الثورة بين الأهداف الواقعية والمضامين المعيارية: نحو قراءة جديدة في الثورات العربية

Emad Alali عماد العلي |

الملخّص

The debate continues over the "Arab Spring" revolutions and the evaluation of their results continues, especially within the framework of the "success-failure" dichotomy, based on sociological analysis tools that generally emphasize their shortcomings. This study argues that these revolutions have reformist goals with value-oriented and normative contents touching on the core of the political question, which are no less important than material goals such as regime overthrow. Attempting to provide an alternative interpretation of the Arab situation through a different epistemological approach, this study aims to demonstrate the non-material political content of the Arab revolutions by incorporating normative and sociological ideas and conceptions into a new conceptual and methodological approach. Accordingly, the study adresses the political dimensions of revolutionary demands: the decisive rejection of authoritarianism and affirmation of political rights. While attempting to refute the assessment of the Arab revolutions as a failure to achieve democratic transition, it posits that the non-material revolutionary purpose is to highlight a "return to politics" as a basis for future political and democratic change. This is a call to rethink all aspects of Arab politics and to establish new foundations for a contractual relationship between the state and society that meets the conditions of the time. Keywords: Arab Spring, Revolution, Reform, Concept of Politics, Arab State, Democracy.

Revolution between Realistic Objectives and Normative Implications: Towards a New Reading of the Arab Revolutions

في إطار ثنائية "النجاح يتواصل الجدل بشأن ثورات "الربيع العربي" وتقييم نتائجها، خاصة/ الفشل"، واسنتادًا إلى أدوات التحليل السوسيولوجي التي تؤكد إجمالًا قصور الثورات العربية وأفكارها. تجادل هذه الدراسة بأن للثورات العربية أهداف ا إصلاحية ذات مضامين قيمية ومعيارية، تَمَُّسُ جوهر المسألة السياسية، ولا تقل أهمية عن الأهداف المادية، مثل إسقاط أنظمة الحكم، وتحاول تقديم قراءة مختلفة للحالة العربية اعتمادًا على منهجية معرفية مُغاِيِرة، وتسعى لإظهار مضامين الحراك الشعبي السياسية غير المادية، وذلك من خلال مدخل مفهومي ومنهجي جديد، يشتمل على أفكار وتصورات معيارية وسوسيولوجية. وفق ا لذلك، رتّك ز الدراسة على الأبعاد السياسية للمطالب الثورية التي ت كُمُ ن في رفض الاستبداد على نحو قطعيّ وتأكيد حقوق الفرد الأساسية، وتحاول دَحض تقييم الثورات العربية بالفشل في تحقيق الانتقال الديمقراطي، وتفترض - في أثناء ذلك - أن الهدف الثوري غير المادّي يتمثل في إبراز ما يمكن تسميته "العودة إلى السياسة" بصفتها قاعدة حَاِمِلة للتغيير السياسي والديمقراطي المستقبلي، التي تعني الدعوة إلى إعادة التفُّك ر في كل ما يخصّ المجال السياسي رعبيا، وبناء أُسُ س جديدة لعلاقة تعاقدية متناسبة مع متطّل بات العصر بين الدولة والمجتمع.

كلمات مفتاحية: الربيع العربي، الثورة، الإصلاح، مفهوم السياسة، الدولة العربية، الديمقراطية.

أولًا: مدخل نظري ومنهجي

جاءت ثورات الربيع العربي نتيجةً لواقع متأزّم سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا؛ إذ دعت المظاهرات إلى إصلاحات جذرية للخروج من الواقع الحالي الموسوم بالتسلّط والقهر، إلى فضاء جديد يسعى لتلبية تطلّعات المجتمعات  1. ومن المؤكد، في الوقت نفسه، أن الثورات لم ترتكز على برنامج سياسي معّين، ولم تكن مرتبطة بقوة سياسية، ولم يعكس حراكها أيديولوجيا حزبية بعينها. في المحصّلة، لم ينجح الحراك الشعبي في بلورة برنامج سياسي مستقبلي  2. وغياب هذا البرنامج السياسي جعل من الصعب تقييم الثورة العربية، باعتبارها ظاهرة سياسية استثنائية. ومع أن الثورات رفعت شعارات ثورية واضحة، ركّزت على مبادئ الحرية والعدالة ودولة القانون والإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية، فإنها لم تطرح رؤيتها لكيفية تحقيق هذه الشعارات والمطالب. في تناول جاك غولدستون لسببية ثورات الربيع العربي، أبرز مسألة "النظام السلطاني" الذي أدّى إلى فجوة عميقة بين النظام الحاكم والمجتمع المحكوم؛ الأمر الذي يجعل من الانتفاضات العربية ردّة فعل على غياب الاتساق بين النظام السياسي والمجتمع، ذاك الخلل البنيوي في النظام الاجتماعي العام 3. تركّز هذه المقاربة على النظام السياسي، أو على مؤسسة الحكم (النخبة السياسية) لتفسير الإشكالية السياسية، ولكن ثمّة رأي آخر يعتقد أن السلطوية مجرد امتداد أو انعكاس لنوعية العلاقات داخل المجتمعات العربية 4 (يصح هذا الرأي على الأقل ضمنيًا على بعض المقاربات الأنثروبولوجية في السياق العربي الحديث والمعاصر المنطلقة، من ضمن أمور أخرى، من تفسيرها الآية القرآنية ﴿ِإَِّنَ هَاّلل لا يَُغَُرِ يُ مَا بَِقَْوٍْمٍ حََّتَٰىٰ يَُغَُرِ يُوا مَا نُفُِسِِهِْمْ﴾ (الرعد:ِبَِأ 11)، التي نجدها في سياقات مختلفة عند بعض الكتّاب مثل محمد عبده وعبد الرحمن الكواكبي ومالك بن نبي وحسن الترابي، وغيرهم) 5. على صعيد آخر، أثارت ثورات الربيع العربي جدلًاداخل الأوساط الفكرية والأكاديمية بشأن تفسير ظاهرة خروج المتظاهرين ضد أنظمتهم الحاكمة المعروفة بطبيعتها الاستبدادية، من دون برنامج سياسي ملموس يقدّم بديلًامن النظام القائم  6. اعتبر إيفان كراتسيف أن ثورات الربيع العربي كانت انفجارًا لم يكن من الممكن التحكم فيه، وتمرّدًا ضد المؤسسات السياسية لم يتبلور في حزب، أو في حركة واضحة المعالم، لكنها خلّفت آثارًا، وأبقت الأمل في أن يتسبب الحراك الجمعي في تغيير ما في المستقبل  7. عمومًا، تتوافق آراء كثيرة على أن "المعارضين للنظام السياسي أحدثوا الضجّة الأولى، لكن الكلمة النهائية كانت للعسكر" 8. في السياق ذاته، ينتقد آصف بيات في كتابه ثورة بلا ثوار الحراك الشعبي في الربيع العربي، منطلقًا من الفرضية القائلة إن الثورات العربية افتقرت إلى الإطار الفكري والأيديولوجي القادر على تجذير الحالة الثورية؛ الأمر الذي جعلها أكثر هشاشة أمام الثورة المضادة، مقارنةً بثورات أخرى سبقتها، مثل الثورة الإيرانية 1979() وغيرها 9. ويذهب بيات إلى القول إن الربيع العربي لم يكن ثورة بالمعنى التقليدي للمفهوم (التغيير السياسي السريع من خلال الحشود الشعبية) 10،

  1. 1  لا تشكّل ثورات الربيع العربي حالة استثنائية، فلطالما كانت مظاهر القهر والتسلّط والقمع من الحكومات ضد الشعوب سببًا في التمرد والثورة. ينظر:  Ted Rober Gurr, Why Men Rebel (Princeton: Princeton University Press, 1970); Ronald A. Francisco, "The Relationship between Coercion and Protest: An Empirical Evaluation in three coercive States," Journal of Conflict Resolution , vol. 39, no. 2 (1995), pp. 263-282.
  2. أحمد بودراع، "فشل ثورات 'الربيع العربي:' محاولة للفهم"،  2 جيل الدراسات السياسية والعلاقات الدولية، العدد 11 2017()، ص.64-51
  3. Jack Goldstone, "Understanding the Revolutions of 2011," Foreign Affairs , vol. 90, no. 3 (2011), pp. 8-16.
  4. Oliver Schlumberger (ed.), Debating Arab Authoritarianism: Dynamics and Durability in Nondemocratic Regimes (Stanford: Stanford University Press, 2007).
  5. 5  لا تقتصر هذه النوعية من المقاربات على النقاشات العربية، خصوصًا أن لطبيعة الظروف التاريخية في المجتمعات تأثيرًا في تحديد البردايمات المسَتَخدمة. ومن الأمثلة على ذلك أْنْ نفترض أّن كتاب الفيلسوف الألماني هيلموت بليّسنّر الأمة المتأخرة الذي يحلّل فيه بأدوات المنهجية التاريخية بعض العوامل الثقافية في المجتمع الألماني، التي ساعدت في وصول النازية إلى الحكم في عام 1933، يُعتبر من الأعمال الأنثروبولوجية الفلسفية المهمة التي درست نوعية العلاقات الاجتماعية، إضافة إلى تأثير التحّولّات التاريخية في المجتمع في تشكيل سلطوية المؤسسة السياسية. ينظر: Helmuth Plessner, Die verspätete Nation: Über die politische Verführbarkeit bürgerlichen Geistes , 5 Auflage (Frankfurt am Main: Suhrkamp, 1994 [1935]).
  6. Adam Roberts, "The Fate of the Arab Spring: Ten Propositions," Asian Journal of Middle Eastern and Islamic Studies , vol. 12, no. 3 (2018), pp. 273-289.
  7. Ian Kratsev, "From Politics to Protest," Journal of Democracy , vol. 25, no. 4 (2014), pp. 16, 18.
  8. Jason Brownlee, Tarek Masoud & Andrew Reynolds, The Arab Spring: Pathways of Repression and Reform (New York: Oxford University Press, 2015), p. 63.
  9. 9  آصف بيات، ثورة بلا ثوار: كي نفهم الربيع العربي، ترجمة فكتور سحّاب (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2022)، ص 20،.39
  10. 10   " الثورات الاجتماعية هي تحّولّات سريعة وأساسية في بنية المجتمع وطبقاته؛ وهي مصحوبة، ويجري تنفيذها جزئيًا، بثورات قائمة على الطبقات من القاعدة." ينظر: Theda Skocpol, States and Social Revolutions: A Comparative Analysis of France, Russia, and China (Cambridge: Cambridge University Press, 2015 [1979]), p. 4; يبدو هذا التعريف معنًّيًا بالشكل الخارجي للثورة فحسب، في حين يتجاهل نقاطًا جوهرية بالنسبة إلى تحليل الثورة باعتبارها ظاهرة اجتماعية، مثل الأفكار الأيديولوجية الثورية والصراع النخبوي أو الطبقي. وعلى الرغم من التوافق الكبير في الأدبيات الأكاديمية على هذا التعريف للثورة، فإنه بالتأكيد ليس التعريف الوحيد. من أجل نظرة عامة في بعض التعريفات، ينظر مثلًا:  Lawrence Stone, "Theories of Revolution," World Politics , vol. 18, no. 2 (1966), pp. 159-176.

ولم يكن أيضًا إصلاحًا (تغيير متدرّج في التركيبة السياسية)، بل إنه جاء على شكل "مزيج معقّد ومتضاد من كليهما"، يسمّيه "ثورات - إصلاح"، المفهوم الذي يقابله بالإنكليزية Refolution، أي الجمع بين Reform وRevolution، بحيث يعني الكاتب بذلك أن الثورة أكدت وجود مشكلة في النظام السياسي، لكنها تركت للنظام مسؤولية حل المشكلة، ولم تبادر هي نفسها إلى توّل يالسلطة والعمل على حلّها من خلال أجندة ملموسة وواضحة. يمكن الاتفاق مع طرح بيات في أن انتفاضات الربيع العربي لم تؤِّدِ إلى تغيير في "الواقع، وفي مؤسسات الدولة، أو في أسس سلطة النخب القديمة"، لكن يصعب القبول بفرضيته القائلة إن الخلل في هذه الانتفاضات كان في "التناقض بين الرغبة الثورية في الجديد، والنتيجة الإصلاحية التي يمكن أن تقود إلى احتواء القديم" 11؛ إذ على الرغم من الضعف التنظيمي والفكري الذي أظهره الحراك الثوري في الشارع، فإنه لا يمكن تجاهل حقيقة أن الإطار الاستبدادي الذي يحكم الدولة والمجتمع لا يتلاشى بين ليلة وضحاها  12. ومن ثمّ، تجادل هذه الدراسة بأن الثورة باعتبارها، ظاهرة سياسية، لا تتناقض مع الإصلاح، بل إن هدف الثورة السياسية هو الوصول إلى الإصلاح السياسي، وهذا الهدف هو الذي يشرعن الفعل الثوري (في نظر الشارع الثائر على الأقل.) ولذلك، يشترط الفهم الدقيق لمسار ثورات الربيع العربي بحثًا في عناصر الإصلاح السياسي الذي طالبت به هذه الثورات، وفهم مضامينه. بناءً عليه، تروم هذه الدراسة البحث في السؤال عن المضامين الإصلاحية المرئية وغير المرئية للثورات العربية، وفي افتراض مفاده إْنْ كانت هذه المضامين تشكّل مدخلًالقراءة جديدة للثورة، ومن ثمّ لا تقتصر على تقييم المعطى الواقعي المرئي، ولا على ثنائية "النجاح/ الفشل." ويتطلّب هذا التساؤل البحثي إيجاد أدوات معرفية منهجية (في النظرية، أو في الفلسفة السياسية)، تساعد في الكشف عن الأبعاد السياسية الكامنة، أو غير المرئية للظاهرة. وإذا اكتفينا بتحليل المعطى الواقعي، فإن أي تقييم لثورات الربيع العربي لن يخرج عن إطار التشكيك في فشلها، حتى إن كان لهذا الفشل أسبابه الواقعية  13. ومع أن نجاح القوى الثورية السورية، مثلا، في إسقاط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024، تقابله حالة من عدم اليقين بشأن إنجاز تحوّل سياسي نحو الديمقراطية والمواطنة والحريات السياسية  14، فإن ذلك يفتح الباب مجدّدًا أمام تفسيرات جديدة لثورات الربيع العربي، حيث أظهرت الحالة السورية أن إمكانية حصول التغيير لا تزال ممكنة من حيث المبدأ، وأنه من الصعب وضع تقييمات نهائية وقطعية للظاهرة. نظرًا إلى التجارب الثورية العالمية، خاصةًالمصنّفة ثورات كبرى، فإن دراستها تشتمل على أبعاد التغيير الحاصلة في النظام ومقوّمات نجاحها، إضافة إلى التحولات في الثقافة الجمعية السائدة 15. ويساعدنا هذا الفهم في أن يكون لدينا هامش لتحليل المخرجات الثورية العربية من زاوية مختلفة. ثمّ إن ثنائية النجاح/ الفشل لا تضمن تزويدنا بُحُكم دقيق عن الثورات، لأنّ كليهما، النجاح والفشل، يخضع لقاعدة النسبية في تحليل الظواهر الاجتماعية، ويتطلّب التعامل معهما، معرفيًا، توفير معايير ذات مرونة. فحتى نجاح نظام دكتاتوري في قمع ثورة سلمية، لا يمكن أن يكون نجاحًا مطلقًا للنظام، ولا فشلًامطلقًا للثورة، لأنه قد يتولّد من هذه الممارسة سخط متزايد ضد النظام من الداخل، ومن الخارج 16. تتضمن الثورة، بوصفها أحد أشكال الدفع في اتجاه تغيير اجتماعي، محاو لة لتغيير واقع لا يحظى بقبول الثائرين. من المنظور السوسيولوجي، تتركز أهداف الثورات العربية على التخلّص من الاستبداد (تغيير النظام السياسي أو إسقاطه)، ومنح المجتمع مزيدًا من الحقوق السياسية وتحسين الوضع المعيشي. هذه قراءة واقعية وصحيحة، لكنها تكتفي بالعرض الوصفي لما هو معَلَن وموجود، ولا تساعد على نحو كاٍفٍ في معرفة دقيقة بمضامين الحراك الشعبي في الحالة العربية. بناءً عليه، نفترض أن المعيار، أو الإطار المفهومي لتعريف الثورة السياسية، هو ذاك المضمون السياسي الذي ينطوي تحت كل الظروف على الدفع في اتجاه الإصلاح السياسي الذي يُجِّسِد نوعية التغيير الاجتماعي المنشود. فالثورة السياسية هي "ثورة إصلاحية" 17 ضد الحالة السياسية السائدة في مجتمع ما، في لحظة

