الحق في النسيان الرقمي: جدلية الحق والقانون
الملخّص
يعدّ الحق في النسيان الرقمي، بوصفه حق الإنسان في محو بياناته الشخصية التي أوجدها على شبكة الإنترنت في مرحلة سابقة، أحد الحقوق المستحدثة بفعل الثورة الرقمية، التي أفرزت تحّولّات في طبيعة الحقوق وآليات تنظيمها، ويهدف إلى عدم إظهار ماضي الإنسان إلى العلن. وقد أخذ معناه النهائي وطبيعته الخاصة مع التطور الذي واكب العلاقات في العالم الرقمي، وتلُّمُ س المخاطر الناتجة من استمرار استخدام هذه البيانات في علاقات الشركات التجارية، ما يشّك ل تهديدًا لكرامة الإنسان واستقراره وأمنه الاجتماعَيَين. وقد انطلقت مقاربته الأولى من زاوية حماية الحياة الخاصة، ثم أخذ بعدًا مرتبطًا بمرور الزمن على حق الشركات في استخدام البيانات، إلى أن ارتكز حاليا على استعادة المستخدم لدور إرادته بالتراجع عن العقد. ولم يعد هذا الحق صلة وصل بين الماضي والحاضر فحسب، وإنما دخل ضمن هوامش الصلاحيات على المعلومة، سواء الصلاحيات الذاتية أو العقدية. وبهذا المعنى، يطرح ضرورة التوازن بين حقوق الأطراف المختلفة على الشبكة، في مواجهة الصلاحيات الفاعلة عليها، ويعيد النقاش القانوني والحقوقي إلى مرحلة ما قبل ثبوت النظرية الوضعية التقليدية. فلم يعد تنظيمه حكرًا على الدولة، بل أ عيدت قراءة القانون الوضعي في ضوء النظرية الطوعية والنظرية الواقعية، في وقت أصبحت فيه القواعد اللينة منافسة للقوانين في تحقيق التوازن المنشود. كلمات مفتاحية: الحق في النسيان الرقمي، العالم الرقمي، الحوكمة الرقمية، القانون الوضعي، القواعد اللينة.
The Right to be Digitally Forgotten: The Dilemma of Rules and Rights
مقدمة
تكرّس الشرعة الدولية لحقوق الإنسان بوضوح مختلف أنواع الحقوق، سواء بطبيعتيها الفردية أو الجماعية، ووفقًا لتصنيفاتها المدنية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية. وتتألف هذه الشرعة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الصادر في عام 1948، والعهدين الدوليين المتمّمين له، الصادرين في عام 1966. وخلال العقد الأخير من القرن العشرين، أثارت الثورة الرقمية تحولًافي طبيعة الحقوق وأدوات تنظيمها؛ فظهرت مثلًا، إضافة إلى الحقوق التقليدية وتطبيقاتها في العالم الرقمي، حقوق منبثقة من هذا التواصل المستجد، منها الحق في الاتصال الرقمي، والحق في عدم الاتصال، والحق في محو أثر المرء في الفضاء الرقمي، وهو ما يعرف بالحق في النسيان الرقمي. لا يوجد اتفاق على تعريف موحد وثابت للحق في النسيان الرقمي منذ نشأته؛ فقد ارتبط، في مراحله المبكرة، بحماية البيانات الخاصة على شبكة الإنترنت، بموجب نصوص القانون الوضعي. واستمر النقاش حول تحديد مفهومه وخصوصيته وطبيعته القانونية 1، إلى أن أقرته محكمة العدل الأوروبية باعتباره مبدأ قانونيًا مستقلًاعن غيره في عام 2014 2. وقد فرض هذا القرار على محركات البحث التزامًا بعدم الإحالة، أثناء معالجة البيانات، إلى روابط تتضمن معلومات شخصية غير دقيقة، أو أصبحت بلا قيمة، بناءً على طلب المستخدم، ما لم يكن الوصول إلى هذه البيانات مبررًا بالمصلحة العامة. وبناءً عليه، استقر تعريف هذا الحق على أنه التزام محركات البحث بإلغاء الإحالات إلى الروابط التي تتضمن معلومات خاصة، وذلك قبل أن يضمن الاتحاد الأوروبي حق الأفراد في محو بياناتهم الخاصة من الإنترنت 3. ومن ثم، أصبح هذا التعريف هو المعتمد لتحديد معنى الحق في النسيان الرقمي. لم يتبلور هذا الحق بصيغته النهائية، بوصفه حقًا في محو البيانات التي أنشأها الفرد على الإنترنت في مرحلة سابقة، إلا مع التحولات التي واكبت أنماط التفاعل في العالم الرقمي، وبروز المخاطر الناتجة من استمرار استخدام تلك البيانات في أسواق الشركات الربحية المختلفة. فقد كانت المقاربة الأولى لهذا الحق قائمة على حماية الحياة الخاصة، ثم أخذت لاحقًا بعدًا متصلًابمرور الزمن على الحق في استخدام البيانات وتقادمها، إلى أن استقر حاليًا على فكرة "الصلاحية الذاتية" للفرد (المستخدم) على بياناته الشخصية، بما يشمل حقه في طلب محوها أو تعديلها أو تقييد الوصول إليها. وقد أثار هذا الحق اهتمام المستخدمين والقانونيين، نظرًا إلى طبيعة العالم الرقمي وأدواته التقنية، والإمكانيات المتقدمة في مجالات جمع البيانات ومعالجتها وتخزينها والاحتفاظ بها على الخوادم؛ إذ أضحى من الصعب، إن لم يكن مستحيلًا، إزالتها، ومن ثم نسيانها. وتتجلى خطورة هذه الإشكالية في مرحلة تحولت فيها هذه البيانات إلى أحد أصول الشركات وجزء من ثرواتها. ويتعاظم التحدي الأساسي اليوم مع ارتباط أدوات حفظ البيانات ومعالجتها واستخدامها بصلاحيات الشركات الكبرى المزودة بالخدمات الرقمية، واستمرارها في العمل خارج نطاق سلطة الدولة الموكل إليها حفظ الحقوق. وإضافة إلى هذا التداخل في الصلاحيات، تثار مسألة الحق في النسيان الرقمي من حيث طبيعته ضمن منظومة حقوقية متعددة الأبعاد؛ فهو، من ناحية، يعدّ أحد الحقوق الفردية، المرتبطة بالحياة الخاصة والكرامة الإنسانية، أو بحق الفرد في ملكية معلوماته الخاصة واستئثاره بها؛ ومن ناحية أخرى يُنظر إليه بوصفه أحد عناصر الحقوق الثقافية الجماعية، انطلاقًا من اعتبار المعلومات المتعلقة بالأفراد وتراكمها عنصرًا في تكوين الممتلكات الثقافية للجماعات. وفضلًاعن ذلك، فهو يثير مسألة التضارب القائم بين الحقوق الإنسانية في بعديها الفردي (الحق في الخصوصية والكرامة الإنسانية) أو الجماعي الثقافي من ناحية، والحقوق ذات الطبيعة المالية (الحقوق التجارية للشركات أو حق الملكية الفردية) من ناحية أخرى. وبناءً على ذلك، يثير سلوك الأفراد في العالم الرقمي إشكاليات متعددة، من بينها إعادة طرح الأسئلة بشأن قضايا كان يُظن أنها محسومة. وتعود قضايا حقوق الإنسان إلى الواجهة، سواء من حيث التعريف أو التأطير أو الضبط، في ظل التحولات الناتجة من انتشار السياسات النيوليبرالية. وقد أرست الشرعة الدولية لحقوق الإنسان، عقب الحرب العالمية الثانية، قواعد أخلاقية عليا – في الحالات التي لم تتحول فيها إلى قواعد قانونية وضعية – وتركت للدول هامشًا من الصلاحية لتقدير كيفية تطبيقها، مع مراعاة خصوصيات المجتمعات
وثقافاتها. وشكّل الحق في الكرامة الإنسانية المحور الأساسي لمختلف الحقوق، وظل بمنزلة الركيزة التي تدور حولها القراءات اللاحقة لهذه الحقوق، خاصة في مرحلة الجيل الثالث من حقوق الإنسان، ولا سيما تفاعلاتها مع العالم الرقمي. في السياق نفسه، أثارت خوارزميات الشبكات أسئلة متعددة مرتبطة بأمن الدول، نظرًا إلى الأدوات التي تتيحها والمعلومات التي تسهل الوصول إليها، الأمر الذي يجعل من الفضاء الرقمي ميدانًا لعرض معلومات سهلة التداول، لم تكن بالضرورة متاحة في فضاءات التفاعل التقليدية. وقد أصبحت الشركات المطِّوِرة للخوارزميات، بحكم الواقع، شريكًا فعليًا في قرارات الأفراد، وفاعلًامؤثرًا في ممارساتهم 4. إننا أمام نسق جديد من العلاقات والتفاعلات يتطلب إعادة ضبط توازن القوى المؤثرة في العالم الرقمي، لدرء الأضرار الناتجة من استعادة المعلومات، سواء على المستوى الفردي أو الجماعي؛ خاصة أن هذا التوازن محكوم بقواعد ليست محصورة في القوانين الوضعية 5، بل يخضع أيضًا لقواعد أخلاقية فضفاضة ولدور أساسي لما يمكن تسميته "الوعي الذاتي بالمخاطر" المحدقة بالتعامل عبر الشبكة. ويمكن القول، على نحو أساسي، إن الحق في النسيان لم يكن له وجود قانوني قبل ولوجنا العصر الرقمي، نظرًا إلى قدرة القوانين الوضعية على تأمين الحماية للفرد في المجتمع. غير أن هذا التطور يتطلب بالضرورة تحديد أبعاد هذا الحق، ورسم إطاره، وإمكانية حمايته. وانطلاقًا من هذه التوطئة، يثار السؤال التالي: ما التحديات القانونية التي تعترض حماية الحق في النسيان الرقمي، في ظل تعدد المصالح القائمة على الشبكة؟ ومنه تتفرع أسئلة أخرى تحاول الدراسة الإجابة عنها، هي: كيف يمكن تبرير هذا الحق وتحديد أبعاده الحقوقية؟ وما المعايير الفاصلة بين حقوق الشركات، وحقوق الشعوب الثقافية، وحقوق الأفراد في الكرامة الإنسانية والخصوصية؟ وما الإطار القانوني الناظم لهذا الحق في ظل التحولات الراهنة؟ وكيف تنعكس خصوصية العالم الرقمي على تفعيل القوانين الوضعية لحمايته؟ وتجدر الإشارة إلى أن هذه الدراسة تعتمد المصطلح المتداول في اللغة الفرنسية، "الحق في النسيان الرقمي" l'oubli à droit Le numérique، بدلًا من المصطلح المستخدم في اللغة الإنكليزية، "، أو "حق المستخدم في أن يُنسى رقميًا "الحق في أن يُنَس"ى. ويمكن تبرير هذا الاختيار The Right to be Digitally Forgotten بأن الصيغة الفرنسية أدق وأعمق من ناحية الدلالة القانونية والفلسفية؛ إذ لا ينحصر المفهوم في اختفاء معلومات الفرد من الفضاء الرقمي أو من نتائج محركات البحث، بل يشير إلى عملية قانونية قصدية تهدف إلى تمكين الأفراد من استعادة السيطرة على أثرهم الرقمي، وتحديدًا ما يتعلق ببياناتهم ومعلوماتهم الشخصية، التي لم تعد لها صلة بواقع متغير، أو قد تُلحق ضررًا بالخصوصية أو السمعة. وفي حين أن الصيغة الإنكليزية، كيفما تُرِجِمت إلى العربية، توحي بأن النسيان يجري على نحو تلقائي أو طبيعي، وكأنه نتيجة تلقائية للزمن أو التقادم، تبرز الصيغة الفرنسية أن النسيان الرقمي هو فعل مُكتسب، ي ماَرَس بوصفه حقًا قانونيًا، وُيُنَّفَذ ضمن ضوابط محددة وواضحة، إضافة إلى أنها أكثر انسجامًا مع مفهوم الحوكمة الرقمية وحقوق البيانات؛ حيث يُشكّل هذا الحق أحد أعمدة المواطنة الرقمية، ولا سيما في ظل طغيان الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة على تفاصيل الحياة اليومية؛ وهو ما يوفر أيضًا إطارًا نظريًا متينًا لمناقشة قضايا الخصوصية والسيادة الرقمية والهويات الافتراضية، في سياق العلاقة المعقّدة بين الدولة والفرد والشركة التكنولوجية.
أولًا: طبيعة الحق في النسيان الرقمي وتحدياته
تنضوي طبيعة الحق في النسيان الرقمي ضمن إطار الحقوق التي نشأت بفعل الثورة الرقمية، وارتبطت بأنظمة المعلوماتية والإنترنت. وفي إثر ذلك، ارتبط هذا الحق بنوعين من الحقوق: أولهما، الحقوق ذات الطبيعة الإنسانية الخارجة عن الذمة المالية، مثل حق حماية الحياة الخاصة؛ وثانيهما، الحقوق ذات الطبيعة المادية التجارية، مثل الحق في الملكية. وقد أدى ذلك إلى تقاطع في الصلاحيات بين الدول وسياداتها من جهة، والأفراد وحرياتهم، وكذلك الشركات وأدوارها من جهة أخرى. وكل هذه الأطراف تطالب بحقوقها على الإنترنت، فجاء الحق في النسيان الرقمي ليفرض نمطًا جديدًا من المقاربة الحقوقية. فما مبرراته الحقوقية؟ وكيف تنعكس المنافسة بين الحقوق المختلفة على شبكة الإنترنت على تنظيمه القانوني؟
1. المبررات الحقوقية للحق في النسيان الرقمي ومحاولة تحديده
مع نشوء العالم الرقمي، ظهرت هواجس حقوقية أساسية تعكس الانتهاكات التي تهدد الحق في حرمة الحياة الخاصة، وتقوّض
الهوامش المتعلقة بحرية التعبير وتداول المعلومات والحق في الاتصال بالإنترنت 6. وعلى الرغم من أن هذا الحق يرتبط بالضرورة بصاحب البيانات وحقوقه المرتبطة بها، فإن إتاحتها على المواقع والمنصات، وّل ى. أو إدخالها عند التسجيل على الصفحات للاستفادة من خدمات تقنية معينة، يؤدي عمليًا إلى نقل الحق في استخدامها ومعالجتها إلى أطراف أخرى. وهكذا، أصبح حق الإنسان في النسيان الرقمي يتقاطع مع العديد من الحقوق التي سبق تنظيمها في القوانين الوطنية، وازدادت الحاجة إليه تحت تأثير تحولات العالم الرقمي المتسارعة.
أ. أثر العالم الرقمي في تطبيقات حقوق الإنسان
لم يأخذ هذا الحق بعده الحالي إلا مع تزايد المخاطر على حقوق الإنسان، وظهور أشكال استخدام البيانات المتعلقة به في أبعاد متعددة من المساحات، سواء لأهداف سياسية أو اقتصادية، أو أمنية وجرمية. وبات الإنسان مهددًا في استقراره وأمنه وكرامته، وأخذ طرح هذا الحق بعدًا جديدًا يهدف إلى تحكم الإنسان في إمكانية عدم احتفاظ المنصات بماضيه، واستمرار ظهوره في العلن. يتقاطع هذا الطرح مع محورين قانونيين أساسيين مكَّرَسين في الأنظمة القانونية بموجب القوانين الوضعية، وإْنْ ضمن سياقات مختلفة؛ فهو يرتبط، من جهة، بقاعدة مرور الزمن، ومن جهة أخرى بحق التراجع عن العقد في القضايا المرتبطة بالملكية الفكرية. وفي كلتا الحالتين، هدفت القواعد القانونية إلى المحافظة على الانتظام الاجتماعي والكرامة الإنسانية، وتفضيل المصلحة العامة، أو المصلحة الخاصة ذات القيمة المعنوية، على الحقوق الفردية الذاتية ذات الطبيعة المالية. الحق في النسيان بين مرور الزمن وحماية الحياة الخاصة يرتبط الحق في النسيان بقاعدة مرور الزمن القانونية، التي تهدف إلى الاستقرار الاجتماعي، وإن كان ذلك على حساب بعض الحقوق الذاتية المعترف بها للأفراد 7. وقد سعت القواعد، التي تتبنّى مبدأ مرور الزمن، لتكريس حصانة اجتماعية، وأرست أخلاقيات ضامنة لاستقرار المجتمع، تسهم في تجاوز جراح الماضي، بغية المحافظة على الانتظام. فمرور الزمن على الحق الشخصي يشكّل سببًا لسقوطه قانونيًا، على الرغم من بقائه أخلاقيًا، أما على مستوى الجريمة فيشكّل سببًا لعدم الملاحقة، وعلى مستوى العقوبة سببًا لعدم تنفيذها. وإذا كانت قاعدة مرور الزمن تهدف إلى إنتاج آثار قانونية في المجتمع، فإن النسيان، في حالتنا، هو الحق ذاته، نظرًا إلى طبيعة العالم الرقمي، وسهولة استرجاع المعلومة فيه، على الرغم من أنها ترجع إلى ماٍضٍ
وفي موازاة الاستقرار الاجتماعي القائم على مرور الزمن، يتسم العالم الرقمي بميزة الآثار الأبدية 8 اللصيقة بطبيعته، والتي تتناقض مع الحق في النسيان المرتبط بالكرامة الإنسانية الملازمة للإنسان. وتتناقض هذه السمة مع حدود الذاكرة الإنسانية وقواعد التسامح. فطبيعة التعاملات في العالم الرقمي تعيدنا إلى مرحلة ما قبل القانون الوضعي، بسبب توسّع هامش التشفي والانتقام والتهديد بالإساءة لسمعة الشخص. فالذاكرة الرقمية، بما تختزنه من تفاصيل، قد تشكّل تهديدًا من خلال إساءة استخدام البيانات المخزنة، أو توظيفها في سياقات تختلف عن تلك التي أنِتِجت فيها، أو جرى جمعها وتخزينها والاحتفاظ بها في ضوئها. ومنذ بدء استخدام تكنولوجيا المعلومات، أدركت الدول مخاطر هذه التقنيات على حياة الإنسان. ففي عام 1983، أثارت المحكمة الدستورية الألمانية تعبير "الحق في تقرير المصير على البيانات" 9 باعتباره حقًا دستوريًا مرتبطًا بحقوق الإنسان، يمنح الفرد صلاحية تتيح له محو بياناته الشخصية أو جعلها مغفلة عند عرضها على العموم. أما الاتحاد الأوروبي، في مقاربته التي أدت إلى صدور التوجيه 46/95 المتعلق بحماية الحياة الخاصة، فقد انطلق من البحث في حق أيّ إنسان في المطالبة بوقف معالجة بياناته أو محوها عندما يستند هذا الخيار إلى أسباب مشروعة 10. وفي عام 2012، ركّزت المفوضية الأوروبية على الدور الأساسي المعطى لإرادة الفرد المعني بهذا الحق، أو ما يُعرف ب "الصلاحية الذاتية" أو "سلطة الفرد على بياناته الشخصية الرقمية" 11، إلى أن أقر البرلمان الأوروبي "الحق في محو البيانات" رسميًا في عام 2018، بموجب قانون حماية البيانات الأوروبي. ووفقًا لهذا التوجه القانوني الأوروبي، يحق للفرد/ الإنسان التراجع عن موافقة مسبقة كان قد منحها لمعالجة بياناته، أو في حال انقضاء
