إدارة التنوع العرقي والاجتماعي في المؤسسة العسكرية: دراسة مقارنة بين المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأميركية

Muneera Alkhayareen منيرة الخيارين |

الملخّص

تناقش الدراسة إدارة التنوع العرقي والاجتماعي في المؤسسة العسكرية من خلال مقارنة التجربة الأميركية، بوصفها حالة مرجعية، بالحالة السعودية التي لا تزال في طور التأسيس. وتستند إلى مقاربة علم الاجتماع العسكري التي تفترض أن المؤسسة العسكرية هي انعكاٌسٌ للبنية الاجتماعية والثقافية في المجتمع، مع التركيز على أربعة مؤشرات مجتمعية رئيسة: مؤشر العرق، ومؤشر التمييز بين الجنسين، والمؤشر الطائفي، والمؤشر القَبَلي. وتفترض أن فعالية إدارة التنوع تعتمد على تكامل المستويين المعياري (التشريعات والسياسات)، والممارساتي (الممارسة)، مع مراعاة الخصوصية المجتمعية لكل حالة. وُت ظهر التجربة الأميركية أنّ وجود الإطارين المعياري والممارساتي لا يؤدي بالضرورة إلى تطور نموذج مثالي، وذلك بسبب استمرار تحديات التمثيل، وخاصة في مستوى القيادات العسكرية العليا. أمّا الحالة السعودية، فيبرز فيها غياب إطاٍرٍ معيارٍيٍ واضٍحٍ وحداثة التجربة، رغم بوادر الانفتاح، وخاصة بعد عام 2017. وتخلص الدراسة إلى أن إدارة التنوع ليست مطلبًا اجتماعيًا فحسب، بل هي شرط لتعزيز فعالية المؤسسة العسكرية وتماسكها المؤسسي. كلمات مفتاحية: التنوع العرقي، القوات المسلحة، علم الاجتماع العسكري، الفعالية العسكرية، المملكة العربية السعودية، الولايات المتحدة الأميركية.

Managing Ethnic and Social Diversity in the Military: A Comparative Study between Saudi Arabia and the United States

مقدمة

تتناول الدراسة موضوع التنوع العرقي والاجتماعي في المؤسسة العسكرية في حالتين تتباينان في طريقة إدارتهما واستراتيجياتهما، لكنهما تتشابهان في بعض المؤشرات المجتمعية المؤثرة في تنظيم المؤسسة العسكرية، مثل التمييز بين الجنسين والعرق والأقليات، وهما: تجربة الولايات المتحدة الأميركية، وحالة المملكة العربية السعودية  1. وتقارن الدراسة بينهما استنادًا إلى الأسس المعيارية المتعلقة بالعدل والمساواة واللوائح القانونية، وإلى الممارسة التي تشهد تفاوتًا بين الأفراد في التنظيمات العسكرية، والتي تمثل تحديات كبيرة  2. وتستند الدراسة أيضًا إلى المؤشرات المجتمعية ودورها الأساسي في عملية إدارة التنوع العرقي والاجتماعي في المؤسسة العسكرية، مثل الطابع القَبلَي، كما في الحالة السعودية. وتعتمد على مفاهيم التنوع العرقي والاجتماعي التي قدّمها عدد من المنظّرين البارزين في هذا المجال، مثل تشارلز موسكوس وجون سيبلي باتلر، اللَذَين أكّدا على أهمية التنوع في تعزيز الفعالية العسكرية والقيادة العادلة، وتعزيز تماسك الجيش ووحدته وقدرته على التكيّف مع التحديات الحديثة  3. تنبع أهمية التنوع العرقي والاجتماعي في المؤسستين العسكريتين، موضوع الدراسة، من طبيعة بيئتهما الاستراتيجية المعقدة والمتطورة على نحو مستمر؛ ما يجعل الحاجة إلى الاستفادة من المزايا المتاحة ملحّةً، بما في ذلك عملية التحديث التي تترتب عليها متغيرات عديدة، أهمها: الانفتاح على احترام التنوع العرقي والاجتماعي، وإدارته بما يضمن تكافؤ الفرص للعاملين جميعًا في المؤسسة العسكرية  4. فمثلًا، لم يكن لدى السعودية اهتماٌمٌ بإدارة التنوع العرقي والاجتماعي في المؤسسة العسكرية على المستوى المعياري أو الممارساتي، ولكن الاهتمام بهذا الملف بدأ عندما شهدت عملية تحديث وانفتاح في السنوات الأخيرة، وخاصة بعد فتح باب التجنيد أمام النساء، ومشاركة أول امرأة سعودية في المؤسسة العسكرية في عام 2019، وذلك تماشيًا مع حركة الانفتاح التي قادها ولي العهد، الأمير محمد بن سلمان، بعد توليه المنصب عام 2017، وما زال هذا الملف يشهد تطورًا في إطار عملية تغيير شاملة  5. أما التجربة الأميركية، فيمكن اعتبارها حالة مرجعية 6 Control بالمعنى المستخدم في الدراسات المقارنة، أي الحالة التي تُوظّف بوصفها مستقرة وُيُقاس عليها أثر المتغيرات، إذ تتيح للباحث مقارنة حالة راسخة بأخرى قيد التشكّل؛ لفهم الخصوصيات وحدود التحول. وفي هذا الشأن، تزود التجربة الأميركية الباحثين بمدخٍلٍ تحليلٍيٍ مهٍمٍ لفهم عملية إدارة التنوع العرقي والاجتماعي في المؤسسات العسكرية، نظرًا إلى تطورها التاريخي وتراكم خبرتها المؤسسية، وما تحمله من مزايا وتحديات تستحق الدراسة والنقد، بوصفها إحدى التجارب التي بدأت آثارها تظهر بوضوح على أرض الواقع. في المقابل، تتعامل الدراسُةُ مع الحالة السعودية بوصفها حالة معالجة  8؛ إذ لا تزال في طور التبلور، ويصعب تقييمها على المستويين: المعياري والممارساتي؛ بسبب ندرة الأدبيات ذات الصلة. ومن هنا، كان لزامًا اعتماُدُ تحليٍلٍ تاريخٍيٍ لنشأة المؤسسة العسكرية السعودية، ورصد بدايات إدارة التنوع العرقي والاجتماعي فيها، بما يساعد على تسليط الضوء على الحقائق المتعلقة بقضايا التنوع، وربطها بالأحداث والقضايا الأمنية التي تأثرت بعوامل عرقية وطائفية؛ ما انعكس على أداء المؤسسة العسكرية. تُعدّ المؤسسة العسكرية الأميركية تجربةً مرجعيةً لمرحلة تبلور عملية إدارة التنوع العرقي والاجتماعي، وهي عملية دينامية حققت تقدمًا ملحوظًا وقطعت شوطًا طويلًا، ويرجع ذلك إلى أن الولايات المتحدة مرّت بمراحل مختلفة من الانفتاح على الثقافات الأخرى نتيجةً للضغوط

  1. يقتضي منطق المقارنة في هذه الدراسة استخدام مصطلحْيْ "التجربة الأميركية" و"الحالة السعودية"؛ فالمؤسسة العسكرية في الولايات المتحدة تمثّل تجربة راسخة ومتقدمة، امتدت على مدى عقود من التطوير المؤسسي، وشكَّلَت نموذجًا قابلًاللدراسة والتحليل في سياق إدارة التنوع العرقي والاجتماعي. أما المملكة العربية السعودية، فيمكن وصفها بحالة الدراسة أكثر من كونها تجربة قائمة بذاتها، نظرًا إلى حداثة نشأة المؤسسة العسكرية وتطوّرها النسبي، وحاجتها إلى تراكم تاريخي يُتيح وصفها بالتجربة. بناءً عليه، فإن استخدام مفردة "الحالة" في السياق السعودي ينسجم مع أسس المقارنة العلمية التي تتطلب التمييز بين ما هو راسخ تاريخيًا ومؤسسيًا، وما هو حديث وفي طور التشكّل.
  2. Clayton Chin, "The Concept of Belonging: Critical, Normative and Multicultural," Ethnicities , vol. 19, no. 5 (2019), pp. 715-739.
  3. John Sibley Butler & Charles C. Moskos, All that We Can Be: Black Leadership and Racial Integration the Army Way (New York: Perseus Book Group, 1996), pp. 16-24.
  4. David R. Segal & Mady Wechsler Segal, Peacekeepers and their Wives: American Participation in the Multinational Force and Observers (Westport, CT: Greenwood Publishing Group, 2004).
  5. Karen Elliott House, "Profile of a Prince: Promise and Peril in Mohammed bin Salman's Vision 2030," Reports & Papers , Harvard Kennedy School, Belfer Center for Science and International Affairs (April 2019), accessed on 6/6/2024, at: https://acr.ps/1L9BOV3
  6. من الناحية المنهجية، نستعمل في هذه الدراسة مصطلح "الحالة المرجعية" بالدلالة نفسها التي يشير إليها مصطلح المجموعة المرجعية Control Group التي لا تتعرّض للمعالجة أو المتغير التجريبي، وُتُستخدم للمقارنة بالمجموعة التي تتعرض للمعالجة Group Treatment، من أجل قياس أثر المتغيرات بدقة. ينظر: Earl Babbie, The Practice of Social Research , 15 th ed. (Boston: Cengage Learning, 2021), pp. 123–125; وسنستخدم "الحالة المرجعية" لوصف التجربة الأميركية، بينما نستخدم "حالة المعالجة" لوصف الحالة السعودية. 7 ينظر الحاشية السابقة.

الاجتماعية والسياسية، ودور الحركات الحقوقية؛ ما أدى إلى تحسين مستوى التكافؤ والاندماج داخل المؤسسة العسكرية  9. ومع ذلك، فإنها لا تعتبر نموذجًا مثاليًا؛ إذ إنها لا تزال تواجه بعض الصعوبات والتحديات في إدارة هذه العملية على الوجه الأمثل. لذلك، فإن تحليل الحالتين ومناقشتهما والمقارنة بينهما، وفحص تحدياتهما، من شأنه أن يبرز الأهمية المركزية لإدارة التنوع العرقي والاجتماعي في المؤسسة العسكرية، كما أنهما يوفران مؤشرات أولية يمكن الإفادة منها في فهم هذه العملية في سياقات أخرى، من دون الادّعاء بأنها تمثل جميع المؤسسات العسكرية عالميًا؛ إذ إنّ التكامل الفعّال للتنوع العرقي والاجتماعي يمكن أن يؤدي إلى تحسين كبير في الأداء المؤسسي، ودعم قدرة المؤسسة العسكرية على الاستفادة من مزاياها الاستراتيجية المتطورة  10. لم تعد إدارة التنوع العرقي والاجتماعي في المؤسسة العسكرية ضروريةً فحسب، بل أصبحت حتميةً لضمان أداءٍ مؤسٍسّيٍ متكامٍلٍ، ولتلافي حالات الاحتقان أو الشعور بالغبن لدى الأقليات التي قد ترى أنها لا تُعامل معاملة متساوية مع الأغلبية المجتمعية؛ إضافةً إلى أنها تساهم في تنظيم الحركة الاجتماعية للأفراد المنتسبين إلى المؤسسة العسكرية، وتضمن ترقياتهم في السلّم العسكري على نحٍوٍ متساٍوٍ وعادٍلٍ. ولا بدّ من الإشارة إلى أنّ مؤسسات عسكرية في دول مختلفة تشهد عجزًا في هذه العملية  11. في هذا السياق، شهد علم الاجتماع العسكري الغربي تطورًا ملحوظًا في دراسة التنوع العرقي والاجتماعي، وأصبح هذا الموضوع من الموضوعات الأساسية التي حظيت بدراسات نظرية وإمبريقية واسعة. أما الأدبيات العربية فلا تزال تعاني نقصًا معرفيًا واضحًا، ولم يحَظَ موضوع التنوع العرقي والاجتماعي باهتماٍمٍ كاٍفٍ، على الرغم من أهميته المعرفية والتشغيلية على المستوى العسكري في المنطقة العربية. من هنا، تنبع إشكالية هذه الدراسة من سؤال رئيس، مفاده: إلى أيّ مدى تختلف حالة السعودية، في إدارة التنوع العرقي والاجتماعي في مؤسستها العسكرية، عن التجربة الأميركية التي راكمت خبرة طويلة في هذا المجال؟ ولتفكيك هذه الإشكالية، تطرح الدراسة سؤالين فرعيين: الأول، كيف تعكس المؤشرات المجتمعية (العرق، والتمييز بين الجنسين، والطائفة، والقبيلة) خصوصية الحالة السعودية مقارنة بالتجربة الأميركية في إدارة التنوع داخل المؤسسة العسكرية؟ الثاني، إلى أيّ مدى يمكن أن يسهم التنوع العرقي والاجتماعي في خلق فرص لتطوير المؤسسة العسكرية وتعزيز فاعليتها الاستراتيجية والتشغيلية؟ تسعى الدراسة لمعالجة هذه الإشكالية عبر تحليل المستويين المعياري والممارساتي، ورصد التفاعل بينهما ضمن حالتي المؤسستين العسكريتين الأميركية والسعودية، بما يسمح بالكشف عن العلاقة بين التنوع العرقي والاجتماعي من جهة، وصياغة الأولويات الاستراتيجية للمؤسسة العسكرية من جهة أخرى. تفترض الدراسة أن نجاح المؤسسة العسكرية في إدارة التنوع العرقي والاجتماعي يرتبط بمدى تفعيلها مستويين متكاملين، هما: المستوى المعياري (القوانين واللوائح الضابطة) والممارساتي (التنفيذ والممارسة الفعلية على أرض الميدان.) وكلما زاد الاتساق بين هذين المستويين والخصوصيات المجتمعية والثقافية، زادت فعالية المؤسسة العسكرية واستفادت من مزايا التنوع، والعكس صحيح. توظف هذه الدراسة مقاربة من منظور علم الاجتماع العسكري، الذي ينظر إلى المؤسسة العسكرية باعتبارها انعكاسًا للبنى الاجتماعية والثقافية. وتستند هذه المقاربة إلى إسهامات صمويل هنتنغتون Moriss Janowitz Samuel Huntington جانويتز وموريس وموسكوس وباتلر، في فهم العلاقة بين التنوع العرقي والاجتماعي والفعالية العسكرية. وفي إطار هذا المنظور، يجري تحليل المستويين: المعياري والممارساتي في التجربة الأميركية والحالة السعودية. كما تعتمد الدراسة على منهج دراسة الحالة المقارنة Comparative Case Study الذي يتيح فحص أوجه التشابه والاختلاف بين حالتين متباينتين في الخبرة التاريخية والسياق المجتمعي. ونظرًا إلى صعوبة قياس الحالة السعودية على المستويين المعياري والممارساتي، حاولنا فهم تطور إدارة التنوع العرقي والاجتماعي في مؤسستها العسكرية من خلال تحليٍلٍ تاريخٍيٍ لنشأتها، واكتشاف بوادرها وملامحها الأوليّة. ورغم أن هذه المحاولة قد لا تمكننا من رسم صورة مكتملة عن التجربة، فإنها تساعدنا في تسليط الضوء على ما يرتبط بقضايا التنوع العرقي والاجتماعي في المجتمع السعودي، وربطها بالقضايا الأمنية التي شهدتها السعودية، والتي غالبًا ما تأثّرت بالعوامل العرقية والطائفية والاجتماعية؛ ما أثر في الأمن الوطني وفي المؤسسة العسكرية. تنقسم الدراسة إلى ثلاثة أقسام رئيسة: يقدم الأول الإطار النظري المرتبط بعلم الاجتماع العسكري ومفاهيم التنوع العرقي والاجتماعي. ويحلل الثاني حصيلة إدارة التنوع العرقي والاجتماعي في التجربة الأميركية والحالة السعودية، من خلال المؤشرات المجتمعية الرئيسة (العرق، والتمييز بين الجنسين، والطائفة، والقبيلة.) ويستخلص الثالث النتائج، ويناقش حدود التعميم في ضوء خصوصية كل حالة.

