الاستعمالات الدينية لشبكات التواصل الاجتماعي: إعادة تعريف السلطة الدينية في المغرب
الملخّص
The main question of this study revolves around the nature of religious uses of social networks and their relationship to religious authority. We hypothesized that young people adapt technology to serve their requirements, and that their religious uses lead to a change in positions of authority with the emergence of religious influencers. We used an online questionnaire for 80 young Moroccan Respondents. Based on its outputs, we identified the most popular influencer and observed the content of his Facebook page. We concluded that religious uses of social media are multiplied according to the individuals' requirements, who are fully aware of the purposes of such uses, as individuals who can adapt technology to meet their needs. These uses have resulted in the emergence of "religious influencers on the network", who have contributed to the redefinition of religious authority, so that it is no longer centralized in the hands of a formal or informal, traditional or modern religious institute, but rather negotiable, leading to a change in its positions, which we have called "the decentralization of religious authority". Keywords: Religious Usage, Social Media, Religious Authority, Religious Influencers.
Religious Usages of Social Media: Redefining Religious Authority in Morocco
تتناول هذه الدراسة طبيعة الاستعمالات الدينية لشبكات التواصل الاجتماعي وعلاقتها بالسلطة الدينية. وتفترض أن الشباب يطوّعون التكنولوجيا لخدمة متطّل باتهم، وأن الاستعمال الديني لهذه الشبكات يؤدي إلى تغير مواقع السلطة بظهور المؤثرين الدينيين. ولفحص هذه الفرضيات، استعانت الدراسة باستمارة إلكترونية موجّهة إلى عيّنة من الشباب المغربي. وبناءً على مخرجاتها، حدّدت الدراسة اسم المؤثر الأوسع شعبية بينهم، ثم لاحظت الباحثة نتنوغرافيا محتوى صفحته الدينية في فيسبوك للوقوف على طبيعة السلطة التي يحظى بها المؤثرون الدينيون الجدد. وتخلص الدراسة إلى أن الاستعمالات الدينية للشبكات الاجتماعية تتعدّد بتعدد احتياجات الأفراد الذين يعون جيّدًا مقاصد هذا الاستعمال وغاياته، وذلك بوصفهم فاعلين، فضلًا عن إمكانهم تطويع التقنية لتلبية احتياجاتهم. وقد نجم عن هذه الاستعمالات ظهور "مؤثرين دينيين على الشبكة"، ساهموا في إعادة تعريف السلطة الدينية؛ إذ لم تُعُ د متمركزة في يد جهة دينية رسمية أو غير رسمية، تقليدية أو حديثة، بل أصبحت خاضعة للتفاوض، ما يؤدي إلى تغيّر مواقعها على نحو دائم، وهو ما ت سمّ يه الدراسة "لامركزية السلطة الدينية في عصر الشبكات الاجتماعية." كلمات مفتاحية: الاستعمال الديني، شبكات التواصل الاجتماعي، السلطة، المؤثرون الدينيون.
مقدمة
يشهد استعمال شبكات التواصل الاجتماعي تزايدًا متناميًا خلال السنوات الأخيرة. إلى جانب ذلك، شهدت استعمالات هذه الشبكات في الحياة اليومية لدى المغاربة تطوّرًا وتنوّعًا في أشكال التواصل، والترفيه، وتقّص يالمعلومة، وغير ذلك. ولم يُعُد استعمالها يقتصر على هذه المجالات، بل تجاوزها إلى المجال الديني. وبدأنا نشاهد على منصاٍتٍ، مثل فيسبوك وإنستغرام وغيرهما، آلافًا من مقاطع الفيديو والصور والمواد ذات المحتوى الديني، ينتجها فاعلون مختلفون. وباتت الصفحات والقنوات الدينية تحظى بتفاعل كبير من مستعملي الشبكات الاجتماعية. قادتنا هذه الملاحظة إلى التساؤل بشأن طبيعة الاستعمالات الدينية للشبكات الاجتماعية. وقد جاء اهتمامنا بهذا الموضوع من ندرة الدراسات المنجزة في هذا المجال، خاصة في/ عن العالم العربي؛ إذ نجد أغلب الأدبيات في هذا الموضوع متمركزة في العالم الأنكلوسكسوني. فقد بدأ الاهتمام به منذ تسعينيات القرن العشرين، حين أشار الباحث الأميركي المتخصص في الأديان والتواصل، ستيفن أولراي Stephen O'Leary، إلى التأثير الثوري لشبكة الإنترنت في الدين، وتحوّلها إلى مجال للمقدس 1. ومنذ ذلك الحين، توالى صدور الأبحاث والدراسات حول الدين وشبكة الإنترنت، وامتدّت إلى العالم ا لفرنكفوني؛ وقد جرى تناوله من زوايا مختلفة. غير أن ما يهمنا، في هذا السياق، هو دراسة العلاقة بين الدين والشبكات الاجتماعية من زاوية استعمالها الديني، وذلك من خلال التركيز على طبيعة هذا الاستعمال وغاياته من جهة، وتأثيره في السلطة الدينية التقليدية من جهة أخرى، ونقصد بهذه الأخيرة سلطة المؤسسات والفاعلين الدينيين الرسميين. بناءً على ذلك، تسعى هذه الدراسة للبحث في طبيعة الاستعمالات الدينية للشبكات الاجتماعية لدى عيّنة من الشباب المغربي. ثم تحاول، بناء على نتائج الدراسة الميدانية، بلورة تيبولوجيا لهذه الاستعمالات. وبعد ذلك، تقف الدراسة عند تأثير الاستعمال الديني لهذه الشبكات في ا لسلطة الدينية التقليدية، المتمثلة في المؤسسات والفاعلين الدينيين الرسميين؛ وههنا، تحاول الدراسة فحص تأثير هذا الاستعمال الديني للشبكات الاجتماعية في إعادة توزيع السلطة الدينية. تبدأ الدراسة، في محورها الأول، بمدخل منهجي ومفهومي يتناول منهجية البحث والتحّولّات التي شهدتها استعمالات شبكات التواصل الاجتماعي. ويركز محورها الثاني على تصنيف أنماط الاستعمالات الدينية، استنادًا إلى نتائج استمارة البحث. ويتناول محورها الثالث علاقة هذه الاستعمالات بظهور سلطة دينية جديدة. وُتُختم الدراسة بمناقشة النتائج في ضوء أدبيات سوسيولوجيا علاقة الدين بالفضاء الرقمي.
أولًا: مدخل منهجي ومفهومي للدراسة
1. منهجية الدراسة
تتناول الاستمارة "في الغالب ممارسة معيّنة، تتقىّص ى العوامل المحَّدَدة المرتبطة بتلك الممارسة، وبهذا النوع من الاستعمال أو ذاك" 2. ويتعلق الأمر، في هذه الدراسة، بتحديد العوامل المتحكّمة في الاستعمال الديني للشبكات الاجتماعية. وما دام الأمر يتعلّق بممارسات تحدث في سياق مختلف، هو "السياق الرقمي"، فقد وظّفنا الاستمارة الإلكترونية، بدلًامن الورقية؛ بالنظر إلى ما لها من إيجابيات ترتبط بتقليص مدة إنجاز البحث وتكلفته. إضافة إلى ما سبق، "تسمح الاستمارات عبر الإنترنت بمراقبة جودة البيانات الواردة على نحو أفضل، وبتتبع العناصر التي ظلت في السابق بعيدة كلًّيًا عن متناول الباحث" 3؛ مثل البيانات التي لا يمكن الوصول إليها بوساطة الاستمارة الورقية، إّل ابعد تفريغها يدوًّيًا، أو بالاعتماد على برمجيات معيّنة. ومن ثم، فقد مكّنتنا الاستمارة الإلكترونية من جمع البيانات في زمن قياسي بتكلفة أقل، ثمّ إنها أتاحت لنا الحصول على أرقام وإحصاءات تمنحنا فكرة أوّلية عن الظاهرة التي نحن بصدد دراستها. ولا يمكن "تصوّر دراسة تتناول شبكات التواصل الاجتماعي أو تأويل نتائجها من دون معرفة إثنوغرافية عميقة بالوسط المدروس، وبالمعضلات النوعية للفعل الاجتماعي، وهي معرفة يجري الوصول إليها بتقنيات المقاربة الكيفية، وفينومينولوجيا العلاقات ودلالاتها بالنسبة إلى الفاعلين" 4. وهنا، تتجّل ىأهمية الملاحظة الإثنوغرافية كأداة منهجية لدراسة السياق الرقمي، مع ضرورة تكييفها معه.
،ُيُفضي بنا ذلك إلى توظيف النتنوغرافيا، أو الإثنوغرافيا الافتراضية وهي من بين التقنيات الأوسع استعمالًافي دراسة الظواهر في السياق الرقمي، وُتُعَّرَف بأنها "دراسة السكان والممارسات على الشبكة العالمية: الدردشات ومنتديات المناقشة والمواقع الإلكترونية والمدوّنات وشبكات التواصل الاجتماعي... إلخ. وقد ظهر مصطلح الإثنوغرافيا الافتراضية أول مرة في الأدبيات الأنكلوسكسونية، في النصف الثاني من تسعينيات القرن العشرين" 5. وهي تُدرج ضمن "المناهج الافتراضية" المرتبطة ب "الأبحاث التي تنطلق من منظور إثنوغرافي لدراسة الظواهر السوسيوثقافية في سياق رقمي، مثل منتدى دردشة للأشخاص الذين يعانون المرض نفسه، أو في منصّة ألعاب على الإنترنت" 6. استهدفنا بالملاحظة النتنوغرافية صفحة دينية، في منصة فيسبوك، للداعية الأكثر شعبية بين شباب العيّنة؛ إذ أخضعنا الصفحة للملاحظة على نحو متقطّع. وامتدت هذه الملاحظة إلى ثلاثة أشهر (آب/ أغسطس - تشرين الثاني/ نوفمبر 2024)، ولم يكن هاجسنا وصفيًا في المقام الأول، لأن الإثنوغرافيا عمومًا "لا تُختَزَل إمبريقيًا في الوصف، بل تُطِّوِر، بدلًامن ذلك، شكلًامن أشكال الوصف الغني نظريًا، يأمل الباحث الإثنوغرافي من خلاله أن يشارك في النقاش النظري الجاري في المجال الأكاديمي" 7، إضافة إلى إنتاج نموذج نظري مُيّ كّننا، في هذه الحالة، من دراسة الصفحات الدينية في فيسبوك. تسعى هذه الدراسة لاختبار الفرضيتين التاليتين: 1. تس تجيب استعمالاُتُ الشباب الدينية لشبكات التواصل الاجتماعي لمتطّّل باتهم، إذ يعملون على تطويع التكنولوجيا لتخدم تلك المتطلّبات؛ 2. يُنتج هذا الاستعمال تغيرًا في مواقع السلطة الدينية مع ظهور المؤثرين الدينيين. للتحقق من فرضيات البحث، أرسلنا الاستمارة إلى 80 مستجيبًا من الجنسين، تراوح أعمارهم بين 15 و 35 عامًا فأكثر. وقد اعتمدنا عيّنة قصدية، لأن المستجيب يجب أن يكون، بالضرورة، مستعملًا للشبكات الاجتماعية استعمالًادينيًا. أما اختيار سائر أفراد العينة، فقد جرى على غرار أسلوب "كرة الثلج." وتعتبر العيّنة القصدية عيّنة غير احتمالية، ولا تمثل مجتمع البحث بأكمله. وعلى الرغم من ذلك، مُتّ كّننا من الوصول إلى النتائج نفسها التي توصّلنا إليها، اعتمادًا على العيّنة الحصصية؛ وهي عيّنة تمثيلية، أنجزناها في دراسة سابقة بشأن عيّنة أوسع، تتكوّن من 400 من الشباب (ذكورًا وإناثًا.) بناءً على مُخرجات الاستمارة المنجزة، حدّدنا أسماء المؤثرين الدينيين الذين يحظون بثقة شباب العيّنة. وبعد ذلك، لاحظنا - نتنوغرافيًا - محتوى الصفحة الدينية للداعية الأكثر شعبية، في فيسبوك.