  1. 11  بيات، ص 218،.224
  2. George Lawson, "Revolution, Non-violence, and the Arab Uprisings," Mobilization , vol. 20, no. 4 (2015), pp. 453-470.
  3. Marc Lynch, The New Arab Wars: Uprisings and Anarchy in the Middle East (New York: Public Affairs, 2016).
  4. Qutaiba Idlibi, Charles Lister & Marie Forestier, "Reimagining Syria: A Roadmap for Peace and Prosperity Beyond Assad," Middle East Institute, 13/3/2025, accessed on 29/3/2025, at: https://shorturl.at/l3TmB
  5. Jaroslav Krej č í, Great Revolutions Compared: The Search for a Theory (Brighton: Wheatsheaf Books, 1983).
  6. Maria J. Stephan & Erica Chenoweth, "Why Civil Resistance Works: The Strategic Logic of Nonviolent Conflict," International Security , vol. 33, no. 1 (2008), p. 18.
  7. 17  كان هذا التوصيف الذي أطلقه عزمي بشارة على الانتفاضات العربية لكونها تشمل مكوّنات "الثورة" و"الإصلاح." ينظر: عزمي بشارة، الانتقال الديمقراطي وإشكالياته: دراسة نظرية وتطبيقية مقارنة (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2020)، ص.446

زمنية معيّنة  18. أما التحديد الدقيق للمضمون السياسي للثورة، فهو يختلف من ثورة إلى أخرى، ولا يمكن أن يكون متطابقًا في جميع الثورات؛ لأن كل ثورة مرتبطة بسياق تاريخي معّي نيرسم معالم الحالة الثورية ويؤثر في مسار الثورة نفسها ومآلاتها. وهكذا، يمكن أن نخلص إلى أن هذه الدراسة لا تبحث في سببية ثورات الربيع العربي، ولا في مسارها الواقعي، بل في إعادة التف كير في نتاجها الضمني غير المادّي، أو كما عّب رعنها مالك بن نبي بأنها "تتناول الأشياء في كنهها، لا في مظهرها" 19. بتعبير آخر، هي قراءة جديدة، تتناول ذلك الفضاء الكامن خلف المبادئ والقيم التي طالبت بها الثورات العربية، فهي محاولة تفسير جديدة للثورات الشعبية باعتبارها ظاهرةً عفويةً، لكنها هادفة، سواء تحققت هذه الأهداف أم لم تتحقق. تعي هذه الدراسة أنه لا يوجد تفسير واحد ونهائي للظاهرة، لكنها تسعى لأن تكون إسهامًا جديدًا في النقاش المعرفي والفكري المتواصل حولها. وينبغي، في هذا السياق، توضيح بعض الجوانب المنهجية التي تتيح للدراسة حيّزًا لطرح الرؤى والفرضيات الخاصة بتفسير مضامين الثورات العربية الكامنة (غير المعَلَنة) أو تحليلها. تستند الدراسة في اعتمادها هذه الاستراتيجية البحثية إلى ما شدّد عليه عالم الاجتماع البريطاني والتر رونسيمان بالنسبة إلى الالتزام بمعيار وجود ترابط دقيق وموضوعي بين الفرضيات المطروحة والظاهرة الاجتماعية المدروسة، وترتكز على الفرضيات المستندة إلى بدهيات مقبولة؛ إذ توجد أنماط من الفرضيات لا يمكن إِثباتها، وتقديمها بوصفها تفسيرات للتصرفات الإنسانية، وحينها يكون الأمر الأساسي متعلقًا بالمواقف والقناعات التي تُقَّدَم من خلالها التفسيرات  20. وتنطلق الاستراتيجية المذكورة، أيضًا، من الرأي القائل إن لكل ثورة خصوصيتها التي تحددها المعطيات الواقعية ما قبل الثورية، والتي أوصلت إلى الحالة الثورية. يؤكد جورج لاوسون أن الثورات هي جزء من مجموعة أوسع من العمليات المرتبطة بالتحوّل الاجتماعي، وهذا يفسر لماذا نتج من الثورات العالمية المختلفة (الفرنسية والروسية والصينية والفيتنامية وغيرها) مجموعة غير متطابقة من التحّولّات السياسية  21. علاوةً على ذلك، وبما أن الثورة تمثّل ظاهرة اجتماعية في سياق تاريخي معّين، فإن من البدهي أن يوجد أكثر من تفسير لها، ويمكن دراستها أيضًا وإعادة تفسيرها من مناظير معرفية مختلفة، كما فعل فرانسوا فوريه مع الثورة الفرنسية  22 وأليساندرو روسّو مع الثورة الصينية  23، على سبيل المثال. وبما أنه لا توجد نظرية في العلوم السياسية أو علم الاجتماع تتضمن منهجية معرفية، يمكن تطبيقها لتفسير الحالات الثورية 24، وذلك نظرًا إلى وجود سلسلة طويلة من الثورات في العالم تختلف خلفياتها ومعطيات الحالة الثورية الخاصة بها  25، فإن ذلك يدفعنا إلى الاستعانة بالمنهجية المذكورة لتقديم قراءة نظرية على أرضية معرفية قد تُسِهِم في رؤية الأبعاد السياسية للتجربة الثورية العربية من منظور جديد. للانشغال بهذا الهدف، تذهب الدراسة في اتجاهين يلتقيان في نقطة واحدة: الاتجاه الأول هو الُمَُحَاَّجَة بأن القراءة السوسيولوجية للثورة، التي تحِّمتِ على الثورة الوصول إلى التغيير السياسي المادّي، مثل إسقاط النظام وإقامة نظام جديد، ليست الأساس الوحيد لتقييم الثورة وتفسيرها، بل إن ذلك ممكن أيضًا من خلال معالجة نوعية الأهداف السياسية التي ترسمها الثورة وتحاول الوصول إليها، أي وفقًا للمحتوى السياسي الذي ينطوي عليه الحراك الشعبي. أما الاتجاه الثاني، فيتمثل في محاولة تعريف أو لنقل إعادة تعريف ثورات الربيع العربي في إطار نظري مفاهيمي جديد، بناءً على المضامين السياسية التي نحن بصدد استقرائها وتحليلها.

ثانيًا: مضامين الثورة معياريًا وسوسيولوجيًا

تتلاقى الأفكار والآراء المذكورة سابقًا مع نقد عزمي بشارة لتصِنِيف الحراك الشعبي باعتباره ثورة فحسب في حال نجاحه في تغيير النظام؛ إذ يعتبر هذه التصنيفات "غير مفيدة"، مضيفًا أن "أي حراك شعبي

  1. 18  بشأن ذي صلة بالجدل المعروف تاريخيًا في الأدبيات الماركسية بين إدوارد بيرنشتاين وروزا لوكسمبورغ حول الموقف من الثورة والإصلاح، يجادل هنتنجتون بعدم تطابق "الثورة" و"الإصلاح"، فالإصلاح قد يحدث من دون ثورة، والثورة قد لا تؤدّي إلى إصلاح. لكن تعريف الثورة السياسية الذي ذكرناه، باعتبارها ثورة إصلاحية، يتضمن التشديد على عدم التناقض بين الثورة والإصلاح في الهدف النهائي، وليس على تطابق المفهومين أو الظاهرتين. ينظر:
  2. 24  عزمي بشارة، في الثورة والقابلية للثورة، ط 3 (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2016)، ص.65
  3. 25  Michael Freeman, "Review Article: Theories of Revolution," British Journal of Political Science , vol. 2, no. 3 (1972), pp. 339-359.
  4. George Lawson, Anatomies of Revolution (Cambridge: Cambridge University Press, 2019), pp. 4, 7.
  5. François Furet, Interpreting the French Revolution , Elborg Forter (trans.) (Cambridge: Cambridge University Press, 1981 [1978]); François Furet, "The French Revolution Revisited," Government and Opposition , vol. 24, no. 3 (Spring 1981), pp. 264-282. 23  Alessandro Russo, Cultural Revolution and Revolutionary Culture (Durham: Duke University Press, 2020).
  6. صمويل هنتنجتون، النظام السياسي في مجتمعات متغيرة، تصدير فرانسيس فوكوياما، ترجمة حسام نايل (بيروت: دار التنوير للطباعة والنشر، 2017 1968[)]، ص 53-419.4
  7. 19  مالك بن نبي، شروط النهضة، ترجمة عمر كامل مسقاوي وعبد الصبور شاهين (دمشق: دار الفكر، 1986)، ص.13
  8. 20  Walter G. Runciman, Social Science and Political Theory , 2 ed ed. (Cambridge: Cambridge University Press, 1969), pp. 121, 123, 168.

واسع ومستمر، مَُنَظَمًاأكان أم عفوًّيًا، يصل إلى المطالبة المثابرة بتغيير النظام من خارج البنية الدستورية للدولة، هو ثورة، سواء أدى إلى ديمقراطية أم لا، وسواء نجح في إسقاط نظام الحكم أم لا" 26. ولهذا نميل إلى الاعتقاد أن الهدف المتمثّل في الوصول إلى السلطة، أو السعي لها، لا يمكن أن يختزل مجموع الأدبيات الأخلاقية والسياسية للثورة التي قد تحمل أفكارًا لنظام جديد قادر، في ظروف معيّنة، على إعادة إحياء النشاط التفاعلي في المجتمع. لا بدّ إذًا من استكمال النماذج الوصفية الإمبريقية بمقاربة تساعد في إبراز الجوانب والمكوّنات الضمنية للحراك الثوري العربي، ويمكن تحقيق ذلك من خلال مقاربة تحليلية وتنظيرية تحاول الكشف عن المضامين غير المعَلَنة للثورات العربية. وتتطلّب مقاربة كهذه الارتكاز على أساس نظري يوفّر الأدوات المنهجية، ويسلّط الضوء على الأبعاد الأخلاقية المعيارية والجوانب الواقعية السوسيولوجية لظاهرة الثورة. ومن أجل هذه الغاية، ستعتمد الدراسة على كتاب المنظّر الألماني عن روح الثورة، الصادر في عام أرتور ليبرت 1919، إضافة إلى مقالة عالم الاجتماع النمساوي إيميل ليدرير، الصادرة في عام 1918، "أفكار عن سوسيولوجيا الثورة." إن اختيار هذين العملين والاستناد إليهما بوصفهما، في آن واحد، مرجعيةً نظرية في محاولتنا فهم ظاهرة الثورة، ونقلها إلى الثورات العربية، يعود إلى كونهما يضمنان صيغة منسجمة، تجمع الجوانب القيمية المعيارية والسوسيولوجية، وصادرين في مرحلة ثورية شهدها التاريخ الألماني الحديث المعروفة ب "ثورة تشرين الثاني/ نوفمبر" التي اندلعت في عام 1918، واستمرت قرابة عشرة شهور، وشهدت أحداث عنف وتقلبات كبيرة، أدّت إلى إسقاط النظام القيصري وتأسيس الجمهورية الألمانية البرلمانية المعروفة بجمهورية ڤايمار)، ةديدع بابسل أ، لايًااوط رمتست ل مجئاتنلا هذه نأ لاإّاا، (8191-3391 من أهمها وصول النظام النازي إلى الحكم. وعلى الرغم من أن هذه الثورة ذهبت إلى حٍَّدٍ ما طَيّ النسيان  27، فإنها كانت "نقطة تحوّل" فاصلة في التاريخ الألماني. ما يهمّنا بالنسبة إلى موضوع بحثنا هو أنّ هذين العملين صدرا في وقت لم تكن فيه مآلات الثورة واضحة، ولم يكن معروفًا بعد إن كانت الثورة نفسها قادرةً على تحقيق أهدافها السياسية والاجتماعية، علاوةً على ما يمكن وصفه بأنه شكٌلٌ من التشابه في السياق التاريخي لكل من ثورة تشرين الثاني/ نوفمبر والربيع العربي. نستند في ذلك إلى ملاحظة أبرزها عالم الاجتماع النمساوي فريدريك ڤيزر بشأن الفرق بين الثورة الفرنسية وثورة تشرين الثاني/ نوفمبر الألمانية؛ إذ يشير إلى أن الأولى جاءت بعد أن تشكّلت قوة قادت الحراك الشعبي ضد النظام القائم، في حين جاءت الثانية بعد أن فقدت القوة الحاملة للنظام القائم قدرتها على القيام بوظائفها  28. هذا التمييز مُِهِمّ لفهم السياق التاريخي الخاص بالحالة الثورية، ونعتقد أن ما ينطبق على ثورة تشرين الثاني/ نوفمبر، ينطبق أيضًا على ثورات الربيع العربي التي جاءت نتيجة لضعف الأنظمة الحاكمة بسبب ضعف مصادر شرعيتها في نظر مجتمعاتها  29.