  1. Samuel P. Huntington, The Soldier and the State: The Theory and Politics of Military-Civil Relations (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1957).
  2. Segal & Segal.
  3. Butler & Moskos.

أولًا: الحاجة إلى تقييم وضع التنوع العرقي والاجتماعي الشامل

1. علم الاجتماع العسكري: مدخل نظري

يُعدّ علم الاجتماع العسكريSociology Military(أو علم اجتماع الجيوش Military the of Sociology) مدخلًاملائمًا لفهم ظاهرة التنوع العرقي والاجتماعي في المؤسسة العسكرية؛ وهو فرع من فروع علم الاجتماع الأوسع، ويتقاطع في جوهره مع دعوة تشارلز رايت ميلز Charles Wright Mills إلى ربط التجربة الفردية بالبنى الاجتماعية الأوسع  12. ويهدف علم الاجتماع العسكري إلى دراسة الجيش بوصفه مجموعةًاجتماعيةً، لا منظمةً عسكريةً فحسب، وذلك من خلال التركيز على خصائصها ودينامياتها الاجتماعية والثقافية والتنظيمية. ويفحص القضايا المرتبطة بموظفي الخدمة العسكرية بوصفهم مجموعةً اجتماعيةً متميزةً، تقوم على عمٍلٍ جماعٍيٍ إجبارٍيٍ، وتستند إلى مصالح مشتركة مرتبطة بالبقاء، سواء في العمل والتدريب أو في أثناء القتال، فضلًاعن أهداٍفٍ وقيٍمٍ أكثر تحديدًا وتخصيصًا من تلك السائدة في المجتمع (المدني) الأوسع. وُيُعنى علم الاجتماع العسكري أيضًا بدراسة العلاقات المدنية - العسكرية، وتحليل التفاعلات بين المؤسسة العسكرية والمجموعات الاجتماعية الأخرى أو الوكالات الحكومية  13. ويدرس كذلك مشكلات العسكريين وطرائق معالجتها، وخصوصيات العلاقات بينهم، والتكيّف مع المجندين الجدد في الخدمة العسكرية، وتكيّف العسكريين السابقين مع الحياة المدنية، والقضايا ذات الصلة بموقف العسكريين بعضهم تجاه بعض، وتجاه الخدمة العسكرية، فضلًاعن دراسة المواقف العامة، وقضايا الثقة المتبادلة، وفهم الحرب بوصفها ظاهرةًاجتماعية  14. ولتوظيف علم الاجتماع العسكري، من الضروري أن يأخذ نطاق الدراسة بعدين متكاملين: تطور علم الاجتماع العسكري بوصفه علمًااجتماعًّيًا، والبيئة العلمية والشروط والأسباب العسكرية التي بموجبها ظهر هذا العلم  15. يموج العالم بالعديد من النظريات التي تسعى إلى تفسير طرائق تنظيم المجتمعات وإدارة علاقاتها وسبل السيطرة عليها، من خلال ضبط العلاقة الهرمية بين الحكومات والمنظومات العسكرية والمجتمعات. وفي هذا الصدد، يقدّم علم الاجتماع العسكري إطارًا تحليليًا لفهم العالم الاجتماعي الذي نعيش فيه، وكذلك الأحداث والمؤسسات التي تُشِّكِله 16. وقد قدّم هنتنغتون وجانويتز رؤيتين متمايزتين لفهم العلاقات المدنية – العسكرية من منظورين متقابلين من ناحية العلاقة بين القوات المسلحة والمجتمع. يرى هنتنغتون أن ثمة حاجة إلى فصل واضح بين القوات المسلحة والمجتمع المدني من أجل الحفاظ على الاستقرار والسيطرة، ويرى أن هذا الفصل يسمح للقوات المسلحة بالتركيز على مهمتها الأساسية في الدفاع عن الدولة، من دون التدخل في السياسة أو الشؤون المدنية  17. في حين يشدد جانويتز على أهمية التقارب بين القوات المسلحة والمجتمع المدني، ويعتقد أن الدمج المتزايد بينهما يعزز الفعالية والشرعية، ويساهم في بناء قوات مسلحة أكثر ديمقراطية وتعكس التنوع المجتمعي؛ ما يؤدي في الحصيلة إلى تعزيز الروابط الاجتماعية وتحسين الاستجابة للاحتياجات المدنية  18. وتأتي رؤية جانويتز امتدادًا لكتابات أليكسيس دي توكفيل في القرن التاسع عشر، الذي يرى أنّ للعلاقة بين القوات المسلحة والمجتمع أثرًا في ديمقراطية الدول الحديثة؛ إذ إنّ المشاركة المدنية القوية تشكّل ضمانة للحفاظ على التوازن بين السلطة العسكرية والسلطة المدنية  19. أمّا ميلز، فيقِّدِم في نموذجه "النخبة الحاكمة"، الذي يدين فيه لدراسات جايتانو موسكا ونظريته عن "الطبقة السياسية" 20، تصورًا مغايرًا يرى أن السلطة الفعلية في المجتمعات تتحكم فيها نخبة صغيرة، تهيمن على الجيش والاقتصاد والسياسة، وأن العلاقة بين القوات المسلحة والمجتمع تشكّلها تلك النخب التي تستفيد من توازن القوى  21 بما يخدم مصالحها.

  1. ستانلي أرونوفيتز، تشارلز ميلز واليسار الجديد، ترجمة فادي ملحم (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2018)، ص.65-60
  2. للاستزادة حول علم الاجتماع العسكري/ علم اجتماع الجيوش، ينظر: Giuseppe Caforio & Marina Nuciari (eds.), Handbook of the Sociology of the Military (New York: Springer, 2006).
  3. Eric Ouellet, "New Directions in Military Sociology," in: Thomas Vladimir Brønd, Uzi Ben-Shalom & Eyal Ben-Ari (eds.), Military Mission Formations and Hybrid Wars: New Sociological Perspectives (London/ New York: Routledge, 2020), pp. 23-24.
  4. Ibid., p. 27.
  5. Lindy Heinecken, "The Military, War and Society: The Need for Critical Sociological Engagement," Scientia Militaria: South African Journal of Military Studies , vol. 43, no. 1 (2015).
  6. Huntington, pp. 80-98.
  7. Morris Janowitz, The Professional Soldier: A Social and Political Portrait (New York: Simon and Schuster, 2017 [1960]), pp. 347-355.
  8. Alexis De Tocqueville, Democracy in America , Henry Reeve (trans.), vol. 2 (London: Saunders & Otley, 1838); وينظر الترجمة العربية في: ألكسي دو توكفيل، الديمقراطية في أميركا، ترجمة بسام حجار (بيروت/ الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2023
  9. Gaetano Mosca, The Ruling Class (Elementi di Scienza Politica), Hannah D. Kahn (trans.), Arthur Livingston (ed. & rev.) (New York: McGraw-Hill Book Company, 1939).
  10. William Genieys, "C. Wright Mills, The Power Elite," in: Martin Lodge, Edward C. Page & Steven J. Balla (eds.), The Oxford Handbook of Classics in Public Policy and Administration (Oxford: Oxford University Press, 2015).

يحاول علم الاجتماع العسكري تفسير التنوع العرقي والاجتماعي داخل الجيوش على نحو مختلف عن المقاربات التقليدية؛ فهو ينطلق من الافتراض أنّ الهويات العسكرية تركّز، تحديدًا، على الذات الفردية. وعلى الرغم من فيض البحوث حول انخراط الجيوش في السياسة في البلدان المتقدمة والنامية على حد سواء، فإنّ ثمة غيضًا في الدراسات التي تركز على الجندي بوصفه فاعلًافردًا، أي على المستوى الجزئي Micro-level الذي بات البحث فيه ملًّحًا في السياقات المعاصرة مع تغّي رات أدوار المؤسسة العسكرية  22. من ناحية أخرى، يتناول علم الاجتماع العسكري شروط الاندماج والتكافل الاجتماعي من خلال مفهوم المواطنة التي تُعد قضية مركزية في مختلف الدول، وخاصة الديمقراطية منها؛ إذ إنّ المواطنة، بوصفها مؤسسة اجتماعية أساسية في المجتمع، ولها دوٌرٌ في بناء التماسك والعدالة بين الأفراد، تشكّل آلية مهمة لتحقيق التكافل والاندماج داخل المجتمعات، ولا سيما في الجيوش؛ وهي تمثّل الرابط الذي يوحّد الأفراد من خلفيات عرقية وثقافية واجتماعية مختلفة تحت مظلّة الحقوق والواجبات المشتركة، وتضمن شعورهم بالانتماء والولاء. وترتكز النقاشات السوسيولوجية بشأن المواطنة، عادة، على الإطار المفهومي الذي قدّمه ميلز  23. ومن هنا، تحاول هذه الدراسة التموقع ضمن مجموعة الدراسات التي تتبنى موقف علم الاجتماع العسكري من قضية التنوع الاجتماعي الشامل في المنظومة العسكرية، وذلك من منظوٍرٍ نقدٍيٍ يمكن من خلاله تحليل المنظومة العسكرية بوصفها بنية اجتماعية مركّبة، وخاصة في ظل التحديات التي تواجه تحديد الإطار المفهومي والنظري الملائم لدراسة التنوع العرقي والاجتماعي في المنظومة العسكرية.

2. تطور المفاهيم وتباينها

يُعدّ مفهوم التنوع العرقي والاجتماعي مفهومًا متعدد الدلالة، فهو يشمل معانَيَ ودلالاٍتٍ مختلفةً، ومردّ ذلك عدم الاتفاق على نطاقه؛ أهو يشمل الثقافة و/ أو الدين، و/ أو اللغة، و/ أو الجنس، و/ أو الهوية، و/ أو اللون؟ ولم يتفق الباحثون المتخصصون في مجال السوسيولوجيا، وخاصة في المؤسسات العسكرية، على تعريٍفٍ دقيٍقٍ له. وبغرض تجنب الالتباس المفهومي، تتبنى هذه الدراسة مفهوم التنوع العرقي والاجتماعي الشامل، الذي يستوعب التباينات في الخلفيات الثقافية والعرقية والدينية واللغوية والجندرية والهوياتية داخل المؤسسة العسكرية. وتستند الدراسة إلى التعريف الذي وضعته القوات المسلحة الأميركية، والذي يأخذ في الحسبان السمات والخبرات والثقافات المختلفة للجنود والمدنيين وأفراد عائلاتهم، وهي عناصر تعزز الكفاءة الشاملة، وتسهم في تكوين جيٍشٍ متكيٍفٍ وذّكٍيّ ثقافًّيًا  24. وُيُعد هذا المفهوم موجزًا ودقيقًا، لكنه أيضًا عملٌيٌ، ويتيح إمكانية تطبيقه في سياقات إمبريقيةٍ مقارنة. من منظور أوسع، يعدّ مفهوم التنوع مفهومًا متعدد الأبعاد؛ لكنّ هذه الدراسة تركّز على التنوع العرقي والاجتماعي، نظرًا إلى الدور التاريخي المهم الذي اضطلع به، وخاصة في سياق المؤسسة العسكرية. ونرى في هذا الشأن وجوَبَ التمييز بين مصطلحي التنوع وتكافؤ الفرص؛ لأنهما يُستخدمان تبادلًّيًا في الغالب، على الرغم من اختلاف أغراض كٍّلٍ منهما في المنهجية والهدف، ولكٍّلٍ منهما عملية تنفيذية متميزة خاصّة به. وفي هذا الإطار، يوضح أندريه سايلز Sayles Andre بعض الاختلافات الرئيسة بين المصطلحين؛ منها أن التنوع أوسع في المفهوم من تكافؤ الفرص؛ لأنّه يعالج أيّ اختلاف يمكن أن يؤثّر في الفعالية التنظيمية، ولا يركّز على الاختلافات الواردة في لوائح الجيش فحسب  25، مثل الِعِرق أو الجنس أو الأصل القومي. أما في مجال الدفاع والجيش، فإن مصطلَحَي العمل الإيجابي Assertive Action وتكافؤ الفرص Equal Opportunity يشيران إلى السياسات المستوحاة من التشريعات التي وُضعت في حقبة الحقوق المدنية، والتي صُِّمِمت لتساعد في معالجة أشكال التحيز والتمييز التي كانت تتعرض لها أقليات المجتمع الأميركي في أماكن العمل. وُعُرّف تكافؤ الفرص بأنه "الاعتبار والمعاملة على أساس الجدارة واللياقة والقدرة بغضّ النظر عن الِعِرق أو الدين أو الجنس أو الأصل القومي"، في حين عُرف العمل الإيجابي بأنّه "إجراٌءٌ إيجابٌيٌ يتخذه الجيش لضمان حصول جميع الجنود وعائلاتهم على فرص متكافئة." ومن ذلك، تسعى سياسات العمل الإيجابي عمومًا إلى تحديد الفرص المتاحة للفئات المحرومة التي تعاني التمييز من أجل تعويضها عن أوجه الحرمان وعدم المساواة التي قد تكون ناتجة من التمييز في الماضي  26. ب ناءً عليه، يَُعَُّدُ التنوع، في سياق المؤسسة العسكرية وفي مجال الدفاع، مصطلحًا حديثًا ومفهومًا واسعًا وفضفاضًا. لكنّ هذه الدراسة تؤطره