2. مفاهيم الدراسة
أ. الشبكة الاجتماعية
ارتبطت شبكات التواصل الاجتماعي بشبكة الويب التي يعدّها تيم بيرنرز-لي Berners-Lee Tim وسيلة للتواصل على صعيد كوكبي، مجانية ومفتوحة للجميع، تعمل على تمكين جمهور واسع من تبادل معلومات، يُقدّمها مشرٌفٌ أو مالك، في أماٍنٍ تاٍّمٍ. وقد رأى بيرنرز- لي أن هذه المنصّات التواصلية أ نِشِئت من أجل تعزيز الحوار بين مستعملي الإنترنت، من دون قيود عبر الميديا الجديدة 8. لكننا نعرف، في الوقت الراهن، أن تصوّره بات مجانبًا الواقع. وقد حدث التطوّر الفعلي الذي شهدته شبكات التواصل الاجتماعي مع الجيل الثاني من شبكة الويب 0.2 Web، في بداية القرن الحادي والعشرين. يُعرّف مانويل كاستلز الشبكة بأنها مجموعة من الُعَُقَد المترابطة والمتداخلة 9، لكل منها دوره داخل الشبكة. ومن ثم، ينبغي لنا أّل ا نُرادف بين الشبكة والُعَُقَد التي لا تعدو أن تكون جزءًا من الشبكة بوصفها كيانًا قائمًا بذاته. وقد "ظهر المفهوم أول مرة في مقالة للأنثروبولوجي البريطاني جون أ. بارنز، في عام 1954 10، التي حلّل فيها العلاقات بين أفراد جزيرة صغيرة في النرويج" 11. وينبغي لنا أّل ا نحصر مفهوم الشبكة في العلاقات، بل يجب أن نأخذ في الحسبان وجود ارتباط بين هذه العلاقات، ف "ما يحدث في سلسلة منها يؤثر في الأخرى" 12.
أما من الناحية الإجرائية، فإنّ الشبكة تُحيل على مجموعة من المواقع الرقمية التي تتيح للمستخدمين إنشاء علاقات وروابط اجتماعية، شخصية وعاطفية ومهنية، عبر الإنترنت، كما تتيح إنتاج محتويات رقمية وإعادة إنتاجها، فضلًاعن التفاعل مع ما ينشر في هذه المواقع. وتعتبر الشبكات الاجتماعية وسائط جديدة، في مقابل الوسائط التقليدية. وعبارُةُ "وسائط جديدة" مصطلٌحٌ شامٌلٌ، يشير إلى الوسائط الرقمية عامةً. وغالبًا ما يستخدم المصطلحان، الوسائَطَ الجديدَةَ، والوسائَطَ الرقميَةَ، للدلالة على المعنى نفسه 13.
ب. الاستعمال الديني
والاستخدام Usage يميّز سيرج برولكس بين الاستعمال Utilisation14؛ إذ يُدَرَج اللفظ الأول ضمن تساؤل سوسيولوجي يأخذ في الحسبان سياق فعل الاستعمال، إضافة إلى التاريخ الشخصي للمستخدم في تعامله مع الأجهزة التقنية، كما يشير إلى الروابط النفسية والاجتماعية التي تربط المستخدم بالجهاز التقني. أما لفظ "الاستخدام"، فيشير إلى فعل توظيف الجهاز التقني 15. لا يُحيل الاستعمال على توظيف الأفراد التكنولوجيا في بُعدها التقني فحسب، بل يُحيل أيضًا على أبعاد نفسية واجتماعية تُحدّد سياق الفعل؛ إذ تتحدد طبيعة الاستعمال وطريقته بعوامل نفسية واجتماعية خاصة بالمستعمل، في حين يُحيل الاستخدام على البعد التقنوي الخالص. ولا نطلق لفظ الاستعمال على استخدام التقنية إّل ا إذا تكرر الفعل وتحوّل إلى نشاط عادي، يزاوله الفرد باستمرار، أي إنه يتحوّل إلى جزء من حياته. وبذلك "يشير الاستعمال إلى ما يفعله الناس حقيقة بالتقنية، أي إنه يشير إلى مسألة التملّك الاجتماعي للتكنولوجيا، ويسائل علاقة الأفراد بالأشياء التقنية ومحتوياتها، ثم إن الاستعمال فيزيائيًا يُحيل على استعمال وسيلة إعلامية أو تكنولوجية قابلة للاكتشاف والتحليل عبر ممارسات وتمّثلّات خاصة" 16. الاستعمال، إذًا، هو الاستعانة بوسيلة أو تقنية مع الوعي بتمّثلّات محددة، ويستهدف تحقيق غايات معيّنة، تتباين من فرد إلى آخر. وما يهمنا، في هذه الدراسة، هو الاستعمال الديني لشبكات التواصل الاجتماعي. فإذا كان الاستعمال عمومًا يشير إلى العلاقة التي تربط الفرد بوسيلة تكنولوجية، أو بوسيط رقمي معّين، والتي تتّصف بالديمومة، أي بمواظبة الفرد على استخدامها على نحو قصدي، فإن الاستعمال الديني هو نوع خاص من الاستعمال الموجّه نحو تلبية غايات دينية؛ إذ يشير إلى توظيف الأفراد شبكات التواصل الاجتماعي لغايات وأغراض دينية، توظيفًا ينجم عنه تلبية احتياجات معيّنة.
ج. السلطة الدينية
تحاجّ هايدي كامبيل، من خلال مراجعة مجموعة من الأدبيات التي تناولت السلطة الدينية، بأن المفهوم غالبًا ما يُوَّظَف في علاقة بمصطلح القوة Power. وفي أدبيات عديدة، تشير السلطة إلى السلطة الأيديولوجية، أو السلطة الأخلاقية، أو السلطة العليا، عندما يتعلّق الأمر بقضايا الحكم (والدولة.) وفي أدبيات أخرى، يُستخدم مصطلح السلطة للإشارة إلى النصوص أو المعلومات المتوافرة، في شبكة الإنترنت أو في غيرها. وهذا يُبّي نأنّ المقصوَدَ بالسلطة يعوُزُه مفهوم متّفق عليه في دراسات الإنترنت 17. لذلك، تدعو كامبيل إلى تدقيق المفهوم، من خلال تحديد مستويات السلطة التي تخضع لتأثير الإنترنت؛ وهي لا تعني تحديد التأثير، من خلال التوجيه والتحكم، الذي يمارسه بعض الأفراد على الآخرين فحسب، بل تعني أيضًا "تحديد الشكل أو النوع المحدّد للسلطة التي تخضع للتأثير. تتطلّب دراسة السلطة عبر الإنترنت، إذًا، تحديد هذه الطبقات المتعددة لاكتشاف إن كانت الأدوار أو الأنظمة أو المعتقدات أو المصادر الدينية هي التي تخضع للتأثير" 18. تجنبًا لَّلَبس، لا بد من تحديد ما نقصده بالسلطة في هذه الدراسة. إننا نستعمل مفهوم السلطة للإشارة إلى الإمكانية والقدرة التي يملكها بعض الأفراد للتأثير في الآخرين وتوجيههم والتحكّم فيهم. ونحن لا نقصد القوة أو العنف، بل إمكانية التأثير في اعتقادات الأفراد وسلوكهم. وحين نضيف نعت "الديني" إلى المصطلح، فنحن نقصد شكلًا محدّدًا من السلطة، هو السلطة الدينية؛ ومن ثم نستبعد السلطة بمعناها القانوني والسياسي والاجتماعي والاقتصادي. وهكذا، فإننا نُعرّف السلطة الدينية بوصفها الشرعية التي يكتسبها بعض الأفراد أو الفاعلين للحديث، باسم الدين، والفصل بين الحلال والحرام، وما ينبغي فعله والامتناع عن فعله، من أجل التأثير في جمهور معّين.
د. المؤثر الرقمي الديني
ينتمي مفهوم المؤثر إلى المجال الاقتصادي، خاصة مجال التسويق Marketing. ويشير التأثير، في هذا السياق، بحسب أنجيليك غزلان، إلى "الفعل الذي يمارس على شخص أو شيء ما، فينتج منه أثرٌ"ٌ. ويلقي مفهوم التأثير أيضًا الضوء على علاقة السلطة التي يمارسها شخص أو مجموعة على شخص أو مجموعة أخرى، فتؤدي إلى التأثير في آرائهم وُتُقيّد حريتهم في التصرّف 19. ويشير ستيفان لورينز Stéphane Laurens إلى أن التصوّر السائد عن التأثير يفيد أنه يُحيل على مفاهيم الخضوع والطاعة والتبعية والتلاعب 20. ويمكن اختزال هذه المفاهيم في مفهوم السلطة؛ إذ يكون للمؤثر، سواء كان فردًا أو مجموعةً، سلطةٌ على الآخرين، أفرادًا كانوا أم مجموعات. وقد ظهر مفهوم المؤثرين مع انتشار شبكات التواصل الاجتماعي. والمؤثر هو "الفرد الذي، من خلال قوّته الإعلامية، وموقعه في شبكات التواصل الاجتماعي، يؤثر في مجتمعه، خاصة من ناحية العادات الاستهلاكية" 21. ويتعلّق الأمر، في هذا السياق، بالمؤثر الرقمي الذي ينتج محتويات رقمية مُتّ كّنه من توجيه سلوك متابعيه. انتقل مفهوم المؤثرين، إذًا، من مجال التسويق الاقتصادي التقليدي، إلى التسويق الرمزي المتعلق بالأفكار والقيم والثقافة بمعناها الواسع، ومن الاعتماد على وسائط تقليدية، مثل الراديو والتلفزيون، إلى توظيف شبكات التواصل الاجتماعي. وهذا الارتباط بين المؤثرين وشبكات التواصل الاجتماعي هو ما جعل دنكن وات Duncan J. Watts وبيتر دودز Peter Sheridan Dodds ينظران إلى المؤثرين "بوصفهم قادة الرأي الرقمي الذين يؤثرون في سلوك عدد كبير من الأشخاص، من خلال منشور على منصة إنستغرام أو مقطع فيديو على منصّة يوتيوب" 22. تهتم هذه الدراسة، في المقام الأول، بالمؤثر الرقمي الديني؛ وهو نوع من المؤثرين لم يظهر إَّل احديثًا. وُنُحاجّ بأن تعريف المؤثر الديني ينبغي أن يشتق من تعريف المؤثر الرقمي نفسه. فإذا كان المؤثر الرقمي، عمومًا، هو الشخص الذي يتمتع بكاريزما خاصة، وبشخصية قيادية مُتّ كّنه من التأثير في جمهور واسع، فإن المؤثر الديني هو شخص ي مكنه، من خلال تكوينه الديني والعلمي، أو من خلال كاريزما خاصة، التأثيُرُ في مستعملي شبكات التواصل الاجتماعي، وخلُقُ قاعدة من متابعي محتواه الديني في الشبكات الاجتماعية. ولا يمكنه تحقيق ذلك في غياب السلطة. وقد تكون هذه السلطة شخصية ترتبط بمواصفات متوافرة فيه، تجعله مؤثّرًا وقياديًا دينيًا، وقد تكون مؤسساتية إذا كان مُيّ ثّل مؤسسة (دينية) معيّنة.
ثانيًا: الاستعمالات الدينية لشبكات التواصل الاجتماعي: نحو تيبولوجيا للاستعمال الديني
في البداية، نعرض في هذا المحور نتائج الدراسة الكمية بطرائق الخصائص السوسيوديموغرافية بالنسبة إلى المستجيبين. تتكوّن العيّنة من 80 مستجيبًا، مع تقارب بين نسبة الذكور والإناث؛ إذ مثلت نسبة الإناث %50.6، في حين مثّلت نسبة الذكور 49.4 %. أما بالنسبة إلى أعمار المستجيبين، فقد توزّعت العينة المستجيبة على غرار ما هو مبَّي نفي الشكل.)1(
الشكل 1() توزيع أفراد الع يّنة بحسب متغّي رالسن
نلاحظ أن الفئة الُمُهيمنة على العيّنة هي الفئة العمرية 35 عامًا فأكثر؛ إذ مثّلت 42.5 %، تليها الفئة العمرية 19-15 عامًا، التي بلغت نسبتها 27.5 %، ثم الفئة العمرية 34-30 عامًا، بنسبة 13.7 %، ثم بقية الفئات.
أما بخصوص متغّي رالعمل، فإن 59.5 % منهم يمارسون نشاطًا مهنيّا، في مقابل 40.5 % لا يمارسون أي نشاط مهني. ويقطن أغلبهم في الوسط الحضري، بنسبة تبلغ 80 %.