مُهل الاحتفاظ بهذه البيانات 12 بحسب طبيعة الخدمة، من دون أن يكون هذا الحق مرتبطًا بالضرورة بمهل مرور الزمن القانونية. وضمن هذا التوجه، أعيد طرح مفهوم "البيانات المتعلقة بالحياة الخاصة" مقارنةً بالمعنى الضيق الذي تبنّته المقاربة التقليدية، والتي حصرت المفهوم بحرمة الحياة الحميمة وداخل المنزل، وجرى التوجه نحو اعتماد معنى واسع للمفهوم ليشمل كل معلومة تتعلق بشخص طبيعي 13. وبذلك، ميّز هذا الحق بين الإنسان وحاجاته الاجتماعية والإنسانية من جهة، وبين الأشخاص المعنويين من شركات، وإن كانت شركات فردية (شركات الشخص الواحد) طالما أن البيانات المعلنة تدخل في حيز المهنة والعمل الربحي. لذلك، تسعى التشريعات الدولية لربط الحق في النسيان الرقمي بإعطاء دور لإرادة الإنسان في التدخل لحماية بياناته. الحق في التراجع عن العقد: استعادة دور الإرادة الفردية من هذه الزاوية، يتقاطع هذا الحق مع قاعدة أساسية في قوانين الملكية الفكرية، وهي القاعدة المتعلقة بالحق في التراجع عن العقد، ضمن ما يُعرف بالحقوق المعنوية للمؤلف، طالما أن صاحب الحق في الملكية الفكرية يجد أن الالتزام الناشئ عن هذا العقد أصبح مضرًا بخياراته الحالية، حتى في غياب مرور الزمن 14. ففي المرحلة الأولى من التعاقد، يوافق الفرد على تقديم بياناته وقبول هوامش التحكم فيها ومعالجتها بحسب ما يحدده كل تطبيق من التطبيقات الرقمية. ويعدّ إدخال الفرد بياناته أمرًا إراديًا بحتًا، يُفترض أن يخضع لمبدأ الرضا والإرادة الحرة، إلا أن هذه المعلومات ما إن تُرَفَع على الإنترنت تقع تحت سلطة مقدّمي الخدمات، الذين يتحكمون في حفظها وتسجيلها. ولهذا السبب، ارتبطت مبررات الحق في النسيان بأهداف معالجة البيانات، أو بانتهاء الحاجة إليها في سياق الأهداف التي جُمعت من أجلها. وبناء عليه، لا يقتصر الأمر على لحظة إبرام العقد التي يوقّع فيها الفرد إراديًا على شروط المنصة أو مقدم الخدمة الرقمية فحسب، بل يمتد ليشمل المرحلة اللاحقة، التي يسمح له فيها مقدّم الخدمة بسحب صلاحيات معيّنة، أو التراجع عن بعض بنود الاتفاق، عندما يدخل هذا البند ضمن نطاق الحق في النسيان. وبناءً عليه، تغير التوجه الأوروبي من حماية الحياة الخاصة فحسب، كما كان مطروحًا في نهاية القرن العشرين، إلى اعتبار هذا الحق صلاحية من حق المرء على بياناته، بدءًا من عام 2012. وبالعودة إلى المبادئ القانونية الراسخة في القوانين المدنية، يُطرح دور الإرادة في العالم الرقمي بوصفه أساسًا في تحديد العلاقة بين المستخدم ومقدمي الخدمات، وتبرز أيضًا الإرادة فيما يتعلق بمصير البيانات بعد توقيع العقد. وإن كان السائد قانونًا أن "العقد شريعة المتعاقدين" تطبيقًا لمبدأ إلزامية العقد، فإن هذا الالتزام ليس مطلقًا، بل يبقى مقيدًا إلى حين انتهاء الغاية من العقد 15. ونظرًا إلى طبيعة العالم الرقمي الذي تترتب عليه آثار أبدية تستمر بعد رحيل المستخدم، فإننا نعود إلى مبدأ قانوني مدني أساسي ثاٍنٍ، هو عدم مشروعية أيّ التزام أبدي، نظرًا إلى مخالفة مثل هذا الأثر العقدي للنظام العام 16. وأمام هذه المبادئ التي تعيد التوازن إلى العلاقات التعاقدية، يصبح النقاش القانوني مشروعًا بشأن حدود حقوق الأطراف ومصالحها وصلاحياتها في هذا النوع من العقود. على هذا الأساس، سعى التوجه الأوروبي لاستعادة دور الإنسان، بوصفه مصدر المعلومة الشخصية (التي تتحول إلى بيانات)، أثناء وجودها تحت سلطة مقدم الخدمة، فأعطاه الحق، بموجب ما يعرف بالحق في النسيان الرقمي، في استعادة صلاحيته على بياناته الشخصية، وذلك في مواجهة خطر الدور الذي تؤديه محركات البحث، وفي إطار عملية استرجاع المعلومات/ البيانات وإخراجها عن سياقها الأساسي. في هذا الإطار، ونظرًا إلى تشابه مخاطر العالم الرقمي على الإنسان في الدول المختلفة، وانطلاقًا من مبدأ الصلاحية الإقليمية للقوانين، يصبح لزامًا على القانون المحلي أن يحدد بدقة مدى الصلاحيات الممنوحة للخدمات الرقمية المتاحة على الشبكة، وضوابط هذه الصلاحيات. فبموجب النصوص القانونية، يُفترض تحديد معنى "التحكم في البيانات المدخلة مسبقًا"، وتوضيح صلاحيات الأطراف ذات الصلة، سواء من ناحية الغاية التي جُمعت البيانات من أجلها، أو المهل الزمنية التي تتيح استرجاعها أو تداولها بعد انقضائها. فالموافقة على عقد يعطي محركات البحث وغيرها من مقدّمي الخدمات الرقمية الحق في معالجة البيانات واستخدامها، لا تعني بالضرورة كل البيانات التي أ دخلت إلى الشبكة في الماضي؛ ولا يتطابق "الماضي" في العالم الرقمي مع تعبير "مسبق." وانطلاقًا من هذه الاختلافات في تحديد أبعاد الحق في النسيان الرقمي، فإن المفهوم الذي جرى التوصل إليه، والمرتبط بالتحكم في المعلومات/ البيانات الشخصية وصلاحية التصرف فيها، لا يتطابق مع قاعدة مرور الزمن التي تخضع لضوابط أخرى، ولا يعني بالضرورة محو أثر المعلومة الُمُدخلة، بل يشير إلى آلية معالجتها،
وصلاحية استخدامها، وكيفية إعادة استخراجها. ومن ثم، لا يشكّل ربط الاسترجاع والاستخدام بالسياق الأساسي الذي أ نشئت ضمنه تضاربًا وتعارضًا مع الحقوق ذات الطبيعة الجماعية، كالأرشفة وحفظ الذاكرة وغيرهما من ضوابط النظام العام. وتصبح بذلك آلية التدخل في محو الرابط، الذي يسمح لمحرك البحث بإظهار المعلومة ضمن نتائج البحث هي محور مفهوم النسيان الرقمي. وضمن هذه المقاربة، لم يعد الحق في النسيان مجرد ربط بين الماضي والحاضر؛ وإنما يدخل ضمن هوامش الصلاحيات على المعلومة، سواء كانت صلاحيات ذاتية أو تعاقدية، والمعطاة للأطراف المختلفة، والمتصلة بالالتزامات القانونية أو الأخلاقية المتعلقة بها، وأبعاد المسؤولية الشخصية في التعامل داخل هذا الفضاء.
ب. مخاطر ممارسة الحق وضماناتها
إذا كانت أدوات تفعيل الحق في النسيان الرقمي مرتبطة بسلوك الحماية الذاتية، الذي تتيُحُ ممارسَتَه منطلقاُتُ القواعد التعاقدية، فإن المسألة التي يطرحها العالم الرقمي ترتبط بجوهر حرية الإرادة عند التعاقد 17، في مواجهة عقود الإذعان المنبثقة من المصالح الخاصة المتحكمة في تقديم هذه الخدمة. ومع تكريس الوصول إلى شبكة الإنترنت والاتصال بها باعتبار ذلك حقًا من حقوق الإنسان 18، أصبحت العقود الإلكترونية نموذجًا خاصًا من العقود، فرض تغييرات على مقاربة النظرية العامة للعقد في إطار القانون المدني 19. وقد التزمت الدول بتمكين الأفراد من الوصول إلى الخدمات الإلكترونية، وتركت الممارسة داخل الفضاء الرقمي خاضعة لإرادات ليست بالضرورة متساوية. وبناءً عليه، أصبحت حماية المستخدم مبنية على قواعد حماية المستهلك 20، التي تفرض على المنتجين والموردين شروطًا تلزمهم فيها بإعلام المستهلك بطبيعة الخدمة ومخاطرها، واحترام معايير الجودة والأمن والسلامة، وتحقيق التوازن بين طبيعة الخدمة وسعرها، إلى جانب اعتماد تدابير تسهل الحصول على التعويض. وإذا كان لا بد من تدخّل إرادة الفرد، بما يسمح له بممارسة حقه في طلب محو بياناته من الفضاء الرقمي، فإن هذه الممارسة تظل منوطة بالشركة نفسها ومدى إتاحتها هذا الخيار. وقد يفرض تنفيذ هذا الإجراء أعباءً مادية ليست بالضرورة في متناول صاحب الحق وضمن إمكانياته. وهو ما يستدعي تدخل الدولة لضمان حماية المستخدمين في تفعيل هذا الحق. وقد كانت المقاربة القانونية في مرحلة ولوجنا العالم الرقمي معنية بتطبيق القواعد التقليدية على أدوات حديثة، لكن التحولات اللاحقة، وما رافقها من تطورات تقنية وممارسات جديدة على شبكة الإنترنت، دفعت القانونيين والحقوقيين في العالم إلى البحث في أبعاد مستجدة لقراءة حقوق الإنسان وأبعادها.