  1. Caforio & Nuciari (eds.).
  2. 25  Ibid., p. 9.
  3. About Diversity, Equity and Inclusion," Army Diversity Office , 20/2/2023, accessed on 6/6/2024, at: https://acr.ps/1L9BPzJ
  4. Anthony D. Reyes, "Strategic Options for Managing Diversity in the US Army," Military Fellow Research Report , Joint Center for Political and Economic Studies (June 2006), p. 7, accessed on 6/6/2024, at: https://bit.ly/3W6syKo
  5. 22 ينظر: أرونوفيتز.

ضمن التنوع العرقي والاجتماعي الشامل في المؤسسة العسكرية، وقد عرّفته القوات المسلحة الأميركية بأنه "مزيج جماعي من الاختلافات وأوجه التشابه البشرية" 27. وُأُضيف إلى هذا التعريف أنه مزيج من الاختلافات التي تخلق فرصًا للقيمة التنظيمية في المؤسسة العسكرية، وتعزز قدرتها على إنجاز المهّم ات، وتركّز على المؤسسة العسكرية والفرد المنتسب إليها معًا؛ لأنّ أحدهما يكمُلُ الآخر. يعدّ التنوع العرقي والاجتماعي أشمل من مفهومي تكافؤ الفرص والعمل الإيجابي؛ فهو لا يقتصر على ضمان العدالة للفئات المختلفة، بل يركّز على استيعاب الأفراد من خلفيات عرقية وثقافية واجتماعية متنوعة داخل المؤسسة العسكرية، ويهدف إلى تعزيز التفاعل الإيجابي بين الفئات المتنوعة، وضمان تمثيلها على نحو عادل ومتكافئ في مستويات القيادة والوظائف العسكرية جميعًا، ويتعدى ذلك ليشمل الاحتفاء بالاختلافات الثقافية والعرقية والاعتراف بها، بوصفها قيمةً يجلبها هذا التنوع إلى المؤسسة. تعود أسباب اختيار مفهوم التنوع العرقي والاجتماعي الشامل إلى استناده إلى فكرة مفادها أنّ الاختلاف يضيف قيمةً تنظيميةً إلى العمل، ويعزّز من إنجاز المهمات داخل المؤسسة العسكرية، في حين أنّ المفاهيم الأخرى، مثل تكافؤ الفرص أو العمل الإيجابي، لا تفترض بالضرورة أن هذا التنوع الناجم عنها سيساهم في تحسين الفعالية التنظيمية؛ فالتنُّوُع الشامل يقوم على فكرة مفادها أنّ الاختلاف، في حد ذاته، مصدر قوة، ويساهم في تحسين الفعالية 28. ويركّز التنوع العرقي والاجتماعي على المنظمة وأفرادها، على عكس المفاهيم الأخرى، التي تركز على الأفراد والمجموعات فحسب. لذلك، فهو يعدّ مقاربةً من أعلى إلى أسفل، وُيُنظر إليه بوصفه جزءًا من استراتيجية تنظيمية كبرى، تهدف إلى تعزيز الأداء الكلي للمؤسسة، وتديره القيادة العليا، في حين أن المفاهيم الأخرى تركّز على ضمان العدالة والإنصاف على مستوى الأفراد والجماعات  29. بناءً عليه، تستخدم الدراسة هذه الفروق المهمّة أساسًا لفهم قضايا التنوع في الحالتين محلّ الدراسة. بالعودة إلى تجارب مخَتَلف الدول في إدارة التنوع العرقي والاجتماعي الشامل في مؤسساتها العسكرية، يتضح أنها تستخدم أساليَبَ مختلفةً لإدارته، ومن ثمّ واجهت إشكالية في التباين بين الرؤيتين المعيارية والممارساتية في إدارة التنوع؛ ما انعكس، على نحٍوٍ لافٍتٍ، على أداء العسكريين داخل المؤسسة العسكرية من ناحية مقاومة الأفراد للتغيير، أو صعوبات دمج الأفراد من خلفياٍتٍ عرقيةٍ واجتماعيةٍ متنوعةٍ ضمن بنيةٍ تنظيميةٍ موحدةٍ  30 ذات ثقافةٍ مهنيةٍ وتنظيميةٍ مشتركة. يمكن تلخيص تجارب الدول في إدارة التنوع العرقي والاجتماعي الشامل في قسمين: دول تهتم بإدارة التنوع العرقي والاجتماعي في مؤسساتها العسكرية، مع تحقيق تقدم ملموس في ذلك، ودول أخرى بدأت حديثًا بالاهتمام بالتنوع العرقي والاجتماعي، لكنها لم تبلور بعد استراتيجية كاملة بشأن ذلك. 3. الاهتمام الغربي بدراسات التنوع العرقي والاجتماعي في المنظومة العسكرية يشدد العديد من الأبحاث والتقارير في الغرب على أهمية إدارة التنوع العرقي في المؤسسة العسكرية، نظرًا إلى أهمية الرؤية المشتركة التي يحملها أفرادها، والتي تتجاوز الهويات المختلفة 31. وقد قدم مركز جنيف للرقابة الديمقراطية قضية تعدّد الأعراق في القوات المسلحة في الدول الواقعة في منطقة الأورو-أطلسي، فسلّط الضوء على الاهتمام الشديد والمتزايد بقضية التنوع العرقي في المؤسسات العسكرية من خلال مناقشة تجارب الدول المختلفة، وقسّمها إلى ثلاثة أقسام: الأول، دول تعتمد برامج خاصة بالأقليات في قواتها المسلحة، مثل الولايات المتحدة. الثاني، دول تضمّ تشكيلات عسكرية متوازنة عرقيًا، وتتمتع الجماعات العرقية فيها بوضع متساٍوٍ، مثل سويسرا. الثالث، دول لا تعتمد برامج خاصة بالأقليات في قواتها المسلحة، مثل ألمانيا وفرنسا. ويوضح المركز نفسه أنً ثمة دولًاديمقراطية تتبنى شعارات الانفتاح والمساواة وحقوق الإنسان، لكنها ما زالت تضطهد الأقليات في مجتمعاتها ومؤسساتها العسكرية. وهذا من شأنه أن يثبت أن وجود نظام ديمقراطي فحسب، لا يضمن بالضرورة النجاح في إدارة التنوع العرقي والاجتماعي  32.

  1. Ibid., p. 11.
  2. Charles Moskos, "Diversity in the Armed Forces of the United States," in: Joseph L. Soeters & Jan Van der Meulen (eds.), Cultural Diversity in the
  3. Reyes, p. 10; Charles C. Moskos, "From Institution to Occupation: Trends in Military Organization," Armed Forces & Society , vol. 4, no. 1 (1977), pp. 41-50.
  4. Butler & Moskos, pp. 89-112. 30  James Burk (ed.), The Military in New Times: Adapting Armed Forces to a Turbulent World (Boulder, CO: Westview Press, 1994), pp. 85-102.
  5. Armed Forces: An International Comparison (New York: Routledge, 2007), pp. 29-44.
  6. Multiethnic Armed Forces," The Geneva Centre for the Democratic Control of Armed Forces (DCAF) (November 2005), accessed on 6/6/2024, at: https://acr.ps/1L9BPIZ

في السياق نفسه، نشرت وزارة الدفاع الأميركية تقريرًا عن كيفية دعم الجيش للتنوع والإشراك/ الإدماج Inclusion & Diversity. ويستعرض التقرير أهمية إدارة التنوع العرقي والاجتماعي بوصفه وسيلةً لتحقيق الهدف الرئيس، وهو تحقيق "المهمة المشتركة في الجيش"؛ ما يعزز من فعاليته وقوته عندما يتّحد أفراده من مختلف الأعراق والثقافات والهويات في مهمّة مشتركة، ويبّي نالجهود التي يضمن بها الجيش تكافؤ الفرص وقبول الاختلافات الفردية بين منتسبيه جميعًا، وكيفية اتخاذ وزارة الدفاع خطوات لمكافحة التحيز، والتأكد من أن الجيش يعكس تنوع الأمة، ويعزز وجود بيئةٍ يُعامل فيها كل فرد بكرامة واحترام  33. لذلك، يُعدّ التقرير مث لًاواضحًا على كيفية التعامل مع قضية التنوع العرقي في المؤسسة العسكرية؛ لأنه يتناولها من الجانب المعياري، وخاصة اللوائح القانونية والسياسات التي تُعدّ أساسًا لتوجيه السلوكيات والإجراءات، وتهدف إلى تعزيز الشمولية والتنوع، وضمان تكافؤ الفرص وقبول الاختلافات بين أفراد الجيش جميعًا، كما يوضح الآليات التي يفترض أن تتبعها المؤسسات العسكرية. على سبيل المثال، لدى بعض الدول الغربية المتطورة اهتماٌمٌ بشأن التنوع العرقي والاجتماعي في مؤسساتها العسكرية، وخاصة الولايات المتحدة؛ إذ تُعدّ إدارة التنوع العرقي والاجتماعي ضرورية من أجل الاستقرار السياسي والتنمية داخل المجتمع كلّه. وُتُعدّ هذه الإدارة داخل المؤسسة العسكرية تحدّيًا معقدًا وحيويًا للقيادة العسكرية؛ إذ تتكون هذه المؤسسة غالبًا من أفراد من خلفيات ثقافية وإثنية مختلفة. وليس الاعتراف بهذا التنوع واحتضانه مسألَةَ عدالةٍ اجتماعيةٍ فحسب، بل هو ضروري أيضًا لتعزيز التماسك والروح المعنوية ونجاح المهمة المشتركة عمومًا. وقد أصبح التمسك بإدارة التنوع العرقي في المؤسسة العسكرية شرطًا من شروط التحديث والدمقرطة، وعاملًا مهًّم ا في ترسيخ الثقافة العسكرية المعاصرة. وكما تقول ليندي هانيكن ونويل كاولينج: "تعتبر العديد من الدول الديمقراطية أن من الضروري أن تكون قواتها المسلحة ممِثِلةً على نطاق واسع السكاَنَ فيما يتعلق بالعرق والتركيبة الإثنية والطبقة الاجتماعية والدين والجندر" 34. أما في الأدبيات الكلاسيكية في علم الاجتماع العسكري، فنجد أن مسألة الاحتراف العسكري ارتبطت أيضًا بجدل العلاقة بين المؤسسة العسكرية والمجتمع، وهو ما تناوله هنتنغتون وجانويتز وغيرهما من المنظّرين. ف جذور مسألة الاحتراف في الأدبيات العسكرية تعود إلى أعمال هنتنغتون التي أسست لفكرة أنّ هيئة الضباط هي هيئة مهنية تعتمد على المعرفة المتخصصة والمسؤولية الأخلاقية؛ إذ يتصف الضابط العسكري المعاصر بأنّه رجٌلٌ مهنٌيٌ يحترف مهنته التي تتطلب تطويرًا مستمرًا والتزامًا صارمًا بالقيم الأخلاقية والمهنية التي تميز هذا الدور  35. وتكتسب هذه المناقشات أهميةً في هذا السياق؛ لأنها توضح أن العلاقة بين المؤسسة العسكرية والمجتمع، سواء من منظور الفصل أو الدمج، تشكّل الإطار المرجعي الذي تُطرح فيه أيضًا قضية التنوع العرقي والاجتماعي؛ فالاحترافية أو المهنية هي ما يميّز الضابط العسكري اليوم من المحاربين السابقين، وتساهم في تشكيل علاقات جديدة ومعقدة بين المؤسسة العسكرية والمجتمع المدني، مبنيّة على أسس مهنية وتنظيمية تتجاوز الاعتبارات التقليدية. وقد انقسمت الأدبيات في هذا الصدد إلى تيارين: فمن جهة، مثّل المحافظون، وعلى رأسهم هنتنغتون، الاتجاه الذي يشدد على ضرورة الفصل الصارم بين الجيش والمجتمع المدني من أجل الحفاظ على الفعالية والانضباط، معتبرًا أنّ أي انفتاح مفرط يهدد استقلالية المؤسسة العسكرية  36. في المقابل، برز التقدميون بقيادة جانويتز، الذين رأوا أن الدمج المتزايد بين القوات المسلحة والمجتمع المدني يعزّز الشرعية والفعالية معًا، ويساهم في بناء جيش أكثر ديمقراطية، ويعكس تنوع المجتمع وقيمه  37. بذلك، يصبح الجدل بين هذين الاتّجاهين، المحافظ والتقدمي، مدخلًانظريًا لفهم إدارة التنوع العرقي والاجتماعي؛ إذ لا يُنظر إلى التنوع بوصفه قضيَةَ عدالةٍ اجتماعيةٍ فحسب، بل عنصرًا من عناصر احترافية المؤسسة العسكرية، وشرطًا من شروط قدرتها على التكيف مع تحولات المجتمع الذي ينحدر أفرادها منه. في هذا السياق، تناقش هذه الدراسة التنوع، وتكافؤ الفرص في القوات المسلحة الأميركية وعلاقتها بالكونغرس، من خلال تقرير عنوانه "التنوع والاندماج وتكافؤ الفرص في القوات المسلحة: خلفية وقضايا من أجل الكونغرس" 38، يتناول الجانب القانوني للدستور الأميركي الذي يحثّ على التنوع وتكافؤ الفرص خاصة في المؤسسة العسكرية. فبموجب المادة 1() القسم 8() من دستور الولايات المتحدة، يمتلك الكونغرس سلطة تشكيل الجيوش ودعمها. وقد