1. نشر المحتوى الديني في شبكات التواصل الاجتماعي
شهدت استعمالات الشبكات الاجتماعية تطوّرًا ملحوظًا؛ فهي لم تُعُد وسائط للاتصال والتواصل فحسب، بل صارت أيضًا وسائط لإنتاج المعلومة وتسويقها، تلبية لاحتياجات مختلفة لدى الأفراد المستخدمين. وفي هذا السياق، نشأت أشكال مختلفة من الاستعمال الديني لهذه الشبكات. وقبل استكشافها، لا بد أولًامن عرض موقف الشباب المستجيبين من استعمال الشبكات الاجتماعية لنشر محتوى ديني (ينظر الشكل.)2 الشكل 2() موقف المستجيبين من توظيف الشبكات الاجتماعية لنشر محتوى ديني
نعم
، من الشكل يتبّي ن 2()، أن موقف الشباب من نشر المحتوى الديني على الشبكات إيجابي جًّدًا؛ إذ يتفق %94.9 من المستجيبين مع هذه الممارسة؛ ما يعني أنهم تجاوزوا مرحلة التفاوض المتعلقة بقبول الاستعمال أو رفضه، نحو مرحلة التكيّف معه وتذويته، بوصفه شكلًا أساسيًا من أشكال أخرى في استعمال الشبكات الاجتماعية. وما يؤكد ذلك هو توجّه المستجيبين إلى مشاركة Share محتوى ديني مختلف على هذه الشبكات، ومّم اُيلُاحظ ذلك التباين بين وتيرة المشاركة وحدّتها؛ من المشاركة الدائمة إلى المشاركة المتقطّعة. تؤشر النتائج السابقة إلى تبنّي الاستعمال الديني للشبكات الاجتماعية من أفراد المجتمع، وقد حدث هذا التذويت بسرعة؛ إذ نسجل في السنوات الأخيرة ارتفاعًا مطّردًا لحجم المحتوى الديني على شبكات التواصل الاجتماعي؛ وقد وقفنا على ذلك في دراسة أنجزناها على الحسابات الشخصية لمستخدمي منصة فيسبوك 23. صمم إفيريت روجرز ما يُسمّيه "معدّل التبني" الذي يحيل على "السرعة النسبية التي يجري بها تبنّي الابتكار بين أعضاء المجتمع. في البداية، لا يتبنّاه سوى عدد ضئيل من الأفراد، لكن منحنى الانتشار سرعان ما يبدأ في الصعود مع تبنّي المزيد منهم له. ثم يبدأ مسار معدّل التبنّي في الاستقرار، مع استمرار عدد ضئيل من الأفراد في الإحجام عن تبنّيه" 24. ويتجّل ىهذا الأمر من خلال نسبة رافضي نشر المحتوى الديني التي لا تتجاوز 5.1 %، ما يعني أننا نشهد مرحلة استقرار منحنى التبنّي. وبما أن استعمال الشبكات الاجتماعية لنشر المحتوى الديني قد صار أمرًا واقعًا، فقد سعت الدراسة لاستكشاف طبيعة هذا المحتوى (ينظر الشكل.)3 يُبّي نالشكل 3() أن المعلومة الدينية والقرآن الكريم يكونان في رأس قائمة أشكال المحتوى الديني التي يشاركها المستجيبون في الشبكات، وذلك بنسبة 56.1 و 4 %54. على التوالي. ثم يأتي نشر الأذكار والأقوال الدينية والأدعية في المرتبة الثانية، بنسبة 49.1 %. ويشارك أفراد العيّنة أيضًا مقاطع فيديو لشيوخ ودعاة دينيين، بنسبة 33.3 %، وصورًا ذات أبعاد دينية، بنسبة لا تتجاوز 15.8 .% بعد مشاركة المعلومة الدينية، تأتي مشاركة المستجيبين محتوى يتعلّق بالقرآن الكريم، بوصفه يمثل كلام الله المقدس. وتؤدي مشاركة المحتوى القرآني مع الأصدقاء في الشبكات مجموعة من الوظائف، مثل الوعظ والإرشاد والتذكير بالدين. يُضاف إلى ذلك نشر الأدعية، خاصة أيام الجمعة والمناسبات الدينية، فضلًاعن الأذكار والمواعظ الدينية ومقاطع الفيديو التي يتناول فيها الدعاة قضايا دينية. يمكن إدراج مشاركة هذا المحتوى في إطار عام نُسمّيه "الدعوة الدينية"، والمقصود بها في هذا السياق الدعوة التي تتّخذ أسلوبًا وعظًّيًا أو إرشادًّيًا أو تذكيرًّيًا أو تكون بمنزلة إسداء نصح للمسلمين أنفسهم، لا الدعوة إلى الإسلام عامةً. وقد ازداد استخدام الشبكات الاجتماعية وسيطًا لممارسة هذا النوع من الدعوة، وينعكس
| 9 | 9 (%15.8) 1 | 19 (%33.3) | |
| 28 28 | |||
| 1 (%1.8) |
31 (%54.4) ﻗﺮآن ﻛﺮﻳﻢ
ذلك في ظهور عدد متزايد من الصفحات الدينية في شبكات التواصل الاجتماعي، متخصصة في ممارسة الدعوة الدينية. وتشيررر نتائج هذه الدراسة إلى أن شباب العيّنة قد ذوّتوا "ثقافة مشاركة المحتوى الديني" في شبكات التواصل الاجتماعي. فإلى جانب الاستعمالات المختلفة لهذه الشبكات في الترفيه والتسلية والتواصل والعمل والتجارة وغيره، ثمة أيضًا الاستعمال الديني، ولا شك في أنّ لهذا الاستعمال استراتيجياِتِه وأهداَفَه وأثَرَه في بناء هوية الأفراد وتوجّهاتهم ومواقفهم الدينية، وإعادة بنائها أيضًا.
2. الغاية من الاستعمال الديني لشبكات التواصل الاجتماعي
استنادًا إلى ماكس فيبر 25، لا يخلو أيّ فعٍلٍ إنساني من القصدية؛ إذ إنّ لكل فعل مقاصَدَه ودلالاته التي يعيها الفاعل. وفعُلُ استعمال الشبكات الاجتماعية لأغراض دينية، بدوره، موجّه بغاياٍتٍ ومقاصَدَ، حاولنا الوقوف عليها من خلال السؤال الذي لخّصنا إجاباته التي حصلنا عليها في الشكل.)4(الشكل 3() طبيعة المحتوى الديني الذي يشاركه المستجيبون على شبكات التواصل الاجتماعي
32 (%56.1) ﻣﻌﻠﻮﻣﺎت دﻳﻨﻴﺔ 9 (%15.8) ﺻﻮر ذات ﺑﻌﺪ دﻳﻨﻲ 19 (%33.3) ﻣﻘﺎﻃﻊ ﻓﻴﺪﻳﻮ ﻟﺸﻴﻮخ ودﻋﺎة دﻳﻨﻴ
28 (%49.1) أذﻛﺎر وأﻗﻮال دﻳﻨﻴﺔ 28 (%49.1) أدﻋﻴﺔ 1 (%1.8) ﺧﻮاﻃﺮ وأﻓﻜﺎر
أ. البحث عن المعلومة الدينية ومشاركتها
يتبّي ن أن البحث عن المعلومة الدينية ومشاركتها يُشّّك لان غاية أساسية من الاستعمال الديني للشبكات الاجتماعية. ويتأكد ذلك إذا ما قارنّاها بما توصّلنا إليه من خلال السؤال السابق بشأن طبيعة المحتوى الديني الذي يشاركه المستجيبون؛ إذ يبحث الشباب عن المعلومة الدينية في المقام الأول، ويشاركونها أصدقاَءَهم ومحيطهم 56.1( %.) وحين يتعلق الأمر بالغاية من هذا الاستعمال، نجد النسبة السابقة نفسها تقريبًا من المستجيبين 55.2( %) ممن ذكروا أن استعمالها موجّه بالبحث عن المعلومة الدينية. يمكن تفسير لجوء الشباب إلى الإنترنت للبحث عن المعلومة الدينية بسهولة الولوج إليها، وعدم تقيّد الفرد بزمان ومكان معيَّنيَن للحصول عليها. يضاف إلى ذلك وفرة العرض، فثمة عدد لا يُحصىى من المواقع الدينية والتطبيقات على الهاتف التي تجيب عن الأسئلة الدينية في زمن قياسي، وهي ميزة من ميزات الخدمة الآنية في الشبكات الاجتماعية. بهذا المعنى، صارت شبكة الإنترنت "وسيلة ومكانًا. فهي وسيلة للوصول إلى الأشخاص، كما هو الشأن بالنسبة إلى التواصل، وهي مكان يمضي فيه الناس الوقت في الاستعلام، أي الحصول على المعلومة والانفتاح على تنشئة جديدة" 26. واستنادًا إلى مورتين هوجسغارد
الشكل 4() الغاية من الاستعمال الديني للشبكات
| 5 (%7.5) | 28 ( 19 (%28.4) 24 (%35.8) | ||
| 1 | |||
37 (%55.2) اﻟﺒﺤﺚ ﻋﻦ اﳌﻌﻠﻮﻣﺔ اﻟﺪﻳﻨﻴﺔ وﺗﻘﺎﺳﻤﻬﺎ
28 (%41.8) ﻧﴩ اﻟﺪﻳﻦ اﻹﺳﻼﻣﻲ واﻟﺘﻌﺮﻳﻒ ﺑﻪ
ومارغيت واربورغ 27، نُسمّي استعمال هذه الشبكات للبحث عن المعلومة الدينية الاستعمال الديني المعرفي لشبكات التواصل الاجتماعي.Cognitive Religious Use of Social Networks إن الإقرار بأن "الاستعمال الديني المعرفي" هو الغالب على الاستعمالات الدينية لشبكات التواصل الاجتماعي يعني أن هذه الشبكات أصبحت أداة أساسية للتنشئة الدينية، تنافس المؤسسات الدينية التقليدية؛ إذ "إن تلبية الاحتياجات الدينية تؤدي بسرعة إلى تعزيز التنشئة الدينية عبر الإنترنت نتيجةً للإشباع الفوري. وتفيد نتائج أدبيات حديثة أن الناس يتعلّمون الدين عبر الإنترنت، أكثر مما يتعلمونه من الأسرة والعائلة ومصادر تقليدية أخرى" 28. تؤكد هذه الأدبيات وغيرها تراجع دور المؤسسات الدينية التقليدية، مع ظهور قنوات جديدة للتنشئة الدينية، متمثلةً في الشبكات الاجتماعية. ومن ثمّ، صارت هذه القنوات تمثّل تهديدًا ومصدرًا للعديد من الأخطار؛ يتعلق أولها بمصدر المعلومات الدينية التي تجري مشاركتها و"نقص الشفافية بشأن مصدر هذه المعلومات، ما يفسح المجال أمام الشك في أصالة المعلومة وصحّتها" 29.