2. المنافسة بين الحقوق المختلفة على أثر التحولات الرقمية
يشكّل العالم الرقمي أحد أبرز آثار العولمة وانتشار النيوليبرالية، لكنه في الوقت نفسه يطرح تحديات مختلفة. وقد انعكس ذلك بوضوح على دور القانون وغيره من القواعد والمساهمين في وضعها و/ أو فرضها. فمن ناحية المبدأ، يُظهر الحق في النسيان الرقمي تضاربًا بين حقوق تختلف في طبيعتها وقيمها وأهدافها. وانعكست التحولات المعاصرة في طبيعة التوازن بين الحقوق والحريات المكرسة في ضوء القوانين المحلية، وأعادت إلى الواجهة الصراع بين حقوق تكفلها الأنظمة الليبرالية في الأصل.
أ. الحقوق في العالم الرقمي بوصفها أحد تمظهرات النيوليبرالية
تتميز المرحلة النيوليبرالية بأنها مبنية على قاعدة الحريات القصوى/ المتطرفة 21. وعلى الرغم من أن النيوليبرالية سعت لتكريس الحريات الاقتصادية في المقام الأول، فإنها تطرح قواعد الحريات عامة، على حساب الضوابط التي كانت تقرها الدولة بوصفها السلطة التي تحدد معايير النظام العام 22. أما النموذج الاجتماعي المعاصر، فيعكس تقلصًا في حدود هذا النظام العام المرتبط بطبيعته بتدخل الدولة 23 وتغييرًا في مضمونه وأهدافه، وتضاربًا بين حقوق متعاكسة. وأصبحت الحقوق جزءًا من العناصر المتنافسة، وسعى القانون في
ذلك للبحث عن توازنات بين أصحاب الحقوق المختلفة، واقتصر دور سلطة الدولة على فرض ضوابطها على موظفيها 24. ويعكس ذلك تحولًافي دور الدولة من دولة راعية إلى دولة ناظمة 25. وقد برز التضارب، في مرحة أولى، بين حرية تداول المعلومات من جهة، وضمانات الحياة الخاصة من جهة أخرى؛ إذ ارتبطت حرية تداول المعلومات تقليديًا بقواعد حرية التعبير، لكن الوسائط الرقمية أعادت طرح النقاش بشأن أبعاد هذه الحرية الفردية، وما يقابلها من ضوابط رقابية وتحديات قانونية. فإن كان المساس بالكرامة الإنسانية مانعًا من ممارسة حرية التعبير، فإن القوانين الوضعية، وخاصة قوانين العقوبات، جاءت لتحديد أطر الجرائم الناتجة من التعسف في ممارسة هذه الحرية، بما ينسجم مع خصوصية المجتمعات، ويخدم حماية النظام العام في كل دولة. أما من ناحية تحديات النيوليبرالية، فقد ظهر تضارب آخر بين حق المواطن في الخدمة، بوصفه حقًا من حقوق الإنسان من ناحية، وحق الشركة المقدمة للخدمة في الربح من ناحية أخرى. واستدعى هذا الوضع، على غرار كل الخدمات المخصخصة، صدور قوانين المنافسة الحرة ومبادئ حماية المستهلك، بوصفها قواعد ضامنة، جعلت من الحقوق المرتبطة بالإنسان عنصرًا من عناصر عالم الاستهلاك. وفضلًاعن ذلك، برز تضارب بين حق الفرد وصلاحياته على بياناته الخاصة ومصلحته الشخصية المرتبطة بها من جهة، والمصالح المالية والاقتصادية في العالم الرقمي وحقوق الشركات وقيمتها في الاقتصاد المعولم من جهة أخرى؛ وبرز أيضًا تشابك بين حق الفرد في التصرف في بياناته الشخصية وأحكام أخرى مرتبطة بالأرشيف العام، لأهداف قضائية وأمنية وثقافية. وبناء عليه، لا يطرح الموضوع حقوقًا ذاتية مرتبطة بصلاحيات الأشخاص ومصالحهم فحسب، وإنما يمتد ليشمل، أيضًا، مسائل تخص المصلحة العامة وضرورات النظام العام التي تقتضي تدخّل الشرطة والأجهزة الأمنية والقضائية وعلاقتها بتكوين الأدلة والملفات القضائية. وقد أصبحت هذه القضايا، التي كانت ترتبط حصرًا بصلاحية الدولة على مواطنيها، تتداخل مع صلاحيات الشركات المتحكمة في العالم الرقمي والخوادم، حيث يجري تخزين البيانات. وأصبحت تهدد سيادة الدولة، فضلًاعن حقوق مواطنيها أو المقيمين فيها. وأخيرًا، يتجلى في العالم الرقمي تضارب بين نوعين من الحقوق الفردية والجماعية/ الاجتماعية؛ من جهة، حق الفرد في حماية البيانات الشخصية ورغبته في نسيان معلومات قد تضر حاضره أو مستقبله، ومن جهة أخرى ما يجري تقديمه على أنه حق جماعي في المحافظة على الذاكرة وواجب تشكيل ذاكرة جماعية مبنية على تراكم بيانات عن حيوات الأفراد. وقد أصبح هذا النمط من المحافظة على الذاكرة أيضًا نهجًا قانونيًا جديدًا، مع ما يتضمنه من استحضار دور الفرد التقليدي في توثيق التاريخ الشفهي وغيره من القضايا المرتبطة بحفظ الذاكرة الجماعية. وأدت أشكال التضارب هذه بين الحقوق المختلفة إلى إعادة طرح جدليات قانونية تنظيمية شتى.
ب. جدليات قانونية بشأن أثر التحولات الرقمية في الحقوق
مثلت الكرامة الإنسانية أهم مبررات بروز الحق في النسيان الرقمي، فهي تشكّل إحدى أهم ركائز النظام العام. لذلك، فرض تنظيم الممارسات الرقمية نقاشًا مرتبطًا بدور أشخاص القانون في ما يتعلق بحقوقهم المختلفة، وأظهر تشتتًا في المقاربة التنظيمية في التشريعات المحلية (ومنها التشريعات المحلية العربية.) التمييز بين الأشخاص الطبيعيين والمعنويين في تطبيقات الحقوق الذاتية إذا كانت الحقوق المرتبطة بالعلاقات التعاقدية، أو حتى بتطبيق قانون العقوبات، لم تميّز بين شخص طبيعي وآخر معنوي، فإن طبيعة العالم الرقمي أعادت إبراز ضرورة التمييز بين هذين الكيانين القانونيين. وتتجلى تحديات التمييز بينهما على نحو متزايد مع النقاش بشأن الاعتراف بالشخصية القانونية للذكاء الاصطناعي؛ الأمر الذي يجعل الشخص الطبيعي/ الإنسان كيانًا قانونيًا يحتاج إلى الحماية من مخاطر المصالح المالية للشركات التجارية والمخاطر التقنية المرتبطة بالعالم الرقمي. فالشخص المعنوي هو شخص قانوني، لكنه من الناحية العملية يمثّل كيانًا افتراضيًا يتمتع بالحقوق الذاتية على نحو مشابه للشخص الطبيعي، مع اختلاف أساسي مرتبط بطبيعة موضوع الشخص المعنوي؛ أي ما عُرف بمبدأ التخصص؛ فهو يتمتع بالحقوق والصلاحيات في الممارسة – ما يعرف بالأهلية القانونية – ضمن حدود موضوعه المحدد في مستنداته التأسيسية 26. وقد حمى القانون حقوق الأشخاص المعنويين، شأنهم شأن الأشخاص الطبيعيين، في التصرف في الاسم والصورة وغيرهما من البيانات المرتبطة بهوية الشخصية القانونية؛ وذلك مع الالتفات إلى أن مختلف الحقوق المرتبطة بالأشخاص المعنويين هي حقوق ذات طبيعة مالية، بخلاف الأشخاص الطبيعيين، الذين يتمتعون بحماية هذه البيانات
من منطلق أنها حقوق خارجة عن الذمة المالية 27. وقد طرحت التوجهات العالمية الحديثة، التي يحركها العالم الافتراضي، فروقًا إضافية لم تكن مرئية في العالم التقليدي. وأدى تزايد الممارسات والتفاعلات الإنسانية عبر شبكة الإنترنت، فضلًاعن التحولات التي يشهدها نمط المنافسة والإنتاج، إلى الاعتراف بالطبيعة المالية للحقوق المرتبطة بالبيانات، نظرًا إلى دورها في إنتاج مردود مالي، وخاصة لدى الأشخاص المؤثرين. إلا أن الحق في النسيان أعاد التمييز بين الإنسان والشخص المعنوي، والمقاربة المادية للحقوق، من خلال مبدأ الحماية من منطلق الكرامة الإنسانية والسمعة الاجتماعية، وليس من منطلق السمعة التجارية كما هو الحال بشأن الشركات التجارية؛ إذ تشكّل البيانات، في عالم الحريات التجارية وحرية التداول عبر شبكة الإنترنت، ثروةً رقمية تزيد من أصول الشركات التجارية، وينعكس التأثير فيها تلقائيًا على ممتلكات الشركة وثرواتها، والمفترض أنها محمية بموجب "الحق في تعظيم الربح" المكرّس في المنظومة النيوليبرالية. التضارب بين المحلي والعالمي وتشتت الاتجاهات التشريعية العربية يشكّل البحث