الرئيس ابن سينا، "رسالة في السياسة"، في: السياسة الشرعية: مجموعة رسائل، تحقيق محمد حسن محمد حسن إسماعيل الشافعي وأحمد فريد المزيدي (بيروت: دار الكتب العلمية، 2003)، ص 111؛ ينظر أيضًا: أبو علي أحمد بن محمد بن يعقوب مسكويه، تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق، حققه وشرح غريبه ابن الخطيب (القاهرة: مكتبة الثقافة الدينية، [د. ت)].، ص.184
  8. ومرايا الأمراء المسيحية (بيروت: مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، 2017)، ص.78
  9. 43   " أول ما أوصيك به في هذا الباب أن تأخذ نفسك بالاعتدال في جميع الأحوال، في مطعمك ومشربك وملبسك ومنكحك ونومك ويقظتك وتعبك وراحتك." محمد بن الحسن المرادي الحضرمي، كتاب السياسة أو الإشارة في تدبير الإمارة، تحقيق محمد حسن محمد حسن إسماعيل وأحمد فريد المزيدي (بيروت: دار الكتب العلمية، 2003)، ص.24

حَُسَُنَْتْ سياسُتُه، دامْتْ رئاسته" 44، فإنه يجعل من السياسة العادلة ضمانةً لاستمرار الملك. لا أحد ينكر أنّ الغرض الرئيس من العدل، هنا، هو خدمة مصلحة السلطان، لكن ألم يشترط هذا الموقف العدَلَ في الرعية، وارتفع به إلى مستوى ما يضمن استمرار الُمُلك ودوامه؟ ليس المهم أن يكون العدل غاية في ذاته، بل الأهمّ، في هذه الحالة، أن يكون الجميع على وعي بأنّ الحفاظ على المْلْك يتطلّب العدل في الرعية. كيف نفهم، إذًا، وصَفَ ابِنِ خلدون الخطاَبَ السلطاني بالاستبداد؟ المشكلة، على ما يبدو، ليست في ابن خلدون، إنما في فهمنا نحن، اليوم، لكلمة الاستبداد، التي تعني الانفراد بالُمُْلِْكِ ومنع الآخرين من التطاول عليه، لذلك اعتبر أن النظام الاستبدادي يقوم على وحدة السلطة ومركزية الحاكم الذي ينفرد بالسلطة درءًا لتوزيعها. وهذا ما يعني أن عملية التوزيع تلك كانت تعني حتمًاتشتيت السلطة وصعوبة استرجاعها مرّةً أخرى، كما تبّي نهندسة الأحكام السلطانية في كتاب الماوردي. وهذا ما يفتح الباب أمام الفتن والفوضى التي أرّقت المفكرين السياسيين بمختلف مشاربهم. وقد سبق أن بّي ن عبد الله بن المقفع أنّ من بين أسباب ضعف تجربة المسلمين في السياسة، علاوة على حداثة عهدهم بالدولة ونموذجها، ضعف مركزية الحاكم الذي يفتح الباب على مصراعيه أمام تشتت السلطة، وهو ما يدفع إلى الخروج على السلطان الذي غالبًا ما ينطلق من الهوامش  45. وأمام مثل هذا الوضع، كان من الطبيعي أن يكون الاستبداد قرين السعي لسلطة موَّحََدَةٍ، قادرة على إخراج الأمة من الفتنة إلى الاستقرار  46. ونجد هذا الهاجس عند معظم الذين فكّروا في السياسة، عند الفقيه، كما عند الفيلسوف والأديب، وما كان في مقدور هؤلاء جميعًا أن يتصوّروا وضعًا يكون فيه اقتسام السلطة أو تشاُرُكها سبيلًاإلى تقويتها وتثبيت دعائم الُمُلك، وهذا هو مدلول تشبّثهم بتركيز السلطة بَيَد الحاكم، خليفةً كان أم ملكًا أم سلطانًا 47.

في الحاجة إلى تجاوز الانتقائية في قراءة النظريات المعاصرة

تَساءل فهمي جدعان، في محاولته الرامية إلى صياغة تصوّر عن العدل في حدود "ديونطولوجيا" عربية، عن الطريقة التي ينبغي التعامل بها مع النظريات الغربية المعاصرة، رافضًا إسقاطها حرفيًا على الواقِع العربي، ومدافعًا عن ضرورة الوعي بتجذّر وعينا الأخلاقي والسياسي في التراث، مشدّدًا على إمكانية الاستفادة من نظرية المقاصد التي انتهت إلى ربط العدل بالشرع والمصلحة والمنفعة، حيث يمدّنا هذا التصوّر، في اعتقاده، بمبدأ نظري ومعياري يؤسّس لنظرية في العدل تلحظ مستجدات الفكر المعاصر، وتعي علاقتنا بالتراث العربي الإسلامي. وفي دراسة جدعان، يتبدى الكثير من مظاهر التوتر الذي يتمَّلَك الباحثين العرب في موضوع العدل؛ إذ غرضه الإفادُةُ من النظريات المعاصرة في العدل وتسويغ استضافة الفكر العربي المعاصر لها، من خلال إظهار الحاجة الواقعية إليها، بوصفها نظريات تحمل معنى خاصًا لمجتمعاتنا، على حدّ تعبيره. أما جوازه إلى ذلك، فيكمن في نظرية المقاصد والمصلحة التي استطاعت إعادة بناء علاقة الفكر الفقهي بالواقع وطوارئه. يمكن اعتبار هذه المحاولة واحدةً من أهم ما اقترحه المفكرون العرب فيما يتعلّق بتلقي الفكر العربي المعاصر للنظريات الغربية في العدل، وسيكون علينا أن نتساءل عن طبيعة هذه المواءمة بين منظومتين فكريتين تنتميان إلى نظامين معرفيين وتاريخيين مختلفين، كما عن معقولية انتهاج المواءمة في تعاملنا مع النظريات الغربية المعاصرة. تتمثّل أبرز نظريات العدل المعاصرة، بحسب جدعان، في النفعية والليبرالية والجماعتية والليبرتارية والماركسية والنسوية. وبغض النظر عن دقّة هذا التصنيف الذي يتجاوز ما ألّفه مفكرون سياسيون وأخلاقيون حاولوا فهم العدل من خارج دائرة التقليد الغربي ونموذجه، مثل أمارتيا صن، وعّم اكتبه كبار فلاسفة القانون الذين اقترحوا تصوّرات للعدل، لا تقلّ أهمية عما قدّمه رولز ونقّاده 48، فإنّ ما يعنينا هو إفادة جدعان منه في صياغة رؤية للعدل تستوعب مقتضيات الفكر الغربي؛ إذ يعتبر، أولًا، أنّ الثقافة العربية في أمس الحاجة إلى الفلسفة النفعية، باعتبارها تفكيرًا في العدل يقوم على البحث المشروع عن السعادة الفردية والجماعية في الآن ذاته. أمّا تطويعها مع السياق العربي الإسلامي وتراثه، فممكن، في اعتقاده، إن نحن وسّ عنا مفهوم المنفعة/ المصلحة ليشمل السعادة الدنيوية والأخروية الدينية أيضًا؛ بالنظر إلى الدور الكبير والحاسم الذي يضطلع به الدين ورؤيته الأخروية في تدبير حياة المجتمعات المسلمة  49. ويمكن أن نعمّم الحكم نفسه، ثانيًا، على التصوّر الليبرالي للعدالة، كما صاغه رولز خاصة؛ فهذا الضرب من العدل المقترن بالحرية، وبالحاجة

