في الخطاب السياسي العربي المعاصر: بحث في التجربة السياسية الجزائرية من منظور الفلسفة الاجتماعية
الملخّص
لا جدال في أنّ النظر في الخطاب السياسي العربي المعاصر يحيل إلى ما أصاب المجتمعات العربية من تغيّرات وتحّولّات، وذلك منذ ما اصطلح عليه بالنهضة العربية الحديثة واصطدامها بالحداثة الغربية العنيفة مادًّيًا ورمزًّيًا. ولقد شمل هذا التغيّر والتحوّل جوانب ومستويات عديدة، أظهُرُها للعيان لغة الخطاب نفسه، وطرائق تحليل التجارب السياسية التاريخية. ويعنيني في هذه الدراسة أن أحّل ل التجربة السياسية الجزائرية في علاقتها بالسلطوية، سواء من الناحية التاريخية أو الاجتماعية أو الاقتصادية أو السياسية، وقبلها من الناحية النظرية الفلسفية. كلمات مفتاحية: الخطاب، التجربة الجزائرية، الفلسفة الاجتماعية، السلطوية، العلوم الاجتماعية.
On Contemporary Arab Political Discourse: A Study of the Algerian Political Experience from a Social Philosophy Perspective
"التفكير في حدّ ذاته علامة على المقاومة، وجهد لكي لا ننخدع، أو نقع في الأخطاء. لا يعارض الفكر أبدًا الأوامر والطاعة، ولكنه في كل حالة ووضعية يضعهما في علاقة مع مشروع تحقيق الحرية"1
مقدمة
لا جدال في أنّ دراسة الخطاب السياسي العربي المعاصر تحيل إلى مفاهيم سياسية، تحاول تفسير تجارب سياسية. وإذا شئنا أن نعّب ر عن ذلك بلغة تحليل الخطاب 2، فإنّ الخطاب السياسي العربي يشير إلى مجمل الممارسات الخطابية وغير الخطابية التي تكوّن التجارب التاريخية السياسية العربية الحديثة والمعاصرة، وذلك منذ ظهور ما يُعرف باسم الدولة الوطنية أو الدولة القومية أو الدولة-الأمة، ومحاولات تشخيصها بمصطلحات أو ملفوظات سياسية، بلغة تحليل الخطاب، ومنها مفهوم السلطوية Autoritarisme، وعلاقاته المختلفة بالسلطة والهيمنة والحكم وقبلها بالدولة، وذلك منذ القرن التاسع عشر أو ما اصطلح عليه بالنهضة العربية الحديثة واصطدامها بالحداثة الغربية العنيفة مادًّيًا ورمزًّيًا، وما عرفته وتعرفه هذه العملية من تغّي روتحوّل أصاب مختلف جوانب المجتمعات العربية ومستوياتها، ويظهر جليًا في التجارب السياسية وخطاباتها المختلفة، وكذلك في طرائق تحليل هذه التجارب السياسية العربية؛ وهو ما يعني أنّ القضية الرئيسة في تحليل كل خطاب سياسي تتمثل في "التوازن بين التحليل اللساني والتحليل السياسي[...]، وفي الجمع بين النظرية الاجتماعية والنظرية اللسانية" 3. وبالنظر إلى اتساع الموضوع وتعقّده، فإنّني سأكتفي في هذه الدراسة بالنظر في جملة من الأسئلة المحِّدِدة التي يمكن صوغها على النحو الآتي: إذا كان كتاب الدولة التسلطية لخلدون النقيب 4 قد ناقش مفهوم السلطويّة في تجارب مشرقية عربية محددة، وذلك من خلال مقاربة علم الاجتماع السياسي 5، أيمكن اعتبار ما توصل إليه من نتائج ينطبق أيضًا على التجربة الجزائرية 6، أم أنّ هذه التجربة لها خصوصيتها التي تستدعي توظيف المفهوم بمقاربة مغايرة، نصطلح عليها بمقاربة الفلسفة الاجتماعية؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما التحليلات التي قدمها الباحثون حول هذه التجربة في مجالات العلوم الإنسانية والاجتماعية المختلفة؟ وبتعبير آخر، كيف حلّلت الفلسفة الاجتماعية مسألة السلطويّة؟ وكيف أسهم الباحثون الجزائريون من تخصصات علمية مختلفة في تحليل التجربة السياسية الجزائرية؟
أولًا: في المصطلح السياسي
لعل الخطوة المنهجية الأولى المطلوبة هي إجراء فحص دقيق لمسألة المصطلح قبل الشروع في مناقشة المسائل النظرية والعملية لهذا البحث، آخذين في الاعتبار بقاعدتين أساسيتين: الأولى أنّ الاستعمال هو الذي يحدّد في نهاية المطاف دلالة المصطلحات، والثانية أنّ اللغة السياسية لا تدّعي البراءة الأيديولوجية، مثلما هو الحال في بعض المجالات المعرفية، وأنّ مصطلحاتها ومفاهيمها بعيدة عن أن تكون لها دلالة واحدة أو ثابتة. إنّها، بتعبير دقيق، لغة مفتوحة دائمًا للنقاش والاعتراض، وتبدو منفلتة من التحديد العلمي الصارم، ويغلب عليها التعدّد، والتشتت في بعض الأحيان، ومع ذلك، فإنّ هذا الوضع المعرفي للمصطلح السياسي لا يشكّل عيبًا في ذاته. لماذا؟ لأنّه جزء من طبيعة اللغة السياسية، ولأنّه يتعّي ن علينا أّل ا نتعجب من تعدّد تأويلاتها المتصارعة؛ وذلك لأنّ الصفة الأولى للمفاهيم السياسية ليست صفة الوضوح، هذه القيمة العزيزة على العلم في صيغته الطبيعية، بل صفتها الأولى والأساسية هي قدرتها على تسويغ الفعل أو العمل السياسي، وأن تساعد مستعمليها على بناء برامج عمل، وصوغ أيديولوجية سياسية. ثم إنّه إذا كانت المفاهيم السياسية في مجملها غير محَّدَدة بما يكفي، وغامضة نسبيّا، ومتعدّدة وظيفيّا، فإنّ ذلك يعود إلى طبيعتها التكوينية المزدوجة والمتمثلة في طابعها الوصفي والمعياري في الوقت نفسه؛ أي إنها تعّب رعن وقائع اجتماعية وسياسية من جهة، وعن أحكام قيمية وأخلاقية من جهة أخرى. لذا يصعب الاتفاق حول معناها، بحيث يستقر هذا المعنى، ويصبح واضحًا، إّل اباتخاذ موقف بذاته، يرجّح أحد مكوَّنَيها ويفضّ ل حكمًاقيميّا معيّنًا على غيره. وبناء عليه، نستطيع القول، وفقًا لبعض المقاربات التي تقدّمها فلسفة اللغة، ومنها نظرية الاستعمال لفيتجنشتاين، إنّ المفاهيم السياسية مفاهيم مفتوحة Open-ended Ouverts/، لا تفهم خارج
مجموعتها المماثلة أو عائلتها المشابهة Family Resemblance أو تشكيلتها الخطابية Formation Discursive بحسب ميشيل فوكو، وبعلاقاتها الثقافية أكثر من علاقاتها المنطقية التي يكون فيها للتاريخ وأحداثه الدور الأساسي في صوغها. ولذا، فإنّ كل محاولة لوضع حٍّدٍ، ولو نسبًّيًا، لهذا الاختلاف واللبس والتعدّد، لا تحتاج إلى اتخاذ قرارات منهجية علمية فقط، بل تتطلب كذلك اتخاذ مواقف سياسية واعية 7. يتفق هذا التوجه مع ما يراه فيلسوف النظرية النقدية الألماني ماكس هوركهايمر من ضرورة تحليل مفهوم السلطوية ضمن شبكة المفاهيم المشِّكِلة له، وذلك بحكم أنّ المفاهيم العامة لا تكون لها دلالة في النظرية الاجتماعية إّل افي علاقتها بالمفاهيم الأخرى، وبالواقع الذي تعّب رعنه. وهو ما ينطبق على مفهوم السلطوية الذي يجب أّل ا نكتفي بتحديده منفردًا، بل ضمن شبكة العلاقات التي تربطه بغيره من المفاهيم، وبالتجربة السياسية موضوع البحث. فمثلًالا يكفي أن نحدّد السلطوية بأنّها "كل التصرفات الداخلية أو الخارجية، التي بوساطتها يخضع الناس لهيئة غريبة" 8، بل علينا أن ننظر في علاقتها بغيرها من المفاهيم، وبخاصة مفاهيم الهيمنة أو السيطرة Domination، أو الإخضاع Assujettissement، والسلطة، والحكم، وقبل هذا وذاك مفهوم الدولة. وتحقيقًا لذلك، فإنّ أول ما يجب الإشارة إليه هو مساءلة لفظ السلطوية في اللغة العربية، وبعدها النظر في مسألة ترجمته، وذلك لأنّ أغلب المفاهيم المشكّلة للخطاب السياسي العربي المعاصر تنتمي إلى الفكر الغربي الحديث والمعاصر، وتطرح مسائل عديدة في التلقّي والقراءة والفهم، وقبلها في الترجمة والتعريب. ومن هذه الألفاظ لفظ السلطوية الذي هو مصدر صناعي من تسُّلُط 9، أي القهر والتحكّم والسيطرة والهيمنة، وهو اسم منسوب إلى سُْلَْطَة المشتق من "الَّسَْلْط" و"الَّسَليط"، أي الشديد، ومنه الُّسُلطة التي تعني "السهم الدقيق الطويل" 10، و"الَّسلَاطة" التي تعني القهر. ومنها "الَّسَِلِط" و"الَّسَليط" أي الطويل اللسان. ويشتق من الَّسَليط كذلك الُّسُلطان الذي يعني "ما يضاء به"، ولذا قيل إنّ "الزيت سليط"، كما يفيد لفظ الُّسُلطان الحجّة، وذلك بحكم أنّ السلاطين "هم الذين تقام بهم الحجة والحقوق.[...]والُّسُلطان قدرة الملك، وقدرة من جعل ذلك له، وإن لم يكن مِلِكًا كقولك: 'قد جعلت له سلطانًا على أخذ حقي من فلان.' وسلطان كل شيء، شَِّدَته وِحَِّدَته وسْطْوُتُه" 11. ولقد وردت في القرآن الكريم كلمة سُلطان في أكثر من آية، وإْنْ لم ترد كلمة سُلطة، مع العلم أنّ الجذر اللغوي للُّسُلطة والُّسُلطان واحد في اللغة العربية، وهو على غير ذلك في اللغة الفرنسية على سبيل المثال. ويمكننا القول إنّ خلاصة هذه المفردات ومعانيها نجده في مصطلح السلطوية الذي يشير في الفكر السياسي المعاصر إلى نظام سياسي يحتكر السلطة ويمارس التّسُّلُط ويحكم بالتعُّسُف، مع أنّ هذا المصطلح، في صيغته الجديدة، يعكس جانبًا من ترجمة الفكر الغربي إلى الفكر العربي. ومن المعلوم أنّ جهازنا المفاهيمي العربي المعاصر ينتمي في أغلبه إلى الفكر الغربي الحديث والمعاصر، ومن هذه الألفاظ التي تعنينا لفظ Autoritaire الذي تُرجم بلفَظَي التسُّلُط أو الُّسُلطوي، ولفظ Autoritarisme الذي تُرجم ب: الُّسُلطوية، والتسلطَّيَة، والنزعة السلطوية، وكذلك الحال بالنسبة إلى مصطلح autoritaire Etat الذي تُرجم بالدولة الُّسُلطوية، ومنه أيضًا Autoritaire/ Regime Autoritaire Système الذي تُرجم بالنظام الُّسُلطوي. وفي هذا السياق، يجب الإشارة إلى أنّ الألفاظ السابقة إذا كانت تتفق في مصدرها المتمثل في لفظ Autorité الذي يتُرجم بالُّسُلطة، وذلك على الرغم من تفاوتها في الدلالة، فإنّ المشكلة التي يطرحها هذا اللفظ الأخير تتمثل في تداخله مع لفظ آخر هو Pouvoir الذي يتُرجم أيضًا ب: السلطة والقدرة والقوة. وهنالك من يترجم الكلمتين الفرنسيَتيَن معًا /Pouvoir Autorité بلفظ واحد هو الُّسُلطة 12، في حين أنّ هنالك من يترجمهما بكلمتين مختلفَتيَن هما: سُلطان بالنسبة
إلى كلمة Autorité، وُسُلطة بالنسبة إلى Pouvoir أو العكس، مع بعض الإضافات 13. وإذا كان لكل ترجمة أسبابها اللغوية، بحسب وجهة نظر المترجم، فإنّ الذي يعنينا هو الإشارة إلى سمَتيَن أساسيَتيَن، هما: التداخل الاصطلاحي القائم بين الكلمتين، سواء من جهة الترادف، أو من جهة بعض العناصر المكوِّنة لهما، كالقدرة والحجة. الفرق الدلالي الحاسم بينهما والمتمثل في الحق وال ورررة بالنسبة إلى لفظ Autorité، والإكراه والقوة والأمر الواقع بالنسبة إلى لفظ Pouvoir. ومع ذلك، فإنّ هنالك من يرى أنّ السُلطة بالمعنى الذي ترتبط فيه بالشرعية والقانون والحق تصاحبها القدرة والقوة: "لأنّ الحكّام لا يستطيعون الاعتماد على السلطة الشرعية وحدها، ولا بد لهم من آن لآخر أن يقهروا" 14. وهذا من الجوانب التي ستكشف عنها النماذج الفلسفية التي سأحاول من خلالها التأسيس لمفهوم السلطوية، وبخاصة في الفلسفة الاجتماعية.