عن التوازن القانوني بين الثنائيات المتضاربة من الحقوق، التي أشرنا إليها، تحديًا صعبًا؛ إذ يفترض أن يأخذ في الحسبان المعطيات الاجتماعية والخصوصية الثقافية للمجتمع، ويرتبط أيضًا بالثقافة القانونية التي واكبت تطور الأنظمة القانونية في كل دولة على حدة. لذلك، نجد أن التوجّهين الأساسَّييَن في العالم لم يقاربا الموضوع من منطلقات متشابهة؛ فقد ذهب الاتحاد الأوروبي في توجيهاته إلى حماية الحياة الخاصة، في حين ذهبت المقاربة الأميركية إلى التشديد على حماية حرية التعبير وتداول المعلومات. وبالعودة إلى واقع التشريعات العربية، نجد أنها أدخلت منطق النيوليبرالية في القانون من ناحية إعطاء الأولوية للمصالح الاقتصادية على حساب الحماية الاجتماعية. فنجدها مثلًاكرّست على نحو متقدم ريادة الأعمال من خلال تنظيم الشركات الفردية وتشجيعها 28، ما حوّل الملكية الفردية من طبيعتها المدنية إلى حٍّقٍ من الحقوق الاقتصادية. وأصبحت الحقوق الفردية المختلفة، حتى تلك الخارجة عن الذمة المالية، أيضًا عنصرًا من عناصر الإنتاج، مستفيدةً من تغيرات قانونية واقعية. وانعكس كل ذلك في تحولات حقوقية جذرية في مواجهة مخاطر مستجدّة في العالم الرقمي. وأمام هذا الواقع، يصبح من الضروري البحث في الأنظمة التشريعية العربية عن ضمانة قانونية فاعلة لحق الأفراد في النسيان الرقمي؛ إذ في غياب مثل هذا النوع من التحديد يصبح من الصعب على الاجتهاد القضائي اتخاذ موقف واضح، نظرًا إلى الاختلاف في الاتجاهات الاجتماعية والاقتصادية التي تحمي كلًامن هذه الحقوق، والتي تشكّل تناقضًا بين التوجه التشريعي الاقتصادي والواقع الاجتماعي المحافظ في البلدان العربية. وفي هذا الإطار، تتواجه الأبعاد الوضعية، التي ما زالت القوانين تُناَقَش انطلاقًا منها، مع النظريات الاجتماعية ما بعد البنيوية التي تقاربها العلوم الاجتماعية. واتسع التباين بين المقاربة القانونية الوضعية السائدة والأبعاد الحقوقية الاجتماعية. وإذا كانت الإشكالية تبدو كأنها ذات بُعد تقني عالمي – دولي محض، فإن الحل الواقعي ينبغي أن يأتي في سياق مراعاة الخصوصيات المحلية. ففاعلية القواعد الموجودة التي تسعى لحماية الحق في النسيان تندرج ضمن الاهتمامات الأساسية للدول مجتمعةً في التنظيم الدولي، نظرًا إلى توزيع أماكن تخزين البيانات 29، فضلًا عن انشغالات السلطات المحلية المعنية بالمجتمعات المحلية. وقد أدت كل هذه التغيرات القانونية الواقعية إلى احتدام النقاش بشأن التحول من النظرية الوضعية إلى النظرية الواقعية في القانون 30. وهي مقاربة ما زالت بعيدة عن النقاش في أروقة كليات الحقوق في الدول العربية؛ فكيف يمكن إدراج الحق في النسيان في التنظيم القانوني لشبكة الإنترنت؟ هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يظل ماثلًافي أذهان طلاب القانون في البلدان العربية.
ثانيًا: التنظيم المستجد على شبكة الإنترنت من أجل ضمان الحق في النسيان الرقمي
أصبح تطور تكنولوجيا المعلومات والاتصال واقعًا مؤثرًا في الأداء القانوني على نحو غير قابل للتراجع، وذلك نظرًا إلى دور التكنولوجيا في تفعيل الحقوق وإدارتها. فمع التحولات الحديثة الناتجة من العولمة والثورة الرقمية واللبرلة الاقتصادية، نشأ فاعلون جدد في العمل السياسي، الذي يعتبر ركيزة مصدر القاعدة القانونية، وفي العمل
العام، الذي يعتبر أداة تفعيل هذه القواعد. وظهرت أدوات جديدة للتأثير في السلطة السياسية وتوجهاتها التشريعية 31. وأصبحت القواعد المرجوة لا توازي بالضرورة القوانين، بل تبقى قواعد ذاتية واتفاقية تتعلق بمعايير السلطة الفعلية على شبكة الإنترنت. يتناول هذا المبحث الفاعلين الأساسيين المستفيدين من البيانات الخاصة، ثم يشرح التحولات في طبيعة القواعد المستحدثة.
1. الصلاحيات المتعددة الفاعلة على شبكة الإنترنت
تتعدد الأطراف بصلاحياتها ومصالحها في العالم الرقمي، وتصبح الأطراف الأقوى صاحبَةَ السلطة في فرض مصالحها. وتضمن الدول، بموجب التنظيم العالمي لشبكة الإنترنت، حقوق الأفراد في الاتصال والتفاعل ضمن ما يُعرف بالحوكمة الرقمية، التي تبني النظام على أسس وقواعد لا تنبثق بالضرورة مما جرى اعتماده بموجب النظرية القانونية الوضعية. ويستعرض هذا العنصر آلية حماية مصالح هذه الأطراف وأبعاد الحوكمة الرقمية وأثرها في القوانين.
أ. آلية الحماية الوقائية في مواجهة مصالح الشركات
تقوم الحماية الوقائية في مواجهة مصالح الشركات على التنبيه إلى الإرشادات والخيارات عند توقيع العقود الإلكترونية، وذلك انطلاقًا من مبادئ العلاقات التعاقدية والإرادة الفردية ودورها على شبكة الإنترنت. فما الأطراف المستفيدة من البيانات؟ وما دور المستخدم؟ الأطراف المستفيدة من البيانات المُدخلة عند ملء نموذٍجٍ ما على شبكة الإنترنت، أو تحميل معلومات شخصية، ثمة أطراف ثالثة عديدة قد تجمع المعلومات الُمُحَّمَلة وتستخدمها في المستقبل. وانطلاقًا من قاعدة حرية التعاقد، يعطي الفرد موافقته على الشروط المطروحة للاستفادة من الخدمات المطلوبة. وفي ما يلي أبرز الأطراف الثالثة: نااات، مثل "غوغل آدز شركات الإع" Ads Google، و"فيسبوك آدز" Ads Facebook؛ حيث تجمع شركات الإعلان الرقمي المعلومات وتستخدمها. شركات تحليلات البيانات، مثل "غوغل أناليتكس" و"هوتجار" Mixpanel "، و"ميكس بانلGoogle Analytics Hotjar؛ حيث تحلل هذه الشركات سلوك المستخدمين وتجمع البيانات حول الأنشطة على مواقع الإنترنت. مزودو خدمات الاستضافة، مثل "أمازون ويب سيرفيس" أزور" Amazon Web Service و"ميكروسوفت،؛Google Cloud "، و"غوغل كلاودMicrosoft Azur وهي شركات تستضيف المواقع، ولديها إمكانية الوصول إلى البيانات المخزنة على خوادمها. شركات إدارة الهوية والتصديق، مثل "غوغل فيسبوك" Facebook Google، و"أوكتا" Okta؛ فإذا كان الموقع يستخدم خدمات تسجيل الدخول عبر طرف ثالث، فقد تتمكن هذه الأطراف الثالثة من جمع بيانات حول هوية المستخدم. شركات مكافحة الاحتيال والأمن، مثل "كلاودفلير"؛ McAfee "، و"ماكافيNorton "، و"نورتونCloudflare وهي تجمع بيانات حول أنشطة المستخدم للتحقق من الأمان ومنع الهجمات الإلكترونية. شركات التجارة الإلكترونية والدفع الإلكتروني، مثل "باي بال" PayPal، و"سترايب" Stripe، و"سكوير" Square؛ فإذا كان النموذج الذي يملؤه المستخدم يحتوي على معلومات تتعلق بالدفع الإلكتروني، فإن هذه الشركات تجمع بياناته الخاصة بالمعاملات المالية. الشركات المالكة لوسائط التواصل الاجتماعي، مثل "إكس" Xو"إنستغرام، " Instagramو"لينكدإن، " LinkedIn؛ فعندما يشارك المستخدم المعلومات عبر حسابات وسائط التواصل الاجتماعي، فإن الشركات التي تملكها وتديرها قادرة على جمع هذه البيانات واستخدامها. شركات تحسين تجربة المستخدم، مثل "أوبتيميزلي" Optimizely، و"في دبليو أو" VWO؛ حيث تستخدم هذه الشركات البيانات لتحسين تجربتها من خلال تتبّع كيفية تفاعل الزوار مع الموقع الإلكتروني. شركات تسويق البريد الإلكتروني، مثل "ميل تشيمب" Mailchimpو"سيندغريد، "؛ حيث SendGrid تجمع بيانات، مثل عنوان البريد الإلكتروني الخاص بالمستخدم، وتستخدمها في حملات التسويق عبر رسائل البريد الإلكتروني.