5 (%7.5) اﻟﺒﺤﺚ ﻋﻦ ﻓﺘﺎوى دﻳﻨﻴﺔ
19 (%28.4) اﻟﺘﻌﺒ ﻋﻦ ﻫﻮﻳﺘﻚ اﻟﺪﻳﻨﻴﺔ 24 (%35.8) ﺗﺤﻘﻴﻖ ﻏﺎﻳﺔ روﺣﻴﺔ ﺗﺘﻤﺜﻞ ﰲ اﻻﺗﺼﺎل ﺑﺎﻟﻠﻪ
قد نجد في التضارب والاختلاف بشأن بعض القضايا الدينية، بين هيلإ انشأر ام لعى لاّ ااد لا ااثم، ةيعمتاجلاا تاكبشلا لميعتسم. و " نم بين الأخطار أيضًا ظهور إمكانيات جديدة للتنشئة الدينية خارج الجماعة، يمكن أن تُهدّد وحدتها" 30. وتتيح هذه الإمكانيات ميلاد سَُلَط دينية جديدة، تنافس أو تُهدّد الُّسُلط الدينية القديمة التي مُتّ ثّلها المؤسسات الدينية التقليدية، مثل الزوايا والمساجد والأسرة والدين الرسمي وغير الرسمي (المتمثل في حركات الإسلام السياسي.) وقد عّب ررشيد جرموني عن ذلك، ب "نزع القداسة عن المؤسسات الدينية الرسمية وغير الرسمية"، وذلك نتيجة تفاعل مجموعة من العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية، إلى جانب عامل أساسي، هو 'الانفتاح على منتجات الثورة الرقمية الذي جعل ثقافة الجيل الحالي ثقافةً تميل إلى الحرية، وإلى نزع القداسة عن كل شيء"' 31. وأدى ذلك إلى انعدام الثقة في الفاعل الديني الرسمي والمؤسسات الدينية التي مُيّ ثّلها، وقد يكون الإقبال على الشبكات الاجتماعية، بوصفها مصدرًا للاستعلام الديني، بسبب غياب الثقة أو تدنّيها في المؤسسات الدينية التقليدية. فضلًا عن ذلك، "يرى بعضهم أن هذه التنشئة تضمن توازنًا نفسًّيًا" 32؛ إذ إن ظهور هذه القنوات الجديدة لا يُهدّد بالضرورة
السلطة الدينية للمؤسسات التقليدية بقدر ما يدعمها، ويعكس تكيّف الأفراد مع مستجدات الثورة الرقمية. ومن هذا المنظور، يمكن اعتبار "الاستعمال الديني المعرفي" للشبكات الاجتماعية نتيجةً طبيعيةً للتقدم التكنولوجي الذي يشهده المجتمع الإنساني، وليس بالضرورة ردّة فعل على واقع سياسي أو اجتماعي أو ديني مُحدّد. تتأكد رؤية الشبكات الاجتماعية بوصفها وسائط للتنشئة الدينية والحصول على المعلومة من خلال أجوبة المستجيبين عن سؤال يتعلّق بمصدر المعلومة الدينية؛ إذ بلغت نسبة الذين اختاروا جواب المواقع والصفحات الدينية 59.5 %، بينما لم تتجاوز النسبة 10 % عندما تعلّق الأمر بالقنوات الدينية التلفزيونية والفقهاء وأئمة المساجد. تُبّي نهذه الأرقام تراجع الإعلام الديني التقليدي؛ إذ لم تعد القنوات التلفزيونية الدينية الوسيط الرئيس الذي يضطلع بمهمة التنشئة الدينية بعد ظهور الشبكات الاجتماعية التي مكّنت الشباب من الولوج المباشر إلى المعلومة من دون وسائط. ويقال الشيء نفسه عن سلطة الفقيه وعالم الدين؛ فبعد أن كان "حاملو الكلمة الدينية الشرعيون" 33 هم ا لعلماء والفقهاء والزوايا، أصبح الدعاة - المؤثرون في الشبكات حاملين أيضًا الكلمة الدينية، وصاروا ينافسون العلماء والفقهاء، كما أصبحت المعلومة الدينية متاحة للجميع. يتمثّل التحوّل الكبير الذي شهده هذا العصر، إذًا، في التغّي رالذي عرفته علاقة الفرد بالدين: "إذا كان الدين في السابق يُنقل عن طريق وسيط وسلطة دينية، فإنه اليوم يُنقل بطريقة مباشرة" 34. لكنّ ذلك لا يعني أنّ فعل التنشئة الدينية الحديثة أصبح خاليًا من السلطة؛ بل إنّ التحوّل الذي حدث هو في مواقع هذه السلطة، إذ انتقلت من الفاعلين الدينيين التقليديين إلى فاعلين جدد، هم "المؤثرون الدينيون." وقد نعتناهم بهذا الاسم بدلًامن "الدعاة الجدد" في الشبكات؛ أولًا، تمييزًا لهم من مفهوم "الدعاة الجدد" الذي ارتبط بظاهرة الإعلام الديني التلفزيوني. وثانيًا، لأن هؤلاء ليسوا بالضرورة فقهاء أو علماء متخصصين في الدين، ومع ذلك تمكّنوا من التأثير في جمهور كبير من المتابعين.
ب. نشر تعاليم الدين الإسلامي
إذا كان معظم المستجيبين قد أشاروا إلى أن الغاية من استخدام شبكات التواصل الاجتماعي هي الحصول على المعلومة الدينية، فإن نسبة كبيرة 41.8( %) تنظر إلى الشبكات بوصفها وسيلة للتعريف بالدين الإسلامي ونشر تعاليمه. وتدخل هذه الممارسة ضمن ما يسمى "ممارسة الدعوة." نستعمل هذا المفهوم في دراستنا بمعنى تبليغ الناس بالإسلام من خلال الحثّ على الالتزام بتعاليمه، قولًاوعملًا، عبر الشبكة التي تُستعمل لنشر محتوى ديني يُعرّف بالدين الإسلامي وُيُذكّر به. وهذه الدعوة موجّهة نحو المسلمين أنفسهم، لأن المحتوى الديني تجري مشاركته مع قائمة الأصدقاء؛ ومن ثم، فإننا بصدد شكل من أشكال "الدعوة الداخلية." وقد يحدث أن يشارك مستعملو الشبكات محتوى دينًّيًا مع جمهور أوسع، فيصبح متاحًا للجميع، فنكون أمام "دعوة خارجية."
ج. تحقيق الأمن الروحي
أشارت نسبة من المستجيبين 35.8( %) إلى أن الغاية من استعمالهم الشبكاِتِ الاجتماعية هي تحقيق الأمن الروحي؛ أي إن هدفهم هو استثمارها لتحقيق غاية روحية هي التقرّب إلى الله. ويتحقق لهم ذلك من خلال الاستماع إلى القرآن الكريم، أو الانخراط في حملات الاستغفار والصلاة على الرسول في الشبكات، أو متابعة موعظة دينية يبثّها أحد الدعاة. تتحقق الطمأنينة الروحية التي يسعى لها مستخدم الشبكات، إذًا، من خلال الانخراط في مثل هذه الممارسات والانضمام إلى مجموعات دينية يجمعها قاسم مشترك متحقّق في التجربة الدينية التي تُعاش في الشبكة؛ ومن ثم يكتسب المستخدم، من خلال حضوره في الشبكة شعورًا فردًّيًا يتمثّل في الرضا والارتياح النفسيين، وشعورًا جماعيًا يتمثّل، على سبيل المثال، في الانتماء إلى مجموعة دينية إسلامية متماسكة. وقد خلص جرموني من قراءته للتقرير العربي المتعلق باستعمالات الشباب للإنترنت إلى أن "الفضاء الرقمي التفاعلي يشكّل موردًا ضخمًاللغذاء الروحي الإيماني" 35.
د. التعبير عن الهوية الدينية الفردية
بناءً علىىى المعطيات الإحصائية، وجدنا أن 28.4 % من المستجيبين رأوا أنّ التعبير عن هويتهم الدينية الإسلامية هو غايتهم الأساسية من استعمالهم الديني للشبكات الاجتماعية. ومن خلال العودة إلى نتائج دراسات سابقة، توصل عبد الحكيم أحمين من خلال تحليل "نتائج الاستمارات إلى أن ما يقارب نصف العيّنة المشاركة، يعتبر أن الهوية الدينية هي الأكثر حضورًا على مواقع التواصل الاجتماعي، وهذا يتقاطع مع نتائج دراسات سابقة اعتمدها الباحث، تمحورت
حول الاهتمام الكبير لمستعملي الفيسبوك بالقضايا الدينية أكثر من غيرها" 36. وهكذا، تُعدّ شبكات التواصل الاجتماعي وسائط للتعبير عن الهوية الدينية، الفردية والجماعية، رقميًا؛ ونجد تعبيرًا عن هذه الهوية فيما ينشر من محتوى ديني فيها، وفي التفاعلات الأفقية والعمودية التي تجري داخلها.
ه. البحث عن الفتوى
على الرغم من أن النسبة التي تستعمل الشبكات الاجتماعية للبحث عن الفتوى ضئيلة، ولا تتجاوز 7.5 %، فإن هذه النسبة تؤشر إلى تحوّل في تعامل الشباب مع الدين، وإلى استثمارهم التكنولوجيا الحديثة في هذا المجال. وهنا، تختلف ا لفتوى الإلكترونية (أو الرقمية) عن الفتوى التقليدية المباشرة في السياق الذي تُطَلَب فيه وُتُقَّدَم. فإذا كانت الفتوى التقليدية تُطَلَب وُتُقَّدَم وجهًا لوجه، فإن الفتوى الإلكترونية تُطَلَب وُتُقَّدَم في الشبكة من خلال التقنيات الحديثة. يمثل ظهور الفتوى الرقمية نتيجة حتمية للثورة الرقمية من ناحية، واستجابة للطلب على الفتوى الذي ارتفع مع تطور المجتمع من ناحية أخرى. ولذلك، لا يخرج استعمال شباب العيّنة الشبكاِتِ الاجتماعية للحصول على الفتوى عن هذا السياق. غير أن هذا التغير في التعامل مع الفتوى لا يمسّ جوهر الدين. فعلى الرغم من الحرية التي يتيحها الفضاء الرقمي من ناحية تمكين جهات مختلفة، أفرادًا ومجموعات، من إصدار الفتوى، ومن ناحية تعدّد مصادرها بين فاعلين رسميين وغير رسميين، فإن ذلك لا يعني أن "الباب مفتوح على مصراعيه" أمام الجميع لإصدار الفتاوى. وفي هذا السياق، يناقش جرموني المأزق الذي تشهده الفتوى الرسمية في مواجهة اكتساح الفتوى الإلكترونية، خاصةً مع تراجع الثقة بالفاعل الديني الرسمي، ويحاجّ بأن "صناعة الفتوى دخلت مرحلة جديدة مع الفورة التكنولوجية في عالم 'الميديا الدينية'، إلى درجة أصبح معها المشهد الديني في حالة من الفوضى والجدل، سواء على مستوى القضايا الفقهية أو المذهبية، أو على مستوى الممارسات الطقوسية أو من خلال التعاملات اليومية التي تشغل بال المسلم" 37. وهذا ما نجده بوضوح في تعدد الفتاوى واختلافها في مواقع الإفتاء، وفي شبكات التواصل الاجتماعي، وهو ما يعكس الصراع بين الفاعلين الدينيين الرسميين وغير الرسميين.
و. الدفاع عن الهوية الدينية الجماعية
إلى جانب استعمال الشبكات الاجتماعية بحثًا عن المعلومة الدينية وممارسة الدعوة، مُتّ كّن هذه الشبكات مستعمليها من التعبير عن هويتهم الجماعية. ويظهر ذلك بوضوح من خلال ردات الفعل الُمُعَّب ر عنها في حالة الإساءة إلى الدين الإسلامي، وقد اعتبر 90.5 % من الشباب المستجيبين، الشبكاِتِ وسيلةً للدفاع عن الدين الإسلامي في حالة المساس بمقدّساته. ويمثّل الشكل 5() هذه النتائج المشار إليها. الشكل 5() موقف المستجيبين من الشبكات الاجتماعية باعتبارها وسيلة للدفاع عن الدين
نعم
يكون الرد على الإساءة إلى الدين إما من خلال توحيد صور الملفات التعريفية Profiles ومشاركة صورة تُعّب رعن الاستياء والرفض التام للإساءة، وإما من خلال الهاشتاغات Hashtags.ر وقد عّب 74 % من المستجيبين عن موقف إيجابي تجاه اعتماد هذه الأدوات للدفاع عن الدين. ولم تتجاوز نسبة رافضيها 26 % من العيّنة. يُعدّ الهاشتاغ، إذًا، أحد أشكال الدفاع عن الهوية الدينية الجماعية، وُيُستخَدَم للتضامن مع القضية الفلسطينية، أو للتنديد بالإساءات المتكررة إلى الدين الإسلامي عن طريق الشعارات، وفكرة استخدام الشعارات هي فكرة قديمة، ارتبطت، بحسب إميل دوركهايم، بالشعوب الطوطمية الأسترالية؛ إذ تلجأ القبائل الطوطمية إلى وضع شعار لها من أجل "التعبير عن الوحدة الاجتماعية بشكل مادي، لُتُصبح واضحة للجميع، لهذا سرعان ما أصبح استخدام الرموز
الشعارية عامّا بعد ولادة فكرتها" 38. فالشعار تعبيٌرٌ عن الوحدة الاجتماعية التي تتحقق بوساطة الدين؛ ومن ثم هو تعبير عن هوية نحن-الجماعة. فهل يؤدّي الهاشتاغ الوظيفة نفسها؟ يرتبط لفظ الهاشتاغ بانتشار شبكات التواصل الاجتماعي، وقد بدأ استعماله أول الأمر في منصة تويتر سابقًا (إكس حالًّيًا) في عام 2007، ثم اتّسع استعماله ليشمل شبكات اجتماعية أخرى. ويمكن اعتباره شعارًا يجري استعماله من مجموعة من الأفراد الذين يؤمنون بفكرة ما، أو يدافعون عن قضية معيّنة. وينتسب الهاشتاغ، بوصفه مفهومًا، إلى قنوات الدردشة IRC Chat, Relay Internet، وظاهرة الويب 2.0 التي تتميز بأنظمة العلامات التي يُنشئها المستخدم، وهي شائعة عبر العديد من المنصّات منذ عام 2007 (مثل Flickr وdel.icio.us.) وحين استخدمه كريستوفر ريفز ميسينا Christopher Reaves Messina أول مرة، كان هدفه تمكين المستخدمين من متابعة المحادثات بشأن موضوعات معيّنة تهمهم والمساهمة فيها 39. يُعّب رتوظيف هذه الأدوات الدفاعية عن تذويت الشباب للرقمي، وعن تطوير هذه الآليات التي لم تكن متاحة بفضل إعدادات الشبكات الاجتماعية، بل هي تطويع لهذه التكنولوجيا حتى تخدم احتياجات الشباب الدينية ومطالبهم. والهاشتاغ من بين الأمثلة الدالة على ذلك؛ إذ لم يكن من بين الاختيارات المتاحة على منصة تويتر، بل طوّره مستعملون، ثم أ دِمِج في التطبيق. ويعني ذلك أن المستعمل ليس سلبًّيًا، بل إنه يُدبّر الاستعمال وفق استراتيجيات تخدم غاياته، وهي استراتيجيات تقع ضمن الإمكانيات المتاحة في الشبكات الاجتماعية أحيانًا، وخارجها أحيانًا. وهنا، يجري خلق "اختيار" جديد يجري إدماجه في منصّة الشبكة، لينتشر بين المستعملين. ويدعم ما قيل سابقًا نظرية هايدي كامبيل 40 التي تنظر إلى الأفراد والمجموعات الدينية المستخدمة الإنترنت والميديا (أو الوسائط) الجديدة على أنهم فاعلون ويتفاوضون لتشكيل هذه الميديا وفقًا لغاياتهم.