ثانيًا: في المقاربة النظرية
في البداية يجب الإشارة إلى أنّ الغرض من هذا التحليل الأّولّي ليس تقديم دراسة مفصلة عن مسألة النظام الُّسُلطوي في الفلسفة الاجتماعية، وكما حلّلها فلاسفة مدرسة فرانكفورت، وبخاصة الجيل الأول من هذه المدرسة؛ لأنّ نصوصهم وما تطرحه من مشكلات، وما تعرفه من تأويلات وامتدادات، تتجاوز كثيرًا خطة هذا البحث الذي يحاول أن يجيب عن أسئلة محدّدة تتعلق بكيفية معالجة الفلسفة الاجتماعية بما هي مبحث فلسفي معاصر يختلف عن الفلسفة السياسية والأخلاقية في صورتهما التقليدية، وعن العلوم السياسية والاجتماعية على الرغم من العلاقة القائمة بينهما، ومدى إمكانية أن تسهم هذه المقاربة في تحليل التجربة السياسية الجزائرية المعاصرة 15.
1. في الدولة السلطوية
لعل أول نص يفرض نفسه في هذا السياق هو نص هوركهايمر الموسوم ب الدولة السلطوية Autoritärer Staat المنشور عام 194216، وفيه يصف تعاظم دور الرأسمالية والتحّولّات التي طرأت على الطبقة البورجوازية، وبخاصة بعد ظهور الاتحادات الاحتكارية الكبرى Trust، ودور الدولة وجهازها البيروقراطي والصناعي في هذه التحّولّات التي سمحت بظهور ما سماه: "رأسمالية الدولة التي هي الدولة السلطوية في وقتنا الحاضر" 17. وهذا يعني أنّ الدولة السلطوية تتعَّي نبعلاقاتها الاقتصادية المتمثلة في رأسمالية الدولة، ويعدّ النظام النازي الذي حلّل جوانب منه في هذه الدراسة مث لًا نموذجًّيًا على ذلك. على أنّ ما يلفت الانتباه هو أنّ هوركهايمر يرى أنّ البورجوازية التي ارتبط اسمها بالثورة والحرية ارتبط أيضًا بإقامتها للدولة السلطوية. ويمثل ماكسيميليان دي روبسبيير Robespierre de Maximilien، القائد الثوري الفرنسي المعروف، مث لًالعملية تجِ يلالدولة السلطوية، وذلك من خلال تركيزه السلطة في لجنة الخلاص العام، وتفريغ البرلمان من كل سلطاته الأساسية. وهو ما يعني أنّ: "الثورة الفرنسية ذاتها لها وجهها السلطوي" 18، ولكنّ الشكل الأمثل للدولة السلطوية هو شكل "اشتراكية الدولة" 19، لأنّه تحَّرَر من الخضوع لرأس المال الخاص. وهذا يعني أنّ السلطوية قد تكون سمة لنظام سياسي في طور التأسيس، كما هو الحال في الثورة الفرنسية، أو أنه نظام سياسي قائم بذاته، وهو ما تجسد في النظاَميَن النازي والفاشي على حد سواء اللَذَين يشتركان في مجموعة من الصفات، ومنها:. أ القمع النابع من هيمنته المطلقة، ومن تسويغه لفكرة (العدوّ الداخلي) الذي يوجد في كل مكان ولا أثر له في أي مكان في الوقت نفسه.
. ب دور القائد والزعيم، وما يفرضه من طاعة وخضوع 20. تمدّد أشكال التسلّط وتوسّعها، وانفتاح المجال الاجتماعي أمامه.. ج ويعتبر تاريخ المجتمعات الأوروبية شاهدًا على ذلك منذ نهاية العصور الوسطى إلى الوقت الحاضر 21. وهو ما يقرّبه في نظرنا من تحليل فوكو الذي لم يَرَ في عصر التنوير عصر اكتشاف الحرية فقط، بل اكتشاف السجن كما سنبّي نذلك لاحقًا 22. مهما بلغت السلطوية من تمدُد، فإنّ ذلك "لا يمنع المقاومة" 23.. د. ه إذا كان هدف كل مقاومة هو الحدّ من السلطوية، وهو ما يعني القول بالحرية، فإنّ هوركهايمر لا يسمح لنا بالتفاؤل بقدوم عصر الحرية؛ لأنّه كما يقول: "لقد اتفقنا حول واقعة أنّ كلمة الحرية يجب أّل اُتُستعمل إّل افي صورتها البلاغية، وأنّ النظر فيها بجدّية يعني الوقوع في الطوباوية" 24. وهذه هي النزعة الريبيّة والتشاؤمية و"غياب الأفق" الذي توقّف عنده كثير من نقاد الجيل الأول لمدرسة فرانكفورت، وعلى رأسهم يورغن هابرماس 25.
2. بين المجتمع والسلطوية
لم يكتف هوركهايمر بدراسة الدولة السلطوية بوصفها نظامًا سياسًّيًا، تجسّد واقعيّا في النازية، بل حاول الوقوف عند جذورها وبنيتها الاجتماعية المتمثلة في العائلة. يقول: "إن معنى السلطة قد ابُتُِكِر في العائلة" 26. ذاك ما قرّره في نصه: السلطة والعائلة، الذي هو مقدمة لكتاب ضخم اشتمل على دراسات ميدانية، وتحليلات نظرية، وشارك فيه فريق كبير من أساتذة معهد العلوم الاجتماعية، وُنشُر بعنوان دراسات في السلطة والعائلة27، مؤكدًا ضرورة إعطاء التحليل التاريخي الكّل يالأولوية، ورفض الأولوية المعطاة للعلاقات الاقتصادية كما ترى ذلك الماركسية. تتطلب هذه الرؤية الكلّية النظر إلى أعضاء المجتمع لا على أساس "السمات أو الطباع النفسية التي أصبحت تاريخية[...]، بل الذي يحدّدهم بشكل مفصلي هو فن الحكم gouverner de L'art، وتنظيم سلطة الدولة، وفي النهاية العنف الفيزيائي" 28. وهو ما يفيد الربط بين العلاقات الاجتماعية والسياسية باسم فنّ الحكم الذي نجده أيضًا عند فوكو باسم الحكمانية Gouverenmentalité التي تعني مختلف فنون الحكم 29. ثم إنّ هذه العلاقة التي تحدّد أعضاء المجتمع بفن الحكم لا ترتبط بالدور الذي قامت به الأخلاق والدين، بل ترتبط بالعنف الذي بوساطته أصبح الناس اجتماعيين ومتحّضر ين، لأنّ ذكرى العنف لا تزال تهدّدهم. وهو ما يحيلنا، مرة أخرى، إلى تحليلات فوكو حول الحرب ودورها في تأسيس السلطة، وبخاصة حرب الأعراق، وتجد سندها المشترك سواء عند هوركهايمر أو فوكو في فلسفة نيتشه التي تؤكد أنّ الذاكرة لا تصنع إّل ابوساطة العذاب، والتضحية، والشهداء، والقرابين 30. وثمة وجه آخر يقرّب بين الفيلسوَفيَن، ويتمثل في فكرة انتشار السلطة في المجتمع، بما أنّ هوركهايمر لا يرى اقتصار العنف والقمع على مؤسسة الدولة، بل يشمل مختلف المؤسسات الثقافية، وكما يقول: "ليس الجهاز القمعي للبيروقراطية هو وحده الذي له مصالح وقوى، بل هنالك أيضًا هيئة أركان لكل المؤسسات الثقافية، وذلك بالمعنى الضيق للكلمة" 31. وهو ما نجده في تحليلات فوكو باسم ميكروفيزياء السلطة Microphysique du pouvoir المنتشر في الجسد الاجتماعي. ولعل في دراسة العائلة، بوصفها نموذجًا للسلطة، ما يؤكد هذا المسعى الذي يريد أن يعطي الأولوية لدراسة السلطة في المجتمع، أو بالأحرى لدراسة السلطة الاجتماعية قبل السلطة السياسية المتمثلة في الدولة. ويتماثل ذلك أيضًا مع دراسة فوكو للسجن الذي هو نموذج لدراسة المجتمع، مع ضرورة تأكيد بعض
وجوه الاختلاف بين النموذجين، سواء من حيث تركيبتهما أو بنيتهما، أو من حيث وظائفهما، ومكانتهما. ففي الوقت الذي تظهر فيه العائلة بوصفها مؤسسة طبيعية واجتماعية وسياسية، فإنّ السجن مؤسّسة سياسية واجتماعية بالدرجة الأولى.