شركات بيانات الطرف الثالث؛ قد تبيع بعض الشركات أو تشارك بيانات المستخدم مع جهات خارجية أخرى (أطراف ثالثة) لأغراض تسويقية أو تحليلية. الحماية الوقائية بدلً من القوانين الردعية مع واقع الدور الفاعل الذي تؤديه الشركات المالكة والمشغّلة والمتحكّمة والمستفيدة في العالم الرقمي، وفي سبيل تفعيل حماية الإنسان، أثبت العالم الرقمي ضرورة الوسائل الوقائية بوصفها أهم الوسائل الضامنة للحماية، سواء في ممارسات الأفراد أو في تصميم البرامج والتطبيقات والمنصات. ولم تعد الأدوات الفاعلة مبنيةً على التدخّل اللاحق من أجل الحماية والضبط من خلال الإجراءات العقابية. ترتكز هذه الحماية على "شرعة الممارسات الجيدة - الحسنة" 32 التي تشكّل أحد نماذج ما يعرف بالقواعد اللينة 33. لذلك، توصي كل الإرشادات بضرورة قراءة سياسة الخصوصية الخاصة بأيّ موقع تجري زيارته وتزويده بالبيانات الخاصة للتأكد من كيفية استخدامها ومعرفة الأطراف التي يمكن مشاركتها إياها. وتخرج هذه القواعد اللينة عن أطر القواعد القانونية التي تجسّدها منظومة القانون الوضعي. أصبح تكريس الحق في الاتصال، وممارسة الحريات القائمة عليه، ركيزة في النموذج المعاصر. وقد التزمت الحكومات بإتاحة الأسس اللوجستية للاتصال وممارسة الحق المرتبط به، وهو ما يفترض تقديم الأدوات اللازمة لتحقيقه. غير أن العالم الرقمي الذي يحتضن هذه الممارسة لم يعد مبنيًا على معايير تستطيع الدولة التحكم فيها من خلال تشريعاتها. لذلك، يمكن أن تتدخل الدولة عبر الحماية ذات البعد الوقائي التقني من خلال فرض شروط تقنية على المنصات الفاعلة ضمن سيادتها، أو تفعيل دور القضاء ونشر ثقافة اللجوء إليه، من أجل إلزام الشركات المخالفة وتغريمها عند تحقق الضرر. وتندرج هذه الآليات ضمن مقاربة البراغماتية القانونية التي ساهمت في استنباط أدوات حديثة في القوانين المحلية والعالمية 34؛ فضلًاعن أنها نتاج مرحلة العولمة الاقتصادية والرقمية على حد سواء، نظرًا إلى ارتباط قواعدها بمصادر خاصة يضعها الفاعلون الاقتصاديون والتقنيون 35.
ب. الحوكمة الرقمية: قواعد الحكم التقني
تُعرف إدارة العالم الرقمي بالحوكمة الرقمية 36، التي أصبحت نموذجًا لإدارة المجتمع، وتقوم على ركائز مستنبطة من تقنيات إدارة المشاريع الاقتصادية الكبرى، ومن النظريات الاقتصادية النيوكلاسيكية. وُيُنظر إليها أيضًا بوصفها شكلًامن أشكال الديمقراطية المستحدثة. وهو ما يقودنا إلى النقد الذي واجهته النظرية الليبرالية في مرحلة ما بين الحربين العالميتين، في سياق موجة الليبرالية المنظمة التي ظهرت لمواجهة أزمة الليبرالية في الدول الأوروبية 37، والتي تأثرت بالليبرالية الأميركية مع أندريه تارديو Tardieu André، بمقاربتها التكنوقراطية. وقد بُنيت هذه النظرية على قواعد الإدارة، حيث انطلقت من أن الثروات، ومن خلفها السلطة، أصبحت تتركز أكثر فأكثر في أيدي أقلية من التقنيين – المديرين – المسؤولين عن الاقتصاد؛ ولذلك ينبغي فرض ضوابط على أدائهم، نظرًا إلى الدور المحوري الذي يضطلعون به في إدارة هذه الثروات 38. طرحت المقاربة النيوليبرالية، إذًا، إطارًا جديدًا للدولة، من منطلق دور التكنوقراط، مبنيًا على دور أكبر للكيانات الاقتصادية التي تمتلك إمكانيات مالية وتقنية أكبر من الدول. وتحَّوَل المواطن من هذا المنطق إلى مستهلك للخدمات والمنتجات التي أصبحت مرتبطةً بمصالح القطاعات الاقتصادية، بدلًامن تقديمها وحمايتها ورعايتها من مؤسسات الدولة الرسمية. غير أن الدولة، أمام السلطة الفعلية للفاعلين الجدد، بدأت تفقد قدرتها على تأمين هذا الدور الناظم، وأصبحت تخضع لشروط هذه القوى الاقتصادية ومصالحها 39. وفي هذا السياق، تُطرح مسألة القوانين الوضعية ومدى فاعليتها في العالم الرقمي، ومدى إمكانية تفعيلها على ما يقع خارج النطاق الممكن لسيادة الدولة. لذلك، وضمن نموذج النيوليبرالية وما فرضته على واقع التعاملات، استعادت الإرادات دورها المركزي في إدارة مصالحها. وبالعودة إلى النظرية القانونية، تشكّل القاعدة القانونية "الظاهرة القانونية الابتدائية، وكل الظواهر القانونية الأخرى ليست سوى تفرّع منها، أو تداخل بينها، أو تراجع عنها" 40. ويتقاطع هذا التعريف
مع قراءة النظريات القانونية في نقد النظرية الوضعية. فقد اعتبرت المقاربة الطوعية أن "القوانين هي الإرادات"، أو "تعليمات يقع على عاتق رجل القانون أن يحللها" 41. وارتبطت هذه الإرادات بالسلطة الحاكمة – بموجب منطق نظام الحكم الديمقراطي – التي تنبثق من الشعب ضمن الدولة الحديثة، ووفقًا للنموذج الليبرالي الغربي. ولكن الدور المركزي للشركات الفاعلة في العالم الرقمي أصبح واضحًا، مثله مثل تأثيره في إرادة المشرع، أو في فرض قواعد فعالة في العلاقات الاقتصادية والاجتماعية، أو حتى في السلوك الفردي؛ حيث يتمثّل منطلق الحق في النسيان في إعادة تفعيل إرادة الفرد في تحديد مصيره 42. إلا أن الإرادات ليست متوازنة على مستوى الخيارات والضمانات؛ إذ يعود إلى المتحكم في الخيارات إمكانية إتاحتها أو تفعيلها 43. وقد أدى كل ذلك إلى انبثاق نسق قانوني جديد، وقواعد من نوع جديد. وفي ما يلي نعرض قراءتنا في هذه التغيرات التي طرأت على القواعد الناظمة.
2. طبيعة القواعد الناظمة للممارسات على شبكة الإنترنت
يمثّل القانون منظومة كلية من القواعد المعيارية المختلفة التي تتعلق بجوانب التنظيم الاجتماعي، وقادرة على ضبط سلوك الأفراد عبر عنصَرَي الإجبار والجزاء؛ إذ يستخدم القانون وسائل ردعية عقابية بقصد فرض قواعده وإكراه الناس على احترامها 44. وتحتكر السلطة العامة وحدها صلاحية فرض احترام القانون من خلال حقها الحصري في استخدام القوة. وبموجب نظرية القانون الوضعي، فإن القانون من صنع الإنسان، وُوُِضِ ع لرعاية مصالحه وتنظيم علاقاته في المجتمع، وفق آليات تضمن له حسن استعمال حقوقه الفردية 45. لكنّ العالم الرقمي، بوصفه أحد أبرز تجليات العولمة والنيوليبرالية، فرض تغيرات جوهرية على النظام القانوني السائد، سواء على الأطر المؤسسية الراعية للممارسات القانونية، أو على مستوى طبيعة القواعد نفسها، التي لم تعد حكرًا على الدولة، بل تجاوزت صلاحياتها الحصرية.