3. معرفة صفحات دينية في فيسبوك
تمثل منصّة فيسبوك الشبكة الأوسع شعبية في المغرب، بعد منصة يوتيوب، بنحو 18.95 مليون مستخدم في عام 2022، تليها منصة إنستغرام 41. وهو الترتيب نفسه الذي حصلنا عليه في هذه الدراسة؛ إذ يُفضّ ل 67.1 % من المستجيبين منصّة يوتيوب، وغير بعيد عنها تأتي المنصتان الأخريان 58.2( %.) ومن بين المستجيبين، 86.3 % يملكون حسابًا على منصة فيسبوك. لذلك، ارتأينا أن نلقي الضوء على المحتوى الديني فيها، من خلال التساؤل أولًابشأن معرفة المستجيبين صفحات دينية فيها (ينظر الشكل.)6 الشكل 6() معرفة المستجيبين صفحات دينية في فيسبوك
نعم
وجدنا، في هذه الدراسة، أن أكثر من نصف العيّنة على معرفة بصفحات دينية في فيسبوك، بنسبة 55.8 %. ونقصد بالصفحة الدينية، في هذا السياق، فضاءً رقميّا يُنِشِئه المستخدم، على نحو خاصّ، لمشاركة المحتوى الديني، وهذه الصفحة هي مستقلة عن حساب المستخدم الشخصي. وقد يلجأ بعضهم إلى استثمار حساباته الشخصية من أجل هذا الغرض. ويختار مستخدم الصفحة اسمًايتناسب مع طبيعة الغاية التي أ نِشِئت من أجلها، أو قد تأخذ اسم صاحبها. وفي هذه الحالة، لا تختلف الصفحة الدينية في فيسبوك كثيرًا عن حساب المستخدم الشخصي؛ إذ تتحدّد مورفولوجيتها من خلال المعطيات التالية:
الشكل 7() مورفولوجيا الصفحة الدينية في فيسبوك
تتحدّد الموضوعات التي تتناولها هذه الصفحات تبعًا لاختيارات صاحب الصفحة، وغالبًا ما يحاول الاستجابة لمتطلّبات المتابعين. وتراوح هذه الموضوعات بين كونها دينية خالصة ومناقشة مسائل مختلفة، لكن مع غلبة المحتوى الديني. وتخضع هذه الصفحات لمنطق السوق، ويمكن قراءتها من خلال مفاهيم العرض والطلب والمنافسة. فكل صفحة دينية تحاول أن تُقدّم عرضًا (محتوى دينيّا) يتناسب مع تطلّعات متابعيها فتستجيب لمتطلّباتهم. وقد وجدنا أن معظم هذه الصفحات عربية؛ إذ صرّح 63.6 % من أصحابها بأن هذه الصفحات عربية، بينما صرّح 34.1 % أنها مغربية تحديدًا. أما متابعة الصفحات الأجنبية، فلم تمثّل سوى 2.3 .% وقد مكّنت هذه الصفحات شرائح واسعة من الانخراط في باب "الدعوة الدينية" التي لم تُعُد تقتصر على الشيوخ والعلماء والدعاة الدينيين، بل أصبح في إمكان أي مستخدم ممارستها من خلال نشر محتوى ديني. ومن ثم، ظهر جيل جديد من الدعاة الشباب على شبكات التواصل الاجتماعي. وسنحاول فيما يلي استكشاف مدى متابعة المستجيبين، في هذه الدراسة، للدعاة في الشبكات الاجتماعية، وطبيعة علاقتهم بالفاعل الديني الجديد.
4. المؤثرون الدينيون وتغيّر مواقع السلطة الدينية
أصبحت متابعة المؤثرين في الشبكات الاجتماعية رائجة في هذا العصر. فلكل مؤثّر متابعوه الذين يتفاعلون معه. وما ينطبق على المؤثرين في مجالات مثل الفن والموسيقى والطبخ والرياضة والسياسة وغيرها ينطبق على المؤثرين الدينيين. وقد اخترنا تسميتهم "المؤثرين"، بدلًامن "الدعاة"؛ للدلالة على بروز جيل جديد من "الدعاة في الشبكة"، يختلفون عن الدعاة الدينيين التقليديين قبل ظهور الشبكات الاجتماعية. ومن ثم، مُتّ يّزهم هذه التسمية من الدعاة التقليديين الذين كانوا يمارسون الدعوة في المساجد وجهًا لوجه، من دون الاعتماد على وسائط رقمية، كما مُتّ يّزهم من الدعاة في حقبة القنوات التلفزيونية الدينية. للوقوف على علاقة المستجيبين بالمؤثرين الدينيين، طرحنا سؤلًاعن مدى متابعتهم لهم، فحصلنا على النتائج التالية: يتبّي نمن الشكل 8() أن 73 % من المستجيبين يتابعون مؤثّرًا دينيًا ينشط في الشبكات الاجتماعية، ما يعني أن هذه الممارسة باتت شائعة، الشكل 8() متابعة المستجيبين للدعاة في الشبكات الاجتماعية
نعم
ولا تختلف عن متابعة أيّ مؤثر في مجال آخر من المجالات المختلفة. من ناحية أخرى، وجدنا أن منصة فيسبوك تأتي في رأس قائمة الشبكات التي ينشط فيها هؤلاء المؤثرون الدينيون، وذلك بنسبة 42.6 %، تليها منصة يوتيوب، بنسبة 33.3 %، ثم إنستغرام، بنسبة 16.7 %، بينما لا تتجاوز بقية المنصّات الأخرى، مثل تيك توك وإكس، نسبة 5 .%
أ. الموضوعات التي يناقشها المؤثرون الدينيون
ترتبط درجة متابعة الصفحات الدينية بطبيعة الموضوعات التي يناقشها المؤثر الديني في الشبكة التي ينشط فيها. وكي نقف على ذلك، طرحنا على المستجيبين سؤلًاعن طبيعة تلك الموضوعات، وكانت النتائج كما يلي: الشكل 9() الموضوعات التي يناقشها المؤثرون الدينيون
أفاد 39.6 % من المستجيبين أن المؤثر الديني الذي يتابعونه يتناول موضوعات دينية خاصة بالعبادات والشعائر الدينية، وهي النسبة الأعلى ضمن النسب الحاصل عليها. ويعكس ذلك حاجةً لدى الشباب إلى التعرّف إلى دينهم، سواء كان ذلك فيما يتعلق بالمعتقدات أو بالشعائر الدينية. وأشار 37.7 % منهم إلى أن المؤثرين الذين يتابعونهم يناقشون في المقام الأول موضوعات اجتماعية من منظور ديني. أما 22.6 % منهم، فقد أقرّوا بأن مناقشة مشكلات الشباب المعاصرين من وجهة نظر دينية هي التيمة الأساسية التي مُتّ يّز المؤثر الذي يتابعونه. وتلتقي الموضوعات الاجتماعية مع مشكلات الشباب المعاصرين التي تحضر بقوة أيضًا عند المؤثّرين الدينيين. يتّجه المؤثرون إلى استهداف فئة الشباب، وتناول موضوعات قريبة من اهتماماتهم، مثل القضايا المرتبطة باللباس ومظاهر التدين، وكيفية تدبير الطاقة الجنسية على نحو مشروع، ومشكلة المثلية الجنسية، والتدخين وتعاطي المخدرات، وغيرها. ويمكن أن نسجل أيضًا ظهور اهتمامات ومشكلات جديدة بظهور الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي، مثل إدمان ألعاب الفيديو، وإدمان الشبكات نفسها، والتنمّر الإلكتروني، وغير ذلك من المشكلات التي تتطلّب تحليلًااجتماعيًا ونفسيًا ودينيًا.
ب. معرفة دعاة مغاربة مؤّث رين دينًّيًا
أصبحت متابعة الصفحات الدينية، أو على الأقل تصفّحها، ممارسة شبه يومية لدى الشباب. لكن ما يهمنا، في هذه الدراسة، هو الوقوف عند نصيب أصحاب هذه الصفحات والقنوات الدينية من المتابعة والرؤية، خاصة المغاربة منهم. لذلك، طرحنا سؤلًاعلى المستجيبين بشأن مدى معرفتهم أسماء دعاة مغاربة؛ فكانت النتائج كما يلي: الشكل 10() معرفة المستجيبين أسماء دعاة مغاربة
نعم
يبدو أن 69.3 % من المستجيبين، ذكورًا وإناثًا، يعرفون أسماء دعاة مغاربة، في مقابل %30.7 فقط كان جوابهم "لا." ومن هنا، تبّي ن أن الشباب المغاربة أصبحوا يهتمون بما ينتج محليًا ووطنيًا، بخلاف ما كان عليه الأمر من قبُلُ، عندما اكتسحت القنوات التلفزيونية المشرقية فضاء الإعلام الديني، وأصبح بعض الدعاة المشرقيين قدوة للمغاربة؛ مثل عمرو خالد الذي ذاع صيته في العالم العربي، عمومًا، وفي المغرب خصوصًا.
الشكل 11() أسماء الدعاة المغاربة المعروفين لدى ع يّنة الدراسة
يبدو هذا التحوّل جليّا؛ إذ تعرّف الشباب المستجيبون إلى عدد كبير من أسماء الدعاة المغاربة. ومنهم من يمثل المؤسسة الدينية الرسمية، ومنهم من لا مُيّ ثّلها. وفيما يلي بعض الأسماء التي وردت في أجوبة المستجيبين. وقد اقتصرنا على الدعاة الذين تردّدت أسماؤهم على نحو ملحوظ، كما يُبّي نالشكل.)11(تصدّر الداعية المغربي، ياسين العمري، قائمة الدعاة المعروفين لدى الشباب المغاربة، وقد ذكر اسمه 21 مستجيبًا، يليه سعيد الكملي الذي تكرر اسمه 14 مرة، وبعده - على التوالي - فريد الأنصاري وعبد الله النهاري، ثم مصطفى بن حمزة. وتردّدت أسماء أخرى، لكن ذلك قد كان بتكرار ضئيل، مثل رشيد نافع وعمر القزابري ومصطفى الهلالي والشيخ با العلوي وأحمد الريسوني. وبناءً على هذه المعطيات، يمكن طرح السؤال التالي: ما الذي جعل الداعية - المؤثر، ياسين العمري، الأوسع شعبية من بين شباب العيّنة؟ أيتعلق الأمر بطبيعة الخطاب الذي يُنتجه أم بطبيعة السلطة التي يستند إليها؟
ثالثًا: المؤثرون الدينيون في الشبكة: مقاربة جديدة للسلطة الدينية
من خلال الملاحظة النتنوغرافية لصفحة الداعية - المؤثر، ياسين العمري، لاحظنا وجود صفحات كثيرة تنسب إليه في فيسبوك، الأمر الذي صَّعَب علينا الوصول إلى صفحته الرسمية. يشير تعريفه، المتاح في محرّكات البحث في الإنترنت، إلى أنه داعية مغربي، وُلد في عام 1975، في الجديدة، ويقطن في الدار البيضاء التي درس فيها تعليمه الإعدادي والثانوي. درس الأدب الفرنسي في جامعة الحسن الثاني في الدار البيضاء، ثم اشتغل مدرّسًا للغة الفرنسية. وحين اسُتُحِدِث اختصاص تقنيات التواصل والتعبير في الجامعة، استفاد من تكوين في هذا التخصص مكّنه من الانخراط في التدريس في جامعة الحسن الثاني. وإلى جانب التدريس، يعمل العمري واعظًا متطوّعًا في المجلس العلمي لكل من إقليم النواصر وعمالة مقاطعة الحي الحسني 42. لتحليل مضمون الخطاب الديني في صفحة ياسين العمري، لجأنا إلى بناء شبكة ملاحظة استلهمناها من دراسة ميا لوفهيم التي تناولت ثلاث مدوّنات دينية نسائية لمسلمات في إسكندنافيا، وقد استهدفت من خلالها التعرف إلى الكيفية التي يجري بها تناول الدين في المدوّنات النسائية 43. واعتمادًا على مقاربة لوفهيم، لخصنا ملاحظاتنا على غرار ما سيرد لاحقًا.