3. بين الهيمنة والسلطة والسلطوية
سواء أكان أصل السلطة العائلة أم السجن، فإنّها ترتبط بالهيمنة Domination، التي تعدّ مقولة أساسية في كل تحليلات مدرسة فرانكفورت، التي استفادت من الدراسات الاجتماعية عند ماكس فيبر أو في النظرية الماركسية، وبخاصة عند أنطونيو غرامشي، وهو ما نلقاه أيضًا عند فوكو الذي يستعمل مفهوم الإخضاع Assujettissement أكثر من استعماله مفهوَمَ الهيمنة، إّل اأن ثمة تقاطعات كثيرة بين المفهوَميَن 32، ليس هنا مجال مناقشتها، بل يجب التأكيد أن الهيمنة تحيل إلى ثلاثة مجالات أساسية هي: أولًا، هيمنة الطبيعة وما تستوجبه من نقد للعقل وتحرر من الخوف وقدرة على السيادة واستعمال التقنية، والعودة إلى مقولة فرنسيس بيكون المعروفة: المعرفة قوة أو قدرة أو سلطة. وثانيًا، هيمنة الإنسان على الإنسان التي تظهر في تقسيم العمل اليدوي والذهني. وثالثًا، الهيمنة على الطبيعة الإنسانية، وهو ما يطرح مسألة الاستعباد الذاتي. ومن البِ نيأنّ الهيمنة في المجاَليَن الأول والثاني لا تتصل بالتسلطية وذلك على عكس المجال الثالث، وأنّ الفارق الأساسي بينهما يتمثل في معيار الشرعية. على أنّ ثمة أوجهًا أخرى للتقارب، ليس فقط بين مقاربة هوركهايمر وفوكو، بل كذلك مع مقاربة حنة أرندت للسلطة، وبخاصة من جهة محاولتها استعادة معناها الروماني مقارنة بمعناها الحديث 33. يظهر ذلك في محاولة هوركهايمر التركيز على بعض السمات العامة والدائمة للسلطة، ومنها أنّ "الغالبية من الناس قد عملت دائمًا تحت قيادة الِقِلّة وأوامرها، وأنّ حالة التبعية هذه قد تُرجمت دائمًا بمفاقمة شروط الوجود" 34، وأنّ العنف ليس وحده هو الذي يؤدي إلى الحفاظ على النظام القائم، بل الناس أنفسهم قد تعلّموا استحسانه وقبوله. وبناء عليه، فإنّ المبدأ العام والأساسي لعلاقة الناس بالسلطة هو أنّهم على الرغم من اختلافهم "عبر المراحل التاريخية، لهم سمة مشتركة، ألا وهي: إنّهم يتحدّدون، في ملامحهم الأساسية، بعلاقة الهيمنة التي تميّز المجتمع في مرحلتهم" 35. وهو ما يعني أنّ الهيمنة هي السمة الأساسية الملازمة للسلطة بمختلف أنواعها، وأنّ "الأمزجة وأساليب التصرف تتميّز بعلاقة الهيمنة التي تشكّل إطار العملية الحيوية للمجتمع" 36. وهذا يعني أنّ الهيمنة لا تتعلق بالسلطة السياسية فقط أو السلطوية، بل تخترق مختلف العلاقات والمستويات الاجتماعية، وأنّها مقولة أساسية في التاريخ، وتؤدي دورًا مقِّرِرًا في حياة الجماعات والأفراد، وفي مختلف المجالات والمراحل التاريخية. ولا يمكن فصل الدولة السلطوية عن السلطة بما هي هيمنة، وفي علاقتها بالبنية الاجتماعية الأولى المتمثلة في العائلة، فالأب يظهر متفِّوِقًا كأمر واقع facto De، وصاحب حق jure De بالنسبة إلى الطفل. يقول: "إنّ هذه الوضعية العائلية، التي تعتبر وضعية محِّدِدة لتطور الطفل، تتضمّن سلفًا البنية السلطوية للواقع الخارجي للعائلة: يجب أن يتقبّل الفرد التفاوت في شروط الوجود التي يجدها في العالم، ويجب عليه أن يخطّ طريقه ضمن الشروط الموجودة، من دون أن يلحق بها الضرر" 37. وبتعبير آخر، إنّ الاعتراف بالوقائع هو اعتراف بسلطتها. ينطبق هذا الأمر على المجتمع البورجوازي في بدايته، مثلما ينطبق على غيره من المجتمعات. يقول: "في بداية العهد البورجوازي فإنّ سلطة الأب كانت شرطًا لازمًا للتقدم" 38. ونقرأ هذا أيضًا في كتاب المجتمع العقابي لفوكو، الذي يصف فيه الإجراءات التي اتخذتها البورجوازية، ومنها تلك التي تفرض على العامل أن يهتم بأسرته، إّل اأنّ ثمة فرقًا أساسًّيًا يتمثل في أنّ هوركهايمر يحلّل هذه الأفكار على مستوى المذاهب والأديان، بينما فوكو يستعمل التاريخ والوقائع المادية. وبتعبير آخر: يحلّل هوركهايمر الأيديولوجيات، في حين يعمد فوكو إلى تحليل التقنيات والآليات والإجراءات التي تحكم السلطة، وفي الوقت الذي يكتفي فيه هوركهايمر بالإحالة إلى دراسات تاريخية واجتماعية، نجد فوكو يجري بنفسه مثل هذه الدراسات التاريخية أو يكتب تاريخ "المجتمع العقابي" 39؛ وهو ما يعني أنّ الاختلاف بينهما يكمن في المقاربة المنهجية، وليس في مضمون القضية المتمثلة في ظاهرة السلطة وبعض سماتها، وأجهزتها، وأشكالها كالسلطوية ومؤسساتها، ومنها مؤسسة العائلة التي تتبع "الديناميكية الكلّية للمجتمع" 40.
غير أنّ السؤال الذي اهتم به هوركهايمر ومَّيَزه، وعمل عليه فريق مدرسة فرانكفورت، هو: ما الذي يمكن فعله أمام ما يُسمّى "غريزة الخضوع"؟ وكيف تصنع العائلة هذه الغريزة في مجاَل ي التربية والتعليم؟ يقول هوركهايمر في هذا السياق: "إنّ تشكّل العائلة لحظة مهمة في مجموع القواعد والقوانين المهيمنة في هذه المرحلة التاريخية" 41. ولذلك لا يتردد في الاعتماد على ما قاله عالم الاجتماع فريدريك ليبلاي Frédéric Le Play في كتابه العمال الأوروبيون Les ouvriers européens من أنّ الإيمان بإله واحد والخضوع للسلطة الأبوية هما "مبدآن خالدان في كل مجتمع" 42، وأنّ الخضوع هو "العنصر الملموس في السلم الاجتماعي" 43. ويؤدي الدين دورًا أساسًّيًا في عملية الخضوع للسلطة، ولكن من المعلوم تاريخًّيًا أنّ للدين وجهه الآخر المتمثل في مقاومة السلطة، وبخاصة السلطة الجائرة، وهو ما يظهر في التجربة التاريخية الجزائرية المعاصرة سواء في عهد الاستعمار أو في عهد الدولة الوطنية 44. ويعني هذا أنّه إذا كانت السلطة ضرورة اجتماعية قبل أن تكون سياسية، وتكون مقبولة كّلمّا كانت شرعية، وتحمل في ذاتها دائمًا الميل نحو التسلّط، فإنّها تختلف عن السلطوية بوصفها نظامًا قهريّا، حيث تكون الهيمنة غير مشروعة، وتفرز ظواهر كثيرة، أبرزها ظاهرة الشخصية السلطوية التي توقّفت عندها مدرسة فرانكفورت بالدراسة والتحليل 45. وتجب الإشارة إلى أنّه إذا كان بحث الشخصية السلطوية خاًّصًا بالتجربة النازية تحديدًا، فإنّ ذلك لم يمنع من الاهتمام بنتائجها. أ وآثارها في مناهضة الديمقراطية، وبخاصة في النظم السلطوية حيث تفرز أفكارًا مناهضة للديمقراطية بأسماء وعناوين مختلفة، ولكنها بأدوار تكاد تكون ثابتة. من هنا، فإنّ السؤال الذي طرحه أدورنو هو: ما الشيء الذي يسهم في تشكيل الفكر المضادّ للديمقراطية؟ 46 سؤال يعنينا في هذا البحث، وبخاصة من جهة التمييز بين المستوى. ب الأيديولوجي ومستوى الحاجات في تحليل الفئات الاجتماعية، وتوظيف العلوم الإنسانية والاجتماعية لهذين المستوَييَن، مع ضرورة الأخذ بالنظرة الكلّية في دراسة هذه الشخصية، وذلك لكونها "تتطوّر في بيئة اجتماعية، ولا يمكنها أن تنعزل أو تنفصل عن الكلّية الاجتماعية التي تتجلى من داخلها" 47. وتؤدي العائلة والتربية والتعليم دورًا محورًّيًا في تكوين هذه الشخصية، كما أشرنا إلى ذلك سابقًا 48. وعلى الرغم من أشكال النقد الموجهة إلى مفهوم الشخصية السلطوية 49، فإنّ عودة الشعبوية Populisme، في صورتها اليمينية واليسارية، تجعلنا نشكّك في قيمة هذا النقد، كما يفرض علينا طرح السؤال الآتي: هل فقد المفهوم هذه الوظيفة في المجتمعات التابعة أو مجتمعات العالم الثالث التي لا تزال تسود فيها النظم السلطوية؟ يبدو لنا أنّ معطيات كثيرة تؤكد أهمية توظيف هذا المفهوم في التحليل الاجتماعي والسياسي للمجتمعات التي لا تزال تخضع للسلطوية، مع الاهتمام بالتطوّرات والتحولات التي عرفتها مختلف مفاهيم مدرسة فرانكفورت في موضوع الدولة السلطوية. وهو ما يحتّم علينا أن ننظر إلى ما قدّمه الجيل الأول من هذه المدرسة من زاوية نقدية، آخذين في الاعتبار التحولات التاريخية والمعرفية في الوقت نفسه، ومدى ملاءمتها لتحليل تجارب تاريخية واجتماعية مغايرة للتجارب التي اهتمّ بها. وقبل هذا وذاك، يتعّي نعلينا أن نشير إلى التطورات التي عرفتها هذه المدرسة نفسها تجاه مسألة السلطوية، وذلك ضمن التحليل العام الذي قدّمناه في الصفحات السابقة، ومنها: تنطلق الفلسفة الاجتماعية مما هو كائن، وليس مما يجب أن يكون، معتمدة في ذلك على ما تقدّمه العلوم الإنسانية والاجتماعية من دراسات ميدانية، مع محاولة فتح آفاق التحوّل والتغيير، من هنا يتبدّى تميُز الفلسفة الاجتماعية بالنقد. مثّل موضوع السلطة والنزعة السلطوية موضوعًا مركزيًا في البرنامج البيني للنظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت، باعتبارها الوجه الأحدث للفلسفة الاجتماعية. ولقد دُرس هذا الموضوع من خلال مقاربات متعددة ومتكاملة: الفلسفة، وعلم الاجتماع،
وعلم النفس الاجتماعي، والتحليل النفسي، والتاريخ، وعلم الاقتصاد، وهو ما سنحاول تطبيقه في القسم الثاني من الدراسة 50.. ج استبعدت الفلسفة الاجتماعية في شكلها الجديد، وبخاصة عند يورغن هابرماس وأكسيل هونيت، إمكانية الثورة، ورجّحت إمكانية الإص حاا، مبيِّنةًالعوائق التي تحول دون إحداث التحولّات الجذرية في المجتمع. من هنا، أصبحت مهمة النظرية النقدية هي دراسة العقبات التي تحول دون الانعتاق، وبخاصة بالنسبة إلى الجيل الأول لهذه النظرية. وهو ما يفرض علينا الإجابة عن سؤال أساسي في بحثنا، ألا وهو: ما تلك العقبات التي تحول دون إحداث التغيير المنشود في المجتمعات التي لا تزال تخضع للنظم السلطوية؟. د إذا كان الجيل الأول من النظرية النقدية قد ركّز على العقبات، فإنّ الجيليَن الثاني والثالث قد أجريا نقدًا لميراث الجيل الأول، واهتمّ بالآفاق الممكنة، وهو ما يظهر بوضوح في نظرية الديمقراطية التداولية عند هابرماس، ونظرية الاعتراف عند هونيت 51. وتكشف هذه البدائل النظرية عن تجاوز إشكالية النظام السلطوي، سواء فُهم منه السلطوية على وجه العموم أو النظام النازي على وجه التحديد. ولا يعود ذلك إلى أسباب نظرية بحتة فقط، بل يعود أيضًا إلى أنّ المجتمع الألماني نفسه قد تجاوز النظام السلطوي النازي، ومن ثم، فإنّه من المنطقي البحث عن آفاق أخرى لمجتمع رأسمالي ليبرالي، شخّص فوكو بعض ملامحه، وذلك في دراسته لليبرالية الجديدة في ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، باسم الليبرالية المنظمة Ordo-libéralisme52. ولكن مفهوم النظام السلطوي لا يزال يستعمل في دراسة كثير من المجتمعات في العالم الثالث، بما في ذلك المجتمعات العربية، ومنها المجتمع الجزائري. وإذا كنّا لا نعيش تحت نظام شمولي على الطريقة النازية أو الفاشية أو الستالينية، فإنّنا لا نزال نرزح تحت وطأة نظم سُلطية، درستها جملة من البحوث التي أُنجزت في مختلف العلوم الإنسانية والاجتماعية، باستثناء الفلسفة السياسية بمنظورها الكلاسيكي التي لا تزال تهتم بما يجب أن يكون، وليس بالوقائع الاجتماعية والتاريخية، أو أنّها تناقشها بقاموس كلاسيكي ضمن التصنيف المعتاد للنظم الاستبدادية، والدكتاتورية، والطغيانية من دون اعتبار لتاريخيتها.. ه لا يمكن فصل مفهوم السلطوية عن السلطة سواء من جهة أصلها، أو بنيتها، أو علاقتها، أو أشكالها الاجتماعية. وهذا يعني ضرورة الأخذ بالنظرة الكلّية وليس الجزئية التي تحصر المشكلة في الجانب السياسي المتمثل في الدولة أو النظام السياسي فقط. وبناءً عليه، يُطَرَح علينا سؤال منهجي وجيه، وهو: ما قيمة إسهام مدرسة فرانكفورت في تحليل الدولة السلطوية، إذا ما قورنت بالدراسات المنجزة في هذا الموضوع والمتعلقة بالتجارب السياسية لمجتمعات العالم الثالث، وتحديدًا في المجتمع الجزائري؟ لا نستطيع الإجابة عن هذا السؤال، ما لم ننظر في الدراسات المنجزة في هذا الموضوع، والمتعلقة بالتجربة الجزائرية على وجه التحديد.