  1. Diversity, Inclusion, and Equal Opportunity in the Armed Services: Background and Issues for Congress," CRS Reports , Congressional Research Service, 5/6/2019, accessed on 6/6/2024, at: https://acr.ps/1L9BPlL
  2. Lindy Heinecken & Noëlle van der Waag-Cowling, "The Politics of
  3. Huntington, pp. 7-18.
  4. Ibid., pp. 98-80.
  5. Janowitz, pp. 44-48, 418-421. 37 " Diversity, Inclusion, and Equal Opportunity in the Armed Services: Background and Issues for Congress."
  6. Race and Gender in the South African Armed Forces: Issues, Challenges, Lessons," Commonwealth & Comparative Politics , vol. 47, no. 4 (2009), p. 518.

استخدم هذه السلطة لوضع معايير التجنيد للخدمة العسكرية والترقية فيها والتقاعد منها، بناءً على الخصائص الديموغرافية، مثل الِعِرق والجنس، خاصة أن العقود القليلة الماضية كانت قد شهدت تغّي رات متسارعة في بعض القوانين والسياسات المتعلقة بالتنوع والاندماج وتكافؤ الفرص، ولا يزال بعضها مثيرًا للجدل ويواجه تحديات قانونية مستمرة  39. وعند اّطلّاعنا على التجربة الأميركية، نجد أن الكونغرس - الذي واجه ضغوطًا من الأقليات في المجتمع التي أثّرت في تطور ذلك المسار وساهمت فيه - هو المسؤول عن تطور مسار التنوع العرقي والاجتماعي في المؤسسة العسكرية من الناحية المعيارية. من ناحية أخرى، أصدر مركز راند للأبحاث دراسة مهمة تتناول الاستفادة من التنوع، لتحقيق الفعالية العسكرية وتعزيزها، من خلال التنوع والاندماج والانتماء في المملكة المتحدة والولايات المتحدة. وبالتركيز على القوات المسلحة الأميركية، تناولت الدراسة الفرص المتاحة لمعالجة الأولويات الاستراتيجية ذات الصلة بالتنوع، وناقشت الخطوات العملية التي يمكن أن تتخذها القوات المسلحة لتحقيق هذه الفرص. وسلطت الضوء على خيارات محددة، يمكن أن تتبناها القوات المسلحة الأميركية لضمان الاستفادة الكاملة من الروابط بين التنوع والفعالية العسكرية في المستقبل  40. وتعتبر هذه الدراسة من الدراسات المهمة التي تناولت بدقة ظاهرة التنوع العرقي في المؤسسة العسكرية، وأكّدت على أهميتها في تعزيز الفعالية العسكرية. ولتوضيح البعد المعياري في مأسسة التنوع، وضع الكونغرس عبر تشريعات متتالية معايير واضحة تتعلق بتكافؤ الفرص والتنوع في القوات المسلحة. فإشارة مرة أخرى إلى المادة 1() القسم 8() من الدستور، مُنح الكونغرس سلطة تنظيم الجيوش، واسُتُخدمت هذه السلطة لإقرار تشريعات الحقوق المدنية لعام 1964، وإدماج سياسات تكافؤ الفرص والعمل الإيجابي في سبعينيات القرن العشرين، ثم جرى تطويرها لاحقًا عبر مجموعة من التقارير 41، ولا سّيمّا التوجيه الصادر عن وزارة الدفاع الأميركية عام 2020 بشأن التنوع والإشراك/ الإدماج، الذي ألزم وزارة الدفاع بإعداد تقارير دورية عن تمثيل الأقليات والنساء في مختلف الرتب العسكرية  42. وتشير بيانات الوزارة لعام 2022 إلى أن الأقليات تشكّل نحو 31.2 في المئة من مجموع أفراد القوات النظامية الأميركية، من بينهم 18.4 في المئة من ذوي الأصول اللاتينية Latino or Hispanic، و 17 في المئة من الأميركيين-الأفارقة، ونحو 4 في المئة من الآسيويين، في حين مثّل الأميركيون الأصلانيون أقل من 2 في المئة من إجمالي القوات المسلحة  43. وبلغت نسبة النساء نحو 17.5 في المئة من إجمالي أفراد القوات النظامية، لكن هذه النسبة تتراجع بوضوح في رتب الضباط العليا Officers لتصل إلى أقل من 10 في المئة 44. وعلى مستوى القيادة العليا، ما زالت المناصب الحساسة متركّزة في أيدي الضباط البيض؛ إذ لم يتوَّلَ منصب وزير الدفاع من الأقليات سوى لويد أوستن Austin Lloyd 2025-2021() بصفته أول وزير دفاع من أصل أفريقي  45، كما أن غالبية قادة القيادات القتالية الموحدة Unified Combatant Commands الإحدى عشرة ينتمون إلى خلفيات بيضاء، مع استثناءات محدودة في قيادة النقل وقيادة القوات الجوية. وُتُظهر هذه المؤشرات أن المؤسسة العسكرية الأميركية، رغم التقدم الكبير على المستوى المعياري والتشريعي، لا تزال تواجه تحديات في ترجمة هذه المعايير إلى واقع ملموس، يضمن تمثيلًامتوازنًا للأقليات والنساء داخل هرم القيادة؛ ما يجعل التجربة الأميركية بعيدة عن النموذج المثالي، وإن كانت تظل مرجعًا مهمًا للمقارنة بالحالة السعودية.

4. دراسات التنوع العرقي والاجتماعي في المنظومة العسكرية عربيًا

تعاني الأبحاث العربية شًّحًا ملحوظًا في الدراسات التي تتناول الجيوش من منظور علم الاجتماع العسكري، على عكس الأكاديميا الغربية التي أَوَْلَْتْ اهتمامًا بموضوع التنوع العرقي والاجتماعي في المؤسسات العسكرية. لكن، هناك بعض الدراسات الغربية التي تناولت، مثلًا، موضوع الجيوش في دول الخليج من منظور علم الاجتماع العسكري،

  1. Huntington.
  2. 43 " Active Component Demographics," U.S. Army , 30/6/2022, accessed on 17/4/2025, at: https://acr.ps/1L9BPSa
  3. Diversity, Inclusion, and Equal Opportunity in the Armed Services."
  4. U.S. Department of Defense, Department of Defense Board on Diversity and Inclusion Report: Recommendations to Improve Racial and Ethnic Diversity and Inclusion in the U.S. Military (December 2020), accessed on 6/6/2024, at: https://acr.ps/1L9BPeU
  5. U.S. Department of Defense, 2023 Demographics: Profile of the Military Community (Washington, DC: DoD, 2023), pp. 12-13, accessed on 17/4/2025, at: https://acr.ps/1L9BPny
  6. 39  Linda Slapakova et al., Leveraging Diversity for Military Effectiveness (Cambridge, UK: RAND Europe, 2022), accessed on 6/6/2024, at: https://acr.ps/1L9BPIW
  7. يضاف إلى ذلك، لكن في مستوى هرمي أدنى، كولين باول Colin Powell الذي تولى رئاسة هيئة الأركان المشتركة في الفترة.)1993-1989(

منها دراسة ناقشت بناء الجيش الحديث في السعودية خلال العقود التي أعقبت الحرب العالمية الأولى، بعنوان "القبائل والانقلابات والأمراء: بناء الجيش الحديث في السعودية"؛ وهي تستعرض السياق التاريخي والاجتماعي الذي أ نشئ فيه الجيش الحديث، وأهم العوامل التي ساهمت في تشكيله، وكيفية دمج القبائل فيه، وكيفية ظهور هيئة الضباط المحترفين، ومدى قوة الروابط القَبَلية والعائلية وكيفية ترسيخها في نظام الحكم الوراثي في السعودية وعلاقته بالمنظومة العسكرية  46. وثمة دراسة أخرى تتناول استراتيجية التجنيد الإلزامي في دول الخليج، ولا سيما في الإمارات العربية المتحدة ودولة قطر والسعودية، بعنوان "القومية العسكرية في الأنظمة ا لَََكية الخليجية"، تستعرض كيفية تشكيل الهوية القومية العسكرية في الجيوش الخليجية؛ إذ نفّذت الدول الثلاث، خلال أول عقدين من القرن الحادي والعشرين، مشاريع من أعلى إلى أسفل، تهدف إلى تكوين هويات وطنية متجانسة ومحدّدة المعالم. ويشمل ذلك إقامة معارض ومتاحف تبُرز التاريخ والتراث الوطنيين، إضافة إلى مأسسة احتفالات اليوم الوطني. وأصبحت الهندسة الاجتماعية، من خلال تعديل مناهج التعليم، عاملًاأساسًّيًا في تعزيز هوية وطنية قادرة على تخطّي الانقسامات المذهبية والقَبَلية والمناطقية. لذلك، تعتمد الأنظمة اََلَكية الخليجية في استراتيجياتها على البعد العسكري ضمن مشاريعها لترسيخ الهوية الوطنية؛ ما يمثّل عنصرًا جديدًا في آليات بناء الدولة في المنطقة. وقد أطلقت بعض الدول الخليجية، أيضًا، مسارًا أوّلًّيًا لا يزال مستمرًا لبناء الأمة، فقد كان البعد العسكري هامشًّيًا في هذه العملية. وقد أدّى الجيش دورًا محوريًا في نشوء المملكة العربية السعودية، لكن حتى في هذه الحالة، لم يكن العامل العسكري العامل الأبرز في عملية بناء الأمة. وبدلًامن ذلك، كان للدين دوٌرٌ أشدّ حسمًاوتأثيرًا في تعزيز الشعور بالوحدة الوطنية السعودية، وساهم، إلى حد بعيد، في توحيد مختلف القبائل والمناطق تحت لواء الدولة  47. إن الشحّ الواضح في الدراسات المتعلقة بالتنوع العرقي والاجتماعي في المؤسسة العسكرية يستوجب مساعي حثيثةً وجادّةً لسدّ هذه الفجوة المعرفية في الدراسات العربية، وخاصّة من منظور علم الاجتماع العسكري. فمن شأن ذلك تعزيز مساهمة هذا الحقل، إذا ما جرى توظيف نظرياته ومناهجه عربيًا، في دراسة المؤسسة العسكرية العربية وتطويرها، بما يدعم فاعليتها وقدرتها على مجاراة ما حققته المؤسسات العسكرية الغربية المتقدمة.

ثانيًا: ملامح إدارة التنوع العرقي والاجتماعي في المؤسستين العسكريتين الأميركية والسعودية

تُعد إدارة التنوع العرقي والاجتماعي في المؤسسات العسكرية من القضايا المعقدة والمثيرة للجدل، وخاصة عند مقارنة الحالة السعودية بالتجربة الأميركية اللتين تشهدان تفاوتًا كبيرًا في هذا المجال. ففي الحالة السعودية، بدأت سيرورة التنوع العرقي والاجتماعي في المؤسسة العسكرية تتبلور تدريجيًا رغم التحديات الكبيرة التي واجهتها، وذلك بسبب الاعتبارات التاريخية والثقافية المرتبطة بنشأة المملكة (وسيرورة بناء الدولة نفسها) وبطبيعة المجتمع السعودي الذي يعدّ من أكثر المجتمعات تنوعًا، من ناحية الخلفيات القَبَلية والطائفية والمناطقية، نظرًا إلى تاريخها الممتد والمتشابك. في حين تُعد التجربة الأميركية من أبرز التجارب في إدارة التنوع العرقي والاجتماعي في المؤسسة العسكرية، كما أسلفنا.