  1. عبد الرحمن بن عبد الله بن نصر بن عبد الرحمن الشيزري،  44 النهج المسلوك في سياسة الملوك (بيروت: دار الكتب العلمية، 2003)، ص.80
  2. 45  عبد الله بن المقفع، رسالة الصحابة (بيروت: دار البحار، 2009)، ص 124؛ ينظر في شأن قضية العلاقة بين المركز والهوامش في التجربة السياسية الإسلامية: رضوان السيد، الأمة والجماعة والسلطة: دراسات في الفكر السياسي العربي الإسلامي (بيروت: جداول، 2011)، ص.131
  3. 46  أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله الجويني، الغياثي: غياث الأمم في التياث الظلم، تحقيق خليل عمران المنصور (بيروت: دار الكتب العلمية، 2003)، ص.150
  4. 47  السيد، الأمة والجماعة والسلطة، ص.113
  5. 48  أشير هنا، على سبيل المثال، إلى اجتهادات هانز كلسن ونوربيرتو بوبيو ولويجي فيرايولي داخل مجال فلسفة القانون. ينظر: نبيل فازيو، "الوضعانية القانونية ونسبية القيم: تبّين، مج الحق والعدالة بين هانز كلسن ونوربيرتو بوبيو"، 11، العدد 49.)2024(
  6. 49  جدعان، "العدل في حدود ديونطولوجيا عربية"، ص.99