ثالثًا: في التجربة السياسية الجزائرية
لا يخفى على الدارسين ما كُتب عن التجربة السياسية الجزائرية، بمختلف اللغات العالمية، وبخاصة في اللغة الفرنسية، ما يسمح لنا بالحديث عن تراكم معرفي حول تاريخ الجزائر الحديث، والثورة التحريرية، وعمليّات بناء الدولة الوطنية، وإقامة نظام سياسي جزائري. ولا يعنينا في هذا السياق أن نجري عملية إحصائية، أو تصنيفًا لهذه الدراسات، أو سردًا لمضامينها، بل يعنينا النظر في بعض الأبحاث التي ناقشت مسألة السلطوية، وذلك وفقًا لبعض فروع مجال العلوم الإنسانية والاجتماعية، وعلى رأسها التاريخ. ولا يستقيم الحديث عن التجربة الجزائرية من دون الحديث عن التاريخ الجزائري الحديث الذي يتحدّد بخمسة معطيات كبرى، هي: الاستعمار الفرنسي، والمقاومة الوطنية، والحركة الوطنية، والثورة التحريرية، وبناء الدولة الوطنية. ويمكننا القول إنّ مختلف الدراسات التي اهتمت بالتجربة السياسية الجزائرية تستعيد هذه المعطيات التاريخية وتوظّفها في تحليلها لمسألة بناء الدولة الوطنية، وتعيين طبيعة النظام السياسي الذي رُِسِمت معالمه وفقًا لمخططات سياسية كبرى، يمكن إجمالها في مخطَطيَن كبيرين: أولهما، مخطط حََمَل اسم "بناء الدولة باسم الشرعية الثورية" في الفترة 1988-1962، واتبع نظامًا اشتراكيّا (على الطريقة
الجزائرية) 53. ومنذ عام، ش ر 1988 ع في تطبيق مخطط ثاٍنٍ حَمل اسم "بناء الدولة الديمقراطية"، مع أنّ الدولة الجزائرية حملت منذ تأسيسها اسم الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية 54. ومع أنّ هذين المخططين مختلفان في ظاهرهما على الأقل، فإنهما يتضمنان عناصر مشتركة، أهمها عنصر النظام السلطوي، الذي يُدرس بمصطلحات ومفاهيم ومقاربات مختلفة، منها المقاربة التاريخية التي تحتلّ مكانة مركزية سواء من جهة مكانتها في إبستيمولوجيا العلوم الإنسانية والاجتماعية، أو من جهة التجربة السياسية الجزائرية التي يحظى فيها المعطى الاستعماري والحركة الوطنية وثورة التحرير بطريقة واعية أو غير واعية بحضور مكَّثَف في مختلف المقاربات التي تناولت المجتمع الجزائري بالدراسة والتحليل.
1. المقاربة التاريخية
أعتقد أنّ المقاربة التاريخية التي قدّمها المؤرخ الجزائري محمد حربي لها أهمية منهجية ونظرية على حٍّدٍ سواء؛ وذلك لثلاثة أسباب على الأقل: أوّلها، تقديمه دراسة شاملة للتجربة السياسية الجزائرية في المراحل الأولى والثانية والثالثة، أي مرحلة الحركة الوطنية، والثورة. وثانيها، التحريرية، وبناء الدولة الوطنية إلى عام 1988 لأنه كان فاعلًافي المرحلتين الأولى والثانية وفي جزء من المرحلة الثالثة، ما جعل تحليلاته تتسم بسمات الفاعل الواعي، والشاهد، والدارس الناقد، وهو ما يعني من الناحية الإبستيمولوجية تداخل الذاتي والموضوعي، ويطرح مشكلات معرفية وأخرى أيديولوجية يجب الكشف عنها. وثالثها، إنّ كثيرًا من الدراسات التاريخية والاجتماعية والسياسية تحيل إلى تحليلاته، ما جعلها مرجعًا أساسًّيًا في معظم الدراسة للنظام السياسي الجزائري. يعتمد هذا المؤرخ في تحليله النظاَمَ السياسي أو نظام الحكم في الجزائر على أطروحتين: تتمثل الأطروحة الأولى في أنّ الحركة الوطنية الجزائرية في أساسها ذات منزع سلطوي، ويعود ذلك إلى ثلاثة أسباب هي: الاستعمار، والنضال السري وما يفرضه من تنظيم محكم، و"ثقل ماٍضٍ يتجاهل الفرد والحرية، ليفرضا على الحركة الوطنية الشعبية بُنى تأطير سلطويّة، وشكلًاخاًّصًا من العلاقة بالشعب. إنّ الإشارات المستمرة إلى ضرورة حماية التنظيم، تخفي إرادة القيادة والحذر حيال الجماهير" 55. وتقوم الأطروحة الثانية على أنّ البيروقراطية هي التي تشكّل النواة المركزية للسلطوية. يقول: "لم تكن الأزمات والتبّدلّات المتكرّرة في المجال السياسي غير لحظات من تكوين قواعد اجتماعية جديدة هي البيروقراطية" 56. وفي تقديره، فإنّ هذه البيروقراطية أصبحت واعية بمصالحها بعد الانقلاب العسكري في 19 حزيران/ يونيو 1965، مع العلم أنّ حربي كان شريكًا في الحكم المنقَلَب عليه. تعزز معطيات وتحليلات كثيرة هاتين الأطروحتين، منها: إنّ مؤّسسّي جبهة التحرير الوطني الذين فجّروا ثورة التحرير لم يكونوا مدعومين بحركة شعبية، بحكم نضالهم السرّي. لقد عرف حزب "حركة انتصار الحريات الديمقراطية" وريث "حزب الشعب الجزائري"، انشقاقًا في قيادته عام 1953، قاده من جهة زعيم الحزب مصالي الحاج، ومن جهة أخرى اللجنة المركزية أو ما يُعرف ب "المركزيين." وعلى الرغم من محاولات الصلح والوحدة بينهما، فإنّها أخفقت، ما دفع بعض المناضلين المنضّميّن تحديدًا في المنظمة الخاصة شبه العسكرية للحزب، والتي تُعرف اختصارًا ب OS 57، والذين يُعرفون بالناشطين Activistes، إلى إنشاء تنظيم جديد كان وراء اندلاع ثورة التحرير الوطني الذي قادته جبهة التحرير الوطني. من هنا، خلص حربي إلى فكرة تعزّز تحليله للسلطوية في الجزائر. يقول: لمّا لم تكن تُدِّعِمهم، حين دخولهم حلبة الصراع، حركة شعبية دينامية حقيقيّة، استولوا على السّلطة في الحركة عن طريق القوة، واحتفظوا بها عن طريق القوّة. فلّم اكانوا مقتنعين بأنه يلزم العمل بحزم لأجل حماية أنفسهم بوجه خصوم الكفاح المسلح، اختاروا طريق التسُّلُط والاستبداد عن سابق تصور وتصميم. وُرُفعت نزعة السلطة المطلقة إلى مقام المبدأ بوجه نزعات التوفيق والمصالحة. وإْذْ دخلت الساحة فسوف تبقى سِّيِدة فيها 58.