1. التنوع العرقي والاجتماعي: النشأة والأسباب

يتناول هذا المبحث في البداية التجربة الأميركية بوصفها حالة مرجعية رسّخت تقاليد إدارة التنوع العرقي والاجتماعي في المؤسسة العسكرية عبر مساٍرٍ تاريخٍيٍ طويٍلٍ، ثم ينتقل لاحقًا إلى الحالة السعودية التي ما زالت في طور التبلور، من أجل إبراز أوجه التشابه والاختلاف بينهما. من خلال دراسة الحالة السعودية والتجربة الأميركية في إدارتهما التنوع العرقي والاجتماعي في مؤسستيهما العسكريتين، حاولنا تقييم المقاربتين عبر المقارنة بين ما هو معياري، من ناحية المبادئ القانونية والدستورية التي تنصّ على العدالة والمساواة، وما هو ممارساتي، أي ما يتعلق بالممارسات الفعلية من ناحية التفاوتات بين الأفراد في التنظيمات العسكرية التي تُشِّكِل تحديات أمام تعزيز فعالية المؤسسة العسكرية وكفاءتها، إضافة إلى تحليل المؤشرات المجتمعية ودورها الأساسي في إدارة التنوع العرقي والاجتماعي في المؤسسة العسكرية. في التجربة الأميركية، من الممكن قياس إدارة التنوع العرقي والاجتماعي، على نحو أوضح، من خلال مقارنةٍ بين ما هو معياري وما هو واقعي، وذلك بفضل وفرة المعلومات الضرورية. فقد تبّي ن أن إدارة التنوع شهدت تطورًا في التجربة الأميركية، وذلك من خلال

  1. Stephanie Cronin, "Tribes, Coups and Princes: Building a Modern Army in Saudi Arabia," Middle Eastern Studies , vol. 49, no. 1 (January 2013), pp. 2-28.
  2. إليونورا أردماني، "القومية العسكرية في الأنظمة المَلَكية الخليجية"، صدى، مركز كارنيغي للسلام الدولي، 2019/2/28، شوهد في 2024/6/6، في: https://bit.ly/49ixf8t

دراسة كيفية بدء هذه العملية والسياق الذي ساهم في دعم الأقليات داخل المؤسسة العسكرية الأميركية التي عانت التمييز والتحيز طويلًا. فقد مرّ الجيش الأميركي بمراحل واضحة حتى وصل إلى الوضع الحالي من قدرة فعّالة على إدارة التنوع العرقي والاجتماعي. ففي مرحلة ما قبل عام 1948، كان الجيش يعاني الفصل العنصري الصارم؛ إذ خدم الجنود السود والأقليات في وحدات منفصلة، وغالبًا في مهمات ثانوية. ومع صدور الأمر التنفيذي رقم 9981 عن الرئيس هاري ترومان Truman Harry في عام 1948، بدأت مرحلة الإلغاء الرسمي للفصل العنصري  48، وتبعتها في الستينيات ضغوُطُ حركة الحقوق المدنية التي دفعت الجيش إلى تطبيق سياسات أوسع للمساواة  49. وفي السبعينيات والثمانينيات، برزت مرحلة الإشراك/ الإدماج التدريجي، عبر برامج تكافؤ الفرص والعمل الإيجابي، التي استهدفت ضمان فرص متكافئة للأقليات والنساء. وفي التسعينيات، دخلت المؤسسة العسكرية مرحلة جديدة عُرفت بسياسات التنوع والإشراك/ الإدماج التي ربطت إدارة التنوع مباشرة بالجاهزية القتالية والفعالية التنظيمية  50. وفي أثناء هذا المسار التاريخي الطويل وبفضله، أصبح الجيش الأميركي اليوم أكثر تنوعًا من المجتمع الذي ينتمي إليه؛ إذ تشكّل الأقليات نحو ثلث أفراده، وإن كانت لا تزال تواجه صعوبات في الوصول إلى قمة هرم القيادة العسكرية. وعلى خلاف التجربة الأميركية، ثمة صعوبة في قياس إدارة التنوع العرقي والاجتماعي في الحالة السعودية من خلال المقارنة بين ما هو معياري وما هو ممارساتي، وذلك بسبب وقيود إتاحة البيانات في المؤسسة العسكرية السعودية، وخاصة أن هذه القضية تُعدّ من القضايا الحساسة والمثيرة للجدل في المجتمع السعودي. ومع ذلك، لا يمكن تجاهل أهمية الحالة السعودية؛ إذ تستحق تسليط الضوء عليها في ظلّ ندرة الدراسات المتعلقة بالتنوع العرقي والاجتماعي في مؤسستها العسكرية، وخاصّة من منظور علم الاجتماع العسكري. وفي التجربة الأميركية، بدأت ملامح عملية إدارة التنوع العرقي والاجتماعي تتشكّل بوضوح بعد الحروب التي خاضها الجيش الأميركي، وخاصّة الحرب العالمية الثانية، التي شهد فيها هذا الجيش تدفقًا لأفراد من خلفيات عرقية مختلفة، بمن فيهم الأميركيون من أصل أفريقي، والأميركيون من أصل إسباني، والأميركيون الآسيويون، والأميركيون الأصلانيون. وعلى الرغم من أن خدمة هذه المجموعات كانت غالبًا منفصلة أو مقتصرة على وحدات معينة، فإن العديد من جنود الأقليات حصلوا على أوسمة عسكرية متفاوتة تقديرًا لخدمتهم، وهو ما مهّد لهم الطريق للاندماج الكامل في الجيش الأميركي اليوم  51. لقد شكّلت الحرب العالمية الثانية نقطة تحول مفصلية، نحو تعزيز الاندماج والتنوع العرقي والثقافي داخل الجيش الأميركي. فالأمر التنفيذي رقم 9981 فرض إلغاء الفصل العنصري في القوات المسلحة، وأكّد على تحقيق المساواة بين الأفراد المنتسبين جميعًا، من ناحية المعاملة والفرص. بهذا، فهو يُعد أول إطار معياري لعملية إدارة التنوع العرقي والاجتماعي في المؤسسة العسكرية الأميركية. وكان للحرب الكورية 1953-1950() دوٌرٌ مهٌّمّ في تسريع عملية الإشراك/ الاندماج في المؤسسة العسكرية الأميركية، فقد خدم الجنود الأميركيون من أصول أفريقية جنبًا إلى جنب مع الجنود البيض في وحدات متكاملة  52. وفي خمسينيات القرن العشرين وستينياته، كان لحركة الحقوق المدنية تأثيٌرٌ كبيٌرٌ داخل الجيش الأميركي؛ إذ امتدت الدعوة إلى المساواة في الحقوق والفرص إلى القوات المسلحة. ومع مرور الوقت، استمر التنوع داخل الجيش في النمو، مع تزايد أعداد الأفراد من أصول إسبانية وآسيوية وغيرهم من الأقليات ممن يخدمون في مناصب قيادية مختلفة  53. وعلى الرغم من أن الجيش الأميركي قد بدأ مؤخرًا الترويج لفكرة التنوع العرقي والاجتماعي بوصفه مصدر قوة له، فإنه واجه تحديات في تطوير وسائل فعّالة لترويج هذا التنوع والاستفادة من مزاياه المتوقعة  54. فعلى المستوى المعياري، أنشأت المؤسسة العسكرية برنامج العمل الإيجابي وبرنامج Affirmative Action تكافؤ الفرص Equal Employment Opportunity بهدف تعزيز التنوع ومكافحة التمييز بين أفرادها، بغضّ النظر عن العرق أو الجنس 55. وتهدف مثل هذه البرامج إلى ضمان بيئة عمل عادلة وتعاونية، وتوفير فرٍصٍ متساويةٍ للترقي الوظيفي لأفراد الخدمة العسكرية جميعًا  56.

  1. Executive Order 9981: Desegregation of the Armed Forces," National Archives , 26/7/1948, accessed on 17/4/2025, at: https://bit.ly/42X6KF3
  2. Bernard C. Nalty, Strength for the Fight: A History of Black Americans in the Military (New York: Free Press; London: Collier Macmillan, 1989), pp. 517–560.
  3. Butler & Moskos, pp. 197-220.
  4. Moskos & Butler, pp. 45-75.
  5. Nalty, pp. 278-300.
  6. Sherie Mershon & Steven Schlossman, Foxholes and Color Lines: Desegregating the U.S. Armed Forces (Baltimore: Johns Hopkins University Press, 1998), pp. 201-225.
  7. Reyes, p. 11.
  8. ينظر موقع اللجنة المعنية بهذا البرنامج: U.S. Equal Employment Opportunity Commission, accessed on 13/8/2024, at: https://bit.ly/4gdg7Wr
  9. U.S. Army, FY22 MD-715 Report: Federal Agency Annual EEO Program Status Report (2023), at: https://acr.ps/1L9BPUl

ويركز الجيش الأميركي في تطبيق هذه البرامج والسياسات على تحديد أهداف واقعية قابلة للقياس والتحقيق، بدلًامن الاعتماد على نظام الحصص الثابتة. وذلك عبر مجموعة من المجالات التي تشمل: التقييم، والاتصال، والتجنيد، والانضمام، وتشكيل القوات، والترقيات، والتعليم العسكري المهني، والتكليفات، والانضباط، ومكافحة التمييز. إضافة إلى ذلك، يروّج الجيش الأميركي لنظام القيم القائم على الجدارة وتكافؤ الفرص، لما له من أثر في تعزيز الاستعداد القتالي وتماسك الوحدة العسكرية؛ إذ يجب على القادة ضمان "الإنصاف والعدالة لجميع الجنود" من أجل تطوير الكفاءة، وتعزيز الثقة، وتوفير مناٍخٍ للقيادة الإيجابية  57. أما في الحالة السعودية، فُيُعدّ المجتمع مجتمعًا متنوعًا، ديموغرافيًا وثقافيًا، نتيجة لموقع البلاد واحتضانها الأماكن المقدسة للمسلمين؛ ما جعل تاريخها تاريخًا ممتدًا من تدفقات الهجرة، الدينية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية. وإلى جانب الغالبية ذات الأصول العربية التي تنحدر من القبائل العربية القديمة، تشهد السعودية تنوعًا جغرافيًا واسعًا يعكس الاختلافات بين مناطق الشمال والجنوب والشرق والغرب والوسط، ونجم عن هذا التنوع موجات هجرة تاريخية، ساهمت في تشكيل الهوية الثقافية والاجتماعية  58. وتضم السعودية نسبة من السكان تعود أصولهم إلى الفرس والأوزبك والهنود، إضافة إلى آخرين من أصول تركية تعود إلى الدولة العثمانية، ومجموعات مهاجرة من آسيا الوسطى، عُرفت بين أهل الحجاز بالبخاريين، الذين قِدِموا بعد الحرب العالمية الثانية من إندونيسيا وأماكن أخرى متفرقة في جنوب شرق آسيا، وكذلك أقلية صغرى من أصول أفغانية. وقد أدى هذا التنوع الثقافي والجغرافي والديموغرافي في المجتمع السعودي، وخاصة في المنطقة الغربية (بما في ذلك مكة المكرمة والمدينة المنورة)، إلى نشأة ثقافات متنوعة وغنية داخل المجتمع. وقد أسهم دمج هذه الثقافات والهويات المتنوعة في تشكيل ثقافة حجازية مميزة، تعكس التنوع الكبير في الوافدين والمقيمين 59. وعلى الرغم من تنوع المجتمع السعودي عرقيًا وثقافيًا، فإن المؤسسة العسكرية لا تعكس ذلك، ويهيمن عليها تقليديًا أفراد ينتمون إلى العائلة المالكة وبعض المجموعات القَبَلية المرتبطة بها؛ ما أثار مخاوف بشأن التمثيل العادل وتكافؤ الفرص للمجموعات الأخرى  60. وِمِن ثََّمَ، يفترض أن ينعكس التنوع العرقي والاجتماعي الذي يميز المجتمع في المؤسسة العسكرية؛ فهي ليست سوى رافٍدٍ من روافده ومؤسساته الوطنية. تَُعَُّدُ نشأة القوات المسلحة السعودية الحديثة من أبرز مراحل سيرورة بناء الدولة الحديثة. ففي تلك الفترة، بدأت ملامح مشكلة إدارة التنوع العرقي والاجتماعي بالظهور، وخاصة بعد الصراعات التي شهدتها المؤسسة العسكرية، حين ناقش الأمراء والمسؤولون السعوديون مسألة التجنيد مع البعثة العسكرية البريطانية في أواخر أربعينيات القرن العشرين، فواجهت تحديات شتّى فيما يتعلق بتجنيد الضباط والجنود، والاحتفاظ بهم، وتدريبهم وتأهيلهم. وبرزت خلافات عميقة بشأن الأسلوب الأمثل للتجنيد في الجيش الحديث. وفي هذا السياق، كان الأمراء السعوديون وكبار المسؤولين والضباط يقدمون، دوريًا، فكرة التجنيد الإجباري بوصفه خيارًا ممكنًا لمواجهة هذه التحديات  61. ومنذ تأسيس التشكيلات العسكرية الأولى في نجد، في عام 1902، اعتمد الأمير عبد العزيز بن سعود على قوات عسكرية مكونة من أفراد من عشيرته، ومن بعض العائلات القَبَلية التي حاربت معه باستخدام أساليب شبه عسكرية، وقد حَّقَقت هذه القوات نجاحات عسكرية ضد قوى قَبَلية منافسة، ما أسهم في تحقيق انتصاراته، وتعزيز نفوذه في ظل الصراعات المتكررة على السلطة بين زعماء القبائل. وأدى ذلك دورًا في ترسيخ حكمه وتأسيس الدولة السعودية الحديثة  62. وفي عام 1917، شكّل ابن سعود قوة خاصة به، ما زالت قائمة حتى اليوم، هي "الحرس الوطني"، وهي لا تزال تحظى بأهمية خاصة بين قوات الجيش السعودي. كان ابن سعود يعتقد أن الحفاظ على الطابع القَبلَي والتراثي في الحرس الوطني سيساعده في تجنّب عدوى التسييس التي كانت قد بدأت في الانتشار في سلك الضباط في الدول العربية الأخرى، والتي مثلت تهديدًا لاستقرار النظام. وبذلك، يكون الحرس الوطني قد مثّل ثقلًاموازنًا للجيش من أجل الحفاظ على الأمن الداخلي من خلال زيادة حضور العائلة المالكة داخله. ولكن، مع تأسيس قوة الحرس الوطني، أصبحت هناك حالة من الغموض تشوب المشروع العسكري السعودي؛ إذ استمر تشكيل الجيش من العائلة المالكة والنخبة السعودية المرتبطة بها. وعلى الرغم من النصائح العديدة والمتكررة التي تلقّاها السعوديون من المستشارين الأجانب وبعض

  1. Reyes, p. 11.
  2. Madawi Al-Rasheed, A History of Saudi Arabia (Cambridge: Cambridge University Press, 2010), pp. 12-15, 23-25; تاريخ العربية السعودية بين القديم والحديث وينظر الترجمة العربية في: مضاوي الرشيد،،
  3. 61  Cronin, p. 5.
  4. ينظر: محمد المسفر وميسر سليمان، 59 دراسات خليجية: مراجعة في التاريخ والدولة والمجتمع (الدوحة: دار الشرق،.)2023 60  Al-Rasheed, p. 12.
  5. ترجمة عبد الإله النعيمي (بيروت: دار الساقي،.)2002
  6. 58  Al-Rasheed, pp. 26-27.