1. العلامات المرئية
إن أول ما يلفت انتباه الملاحظ لأي صفحة أو حساب في فيسبوك هو العلامات المرئية؛ وأولاها صورَتَا الملف التعريفي والحساب. استعمل العمري صورته الشخصية، وهو يرتدي لباسًا تقليديًا (الجلباب والطربوش) صورةً للملف التعريفي، وُيُعّب رمن خلالها عن هويته المغربية والإسلامية. واعتمد الصورة نفسها على الغلاف، مع فارق بسيط يكمن في أن الأخيرة تضمّنت اسمه، وأنها مُذيّلة
بعبارة "الصفحة الرسمية للداعية." لاحقًا، تغّي رت صورَتَا الملف التعريفي والغلاف 44. وقد تمثّلت صورة الغلاف في بطاقة تعريفية مكتوب عليها اسمه باللغتين العربية والفرنسية، تليه مباشرة عبارة. وقد أ "الصفحة الرسمية" Officielle Pageرفقت البطاقة بصورة له، وبعناوينه الإلكترونية. أما صورة الملف التعريفي، فأصبحت صورة لمدينة القدس المحتلة، ترفرف أعلاها حمامة، وُذُيلت بعبارة "قريبًا بإذن الله." ولحظة كتابة هذه الدراسة، حظيت هذه الصورة ب 2787 إعجابًا، و 84 تعليقًا، يمكن تلخيصها في الدعاء بالنصر للفلسطينيين. تشكّل هذه النزعة المستمرة لتغيير العلامات المرئية في الفضاء الرقمي عقبة في طريق تطبيق المنهج الإثنوغرافي؛ فهو، كما أشار إلى ذلك أنصاره، يُعدّ "وسيلة لفهم ما يحدث على الإنترنت، لكن الطبيعة السريعة التغير التي تميز الإعدادات والأشكال المتنوعة التي يمكن أن تتّخذها البيانات مُتّ ثّل تحديًا خاًّصًا." لذلك، فإن "الممارسة الإثنوغرافية، بحكم الضرورة، يجب أن تتطوّر وتتكيّف في مواجهة الطبيعة المتغّيةر باستمرار للتفاعلات عبر الإنترنت" 45. أما فيما يتعلق بالمعلومات الشخصية، فلم يُدِرِج العمري معلومات خاصة في صفحته، بل اكتفى بالاسم والصفة العلمية، بوصفه أستاذًا لتقنيات التواصل والتعبير. وإلى جانب اسم الصفحة، كتب العبارة الآتية: "هذه ليست صفحة عالم ولا طالب علم، بل صفحة رجل من المسلمين بصره الله بما عليه من مسؤولية تجاه الناس. قال تعالى: دُْعُو إَِل ىِهَاّللِ﴾ [يوسف؛ ﴿ُقُْلْ َٰهِٰذِِهِ سَِبِ ل يَأَ 108."] ما يعني أن العمري لا يدّعي أنه عالم دين، ولا طالب علم، وأنه حصر هدفه الأساسي في الدعوة الدينية بوصفها مسؤولية الجميع. بالنسبة إلى العلامات المرئية الواردة في الصفحة، فقد تمثّلت في صور تضمّنت مواعظ أو أحاديث نبوية أو آيات من القرآن الكريم، مع غلبة مقاطع فيديو حول موضوعات متنوعة، تؤرخ لمناسبات ودروس ألقاها في أمكنة وأزمنة مختلفة.
2. العلامات النصية: التدوينات
لم يلجأ العمري، في بداية ملاحظتنا صفحته، إلى التدوينات المكتوبة إّل انادرًا. وقد وجدنا هذا النوع من العلامات في أثناء تنديده بانتحال شخصيته وإنشاء صفحات مزيّفة باستخدام صورته ومعلوماته الخاصة. وفيما عدا ذلك، يكتفي بمشاركة مقاطع فيديو، إما طويلة، يلقي فيها دروسًا ومواعَظَ دينيةً، وإما قصيرةً، يُوجّه فيها رسائل إلى الشباب، أو يجيب عن تساؤلاتهم. لاحقًا، اتّجه العمري أكثر فأكثر إلى التدوينات النصّية؛ إذ لاحظنا صورًا مرفقة بنصوص. ومنها، على سبيل المثال، صورة عن يوم الجمعة، مُدَّوَن معها: "أكثروا الصلاة على النبي (اللهم صِّلِ وسلّم وبارك على سيدنا محمد")، وأبيات من قصيدة السراج المنير لناصر بن مسفر الزهراني في مدح سيّد البرَّيَة، وختم التدوينة بهاشتاغ #"محمد_رسول_الله." ومنها رجع_تصّلي أيضًا صورة شخص يصلي في مسجد، مع هاشتاغ #"" (أي "ُعُْدْ إلى الصلاة)" الذي ك ان قد اكتسح شبكات التواصل الاجتماعي لحظة كتابة هذه الدراسة. وذيّل الصورة بحديث نبوي عن فريضة الصلاة، والهاشتاغات التالية: #"معركة_الوعي"، و#"رجع_تصلي"، و#"استي قظ." لا تنفصل النصوص والتدوينات عن الصور والفيديوهات، ففي إمكان مستعمل فيسبوك المزواجة بين الصورة والنص، وقد تكون هذه الصورة عادية أو متحرّكة، أو عبارة عن فيديو. وتحضر هذه العلامات النصّية والمرئية في متن صفحة العمري الدينية؛ ما يعني أنه يستثمر الإمكانات التي تُتيحها شبكات التواصل الاجتماعي لممارسة الدعوة. ويكشف هذا الأمر عن تذويته التطوّر الناجم عن ظهور الشبكات الاجتماعية. فإذا كانت الدعوة الدينية سابقًا ت ماَرَس إما وجهًا لوجه، من خلال خطاب ديني يميل إلى الصرامة من ناحية اللغة ونبرة الصوت، وإما عبر وسيط يتمثّل غالبًا في وسائل الإعلام التقليدية، مثل الراديو والتلفزيون، فإن الدعوة الدينية في عصر الشبكات الرقمية ت ماَرَس من خلال توظيف أحدث الأدوات في التصوير والمونتاج. وأصبحت الصورة في قلب ممارسة الدعوة الدينية، فضلًاعن المؤثرات الصوتية وغيرها من الأدوات التي يجري التوسل بها للتأثير في المتلقّي.
3. المرجعية الدينية ومصادر السلطة
نسعى، في هذا السياق، للإجابة عن سؤال رئيس يرتبط بالمحتوى الديني المتضمن في صفحة العمري، مفاده ما يلي: أتستند الصفحة إلى سلطة شخصية - فردية (مميزات خاصة بالداعية) أم مؤسساتية (سلطة نابعة من تمثيل مؤسسة دينية ما)؟
أ. السلطة الشخصية
تتجّل ى السلطة الشخصية من خلال الخصائص الذاتية التي مُتّ يّز الداعية، فضلًاعن أسلوبه في تقديم خطابه الديني. وهنا، ينبغي لنا الوقوف عند طبيعة اللغة التي يستعملها الداعية. وفي هذه الحالة، يستعمل العمري "لغة شبابية"، بعيدة عن التشدد، وعن اللغة النمطية التي يستعملها الدعاة التقليديون. إضافة إلى ذلك، نجده
يتطرق إلى موضوعات تستأثر باهتمام الشباب بسبب راهنيتها، مثل العلاقات العاطفية والحياة المهنية، وما يتعلّق بالمعاملات والعلاقات الاجتماعية، ثمّ إنه يناقش مشكلات الشباب الراهنة أيضًا. وُتُضاف إلى ذلك خاصية أخرى مُتّ يّز العمري؛ هي أسلوبه المرح وحضور حس الدعابة والفكاهة في المواعظ والدروس التي يُلقيها 46. ساهمت طبيعة اللغة والموضوعات المعالجة وطريقة تناولها في زيادة عدد متابعي صفحة العمري من الشباب. ويمكن أن نلخص ذلك في أسلوب التواصل. وطبيعي أن يحظى العمري بقدرات تواصلية مُتّ كّنه من التأثير في جمهور واسع، لأنه كان من قبُلُ مدرّسًا لتقنيات التواصل. ومن أجل التأثير في المتلقي، يلجأ الداعية إلى سرد "حكايات شخصية" لبناء مواعظه. وفي هذا الإطار، نورد مث لًامتعلقًا بقصة سردها موضوعها لقاؤه ب "امرأة متبرّجة"، اكتشف أنها من متابعيه، وقد ساهم ذلك الحدث في دفعه إلى إعادة النظر في طريقة الدعوة؛ إذ اكتشف أن الخطاب الذي ينتجه معظم الدعاة، وهو من بينهم، يتوجهون به إلى من يشبههم، على الرغم من ادّعائهم أنه موجّه إلى الناس كافة، بل إنه خطاب ينطوي على نوع من الاستعلاء على الشباب غير الملتزمين وازدرائهم. واعتبر أن هذه النظرة سبٌبٌ في أن الدعوة الدينية لا تؤتي أُكلها 47.
ب. السلطة المتعالية والمؤسساتية
يستمد العمري مشروعية ممارسته السلطة، بمعنى التأثير في الشباب وتوجيههم، من كونه يمثّل سلطة متعالية، هي سلطة الدين. فهو يتحدث باسم الدين، ويبسط مبادئه وتعاليمه، لكنه مع ذلك لا يمثّل سلطة دينية رسمية؛ لأنه ليس موظفًا تابعًا لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية. صحيح أنه يشتغل واعظًا متطوعًا في المجلس العلمي لإقليم النواصر وعمالة مقاطعة الحي الحسني في الدار البيضاء، لكنه لا مُيّ ثّل سلطة دينية رسمية.