الثورة وجدلية "المطلق" المعياري و"النسبي" الواقعي

يعتبر آرثر ليبرت، في كتابه عن روح الثورة، أن الفهم العميق لظاهرة الثورة يتطلّب الانطلاق من مبدأ فلسفة الثورة، أو ميتافيزيقيا الثورة؛ أي من تلك الشروط والمحددات التي تعالج الثورة؛ ليس باعتبارها حقيقة أو تجربة واقعة، إنما باعتبارها كيانًا قائمًا بذاته؛ وليست بصفتها ظاهرة خارجية، إنما بصفتها مجموعة من المبادئ والقيم. ويعتقد ليبرت أنه يمكن، من خلال هذا الأساس المستِنِد إلى التأصيل الفلسفي للثورة بوصفها من فصول الفلسفة التاريخية  30، معاينة الثورات المختلفة وتحليل مجرياتها. فالثورة من حيث هي حدث تاريخي في ظروف تاريخية معيّنة تندلع عندما يصل "التناقض" بين تيارين إلى مرحلة لا يمكن لهما الاستمرار معًا: تيار الأمر الواقع الثابت ومحاولة الحفاظ عليه، وتيار التغيير المتحرك الدافع في اتجاه واقع جديد. هذا الصراع التفاعلي بين الثابت والمتحرك هو الذي يحدد مسار التطور الكّل يفي المجتمع. يُعِّفرِ ليبرت الثورة على أنها "النتيجة الوحيدة التي لا تزال ممكنة" للصراع بين قوى معيّنة تسعى لخلق وضع متوازن في العلاقة بينها، ويكون هذا السعي في اتجاه خلق توازن بين القوى، عادةً، لمصلحة التيار المظلوم أو المتِّرضِر من التراكمات التاريخية في الأوقات السابقة قبل الثورة. ويتّضح من هذا التعريف أن الثورة ليست حدثًا تاريخيًا عاديًا، بل هي حدٌثٌ استثنائي 31، لأنها الرمز والتعبير الأكثر صدقية

  1. 26  بشارة، الانتقال الديمقراطي وإشكالياته، ص.451
  2. 31  وصفنا الثورات العربية باعتبارها "ظاهرة تاريخية استثنائية"، انطلاقًا من تعريف ليبرت هذا.
  3. Adolf Menzel, Friedrich Wieser als Soziologe (Vienna: Julius Springer, 1927), p. 46.
  4. Michael C. Hudson, "Arab Politics after the Uprisings: Still Searching for Legitimacy," in: Larbi Sadiki (ed.), Routledge Handbook of the Arab Spring: Rethinking Democratization (London: Routledge, 2014), pp. 28-38.
  5. Arthur Liebert, Vom Geist der Revolution , 3 Auflage (Berlin: Verlag Rolf Heise, 1919), p. 10.
  6. 27  Gaard Kets & James Muldoon (eds.), The German Revolution and the Political Theory (Cham: Palgrave Macmillan, 2019).

عن إشكالية مأساوية وميتافيزيقية؛ ولذلك، فإنها تلجأ إلى العنف أكثر من أي وقت طبيعي آخر، من أجل التخلّص من هذه الإشكالية 32. لا يرى ليبرت في اللجوء إلى العنف جانبًا سلبيًا؛ إذ إن ذلك نتيجة حتمية لما سّم اه "التفريغ العنفي" للاحتكاك القائم بين القوى والتيارات القائمة، الذي وصل إلى درجة لا يمكن معها حُّلُه بطريقة أخرى 33. وعلى أساس مشاهدته الثورة الألمانية الراهنة آنذاك، يعتبر أن الثورة، عمومًا وليست الثورة الألمانية فحسب، محاولة للانفصال عن التاريخ؛ أي عن الواقع الذي فرضته التطورات التاريخية، حيث يكمن جوهر الثورة وشرعيتها في رفضها الأمر الواقع على أنه معطى ثابت ودائم لا مُيّ سّ. يوضح قول ليبرت هذا أنه ينظر إلى الثورة باعتبارها ظاهرة واقعية وغير واقعية في آٍنٍ واحد؛ فهي تنطلق من واقع معّي نبرفضها معطيات معيّنة (سياسية، اجتماعية، اقتصادية، ثقافية... إلخ)، لتحاول خلق واقع جديد بمعطيات جديدة مختلفة عن السابقة، قد تبدو مثالية (غير واقعية)، من حيث إنها تطرح تصورات قيمية جديدة غير موجودة في الواقع الفعلي. يقرر ليبرت أن التناقض أو إشكالية الحياة التاريخية، تكُمُن في التفاعل الذي لا يمكن تجنّبه بين ما هو "مطلق" Absolute das، أي مستقل وقائم بذاته وبقانونه وشرعيته، وما هو "نسبي" Relative das، أي غير مستقل ومرتبط بسياقات معيّنة، فهو حلقة في سلسلة، أو في نظام، وقانونيته هي قانونية هذا النظام. وعلى هذا الأساس، يحدّد شرَطيَن أو مصدرين أساسيين للثورة: المصدر الأول هو إرادة الحياة (استقلالية الإرادة)؛ والثاني هو العقل (استقلالية الفكر.) سواء أكانت الإرادة متعلقة بالحياة والوجود كما هي عند شوبنهاور أم بالسلطة والقوة كما هي عند فريدريش نيتشه، فإن هذه الإرادة تمثّل شكلًاأو خاصية بيولوجية طبيعية، وهي الرغبة التي يجري التعبير عنها بمحاولة تغيير محددات العلاقات الاجتماعية الراهنة (مؤسسات، تقاليد، أعراف... إلخ) والانتقال إلى علاقات جديدة على أُسُس جديدة، لكن وجود الإرادة القوية للتغيير لا تكفي وحدها؛ لأن هذه الإرادة مرتبطة مباشرةً بالأسباب المادية الملموسة التي تفجّر الثورة، مثل الممارسات السياسية للسلطة والتوزيع غير العادل للموارد. وما دامت الثورة مقتصرة على مقاومة هذه الأسباب، فإن ذلك سيؤدي إلى قمعها بسهولة وسحق الطبقة المحرومة. سيقود ذلك إلى "هلاك هذه الطبقة، وهذا يعني أنه لا يمكن أن تتشكّل من هذا الحراك ثورة، ما لم يكن لدى هذه الطبقة قوة إرادة متجذّرة وغير قابلة للقمع"  34. ما يهدف ليبرت إلى قوله هو أن الثورة لا تكتفي بأن تكون ردّة فعل على ظروف تاريخية حسّية أو مادّية، ونعتقد أن هذه المسألة جديرة بالاهتمام؛ فإذا ما اكتفت الثورة بأن تعّب رعن نفسها برفضها واقعًا معيّنًا، من دون تقديم تصوّر لواقع بديل، ستجد نفسها حبيسة هذا الواقع، ومن ثمّ لن تكون قوة "متحركة" دافعة (الثوار/ القوى الثورية) ضدّ القوة "الثابتة" الرافضة للتغيير (النظام السياسي الحاكم.) تتكوّن "قوة الإرادة" في "الحالة الثورية" التي يعرّفها بشارة باعتبارها "القابلية للثورة"، والتي تجسّد "الوعي بأن وضع المعاناة هو حالة من الظلم، أي الوعي بأن المعاناة ليست مبرّرة، ولا هي حالة طبيعية معطاة، ووعي إمكانية الفعل ضدّه في الوقت نفسه" 35. هذا التطور للشعور الجمعي وسياقاته السياسية هو الذي يجعل الظاهرة الاجتماعية ثورة سياسية، وهي تتميز كذلك من الظواهر السياسية الأخرى من خلال الوعي الجمعي الذي تعّب رعنه بوصف ذلك ردّة فعل على واقع سياسي إشكالي، ومن خلال إبرازها شكلًا من أشكال المنظومة السياسية القيمية البديلة، فضلًاعن كونها فعلًا سياسيًا هادفًا إلى التغيير السياسي والاجتماعي عبَرَ السعي لتفعيل النظام القيمي الجديد. والمقصود بالوعي الجمعي 36 أن الباعث الثوري يتجاوز مستوى المصالح الفردية، ويمثل غاية سياسية لأجزاء من المجتمع، تجتمع حول هذه الغاية وتسعى لتحقيقها. ومعنى أن تنفجر ثورة ضد الاستبداد هو رغبة الثائرين في الدخول إلى فضاء السياسة والتأثير في آليات اتخاذ القرار الخاصة بمصيرهم  37. برفض ليبرت اختزال الثورة في الاستقلالية المادية، كما أوضحها، يحاول التشديد على أن ذلك سُيُقلّل من فرص نجاح الثورة، ولن يثير حماسة الناس للانضمام إليها؛ لأنها تحمل بوادر حصول الكارثة والفاجعة، على حد تعبيره. وبينما يؤكد أن هذا التوجّه المادّي الطبيعي لا يختصر مفهوم الثورة، فإنه يشير إلى أن الصراع من أجل الإرادة يكون عادةً تحت شعارات المعركة من أجل الحرية والعدالة والعقلانية، وهي التي تُجِّسِد الاستقلالية غير المادية للثورة، والتجسيد الجوهري أيضًا لمختلف المطالب والأهداف والأعمال التي تتعلق بمجالات العلوم

  1. Liebert, pp. 18-19.
  2. 37  بشارة، في الثورة والقابلية للثورة، ص.63
  3. Ibid., p. 29.
  4. 35  بشارة، في الثورة والقابلية للثورة، ص.68
  5. 36  نعتقد أن الوعي الَجَمعي يشِّكّل أحد أسس سوسيولوجيا التغيير الاجتماعي، لكننا نتّفق في الوقت ذاته مع أميتاي إتزيوني على أن الوعي ليس "شرطًا مسبقًا للتصرف"، وأن هذا الوعي يصبح "شرطًا ضروريًا" عندما توجد وحدة مجتمعية فاعلة تدير وتضبط نفسها من أجل تحقيق قيمها بصفة كاملة. ينظر: Amitai Etzioni, The Active Society: A Theory of Societal and Political Processes (New York: The Free Press, 1968), p. 267.
  6. 33  Ibid., p. 20.

والفن والدين والحياة السياسية والقانونية؛ أي باختصار التي تتعلق بحقل "الممارسة الفكرية." ولذلك، فإن هذه الاستقلالية تصف - بخلاف استقلالية الطبيعة الحسّية - استقلالية العقل. ليس من السهل الإجابة عن السؤال المتعلق بكيفية نشوء هذه الاستقلالية العقلية، أو تجلّيها، في خضمّ الحراك الجمعي الثوري. ونعتقد أن ذلك يختلف من حالة ثورية إلى أخرى، بحسب الظروف التاريخية. ففي حالة ثورات الربيع العربي، وبما أنها انطلقت من خلفية سياسية تمثّلت في رفضها واقعًا تحكمه ظروف الاستبداد والتراجع الاقتصادي وغياب برامج التنمية  38، فإنه كان من الطبيعي أن تطالب الثورات بأهداف سياسية، مثل احترام حقوق المواطنين أو الانتقال إلى نظام سياسي يقوم على قيم سياسية جديدة، من دون أن تكون أيديولوجية مَُقَولبة مسبقًا. ويفسر هذا الأمر تركيز مطالب الحراك الثوري على إحداث تغييرات ذات أبعاد سياسية - اجتماعية 39. قد يفرض التطور التاريخي مسارًا يجعل من الصعب منح العقل مج لًا ليكون عاملًامحِّدّدًا، في هذا السياق، لا تكون فيه سيادة الإرادة، إنما سيادة العقل، هي التي تضع نفسها في مواجهة هذا المسار التاريخي؛ فالثورات تدرك نفسها على أنها ضرورية، حيث تشِّدِد على أولوية العقل ضد أولوية التاريخ (الواقع)، وهذا يوِل يالثورة صدقية عميقة وتسويغًا خاصًا، بعكس الاستناد إلى الإرادة الطبيعية وغرائز الحياة الأولية 40. ومن أهم سمات هذه الخاصيّة العقلانية للثورة أو التزاماتها أنها تضع كل الأفكار والمعارف والقناعات والأوضاع السائدة والموروثة محلّ نقٍدٍ، وذلك من خلال الإنسان المستِّعِد لتحرير نفسه من الاستسلام للوقائع التاريخية والقادر على ذلك، ووضع نفسه في مواجهتها والتسامي عليها. فالنقد في جوهره هو تعبير عن استقلالية العقلVernunft في شكل خاص من أشكال استقلالية الإدراك  Verstand 41. يعّب رجوهر الثورة، أو مضمونها الميتافيزيقي، عن نفسه فعليًا من خلال البحث عن آليات لتكون صالحة واقعيًا، وهو ما يكون بمحاولة خلق قيم جديدة، والسعي لمكاسب ثقافية جديدة. وهنا تكمن ما سّم اها ليبرت "راديكالية الثورة"، بمعنى أن الثورة في سعيها هذا ترفض الواقع، ولا تعترف به، وتحاول فرض واقع جديد، وترى نفسها مخَّوَلة داخليًا للظهور بصفتها قيمة في الثقافة، ومن أجل الثقافة. وبهذه الطريقة، فإنها تحمل في طياتها الدلالة على كونها حركة في اتجاه إحراز "مرتبة تاريخية"، وتضع نفسها بوعي وعلى نحو هادف في خدمة "التقدم التاريخي" 42. تكون الثورة قادرة على تقديم بناء تاريخي على هذا النحو من خلال "الأفكار فوق التاريخية"، أي الأفكار غير المرتبطة بلحظة تاريخية معيّنة، إنما تلك "الأبدية" والصالحة لكل زمان، وتحت كل ظرف. ويمكن اعتبار هذه الأفكار بمنزلة القوة المحركة والقانون الذي يسّي رالتطور التاريخي وفقًا له 43. ومن هذا المنظور، لا تعني الثورة مجرد رفض الواقع الذي نضجت فيه أسبابها، وهي في حالة ثورة تشرين الثاني/ نوفمبر الألمانية إرهاصات الرايخ الثاني (الملكية/ القيصرية) التي فشلت في إيجاد حلول لقضايا اجتماعية وسياسية جوهرية، مثل التفاوت الطبقي داخل المجتمع (الصعود الحاد للصراع الطبقي بين طبقة العمال والصناعيين أيديولوجي) 44الذي تحوّل إلى استقطاب سياسي -. ومن ثمّ، يؤكد ليبرت أن الأفكار ينبغي أّل اتكون مجردة، بل واقعية، وينبغي كذلك أن تجسّد أشك لًاإبداعية من الواقع التاريخي. فالثورة تحوز صورتها الإيجابية من خلال الأفكار التي تتبنّاها وتعمل على تحقيقها. ومن دون استقلالية العقل، لا يمكن وجود الأفكار التي ليست صنيعة التاريخ، إنما هي التي تقود التاريخ. وبما أنه لا يمكن أن تكون ثورة من دون استقلالية العقل، فإنه لا يمكن أن تكون ثورة من دون أفكار قائدة؛ فالأفكار هي الَحَاِمِل الفعلي والحقيقي للثورة، ويمكن تعريف الثورات وتنظيمها من خلال الأفكار القائدة التي تتبنّاها وتبرزها. وانطلاقًا من ذلك، يصل ليبرت إلى تعريف لمفهوم الثورة على أساس جوهرها، بقوله إنها "وحدة أفكار العقل في صراعها ضدّ التاريخ المجرد، أي ببساطة الصراع مجددًا بين المطلق والنسبي" 45. إن وجود الأفكار السياسية (الحرية، والمساواة، والعدالة وغيرها)، بوصفها قيمًاتمهّد للثورة، هو ضرورة بالنسبة إليه، وليس موضع نقاش، مع تأكيده شرط تبنّي المجموعات الثورية هذه الأفكار، حيث يشير في أكثر من موضع إلى تأثير أفكار التنوير الأوروبي Enlightenment في الثورة الفرنسية بصفة خاصة   46.