يبدو هذا التحليل في ظاهره متسقًا نظريّا، ولكن بعد تدبّره يطرح سؤال العلاقة بين هؤلاء الناشطين وقواعدهم النضالية، وكذلك مدى الانقطاع الذي يمكن تصوّره بينهم وبين الجمهور، وبخاصة إذا عرفنا أنّ الحزب، حزب حركة انتصار الحريات الديمقراطية، كان شبه سري، ومن ثم، فإنّ تقديم هؤلاء القادة في صورة انقلابّييّن، والتقليل من قيمة الأزمة التي عرفها الحزب، يبدوان انعكاسًا للكتابة التاريخية الآنيّة التي قدّمها حربي أكثر مما يعكسان مقاربة تاريخية تراعي سياق الأحداث ومتطلباتها، وفي مقدّمها مطلب الاستقلال، وضرورة تحقيقه بالوسائل السلمية والحربية على حد سواء، وإّل افكيف يمكن أن نفهم استقبال هؤلاء القادة في المناطق التي عملوا فيها، وقدرتهم على قيادة العمليات الحربية الأولى لولا ما أصبح يُعرف بالحاضنة الشعبية؟ إنّ هذه الأسئلة لا تمنع في تقديرنا من الاستنتاج الذي توصّل إليه حربي، والذي يحتاج إلى تدقيق، وأعني بذلك وصفه جبهة التحرير الوطني بأنّها ليست إّل ا شكلًا من أشكال السلطوية الجديدة و"خليطًا من العتاقة والحداثة Neo-autoritarismeالقمعي بالقوة" 59. فإذا كان من المؤكد أنّ جبهة التحرير خليط من الحداثيين والتقليديين، من التحرريين والمحافظين، فإنّ ذلك يعود إلى أنها جبهة تضمّ مختلف التيارات السياسية الجزائرية، وأنّه ليس مطلوبًا في حالة الثورة أو الحرب التحريرية، وضمن التجربة الجزائرية التي أخفقت فيها حركة انتصار الحريات الديمقراطية في الحفاظ على وحدتها، أن تنشأ جبهة من تيارات متقاربة، بل ما كان يعنيها بالدرجة الأولى هو الاتفاق على الأهداف الكبرى والوسائل الأساسية. ولكن مع ذلك، يجب القول إنّ حربي يجري نوعًا من جينيالوجيا السلطوية في الجزائر، وذلك حينما رأى أنّ الطابع السلطوي للنظام السياسي لا يرجع إلى ظروف اندلاع الثورة التحريرية، وقيادتها من جانب عناصر المنظمة الخاصة فقط، بل إلى الطابع السلطوي للحركة الوطنية، وبخاصة حركة انتصار الحريات الديمقراطية في التجنيد، ومن بعدها جبهة التحرير الوطني 60. وهو ما يعني أيضًا أنّ النظام السياسي في الجزائر ليس إّل اوريثًا شرعًّيًا لهذا الميراث المتكوّن من الحركة الوطنية والثورة التحريرية. ومهما كان الاختلاف في هذا الميراث سواء أكان بين الفاعلين السياسيين أنفسهم أم بين الباحثين والدارسين، حول حقيقته وقيمته، فإنّه يتّسم بثلاث سمات مشتركة أساسية ومتكاملة، وهي السلطوية والشعبوية والريعية 61. ترتبط السلطوية بالشعبوية ارتباطًا عضوًّيًا 62، وتظهر في التجربة الجزائرية مقرونة بالبدايات الأولى للحركة الوطنية، وبأحد تياراتها الأساسية التي قادها حزب "نجم شمال إفريقيا"، وزعيمها مصالي الحاج. وتتميّز هذه الشعبوية بتقديسها للشعب باعتباره الفاعل المطلق في التاريخ، وكذلك لأنّ قيادة هذا الحزب تفتقر إلى الوسائل الفكرية التي تسمح لها بالتفكير النقدي في الإرث الثقافي؛ ما أدّى بها إلى الاستعانة بالأيديولوجيا (المحافظة) المتمثلة في جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وبخاصة بعد الاستقلال 63، إضافةً إلى طبيعة الحزب القائمة على التعبئة الجماهيرية المحكومة بتنظيم مركزي على طريقة الأحزاب الماركسية اللينينية.
2. المقاربة الاجتماعية
يوافق الباحث الجزائري في علم الاجتماع السياسي لهواري عدّي هذا الطرح في عمومه، ليؤكد أنّ الشعبوية في الجزائر لم تكن مفروضة من الأعلى، بل تتّفق مع الثقافة السياسية الجزائرية، وطريقتها في مقاومة الهيمنة الاستعمارية، وذلك من خلال استنادها إلى القيم والفضائل التي حافظ عليها الشعب ويدافع عنها. وهو ما تجسّد في التيار الوطني الشعبوي الذي قاد الكفاح المسلّح، واستولى على السلطة في الاستقلال. وتكمن المشكلة الأساسية لهذه الشعبوية التي أصبحت خطابًا رسمًّيًا في مفارقاته المكشوفة، ومنها على وجه التحديد تلك المفارقة التي "ُتُعلي على نحو مثالي من قيمة وفكرة الشعب على المستوَييَن النظري والخطابي، ولكنها تحتقر المجتمع في الممارسات" 64. ولقد سبق لباحَثيَن فرنسَّييَن أن بَّيَنا، في كتاب لهما عن التجربة السياسية في الجزائر عام 1975، الطابع الشعبوي للنظام السياسي الجزائري، والمتمثل في اعتقاد تفوّق الإرادة الشعبية المرتبطة بالعدل عن بقية القيم والمعايير، وأهمية العلاقة المباشرة بين القائد والشعب، والريبة من المثقفين والسياسيين 65. وإذا كان حربي يصف الحركة الوطنية، وجبهة التحرير الوطني، والنظام السياسي في الجزائر، بالطابع السلطوي، فإنّه يرفض وصفه بالنظام الشمولي Système totalitaire كما حدّدت معالمه أرندت 66، وذلك
لثلاثة أسباب: أوّلها، إنّ إطلاق الصفة الشمولية على جبهة التحرير. أ الوطني مصدره الدوائر الاستعمارية الفرنسية التي كانت تسوّغ ذلك بما كان يُسمّى في ذلك الوقت "يد موسكو" في أحداث الجزائر، وذلك ضمن الصراع القائم بين المعسكَرَين الرأسمالي والاشتراكي في أثناء الحرب الباردة. وثانيها، استعمال الإدارة الاستعمارية الفرنسية. ب لها بوصفها ذريعة لمحاربة الشعب الجزائري المدني والمحارب على حد سواء. وثالثها، إنّ العناصر المحِّدِدة للشمولية لا تتوافر في النظام السياسي الجزائري، إّل ا بنسبة محدودة، تتفاوت بتفاوت مراحل الحكم المختلفة، وبخاصة في الستينيات وإلى نهاية الثمانينيات 67.. ج تتحدّد هذه السلطوية بالطبيعة البيروقراطية لجبهة التحرير الوطني، ولنظامها السياسي الذي ستقيمه بعد الاستقلال؛ إذ إن "جبهة التحرير، هذا الرمز لوحدة كلّف تحقيقها غاليًا، ليست الحزب السياسي الذي كانت تزعم أنّها تمثّله، بل بيروقراطية مدعَّوَة لأن. د تغدو دولة، وتكمن قوّتها في الجهاز العسكري" 68. ولقد تكَّوَنت هذه البيروقراطية عبر مراحل مختلفة، شكّلت ما يسمّيه حربي "الجسم العسكري" الذي يتألف من جيش الولايات (الداخل)، وجيش الحدود (الخارج)، والاستخبارات، والفروع المدنية، وذلك بعد قرار المجلس الوطني لجبهة التحرير الوطني في كانون الأول/ ديسمبر 1959، القاضي بأنّ "جبهة التحرير ليست تجُّمُعًا مؤقّتًا" 69. ومن ثمة جاء رفض التعددية الحزبية، واعتبارها وجهًا مزيّفًا للتعددية الاستعمارية. ولا يتحدّد الطابع السلطوي بالمعطى البيروقراطي ومكوّناته المادية والسياسية، وما نتج منه من اعتماد فكرة الحزب الواحد التي تُعدّ في حدّ ذاتها شكلًامن أشكال التسلّط، بل يتعدّى ذلك إلى التراَثيَن الثقافي والسياسي للشعب الجزائري؛ لأنّ جبهة التحرير ليست إّل انوعًا من "إعادة أشكال سياسية تمدّ جذورها في الماضي البعيد" 70، ما يعني أنّ السلطوية الجديدة لها جذروها في الماضي الثقافي للشعب الجزائري. وهو ما يؤدي بنا إلى القول إنّ تلازم التحليل التاريخي والاجتماعي يكشف عن جملة من العناصر، أهمّها: إقامة نوع من جنيالوجيا السلطوية في الجزائر. يظهر ذلك في محاولة الكشف عن ينابيعها الأولى في الحركة الوطنية، وتشُّكُلها إبّان الثورة التحريرية، وتجُّسُدها في النظام السياسي الجزائري من بداية الستينيات إلى نهاية الثمانينيات. تستند السلطوية السياسية في الجزائر إلى ميراث ثقافي وديني لم يُدرس دراسة نقدية، ولم يقِّدِم حوله حربي إّل اإشارات عامة تحتاج إلى البحث لمعرفة حقيقتها وحدودها ودورها في تعزيز النزعة السلطوية في الحكم الجزائري. يتمثل العنصر التكويني لهذه السلطوية في البيروقراطية التي تعتبر مبدأ لتفسير السلطوية السياسية في الجزائر. وتعود مرجعية هذا التفسير إلى بعض التيارات الماركسية التي حاولت فهم المجتمعات الرأسمالية والاشتراكية ومجتمعات العالم الثالث 71. لا شك في أنّ التفسير وفقًا لمبدأ البيروقراطية يطرح مشكلات منهجية ومعرفية عديدة، سواء داخل التيار الماركسي، كعلاقة البيروقراطية بالتكوين الطبقي للمجتمعات، ونوعية نمط الإنتاج الاقتصادي الذي تعمل فيه، ودورها في الصراع الطبقي،... إلخ. ويثير مشكلات على مستوى علم الاجتماع، وكيفية قراءة النظريات المتعلقة بالبيروقراطية وعلى رأسها ما قدّمه ماكس فيبر، والتطورات المعرفية التي تركّز على الحركات الاجتماعية والفاعلين الاجتماعيين كما يرى ذلك ألان تورين. والحق، فإنّ القول بالبيروقراطية سواء أكان يتمتع بقدرة تحليلية أم لا، لا يُغني عن تأسيس نظرية تفّس رالمجتمع في كلّيته، وهي المهمة التي تضطلع بها الفلسفة الاجتماعية، وهذا ما تبرزه جهود فلاسفة مدرسة فرانكفورت بأجيالها الثلاثة، ومن ثم، ضرورة البحث عن نظرية اجتماعية ملائمة للمجتمع الجزائري. من هنا نرى أنّ ما قدّمه حربي وكذلك عدّي يحتاج إلى مناقشة، لا يتسع لها مجال هذه الدراسة، وبخاصة من جهة التغّي رات التي عرفها هذا المجتمع منذ الاستقلال إلى اليوم. ولعل في الإشارة إلى ما قدّمته الباحثة الجزائرية مغنية الأزرق، التي ترى أنّ القول بدوٍرٍ أكبر للبيروقراطية في مجتمعات العالم الثالث مقارنة بالمجتمعات الصناعية لا يشكّل أساسًا علمًّيًا كافيًا للقول بتحوّلها إلى طبقة، لأنّ البيروقراطية تستخدم "أداة للإنتاج الطبقي وإعادة الإنتاج الطبقي
على السواء" 72. وفي تقديري، فإنّ هذا يعدّ مؤشرًا كافيًا لمعرفة المشكلات النظرية التي يطرحها التحليل التاريخي والاجتماعي، وبخاصة إذا استحضرنا المعطى الأساسي الذي لا يشير إليه حربي وكذلك عدّي، ألا وهو ضرورات بناء الدولة، أو بعبارة دقيقة ضرورات الانتقال من حالة الثورة إلى حالة الدولة، من حالة حرب التحرير إلى حالة بناء الدولة، ودور الإدارة والمؤسسات وأهميتها، وهو ما يستوجب ضرورة التمييز بين السلطوية والدولة.