إلى المساواة في حدودها الدنيا، يشِّكِل أرضية للعدالة الاجتماعية، تتجاوز الفهم الضيّق لليبرالية، "وليس ثمّة شك في أنّ تصوّر رولز وأقرانه للعدالة يصلح لأن يكون دعامةً أساسية من دعائم العدل في سياٍقٍ عربي" 50. صحيح أنّ هذه الليبرالية نبعت من المراجعات المتكرّرة لنفعية المجتمعات الليبرالية نفسها، غير أنه في المجتمعات العربية "التي لم تبلغ ما بلغته المجتمعات الغربية من تطوٍّرٍ وتعقيد وصراع وتفاوت، تبدو 'المساواة الليبرالية' ذات جدوى وفائدة، لكنها يمكن أن تكون أكثر جدوى وفائدة، وأعظم توافقًا مع ثقافة هذه المجتمعات وتطلّعاتها، إن هي اتّخذت طابع 'ليبرالية تكافلية' أو تضامنية أبعد غورًا وُنُشدانًا للخير العام، من دون التفريط في الحريات الأساسية، أي من دون أن يجور الخير العامّ على الخير الخاص لأفراد المجتمع" 51. هكذا اعتبر جدعان، ثالثًا، أنّ النزعة الجماعتية قادرة هي الأخرى على ملء فراغ في فكرنا السياسي؛ فهي تشدّد على قضيَتَي "حيادية الدولة" و"سياسة الهوية الذاتية"، وهما قضيتان مركزيتان في الفعل الحيوي للنسيج السياسي والاجتماعي لمجتمعاتنا. و"إنّ ثمّة توافقًا عاًّمًا بين الجماعتية والاتجاه الأغلبي في مجتمعاتنا، من حيث إننا لا نقبل أن تتخّل ىالدولة عن مسؤوليتها الاجتماعية[...]ودولة الحدّ الأدنى واليد الخفية التي يتكلّم عليها الليبراليون والليبرتاريون لن يترتب عليها في المجتمعات العربية ودولها، إّل االمزيد من الفوضى والظلم والفساد. لكن، من وجه آخر، نحن لا نطيق أن تتدخّل الدولة في 'الخيارات التفضيلية للأفراد'، وأن تفرض على المواطن طبيعة 'المصير الذاتي' الذي ينبغي أن يحققه، وطبيعة 'النظام الفكري' الذي يجب أن يجسّده في حياته الخاصة" 52. بذلك تكون الجماعتية استرجاعًا لدور الدولة والمجتمع في خْلْق مجتمٍعٍ عادل، من دون التضحية بحرية الإنسان العربي. علاوة على ذلك، يعتقد جدعان، رابعًا، أنّه من الممكن أقلمة النظريات النسوية في العدل مع الراهن العربي، ولا سيما أنّ مجتمعاتنا في أمس الحاجة إلى عدالة بين الجنسين، أساسها المساواة العادلة والاعتراف بقيمة المرأة ومكانتها. يلخّص جدعان تصوّره ل "فكرة" العدل التي يحتاج إليها المجتمع العربي انطلاقًا من فكرة المصلحة في قوله: "نستطيع، باطمئنان عظيم، دمجها [نظرية المصلحة] في مركب نظرية عربية في 'العدل الاجتماعية'، أركانها الأساسية: المنفعة الضاربة في الخير العام، وليبرالية تكافلية حافظة للحريات الأساسية والمساواة في الفرص، وفي توزيع الخيرات الاجتماعية، مع الإقرار بالتفاوت وإنصاف الأفراد والفئات الأقل حظًا، وتعزيز القواعد الحامية للهوية في إطار تنمية القدرات والملكات الفردية الحريصة على الجمع بين خير الفرد وخير الجماعة، واجتناب مخاطر 'الأنا الذري' الفرداني والنرجسي، وتعزيز مبدأ الخير العام، وإرساء بنيان المساواة النسوية بإبداع قراءة تأويلية مساواتية للنصوص الدينية التي يفيد ظاهرها المتشابه أوضاعًا لامساواتية وغير عادلة" 53. واضٌحٌ أننا أمام محاولة توفيٍقٍ تطمح إلى استيعاب مكتسبات الفكر السياسي المعاصر انطلاقًا من متطلّبات المجتمعات العربية، وهي لهذا السبب بقيت محاولة مسكونة بهواجس العالم العربي، ومحكومةً في الآن نفسه بنَفٍَسٍ انتقائي ورؤية إسقاطية. نلاحظ، أوّلًا، أنّ جدعان لم يهتم، بما يكفي، بالشرط السياسي والثقافي للعدل، ويخَّيَل إلى قارئه أنّه يقترح "وصفات علاٍجٍ جاهزة" لواقع المجتمعات العربية، من دون أن يلحظ مقاومة البنى السياسية لفكرة العدل نفسها. صحيٌحٌ أنه يشير في نهاية دراسته إلى الحاجة إلى الديمقراطية بصفتها شرطًا لتجسيد تصوّره للعدالة، غير أنّ الديمقراطية لا تُختزل في بعدها المؤسساتي، ولا هي وصفة جاهزة يمكن تطبيقها على هذا المجتمع أو ذاك. وفي حالة المجتمعات العربية، فإنّ البنى الُعُْصَْبَوية والثقافة السياسية العتيقة لا تزال تلقي بظلالها على وعينا السياسي، وتحول دون توطين الديمقراطية في المجتمعات العربية وتصييرها آليةً لتدبير الاختلاف وتنظيم العيش المشترك وفق مبدأ العقلانية والمصلحة  54. يعني هذا القول إنّ الحديث عن عدل عربي، أو عن التلقّي العربي للنظريات الغربية المعاصرة، ينبغي له أن يصدر عن دراسة سوسيولوجية ونفسية للثقافة السياسية والوعي الجمعي السياسي العربي، في ضوء رهان التأسيس لنظرية سياسية في العدل، بغرض الوقوف على مفعول البنية الطائفية والعصبوية للمجتمعات العربية، كما على أثر المرجعيات الثقافية (الدينية والرمزية والأخلاقية) الواعية وغير الواعية، في توجيه فهمنا وتأويلنا للفكر المعاصر ومفاهيمه. ونسجّل، ثانيًا، أنّ انتقائية جدعان شملت التراث الإسلامي أيضًا، وانتهت به إلى تجزيئه على نحٍوٍ لا يلحظ التداخل بين قطاعاته وامتدادات مفاهيمه بينها، وهذا ما نستشفّه من حكمه على العدل الكلامي الذي حصره في بعده الميتافيزيقي، وعلى العدل الفلسفي الذي لم يكن عنده غير علامة على فلسفة أخلاقية منفصلة عن الواقع. كما تبدّى المنزع الانتقائي، ثالثًا، في تعويل جدعان على نظرية المصلحة في تلقّي الفلسفة النفعية، وهذا أمر يفترض مسبقًا

  1. 50  المرجع نفسه، ص.100
  2. 51  المرجع نفسه.
  3. 52  المرجع نفسه، ص.101
  4. 53  المرجع نفسه، ص.103
  5. عزمي بشارة،  54 الانتقال الديمقراطي وإشكالياته: دراسة نظرية وتطبيقية مقارنة (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2020)، ص 564؛ عزمي بشارة، في المسألة العربية: مقدمة لبيان ديمقراطي عربي (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2007)، ص.111