  1. 38  ينظر على سبيل المثال: الاستبداد في نظم الحكم العربية المعاصرة، علي خليفة الكواري (محرر)، ط 2 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.)2006
  2. Juan Cole, The New Arabs: How the Millennial Generation is Changing the Middle East (New York: Simon & Schuster, 2014).
  3. Liebert, p. 36.
  4. Ibid., p. 40.
  5. Ibid., p. 44.
  6. Ibid., pp. 45, 48.
  7. Peter C. Caldwell, Popular Sovereignty and the Crisis of German Constitutional Law: The Theory and Practice of Weimar Constitutionalism (Durham/ London: Duke University Press, 1997).
  8. Liebert, p. 53.
  9. 46  بالنسبة إلى تأثير الأفكار السياسية (المجال النظري) في الثورة (المجال الواقعي)، ينظر على سبيل المثال: الفصل "هل تصنع الكتب الثورات؟" Revolutions Make Books Do:?، في Roger Chartier, The Cultural Origins of the French Revolution , Lydia G. Cochrane (trans.) (Durham/ London: Duke University Press 1991).

في ضوء هذا التعريف الإيجابي، أو حتى المثالي لمفهوم الثورة، لا يلبث ليبرت أن يضع فرضيته المحورية بأن الثورة لا يمكنها بأي حاٍلٍ من الأحوال الإيفاء بجوهرها الفكري بصفة خاِلِصة؛ لأن المفهوم نفسه يحتوي على إشكالية عميقة؛ لكونه يشتمل على تناقض، والنتيجة الحتمية لذلك هي انحراٌفٌ حتمي للثورة عن مفهومها، وعن فكرتها، وهذه هي "مأساتها الحتمية"، وهي الظاهرة التي يصفها بأزمة الثورات  47. تكمن هذه الأزمة أو الإشكالية في التناقض بين الجانبين اللذين تقوم عليهما الثورة، أي الاستقلالية الطبيعية البيولوجية للإرادة، والاستقلالية الفكرية للعقل. يتعلق الأمر، في هذا السياق، بمحاولة إيجاد التوازن بين القوى القطبية للواقع التاريخي، للتوفيق بين الحرية والصيرورة، بين ما هو الأمر عليه وما ينبغي له أن يكون. فعندما يصبح من الصعب كبح جماح الغرائز الطبيعية، فإن مصير أي ثورة هو الفوضى والكارثة. وفي مقابل هذه الكارثة الناتجة من الجانب الغرائزي، توجد عادةً بوادر لظهور كارثة تنتج من الجانب العقلي والفكري، ويتعلق الأمر بالميل الأيديولوجي، فكل حركة ثورية تُظِهِر مقدارًا من اللحظات الأيديولوجية التي قد تقترب من حدود الخيال الوهمي، أو حتى تجاوزها. في هذه الحالة، يتخلخل ويقلّ ارتباط الجانب الفكري بالواقع التاريخي. وعندما يرتفع مقدار اللحظات الفكرية إلى مقدار مفرط من العقائدية والدوغمائية الأيديولوجية، فسيؤدي ذلك إلى أزمة الثورة. يشير ليبرت إلى مسألة ذات أهمية على صعيد آخر، وهي العقلانية الواقعية للثورة. فمفهومها المطلق قد يكون له تأثير سلبي؛ لأن أي افتراض سيفقد قوّته الدافعة التاريخية، وسيفقد تأثيره إذا ما قُدّمت مطالبه بصفتها حتمية، فكل حتمي مرتبط بما هو غير حتمي، وتؤدي هذه الديالكتيكية إلى ضرورة الاعتراف بالواقع ومنحه شيئًا من الصلاحية (الشرعية.) لذلك، يؤكد ليبرت أن كل مطلقية هي مطلقية النسبي وأن كل حتمية هي حتمية غير الحتمي  48. من منظور الثورة، هذا النسبي هو التاريخ. وهذا يعني، نتيجة لذلك، أن مطالب الثورة المطلقة أو العليا لا يمكن أن يكون لها معنى أو صلاحية، إلا عندما تعترف بمعطى الحياة التاريخية (الواقعية) وبحقه، وهنا تكمن إشكالية الثورة المشار إليها. فاستقلالية الثورة ومطلقيتها ينبغي لها، من أجل الثورة نفسها، أن تضع قيودًا لهذه المطلقية حتى لا تفقد إمكانية تأثيرها، ويكون ذلك من خلال مراعاتها المعطيات التاريخية، وهو ما يقود إلى نقطة تحُّوُل عميقة في مسار الثورة، تتجلى في إدراك أن الثورة تحقق معناها وصلاحيتها التاريخية وتأثيرها وتجسيد أهدافها عندما تنتقل من ثورة إلى تطور أو ارتقاء Evolution فحسب: "عندما لا تبقى الثورة ثورة فحسب، إنما تنتقل لتصبح تطوّرًا، فعندها، في إمكانها إظهار حيويّتها، وأن ترتقي لتكون قيمة حياتية تاريخية فعلًّيًا، وأن تحافظ على مطالبها العقلانية وأفكارها وصلاحيتها" 49. يعني "الارتقاء" في هذا السياق تغلّب الثورة على راديكاليتها كما بيّناها من قبل، أي بذهابها في اتجاه الأمر الواقع والاستجابة له. وعلى الرغم من تشديد ليبرت على أهمية الأفكار في الثورة، فإنه يرى ضرورة أن تسير الأخيرة في عملية تطوّر (ارتقاء) للتقارب مع الواقع ومعطياته، وهو ما يعتبره شرطًا لتحافظ الثورة على وجودها.

2. سوسيولوجيا الثورة والفكرة الثورية

على نحٍوٍ مشابه لأطروحة ليبرت، يؤكد إيميل ليدرير محورية الأفكار في الثورة؛ إذ يستهلّ مقالته بالمجادلة بأن الحركة الثورية المندلعة في مجتمع ما لا تكون ثورة إلا عندما لا يقتصر وجودها أو هدفها على استخدام العنف، وعندما تطرح فكرة يتبنّاها المجتمع، ويكون مستعدًا للدفاع عنها، ومن ثمّ عندما تكون الثورة قادرة على إحداث التغيير في المجتمع وفقًا لهذه الفكرة. وعلى أساس ذلك، يُعِّفرِ ليدرير الثورة باعتبارها انتقال فكرة لتصبح واقعًا، فالثورة هي أولًا الفكرة التي تشكّل الأرضية النفسية الخصبة للحراك الثوري، وهي قادرة ثانيًا على تحريك قوة اجتماعية  50. يبرز ليدرير ملاحظة مثيرة للاهتمام، تقول إن الأحوال السيئة السائدة في مجتمٍعٍ ما، بسبب سياسات السلطة، لا تفّس روحدها ظاهرة الثورة؛ لأن هذه الأزمات أو الصعوبات أو الأوضاع غير الجيّدة قد تظهر في سياق أي نظام حكم، عادل أو غير عادل، ولأن الثورة لا تشِّكّل ضمانة للتخلّص منها أيضًا. فالثورة مضَّمَنة في المجتمع، ومن دون هذا الترابط مع المجتمع، لا يمكن أن توجد ثورة. انطلاقًا من ذلك، يعتبر ليدرير أن سوسيولوجيا الثورة ينبغي أن تتناول إشكاليتين: الأولى تتعلق بالشرط السوسيولوجي للفكرة الثورية، والثانية تتعلق بالعوامل التي تساعد في تحقيق الفكرة الثورية لتصبح حركة اجتماعية. يبقى السؤال متعلقًا بمقوّمات الفكرة الثورية. فليست كل الأفكار ثورية، كما أن تحقيق الأفكار يكون من خلال طرائق عديدة، وتحديد هذه الطرائق يعتمد على الظروف الاجتماعية السائدة. يرى

  1. Liebert, p. 56.
  2. Ibid., p. 65.
  3. Ibid., p. 70.
  4. Emil Lederer, Einige Gedanken zur Soziologie der Revolution (Leipzig: Der Neue Geist, 1918), p. 11.

ليدرير أن الأفكار إذا كانت هي روح الثورة، فإن الثورة لا تختزل هذه الأفكار. وبناءً عليه، يمكن أن ننظر إلى الفكرة الثورية باعتبارها التغيير المسَبَق للوضع القادم. وإن كان هذا التغيير المسَبَق غير ممكن - وهذا مرتبط بما سّم اها ليدرير "الشرط السوسيولوجي للفكرة" - فإن ذلك قد يؤدّي إلى كارثة اجتماعية، وليس إلى بناء جديد. وينبغي كذلك أن يؤخذ في الحسبان تمييز ثلاث مراحل في تطور العلاقة بين الفكرة والثورة، وهي أولًاظهور الفكرة؛ وثانيًا تحُّوُلها إلى فكرة ثورية؛ وثالثًا تحُّوُلها إلى واقع في الثورة 51. ولأنّ الثورة نابعة من وعي جمعي بضرورة التغيير، فقد تلجأ إلى العنف، كما أشرنا إلى ذلك آنفًا، لكن لا يمكن أن تجعل من العنف هدفًا لها. وهذه المقولة تتوافق مع ما يؤكده بشارة: "في أي إصلاح جدّيّ، ثمّة عناصر ثورية، وفي أي ثورة لا تكتفي بالهدم والفوضى وتنهمك في البناء، لا نلبث أن نجد عناصر إصلاحية" 52، مع التشديد على أن الإصلاح السياسي المنبعث من ثورة شعبية مختلف عن الإصلاح السياسي المنبعث من ضرورة أو حاجة سياسية تفرضها الظروف على النخبة في السلطة  53. على الرغم من أن تحوّل الفكرة، من مجرد فكرة لتصبح فكرة ثورية، يرتبط بالمعطيات الاجتماعية التاريخية، فإن نجاحها في أن تمضي في طريقها لتصبح واقعًا يعتمد في الدرجة الأولى على نوع الطبقات المثقّفة والفكرية في المجتمع المعني وطبيعتها. ففي هذه الطبقة، تجد الفكرة جذورها الأولى، وحينئذ ينبغي أن تنصهر في الحياة الفكرية في زمٍنٍ ما، وتحاول تغييره في اتجاه معّين. وعندما يوجد إيمان عميق راسخ بالفكرة وبأهميتها من أجل الحياة، تكون مواصلة تأثيرها وحيويّتها ممكنة. لكن حدوث ذلك يستوجب شرطًا لا يمكن إغفاله: "عندما يكون للطبقة المثَّقَفة والفكرية حَْدْس بالممكن الاجتماعي فحسب، عندما يكون لديها أُذُن واعية وَعيَن نافذة إلى التيارات الراهنة وبذور الصيرورة المستقبلية، عندما يكون لديها آذاٌنٌ صاغية لما يمكن أن يحدث في هذه الطريق نتيجة لذلك، فهنا تكون هذه الطبقة قادرة على التقاط الفكرة الثورية ومعالجتها وتطويرها وربطها مع الوعي الجمعي، حيث لا يمكن لأحد التنصّل منها" 54. تتحقق الفكرة الثورية في الغالب من خلال العنف. فمن مميزات الفكرة الثورية رفضها التصالح مع الواقع الحاضر، حتى إن التنازلات التي تقدّمها النخبة الحاكمة لا تجعلها تتراجع، بل على العكس؛ إذ من شأن كل تنازل أن يرفع من مستوى الروح الثورية. وعندما تكون الثورة مستعدة لتقديم التضحية من أجل إسقاط الوضع القائم، فإن الفكرة الثورية تعرف هنا نقطة تحوّل، حيث تتوقف عن كونها مجرد فكرة، وتتحوّل إلى فعل Handlung 55. وبما أنه لا يوجد فعل يجِّسِد تمامًا بصفة متطابقة الجانب الفكري - خاصة عندما يتعلق الأمر بفعل جماهيري - فإن هذا الانتقال للفكرة الثورية إلى الواقع يمثل "لحظة حرجة"، وتكون هذه اللحظة أكثر حرجًا عندما يكون الحامل للفعل الثوري طبقات فكرية مختلفة، عاشت حتى هذه اللحظة بوصفها عقائدية بعيدة عن الممارسة، أو عندما تصل إلى قمة الفعل الثوري شخصيات كانت فاعلة في نظام سياسي أفضل نسبيًا، فإن هؤلاء المثقّفين لا يلبثون أن يدخلوا في دوامة الأحداث التي يشعرون فيها بالمسافة الشاسعة بين عالم الأفكار والواقع  56. يعتبر ليدرير أن الجماهير (الشعب) هي الحاملة الرئيسة للثورة، وأن الثورة بصميمها هي تحقيق الفكرة الثورية في حركة جماهيرية. وعلى الرغم من أن كمية الجماهير المشاركة في الثورة لا تمثّل عاملًاحاسمًا، وأن النوعية الاجتماعية للثورات قد تختلف من حالة إلى أخرى، فإنه توجد نقطة مشتركة بين كل الثورات، مفادها أنه لا يمكن أن تسير ثورة من دون استخدام العنف؛ فمن المهمّ بالنسبة إلى الثورة أن تهزم مقاومة كبيرة أو صغيرة من القوى الحاكمة للوصول إلى أهدافها  57. من نافلة القول إن تحوّل المظاهرات الثورية السلمية إلى مظاهر من العنف كان أحد أوجه النقد التي وُِّجّهت إلى الثورات العربية، وهذا لا يَُشَِّكّل حالة استثنائية تاريخيًا، فلطالما كان اللجوء إلى العنف موضوعًا جَدليًا في الفلسفة السياسية والأخلاقية  58، وحتى الثورة الفرنسية كانت محلّ جدل فكري لدى فلاسفة كبار، مثل جورج فيلهلم فريدريش هيغل وإيمانويل كانط وإيدموند بيرك وغيرهم. ومن اللافت للانتباه قول جون دان، في هذا السياق: على الرغم من أن الثورات قد تكون "مدِّمّرة" و"وحشية"، فإنه لم يسبق أن فشلت ثورة في تدمير جوانب

  1. Ibid., pp. 15, 17.
  2. 52  بشارة، في الثورة والقابلية للثورة، ص.40
  3. 53  للمزيد حول مفاهيم الثورة والإصلاح والتغيير والعلاقة بينها في سياق ثورات الربيع االعربي، ينظر مثل: Sonia L. Alianak, The Transition towards Revolution and Reform: The Arab Spring Realised? (Edinburgh: Edinburgh University Press 2014).
  4. Lederer, p. 18.
  5. Ibid., p. 22.
  6. Ibid., p. 23.
  7. 57  يتطابق هذا الأمر مع ما أشرنا إليه، فلطالما كان استخدام العنف جزءًا من الثورات االعالمية التاريخية، بما فيها الثورات الكبرى. ينظر مثل: David Armitage, "Every Great Revolution is Also a Civil War," in: Keith Michael Baker & Dan Edelstein (eds.), Scripting Revolution (Palo Alto: Stanford University Press, 2015), pp. 57-68.
  8. Patrick Taylor Smith, "Political Revolution as Moral Risk," The Monist , no. 101 (2018), pp. 199-215.