الأنظمة المجاورة، فإنهم رأوا أنّ مثل هذا التقسيم للقوى في المؤسسة العسكرية أمٌرٌ ضرورٌيٌ لتحصين البلاد ضد التأثيرات السياسية والحفاظ على الأمن الداخلي  63، ومنع تسييس القوات المسلحة. وحين طُِرِحت إمكانية تطبيق سياسة التجنيد الإجباري، برزت إشكالية جوهرية؛ تمثّلت في تحقيق التوازن بين أهداف الخدمة العسكرية الشاملة - إذ يجري تجنيد المواطنين المؤهلين للخدمة العسكرية جميعًا، بغضّ النظر عن انتماءاتهم القَبَلية أو الدينية – والرغبة في الحفاظ على الهيمنة القَبَلية والدينية. وظل هذا الجدل حول التجنيد الإجباري من دون حسم؛ إذ كان الجيش والحرس الوطني يفتقران باستمرار إلى القوى البشرية اللازمة. بناءً عليه، ظل التجنيد الإجباري يُقترح من حين إلى آخر بصفته بديلًامن التجنيد الطوعي لمعالجة مشكلات نقص القوة البشرية في الجيش. وبحلول القرن الحادي والعشرين، وبعد مرور 70 عامًا على الشروع في تحديث المؤسسة العسكرية السعودية، واستمرار المملكة في حيازة منظومات سلاح وتقنيات عسكرية متقدمة، ظلت مشكلة نقص القوة البشرية في الجيش من دون حّل   64. وتجدر الإشارة هنا إلى أن تأسيس الجيش السعودي وتشكيله جرى على غرار باقي المؤسسات الوطنية التي تتماشى مع مبادئ الدولة الحديثة، ولكن الهياكل العسكرية، بما في ذلك الجيش والحرس الوطني والحرس الملكي، ظلت مرتبطة بالقواعد القَبَلية والطائفية للعائلة المالكة التي دمجتها في المؤسسات الحديثة، وذلك بهدف تجنب أيّ تحديات قد تواجه بقاء البنية القبلية التقليدية. وبهذا، استمر دور الروابط القَبَلية والعائلية ثابتًا في هذه الهياكل المؤسسية  65. أما في الولايات المتحدة، فإن المجتمع الأميركي مجتمٌعٌ مرَّكٌَبٌ يتسم بتعدد إثني وعرقي وديني وثقافي، فضلًاعن تاريخ طويل من الانخراط في الصراعات العسكرية، بدأ منذ تأسيس الدولة الأميركية على أنقاض السكان الأصلانيين. وبسبب التعدد الإثني والعرقي والديني والثقافي الذي يتألف منه النسيج الاجتماعي والثقافي الأميركي، تختزن التركيبة الاجتماعية للمجتمع الأميركي بؤرًا للتوتر، وقد تنتج أشك لًامتعددة من الصراع. ومع ذلك، تمكنت الولايات المتحدة من تحقيق تقدّم ملحوظ في إدارة التنوع العرقي والاجتماعي في مؤسستها العسكرية. ويظهر هذا التقدم من خلال دمج التنوع العرقي والاجتماعي في مختلف جوانب المؤسسة العسكرية الأميركية، بما في ذلك التجنيد، والتدريب، والاحتفاظ بالجنود، والمشاركة في العمليات القتالية، وحتى التعيين في مناصب عليا، مثل منصبي وزير الدفاع ورئيس هيئة الأركان المشتركة. وعلى الرغم من هذا التقدم في دمج التنوع العرقي والاجتماعي في المؤسسة العسكرية، والتشكيلة الواسعة من الأعراق والثقافات التي تميزها، فإن إدارة هذا التنوع لا تزال تمثّل تحديًا مستمرًا، وخاصة فيما يتعلق بضمان المساواة والإنصاف بين أفراد الخدمة العسكرية جميعًا، ومكافحة أشكال التحيز والتمييز 66. تمتلك الولايات المتحدة أضخم جيش في العالم، وهو مصدر قوتها الرئيس  67. ويرتبط جانب من هذه القوة بالتنوع العرقي والاجتماعي الواسع الذي يتميز به الأفراد المنتسبون إلى مؤسستها العسكرية. وعند المقارنة بين ما كانت عليه المؤسسة العسكرية الأميركية في خمسينيات القرن العشرين وما أصبحت عليه اليوم، يتضح حجم التحول الذي شهدته، إذ أصبحت إحدى أكثر المؤسسات تنوعًا وتمثيلًافي الولايات المتحدة  68. وهي تسعى، من خلال الحفاظ على ما حققته في ذلك، إلى الحفاظ أيضًا على مكانتها بوصفها قوة عظمى في النظام الدولي الراهن. وفي هذا السياق يؤكد جيسون ليال أنّ الانتصار في ساحة المعركة على مدى الأعوام المائتين الماضية عادةً ما يذهب إلى الجيوش الأكثر إشراكًا وإدماجًا، لا الجيوش الأضخم أو الأفضل تجهيزًا. بعبارة أخرى، من شأن الإدماج والإشراك أن يكون مفيدًا للفعالية العسكرية  69. بناءً عليه، يجب أن يكون الحفاظ على التنوع العرقي والاجتماعي في المؤسسة العسكرية أولوية استراتيجية دائمة، ويسري ذلك أيضًا على تنمية هذا التنوع والإشراك/ الإدماج وتعزيز ممارسته على نحو مستمر، بين صفوف الأفراد من الضباط الأدنى رتبة إلى الضباط الأعلى رتبة  70.

2. المؤشرات المجتمعية في إدارة التنوع العرقي والاجتماعي في المؤسسة العسكرية

. أ مؤشر التمييز بين الجنسين

تكشف مقارنة مؤشر التمييز بين الجنسين، بين التجربة الأميركية والحالة السعودية، عن تفاوت واضح في إدارته من ناحية إشراك/ إدماج النساء في المؤسسة العسكرية. ففي الولايات المتحدة، تشير

  1. Ibid., p. 17.
  2. Ibid., p. 23.
  3. Ibid., p. 3.
  4. Department of Defense Board on Diversity and Inclusion Report."
  5. 2024 Military Strength Ranking," Global Firepower (2024), accessed on 6/6/2024, at: https://bit.ly/3WgQydS
  6. Reyes, p. 19.
  7. Jason Lyall, Divided Armies: Inequality and Battlefield Performance in Modern War (Princeton: Princeton University Press, 2020).
  8. Alexander Aguilastratt, "Diversity is our Army's Strength," NCO Journal , Army University Press (October 2020), accessed on 6/6/2024, at: https://bit.ly/4deKd9L

بيانات وزارة الدفاع لعام 2022 إلى أن النساء يشكّلن نحو 17.5 في المئة من إجمالي القوات النظامية، مع تفاوت ملحوظ بين الفروع؛ إذ بلغت نسبتهن نحو 21 في المئة في القوات الجوية مقابل نحو 9 في المئة فحسب في القوات البحرية "المارينز." أما في المناصب العليا، فلا تتجاوز نسبتهن 9–8 في المئة من الضباط في رتبة عميد فأعلى 71. وعلى الرغم من هذا التقدم النسبي، فإن الجيش الأميركي لا يزال يواجه تحديات تتعلق بتمثيل المجتمع الأميركي على نحو يعكس معاييره الاجتماعية والثقافية والجنسانية، وهو ما يجعل التجربة الأميركية بعيدة عن النموذج المثالي. في المقابل، لا يزال حضور المرأة في المؤسسة العسكرية السعودية حديثًا جدًا؛ إذ لم يُفتح باب التجنيد أمام النساء إلا في عام 2019، والتحقت أول دفعة بمعهد تدريب القوات المسلحة في عام 2020، ولا تزال نسبتهن محدودة جدًا مقارنةً بإجمالي القوة، وتتركز في الرتب الدنيا. وإلى غاية الانتهاء من كتابة هذه الدراسة، لا توجد إحصاءات رسمية تبّي نحجم مشاركتهن أو توزيعهن داخل مختلف فروع القوات المسلحة  72. وُيبُرز هذا التفاوت أنّ مؤشر التمييز بين الجنسين في السعودية لا يزال في طور التأسيس؛ فهو في مراحل متأخرة مقارنة بالحالة الأميركية التي قطعت أشواطًا طويلة في هذا الصدد. وعلى الرغم من عدم وجود ترتيب معتمد للسعودية، فإن حداثة السماح بانضمام النساء وتجنيدهن في الجيش، مع الأخذ في الحسبان العوامل الاجتماعية والقيم الثقافية والدينية المحافظة السائدة في المجتمع، من شأنها أن تبرر ذلك. جاءت هذه التحولات ضمن سلسلة من الإصلاحات التي أطلقها الأمير محمد بن سلمان، بعد توليه ولاية العهد في عام 2017؛ إذ فُتح باب التجنيد أمام النساء السعوديات للانضمام إلى القوات المسلحة. ومثلت هذه الخطوة تحولًانوعيًا، ولم تلق مقاومة مجتمعية في السياق السعودي، الذي شكّلت الاعتبارات الدينية والقَبَلية والثقافية فيه عائقًا أمام تجنيد النساء أو مشاركتهن في الحياة العسكرية. ومع ذلك، مثلت هذه الخطوة تطورًا ملحوظًا في عملية إدارة التنوع العرقي والاجتماعي في المؤسسة العسكرية التي لم تكن مطروحة مطلقًا منذ نشأة القوات المسلحة في المملكة  73. إضافة إلى ذلك، شهدت السعودية العديد من الإصلاحات الهيكلية التي أشرف عليها محمد بن سلمان، والتي تضمّنت تغييرات كبيرة في هياكل القيادة العسكرية؛ إذ جرى استبدال عدد من كبار القادة العسكريين، بما في ذلك رئيس الأركان وقادة القوات البرية والدفاع الجوي، بقادة أصغر سًّنًا وأفضل تأهيلًا. وعمومًا، يعتبر قرار السماح للنساء السعوديات بالالتحاق بالقوات المسلحة خطوة ضرورية نحو مزيٍدٍ من المساواة بين الجنسين والتمثيل في المؤسسة العسكرية  74.

. ب مؤشر لون البشرة

يتقاطع مؤشر لون البشرة في عملية إدارة التنوع العرقي والاجتماعي في الجيشين الأميركي والسعودي، ويعدّ محددًا مهّمًا في تعريف الأقليات التي لا تنتمي إلى لون بشرة الغالبية. ففي الولايات المتحدة، شهد هذا المؤشر تقدمًا ملحوظًا في إدماج الأقليات ذات البشرة الملونة في المؤسسة العسكرية، بعد عقود من الفصل والتمييز العنصري. أما في السعودية، فلم يتحول هذا المؤشر إلى قضية خلافية بارزة داخل المؤسسة العسكرية، واستطاعت إلى حد بعيد السيطرة عليه. ويعود ذلك إلى أن عملية إدارة التنوع العرقي والاجتماعي في المؤسسة العسكرية تعتمد على السياق الاجتماعي والثقافي والقانوني لكل دولة. وهنا تتجلى فروق خاصة في التعامل مع الأقليات من أصحاب البشرة السوداء نتيجة للبيئة الثقافية والاجتماعية السعودية التي كانت سائدة منذ بناء الدولة. فتاريخيًا، ارتبطت هذه الأقلية بأدوار في الحراسة والأمن وخدمة الدولة، وارتبط حضورها في الغالب بمراتب أدنى داخل الجيش  75. لقد منحها هذا الدور التاريخي درجة من الشرعية والمكانة الاجتماعية، وجعلها جزءًا مقبولًاضمن المنظومة العسكرية، من دون أْنْ يُنظر إليها بوصفها عنصرًا مهدّدًا للتماسك أو الاستقرار المؤسسي في الجيش. ومع أنّ هذا التمثيل ظَّلَ محدودًا وغيَرَ قائٍمٍ على سياسة إشراك/ إدماج واسعة، فإنه مكّن المؤسسة العسكرية السعودية من تجنّب توترات على غرار ما شهدته التجربة الأميركية. وفي الولايات المتحدة، شكل تعيين أوستن أول وزير دفاع من أصول أفريقية خطوة مهمة نحو تعزيز إدارة التنوع العرقي والاجتماعي في المؤسسة العسكرية. وفي تصريح له بمناسبة "شهر تاريخ السود"، أعرب عن فخره بكونه أول وزير دفاع أميركي من أصول أفريقية، كما أعرب عن أمله في أّل ايكون الأخير. وقد يكشف هذا التصريح، ضمنيًا، أنه واجه معاملة عنصرية خلال مسيرته العسكرية، وهو تحٍّدٍ استمر

  1. U.S. Department of Defense, 2023 Demographics , pp. 14-18.
  2. Dina Arakji, "A Report Card on Women's Integration into Arab Militaries," Analysis , Middle East Institute, 6/3/2024, accessed on 18/4/2025, at: https://bit.ly/3VI3jhC
  3. House.
  4. Kate Kelly, "Progress for Saudi Women Is Uneven, Despite Cultural Changes and More Jobs," The New York Times , 9/12/2021, accessed on 6/6/2024, at: https://acr.ps/1L9BPHr
  5. Cronin, p. 21.