إمكانية فصلها عن البردايم المعرفي الذي تشكّلت في تربته، والنظر إليها باعتبارها آلة يمكن توظيفها في أي سياق فكري آخر. والحال أنّ عبقرية فقهاء المقاصد حملتهم على تسويرها بفكرة الكلّيات، والتقعيد لها بمبدأ اقتران الشرع بالمصلحة والعدل  55. بذل الفقهاء المحدثون جهدًا في تطويع هذه النظرية مع طوارئ الراهن وأسئلته المحرجة، ولا سيما السياسية منها. غير أنّ السؤال الذي يعترضنا، هنا، يتعلّق بإن كانت نظرية المقاصد، في صيغتها التقليدية، المتحدّرة إلينا من التراث ورؤيتها إلى المصلحة، تستوعب المنزع النفعي المتجذّر في المادية وامتداداتها في الفكر السياسي المعاصر؛ وإن كانت هذه النظرية كافية لاستيعاب التصوّر الحديث والمعاصر للدولة والمجال السياسي. ويمكن أن نتساءل إن لم نكن في حاجة إلى تجاوز التعامل الترقيعي مع نظرية المصلحة والوعي بأنها جزء من منظوٍرٍ متكامل في السياسة، يقوم على البراغماتية، وأنّ هذا الأمر يستلزم تصوّرًا واقعيًا للمشروعية السياسية نفسها. فقد كان على رولز أن يخوض سج لًاطويلًامع ممثلي الفلسفة النفعية، وأن يعترف بواقع تنازع المصالح وافتراض تجاهلها المتبادل بين الأفراد على مستوى الوضعية الأصلية وحجاب الجهل، كي يحرّر فكرة العدل من أفق الذرائعية، ويوسع أمامها باب التوزيع المنصف، من دون التنكّر لواقع المنفعة ودورها في صياغة تصوّرنا عن العدل  56. لكنه كان مدركًا، في الآن ذاته، أنّ نظريته جزء من رؤية سياسية يستقيم أمرها على الفهم الواقعي للسياسة من حيث هي تدير المصالح وتوزيع الخيرات  57، وعلى الديمقراطية ونموذج الدولة المنتظم لها58. أمّا في سياقنا العربي الإسلامي، فإنّ فكرة المصلحة غالبًا ما جرى استعمالها، خاصة من المحدثين، لتبرير موقفنا من طوارئ عارضة، بمعزٍلٍ عن التفكير في موقع المصلحة داخل نسق فكرنا السياسي. أكتّا دق ينيوجلا ا هللدبع نب فسوي نب ا هللدبع لثم اهيقف نّأ حيحص على فكرة المصلحة لتبرير ما سّم اه طوارئ السياسة، وأن غيره برّروا ذلك بمفهوم أحكام الوقت عملًابالمبدأ القائل: "إن الضرورات تبيح المحظورات"، وأنّ "ما لا يكون الواجب إّل ابه فهو واجب"... إلخ، غير أنّ وعي الفقهاء المتقدمين بمفعول المصلحة في السياسة حملهم على بلورة نظرية غدا فيها الشرع نفسه محكومًا بالمصلحة، عندما يتعلّق الأمر بالسياسة والدولة. هذا ما نلفيه في تجويز الماوردي لولاية المستبد، وفي اعتراف الجويني بشرعية سلطة نظام الُمُلك، كما في إقرار محمد أبو حامد الغزالي بعقد الخلافة لمن قهر وتغلّب... إلخ؛ فهذه كلّها أحكام احتاجت إلى الاستناد إلى نظرية في السياسة، تتبوّأ فيها المصلحة مكانة محورية، وقد وظّفوها وفق ما يقتضيه نموذج الُمُلك الذي شكّل أفقهم السياسي آنذاك، ولم تكن المصلحة مجرّد "آلية منطقية" يتم تسخيرها لمواجهة حدث عارض، بل استطاع هؤلاء الفقهاء تحويل المصلحة إلى آلية للتسويغ وإضفاء المشروعية على المنظومة السياسية برمّتها. لذلك يختلف استعمال الفقهاء المتقدمين للمصلحة عن أضرابهم المحدثين الذين يكتفون بالانتقائية في توظيفهم هذه الفكرة، من دون الإقدام على وضعها داخل منظومة فكرية سياسية متكاملة. ولعلّ هذا الفهم التبسيطي للمصلحة هو ما حمل جدعان نفسه على الاعتقاد أنّ أخذ المصالح الدينية (الأخروية) في الحسبان يمكن أن يُسهّل تلقّي المذهب النفعي في العدل، من دون تنبيه القارئ إلى الفجوة الفاصلة بين المنظوَرَين القديم والحديث لمفهوم المصلحة. يعني هذا القول، في جملة ما يعنيه، أنّ تلقّف المذهب النفعي يحتاج إلى تطوير رؤية مغايرة إلى المصلحة، تحول دون تحوّل المقاصد إلى آلية للتبرير، بدلًا من أن تكون وسيلة لتطوير الشرع، وتحصين مبدئه القائل إنه حيثما كان العدل، فثمّة شرع الله. تقودنا هذه الملاحظات إلى الإقرار بمحدودية المقاربة التوفيقية بين التراث السياسي والفكر المعاصر فيما يخص مفهوم العدل، وبالحاجة إلى الوعي بأنّ هناك شروطًا أخرى تتدخّل في تأويلنا مكتسبات الفكر المعاصر، هي عينها التي تفرض علينا تأويلًامغايرًا لتراثنا السياسي نفسه. ولا يكفي التشديد على أولوية العدل السياسي والاجتماعي 59، ولا ادّعاء القدرة على التبرّم الكّل يمن المفهوم الميتافيزيقي واللاهوتي للعدل  60، للقول إننا قادرون على استضافة المرجعيات الغربية من دون وعي، باختلاف السياق الاجتماعي والشرط التاريخي الحاكم لعملية الاستضافة تلك. ومتى انتبهنا إلى ذلك الاختلاف، ووعينا بفرادة المجتمعات العربية وخصوصية تاريخيتها، أدركنا أنّنا مدعوّون إلى التفكير في العدل وفق منظور يلحظ هذا السياق.

ثالثًا: التسويغ وتجاوز الرؤية الجوهرانية للعدل

جرت عادة الفلاسفة على التفكير في العدل من خلال تحديد ماهيته، من حيث هو قيمة مطلقة، تؤسس للمجتمع المثالي والفاضل. ويبدو أن اعتراف الفلاسفة المعاصرين بنسبية العدل جسّد اقتناعهم بتعذّر

  1. 55  كما نجده عند عبد الله بن عقيل وابن تيمية وابن القيم الجوزية.
  2. Rawls, Théorie de la justice , p. 39.
  3. 57  جون رولز، الليبررالية السياسية، ترجمة نوفل الحاج لطيف (بيروت: جداول،)2022،
  4. Rawls, Justice et démocratie , p. 324. 59  جدعان، ص.103
  5. ص.246
  6. 60  نصّار، ص.236