أ. انعكاس النيوليبرالية على الممارسات: الشرعية والمشروعية
ترافق اتساع نطاق الحريات الاقتصادية، في إطار النظام العالمي الجديد، لا سيما في العالم الرقمي، مع تناٍمٍ ملموس للحريات الفردية بأبعادها المختلفة؛ غير أن الضوابط المنبثقة أساسًا من مفهوم النظام العام أصبحت تُستخدم في كثير من الأحيان وسيلةً لتقييد هذه الحريات في نمطها الحديث. فأعاد ذلك النقاَشَ حول الحدود الفاصلة بين الحريات والحقوق من جهة، والانتظام والضوابط من جهة أخرى. وفي هذا السياق، أ عيد طرح التمييز بين الحقوق المشروعة في مقابل الحقوق القانونية المستندة إلى الشرعية المبنية على القوة 46. بعبارة أخرى، برز التمييز بين الحقوق المشروعة، التي تستند إلى مبادئ العدالة والإنصاف، والحقوق القانونية التي تستمد مشروعيتها من القوة الُممُأسسة عبر القانون، بوصفها تعبيرًا عن إرادة السلطة. وهكذا، عاد الجدل بشأن العلاقة بين الشرعية والقانون والقوة، وإذا ما كان القانون يحمي الحقوق فعليًا، أم يُعيد إنتاج أنماط السيطرة في لبوس قانوني. وإذا عدنا إلى توجيه الاتحاد الأوروبي لعام 1995، نجد أنه ربط ممارسة الحق في النسيان الرقمي ب "أسباب مشروعة" تبرّر حق الفرد في إعلان إرادته في تعديل موافقاته المقدّمة على التطبيقات والنماذج الرقمية. وُيُعدّ هذا الربط نموذجًا للصراعات المعاصرة بين الحقوق المتناقضة؛ أي بين ما هو مكرّس بموجب القانون الوضعي من ناحية، وما هو مبرر بموجب الصلاحيات المعترف بها للفرد من ناحية أخرى. وبذلك، تتمظهر الإشكالية في تحديد الحدود الفاصلة بين القانون الطبيعي والقانون الوضعي والقانون الذاتي 47 (أو القواعد ذات المصدر الإرادي)؛ أي إشكالية التداخل بين الحق المستند إلى مبادئ الكرامة الإنسانية، والحق المستند إلى النص القانوني وحق الإرادة الفردية في إدارة بيانات الفرد على شبكة الإنترنت. وبموجب ذلك، تقلّص معيار النظام العام لمصلحة السعي لتحقيق التوازن بين مختلف الحقوق المتنافسة، وأصبحت الدوافع لضبطها مرتبطةً أساسًا بالغايات الربحية واستراتيجيات الفاعلين النفعيين
على حساب المصلحة العامة ودعم الحقوق المشروعة 48. ومن ثم، انتقلت الضوابط من الإطار القانوني التقليدي إلى شكل من أشكال الضوابط الذاتية القائمة على الرقابة الذاتية واحترام أخلاقيات العالم الرقمي، والضوابط التقنية التي تفرضها الشركات المقدّمة للخدمات الرقمية عبر اللوغاريتمات 49؛ وهو ما تحوّل لاحقًا إلى أخلاقيات الذكاء الاصطناعي. وأصبحت ضوابط هذه الشركات مبنيةً على أخلاقيات الأعمال التجارية، حيث تتنافس حقوقها في تعظيم الربح الذي يعكس نجاحها اقتصاديًا في مواجهة حقوق الأفراد والجماعات المتعاملين على شبكة الإنترنت، والذين باتوا رهينة القيم الأخلاقية التي تحددها الشركات. وهو ما يُعرف بالمسؤولية الاجتماعية للشركات، التي ثبت عدم نجاعتها في تحقيق الأهداف المرجوة منها من دون تدخّل قانوني ملزم وفعال 50. وفي كلتا الحالتين، سواء عبر الضوابط الذاتية أو التقنية على اللوغاريتمات، تصبح المسؤولية الفردية هي الدافع لاحترام الضوابط والمعايير إن وجدت.
ب. انعكاس النيوليبرالية على القوانين: القواعد الصلبة والقواعد اللينة
لم تكتسب نظرية القانون خصوصيتها بعيدًا عن الفلسفة ونزعتها المثالية إلا عندما تجسدت ضمن ما يُعرف بالقانون الوضعي، وظهر الترابط بينها وبين علم اجتماع القانون؛ إذ اعُتُِب رت الوضعية القانونية خطوةً أولى نحو الواقعية الاجتماعية 51 في فهم القانون. وإن كانت نظرية القانون الوضعي قد تطورت مع فلسفة القرن التاسع عشر، فإنها تكرّست فعليًا مع حركة التقنين، في عهد نابليون بونابرت، حين جرى تدوين النصوص القانونية وتضمينها القواعَدَ القانونية الناظمة للمجتمع. وقد مثّلت تلك النصوص ما يُعرف بالقواعد الصلبة، التي يفترض أن تكرّس، بفعل آلية إصدارها، "حكمة" المرحلة التي انبثقت منها 52، بأبعادها التاريخية والسياسية والاجتماعية. وتتميز هذه القواعد الصلبة، بوصفها مجموع القواعد الصادرة عن السلطات الدستورية، بسمات خاصة تميزها من غيرها من القواعد الاجتماعية والدينية؛ فهي قواعد عامة وشاملة ومستمرة وملزمة وردعية؛ أي إنها تعرّض من يخالفها للعقوبة 53. فبين الحكمة والأخلاق والآداب العامة والنظام العام وأخلاقيات العمل فوارق في أبعادها القانونية وانعكاسها على طبيعة القواعد الملزمة. أما القواعد اللينة فتتألف من مجموعة من الأشكال/ الأنماط من القواعد المنبثقة من مصادر متعددة، وتحاول أن تجد لها مكانًا في الأنظمة القانونية المحلية 54، وذلك من خلال عدة طرق، أبرزها. 1: إما أن يسعى المشرع لتبنّيها صراحةً، فتعكس بذلك توجهات الدولة انطلاقًا من طبيعة القواعد المتبناة، إذا ما كانت ذات طبيعة حمائية اجتماعية (مثل قواعد حماية البيانات والخصوصية)، أو توجيهية اقتصادية (مثل قواعد المنافسة الاقتصادية)، وتصبح بذلك قواعد عامة ملزمة؛ 2. أو من خلال إدخالها في العقود التي تصبح شريعة المتعاقدين، فتعكس بذلك توجّهًا ليبراليًا خاضعًا لحرّية السوق وحرية التعاقد؛ 3. أو من خلال تبنّيها في المحاكم من خلال الاجتهاد القضائي، وتبقى نسبية بين أطراف الدعوى ما لم تتحول إلى مبدأ قانوني عام، وذلك يعكس جرأة اجتهادية يقترب فيها نظام القانون المكتوب من القانون العرفي؛ 4. أو من خلال إصدارها في قرارات وتعاميم إدارية، ويبقى النقاش بذلك قائمًا بشأن قيمتها وفقًا لمصلحة المستفيد منها والضرر الناتج على الطرف الأضعف 55، فتشكّل قرارات المحاكم عند نشوء نزاع حولها الفيصل في تحديد قيمة كل قاعدة من هذه القواعد، إلا أن بعضها يبقى منفصلًاعن أيّ رابط قانوني محدد 56. وفي سياق القواعد اللينة، نميّز بين الممارسات المهنية التي تتحول تدريجيًا إلى أسس للوائح الداخلية، أو قواعد أخلاقيات المهن، أو شرعات خاصة، أو قواعد سلوكية وثقافية عامة تتشابه، في جوهرها، مع الشرعات في العالم الرقمي. وفي هذه الحالة، ترتبط بإرادة الأطراف التي صدرت عنها، على منصة رقمية، أو في شركة معينة، أو مهنة خاصة غالبًا ما تعلنها الشركات على مواقعها الإلكترونية، وتعتبرها
عادة جزءًا من الترويج لسمعتها في السوق؛ ومن الناحية القانونية، لا يعني ذلك بالضرورة التزامها بها، أو إمكانية إلزامها بها 57. وفضلًاعن ذلك، تشكّل ثقافة الجماعات في المجتمع أحد أشكال القواعد اللينة، وهي ربما أكثر ليونة من الأولى، إلى الحد الذي تصبح معه مائعة. وُتُعرف هذه القواعد أيضًا بالقواعد الشفهية؛ وهي قواعد اجتماعية، أو أخلاقية، أو ثقافية محلية، ولا تعني بالضرورة آدابًا عامة. وهي ترتبط بالثقافات الخاصة، وبمنظومات القيم الخاصة، ما يجعلها مصدرًا للتناقضات بين الخلفيات الفكرية والمعتقدية المتنوعة والمتباينة التي تلتقي في الفضاء الرقمي وتتفاعل فيه، مع ما يثيره ذلك من تكتلات متناقضة 58 نظرًا إلى طبيعة العالم الرقمي القائمة على الحسابات وسلطة القوة، والتي جرى ربطها أيضًا بثقافة الرفاهية 59. وتصل هذه الصراعات والتناقضات إلى حد استخدام العنف (متجسدًا في العنف اللفظي والتنمّر الرقمي والتشهير والمضايقة وخطاب الكراهية والتمييز وغيره)؛ وبناءً عليه، تبرز الحاجة الملحة إلى تبرير الحق في النسيان. وبخلاف القواعد القانونية الصلبة، تبقى إلزامية القواعد اللينة محل تساؤٍلٍ مستمر؛ فهي قواعد تصدر عن إرادة الجهة التي تضعها وتفرضها وتتعهد بالالتزام بها، وتتميز بأنها مرنة، وترتبط ثقافات الجماعات المتعددة والمجموعات التي تحمل صفة أصحاب المصالح. وهي أيضًا اختيارية؛ بمعنى أنها لا تخضع للإلزامية القانونية ولا تقترن بالعقوبة؛ ونسبية، بمعنى أنها لا تلزم إلا الأطراف أصحاب العلاقة؛ ومعنوية، لأنها تفقد قيمتها عندما تضعف الروابط بين المؤسسة التي صدرت عنها والأطراف المحيطين بها. وغالبًا ما تكون هذه القواعد مبنيةً على علاقة الولاء أو الثقة بين المشروع التجاري ومحيطه (الاجتماعي/ المهني)، وترتبط، من ثمّ، بمعايير المنافسة وقواعد السوق أكثر مما ترتبط بمبادئ سيادة القانون. وقد أصبحت الشركات، في سبيل تعزيز سمعتها وضمان حضورها في سوق قائمة على التنافس، تسعى للحصول على تصنيفات وشهادات ذات مصدر خاص وغير رسمي تساعد في الاعتراف بوجودها وبموثوقيتها. وبذلك، دخلت القوانين نفسها خضمّ المنافسة ضمن ما يُعرف بسوق القوانين Law Shopping، بحسب ما تطرحه نظرية اقتصاد القانون 60. وقد زاد هذا الواقع من ضعف سيادة الدولة، التي تشكّل سيادة القانون جزءًا لا يتجزأ منها.