إيجابية أكثر من الجوانب السلبية  59. لا يمكن تقييم الثورة بالتركيز على حدث أو جانب بعينه، منفصلًاعن السياق الشامل، بل ينبغي مراعاة الحالة ما قبل الثورية والفعل الثوري، والحالة ما بعد الثورية. يقدم ليدرير تصوّرًا مميزًا عن العنف الثوري وعلاقته بالفكرة الثورية. فهو يوضح أن الثورة ليست مجرد صراع من العنف؛ عنف من طبقة اجتماعية، يقابله عنف من الدولة. فهذا العنف يبقى عملية فكرية خاصة، له علاقته بالسلطة واكتساب الحق لاستخدام السلطة. لكن ما هذه القوة أو العنف سوى أداة: أي الفكرة لفرض القانون أو الحق. يعني ذلك أن الثورة لا تأخذ حقها من السلطة أو القوة، إنما تأخذ الحق من الفكرة من أجل استخدام القوة. وهكذا تختلف الثورة عن أي تغيير في النظام الاجتماعي على المسار الديمقراطي، فهنا يجري اكتساب السلطة على نحٍوٍ نظامي، من دون "التثوير العالي للفكرة" 60. وانطلاقًا من ذلك، يذكر ليدرير ملاحظة مهمّة، من خلال تأكيده أن استخدام العنف هو ما يربط الفكرة والجماهير؛ أي إن الارتباط بالفكرة، فحسب، يجعل من العنف فعلًاثوريًا، ومن خلال العنف، فحسب، يمكن أن تصبح الفكرة ثورية صادقة. أما السيرورة الثورية واقعيًا، وإن كان من الممكن الحفاظ على الارتباط بين الفكرة والجماهير في كامل مسار الثورة، فإنها تعتمد على تركيبة الجماهير المرتبطة بمصالحها اليومية وحياتها الخاصة. ولا يمكن فهم "الفكرة الثورية"، كما يُعّب ر عنها ليدرير، إّل ا من خلال ربطها بالهدف الثوري العام، بذاك المجال الثقافي أو الجانب السياسي أو الوضع الاقتصادي الذي تستهدفه الثورة بالتغيير. ويعتبر هنتنغتون أن كل الثورات تُعَنَى بتوسيع نطاق المشاركة السياسة، وأن بعض الثورات تؤدّي إلى أنماط جديدة من النظام السياسي  61. فمنطلق الثورة السياسية سياسي جمعي، وغايُتُها سياسية جامعة أيضًا. وبسبب وضعها مجموعة تصورات لقيم سياسية جديدة، فإن الهدف الأعلى للثورة السياسية هو التغيير في اتجاه نظام اجتماعي Order Social جديد، محوره الصالح العام، لا المصالح الفردية. وهكذا، تتميّز الثورة السياسية بشمولية مفهوم التغيير من خلال القطيعة مع النظام الاجتماعي السابق. يقول هنتنغتون في هذا السياق: "الثورة تهدم النظام الاجتماعي القديم بطبقاته وتعدديته وولاءاته الضيقة. فتظهر مصادر جديدة أعم للأخلاقية والشرعية.[...] فالشعارات وسحرها، وربما أيديولوجية الثورة، توفّر معيارًا جديدًا للولاء السياسي" 62. تختزل بعض النظريات الأيديولوجية والسوسيولوجية الهدف السياسي في تغيير السلطة القائمة. ويؤكد لينين، مثلًا، أنه لا يمكن بناء مجتمع غير طبقي إّل امن خلال "دولة ثورية"، أي بالتخلّص من الدولة القائمة بوصفها قوة قمعية خاصة للبرجوازية ضد البروليتاريا، من خلال إيجاد "قوة قمعية خاصة" للبروليتاريا، موَّجَهة ضد البرجوازية  63. ويعتبر هذا التصور المستِنِد إلى النظرية الماركسية أن تأسيس الحزب أو السلطة السياسية الذي يقود التغيير هو الهدف الأعلى للثورة السياسية، وهذا يتوافق مع أطروحات عديدة أيضًا مثل الأطروحات التي قدّمتها سكوكبول  64، وهنتنغتون الذي يربط نجاح الثورة بقدرتها على "إنشاء هياكل سياسية جديدة لتحقيق الاستقرار وإضفاء طابع مؤّسسّي على مركزية السلطة وتوسيع نطاقها. وباختصار، يقتضي نجاح الثورة إنشاء نظام سياسي حزبي" 65. إن تحُّفُظنا على هذا التقييد السوسيولوجي لمفهوم الثورة لا يعني إنكار أن الثورة قد تسعى لتغيير السلطة السياسية، لكننا نجادل في أن هذه الغائية ينبغي أّل اتكون المعيار الوحيد الذي يجب تقييم الثورة وفقًا له؛ ذلك أننا نعتقد أن مفهوم "السياسي" في الحالة الثورية قد يتجاوز الحدود الخاصة بمؤسسة السلطة. فعلى الرغم من أهمية تغيير النظام وإقامة نظام جديد يتبنّى أهداف الثورة وإنجازها، فإنه لا يوجد ما يضمن أن النخبة في السلطة الجديدة المنبثقة من الثورة ستحافظ في أجندتها على قيم الثورة الأصلية؛ فربما تعجز عن حمايتها أمام الثورة المضادة التي يقودها النظام القديم من الخلف  66، وما تجربتا مصر وتونس إّل امثال واقعي عن قوة هذا الاحتمال.

ثالثًا: الثورات العربية والديمقراطية

نستخلص من قراءتنا كتاب ليبرت ومقالة ليدرير أن الثورة - ولأنها لا تأتي من العدم - تمثّل حالة من الصراع الاجتماعي لخلق واقع جديد، بمنظومة قيمية جديدة، متناسبة مع أفكار تحدّد ملامح العصر الجديد.

  1. John Dunn, Modern Revolutions: An Introduction to the Analysis of a
  2. Lederer, p. 25.
  3. 61  هنتنجتون، ص.376
  4. 62  المرجع نفسه، ص 783 وما بعدها.
  5. V. I. Lenin, State and Revolution: The Marxist Theory of the State and the Tasks of the Proletariat in the Revolution , Special Edition (New York: International Publishers, 1935), p. 17. 64  ينظر الملاحظة في الهامش رقم.10
  6. Political Phenomenon , 2 nd ed. (Cambridge: Cambridge University Press, 1989 [1972]), p. 2.
  7. 65  هنتنجتون، ص.380
  8. Stephen Walt, "Revolution and War," World Politics , vol. 44, no. 3 (1992), pp. 321-368.

ونلاحظ تركيز ليبرت خاصة على منحه الأولوية لما سّم اها "استقلالية العقل" على "إرادة الحياة"؛ فاختصار العمل الثوري في أهداف مادية خالصة، مثل تحسين الوضع المعيشي أو الوصول إلى السلطة، لا يمكن أن يكون ثورة إذا ما غابت المبادئ الفكرية العليا المتمثّلة في القيم السياسية، مثل الحرية والكرامة والعدالة والمشاركة. يركز ليدرير على هذه المسألة، ويعتبر أن الثورة مرتبطة بوجود فكرة تسعى لتحقيقها وتحويلها إلى واقع، بل إنه يذهب إلى أبعد من ذلك، ليشير إلى أن الثورة لا تندلع إّل اعندما يصل الترابط بين الفكرة الثورية والمجتمع إلى مستوى الانصهار. وهذه الفكرة الثورية هي الفكرة المسَبَقة المطروحة لمرحلة ما بعد؛ أي كيف ينبغي أن يكون الواقع الجديد؟ نلاحظ، أيضًا، نوعًا من التوافق بين ليبرت وليدرير على أن تحقيق هذه الفكرة والانتقال إلى واقع جديد هو توافق، مرتبط بمجموعة العوامل التاريخية السائدة؛ الأمر الذي يفرض على الفكرة الثورية أن تنسجم مع تصورات واقعية. ومن ثمّ، تأتي فكرة أن الثورة ليست مجرد خروج مظاهرات إلى الشارع؛ إما أن يتم قمعها، وإما أن يتم إسقاط النظام وتشكيل حكومة جديدة، بل هي حراك جَمعي عقلاني 67، وعملية متواصلة تشهد أحداثًا وإرهاصات مختلفة، لكن كل ذلك في إطار ""تطور Evolution في اتجاه واقع مختلف عن ذاك قبل الثورة. في حالة الثورات العربية، يمكننا القول إن ما تشهده دول المنطقة منذ نهاية عام 2010 هو عملية تطور مطّرد لصراع اجتماعي متواصل. إلى حين اندلاع الثورات العربية، كان هذا الصراع موجودًا، لكنه كان في وضعية السكون، ثم عرف زخمًاقويًا مع خروج المظاهرات إلى الشارع. ولا يمكن تفسير هذه الكثافة في الحركية الثورية المفاجئة إّل ا بافتراض أنها نتيجة لأزمة سياسية - اجتماعية مكبوتة طوال سنوات، وأنها وجدت في الربيع العربي فرصة لتفريغها والتعبير عنها  68. ومع ذلك، فإن هذه الحالة من الأزمة لا تكفي وحدها لتفسير الثورة، بل نعتقد أن ثمّة فكرة ثورية في عمق هذه الظاهرة، سنحاول الكشف عنها وفقًا للمنهجية التي عرضناها واستنادًا إلى الأفكار والطروحات في الإطار النظري الذي عرضناه لكل من ليبرت وليدرير. نتيجة لسياسات القمع الممنهجة من جانب الحكومات، إضافة إلى تأثيرات الثورة المضادة، عرفت ثورات الربيع العربي انحسارًا في الحراك الشعبي، لكن انحسار الثورة لا يعني بالضرورة انحسار فكرة الثورة؛ لأن الثورة، كما قال ليدرير، لا تختزل الفكرة. ويمكن اعتبار الثورات العربية مقدمة لتحوّل في منظومة القيم السائدة في المجتمعات العربية الرازحة تحت الاستبداد ونعتقد أن هذا الحدث، نظرًا إلى تنوّع أبعاده وعمق تصوراته، هو الأول من نوعه على مستوى الصراع داخل المجتمعات العربية منذ تأسيس الدولة الوطنية الحديثة عربيًا. فهي ليست صراعًا على السلطة والنفوذ داخل النخبة السياسية، وليست صراعًا أيديولوجيًا بين قوى حزبية، بل هي تعبير شعوب عن حقها في تقرير مصيرها  69، ورفٌضٌ جَمعي من فئات واسعة من المجتمع لسياسة السلطة الحاكمة، وما المطلب بإسقاط النظام الحاكم سوى مطلب بالتخلّص من هذه السياسة  70. في جميع الثورات العربية، نجد أن الخطاب الثوري تركّز في محوَرَين جوهريين متلازمين: أولًا رفض شكل الممارسة السياسية العربية ومحتواها، وبمعنى أوضح، رفض قطعيّ للاستبداد والطغيان؛ ثانيًا التأكيد الواضح لقيمة الإنسان العربي وحقوقه. نجد أن هذين المحورين يشّكلّان جوهر مطالب الثورة في مختلف سياقات الحراك الشعبي العربي وتقلّباته. فعندما ترفع الثورة شعار "الحرية" مثلًا، فهذا يعني الحرية من الاستبداد الذي تمارسه السلطة من ناحية، وحرية الإنسان الفرد من هذا الاستبداد ومن أي شكل تسلّطي من ناحية أخرى. استنادًا إلى هذه المطالب، اعتبرت تحليلات وأبحاث كثيرة أن الربيع العربي مشروع دمقرطة  71. ونعتقد أن هذه القراءة غير دقيقة، مع الاعتراف بأن الديمقراطية امتلكت مكانة ممَّيَزة في السردية الثورية  72، لكنها لم تكن الخطاب الوحيد أو المسيطر. ربما يجوز افتراض أن الخطاب الديمقراطي، بصفته جزءًا من مجموع أدبيات الثورات العربية، جاء نتيجة لرفض استبداد السلطة باعتبار الديمقراطية المقابل الطبيعي والتاريخي للحكم الاستبدادي.

  1. Michael Taylor, "Rationality and Revolutionary Collective Action," in: Michael Taylor (ed.), Rationality and Revolution (Cambridge: Cambridge University Press, 1988), pp. 63-97.
  2. 68  عن تأثيرات الاستبداد في الفرد والمجتمع من منظور سيكولوجي، ينظر: مصطفى التخلف الاجتماعي: مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور (بيروت/ الدار البيضاء حجازي،:
  3. Noah Feldman, The Arab Winter: A Tragedy (Princeton: Princeton University Press, 2020).
  4. Hamid Dabashi, The Arab Spring: The End of Postcolonialism (London/ New York: Zed Books, 2012); نتفق مع حميد دباشي في أن ثورات الربيع العربي تحمل تغييرًا عميقًا يلحق مختلف الأنماط السياسية والثقافية والأيديولوجية السائدة منذ عقود، لكننا نختلف معه في جزمه أنها تمثّل نهاية للتيارات الأيديولوجية (الإسلام السياسي، القومية، الماركسية وغيرها) لأننا نعتقد أن الثورات لم تكن موجّهة ضد تيار، أو لصالح تيار، ولأن هذه التيارات قد تستفيد من التطورات الحاصلة لُتُعيد النظر بفكرها ومسارها وخطابها، ومن ثمّ إمكانية تَكَُّيُفها مع مسار الأحداث.
  5. Tofigh Maboudi, The "Fall" of the Arab Spring: Democracy's Challenges and Efforts to Reconstitute the Middle East (Cambridge: Cambridge University Press, 2022); Jason Brownlee, Tarek Masoud & Andrew Reynolds, "Tracking the 'Arab Spring': Why the Modest Harvest?" Journal of Democracy , vol. 24, no. 4 (2013), pp. 29-44. 72  Michael Robbins, "After the Arab Spring: People Still Want Democracy," Journal of Democracy , vol. 26, no. 4 (2015), pp. 80-89.
  6. المركز الثقافي العربي، 2001)؛ مصطفى حجازي، الإنسان المهدور: دراسة تحليلية نفسية اجتماعية (بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،.)2005