3. المقاربة الاقتصادية
يقودنا هذا التحليل التاريخي والاجتماعي الأّولّي إلى النظر في الجانب الاقتصادي وعلاقته بالنظام السلطوي، وبخاصة ما تعلق بما يسميه الاقتصاديون الاقتصاد الريعي أو "نظرية الدولة الريعية" التي تستعمل بغرض فهم التناقض القائم بين ضرورة الإصلاح الجذري للاقتصاد الذي يخضع للتبعية شبه الكاملة للمحروقات (البترول والغاز)، والإرادة المعلنة للنخب الحاكمة في البقاء في السلطة بقصد الاستفادة من الريع، وذلك من خلال ما يوفّره الريع من إمكانية "شراء السلم والاستقرار المدنَييَن"، وعلاقة ذلك كله بالنظام الاقتصادي العالمي الذي يظهر، بحسب بعض الدراسات، أنّه يفرض على بعض بلدان العالم الثالث أدوارًا يصعب التخلي عنها. ولا تكمن أهمية هذه النظرية في الكشف عن جانب أساسي من النظام الاقتصادي، بل إن أهميتها تكمن أكثر في المجاَليَن السياسي والاجتماعي، وذلك لأنّ المسَّلَمة التي تقوم عليها هي "ليس للمواطنين المصلحة، ولا القدرة على الثورة للمطالبة بحكومة أكثر انفتاحًا وديمقراطية" 73؛ وذلك لأنّ النخبة الحاكمة توزّع الثروة لشراء السلم المدني، ولأنّ مصادر الثروة لا تأتي من المجتمع، من هنا تستطيع النخبة الحاكمة أّل اتسمح بإحداث التغيير ما دامت الثروة تأتي من الخارج، وبذلك تتحقّق القاعدة القائلة "لا ضرائب لا تمثيل." وإذا حدث وثار المجتمع، فإمّا أن يُستوعب بالوسائل التي يوفرها الريع، وإمّا أن تتكفّل الأجهزة الأمنية المجَّهَزة والمدربة بذلك. ولكن عندما يحدث انخفاض في العائدات، فإنّ مطالب المواطنين ترتفع، وتصبح تنادي بالديمقراطية؛ أي إنّ المواطنين يطالبون بدور مركزي في اتخاذ القرار. وفي الغالب تكون الحلول بالقمع أو بإيجاد مصادر جديدة للتمويل، وكل ذلك من أجل استبعاد العملية الديمقراطية التي تؤدي إلى تداول الحكم، ومشاركة المجتمع في القرار السياسي. والحق، فإنّ ثمة ضروبًا من النقد الموَّجَه إلى هذه النظرية، ومنها القول إنّ الريع لا يقوم بدوره إّل اعندما يكون النظام السلطوي قائمًا أصلًا. وهذا يعني أنّ السياسي سابق ومقِّرِر للاقتصادي، ثم إنّ عملية توزيع الريع تكون في الغالب عملية غير عادلة، وتؤدي إلى تفاوتات اجتماعية، تؤدي إلى معارضة النظام بقدر ما تُنتج حلفاء له. وأكثر من هذا، فإنّ المعارضة لا ترتبط آلًّيًا بارتفاع العائدات النفطية أو انخفاضها، والدليل على ذلك أنّ أحداث "الربيع العربي" في موجته الأولى 2011() وقعت في زمن ارتفاع هذه العائدات، ولكنّ المتأمل فيها قليلًايدرك أنّ بعض الدول البترولية مثل الجزائر استطاعت أن تشتري السلم المدني، أما ليبيا فلم تتمكن من ذلك. لذا يبدو أن دور الريع أكثر تعقيدًا مما يظهر عليه. من هنا خلص باحثان في النظرية الريعية إلى أنّ الجزائر من الوجهة السياسية "بلد تسلّطي بواجهة ديمقراطية تضمن تعُّدُد الأحزاب، وانتخابات دورية، ووسائل إعلام حرة نسبًّيًا" 74. ويقوم فيها الاستقرار الاجتماعي على حركة الريع. ويجد القائمون على السلطة أنفسهم أمام هذا التحدي المتمثل في أنّ التخّل يعن سياسة الريع قد يؤدي إلى انهيار النظام، والبدائل الإنتاجية تتطلب وقتًا لتحقيقها. وكما يقولان: "إنّ التقليل من حالة التبعية للريع يمكن أن تكون له آثار سلبية قد تؤدي إلى سقوط النظام من جهة أولى، ومن جهة ثانية، فإنّ البدائل الاستراتيجية تتطلب وقتًا قبل أن تصبح فعّالة، ولكنّ النخب الحاكمة ليس لها الوقت الكافي لإقناع المواطنين بهذه البدائل، بما أنّهم مطالبون بتقديم تضحيات مع استبعاد مطلب المشاركة السياسية من جهة ثالثة" 75. والحق، فإنّه على الرغم من النقد الموجّه إلى نظرية الدولة الريعية، فإنّها لا تزال تحتفظ بصلاحيتها. ولعل ما يثبت ذلك أنّ الجزائر قد عرفت انتفاضة شعبية دامت أكثر من سنة (انتفاضة 22 شباط/ فبراير 2019)، إّل اأنّ المؤشرات العامة، كما يقول أهل السياسة، لا توحي بأنّ السلطة السياسية على استعداد للدخول في عملية ديمقراطية تشاركية، بل تصرّ على إحداث التغيير داخل أجهزة السلطة نفسها، معتبرة أنّ الأمر يتعلق بنوعية الأشخاص أكثر مما يتعلق بالنظام نفسه، وأنّ تغيير بعض القواعد لا يعني تغيير النظام، وذلك على الرغم من إدراك النظام السياسي الجزائري ضرورَةَ حسم مسألة الشرعية، وهو ما يؤكده خطابه الرسمي المعلن.
4. المقاربة السياسية
تمثّل المقاربة الاقتصادية بسلبياتها وإيجابياتها، في تقديري، مدخلًا مناسبًا للنظر في المقاربة السياسية في الجزائر، وذلك من خلال عنصَرَين أساسين. نتوقف في الأول عند المفهوم الإجرائي للنظام السلطوي، ونناقش في العنصر الثاني موضوع الجيش ومكانته ودوره في هذا النظام. ومعلوم أنّ مفهوم النظام السلطوي قد اسُتُعمل في العلوم السياسية لوصف النظم السياسية التي تختلف عن النظاَميَن الديمقراطي والشمولي اللَذَين عرفهما القرن العشرون، وكذلك لتمييزه من الأشكال القديمة المتمثلة في الاستبداد والطغيان والدكتاتورية. ولقد ذهب مجموعة من الباحثين في علم السياسة إلى أنّ النظم السياسية في العالم الثالث لا تستجيب لمعايير النظاَميَن الشمولي والديمقراطي كاملة. ومن هؤلاء الباحث الفرنسي غي هارمي الذي رأى أنّ النظام السلطوي يتحدّد بعنصرين أساسين: أولهما، إنّ علاقة القوة هي التي تحكم الحكّام بالمحكومين، وليس علاقة الإقناع. وثانيهما، الاعتماد على قاعدة أساسية في التسيير قائمة على التعيين وليس على المنافسة بين المترشحين للمسؤوليات العامة. وهذا يعني أنّ الحكّام لا يُخضعون سلطتهم للمنافسة الحقيقية التي تكشف عنها العملية الانتخابية 76. وفي تقديري، فإنّ الباحث فيليب دروز-فانسون قد عّب ربدقّة عن طبيعة النظام السلطوي، حينما قال إنّ السلطوية تتحدّد أساسًا ب "آلية الإقصاء والحدّ من التعددية السياسية" 77. ولا شك في أنّ كل نظام سياسي، بما في ذلك النظام الديمقراطي، يتضمّن قدرًا من الإقصاء، بما أنّ فريقًا معَّيَنًا هو الذي يحكم. ولكنّ الفارق النوعي بين الحالتين، الديمقراطية والسلطوية، يتمثل في أننا في الحالة الأولى لا نملك خيارًا، بما أنّ العملية الانتخابية هي التي تحسم المسألة، وأمّا في الحالة الثانية فإنّ الإقصاء مقصود ومدروس ومخَّطَط له، ويمتلك أجهزة معنيّة بعمليات الفرز والتنقية والتطهير؛ أي بتعبير آخر، إنّ الإقصاء عنصر تكويني في بنية النظام السلطوي، أما في النظام الديمقراطي فهو عنصر عَرضَي. ولكن علينا أن نستدرك لنقول إنّ النظام السلطوي لا يعمل فقط بآلية الإقصاء، بل يعمل بآلية الاحتواء أيضًا، وإنّه من هذه الناحية نظام منتج وفقًا لمفهوم السلطة عند فوكو، مع التشديد على أنّه لا يمكن اعتبار المتحالفين أو المتواطئين مع هذا النظام شركاء بالمعنى الدقيق للمشاركة السياسية واتخاذ القرار، بل هم شركاء في التطبيق؛ لأنّ النظام السلطوي يعمل وفق منطق العصبيات، والتراتبية أو التراتبية العصبية، ومن ثم، ليست كل العصبيات قادرة على صنع القرار، وبخاصة القرار الاستراتيجي الذي تحدّده مجموعة محَّدَدة. ويمكنني أن أضيف إلى آليَتَي الإقصاء والاحتواء آلية أخرى ملازمة لهما، وهي آلية الإنكار والنفي، وبخاصة على مستوى الخطاب الرسمي الذي يعمل بهذه الآلية إلى درجة العبث. ويعتبر الخطاب الإعلامي الرسمي مث لًالهذه الآلية، لأنّه ينكر حتى الوقائع المادية الجارية في المجتمع، بل ينكر وجود بعض مكوّنات المجتمع، كما ينكر المعطيات الاقتصادية (السلبية)، أو غيرها من المعطيات، بحيث يمكننا القول إنّ آلية الإقصاء لا يمكن أن تعمل إّل اوفقًا لآلية الإنكار التي لا تعترف بالوقائع والحقائق والحقوق إّل ا بصورة انتقائية، وبما يخدم مصالح النظام السلطوي واستمراريته. ومن ثم، ستظل الحرية تهديدًا مباشرًا لكل نظام سلطوي. ولقد سبق لفوكو أن شخّص في دراساته التاريخية عمليات الإقصاء التي تلحق بالأقليات والمهمشين، منِّبِهًا إلى ضرورة التمييز بين الإقصاء على مستوى التمثلات والتصورات، والإقصاء الذي تمارسه السلطة في المجتمع 78. وإذا عرفنا أنّ السلطة تنتشر في الجسد الاجتماعي، عرفنا أنّ المجتمع يمارس الإقصاء أيضًا، بل إنّ بعض التحليلات النقدية ترى أنّ مفهوم السلطة عند فوكو يعكس مفهومه للمجتمع. وسواء أصَّحَت هذه التحليلات أم لم تصحّ، فإنّه يجب التأكيد أنّ المجتمع يمارس الإقصاء أيضًا، وأنّ النظام السلطوي يستند إلى المجتمع ليعزز عمليات الإقصاء، بحيث يتحوّل إلى مرض اجتماعي أو باثولوجيا اجتماعية، بحسب تحليلات هونيت، ويعزز تحالفاته مع الاتجاهات التسلطية الفاعلة في المجتمع. ويحتل الجيش أو مؤسسة الجيش في بنية النظام السلطوي مكانة مركزيّة ومقِّرِرة، علينا أن نناقشها من خلال رأَييَن فقط، على الرغم من الاهتمام الكبير الذي يثيره هذا الموضوع في كل نقاش متعلق بالتجربة السياسية الجزائرية. ولكن قبل ذلك، علينا أن نشير إلى قاعدة منهجية عامّة، ولكنها ضرورية لكي يستقيم هذا النقاش، وهي أنّ الجيش يرتبط دائمًا بالسياسة، بما أنّه مؤسّسة من مؤسّسات الدولة المعنيّة بمسائل الأمن والدفاع 79، وليس بين هذه المسائل والسياسة جداٌرٌ سميك يفصل بينهما. يقول عزمي بشارة: "لا يوجد جدار فاصل بين الجيش والسياسة بحكم تعريفهما. وللجيوش في الدول النامَيَة والمستقَّلَة دور في بناء الدولة، وفي فرض تماسكها قبل أن تنجز مرحلة بناء الأمة" 80. ويعني هذا أنّ ثمة علاقات متعدّية بينهما، ومن ثم، فإنّ