خاتمة
شكّل الحق في النسيان الرقمي نموذجًا لطبيعة الحقوق وأطر تنظيمها عبر شبكة الإنترنت، حيث أعاد التركيز على قيمة الإنسان مقابل الأشخاص الاعتباريين ذوي الطبيعة المعنوية. وقدّم أيضًا نموذجًا للتطورات التي شهدتها نظرية حقوق الإنسان وارتباطها بالكرامة الإنسانية، وأعاد تحديد الأبعاد القانونية لبعض المفاهيم التي كانت تؤطر الإنسان وكيفية حمايته. وقد تطورت المقاربة القانونية لهذا الحق مع تطور الممارسات على شبكة الإنترنت وتعدد المصالح المستفيدة من البيانات الشخصية/ الخاصة. وبذلك، استعاد القانون طابعه الإرادي من جهة، وتجلت مرونته في طبيعة التنظيم من جهة أخرى. وإذا كان العالم الرقمي قد وضع الحقوق الذاتية، المادية والمعنوية، الفردية والجماعية، المجموعة في مواجهة الأخرى، فإنه في الوقت نفسه وضع هذه الحقوق في مواجهة القوانين المحلية؛ ذلك أن العالم الرقمي يرتبط بشبكات وشركات عالمية، عابرة للحدود، ولا تنتمي بالضرورة إلى نطاق سيادة الدولة، حيث يعيش مواطنوها ويتصلون بشبكة الإنترنت ويتداولون المعلومات. وهكذا، ألقى هذا الواقع على عاتق الدول، التي انجرفت خلف تيار جذب الاستثمارات، مهمَةَ إعادة التفكير في توجهاتها الاجتماعية والتشريعية على نحو يعيد التناغم بين الثقافة الاجتماعية ومضمون القوانين، ويضمن حماية الحقوق من دون تقويض جاذبية البيئة الاقتصادية والرقمية. وإذا كانت ركيزة الانتظام العام مبنيةً على قواعد قانونية فاعلة، فإن العالم الرقمي يقوم أيضًا على أخلاقيات سلوكية يُفترض أن يتحلى بها الأفراد والشركات المستفيدة من البيانات على حد سواء؛ وهذه الشركات غالبًا ما تفرض قواعد اتفاقية خاصة بها. وبذلك، فقد تراجعت الضمانات التقليدية التي كان يؤمّنها وجود الدولة، وضعف أثرها في حماية الحقوق وتنظيم العلاقات في الفضاء الرقمي. وأنتجت التحولات النيوليبرالية أثرًا مهمًافي عالم القانون وفاعليته، من خلال إضعاف هامش النظام العام في مقابل توسيع نطاق الحريات والممارسات، الفردية والاقتصادية (أي المرتبطة بالشركات.) وفي هذا السياق، أضحت القواعد القانونية في مواجهةٍ مع القواعد الاتفاقية بين المصالح المتقابلة، والتي أصبحت نموذجًا قانونيًا مستحدثًا في ظل تلك التحولات، ليس أبرزها قواعد التحكيم والوسائل البديلة لحل النزاع التي أصبحت تنافس صلاحيات القضاء السيادي للدول في إدارة المصالح الاقتصادية.
ومع تعدد المصادر وتنوع الأدوات وعدم حصرية الجهات المنِّمظِة، تصبح إمكانية تنظيم العلاقات خاضعةً لأطر مستجدة، باتت تُعرف بالقواعد اللينة؛ فاختلفت طبيعة القواعد الناظمة للعلاقات والحقوق على شبكة الإنترنت، نظرًا إلى فقدان إمكانية فرضها إلزامًا، ما لم تتجسد في قواعد قانونية محلية صلبة ذات معايير واضحة. ومن ثمّ، زادت الحاجة إلى توجهات تشريعية حامية للمستخدمين عبر شبكة الإنترنت، في ظل نظام رقمي قائم على الإرادات ضمن علاقات غير متوازنة. وإذا كانت الحريات التجارية والمصالح الخاصة تسمح باعتماد هذا النموذج، فإن السؤال الأبرز الذي يواجه العالم الرقمي يكمن في مدى قدرة هذه القواعد على إدارة المجتمع وتحقيق الانتظام. وبناءً عليه، يطرح النظام المستحدث، المبني على تعدد مصادر القاعدة القانونية، التساؤل مجددًا بشأن مدى استقرار العلاقات الفردية والانتظام الاجتماعي في ظل تشظّي مصادر القاعدة وتواترها 61، وهو يعيد إلى الواجهة إشكالية الشرعية 62. وأمام واقع التغيرات في الأدوار وتعدد السلطات الفاعلة في العالم الرقمي، يصبح القانون الوضعي نفسه محل نقاش بشأن قيمته ودوره. وفي هذا السياق، بدأت بعض الدول الأوروبية، التي كانت تعتمد نموذج القانون الوضعي المكتوب، تتأثر بالنموذج الواقعي الأكثر مرونة وفاعلية، والذي يرتكز على دوٍرٍ فاعٍلٍ للقضاء في مواكبة الحاجات والتطورات. وفي هذا الصدد، يمكن الإشارة إلى تيار الواقعية الإسكندنافية 63 التي تحاول التوفيق بين النظامين القانونيين، المكتوب والعرفي، من خلال المزج بين الإلزام القانوني والمرونة العملية، بما مع التحويلات الاجتماعية يسمح بتكيٍفٍ بَّنَاءٍ - الرقمية، التي تؤثر في التفاعلات على شبكة الإنترنت وتتأثر بها في الوقت نفسه.
المراجع
العربية
الأمم المتحدة. مجلس حقوق الإنسان. تقرير: 2012 الدورة العشرون. الجلسة 31. العوجي، مصطفى. القاعدة القانونية في القانون المدني. بيروت: مؤسسة بحسون للنشر والتوزيع،.1992 ________. القانون المدني: ج 1: العقد. بيروت: مؤسسة بحسون للنشر والتوزيع،.1995 عيد، إدوار. حق المؤلف والحقوق المجاورة: ج 1: حق المؤلف. بيروت: دار صادر،.2001 مراد، غسان (تقديم وتحرير.) الاتصال بين الالتزام والإلزام. بيروت: دار النهضة العربية،.2020 مغبغب، نعيم. مخاطر المعلوماتية والانترنت: المخاطر على الحياة الخاصة وحمايتها، دراسة في القانون المقارن. ط 2. بيروت:].[د. ن،.2008 منصوري، نديم. "العدالة الرقمية الرشيدة." مجلة الحقوق والعلوم السياسية. مج 38، العدد 5.)2022(
الأجنبية
Abbott, Kenneth & Duncan Snidal. "Hard and Soft Law in International Governance." International Organization. vol. 54, no. 3 (2000). Barraud, Boris. Le pragmatisme juridique. Paris: L'Harmattan, 2017. Batifoll, Henry. La philosophie du droit. 7 ème éd. Que sais-je? Paris: PUF, 1987. Bonnet, Christophe. C'est la faute des actionnaires: Fausses croyances et vrais débats. Paris: PUF, 2023. Carbonnier, Jean. Flexible droit: Textes pour une sociologie du droit sans rigueur. Paris: LGDJ, 1971. Carbonnier, Jean. Sociologie juridique. 2 ème éd. Paris: PUF, 2004.
Commerce électronique: Le temps de certitude. Bruxelles: Bruylant, 2000. Corten, Olivier. "Droit, force et légitimité dans une société internationale en mutation." Revue Interdisciplinaire D'études Juridiques. vol. 37, no. 2 (1996). Court of Justice of the European Union. Google Spain SL & Google Inc. v Agencia Española de Protección de Datos (AEPD) and Mario Costeja González, Case C-131/12, Judgment of 13 May 2014 (ECLI:EU:C:2014:317). at: https://acr.ps/1L9BP1j Dechenaud, David (dir.). Le droit à l'oubli numérique: Données normatives — Approche comparée. Bruxelles: Larcier, 2015. Drai, Mélanges P. Le juge entre deux millénaires. Paris: Dalloz, 2000. Dupret, Baudoin. Droit et sciences sociales. Paris: Armand Colin, 2006. Hakim, Neema. "How Social Media Companies could be Complicit in Incitement to Genocide." Chicago Journal of International Law. vol. 21, no. 1 (2020). Igalens, Jacques. Splendeurs et misères de la RSE. Paris: EMS, 2023. Kirat, Thierry. Économie du droit. Paris: La Découverte, 2002. L'État de droit, Mélanges Guy Braibant. Paris: Dalloz, 1996. Moret-Bailly, Joël & Didier Truchet. Droit des déontologies. Paris: PUF, 2016. Navarro, Jean-Louis et al. Les remèdes juridiques aux pathologies de la mauvaise gouvernance. Montréal: Thémis, 2024. Rivet, Thierry (dir.). L'ordre public à la fin du XX ᵉ siècle. Paris: Dalloz, 1996. Rouvier, Catherine. Sociologie politique. Paris: LexisNexis Litec, 2006. Rouvillois, Frédéric. "L'efficacité des normes: Réflexions sur l'émergence d'un nouvel impératif juridique." Working Paper. Fondation pour l'innovation politique (2006). Soft law et droits fondamentaux. Paris: Pedone, 2017. Supiot, Alain. La gouvernance par les nombres. Paris: Fayard, 2015. Tchotourian, Ivan & Alexis Langelfeld. Forum non conveniens: Une impasse pour la responsabilité sociale des entreprises. Québec: PUL, 2020. Terré, François. Introduction au droit. 9 ème éd. Paris: Dalloz, 2012. Touchard, Jean. Histoire des idées politiques. t. 2: Du XVIII ᵉ siècle à nos jours. 2 ème éd. Paris: PUF, 2005. Un droit positif, un droit de progrès. Paris: LGDJ, 2020. Worms, Frédéric (dir.). Annales bergsonniennes V. Paris: PUF, 2012.