لذلك، يبدو من الصعب التسليم بأن الديمقراطية تجِّسِد الهدف الأعلى أو الأخير للثورة عربيًا؛ فالديمقراطية المقصودة هنا ليست شعارًا أو قيمة سياسية مثل الحرية والعدالة والكرامة، بل هي نظام حكم سياسي يرتكز على هذه القيم وغيرها من المبادئ والصيغ السياسية المكِّوِنة في مجملها للنظرية الديمقراطية. تحظى الديمقراطية باهتمام واسع في النظرية السياسية والفكر السياسي العربي، لكنها تبقى ثمرة لتجربة غربية في سياق معطيات تاريخية معيّنة، ونقلها إلى مجتمع آخر يتطلّب معالجتها مع المعطيات التاريخية والمحددات الثقافية لهذا المجتمع. ولهذا نجد هانيس فيمّر يصف هذه التجربة التاريخية بارتقاء السياسة  73، فضلًاعن أن الأمر في عمليات الانتقال السياسي من نظام سُلطوي إلى نظام ديمقراطي، خاصةً في الحالات الثورية، لا يتعلق بالسؤال "لماذا الديمقراطية؟"، بقدر ما يتعلق بالسؤال عن كيفية الوصول إليها 74. ينبغي أّل اُيَُسَاء فهم هذه المسألة من خلال ربطها بفكرة "المركزية الغربية"، أو بفكرة "الاستثنائية العربية"، فليس المقصود، في هذا السياق، أن الديمقراطية مُنَتَج غربي وأنها تناسب المجتمعات الغربية فحسب، بل المقصود أيضًا أن جوانب عَمَلَّيَة ومفهومية لا تزال في حاجة إلى تأطير نظري، ونقاش يشمل الرأي العام في المجتمعات العربية. فعلى سبيل المثال، ترتكز الديمقراطية الغربية على العلمانية، في وقت ما زالت العلمانية فيه محلّ جدل واستقطاب بين التيارات السياسية والمدارس الفكرية العربية المختلفة  75. ومن المؤكد، أنه توجد مقاربات عربية تتجاوز فكرة "العلمانية" في طرحها قضية الديمقراطية عربيًا و/ أو إسلاميًا 76. وبطبيعة الحال، فإن الأمر الذي يصعب التشكيك فيه هو أن أحداث الربيع العربي دلّت على ضعف فرضية "الاستثنائية العربية"، وجسّدت في الوقت نفسه دعوة إلى إعادة التفكير في نظريات الانتقال السياسي والدمقرطة عربيًا، وإلى مزيد من الجهد في التأصيل الفلسفي والفكري والأكاديمي لها  77. لو افترضنا أن هدف الثورات العربية هو تحقيق الانتقال السياسي بالوصول إلى الديمقراطية، فإن عدم تحقيق هذا الهدف سيعني بالضرورة الحكم بفشل هذه الثورات نفسها، وهو ما نعتبره تقييمًاغير موضوعي للثورة باعتبارها ظاهرة سياسية واجتماعية استثنائية  78. وحتى لو أخذنا بفرضية فشل الثورة، لأنها لم تحقق أهدافها، فِمِّم الا جدال فيه أنها تركت تأثيرًا يشمل الأداء السياسي على مستوى الحكومات وولادة وعي ثقافي جديد على مستوى الأفراد والمجتمع  79. وما اندلاع الانتفاضات 2019() في لبنان والجزائر والعراق والسودان التي سماها بعضهم "الموجة الثانية للربيع العربي" 80، وسقوط نظام الأسد في سورية في نهاية عام 2024 إّل ا دليل على أن الأمر لم ينتِهِ. ولذلك، نميل إلى تبنّي رأي عالم الاجتماع الأميركي مايكل كيمّل المتعلق بأهمية التفريق بين الظروف الثورية (معطيات الأمر الواقع) والمخرجات الثورية 81. ويؤكد بشارة، بحق، أن الخلط بين الثورة والانتقال إلى الديمقراطية هو "خطأ جسيم"، لأن "شروط تفجّر ثورة، وحتى انتصارها، ليست هي ذاتها شروط الانتقال إلى الديمقراطية" 82. يمكن أن نشير إلى ملاحظة الُمَُنَِّظِر الأميركي جون شار بشأن الثورات في العصر الحديث، والهامش الذي يمكن أن تُحقّقه من تغيير أو إصلاح بشكل عام. يقول شار: "إن الثورة اليوم، لأسباب عدة، لم تعد قادرة على إنجاز أي شيء من قبيل تغيير العالم [الواقع]، أو حتى الوصول إلى درجة معقولة من النتائج الجيدة. ستكون انتفاضات، وربما الكثير والكثير منها، لكن لا يمكن أن تخرج من هذه الانتفاضات ثورة حقيقية بعد الآن، كما كانت الحال في أوقات سابقة أكثر

  1. Hannes Wimmer, Evolution der Politik: Von der Stammesgesellschaft zur modernen Demokratie (Wien: WUV-Universitätsverlag, 1996).
  2. Bruce Gilley, The Right to Rule: How States Win and Lose Legitimacy (New York: Columbia University Press, 2009), p. 179.
  3. 75  ينظر مثلًا: ناصيف نصار، الديمقراطية والصراع العقائدي (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2017.) كانت العلمانية، ولا تزال، مسألة حاضرة بقوة في مقاربات فكرية ونظرية لدى العديد من المفكرين والكتّاب العرب، ومنهم فرج فودة ومحمد أركون وعزمي
  4. 76  نقصد ب "التجاوز" هنا عدم اعتبار العلمانية شرطًا مسبقًا للديمقراطية، وهو ما نجده في بعض أعمال برهان غليون وبشارة وغيرهما. فغليون مثلًا، وفي إطار مناقشته إشكالية العلاقة بين الِدِين والدولة في السياق العربي، يوضح أن الإشكالية المقصودة ليست في طبيعة العلاقة بين الِدِين والدولة من حيث المبدأ، بل هي "في الواقع مشكلة السياسة الاجتماعية كلّها التي تَُحَِدِد
  5. Abdelwahab El-Affendi & Khalil Al Anani (eds.), After the Arab Revolutions: Decentering Democratic Transition Theory (Edinburgh: Edinburgh University Press, 2021). 78  ينظر: بشارة، في الثورة والقابلية للثورة، ص.93
  6. بشارة وعزيز العظمة وجورج طرابيشي وطه عبد الرحمن وعبد الوهاب المسيري، وغيرهم.
  7. كمال عبد اللطيف، "مدخل إلى قراءة الأبعاد الثقافية للثورات العربية"، في:  79 الانفجار العربي الكبير: في الأبعاد الثقافية والسياسية، إعداد كمال عبد اللطيف ووليد عبد الحي (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2012)، ص.72-19 80  László Csicsmann & Erzsébet N. Rózsa, "Authoritarian Resilience and Political Transformation in the Arab World: Lessons from the Arab Spring 2.0," International Journal of Euro-Mediterranean Studies , vol. 15, no. 1 (2022), pp. 3-30.
  8. للِدِين وغير الِدِين وظائفهما"، ينظر: برهان غليون، نقد السياسية: الدين والدولة، ط 4 (بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2007)، ص 518. ونجد كذلك شكلًامختلفًا من هذا التجاوز لفكرة التشاُكُل بين العلمانية والديمقراطية عند بعض الإسلاميين، مثل راشد الغنوشي أو مالك بن نبي الذي يعتبر أن الحكم في الإسلام ديمقراطي في أصله، ينظر: مالك بن نبي، تأملات (دمشق: دار الفكر، 1979)، ص 94-63 (فصل "الديمقراطية في الإسلام.)" وفي سياق آخر، يدعو محمد عابد الجابري إلى تجاوز مفهوم "العلمانية" عربيًا، والاستعاضة عنه بخطاب "الديمقراطية والعقلانية"، الدين والدولة وتطبيق الشريعة، سلسلة الثقافة القومية ينظر: محمد عابد الجابري، 29، قضايا
  9. Michael S. Kimmel, Revolution: A Sociological Interpretation (Oxford: Polity Press, 1990), p. 6. 82  بشارة، الانتقال الديمقراطي وإشكالياته، ص.450
  10. الفكر العربي 4 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1996)، ص 108 وما بعدها.

سهولة" 83. ويجادل شار بأن الظروف التي أدّت إلى اندلاع الثورات الإنكليزية والأميركية والفرنسية في القرنين السابع عشر والثامن عشر مختلفة تمامًا عن الظروف اللاحقة التي نتجت من هذه الثورات نفسها. فمنذ القرن التاسع عشر، امتلكت الدولة بصفة متزايدة أكثر مصادر السلطة، خاصةً من خلال نظام اقتصادي مؤَّسَساتي على نحو معقّد، قبل أن يكتمل "استغراب" الإنسان المعاصر في القرن العشرين والعصر الحالي، من خلال تشكيكه في المنظومة القيمية التي تحكم مسارات حياته اليومية نفسها  84. تساعدنا هذه الملاحظة في الانتباه إلى أن الثورات هي وليدة واقع معّين، وأن نتائجها مرتبطة بهذا الواقع أيضًا، وهي مسألة مهمة ركّز عليها كل من ليبرت وليدرير كما رأينا. وهذا يفضي، مرة أخرى، إلى التساؤل عّم اأرادت الثورات العربية تحقيقه في الظروف الواقعية آنذاك. قلنا إن تحديد الهدف المعَلَن هو ما يحمله الخطاب الثوري من مطالب، الذي يكون له تأثيره المباشر في الوعي الجمعي العام، في حين أن تحديد الهدف غير المعَلَن هو مسألة تحليلية تقبل أكثر من تفسير أو وجهة نظر  85. إن تركيز الثورات العربية على رفض الاستبداد ومنح الإنسان قيمته الحضارية والطبيعية، يبدوان في أساسهما أكثر عمقًا من مجرد المطالبة بإسقاط سلطة قائمة. من منظور فلسفي أنطولوجي، ومن خلال الاستناد إلى ما سّم اه ليبرت "المضمون الميتافيزيقي للثورة"، يتضمن هذا المطلب الثوري بشقّيه فكرة "العودة إلى السياسة." ومن أجل فهم فرضية "العودة إلى السياسة"، ينبغي أولًامناقشة بعض الجوانب في مفهوم "السياسة" نفسه؛ فهي قد تساعد في إيضاح الفرضية.

رابعًا: الربيع العربي: ثورة من أجل العودة إلى السياسة

ثمّة وفرة من تعريفات مفهوم السياسة أسّست مجموعة من التصورات التي تشِّكِل اليوم النظريات السياسية المختلفة التي تعرض أفكارها حول كيفية تنظيم العلاقة بين الأفراد والسلطة. ويعود الاختلاف في تعريف المفهوم إلى أساس النظرية السياسية عند أفلاطون وتلميذه أرسطو. ما يهمّنا، في هذا السياق، هو أن تعريف المفهوم قد يختلف من مفكر إلى آخر، ومن فيلسوف إلى آخر أيضًا، وفقًا للزاوية الفكرية أو الفلسفية، أو حتى الأيديولوجية والأخلاقية التي يروي منها الكاتب موقفه أو تعريفه للعلاقة بين المجتمع والسلطة، ولا سيما أن المفهوم ينطوي على دينامية تاريخية؛ فهو مفهوم متغّي رمن زمن إلى آخر، وفقًا للمعطيات الثقافية والاجتماعية والحضارية (أزمات، تحديات، تنمية، عمران... إلخ) التي تحدّد ملامح كل عصر. كانت هذه فعلًاالنتيجة التي استخلصها دولف شتيرنبرغ في دراسة حلّل فيها مفهوم السياسة عند ثلاثة مفكرين سياسيين بارزين من ثلاثة أزمنة مختلفة: أرسطو وأغسطينوس ومكيافيلي 86. ينطبق الأمر نفسه على مفهوم السياسة في التاريخ العربي الإسلامي الذي مرّ بأطوار مختلفة، وفقًا لطبيعة كل مرحلة تاريخية. وحتى مع افتراض أن مفهوم السياسة في التاريخ الإسلامي يحمل، إجمالًا، دلالات على التدبير والتعقّل في إدارة شؤون الرعية والحفاظ على الدولة  87، فإن هذه القضايا عامة، والتعرّف إلى حيثيّاتها بدقة، هو ما يؤِّرطِ مفهوم السياسة في السياق العربي الإسلامي. لفرضية " العودة إلى السياسة" في سياق دراستنا ارتباٌطٌ بمفهوم "السياسي" Political The الذي وضع ملامحه أرسطو بتعريفه الإنسان بصفته كائنًا سياسًّيًا، وصاغته حنة أرندت لاحقًا ليكون انعكاسًا لأحداث وظواهر سياسية معاصرة، وهو المفهوم الذي يشِكِل "المعيار القيمي" 88 لأفكارها الفلسفية السياسية، كما يعدّ المفهوم الذي طوّرته بمنزلة دحض لمفهوم "السياسي" المعروف عند المفكر الألماني كارل شميت الذي يرتكز على النظر إلى مفهوم "السياسة" من زاوية الممارسة السياسية عبر السلطة تجاه الآخر. فالسياسة عنده ظاهرة شاقولية تدور فصولها في أروقة الحكومة والسلطة التي تكتسب فيها ثنائية "الصديق/ العدو" مكانتها المميّزة بصفتها معيارًا لمفهوم السياسة، في حين يبقى المجتمع أو الرأي العام على هامش الأحداث  89. أما بالنسبة إلى أرندت، فالسياسة ليست حِكرًا على

  1. John H. Schaar, Legitimacy in the Modern State (New Brunswick:
  2. Ibid., p. 342.
  3. 85  يقول كيمّل في هذا الصدد: "في حين أنه لا ينبغي لعلماء الاجتماع تجاهل الهدف الأيديولوجي لأي محاولة ثورية، فإنه لا يمكن أن يكون الآلية الحاسمة في تعريف العمل الثوري. فالثورات هي ظواهر تشمل أعدادًا كبيرة من الناس الذين يتصرفون بشكل جماعي سعيًا لتحقيق مصالح مادية (اقتصادية وسياسية) ومثالية (أيديولوجية واجتماعية.) ومهما
  4. Dolf Sternberger, Drei Wurzeln der Politik (Frankfurt am Main: Insel Verlag, 1979). 87  مكرم عباس، "مفهوم السياسي في الفكر الإسلامي: ما هي السياسة؟"، ترجمة محمد ترجمات، مركز نهوض للدراسات والبحوث الحاج سالم،، 2022/7/19، شوهد في 2025/1/14، فh يttps://acr.ps/1L9GPOZ:
  5. Transaction Books, 1981), p. 340.
  6. Thomas Bedorf, "Das Politische und die Politik - Konturen einer Differenz," in: Thomas Bedorf & Kurt Röttgers (eds.), Das Politische und die Politik (Berlin: Suhrkamp Verlag, 2010), p. 16. 89  كارل شميت، مفهوم السياسي، ترجمة سومر المير محمود (القاهرة: مدارات للأبحاث والنشر،.)2017
  7. كان تحليل الثورة مقنعًا من الناحية الأخلاقية[...]، فإنه يجب أن يستند إلى أكثر من الأهداف المتعلقة بأفكار المشاركين فيها وتصوراتهم لها." ينظر: 8 p..Kimmel,