رابعًا: مناقشة النتائج
من خلال أجوبة المستجيبين، خلصنا إلى أنّ أيّ استعمال ديني للشبكات يكون موجّهًا وقصديّا، أي إنه في مجمله مصحوب بوعي، ويستهدف تحقيق غايات معيّنة للمستعمل. ويعني حضور القصدية في الاستعمال أن للمستعمل فاعلية Agency، بوصفه منتجًا ومستهلكًا في الوقت نفسه، وليس متلقّيًا سلبيّا للمحتوى الديني. وبذلك، فإننا لا نميل إلى المنافحة عن مقولة إن التكنولوجيا تتحكم في الفرد تحكّمًا مطلقًا، فهو يستعملها بوعي، ويدرك مسوّغات الاستعمال وغاياته ومقاصده. وهكذا، نكون إزاء نظرية وُِلَِدَت من رحم المدرسة الوظيفية للتواصل؛ هي نظرية الاستعمالات والإشباعات 48. ويمكن القول إن موضوع هذه المدرسة الرئيس يتمثّل في "العلاقة الممكنة بين الأفراد، بوصفهم ذواٍتٍ إنسانيةً حرّة ومستقلة من ناحية، ووسائل الاتصال الجماهيرية من ناحية أخرى" 49. وُيُحاج أنصار نظرية الاستعمالات، التي ترفض الحتمية التكنولوجية والاجتماعية، بأنّ المرِسِل، أو منِتِج المحتوى الإعلامي، لا يحظى بالسلطة التي نسبتها إليه التيارات النظرية السابقة، والتي تجعله يتحكم في المتلقي/ الجمهور، بل يُحاجّ هؤلاء، على خلاف ذلك، بأنّ لدى المتلقي/ الجمهور قدرةً على الاختيار واتّخاذ القرار. ينطبق ذلك أيضًا على علاقة المستخدم بالمحتوى الديني وبمنتجيه في شبكات التواصل الاجتماعي؛ إذ إن المنتج يحظى بسلطة معيّنة تجعله يشدّ انتباه المستعملين لمتابعته. لكن هذه السلطة محدودة ونسبية، لأن لدى المستخدم أيضًا سلطة تنبع من قدرته على اختيار المحتوى الديني الذي يناسب احتياجاته من جهة، وقدرة على التفاعل مع هذا المحتوى عن طريق تسجيل الإعجاب أو التعليق من جهة أخرى، وهو ما قد يحثّ على دعم المحتوى الديني أو انتقاده وإبراز نقائصه؛ ف "ما مُيّ يّز وسائط التواصل الاجتماعي هو نشر المعلومة، والبعد التفاعلي الذي تضمنه لنا حين نُعّب رعن إعجابنا بمنشور ما، وهذا يجعل المستعمل يشعر بأنه فاعل تجاه ما يتلقّاه" 50. يتعلق الأمر، إذًا، بتحوّل جذري في زاوية النظر إلى العلاقة بين الفرد والتكنولوجيا. فعلى خلاف نظرية الحتمية التكنولوجية التي وضعها مارشال ماك لوهان 51، ونظرية الآثار المباشرة52، تنطلق نظرية الاستعمالات من الفرد، وليس من التقنية، وذلك بوصفه فاعلًا
قادرًا على استعمال الميديا وفقًا لاحتياجاته. ومن ثم، فإن "الأبحاث المرتبطة بالاستعمال تُدرج في سياق رفض التصور التقنوي، في مقابل التركيز على الدور الفاعل للمستخدم" 53. وهي، من ثمّ، "تهتم بدراسة الجمهور دراسة وظيفية، إذ تفترض أن قيم الأفراد ورغباتهم واهتماماتهم هي الأكثر تأثيرًا وفاعلية على سلوكهم الاتصالي، وتبعًا لذلك تسعى هذه النظرية إلى شرح كيف يستعمل الأفراد وسائل الإعلام، وكيف يُشبعون رغباتهم من خلال هذا الاستعمال" 54. يُنظر إلى الجمهور من زاوية نظرية الاستعمالات والإشباعات بصفته انتقائيّا في استعماله وسائل الإعلام، فهو يوظّفها وفقًا لاحتياجاته؛ إنه جمهور فاعل، له دوافعه واحتياجاته وأهدافه التي تجعله يستعمل الوسيلة المناسبة. ولا ينكر منظّرو هذه النظرية تأثير وسائل الاعلام في بنية المجتمع الاجتماعية والثقافية، غير أن هذا التأثير ليس مباشرًا، وهو يختلف من مجتمع إلى آخر 55. نذهب بتحليلنا، في هذه الدراسة، أبعد مما ذهبت إليه نظرية الاستعمالات والإشباعات، فُنُحاجّ بأن الفرد يمكنه أن يمارس تأثيرًا في التقنية، وُيُطوّعها وفقًا لقيمه وتقاليده وتاريخه. وهذا ما ذهبت إليه كامبيل في دراستها جماعات دينية مختلفة، فخلصت إلى بناء نظرية سمّتها "التشكيل الديني-الاجتماعي للتكنولوجيا".Religious-Social Shaping of Technology, RSST تركز هذه النظرية على الكيفية التي تستخدم بها المجموعات الدينية الميديا الجديدة (بما في ذلك شبكات التواصل الاجتماعي)، غير أنها لا تشدد على الإشباع المتحقق من هذه الاستعمالات بقدر ما تركز على مدى توافقها مع قيم المجموعة الدينية وتقاليدها. وترى كامبيل أن "التقنية ليست مجرد معطى، بل إنها تتشكل من خلال الاختيارات التي يتبنّاها المصممون والمستخدمون أيضًا، وقد لا تكون هذه الاختيارات متعمدة ومقصودة، لكنها نتاج تفاعل اجتماعي" 56. ويتجّل ىذلك من خلال الاستعمالات الدينية للشبكات الاجتماعية؛ إذ تخضع هذه الاستعمالات لما تُتيحه الشبكات من إمكانات، لكنها يمكن أن تخلق، في الوقت نفسه، اختيارات جديدة لم تكن متاحة من قبل، من أجل تلبية توقعات المستعمل وجعل التكنولوجيا تتوافق مع قيمه. ومن بين الأمثلة الدالة على ذلك، يمكن الإشارة إلى الهاشتاغ الذي ابتكره مستعملون على منصة إكس، والذي انتشر فيما بعد، ليشمل عددًا من شبكات التواصل الاجتماعي الأخرى، من بينها فيسبوك. وهكذا، يتبّي نأنّ الأفراد، بمن فيهم أعضاء المجموعات الدينية الذين يستعملون وسائل الإعلام الجديدة، هم مستجيبون يتّسمون بالفاعلية، ويتفاوضون ويشكّلون التقنية في ضوء قَيَِمِهم والغايات التي يُحدّدونها 57. وفي الشكل 12() تلخيٌصٌ لما سبق في هذه الدراسة فيما يتعلق بالاستعمال الديني لشبكات التواصل الاجتماعي. الشكل 12() نمذجة الاستعمال الديني لشبكات التواصل الاجتماعي
اﻻﺳﺘﻌل اﻟﺪﻳﻨﻲ ﻟﺸﺒﻜﺎت اﻟﺘﻮاﺻﻞ اﻻﺟﺘ ﻋﻲ
اﻟﺒﺤﺚ ﻋﻦ اﳌﻌﻠﻮﻣﺔ اﻟﺪﻳﻨﻴﺔ ﻣ رﺳﺔ اﻟﺪﻋﻮة اﻟﺪﻳﻨﻴﺔ اﻟﺪاﺧﻠﻴﺔ اﻟﺘﻌﺒ ﻋﻦ اﻟﻬﻮﻳﺔ اﻟﺪﻳﻨﻴﺔ اﻟﻔﺮدﻳﺔ رﻗﻤﻴًﺎ اﻟﺪﻓﺎع ﻋﻦ اﻟﻬﻮﻳﺔ اﻟﺪﻳﻨﻴﺔ اﻟﺠﻋﻴﺔ اﻟﺒﺤﺚ ﻋﻦ اﻟﻔﺘﻮى
نقف الآن عند نتائج هذه الاستعمالات التي أدّت إلى بروز سلطة دينية جديدة، تتمثّل في الدعاة - المؤثرين في الشبكات الاجتماعية، الذين يمارسون تأثيرًا ملحوظًا في تديّن الشباب؛ فهم "ليسوا مجرد أشخاص عاديين، لكنهم أيضًا قادة دينيون" 58. إن ظهور المؤثرين الدينيين بوصفهم "نوعًا جديدًا من المؤثرين والمشاهير الصغار في مجتمعنا، يمثّل لحظة تكثيف التعبيرات الدينية الوسيطة. وقد فتحت
لامركزية السلطة الدينية مزيدًا من الفرص للمسلمين، من خلفيات اجتماعية واقتصادية مختلفة، كبارًا أم صغارًا. ويهتم المؤثرون على نحو أكثر بالتعبير الإبداعي عن عقيدتهم، وتنتشر منشوراتهم بسرعة، وعلى نطاق واسع، بطرائق تكفي لإقناع متابعيهم 59. تخضع العلاقة بين المؤثر الديني ومتابعيه لضوابط تنبثق على نحو تلقائي، فهي خاضعة لتفاوض غير مُعلن عنه بين الطرفين. وعمومًا، يمكن الحديث عن شكلين من أشكال هذه العلاقة. فالشكل الأول تقليدي، وهو يتمظهر من خلال الولاء والقدسية التي يُضفيها المتابع على المؤثر. ويبرز هذا التقديس في تفاني المتابعين في التفاعل مع محتوى المؤثر في صفحته؛ وذلك من خلال دعم ما يقوله والدفاع عنه ضد مناوئيه. ويظهر ذلك، مثلًا، من خلال الكيفية التي "استمات" بها المتابعون في الدفاع عن العمري حين نشر مقطع فيديو ينتقد فيه مسلسلًاتلفزيونيًا بُثّ على القناة المغربية الثانية خلال شهر رمضان، عنوانه "المكتوب." وهكذا؛ على الرغم من أن ظاهرة المؤثرين الدينيين ظاهرة حديثة ارتبطت بشبكات التواصل الاجتماعي، فإن الضوابط التي تحكم العلاقة بين المؤثر الديني ومتابعيه بقيت تقليدية، فهي استمرارية لعلاقة "الشيخ بالمريد" في الزاوية، مع اختلافات بسيطة تكمن في طبيعة السياق الذي تؤسّس فيه هذه العلاقة، أي السياق الرقمي. بهذا المعنى، تخضع العلاقة بين المؤثر والمتابع لهرمية يحظى فيها المؤثر بسلطةٍ، بينما يكون المتابع خاضعًا لها (أو له)، "ومن المتوقع من الأعضاء أن يطيعوا من هم فوقهم. ومن المفترض أن تكون القيادة لا جدال فيها إلى الحد الذي يوجد فيه (كما هو الحال في الجيش) أخلاق أن الولاء ضروري، حتى لو كان القائد مخطئًا" 60. ويبرز ذلك على ن حو جلي من خلال النقاشات التي تجري في شبكات التواصل الاجتماعي بين متابعي المؤثرين الدينيين، وهي تعكس فكرة ولاء المتابع للمؤثر. ويمكن الحجاج بأن هذا الولاء يتشكل وينعكس على نحو غير واٍعٍ لدى المتابعين حين يتغلغل تأثير المؤثر، فيصبح الولاء للمؤثر - الداعية، وليس للدين أو الخطاب الديني الذي يُنتجه. أما الشكل الثاني من أشكال العلاقة بين المؤثر الديني ومتابعيه، فهو حديث، وهو يظهر من خلال علاقة يتبادل فيها المؤثر والمتابع مواقع السلطة. فيصبح خطاب المؤثر نسبيًا، ويمكن مناقشته والتعقيب عليه، وهذا ما ينزع عنه طابع القدسية. وهنا تظهر فاعلية المتابع الذي يتّسم بحٍّسٍ نقدي يمكّنه من مناقشة ما يشاركه المؤثر الديني على نحو عقلاني. وههنا، يمكن تقسيم المتابعين؛ فمنهم صنف تابع، من دون وعي، لسلطة المؤثر الديني، وذلك انطلاقًا من عدم التمييز بين شخص المؤثر وخطابه، ما يؤدي إلى تقديس المؤثر. ومنهم صنف مستقل عن هذه السلطة، من خلال الحفاظ على مسافة بين شخص المؤثر والخطاب الذي ينتجه. بناءً على ذلك، يمكن أن نخلص إلى أن استعمال شبكات التواصل الاجتماعي وسيطًا دينيًا قد فرض إعادة النظر في مفهوم السلطة الدينية. ويمكن صوغ المفهوم البديل في "لامركزية السلطة الدينية." والمقصود بذلك أن السلطة الدينية لم تُعُد قائمة على التراتبية التقليدية التي تعكس علاقة الشيخ بالمريد، بل أصبحت غير متمركزة بالضرورة في شخص المؤثر الديني الذي كان يمثله في السابق الفقيه والعاِلِم والمؤسسة الدينية التقليدية عمومًا، وصارت أيضًا تخضع للتفاوض الذي تفرضه التفاعلات التي تجري في الشبكات الاجتماعية. وهذا ما يُفّس رظهور مؤثرين دينيين جُدد لم يتلقوا تكوينًا دينيّا أكاديمًّيًا، دخلوا باب الدعوة الدينية من خلال توظيفهم الشبكات وسيطًا، ومن ثمّ تمكّنوا من تحقيق الشهرة والانتشار. يحكم منطُقُ السوق، إذًا، مجال الدعوة الدينية، فإضافة إلى السمات الشخصية، والكاريزما التي يتميز بها المؤثر الديني، وهي التي تجعله معروفًا ومرئيّا ومتاَبَعًا من جمهور واسع، ثمة أيضًا آليات تسويق الخطاب الديني التي يبتكرها أو يتعلّمها ويتحكم فيها المؤثر، وهي شبيهة بآليات تسويق أي منتج استهلاكي آخر.
خاتمة
إنّ مقاربة الاستعمال الديني لشبكات التواصل الاجتماعي مُتّ كّننا من الوقوف على تطوّر استعمالات الشبكات الاجتماعية في المجتمع المغربي، وتتيح لنا معرفة المنزلة التي باتت تحظى بها في حياة الفرد اليومية؛ إذ أصبحت جزءًا لا يتجزأ منها. وُيُعدّ هذا الاستعمال علامة دالّة على تذويت الأفراد "للثقافة الرقمية"، وتكيّفهم مع التكنولوجيا الحديثة التي يوظّفونها لتلبية احتياجاتهم وتحقيق غاياتهم. يمكن النظر إلى هذا الاستعمال من زاويتين: زاوية الاستعمال الديني الخاضع لمنطق الشبكة الاجتماعية والإعدادات الخاصة بها والاختيارات التي تُتيحها، وهو استعمال يتّجه إلى تلبية احتياجات الفرد الدينية؛ وزاوية الاستعمال الخاضع لاختيارات الفرد الخاصة به، وهو استخدام مَبنٌّيٌ على تطويع الشبكة حتى تكون ملائمة لقيم الفرد واحتياجاته.