عقودًا، وواجهه وزراء دفاع سابقون وفشلوا في التغلب عليه 76. وعلى الرغم من أنّ الأميركيين مختلطي الأعراق يشكّلون نحو 40 في المئة من الجيش، فإن هذه النسبة تنخفض انخفاضًا حادًا في الرتب العليا، ما يعكس استمرار التحديات المتعلقة بإدارة التنوع والتمثيل في المناصب القيادية داخل الجيش  77. وُتُظهر المقارنة، فيما يتعلق بمؤشر لون البشرة، أن السعودية، على الرغم من عدم تركيزها على هذا المؤشر في مؤسستها العسكرية، فإنها لم تواجه مشاكل مع أقلية السود، بل استطاعت كسب ولائها من خلال استيعابها في وظائف تتعلق بأعمال الحراسة والأمن، وهي في المجتمع السعودي أعمال مشرفة مرتبطة بخدمة الدولة وولي الأمر. وعلى النقيض من ذلك، لا تزال التجربة الأميركية، رغم تعيين وزير دفاع ورئيس أركان من أصول أفريقية، تواجه تحديات كبيرة في تحقيق تمثيل متساٍوٍ للأميركيين من أصول أفريقية مقارنة بالأميركيين البيض، وخاصة في مراكز القيادة العليا. فالأميركيون من أصول أفريقية يواجهون صعوبات ملحوظة في ترقّيهم في الجيش، وغالبًا ما يجدون صعوبة في الوصول إلى رتبة جنرال  78. وبغضّ النظر عن غياب العنصرية الصريحة التي قد تكون حاضرة في الجيش الأميركي، فإن التحديات الإضافية، المتوارثة ثقافيًا وهيكليًا، يمكن أن يكون لها أثٌرٌ كبيٌرٌ في نظام يفرض بالفعل صعوبات كَْأ داء أمام الترقية، ولا يصل في الواقع سوى جزٌءٌ ضئيٌلٌ من الضباط من أصول أفريقية إلى أعلى الرتب العسكرية  79.

. ج المؤشر الطائفي

مقارنة بالتجربة الأميركية، تواجه السعودية تحديًا ملحوظًا في إدارة التنوع العرقي والاجتماعي، وخاصة فيما يتعلق بالمؤشر المجتمعي الطائفي. ويعود ذلك إلى التنوع الطائفي والتعدد المذهبي في المملكة، نتيجة اعتبارات تاريخية وثقافية وسياسية. ومن بين هذه الطوائف، تعد الطائفة الشيعية الأكثر نزوعا نحو بناء مظلومية تاريخية بشأن تعرضها للتمييز. ولكن القيادة السعودية في عهد الملك عبد الله بن عبد العزيز 2015-2005() اتخذت خطوات لإشراكها في العملية السياسية الأوسع، ولكن دورها اقتصر على المجالين الاقتصادي والسياسي، لا العسكري. ومردّ ذلك عدة اعتبارات، أهمها الصراع الإقليمي الإيراني - السعودي، والمخاوف من تغلغل النفوذ الإيراني في المؤسسة العسكرية، وتأثير ذلك في الأمن الوطني 80. أما في التجربة الأميركية، فيتقاطع مؤشر الطائفة مع التجربة السعودية، لكن على نحٍوٍ مختلٍفٍ. ويبرز هذا الاختلاف في أن المؤسسة العسكرية الأميركية تضم تنوعًا دينيًا وطائفيًا أوسع نطاقًا مقارنة بالحالة السعودية؛ وهو تنوع لم يأِتِ من فراغ، بل جاء نتيجة مطالبات واحتجاجات قادتها مجموعات الأقليات الدينية في المجتمع الأميركي (مثل: البروتستانت والكاثوليك واليهود والمسلمين والهندوس والسيخ وغيرهم)، وذلك في إطار حركة الحقوق المدنية التي دفعت بهذا التنوع المجتمعي والديني والطائفي إلى أن ينعكس في الجيش الأميركي؛ ما يجعله أكثر إشراكًا/ إدماجًا وتمثيلًالمختلف المجموعات الدينية والطائفية  81.

. د المؤشر القبَلي

يعد المؤشر القَبلَي أحد أبرز المؤشرات المجتمعية لقياس عملية إدارة التنوع العرقي والاجتماعي في المؤسسة العسكرية في الحالتين. ويظهر هذا المؤشر بوجه خاص في السعودية؛ إذ يرتبط بعمق بالبنية المجتمعية والثقافية، وُيُستخدم لتحديد أنماط التنظيم الاجتماعي والسياسي في المجتمع؛ ما ينعكس في منطقة الشرق الأوسط عامة، وفي شبه الجزيرة العربية خاصة. في المقابل، يغيب هذا المؤشر القَبلَي عن التركيبة الاجتماعية في الولايات المتحدة؛ ما يجعله أقل أهمية في مؤسستها العسكرية. أما في السعودية، فيظهر المؤشر القَبلَي بوضوح ويؤثّر بعمق في هيكلة المؤسسة العسكرية، وذلك نتيجةً لوجوده المتجذر في بنية المجتمع نفسها  82.

ثالثًا: استنتاجات مقارنة

أشرنا، في مقدمة الدراسة، إلى مقارنة سريعة بين المستوى المعياري، القائم على مبادئ المساواة واللوائح القانونية، والمستوى الواقعي الذي يكشف عن تفاوت بين الأفراد داخل المؤسسات العسكرية، وهي تفاوتات تشكّل تحديات كبيرة. وافترضنا أنّ هناك علاقةً بين إدارة التنوع العرقي والاجتماعي، وأداء المؤسسة العسكرية، وأنّه كلما جرى تفعيل إدارة التنوع العرقي على نحو مستمر وملائم للبيئة

  1. Jennifer Steinhauer & Catie Edmondson, "Senate Confirms Austin, Installing First Black Defense Secretary," The New York Times , 22/1/2021, accessed on 6/6/2024, at: https://bit.ly/4axHruI
  2. Meghann Myers, "I Really don't Want to be the Last African-American
  3. Reyes, p. 11.
  4. Ibid., p. 15. 79  " الشيعة في المملكة العربية السعودية"، عمار تاقي، القبس، يوتيوب، 2021/2/26، شوهد في 2025/6/30، في https://acr.ps/1L9BOYN:
  5. Secretary of Defense," Military Times , 10/2/2022, accessed on 6/6/2024, at: https://bit.ly/3LwMyB1
  6. Huntington, pp. 185-191.
  7. Al-Rasheed, pp. 145-167.

المحلية والثقافة الوطنية، تحَّسََنَ أداء المؤسسة العسكرية. ومن خلال دراسة مقارنة بين التجربة الأميركية والحالة السعودية، تظهر لنا الأخيرة بوصفها حالة خاصة في إدارة التنوع العرقي والاجتماعي داخل المؤسسة العسكرية. ولفهم خصوصية الحالة السعودية، كان لا بدّ من مقارنتها بالتجربة الأميركية بوصفها حالة تراكمية مرّت بسيرورة طويلة من التحولات التاريخية والاجتماعية والسياسية. فالمجتمع الأميركي يتميز بتنوع عرقي وثقافي وطائفي واسع، وبفضل حركة الحقوق المدنية، وعوامل أخرى، بات هذا التنوع ينعكس في تمثيل المؤسسة العسكرية، ولكن بطريقة تسمح بانسجام إدارة التنوع العرقي والاجتماعي مع السياق الأميركي الأوسع. على المستوى المجتمعي، تمثل الأقليات العرقية المتنوعة أكثر من نصف المجتمع الأميركي، أما على مستوى المؤسسة العسكرية، فلم تمثل، في عام 2022، سوى ما نسبته 31.2 في المئة، وهي نسبة لا يستهان بها، ومرشحة للزيادة نتيجة زيادة نسبتها في المجتمع الأميركي والضغوط التي تمارسها مجموعات الضغط والمؤسسات الحكومية على المنظومة العسكرية لمواكبة هذه التغّي رات الديموغرافية والثقافية. ورغم هذا التنوع، يلُاحظ أن غالبية المناصب العليا في المنظومة العسكرية يشغلها البيض، في حين أن الأقليات تمثل النسبة الأقل في هذه المناصب. ويؤكد هذا أن التجربة الأميركية ليست نموذجًا مثاليًا يُحتذى به في إدارة التنوع العرقي والاجتماعي في المنظومة العسكرية. أما في الحالة السعودية، فلا تنعكس بنية المجتمع السعودي الاجتماعية على نحو كامل في بنية مؤسسته العسكرية؛ فعلى الرغم من أن بيانات الهيئة العامة للإحصاء تشير إلى أن غير السعوديين يشكّلون نحو 41.1 في المئة من مجموع سكان المملكة، مقابل 58.9 في المئة من المواطنين؛ فليس الجميع مسموحًا له بالانتساب إلى المؤسسة العسكرية، وهناك تفضيلات تقليدية تستند إلى العرق والنسب والانتماء القَبلَي  83. في السابق، كان الانتساب مقصورًا على أبناء القبائل البارزة، لكن الوضع بدأ يتغير، وخاصة بعد التحولات التي شهدتها السعودية في عهد ولي العهد محمد بن سلمان. ولصعوبة الوصول إلى الإحصاءات الرسمية للمنتسبين من القبائل إلى المؤسسة العسكرية، فإن من الصعب قياس انعكاس بنية المجتمع السعودي في بنية المؤسسة العسكرية  84. وتجدر الإشارة إلى أن المؤشر القَبلَي الذي تتفرّد به الحالة السعودية، بخلاف التجربة الأميركية، يرتبط بجذور تاريخية متغلغلة في المجتمع السعودي، وِمِن ثََّمَ في المؤسسة العسكرية؛ ما يجعل تجاهله مسألةً صعبة.ً ويعود ذلك إلى دور القبائل البدوية وأهميته السياسية والاقتصادية في المملكة حتى اليوم. بناءً عليه، فإن المقارنة تكشف أن الولايات المتحدة طورت نموذجًا مؤسسيًا قائمًا على إدارة التنوع عبر برامج معيارية قانونية، مثل: برنامج العمل الإيجابي وبرنامج تكافؤ الفرص، بينما تعتمد السعودية على مقاربة غير رسمية تأخذ في الحسبان خصوصية البيئة الثقافية والاجتماعية، وتحرص على الموازنة لبن الحفاظ على الاستقرار السياسي وتحقيق المساواة في التمثيل. مع ذلك، شهدت السعودية، منذ تولي محمد بن سلمان ولاية العهد في عام 2017، تحولًاجوهريًا في تاريخها الحديث. وفي عام 2022، عُّي نمحمد بن سلمان رئيسًا للوزراء، وهو منصب كان يشغله الملك تقليديًا؛ ما مَّكَنه من صلاحية الإشراف على مجلس الوزراء، وعَّزَز وضعه الفعلي بوصفه صانع السياسة الأول في المملكة. ومنذ صعوده السريع إلى السلطة، سعى إلى تنفيذ إصلاحات اقتصادية واجتماعية ودينية واسعة النطاق. إضافة إلى ذلك، أشرف على حملة عسكرية في اليمن في عام 2015، وصعّد من المواجهة مع إيران. وفي عام 2018، أجرى تغييرات كبيرة في الهيكل التنظيمي للقوات المسلحة؛ إذ استبدل كبار الضباط، بمن فيهم رئيس الأركان وقادة القوات البرية والدفاع الجوي، بقادة أصغر سنًا 85. من منظور تاريخي، تأسست المؤسسة العسكرية السعودية على قاعدة من الولاءات القَبَلية التي ساهمت في ترسيخ نظام الحكم وفي بناء الدولة الحديثة. كما تأسست على عقد اجتماعي ضمني بين الملك المؤسس عبد العزيز بن سعود وحلفائه من القبائل. ومع مرور الوقت، واجهت الثقة المتبادلة بين نظام الحكم والمؤسسة العسكرية هزّات وتحولات مهمّة نتيجة أحداث إقليمية مؤثرة، مثل: الانقلاب العسكري في مصر عام 1952، والعراق عام 1958، والحرب الأهلية اليمنية 1970-1962()، والثورة الإسلامية في إيران عام 1979. وفي خمسينيات القرن العشرين وستينياته، ظهرت معارضة محدودة داخل بعض الدوائر العسكرية السعودية، لكنها لم تتطور إلى تهديٍدٍ وجودٍيٍ للنظام، غير أنّ أثرها ظل قائمًا في تغذية شعور النخبة الحاكمة بعدم الثقة بالجيش. وأدى ذلك إلى تفضيل النخبة الحاكمة قوة الحرس الوطني على نحٍوٍ واضٍحٍ، كما أدى اهتزاز الثقة بين القيادة السياسية والمؤسسة العسكرية إلى اتخاذ إجراءات محددة، مثل نشر معظم وحدات الجيش في مناطق نائية بعيدًا عن العاصمة والمدن