المؤسّسات السياسية، إنما هي حق من حقوق العامة كذلك، وهي تستند بأفكارها إلى نشوء ال Polis عند اليونانيين القدماء، فالسياسة في هذا الإطار تعني التعامل مع كل الأمور بوساطة الحوار والقدرة على الإقناع بوسائل اللغة، وليس بالإكراه والعنف 90. من أهم الملاحظات بشأن مفهوم السياسة عند أرندت أنه يفتح المجال للتفكير في المفهوم فلسفيًا وميتافيزيقيًا، حيث حاولت في كتابها الشهير في الثورة تفسير ظاهرة الثورة من خلال التركيز على إنجازاتها المادية وغير المادية؛ أي ما تغّي ره الثورة في مجتمع ما بالانتقال من المتغّي رات المرئية (انتقال الحكم أو تغيير الدستور مثلًا) إلى المتغّي رات غير المرئية التي تعكسها الثورة وما حققته من متغّي رات مرئية. ووصلت أرندت إلى نتيجة مفادها أن الحرية Freedom - مع التشديد على مَتِ يِيزها من التحرر Liberty - كانت الهدف غير المعَلَن في الثورات التاريخية التي طالبت بالحقوق المدنية  91. فالتحرر من اضطهاد نظام مستِبِد كان يمكن تحقيقه تحت أي سلطة سياسية دستورية، بما فيها الملكية الدستورية، في حين أن الحرية تعني الحق في المشاركة السياسية في الشؤون العامة، وهذا يتطلّب نظامًا سياسيًا جديدًا في شكل جديد للدولة، أي الجمهورية الدستورية 93. يمكن إسقاط منهجية أرندت على افتراض هذه الدراسة، ومفاده أن للثورات العربية مضامين معيارية غير مادية، تتجاوز في دلالاتها الأهداف الُمُعَلَنة (المادية) التي عََّب رعنها الشارع، وهي مضامين تؤكد عمق التأثير السياسي للثورات بصفتها عامل تغيير اجتماعي. نجحت الثورات العربية في قلب المعادلة السياسية العربية من خلال تشكيكها في جوانب المجال السياسي السائد عربيًا كلها، من الدولة ومؤسّساتها، مرورًا بالسلطة السياسية، ووصولًاإلى ما رسّخته الثقافة السياسية العربية الحديثة من رواسب أيديولوجية ونخبويّة. وعندما تضع الثورة ذلك كله محل تساؤل، فهي تشكّك أولًافي شرعية السياسة العربية إجمالًا، وتدعو ثانيًا إلى التفكير في شرعية سياسية بديلة تقوم على فهم جديد للشأن السياسي بكل جوانبه ومستوياته  94. يبدو واضحًا، إذًا، أن البحث في "العودة إلى السياسة" عربيًا يشترط إدراك مكوّنات "السياسة" العربية الحالية. ويمكن وصف السياسة العربية المعاصرة بأنها سياسة "أداتية" من وجهين؛ فهي من ناحية تهتم بالأدوات التي تساعدها في الوصول إلى أهدافها، من دون اعتبار إن كانت هذه الأهداف نفسها تصبّ في الصالح العام، ومن ناحية أخرى، لأنها تعتمد على أجهزة السلطة البيروقراطية والتقنية والأمنية لضبط العلاقات الاجتماعية وتحديدها. فالسياسة العربية تهمل الإنسان العربي، وتمنع مشاركته في الشؤون السياسية والاجتماعية، ولا تتردّد في ظروف أخرى في قمعه إذا ما شعرت أنها معَّرَضة للخطر بسبب تمسّكه بحقه في أن يكون جزءًا من الشأن العام، وهو ما حدث في قمع الأنظمة العربية للثورات العربية. هذا التصور لواقع السياسة العربية هو الإطار العام لمفهوم السياسة عربيًا، حيث تبدو السياسة مختَزَلة في جانب وظيفي جوهره السلطة والحفاظ عليها. أما "العودة إلى السياسة"، فهي الثورة على هذا المفهوم الناقص للسياسة والدعوة إلى واقع سياسي جديد. لذلك، نعتقد أن ثورات الربيع العربي هي محاولة للانتقال من مجتمع محروم من السياسة إلى مجتمع يشارك في صُْنْع السياسة. ففكرة العودة إلى السياسة في السياق العربي بعد الثورات لا تنفي وجود ممارسة للسياسة، لكنها سياسة مجتَزَأة مقتِصر ة على مجتمع سياسي محدود، نسمّيه السلطة، التي جعلت من السياسة مفهومًا نخبويًا إقصائيًا. من خلال احتكارها أبعاد المجال السياسي كلّها، تنجح السلطة في بسط سيطرتها على الدولة وضبط العلاقات الاجتماعية، وهذا أساس الحكم الاستبدادي  95. تساعدنا هذه الإيضاحات في العودة إلى الانتقادات التي تقول إن الربيع العربي لم يحقق التغيير السياسي (أو الانتقال إلى الديمقراطية.) فذلك ليس قصورًا في الثورات العربية، إنما مردّه في المقام الأول إلى القصور السياسي في الدولة العربية. تقول ثيدا سكوكبول في كتابها الدول والثورات الاجتماعية 1979() إن الثورات تخفق في تحقيق أهدافها في الانتقال السياسي عندما يكون الجهاز القمعي للدولة قادرًا على التماسك والحفاظ على احتكار أدوات ممارسة القهر والكبت؛ لأن ذلك يجعلها قادرة على مواصلة تأثيرها واستعادة شرعيتها، وحتى التخلّص من شعور الحرمان الموجود عند أفراد المجتمع  96. واستخدمت إيفا بيّليّن هذه الفرضية لتفسير "الاستثنائية العربية" في عدم الانتقال إلى الديمقراطية، فالسبب في ذلك ليس

  1. Hannah Arendt, The Human Condition , 3 rd ed. (Chicago: University of Chicago Press, 1970), pp. 25-27.
  2. 91  حنة أرندت، في الثورة، ترجمة عطا عبد الوهاب، مراجعة رامز بورسلان (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2008)، ص.45-38 92  المرجع نفسه، ص.44
  3. 93 يَُعَِب رمارك لينتش عن هذه الفكرة بطريقة مشابهة بقوله: "لقد غيرت الانتفاضة العربية الشرق الأوسط على نحو جذري بطرائق لن يتم استيعابها كلًّيًا إلا بعد عقود. وفي سياق الظروف القاتمة والعنيفة والقمعية السائدة حالًّيًا، يكون من الصعب استذكار مدى الإثارة التي أحدثتها الحركات الاحتجاجية في أوائل عام 2011، أو كيف أنها جابهت النظام
  4. 94  ينظر مثل:ا Juan Linz, Totalitarian and Authoritarian Regimes (Boulder: Lynne Rienner Publishers, 2000). 95  Skocpol, pp. 32-34.
  5. الإقليمي برمته." ينظر: p.47.Lynch,

غياب مقومات الدمقرطة/ الديمقراطية (غياب المجتمع المدني القوي، والثقافة الديمقراطية، والدخل المناسب، ومستويات التعليم، وغيرها)، إنما في الاستبداد العربي، وبخاصةٍ في تماسك الجهاز القمعي في الدول العربية  97. تجِّسِد القوة في القمع والاستبداد حالةً من القصور في الدولة التي تبدو غير قادرة على التعبير الجمعي أو التمثيل الكليّ للمجتمع؛ فهي دولة قوية في القمع والقهر، كما عّب رعنها نزيه الأيوبي 98، لكنها بائسة وضعيفة في سياسة البناء والتنمية والقانون والتمثيل الدستوري، قوية في البنية الوظيفية الأداتية، لكنها فقيرة في المضمون المعياري الأخلاقي. ولهذا، لا غْرْو في أن "مسألة الدولة العربية" 99 تجد نفسها محل بحث ونقد وإعادة نظر جذرية منذ الثورات العربية. تدفعنا هذه الحيثية إلى البحث في العلاقة بين السياسة والدولة. وعلى الرغم من صعوبة القبول بفرضية التماهي بينهما، نعتقد أن السياسة والدولة تتشاكلان في لحظات معيّنة، بحيث يصبح الفصل الكامل بينهما شبه مستحيل  100. وسبب ذلك أنه يصعب في العصر الحديث تخيّل وجود سياسة من دون دولة أو دولة من دون سياسة. فالدولة وشكلها وخصائصها في مجتمع ما، وفي زمن ما، هي انعكاس للسياسة وكيفية إدراكها في سياقها الظرفي والزمني. ويساعد هذا الفهم العلاقة التشاكلية بين السياسة والدولة في المحاجّة ضد محاولات تسويغ تسلّط الدولة العربية وإلقاء اللوم على السياسة، متمثّلة في ظواهر أو عوامل سياسية من خارج المنظومة السياسية (مثل التدخلات الخارجية أو الأزمات الاقتصادية... إلخ) لتبرير تفاقم الأزمة السياسية والثقافية في المجتمعات العربية. فالمسؤول عن الأزمة ليست السياسة، إنما شكل من أشكال السياسة، متبلِوِر في مجموع السلوكيات والأفعال والإدارة السياسية التي ترسمها وتنتهجها الأنظمة العربية  101. في الأحوال الطبيعية، تقابل هذه السياسة من جانب الدولة رؤى ومواقف سياسية من جانب الرأي العام (المجتمع) الذي قد يدعم سياسة الدولة أو يعارضها، ويخلق التفاعل بين سياسة الدولة ومواقف الرأي العام ثقافةً سياسيةً تتجذّر في النظام الاجتماعي الكليّ تدريجيًا  102. في الدولة العربية، يبدو هذا التفاعل معدومًا؛ لأنها دولة في حالة طوارئ دائمة وقائمة على تجريد الأفراد والمجتمع من أي حقوق، ووضع كل الصلاحيات والامتيازات في أيدي سلطة الدولة، وهذه الوضعية الخاصة من حالة الطوارئ الدائمة (غير الُمُعَلَنة عادةً) ليست استراتيجية تقنية خاصة بالحكم قد تُهدّد الحياة الدستورية، كما عّب رعنها جورجيو أغامبين  103، بل هي أساس هذه الدولة وجوهرها، لتبقى قادرة على الاستمرار. لذلك، تبدو الدولة العربية دولة من دون مجتمع، فهي قائمة بذاتها ومستقلة عن المجتمع  104. فأهمية ثورات الربيع العربي تتمثّل في إظهارها هذا الخلل في المنحى السياسي للدولة العربية. وبناءً عليه، يمكننا القول إن العودة إلى السياسة تعني عودة الدولة إلى المجتمع، إنها عودة إلى جذور الرابطة بين الحكومة والمحكومين، أي باختصار: عودة إلى التفكير بعقد اجتماعي جديد متناسب مع متطلّبات العصر  105. فالتطور التاريخي الثقافي الذي أدخلته الثورات العربية يستلزم بناء نظام اجتماعي جديد قادر على استيعاب العلاقات الاجتماعية على نحٍوٍ أشمل من تلك التعاقدية الأحادية الجانب (سلطويّة) المفروضة على الطرف الآخر (المجتمع) بوسائل القوة وبحكم الأمر الواقع 106.

  1. Eva Bellin, "The Robustness of Authoritarianism in the Middle East: Exceptionalism in Comparative Perspective," Comparative Politics , vol. 36, no. 2 (2004), pp. 139-157.
  2. 97  نزيه الأيوبي، تضخيم الدولة العربية: السياسة والمجتمع في الشرق الأوسط، ترجمة أمجد حسين (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2010 1994[.)] وعّب رالأيوبي عن هذه الإشكالية في الدولة العربية أيضًا. ينظر: نزيه الأيوبي، العرب ومشكلة الدولة (بيروت: دار الساقي،.)1992
  3. نستخدم عبارة "مسألة الدولة العربية" في إشارة دلالية إلى كتاَب ي: عزمي بشارة،  98 مسألة الدولة: أطروحة في الفلسفة والنظرية والسياقات (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث)؛ عزمي بشارة، الدولة العربية: بحث في المنشأ والمسار ودراسة السياسات، 2023 (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2024
  4. ينظر مثلًاالفصل الخاص بمفهوم السياسة في كتاب: عبد الكريم غّل اب، 99 أزمة المفاهيم وانحراف التفكير، سلسلة الثقافة القومية 33 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1987)، ص.103-91
  5. 100  لمزيد من التفاصيل في هذا الموضوع، ينظر: بشارة، الدولة العربية، ص 18-15،
  6. 101  تأتي هذه في صلب مقاربة ديفيد إيستون التحليلية للعلاقة بين الأنظمة السياسية والمجتمع ومحددات استمراريتها. ينظر:  David Easton, A Systems Analysis of Political Life (New York: John Wiley and Sons, 1965).
  7. Giorgio Agamben, State of Exception , Kevin Attell (trans.) (Chicago: University of Chicago Press, 2005); للمزيد حول نظرية أغامبين، "حالة الاستثناء" (الطوارئ)، وكذلك مفهوم "الإنسان المستباح"، ينظر: محمد عبد الهادي عمري، "حالة الاستثناء والإنسان المستباح عند جورجيو أغامبين"، تبّين، مج 12، العدد 48 2024()، ص 58-43.
  8. للمزيد، ينظر مثلًا: محمد جابر الأنصاري،  103 كتوين العرب السياسي ومغزى الدولة القطرية: مدخل إلى إعادة فهم الواقع العربي (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،)؛ الدولة الوطنية المعاصرة: أزمة الاندماج والتفكيك 1994، أحمد عوض الرحمون (محرر)، سلسلة كتب المستقبل العربي 58 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.)2008
  9. 104  ينظر: غسان سلامة، نحو عقد اجتماعي عربي جديد (بحث في الشرعية الدستورية) (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1987.) نعتقد أنه حتى بعض الأفكار التي طرحها غسان سلامة لتكون صُلب عقد اجتماعي عربي جديد تحتاج إلى إعادة تمحيص، ليس لأنها خاطئة، إنما لأن التطورات السياسية منذ صدور الكتاب خلقت سياقًا جديدًا ومختلفًا عن الذي صدر فيه الكتاب.
  10. 105  يقول عبد الإله بلقزيز إن سياسات الدولة العربية التسلّطية قوّضت شرعيتها ومشروعيتها، وأدّت إلى هشاشتها وهشاشة المجتمع أيضًا. ينظر: عبد الإله بلقزيز، الدولة والمجتمع: جدليات التوحيد والانقسام في الاجتماع العربي المعاصر (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2008)، ص 73-57.

الانهيار المديد يدعو حازم صاغية، في كتابه 2013()، إلى ضرورة التمييز بين مستويين: "مستوى طلب التحرر والحرية، وهو ما أطلق مخيلة الشعوب العربية، فهبّت إليه، ومستوى بناء الأمم ديمقراطيًا" . فهو بهذه المقولة، يشدّد على عدم تطابق المفهومين؛ لأن المفهوم الأول، الحرية، هو مفهوم طبيعي، حق طبيعي إنساني، في حين أن المفهوم الثاني، الديمقراطية، هو شكل من التنظيم السياسي الذي لا يمكن أن يتم إّل ابتوافر المفهوم الأول، أي الحق في الحرية. ولهذا نجد تطابقًا ضمنيًا مع الفرضية المطروحة المتمثلة في أن المطلب الثوري العربي بالحرية والكرامة هو مطلب العودة إلى السياسة والحق في الممارسة السياسية الذي لا يكون مضمونًا إّل ابضمان هذه الحقوق الإنسانية. ونظرًا إلى فرضيتنا الأساسية في هذا البحث، فإن تحقيق الديمقراطية يستلزم أولًا"العودة إلى السياسة" لتكون أرضية حاِمِلة نظريات وأفكارًا سياسية جديدة، مُتِ هِد للانتقال السياسي، وَتَدُرُس متطلّباته ومقوّماته، وُتَُحَِّدِد أبعاده ومضامينه.