ذلك، حينما ربطوه بسياقاته المتعددة، بدلًامن التفكير في مفهومه المجرّد والمطلق. لذلك يختزل مفهوم العدل المعاصر مختلف الأسئلة السياسية المتعلقة بالدولة والمجال العمومي والعيش المشترك ومآله والاختلاف الثقافي وطرائق تدبيره وفق آلية الاعتراف... إلخ 61، وقد صار عنوانًا عريضًا لمبحٍثٍ فلسفي تتقاطع فيه مجالات الفلسفتين النظرية والعملية. لم يعد منظور الفلسفة السياسية والأخلاقية الكلاسيكي كافيًا لفهم مقاصد التصور المعاصر للعدل، وسرعان ما بات على المهتمين بهذا السؤال أن ينهلوا من قطاعات معرفية كثيرة ومتعددة لبلورة فهم معقول له؛ إذ يحضر في تفكيرهم المنظور الاجتماعي والسياسي والأخلاقي والتاريخي والأنثروبولوجي والاقتصادي والقانوني... إلخ. أما المنظور الفلسفي، فيعمل على صياغة رؤية تستوعب كل تلك المعارف في إطار مفهوم مركّب. لا يبدو أنّ الفكر السياسي العربي المعاصر قد أقدم على مثل هذه الخطوة، وبدلًامن الوعي باندراج العدل في سياق المجتمع وأسئلته، وبناء منظوٍرٍ مركّب للتفكير في هذا المفهوم يستحضر سياقاته وتداخلاتها، لا نزال نعتقد أنه يكفي الترويج للمرجعيات الأخلاقية والسياسية الغربية، أو التراثية، كي نقدّم "الجواب الأنسب" عن أسئلة العدل في سياق المجتمع العربي المعاصر. وما زلنا نفكر في العدل من منظور السؤال الجوهراني العتيق: "ما العدل؟"، بدلًامن مقاربته من منظور سؤال أكثر واقعية ونسبية: كيف يمكن تحويل العدل إلى قيمة أساسية في الثقافة العربية؟ وبأي معنى يمكن أن يصير المجتمع العربي مجتمعًا عادلًا؟ يزجّ بنا السؤال الأول في آفاق مفهوم العدل وتاريخ نظرياته، في حين يضعنا السؤال الثاني على أعتاب فكرة عن العدل يستدعيها المجتمع العربي، وتأخذ في الحسبان تاريخية وعيه ومنظوره المعياري، وأثر الفكر المعاصر في توجيه رؤيته واختياراته؛ وهو ما يستلزم تطوير منظور معرفي مركب لصياغة تلك الفكرة. لم يعد في مقدورنا، اليوم، الاكتفاء بما يقدّمه تاريخ الفلسفة والقانون والأخلاق من نظريات عن العدل؛ لأنّ إشكالية العدل أمست تركيبًا بين أسئلة تحتاج إلى بناء معرفي متكامل ومركّب في الآن ذاته، كما أنّ مفهومها بات ينتمي إلى نظاٍمٍ معرفي استطاع الانفصال عن نظام المعرفة الكلاسيكية الذي في تربته تشَّكَل المفهوم التقليدي للعدل. لذلك يُفترض في هذا المنظور التركيبي القدرة على قراءة التراث الأخلاقي والسياسي العربي – الإسلامي، في ضوء الثورة المعرفية التي شهدها العقل الغربي منذ مطلع القرن التاسع عشر فيما يتعلق بتصوّره للإنسان ومفهومه؛ وهي ثورة كرّست قيم النسبية المعيارية على مستوى الحياة الأخلاقية والسياسية معًا. كشف توظيف الفلاسفة المعاصرين لمفهوم التسويغ عن نسبية العدل واندراجه، كغيره من القيم السياسية والأخلاقية، في سياقات سياسية واجتماعية وثقافية مختلفة؛ فلم يعد من الممكن اختزاله في مفهوٍمٍ مطلق ومتعاٍلٍ عن تلك السياقات وسابق لها، من قبيل مفاهيم المساواة والإنصاف والتناغم... إلخ، إنما غدت فكرة العدل نتيجة سيرورة تتفاعل فيها الشروط الواقعية والتطلّعات المجتمعية والرهانات السياسية والأخلاقية للوعَييَن الجمعي والفردي، وهذا ما يشي باندراجها في أفق رجاءٍ جماعي مشترك. لا غرابة في أن يُبدل المعاصرون سؤال "ما العدل؟" بآخر قد يبدو أقلّ تجريدًا، لكنّه أكثر واقعيةً وتشبّعًا بالنسبية، وأقدر على التقاط متغيرات الواقع الاجتماعي وشروطه؛ بأي معنى يكون المجتمع عادلًا؟ فقد أتاح هذا "الإبدال" ربط العدل بالمجتمع وأسئلته السياسية والاقتصادية والثقافية، والوعي بنسبيته في أفق معياري. هذا ما نلفيه في نقد أمارتيا صن للنزعة المركزية الغربية وتصوّرها لعلاقة العدل بالديمقراطية والتقدم، واعتقاده أن الفلسفة السياسية الغربية كرّست سردية احتكار النموذج الغربي لمفهوَمَي الديمقراطية والعدل، منبّهًا، في الآن ذاته، إلى إمكانية البحث للممارسة الديمقراطية عن إرهاصات لدى الثقافات السابقة للحضارة الغربية، شرط أن نتخطّى الفهم الصوري للديمقراطية، والفهم المثالي السكوني للعدالة، فندرك الديمقراطية من حيث هي "تدبير للشأن العام، يعتمد النقاش العمومي" 62، ونفهم العدل بصفته دفعًا متدرّجًا للظلم وممارسةً تربط الحرية بالتنمية ومحاربة المظاهر الاجتماعية والاقتصادية للجور. خلف هذا النقد للمفهوم الغربي للعدل، يكمن وعٌيٌ بنسبية قيمته كما بالحاجة إليه لترشيد الفعل السياسي وفق نموذج لمجتمع عادل يترتب على المواجهة المستمرة للجور وتجلياته في الواقع المعيش. لذلك فضّ ل صن الحديث عن "فكرة العدل"، بدلًامن مسايرة سعي الفلاسفة للإمساك بجوهر مفهومه. يمثّل الوعي بنسبية العدل واقتران صلاحية قيمته بسياقاته الشرَطَ القبلي لفهم علاقته بعملية التسويغ، وتشير هذه الأخيرة إلى إضفاء الصلاحية على فكرة أو قيمة معَّيَنة، والارتفاع بها إلى مستوى القيمة التي تحظى بالمقبولية من منظوٍرٍ معياري. فهو، إذًا، آلية لإنتاج الصلاحية والمقبولية التي يحتاج إليها العيش المشترك ومجاله السياسي، وهو من هذه الجهة عملية محكوم عليها بالنسبية، ما دام أن الحجج والمسوغات يمكن أن تتسلسل إلى ما لا نهاية، كما بّي ن

  1. عبد العزيز ركح،  61 الشرعية الديمقراطية من التعاقد إلى التواصل: هابرماس في مواجهة
  2. رولز (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2019)، ص.12 62  Amartya Sen, L'idée de justice (Paris: Flammarion, 2012), p. 399.