المشكلة متعلّقة بطبيعة العلاقة ذاتها: أهي علاقة قائمة على ما يقرّره الدستور الذي يحدّد مجال كل مؤسسة من مؤسسات الدولة، أم على نوع من الهيمنة تمارسه المؤسسة العسكرية على بقية المؤسسات؟ هذا من الناحية القانونية الصورية، أمّا من الناحية العملية، فإنّه من المهمّ أخذ بعض المعطيات التاريخية والواقعية في الاعتبار. ضمن هذا الطرح العامّ يرى عبد الحميد مهري أنّ مكانة الجيش الجزائري ودوره يجب أن ينظر إليهما من خلال التجربة التاريخية للمجتمع الجزائري في صراعه مع الاستعمار، وفي محاولة بنائه لدولته المستقلة. يقول: الظاهرة العسكرية في الجزائر قد تمِّثِل حالة فريدة تجَّمَعت فيها عدّة عوامل وصفات منها ما تشترك فيه مع غيرها، ومنها ما تنفرد به. فهي لم تأت نتيجة انقلاب، بالرغم من أنّ بعض مراحل تطوّرها[...]كان يتسم بسمات الانقلاب، بل إَّنَها نشأت وتطوّرت على مراحل، وتغذّت من أوضاع سياسية مختلفة، مدّة تزيد [على] نصف قرن. فهي ظاهرة تراكمية، متصلة بتاريخ الحركة الوطنية في الجزائر، وبالتطورات السياسية في المنطقة العربية 81. يلخّص هذا النص ما سبق أن أشرنا إليه في موضوع تشكّل النزعة السلطوية في الجزائر، مع التركيز على مؤسسة الجيش التي تجد جذورها الأولى في المنظمة الخاصّة، والأزمة التي فجّرتها عملية اكتشافها من جانب السلطات الاستعمارية، وما ارتكبت فيها من أخطاء في معالجتها، كانت لها آثار "نفسية انعكست على مجمل أعضاء المنظمة الخاصّة والقيادة السياسية للحزب" 82. ومن المعلوم أنّ بيان أول نوفمبر 1954 الذي أعلنته جبهة التحرير الوطني قد تبعه إعلان آخر بتوقيع جيش التحرير الوطني، وهذا ما سماه مهري "ازدواج المسعى" 83. ولقد شملت هذه الثنائية أو "الازدواجية" مختلف الهيئات التي أقامتها الثورة 84. وإذا كان مؤتمر الصومام، المنعقد في 20 آب/ أغسطس 1956، قد أقرّ مبدأ الأوّلية للسياسي على العسكري، فإنّ هذا المبدأ قد أعيد النظر فيه في مؤتمر القاهرة بعد عام من ذلك، أي عام 1957، وجرت التضحية بمهندسه، الشهيد عبّان رمضان. وإذا كانت هذه الوقائع التاريخية أصبحت معروفة في تاريخ الثورة الجزائرية، فإنّ ما أشار إليه مهري جدير بالنظر والاهتمام، ويتمثل في أنّ من نتائج إعطاء الأولوية للعسكري على السياسي في معظم القضايا أن تحَّوَل الأمر إلى ما يشبه قاعدة في التفكير والعمل، مفادها أنّ "الصواب هو دائمًا بجانب الذين يحملون السلاح!" 85. ولعلّ من بين العوامل التي ساعدت على فرض هذه القاعدة، التي تحتكر القوة والحق والعمل والحكم، أنّ ما أشار إليه الباحث الجزائري عبد القادر يفصح عن "إفلاس جبهة التحرير الوطني بوصفها حزبًا، وانتهائها عملًّيًا منذ بروز أزمة صيف 1962 86، التي جعلت مختلف مكوّناته يصارع بعضها بعضًا في سباق محموم من أجل الاستيلاء على السلطة" 87؛ وذلك، لأنّ جبهة التحرير الوطني كانت خليطًا من التيارات السياسية المتناقضة، عّب رعنها مهري الذي كان أمينًا عاًّمًا لحزب جبهة التحرير الوطني في التسعينيات، بصورة بلاغية دالّة، وذلك حينما شبّهها بسفينة سيّدنا نوح عليه السلام. هذا الخليط غير الممزوج، الذي كانت تحكمه وحدة صوريّة متمثلة في مطلب الاستقلال إبان الثورة، انفجر في فجر الاستقلال، تاركًا الساحة للتنظيم الأكثر قوة والمتمثل في الجيش، وجيش الحدود تحديدًا، الذي لم يتردّد في حسم معركة الحكم لمصلحته، مستفيدًا من ضعف التنظيم السياسي ومن قوة الجيش الذاتية، وأكثر من هذا، استفاد من إرهاق المجتمع والشعب طوال حرب دامت ما يزيد على سبع سنوات، وخرج متظاهرًا للمطالبة بالحدّ من الاقتتال على السلطة، رافعًا شعار: "سبع سنين بَركات." وبذلك يتحقق أحد معاني السلطة بما هي قوة في وضع استراتيجي محَّدَد، كما حدّدها فوكو. وإذا كان المجتمع الجزائري من الاستقلال إلى يومنا هذا قد عرف تغيرات كبيرة، وتحديثًا شمل مختلف المجالات، فإنّ التغّي روالتحديث على الصعيد السياسي لم يتحولا إلى تغّي رنوعي، وبخاصة من جهة إنتاج طبقة أو نخبة أو قيادة سياسية تمثيلية قادرة على أن تكون بديلًامقبولًا، تحقّق الحد الأدنى من الإجماع، وتمتلك القدرة على تقديم مشروع سياسي يُخرج الجزائر من أزماتها المتعدّدة، وتعيد
التوزان لمؤسسات الدولة، بحيث لا يكون الجيش "المؤسسة الوحيدة والحقيقية المنظمة[...]، ومن ثمّ فإنّها سواء ابتعدت أو اقتربت، فإنّ ذلك لا يغّي رمن طبيعة السلطة الجزائرية" 88. ويمكن أن تفنّد هذه الطبقُةُ السياسية أطروحَةَ "شعب قاصر يحتاج إلى وصيّ"، أو "شعب غير ناضج للحكم الديمقراطي"، وبناء عليه فإنّ المشكلة، في تقديرنا، اجتماعية قبل أن تكون سياسية. وإجمالًا، فإنّ الناظر في أغلب الدراسات المعنيّة بالجيش الجزائري. أ يستنتج أنّه على الرغم من اختلافها في التأويل والأهداف، فإنّها تشترك في قاعدة أساسية هي الاعتماد على الحجة التاريخية والصورية سواء من أجل تسويغ قيام النظام السلطوي أو من أجل نقده ورفضه. ويمكن صوغ منطوق هذه الحجة على النحو الآتي: أدت الظروف التاريخية إلى أن تكون الأولوية للجيش في الحكم. وبناء عليه، وكما يقول أحد الباحثين العرب، "إنّ تدُّخُل العسكر في السياسة وسيطرته. ب على الحكم يتوقف على النموذج الأم الذي نشأ عليه، وعلى تركيبة المجتمع وفصائله بشكل عام" 89. وسواء قلنا بالحجة التاريخية أو بالحجة الواقعية التي تقول إن الجيش قوة حقيقية وواقعية ووحيدة، فإنّ السؤال الذي يفرض نفسه على الفلسفة الاجتماعية بما هي فلسفة نقدية هو: أعلينا أن نسِّملِ بالحجَّتيَن اللتين تنحّل ان إلى الحجة الاستقرائية، كما يقتضي المنطق، ونضيف إليهما الحجة الصوريّة المتمثلة في القانون الذي يفرضه النظام السلطوي باسم الاحتكام إلى الدستور، أم علينا أن ننقد هاتين الحجّتين بناءً على. ج منطقهما الداخلي، وذلك بالقول إنّ تاريخ المجتمعات ليس ثابتًا ولا قاًّرًا، بل يتغّي رويتحوّل، ومن هنا، فإنّ ما يصلح لمرحلة معيّنة لا يصلح بالضرورة دائمًا؟ هذا بالنسبة إلى الحجة الاستقرائية. وأمّا بالنسبة إلى الحجة الصوريّة، فإنّه يكفي التذكير بعدد الدساتير التي اعتمدها النظام السياسي الجزائري حتى ندرك أهمية مطلب الشرعية الحقيقية والصوريّة في الوقت نفسه 90. من هنا، فإنّ التحليل الفلسفي والتاريخي الذي اعتمدناه في هذه الدراسة يبدو لنا ضرورًّيًا، لأنّه يمكّننا من التحرر من الضرورة التاريخية من خلال المعرفة النقدية بالتاريخ. هذا على مستوى بعض الدراسات التي تناولت التجربة السياسية الجزائرية، أما على مستوى هذه الدراسة فإنّ السؤال الذي يفرض. د نفسه علينا في الأخير، هو: ما الصلة بين الفلسفة الاجتماعية والتجربة السياسية الجزائرية؟ وما القيمة المعرفية التي تميّز مقاربة الفلسفة الاجتماعية في تناولها التجربَةَ السياسية الجزائرية؟ وبتعبير آخر: ما الذي يميّز الفلسفة الاجتماعية من الفروع الإنسانية والاجتماعية التي درست التجربة الجزائرية، وبخاصة علم التاريخ وعلم الاجتماع السياسي وعلم الاقتصاد وعلم السياسة؟ لقد كان هدفنا أن نقدّم تحليلً فلسفيًا لمسألة السلطة والنظام السلطوي باسم الفلسفة الاجتماعية كما حدَدت معالمها الكبرى النظرية النقدية المعاصرة التي تستعين بإسهامات العلوم الاجتماعية والإنسانية في دراستها لعلاقة السياسي بالاجتماعي، وهو ما حاولنا أن نبيّنه في الدراسات التي أنجزها بعض الباحثين في هذا المجال. أهمية طرح سؤال السلطة وليس النظام السلطوي فقط بالنسبة إلى الفلسفة الاجتماعية. فقد يكتفي علم التاريخ، وعلم الاجتماع السياسي، وعلم السياسة، بالسؤال عن طبيعة النظام السلطوي، ولكنّ الفلسفة الاجتماعية تحتاج إلى مساءلة طبيعة السلطة نفسها، وأصلها. من هنا، كانت إحالتنا إلى بعض فلاسفة مدرسة فرانكفورت وفوكو الذين حلّلوا جذور السلطة بغرض فهم أشكال التسلّط في المجتمع والسياسة على حدٍ سواء. على الرغم من أنّ المقاربة المنهجية التي اعتمدناها متعدّدة المشارب، وبخاصة من جهة أعلام مدرسة فرانكفورت وفوكو، فإنّنا حاولنا أن نطبّق قواعد أساسية مشتركة تتمثل في الكلّية والتاريخية والنقدية. وإذا لم نناقش هذه القواعد من الناحية الإبستيمولوجية، فلأننا فضّ لنا إعطاء التطبيق الأولوية في هذه الدراسة، وبخاصة ما تعلّق بالسلطة والنظام السلطوي سواء أكان من جهة علاقتهما بالاجتماعي الذي أشرنا فيه إلى العائلة، والشخصية السلطوية، والطبقة الاجتماعية، مع إقرارنا بأنّ هذا الجانب يحتاج إلى بحوث أخرى، بما أنّ الفلسفة الاجتماعية تقوم على نظرية اجتماعية، أو من جهة بنيتهما السياسية التي ركّزنا فيها على النظام السلطوي في بنيته وتاريخه، وميّزنا فيه بين النظام الشمولي الذي كان هدف تحليلات مدرسة فرانكفورت والنظام السلطوي الذي كان يعنينا في هذه الدراسة. فضّ لنا على المستوى الاصطلاحي استعمال مصطلحات: النظام السلطوي والنزعة السلطوية، ولم نستعمل الدولة السلطوية إلّ في سياقها الخاص؛ وذلك لاعتقادنا أنّ الدولة بما هي كذلك، يجب ألّ تكون تسلّطية. وبما أنّ التسلّط نظام إقصائي، فإنّ الدولة يجب أن تكون بالتعريف دولة جميع المواطنين، ولأن