وهذا من شأنه أن يؤكد الفرضية الأولى لدراستنا، التي مفادها أن استعمالات الشباب الدينية للشبكات الاجتماعية تستهدف تحقيق متطلّبات الأفراد، وأن الفرد ما دام يتّسم بالفاعلية، ففي إمكانه تطويع هذه الشبكات لتستجيب لمتطلّباته. وقد حدّدنا طبيعة هذه الاستعمالات والغاية منها (ينظر الشكل 13.) وينتج من هذا الاستعمال الديني بروز مؤثرين دينيين يمارسون الدعوة في الشبكات الاجتماعية، ومُيّ ثّلون سلطة دينية جديدة. الشكل 13() سيرورة الاستعمال الديني للشبكات ونتائجه
ﺗﻠﺒﻴﺔ وإﺷﺒﺎع ﺣﺎﺟﺎت اﻟﻔﺮد اﻟﺪﻳﻨﻴﺔ دﻳﻨﻴﺔ ﺟﺪﻳﺪة واﻻﺟﺘ ﻋﻴﺔ
اﳌﺆﺛﺮون ﺗﻄﻮﻳﻊ ﺷﺒﻜﺎت اﻟﺪﻳﻨﻴﻮن اﻟﺘﻮاﺻﻞ اﻻﺟﺘ ﻋﻲ ﺎ ﻟﻐﺎﻳﺎت اﳌﺴﺘﺨﺪموﻓﻘ اﻻﺳﺘﻌل اﻟﺪﻳﻨﻲ ﻟﻠﺸﺒﻜﺎت اﻻﺟﺘ ﻋﻴﺔ
يمثل الشكل 13() سيرورة الاستعمال الديني لشبكات التواصل الاجتماعي ونتائجه. وتبدأ هذه السيرورة بالاستعمال الديني الواعي والقصدي لدى الأفراد، بغية تلبية احتياجاتهم، وتنتهي بظهور سلطة دينية جديدة هي سلطة المؤثرين الدينيين. وهكذا، تصبح الشبكات الاجتماعية مج لًا للصراع على السلطة. وهو صراع تتناوب فيه السلط المتصارعة؛ إذ لا يمكن الحديث عن اندحار لسلطة دينية ما أو تراجعها تراجعًا تاًّمًا، مثل سلطة الدعاة التقليديين أو المؤسسات الدينية التقليدية، بل ثمة تناوب عليها. ويؤسّس مبدأ التناوب على السلطة بعدم تمركزها في مؤسسة تقليدية، أو سلطة دينية جديدة (مثل المؤثرين الدينيين)؛ فهي تتحدد بحسب طبيعة حضور ممثلي هذه السلطة في الشبكات ومدى اتساعه؛ ما يمنح السلطَةَ قدرةً على الهيمنة. ويتجّل ىهذا التناوب أو التفاوض على السلطة في مستوى العلاقة بين المؤثر - الداعية والمتابع، في قدرة المتابع على التفاعل مع ما ينتجه المؤثر، سواء كان ذلك بتأييده أو انتقاده. وهذا ما أطلقنا عليه "لامركزية السلطة الدينية" في الشبكات، أي عدم تمركزها على نحو دائم في يد فرد بعينه، أو مجموعة دينية بعينها في الشبكة. فالسلطة تظهر وتختفي تبعًا لاستراتيجيات الفاعل الديني، سواء أكان من الفاعلين التقليديين أم الجدد، وسواء أكان مؤثرًا أم متابعًا؛ تبعًا لمدى فاعلية تلك الاستراتيجيات. من ناحية أخرى، يتجّل ىذلك من خلال اشتهار دعاة وفاعلين دينيين، مُيّ ثّلون المؤسسة الرسمية في الشبكات، ويحظون بثقة المتابعين؛ ومنهم، على سبيل المثال، سعيد الكملي وعبد الله النهاري ومصطفى بن حمزة وغيرهم، فضلًاعن اشتهار فاعلين آخرين لا يمثّلون أي جهة دينية رسمية، ومع ذلك فهم يحظون بتأييد جمهور واسع من المتابعين وثقته؛ ومنهم رضوان بن عبد السلام وياسين العمري الذي أكّدت الدراسة الكمية شعبيته بين الشباب. مُيّ ثّل عامل الثقة أساسًا لاكتساب المشروعية من أجل ممارسة السلطة الدينية. وهي تتمظهر، في مستوى أول، في "التأثير في تديّن الأتباع. وفي مستوى ثاٍنٍ، تنعكس صدقية المؤثر، إلى حدّ بعيد، على التفاعل عبر وسائط التواصل الاجتماعي. ويدل هذا الأمر على أن متابعي المحتوى الديني ينظرون إلى المؤثرين الدينيين على أنهم أشخاص يمكن الوثوق بهم. وهكذا، 'يشار' إلى أشخاص آخرين في محتوى المؤثرين الدينيين، فضلًاعن مشاركة المحتوى مع الأصدقاء" 61. إلى جانب الثقة، تأتي حيازة المؤثر الديني سمة الذكاء التواصلي، بوصفها أساس جذب انتباه المتابعين. ومن ثم، يجب أن يختار المؤثر لغة مرنة وقريبة من الشباب، مع حضور روح الدعابة والمرح، ولا سيما أن الميل إلى الترفيه، يمثّل سمة أساسية من سمات الجيل الرقمي؛ إذ فضلًاعن ميلهم إلى السرعة في كل شيء، حتى في التواصل الذي يجب أن يكون فورًّيًا، فإنهم يريدون فرصًا للترفيه واللعب في حياتهم العملية، أو التعليمية، أو الاجتماعية 62. إنّ الرهان الأساسي في دراسة الاستعمال الديني لشبكات التواصل الاجتماعي، في علاقته بالسلطة الدينية، يكمن في إنجاز أبحاث تركز على سوسيولوجيا الدين وشبكات التواصل الاجتماعي، وتجعل منها حقلًاللاستكشاف في العالم العربي؛ ولا سيما أن الاستعمال الديني للشبكات الاجتماعية لا يزال يثير إشكاليات بشأن علاقة الدين بالتفاعل في شبكات التواصل الاجتماعي في المجتمع الحديث، وهذا وجه آخر من أوجه علاقة الدين بالحداثة في السياق الرقمي المعاصر.
المراجع
العربية
أحمين، عبد الحكيم. الهويات الافتراضية في المجتمعات العربية: أي دور لمواقع التواصل الاجتماعي في تشكيل الهوية؟ الرباط: دار الأمان،.2017 بوخاري، محمد وإبراهيم قاسمي. "الإعلام التقليدي والإعلام الجديد من خلال نظرية الاستخدامات والإشباعات." مجلة روافد للبحوث والدراسات. مج 4، العدد 2 (كانون الأول/ ديسمبر.)2019 تابسكوت، دون. نشأة الجيل الرقمي: كيف يغير جيل الإنترنت عالمنا. دبي: مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم،.2015 جرموني، رشيد. الدين والإعلام في سوسيولوجيا التحّولّات الدينية. ط 2 الرباط: دار القرويين للنشر والتوزيع.،.2022 دوركهايم، إميل. الأشكال الأولية للحياة الدينية المنظومة الطوطمية في أستراليا. ترجمة رندة بعث. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2019 رايس علي، ابتسام. "نظرية الاستخدامات والإشباعات وتطبيقاتها على الإعلام الجديد." المجلة العربية للأبحاث في العلوم الإنسانية والاجتماعية. السنة 8، العدد 25 (كانون الأول/ ديسمبر.)2016 العالية، نادية. "تيبولوجيا الهوية الدينية الرقمية: دراسة سوسيولوجية عمران. مج لتعبيرات الشباب الدينية عبر فيسبوك." 12، العدد 45 (صيف 2023.)
الأجنبية
Attallah, Paul. Théories de la communication: Sens, sujets, saviors. Québec: Presses de l'université du Québec, 1991. Barnes, J. A. "Class and Committees in a Norwegian Island Parish." Human Relations. vol. 7 (1954). Berry, Vincent. "Ethnographie sur Internet: Rendre compte du virtuel." Les Sciences de l'éducation - Pour l'Ère nouvelle. vol. 45, no. 4 (2012). Bourqia, Rahma. Penser l'éc ole penser la société: Réflexions sociologiques sur l'éducation au Maroc. Casablanca: La croisée des chemins, 2017. Bruns, Axel & Jean Burgess. "The Use of Twitter Hashtags in the Formation of Ad Hoc Publics." ARC Centre of Excellence for Creative Industries and Innovation. Queensland University of Technology Brisbane. Australia. at: https://acr.ps/1L9GPCv Campbell, Heidi (ed.). Digital Religion: Understanding Religious Practice in New Media Worlds. London: Routledge, 2013. Campbell, Heidi A. "Who's Got the Power? Religious Authority and the Internet." Journal of Computer- Mediated Communication. vol. 12 (2007). ________. When Religion Meets New Media. London: Routledge, 2010. Castells, Manuel. La galaxie internet. Paul Chamla (trad.). Paris: Fayard, 2001. Chrest, Francine & François Bédard. Les racines communicationnelles du Web et des médias sociaux. 2 ème ed. Québec: Presse de l'université du Québec, 2013. De Singly, François. Le questionnaire. 4 ème ed. Paris: Armand Colin, 2016. Duteil-Ogata, Fabienne et al. (dir.). Le religieux sur internet: Textes et contexts. Paris: L'Harmattan, 2015. Frippiat, Didier & Nicolas Marquis. "Les enquêtes par Internet en sciences sociales: Un état des lieux." Population. vol. 65, no. 2 (2010). Gozlan, Angélique. "Réseau, mon beau réseau social, influence-moi!" Adolescence. vol. 40, no. 2 (2022). Hine, Christine. Ethnography for the Internet: Embedded, Embodied and Everyday. London: Bloomsbury Academic, 2015.
Højsgaard, Morten T. & Margit Warburg (eds.). Religion and cyberspace. London: Routledge, 2005. Isetti, Giulia et al. (eds.). Religion in the age of digitalization: From new media to spiritual machines. London: Routledge, 2021. Jonveaux, Isabelle. Dieu en ligne: Expériences et pratiques religieuses sur internet. France: Bayard, 2013. Jouet, Josiane. "Retour critique sur la sociologie des usages." Réseaux: communiquer à l'ère des réseaux. vol. 18, no. 100 (2000). Katz, E. & J. G. Blumler. The Uses of Mass Communications: Current Perspectives on Gratifications Research. Beverly Hills, CA: Sage Publications, 1974. Katz, Elihu & Paul F. Lazarsfeld. Personal Influence: The Part Played by People in the Flow of Mass Communications. New York: Free Press, 1955. Lazega, Emmanuel. Réseaux sociaux et structures relationnelles. Paris: Edition PUF, 2010. McLuhan, Marshall. Understanding Media: The Extensions of Man. London/ New York: The MIT Press, 1964. Mercklé, Pierre. La sociologie des réseaux sociaux. Paris: la Découverte et Seryos, 2002. Millette, Mélanie et al. Méthodes de recherches en contexte numérique: Une orientation qualitative. Montréal: Presse de l'Université de Montréal, 2020. Murhadi, Werner Ria et al. (eds.). Proceedings of the 19 th International Symposium on Management (INSYMA 2022). Paris: Atlantis Press, 2022. Ouahi, Lhoucine & Meriem Melghagh. "Étude empirique sur le rôle des influenceurs digitaux dans la stratégie marketing digitale." Revue Internationale des Sciences de Gestion. vol. 3, no. 4 (2020). Proulx, S. "Trajectoires d'usages des technologies de communication: Les formes d'appropriation d'une culture numérique comme enjeu d'une société du savoir." Annals of Telecommunications. vol. 57 (2002). Ratcliff, Amanda Jo, Josh McCarty & Matt Ritter. "Religion and New Media: A Uses and Gratifications Approach." Journal of Media and Religion. vol. 16, no. 1 (2017). Rogers, Everett M. Diffusion of innovation. 3 rd ed. New York: The Free Press, 1983. Skoric, Marko M. & Natalie Pang (eds.). Research Handbook on Social Media and Society. Cheltenham/ Northampton, MA: Edward Elgar publishing, 2024. Weber, Max. Economy and Society: An Outline of Interpretive Sociology. Berkeley: University of California Press, 1978.