لودفيغ فيتغنشتاين  63. وإذا كان رولز قد اعتبر الحسّ بالعدل من مقومات المواطن وهويته السياسية  64، فإنّ فهم هذا الشعور/ الحسّ يستلزم الوعي بدور تسويغ القيم والمعايير داخل الفضاء السياسي، كما بالاستراتيجيات التي يوظفها الأفراد والجماعات السياسية والسلطة؛ ما يعني أنّ قيمة العدل تتحدّد في إطار الاستعمال العمومي للعقل، وتقترن دلالتها بما سيؤول إليه النقاش العمومي بشأن أسئلتها. على أنّ "التسويغ" لا يتماهى مع "التبرير"، على الرغم من التداخل القائم بينهما؛ إذ ينحو التبرير إلى حملنا على قبول الواقع كما هو، من دون التفكير في تجاوزه، فهو تكريس للوضع القائم في انفصال تامّ عن كل أفق لتغييره في المستقبل. بذلك يقدّم التبرير الواقع في صورة الإمكان الوحيد المتاح أمام الفعل الإنساني، فلا يترك للعقل العملي من بديٍلٍ غير البحث عن مبررات للتأقلم مع الواقع وتقبّله. أمّا التسويغ، فهو عملية ذهنية تتأرجح بين الواقع والمعيار، وتعيد بناء صورة الواقع في إطار مآٍلٍ ممكن؛ حيث ينطلق من الواقع صوب المعيار الذي يتمّ توظيفه من أجل رسم أفٍقٍ ممكن للواقع، فينقلنا، ذهنيًا على الأقلّ، من الوضع القائم صوب الوضع الممكن الذي نأمله؛ ما يجعل هذا الأخير نفسه مآلًاممكنًا بالنسبة إلى المجتمع. في هذا الإطار، يمكن فهم النَّفَس المعياري لمفهوم العدل؛ فهو ليس محَضَ وصف للواقع وانعكاسًا للوضع القائم، ولا هو مثال متعاٍلٍ أو حلٌمٌ متعذّر، إنما هو "أفق معياري" ممكن ومتاح أمام الإنسان وعيشه المشترك. وللسبب عينه استطاعت فكرة العدل تحريك المجتمعات وخلق "رجاءٍ مشترك" في الانتقال نحو مجتمع عادل. في سياق التسويغ، ندرك أن فكرة العدل نتيجة وعي قلق بالوضع الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والسياسي القائم، وأنها تمثّل نموذجًا ذهنيًا مرشدًا إلى "المجتمع العادل." وينبّهنا مفهوم العدل إلى مظاهر الجور السياسي والاجتماعي والثقافي القائم، ويكشف التسويُغُ عن استراتيجيات تبرير الجور وتحويل مسوّغاته إلى حقائق وبدهيات معيارية. نتمكّن من هذا المنظور، على سبيل المثال، من الوقوف على مظاهر الحيف التي تكرّسها بعض الطقوس الثقافية التي نستند في تسويغها إلى سلطة التقاليد والماضي، عندما ندرك أنّ الأمر لا يتعلّق ب "بداهة أخلاقية"، إنما ب "حجج" و"تصوّرات" معيارية ذات طابع عملي، يرتفع بها التسويغ إلى مستوى البداهة والقيمة الثقافية ذات الصلاحية المعيارية، وبالوضع المترتب عليها إلى مستوى الوضع العادل والمقبول، بما يعنيه ذلك من وعي بمفعول الآليات السيكولوجية والذهنية في بناء صلاحية القيم والمعايير وتسويغ الأفعال "العادلة" 65. نشدّد على علاقة التسويغ بالعدل تجنّبًا لحصره في نموذج المجتمع الغربي - الديمقراطي المتقدم سياسيًا، كما قد يُفهم من حديث رولز ويورغن هابرماس وتلاميذه عن الديمقراطية المرتبطة بالمجتمعات المتقدمة؛ لأنّ ربطه بالديمقراطية التشاورية وفضائها العمومي قد يوحي بأنّ فهم اشتغاله في سياق مجتمعات، لم تدرك المستوى نفسه من التقدّم، يبقى أمرًا متعِّذِرًا. والحال أنّ التسويغ ليس حكرًا على مجتمع بعينه، ولا على تجربة سياسية محددة، وإنما هو آليةٌ ذهنية مرتبطة بقدرة الإنسان على إعطاء ذاته وأفعاله والعالم المحيط به معنى. وأعتقد أنّ إعماله في فهم مشكلة العدل في السياق العربي أمٌرٌ ممكن، ومن شأنه أن يتيح فهمًامغايرًا له، يلحُظُ اختلاَفَ سياقاته الثقافية والمجتمعية. بذلك ننتقل في استشكال العدل من المقاربة الماهوية إلى المقاربة السياقية. سيكون على الباحثين أن يأخذوا في الحسبان استراتيجيات التسويغ الثقافي، بما يعنيه ذلك من ضرورة إضفاء النسبية على القيم والمعايير والاقتناع بأنّ الأمر يتعلّق بقيمة يمكن التفاهم بشأنها. في ظلّ هذا المنظور، يبقى تأويل التراث السياسي والمرجعيات الحديثة بوصفها نماذج لاستراتيجيات تسويٍغٍ لقيمة العدل وإنتاٍجٍ لصلاحيتها، بما يقتضيه ذلك من اعتراٍفٍ بأننا نؤوّلها في سياق ثقافي وسياسي وأخلاقي مختلف عن الذي نشأت فيه، وأنّ توظيفها اليوم يرمي إلى الإسهام في بناء "ذاٍتٍ سياسية" فاعلة قادرة على استيعاب شروط وجودها.