  1. Ibid., pp. 201-215.
  2. Ibid., pp. 155-170.
  3. Mohammed bin Salman, Reformist Prince Shaking up Saudi Arabia," France 24 , 28/9/2022, accessed on 6/6/2024, at: https://cutt.ly/statCVdW

الأخرى. وفي فترة الخمسينيات أيضًا، استمرت النخبة الحاكمة في دعم القبائل الموالية في صفوف الحرس الوطني، الذي تطور لاحقًا ليصبح جيشًا له مقرّه الخاص. ومنذ تطوير الحرس الوطني على يد الأمير عبد الله بن عبد العزيز، زاد عدد المجندين فيه من القبائل النجدية الموالية، وسعى إلى تعزيز قوته وجعله منافسًا فعليًا للجيش؛ إذ رأى أن سيطرته عليه أمٌرٌ حيوٌيٌ للنهوض بأهدافه السياسية الأوسع  86. كانت مهمة الحرس الوطني الرئيسة تتمثل في مراقبة الجيش والدفاع عن النظام الملكي. لذلك تمركزت وحداته أساسًا قرب المراكز السكانية الكبرى، وخاصة العاصمة، بخلاف الجيش النظامي الذي كان ينتشر في مناطق نائية. ومع ذلك، حين واجه الحرس الوطني اختباره الرئيس في عام 1979، خلال حادثة احتلال جماعة جهيمان العتيبي حرم المسجد الحرام، تبّي ن أن كفاءته العسكرية محدودة، وأن ولاءه السياسي كان أقل مما كان متوقعًا. وشهدت فترة السبعينيات العديد من التحولات المتسارعة والمهمة في المجتمع السعودي؛ فقد كانت حادثة جماعة العتيبي التي استولت على المسجد الحرام، والحصار المطول الذي فرضه الجيش والحرس الوطني عليه، مؤشرًا على وجود تهديدات داخلية خَِطِرة. فالمتمردون، بمن فيهم العتيبي، الذي كان برتبة عريف في الحرس الوطني، جاؤوا من قبائل كانت تقليديًا مصدرًا رئيسًا للقوى البشرية في الحرس الملكي والحرس الوطني، مثل قبيلتي العتيبة والقحطان. وعلى الرغم من أن هذه القبائل أدت دورًا رئيسًا في تطوير جهاز الأمن السعودي، فإن الحادثة أثارت قلقًا كبيرًا، وطرحت تهديدًا أمنيًا للمملكة. وبعد هذه الحادثة، برزت بوضوح جوانب القصور اللوجستي وقلة الكفاءة التكتيكية في الحرس الوطني، إضافة إلى ضعف تدريب القوات المسلحة وضعف أداء الضباط. وأدى ذلك إلى تكبّد الحرس الوطني خسائر فادحة؛ ما كشف عن عدم جاهزيته، وقلة كفاءته في مواجهة التحديات الكبيرة. فقد كان يعتبر، حتى ذلك الوقت، الهيكل الأساسي للقوة السياسية للنظام الحاكم الذي اعتمد عليه، إلى حدّ بعيد، للحفاظ على الاستقرار الداخلي 87. وبحلول أواخر الثمانينيات، لم تنجح القوات النظامية أو شبه النظامية السعودية في أن تصبح مؤسسات وطنية حديثة بالمعنى المؤسسي، بل استمرت جميعًا في معاناة تشوهات قَبَلية ومناطقية وطبقية وطائفية بدرجات متفاوتة. وظل الحرس الوطني مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بقاعدته القَبَلية  88. وبحلول القرن الحادي والعشرين، شهدت المؤسسة العسكرية السعودية تطورات مهمة، أبرزها ترسيخ العلاقات السياسية والعسكرية مع الغرب، وذلك من خلال رفع السعودية مستوى إنفاقها العسكري، وخاصّة مع الولايات المتحدة. وبعد عقود من ال دررد، قرّرت السعودية عدم استخدام نظام التجنيد الإجباري وسيلةً لتحقيق اندماج سكانها المتنوعين، وغرس عقلية الولاء للدولة. وعلى العكس من ذلك، استمر الحرس الوطني في كونه رمزًا للحكم الشخصي لنظام الحكم السعودي وتفرُده بالسيطرة القبَلية والدينية، ما يعزز دوره الخاص داخل المنظومة العسكرية، ويعكس استمرارية الهيمنة القبَلية على تركيبتها  . بعد استعراض تجربة الولايات المتحدة والحالة السعودية في إدارة التنوع العرقي والاجتماعي في مؤسستيهما العسكريتين، نخلص إلى أن المؤشرات المجتمعية تتفاوت كثيرًا بينهما في تفعيل عملية إدارة التنوع. فعلى سبيل المثال، بدأ مؤشر التمييز بين الجنسين في الحالة السعودية في إظهار بعض التقدم في عملية إدارة التنوع، بينما في التجربة الأميركية التي سبقت السعودية في إدماج المرأة في القوات المسلحة بعقود طويلة، ما زالت التحديات المتعلقة بتحقيق المساواة الكاملة في التنوع العرقي والاجتماعي قائمة. أما بالنسبة إلى المؤشرات المجتمعية الأخرى، مثل الطائفية ولون البشرة، فقد تمكنت السعودية من معالجة هذه القضايا، رغم استمرار بعض الحدود التي لا تظهر واضحة كما في التجربة الأميركية. ومع ذلك، يتصدر المؤشر القَبلَي التباين بينهما؛ ففي السعودية، يَُعَُّدُ الولاء القَبلَي ظاهرةً مجتمعيةً متجذرة بعمق في المؤسسة العسكرية منذ نشأتها، وذلك لاعتبارات تاريخية تعود إلى طبيعة نشوء الدولة السعودية نفسها، إذ اضطلعت القبائل بدور محوري في تشكيل القوات المسلحة وبنائها.

خاتمة

انطلقت هذه الدراسة من إشكالية مفادها: إلى أيّ مدى تختلف حالة السعودية في إدارة التنوع العرقي والاجتماعي في مؤسستها العسكرية عن التجربة الأميركية التي راكمت خبرة طويلة في هذا المجال؟ ومن خلال المقارنة بين الحالتين، يمكننا تسجيل عدد من النتائج: تظهر التجربة الأميركية أن توافر إجراءات على المستويين المعياري والممارساتي، من تشريعات تكافؤ الفرص والعمل الإيجابي والتنوع والإشراك/ الإدماج، لم يجعل من المؤسسة العسكرية

  1. Cronin, p. 21.
  2. Ibid., p. 22.
  3. Ibid., p. 23.
  4. Ibid.

نموذجًا مثاليًا؛ إذ لا تزال تحديات التمثيل قائمة، وخاصّة في هرم القيادة العليا، ويظل حضور النساء والأقليات محدودًا. ومع ذلك، أبرزت التجربة الأميركية أن الضغط الاجتماعي والسياسي، وخاصّة من خلال الحركات المدنية، يشكّل محركًا مهمًالتطوير السياسات العسكرية. تكشف الحالة السعودية خصوصيةً مغايرةً؛ فغياب إطار معياريٍ واضحٍ لإدارة التنوع، وحداثة انضمام النساء إلى القوات المسلحة، وندرة البيانات الموثوقة عن تمثيل الأقليات، كلها عوامل تجعل التجربة في مراحلها التأسيسية. ومع ذلك، فإن بوادر الانفتاح، مثل فتح باب التجنيد للنساء عام 2019، تشير إلى بداية إشراك/ إدماج تدريجي يمكن أن يتعزز مع الوقت، إذا ما توافرت الأطر القانونية والتنظيمية الداعمة. تؤكد الدراسة المقارِنة جزئيًا الفرضية التي انطلقت منها، وهي أن نجاح إدارة التنوع يرتبط بمدى تفعيل المستويين المعياري والممارساتي، مع مراعاة الخصوصيات المجتمعية والثقافية؛ إذ بيّنت التجربة الأميركية أن التكامل بين المستويين لا يكفي وحده من دون معالجة اختلالات التمثيل، في حين أظهرت الحالة السعودية أن غياب أحد المستويين يعوّق العملية برمّتها. بناءً عليه، تنبع القيمة المضافة لهذه الدراسة من أنها حاولت تقديم إطار مقارن يمكن تطبيقه على حالات عربية أخرى. وأظهرت أن إدارة التنوع العرقي والاجتماعي ليست مطلبًا من مطالب العدالة الاجتماعية أو استجابة لتحولات مجتمعية فحسب، بل هي شرط استراتيجي لتعزيز تماسك المؤسسة العسكرية وفاعليتها أيضًا. ومع ذلك، لا تخلو الدراسة من حدود، أبرزها ندرة البيانات والتقارير الموثوقة في الحالة السعودية؛ ما يتطلب مزيدًا من الأبحاث الميدانية لتعزيز نتائجها.

المراجع

العربية

أرونوفيتز، ستانلي. تشارلز ميلز واليسار الجديد. ترجمة فادي ملحم. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2018 دو توكفيل، ألكسي. الديمقراطية في أميركا. ترجمة بسام حجار. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2023 الرشيد، مضاوي. تاريخ العربية السعودية بين القديم والحديث. ترجمة عبد الإله النعيمي. بيروت: دار الساقي،.2002 المسفر، محمد وميسر سليمان. دراسات خليجية: مراجعة في التاريخ والدولة والمجتمع. الدوحة: دار الشرق،.2023

الأجنبية

Al-Rasheed, Madawi. A History of Saudi Arabia. Cambridge: Cambridge University Press, 2010. Babbie, Earl. The Practice of Social Research, 15 th ed. Boston: Cengage Learning, 2021. Brønd, Thomas Vladimir, Uzi Ben-Shalom & Eyal Ben-Ari (eds.). Military Mission Formations and Hybrid Wars: New Sociological Perspectives. London/New York: Routledge, 2020. Burk, James (ed.). The Military in New Times: Adapting Armed Forces to a Turbulent World. Boulder, CO: Westview Press, 1994. Butler, John Sibley, & Charles C. Moskos. All That We Can Be: Black Leadership and Racial Integration the Army Way. New York: Perseus Book Group, 1996. Caforio, Giuseppe & Marina Nuciari (eds.). Handbook of the Sociology of the Military. New York: Springer, 2006. Chin, Clayton. "The Concept of Belonging: Critical, Normative and Multicultural." Ethnicities. vol. 19, no. 5 (2019).

Cronin, Stephanie. "Tribes, Coups and Princes: Building a Modern Army in Saudi Arabia." Middle Eastern Studies. vol. 49, no. 1 (2013). de Tocqueville, Alexis. Democracy in America, vol. 2. Henry Reeve (trans.). London: Saunders & Otley, 1838. Heinecken, Lindy & Noëlle van der Waag-Cowling. "The Politics of Race and Gender in the South African Armed Forces: Issues, Challenges, Lessons." Commonwealth & Comparative Politics. vol. 47, no. 4 (2009). House, Karen Elliott. "Profile of a Prince: Promise and Peril in Mohammed bin Salman's Vision 2030." Reports & Papers, Harvard Kennedy School, Belfer Center for Science and International Affairs, April 2019. at: https://acr.ps/1L9BOV3 Huntington, Samuel P. The Soldier and the State: The Theory and Politics of Military-Civil Relations. Cambridge, MA: Harvard University Press, 1957. Janowitz, Morris. The Professional Soldier: A Social and Political Portrait. New York: Simon and Schuster,

Jones, Toby Craig. "Saudi Arabia's Not-So-New Anti- Shiism." Middle East Report. no. 242 (2007). Lodge, Martin, Edward C. Page & Steven J. Balla (eds.). The Oxford Handbook of Classics in Public Policy and Administration. Oxford: Oxford University Press, 2015. Lyall, Jason. Divided Armies: Inequality and Battlefield Performance in Modern War. Princeton: Princeton University Press, 2020. Mershon, Sherie & Steven Schlossman. Foxholes and Color Lines: Desegregating the U.S. Armed Forces. Baltimore: Johns Hopkins University Press, 1998. Mosca, Gaetano. The Ruling Class (Elementi di Scienza Politica). Hannah D. Kahn (trans.). Arthur Livingston (ed. & rev.). New York: McGraw-Hill Book Company, 1939. Moskos, Charles C. "From Institution to Occupation: Trends in Military Organization." Armed Forces & Society. vol. 4, no. 1 (1977). Nalty, Bernard C. Strength for the Fight: A History of Black Americans in the Military. New York: Free Press; London: Collier Macmillan, 1986. Reyes, Anthony D. "Strategic Options for Managing Diversity in the US Army." Military Fellow Research Report, Joint Center for Political and Economic Studies, June 2006. at: https://bit.ly/3W6syKo Segal, David R. & Mady Wechsler Segal. Peacekeepers and Their Wives: American Participation in the Multinational Force and Observers. Westport, CT: Greenwood Publishing Group, 2004. Slapakova, Linda et al. Leveraging Diversity for Military Effectiveness. Cambridge, UK: RAND Europe, 2022. at: https://acr.ps/1L9BPIW Soeters, Joseph L. & Jan van der Meulen (eds.). Cultural Diversity in the Armed Forces: An International Comparison. New York: Routledge, 2007. U.S. Army. FY22 MD-715 Report: Federal Agency Annual EEO Program Status Report (2023). at: https://acr.ps/1L9BPUl U.S. Department of Defense. Department of Defense Board on Diversity and Inclusion Report: Recommendations to Improve Racial and Ethnic Diversity and Inclusion in the U.S. Military. December 2020. at: https://cutt.ly/3talnix9 ________. Demographics: 2023 Profile of the Military Community. Washington, DC: DoD, 2023. at: https://acr.ps/1L9BPny