خاتمة

حاولت هذه الدراسة تقديم قراءة جديدة لثورات الربيع العربي، بعيدًا عن التقييمات السوسيولوجية المرتكزة على توصيف الوضع الواقعي، من دون مراعاة الإنجازات غير المادية لهذه الثورات، وذلك بعد توجيه النقد إليها بالفشل في تحقيق التغيير السياسي والانتقال الديمقراطي. وجادلت الدراسة بأن التقييم المعتمد على ثنائية النجاح/ الفشل لا يمكن أن يكون المعيار الوحيد لقياس نتائج الثورات العربية. وبدلًامن ذلك، اقترحت مدخلًامفهوميًا جديدًا لدراسة حالة الثورات العربية من خلال المضامين الثورية القيمية وما تعنيه، والمجال الذي يمكن أن تدفع فيه بالوعي الجمعي نحو ثقافة سياسية جديدة. ناقشت الدراسة بدايةًالأبعاد السياسية والاجتماعية لثورات الربيع العربي للوصول إلى نقطة متعلقة بتعريف الثورات العربية على أنها ثورات سياسية إصلاحية، حيث يؤكد ذلك أهمية المضامين السياسية للحراك الشعبي العربي، أولًاثورة سياسية، وهدفه بالدفع في اتجاه التغيير السياسي والاجتماعي، وثانيًا إصلاح. وفي مقابل رفض الدراسة لتقييد مفهوم الثورة بالمعايير السوسيولوجية، مثل تغيير النظام السياسي، وضعت مقاربة نظرية تتضمن تصورات معيارية - أنطولوجية وأفكارًا سوسيولوجية - وصفية. بالنسبة إلى الحالة العربية، توجد أسباب عديدة أدّت إلى عدم نجاح الثورات في تنصيب أنظمة حكم جديدة، فالوصول إلى هذا الهدف يتطلّب وجود قوة أو جماعة ثورية ذات برنامج سياسي واضح الرؤية وذات قدرة على توّل يمسؤوليات السلطة والإدارة في المرحلة المقبلة. لم تكن هذه الحال بالنسبة إلى الثورات العربية، وهذا يُثِبِت أن هدفها كان تأكيد الشروع في إجراءات إصلاحية، وليس مجرد استبدال سلطة بسلطة. ولا يتمثّل مطلب الإصلاح هذا بالضرورة في الانتقال الديمقراطي، لكنه لا يستبعده، لأن للحقل الخاص بالانتقال الديمقراطي شروطه ومحدداته التي تختلف عن تلك المتعلقة بالثورة الشعبية العفويّة. ركّز الخطاب الثوري في الحالة العربية على محورين على نحٍوٍ خاص: رفض السياسة الاستبدادية للدولة أولًا؛ وإعلاء قيمة وحقوق الإنسان/ المواطن ثانيًا. ومن خلال هذا الخطاب، شكّلت هذه الثورات نقطة تحوّل تاريخية من خلال تأكيدها وجود المجتمعات العربية فاعلًافي العملية السياسية بعد إقصائها طوال عقود؛ أي إنها وضعت يدها على خلل سياسي في ميزان العلاقة بين السلطة والشعب، وبادرت بإصلاحها وإعادتها إلى طبيعتها، وهي ما سمّيناها "العودة إلى السياسة" التي تضع "دولة الأمر الواقع" على المحكّ بتقويض شرعيتها، وبالدعوة إلى التفكّر في نظام سياسي - اجتماعي جديد يقوم على التفاعل الإنتاجي بين الدولة والمجتمع، وينظم مختلف العلاقات الاجتماعية في إطار عقلاني. تعني العودة إلى السياسة حق الفرد في القيم السياسية الكونيّة، مثل الحرية والكرامة والمشاركة، وهي تمثّل بذلك شرطًا أَّوَليًا للانتقال السياسي والديمقراطي.

  1. حازم صاغية،  106 الانهيار المديد: الخلفية التاريخية لانتفاضات الشرق الأوسط العربي (بيروت: دار الساقي، 2013)، ص.13

المراجع

العربية

أرندت، حنة. في الثورة. ترجمة عطا عبد الوهاب. مراجعة رامز بورسلان. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2008 الاستبداد في نظم الحكم العربية المعاصرة. علي خليفة الكواري (محرر.) ط 2. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2006 الأنصاري، محمد جابر. كتوين العرب السياسي ومغزى الدولة القطرية: مدخل إلى إعادة فهم الواقع العربي. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1994. العرب ومشكلة الدولة. بيروت: دار الساقي الأيوبي، نزيه.،.1992 ________. تضخيم الدولة العربية: السياسة والمجتمع في الشرق الأوسط. ترجمة أمجد حسين. بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2010.]1994[بشارة، عزمي. في الثورة والقابلية للثورة. ط.3 الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2016 ________. الانتقال الديمقراطي وإشكالياته: دراسة نظرية وتطبيقية مقارنة. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2020 ________. مسألة الدولة: أطروحة في الفلسفة والنظرية والسياقات. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2023. ________. الدولة العربية: بحث في المنشأ والمسار. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2024 بلقزيز، عبد الإله. الدولة والمجتمع: جدليات التوحيد والانقسام في الاجتماع العربي المعاصر. بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر،.2008 تأملات. دمشق: دار الفكر بن نبي، مالك.،.1979 ________. شروط النهضة. ترجمة عمر كامل مسقاوي وعبد الصبور شاهين. دمشق: دار الفكر،.1986 بودراع، أحمد. "فشل ثورات الربيع العربي: محاولة للفهم." جيل الدراسات السياسية والعلاقات الدولية. العدد). 2017(11 بيات، آصف. ثورة بلا ثوار: كي نفهم الربيع العربي. ترجمة فكتور سحّاب. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2022 الجابري، محمد عابد. الدين والدولة وتطبيق الشريعة. سلسلة الثقافة القومية 29. قضايا الفكر العربي.4 بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1996. الدولة الوطنية المعاصرة: أزمة الاندماج والتفكيك. أحمد عوض (محرر.) سلسلة كتب المستقبل العربي الرحمون 58. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2008 حجازي، مصطفى. التخلف الاجتماعي: مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور. بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2001. ________. الإنسان المهدور: دراسة تحليلية نفسية اجتماعية. بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،.2005 سلامة، غسان. نحو عقد اجتماعي عربي جديد (بحث في الشرعية الدستورية.) بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.1987 شميت، كارل. مفهوم السياسي. ترجمة سومر المير محمود. القاهرة: مدارات للأبحاث والنشر،.2017 صاغية، حازم. الانهيار المديد: الخلفية التاريخية لانتفاضات الشرق الأوسط العربي. بيروت: دار الساقي،.2013 عباس، مكرم. "مفهوم السياسي في الفكر الإسلامي: ما هي السياسة؟." ترجمة محمد الحاج سالم. ترجمات. مركز نهوض للدراسات والبحوث 2022/7/19. في https://acr.ps/1L9GPOZ:. عبد اللطيف، كمال [وآخرون.] الانفجار العربي الكبير: في الأبعاد الثقافية والسياسية. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2012 عمري، محمد عبد الهادي. "حالة الاستثناء والإنسان المستباح عند تبّين. مج جورجيو أغامبين." 12، العدد 48.)2024(غّل اب، عبد الكريم. أزمة المفاهيم وانحراف التفكير. سلسلة الثقافة القومية.33 بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.1987 غليون، برهان. نقد السياسية: الدين والدولة. ط.4 بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،.2007 نصار، ناصيف. الديمقراطية والصراع العقائدي. بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر،.2017 هنتنجتون، صمويل. النظام السياسي في مجتمعات متغيرة. تصدير فرانسيس فوكوياما. ترجمة حسام نايل. بيروت: دار التنوير للطباعة والنشر، 2017.]1968[

الأجنبية

Agamben, Giorgio. State of Exception. Kevin Attell (trans.). Chicago: University of Chicago Press, 2005. Alianak, Sonia L. The Transition towards Revolution and Reform: The Arab Spring Realised? Edinburgh: Edinburgh University Press 2014. Arendt, Hannah. The Human Condition. 3 rd ed. Chicago: University of Chicago Press, 1970. Baker, Keith Michael & Dan Edelstein (eds.). Scripting Revolution. Palo Alto: Stanford University Press, 2015. Bedorf, Thomas & Kurt Röttgers (eds.). Das Politische und die Politik. Berlin: Suhrkamp Verlag, 2010. Bellin, Eva. "The Robustness of Authoritarianism in the Middle East: Exceptionalism in Comparative Perspective." Comparative Politics. vol. 36, no. 2 (2004). Brownlee, Jason, Tarek Masoud & Andrew Reynolds. "Tracking the 'Arab Spring': Why the Modest Harvest?" Journal of Democracy. vol. 24, no. 4 (2013). ________. The Arab Spring: Pathways of Repression and Reform. New York: Oxford University Press, 2015. Caldwell, Peter C. Popular Sovereignty and the Crisis of German Constitutional Law: The Theory and Practice of Weimar Constitutionalism. Durham/ London: Duke University Press, 1997. Cole, Juan. The New Arabs: How the Millennial Generation is Changing the Middle East. New York: Simon & Schuster, 2014. Chartier, Roger. The Cultural Origins of the French Revolution. Lydia G. Cochrane (trans). Durham/ London: Duke University Press 1991. Csicsmann, László & Erzsébet N. Rózsa. "Authoritarian Resilience and Political Transformation in the Arab World: Lessons from the Arab Spring 2.0." International Journal of Euro-Mediterranean Studies. vol. 15, no. 1 (2022). Dabashi, Hamid. The Arab Spring: The End of Postcolonialism. London/ New York: Zed Books, 2012. Dunn, John. Modern Revolutions: An Introduction to the Analysis of a Political Phenomenon. 2 ed ed. Cambridge: Cambridge University Press, 1989 [1972]. Easton, David. A Systems Analysis of Political Life. New York: John Wiley and Sons, 1965. El-Affendi, Abdelwahab & Khalil Al Anani (eds.). After the Arab Revolutions: Decentering Democratic Edinburgh Edinburgh: Theory. Transition University Press, 2021. Etzioni, Amitai. The Active Society: A Theory of Societal and Political Processes. New York: The Free Press, 1968. Feldman, Noah. The Arab Winter: A Tragedy. Princeton: Princeton University Press, 2020. Francisco, Ronald A. "The Relationship between Coercion and Protest: An Empirical Evaluation in three coercive States." Journal of Conflict Resolution. vol. 39, no. 2 (1995). Freeman, Michael. "Review Article: Theories of Revolution." British Journal of Political Science. vol. 2, no. 3 (1972). Furet, François. Interpreting the French Revolution. Elborg Forter (trans.). Cambridge: Cambridge University Press, 1981 [1978]. ________. "The French Revolution Revisited." Government and Opposition. vol. 24, no. 3 (Spring 1981). Gilley, Bruce. The Right to Rule: How States Win and Lose Legitimacy. New York: Columbia University Press, 2009. Gurr, Ted Rober. Why Men Rebel. Princeton: Princeton University Press, 1970. Goldstone, Jack. "Understanding the Revolutions of 2011." Foreign Affairs. vol. 90, no. 3 (2011).

Idlibi, Qutaiba, Charles Lister & Marie Forestier. "Reimagining Syria: A Roadmap for Peace and Prosperity Beyond Assad." Middle East Institute. 13/1/2025. at: https://shorturl.at/l3TmB Sadiki, Larbi (ed.). Routledge Handbook of the Arab Spring: Rethinking Democratization. London: Routledge, 2014. Kets, Gaard & James Muldoon (eds.). The German Revolution and the Political Theory. Cham: Palgrave Macmillan, 2019. Kimmel, Michael S. Revolution: A Sociological Interpretation. Oxford: Polity Press, 1990. Kratsev, Ian. "From Politics to Protest." Journal of Democracy. vol. 25, no. 4 (2014). Krej č í, Jaroslav. Great Revolutions Compared: The Search for a Theory. Brighton: Wheatsheaf Books, 1983. Lawson, George. "Revolution, non-violence, and the Arab Uprisings." Mobilization. vol. 20, no. 4 (2015). ________. Anatomies of Revolution. Cambridge: Cambridge University Press, 2019. Arab Lederer, Emil. Einige Gedanken zur Soziologie der Revolution. Leipzig: Der Neue Geist, 1918. Lenin, V. I. State and Revolution: The Marxist Theory of the State and the Tasks of the Proletariat in the Revolution. Special Edition. New York: International Publishers, 1935. Liebert, Arthur. Vom Geist der Revolution. 3 Auflage. Berlin: Verlag Rolf Heise, 1919. Linz, Juan. Totalitarian and Authoritarian Regimes. Boulder: Lynne Rienner Publishers, 2000. Lynch, Marc. The new Arab Wars: Uprisings and Anarchy in the Middle East. New York: Public Affairs, 2016. Maboudi, Tofigh. The "Fall" of the Arab Spring: Democracy's Challenges and Efforts to Reconstitute the Middle East. Cambridge: Cambridge University Press, 2022. Menzel, Adolf. Friedrich Wieser als Soziologe. Vienna: Julius Springer, 1927. Michael Robbins, "After the Arab Spring: People Still Want Democracy." Journal of Democracy. vol. 26, no. 4 (2015). Plessner, Helmuth. Die verspätete Nation: Über die politische Verführbarkeit bürgerlichen Geistes. 5 Auflage. Frankfurt am Main: Suhrkamp, 1994 [1935]. Roberts, Adam. "The Fate of the Arab Spring: Ten Propositions." Asian Journal of Middle Eastern and Islamic Studies. vol. 12, no. 3 (2018). Runciman, Walter G. Social Science and Political Theory. 2 ed ed. Cambridge: Cambridge University Press, 1969. Russo, Alessandro. Cultural Revolution and Revolutionary Culture. Durham: Duke University Press, 2020. Schaar, John H. Legitimacy in the Modern State. New Brunswick: Transaction Books, 1981. Debating (ed.). Oliver Schlumberger, Authoritarianism: Dynamics and Durability in Nondemocratic Regimes. Stanford: Stanford University Press, 2007. Skocpol, Theda. States and Social Revolutions: A Comparative Analysis of France, Russia, and China. Cambridge: Cambridge University Press, 2015 [1979]. Smith, Patrick Taylor. "Political Revolution as Moral Risk." The Monist. no. 101 (2018). Stephan, Maria J. & Erica Chenoweth. "Why Civil Resistance Works: The Strategic Logic of Nonviolent Conflict." International Security. vol. 33, no. 1 (2008). Sternberger, Dolf. Drei Wurzeln der Politik. Frankfurt am Main: Insel Verlag, 1979.

Stone, Lawrence. "Theories of Revolution." World Politics. vol. 18, no. 2 (1966). Taylor, Michael (ed.). Rationality and Revolution. Cambridge: Cambridge University Press, 1988. Walt, Stephen. "Revolution and War." World Politics. vol. 44, no. 3 (1992). Wimmer, Hannes. Evolution der Politik: Von der Stammesgesellschaft zur modernen Demokratie. Wien: WUV-Universitätsverlag, 1996.