خاتمة

لم ننطلق في هذا الدراسة من موقف عدمي من التراث السياسي الاسلامي، إنما كانت غايتنا التنبيه إلى أنّ حضور هذا التراث في الفكر السياسي العربي اليوم، وهيمنته على الكثير من مرجعيات التسويغ فيه، يفرض علينا التموقع في دوائره قصد فهم منطق اشتغاله؛ وهي خطوة من شأنها أن تساعد في الخروج من رؤيته للسياسة والإنسان، التي ما انفكت تشكّل أحد أبرز مكوّنات أزمة فكرنا السياسي. ليست هذه الرؤية منفصلة عن مفهوم التسويغ التي تثوي وراء تشكّل مفاهيم حياتنا العملية، وقد بّي ندرس الفلسفة العملية المعاصرة أهمية هذا المفهوم ودوره المفصلي في بناء مفاهيمنا الأخلاقية والسياسية، وهذا ما سعينا لإثباته من خلال توظيفه في تناول تصوّر

  1. 63  جوليا هيرمان، اليقين الأخلاقي والتسويغ والممارسة، ترجمة سمير عبد الرحيم (بيروت: ابن النديم، 2024)، ص.28
  2. John Rawls, La justice comme équité: Une reformulation de Théorie de la justice (Paris: La découverte, 2008), p. 32.
  3. 65  حتى فعل القتل قد يغدو مسوّغًا من الناحية النفسية والمعيارية الأخلاقية. ينظر: هيرمان، ص 20. وقد حلّل فيودور دوستويفسكي التسويغ القيمي والسيكولوجي للجريمة في رواية الجريمة والعقاب، في سياق وصفه قرار راسكونيلكوف الإقدام على ارتكاب جريمته.

الفكر السياسي العربي المعاصر لمفهوم العدل الذي ينضح بمعالم أزمة النظرية السياسية في السياق العربي. اتضح، في ضوء هذه المقاربة، أنّ الفكر السياسي العربي غالبًا ما عمد إلى إسقاط المفهوم التراثي، أو الغربي المعاصر، للعدل على راهنه الخاص، معمّقًا بذلك الفجوة بين المفهوم والواقع، ومتجاهلًاسياقية مفهوم العدل وتجذّره في رؤية ثقافية ومعيارية تضفي عليه الكثير من النسبية. ليست المشكلة، إذًا، في مضمون مفهوم العدل عندنا، إنما في المنظور الفلسفي الذي نصدر عنه في مقاربتنا له، لذلك شدّدنا على أهمية النقد المعرفي لهذا المنظور، واقترحنا منظورًا تركيبيًا ينهل من مكتسبات الفلسفة السياسية الحديثة والمعاصرة، ولا سيما في جانبها المنهجي 66، ويدعو إلى تكريس رؤية نسبية للعدل، منفتحة على مختلف مكوّنات الفكر السياسي المعاصر. خلف تصوّرنا للعدل، يثوي تصوّر للذات الإنسانية الحاكمة لقيمته، وإذا كان الفلاسفة المعاصرون قد ذهبوا بعيدًا في البحث عن تلك الذات واعتبارها محور المجتمع العادل المنفتح على التعدد الثقافي، فإنّ مثل هذا العمل لم يُنجز عندنا بعد؛ وهذا ما يكشف عن حاجتنا إلى الاستفادة من درس الفلسفة السياسية والأخلاقية المعاصرة، وترسيخ وعي بأنّ أزمة العدل والنظرية السياسية تبقى عندنا، في جوهرها، أزمة الذات الإنسانية والإنسان.

المراجع

العربية

ابن الأزرق، محمد بن علي بن محمد. بدائع السلك في طبائع الملك. تحقيق علي سامي النشار. بغداد: منشورات وزارة الإعلام، 1977. رسالة الصحابة. بيروت: دار البحار ابن المقفع، عبد الله.، 2009. ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم. الحسبة في الإسلام أو وظيفة الحكومة الإسلامية. بيروت: دار الكتب العلمية، [د. ت.]. المقدمة. بيروت: دار الكتب العلمية ابن خلدون، عبد الرحمن.،.1999 بشارة، عزمي. في المسألة العربية: مقدمة لبيان ديمقراطي عربي. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2007 ________. مقالة في الحرية. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2016 ________. الانتقال الديمقراطي وإشكالياته: دراسة نظرية وتطبيقية مقارنة. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2020 بغورة، الزواوي. الاعتراف: من أجل مفهوم جديد للعدل، دراسة في الفلسفة الاجتماعية. بيروت: دار الطليعة،.2013 ________. السياسة الحيوية من منظور الفلسفة الاجتماعية: دراسات في الجسد والمرض والعنصرية والعدالة الصحية في النظام الدولي الجديد. بيروت: دار السؤال،.2022 ________. "خطاب العدل في الفكر العربي المعاصر: دراسة تحليلية تبّين. مج ونقدية لنماذج أيديولوجية ونظرية." 12، العدد 74 (شتاء.)2024 في الدولة. بيروت: منتدى المعارف بلقزيز، عبد الإله.،.2019 بنعبد العالي، عبد السلام. هايدغر ضد هيجل (التراث والاختلاف). بيروت: دار التنوير،.2006 الجابري، محمد عابد. العقل السياسي العربي: محدداته وتجلّياته. ط.4 بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2000 ________. العقل الأخلاقي العربي: دراسة تحليلية نقدية لنظم القيم في الثقافة العربية. نقد العقل العربي.)4(بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2001