طبيعة سلطتها Autorité تختلف عن طبيعة السلطة Pouvoir في النظام السلطوي الذي يقوم على الإكراه والقوة، في حين أنّ سلطة الدولة تفترض أن تقوم على الإقناع والشرعية، وعندما يتعلق الأمر بالتجربة الجزائرية، فإنّ ثمة حاجة إلى بناء الدولة الوطنية؛ لأنّ المجتمع الجزائري لم يعرف إلّ دولة الأجانب، على الأقل في العصر الحديث. وهو ما يؤدي إلى طرح إشكالية أساسية مفادها الحاجة إلى بناء دولة القانون والمواطنة.. ه يعتبر النظام السلطوي بحسب تحليلنا حالة مرضية باثولوجية، بالمعنى الذي تقدّمه تحليلات النظرية النقدية، وذلك بحكم آلياته التكوينية ونتائجه العملية التي يغلب فيها الجانب السلبي على الإيجابي، سواء في تحقيق التنمية الاقتصادية الموعودة أو على مستوى المشاركة السياسية وإقامة دولة القانون والحق والمواطنة، وبالأخص فيما يحدثه من معاناة اجتماعية وسياسية لقطاعات واسعة من المجتمع، وما يكتنف خطابه من مفارقات بين الواقع والوعود، وبين المعطيات والتطلعات.. و قد يعترض معترض على هذه القراءة من جهة أنّ البحث اكتفى بتحليل جنيالوجيا النظام السلطوي وآليات عمله، في حين أنّ الفلسفة الاجتماعية معنيّة بحاضر المجتمعات وما تعرفه من تحولّات وصراعات: فكيف يمكن الحديث عن نظام سلطوي من دون الحديث عن المجتمع الجزائري وما يعرفه من تغيّ ات، وبخاصة منذ (حراك) فبراير 2019؟ لا شك في أنّ ثمة جانبًا وجيهًا في هذا السؤال، وهو الاعتراض، إلّ أنّه، في تقديري، ثمة أوجه أخرى يجب الإشارة إليها: أوّلها، إنّ تشخيص بنية النظام السلطوي يعدّ خطوة منهجية أساسية للنظر في البدائل الممكنة. وثانيها، إنّ الفلسفة الاجتماعية بقدر ما تهتم بتشخيص الحاضر فإنّها معنيّة بالكشف عن العقبات التي تحول دون تحقيق التحرر والانعتاق، ويعتبر النظام السلطوي عقبة كأداء، تليها عقبة ضعف النخبة السياسية مقارنةً بأشكال الصراع والنضال التي يخوضها المجتمع الجزائري منذ الاستقلال إلى اليوم. ولا شك في أنّ ثمة عقبات أخرى تحتاج إلى البحث والدراسة، لعلّ الكشف عنها يبدأ بالنظر في هذا السؤال: كيف يتمكّن مجتمع خاض حربًا تحريرية ضد الاستعمار من أن يتحرّر من إكراهاته الداخلية والخارجية، ويمكِّن مواطنيه من تحقيق ذاتيتهم الحرة المستقلة؟
المراجع
العربية
الأزرق، مغنية. نشوء الطبقات في الجزائر: دراسة في الاستعمار والتغيير الاجتماعي- السياسي. ترجمة سمير كرم. بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية،.1980 لوران. مدرسة فرانكفورت آسون، بول-. ترجمة سعاد حرب. بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع،.1990 بشارة، عزمي. الجيش والسياسة: إشكاليات نظرية ونماذج عربية. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،
بغوره، الزواوي. ما بعد الحداثة والتنوير: موقف الأنطولوجيا التاريخية. بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر،.2009 ________. مدخل إلى فلسفة ميشيل فوكو. بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر،.2013 ________. الشمولية والحرية: دراسات في الفلسفة السياسية والاجتماعية. بيروت/ الكويت: دار سؤال وصوفيا،.2018 ________. "الفلسفة الاجتماعية بحث في مفهومها ونظريتها تبُّين. مج وعلاقاتها." 8، العدد 30.)2019(________. "خطاب الشعبوية في الفكر السياسي المعاصر." التفاهم. مج 17، العدد 65.)2019(________. الإسلام والحكم: دراسات في المسألة السياسية في الفكر الإسلامي المعاصر. بيروت: ابن النديم للنشر والتوزيع؛ دار الروافد - ناشرون،.2019 ________. "تحليل الخطاب في فرنسا وألمانيا وبريطانيا: الحالة، تطريس في النقد وتحليل الخطاب. العدد المنهج، الممارسة." 2 (كانون الثاني/ يناير.)2024 بن مخلوف، علي ومحمد الصغير جنجار. مفردات الفلسفة الأوربية: الفلسفة السياسية. الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي، 2012. الجيش والسياسة والسلطة في الوطن العربي. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2002 حربي، محمد. جبهة التحرير الوطني: الأسطورة والواقع. ترجمة كميل قيصر داغر. بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية، 1983.
معجم المصطلحات الفلسفية: فرنسي – عربي. بيروت الحلو، عبده.: مكتبة لبنان، 1994. خليل، خليل أحمد. مفاتيح العلوم الإنسانية: معجم عربي - فرنسي – إنكليزي. بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر، 1989. الخوري، فؤاد إسحاق. العسكر والحكم في البلدان العربية. سلسلة بحوث اجتماعية. بيروت: دار الساقي،.1990 دالون، ميريام ريفولت. سلطان البدايات: بحث في السلطة. ترجمة سايد مطر. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2012 دليل تحليل الخطاب. إشراف ديبورا شيفرن وديبورا تانن وهايدي إ. هاملتون. ترجمة خليفة الميساوي. المنامة: هيئة البحرين للثقافة والآثار،.2019 شاتليه، فرانسوا وأوليفيه دوهاميل وإيفلين بيزيه. معجم المؤلفات السياسية. ترجمة محمد عرب صاصيلا. بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع،.2001 مقدمات لدراسة المجتمع العربي. ط شرابي، هشام. 6. بيروت: دار نلسن،.1999 ________. النظام الأبوي وإشكالية تخلف المجتمع العربي. ترجمة محمود شريح. ط.4 بيروت: دار نلسن،.2000 فروم، إريك. الخوف من الحرية. ترجمة مجاهد عبد المنعم مجاهد. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر،.1972 فوكو، ميشيل. مولد السياسة الحيوية. ترجمة الزواوي بغوره. الدوحة: منتدى العلاقات العربية والدولية،.2018 ________. يجب الدفاع عن المجتمع. ترجمة الزواوي بغوره. الكويت: دار صوفيا،.2020 لالاند، أندريه. موسوعة لالاند الفلسفية. ترجمة خليل أحمد خليل. مج 1. بيروت/ باريس: منشورات عويدات، 2001. لخضاري، منصور. السياسة الأمنية الجزائرية: المحددات -الميادين- التحديدات. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2015 مدكور، إبراهيم. المعجم الفلسفي. القاهرة: الهيئة العامة لشؤون المطابع الأميرية،.1979 موسوعة العلوم السياسية. محمد محمود ربيع وإسماعيل صبري مقلد (محرران.) الكويت: جامعة الكويت،.1994 النقيب، خلدون حسن. الدولة التسلطية في المشرق العربي: دراسة بنائية مقارنة. ط.3 بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2004 نويمان، فرانز. البهيموت: بنية الاشتراكية القومية (النازية) وممارساتها. ترجمة حسني زينة. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2017. هارون، علي. خيبة الانطلاق أو فتنة عام 1962. ترجمة الصادق عماري وآمال فلاح. الجزائر: دار القصبة للنشر،.2003
الأجنبية
Addi, Lahouari. "L'armée, la nation et l'État en Algérie." Confluences en Méditerranée. no. 29 (1999). ________. "Sociologie politique d'un populisme autoritaire." Confluences Méditerranée. vol. 81, no. 2 (2012). Adorno, Théodore W. et al. The Authoritarian Personality. New York: Harper & Brothers, 1950. Arendt, Hannah. La Crise de la culture. Patrick Levy (trad.). Paris: Gallimard, 1972. Cavatorta, Francesco & Belgacem Tahchi. "Politique économique et résilience autoritaire en Algérie Les difficultés de la diversification économique." Études internationales. vol. 50, no. 1 (2019). Chiban, Saïd. L'Algérie entre totalitarisme & populisme. vol. 1: Le temps du parti unique , vol. 2: La fausse ouverture ou l'heure des illusions/désillusions. Paris: L'harmattan, 2016. Droz-Vincent, Philippe. "Quel avenir pour l'autoritarisme dans le monde arabe?" Revue française de science politique. vol. 54, no. 6 (2004). Foucault, Michel. Sécurité, Territoire, Population: Cours au Collège de France. 1977-1978. Paris: Gallimard- Seuil, 2004. ________. La société punitive. Paris: Gallimard- Seuil, 2013.
Franz, Neumann. Béhémoth: Structure et pratique du national-socialisme. Paris: Payot, 1987. Haber, Stéphane. "Pathologie de l'autorité. Quelques aspects de la notion de 'personnalité autoritaire' dans l'École de Francfort." Cités. vol. 6, no. 2
Habermas, Jürgen. Le discours philosophique de la modernité, Douze conférences. Christian Bouchindhomme & Rainer Rochlitz (trad.). Paris: Gallimard,1988. Harbi, Mohammed. L'Algérie et son destin: Croyants ou citoyens. Paris: Éditons Bouchene, 2016. Hermet, Guy. Traité de science politique. vol. 2: Les régimes politiques contemporains. Paris: PUF, 1985. Honneth, Axel. Critique du pouvoir. Marianne Dautrey & Olivier Voirol (trad.). Paris: La Découverte, 2016. Horkheimer, Max. Studien über Autorität und Familie: Forschungsberichte aus dem Institut für Sozialforschung. Lüneburg: Dietrich zu Klampen Verlag, 1987. ________. Théorie critique: Essais. Luc Ferry & Allain Renaut (présentés). Le groupe de traduction du Collège de philosophie et G. Coffin et al. (trad.). Paris: Payot, 2009. ________. Théorie traditionnelle et théorie critique. Claude Maillard & Sibyle Muller (trad.). Paris: Gallimard, 1974. Lefort, Claude. Eléments d'une critique de la bureaucratie. Paris: Gallimard, 1979. Vatin, Jean-Claude & Jean. Leca. L'Algérie politique. Paris: Les Presses de la Fondation nationale des sciences politiques, 1975. Yefsah, Abdelkader. Le processus de légitimation du pouvoir militaire et la construction de l'état en Algérie. Paris: Editions Anthropos, 1982. ________. "L'armée et le pouvoir en Algérie de 1962 à 1992." Revue des mondes musulmans et de la Méditerranée. vol. 65, no. 1 (1992).