  1. Bobbio, Teoria general de la politica , p. 98.

________. المشروع النهضوي العربي: مراجعة نقدية. ط 5. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2016 جونستون، ديفد. مختصر تاريخ العدالة. ترجمة مصطفى ناصر. سلسلة عالم المعرفة 87.3 الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 2012. دليل كامبرردج في فلسفة القانون. ترجمة حمد شكري. جون تاسيولاس (محرر.) الرياض: نادي الكتاب،.2024 الجويني، أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله. الغياثي: غياث الأمم في التياث الظلم. تحقيق خليل عمران المنصور. بيروت: دار الكتب العلمية،.2003 الحداد، محمد. محمد عبده: قراءة جديدة في خطاب الإصلاح الديني. بيروت: دار الطليعة،.2003 ركح، عبد العزيز. الشرعية الديمقراطية من التعاقد إلى التواصل: هابرماس في مواجهة رولز. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2019 رولز، جون. الليبررالية السياسية. ترجمة نوفل الحاج لطيف. بيروت: جداول،.2022 السيد، رضوان. سياسات الإسلام المعاصر: مراجعات ومتابعات. بيروت: دار الكتاب العربي،.1997 ________. الأمة والجماعة والسلطة: دراسات في الفكر السياسي العربي الإسلامي. بيروت: جداول،.2011 السيّد، رضوان وعبد الإله بلقزيز. أزمة الفكر السياسي العربي. بيروت: دار الفكر المعاصر،.2006 شاربروت، أوليفر. محمد عبده: الإسلام الحديث وثقافة الالتباس. ترجمة طارق غانم. بيروت: نماء،.2023 السياسة الشرعية: مجموعة رسائل. تحقيق محمد حسن محمد حسن إسماعيل الشافعي وأحمد فريد المزيدي. بيروت: دار الكتب العلمية،.2003 الشيزري، عبد الرحمن بن عبد الله بن نصر بن عبد الرحمن. النهج المسلوك في سياسة الملوك. بيروت: دار الكتب العلمية،.2003 الصغير، عبد المجيد. المعرفة والسلطة في التجربة الإسلامية: قراءة في نشأة علم الأصول ومقاصد الشريعة. القاهرة: رؤية للتوزيع والنشر،.2010 عبد اللطيف، كمال. في تشريح أصول الاستبداد. بيروت: دار الطليعة،.1999 العلام، عز الدين. الآداب السلطانية: دراسة في بنية وثوابت الخطاب السياسي. سلسلة عالم المعرفة 24.3 الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 2006. ________. النصيحة السياسية: دراسة مقارنة بين آداب الملوك الإسلامية ومرايا الأمراء المسيحية. بيروت: مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث،.2017 العلوي، سعيد بنسعيد. الأيديولوجيا والحداثة: قراءات في الفكر العربي المعاصر. بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،.1987 فازيو، نبيل. العدالة والعدل: مساهمة في تفكيك بارادايم الملك في الإسلام الكلاسيكي. بيروت: مؤمنون بلا حدود، 2019. ________. "الوضعانية القانونية ونسبية القيم: الحق والعدالة بين تبّين. مج هانز كلسن ونوربيرتو بوبيو." 11، العدد 49.)2024(فريدمان، صمويل. اتجاهات معاصرة في فلسفة العدالة: جون رولز نموذجًا. ترجمة فاضل جتكر. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2015. الكواكبي، عبد الرحمن. الأعمال الكاملة للكواكبي. ط.3 بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2007. مجيد، حسام الدين علي. إشكالية التعددية الثقافية في الفكر السياسي المعاصر: جدلية الاندماج والتنوّع. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2010 ما العدل؟ معالجات في السياق العربي. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2014 المرادي، محمد بن الحسن الحضرمي. كتاب السياسة أو الإشارة في تدبير الإمارة. تحقيق محمد حسن محمد حسن إسماعيل وأحمد فريد المزيدي. بيروت: دار الكتب العلمية،.2003 مسكويه، أبو علي أحمد بن محمد بن يعقوب. تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق. حققه وشرح غريبه ابن الخطيب. القاهرة: مكتبة الثقافة الدينية، [د. ت.]. منطق السلطة: مدخل إلى فلسفة الفعل. ط نصّار، ناصيف. 2. بيروت: دار أمواج، 2001. هيرمان، جوليا. اليقين الأخلاقي والتسويغ والممارسة. ترجمة سمير عبد الرحيم. بيروت: ابن النديم،.2024

الأجنبية

Bobbio, Norberto. Le future de la démocratie. Paris: Seuil, 2007. ________. Teoria general de la politica. Madrid: Trotta, 2009. Carré, Louis. Axel Honneth: Le droit à la reconnaissance. Paris: Michalon, 2013. Dhouib, Sarhan & Mongi Serbaji (dir.). La Justice dans une perspective transculturelle. Paris: L'Harmattan, 2024. Forst, Rainer. Justification and Critique. Cambridge: Polity, 2014. Fraser, Nancy. Qu'est ce que la justice sociale? Reconnaissance et redistribution. Paris: La découverte, 2011. Habermas, Jürgen. Vérité et justification. Paris: Gallimard, 2001. Kelsen, Hans. Théorie pure du droit. Bruxelles: Bruylant, 1999. Kymlicka, Will. Les théories de la Justice: Une introduction. Paris: La découverte, 2003. Rawls, John. Théorie de la justice. Paris: Nouveaux Horizons, 1987. ________. La justice comme équité: Une reformulation de Théorie de la justice. Paris: La Découverte, 2008. ________. Justice et démocratie. Paris: Seuil, 1993. Sen, Amartya. L'idée de justice. Paris: Flammarion, 2012. Strauss, Leo. La tyrannie. Paris: Gallimard, 1954. Taylor, Charles. Les sources du moi: La formation de l'identité moderne. Paris: Seuil, 1998.