خطاب ما بعد الحقيقة أثناء ثورة 2019 والمرحلة الانتقالية التي تلتها في السودان: دراسة في دور وسائط التواصل الاجتماعي
الملخّص
This study examines the impact of post-truth discourse during the 2019 Sudanese Revolution and the subsequent transitional period, as well as the role played by social media platforms in promoting this discourse and mobilizing broad segments of the population behind it. The study also explores the susceptibility of social media users to follow false news in contrast to their engagement with factual reporting. It argues that the Sudanese Revolution and the transitional phase (2019 – 2023) coincided with the emergence of a new media landscape rooted in a politically and socially divided environment, characterized by diverse perspectives and the growing influence of social media. These platforms played positive roles in the dynamics of the revolution, significantly contributing to the mobilization of large popular groups to participate in demonstrations and sit-ins that ultimately led to the regime's overthrow. However, they also generated confusion and uncertainty among these groups due to the rise of post-truth discourse fueled by fake news, which in turn intensified polarization among revolutionary youth and activists.
Post-Truth Discourse in Sudan's 2019 Revolution and Post-Revolutionary Transition: The Role of Social Media
تتناول هذه الدراسة أثر خطاب ما بعد الحقيقة أثناء ثورة 2019 والمرحلة الانتقالية التي تلتها في السودان، والدور الذي أدته وسائط التواصل الاجتماعي في الترويج لهذا الخطاب، وتعبئة قطاعات شعبية واسعة خلفه. وتناقش قابلية مستخدمي هذه الوسائط لمتابعة الأخبار الكاذبة في مقابل الاهتمام بالأخبار الحقيقية. وتحاجّ بأن الثورة السودانية والمرحلة الانتقالية (2019 - 2023) تزامنتا مع تشّك ل مشهد إعلامي جديد متجّذ ر في بيئة سياسية واجتماعية منقسمة، ومتنوعة الرؤى، اتسمت بتنامي دور وسائط التواصل الاجتماعي التي اضطلعت بأدوار إيجابية في ديناميات الثورة، فأسهمت على نطاق واسع في تعبئة شرائح شعبية واسعة للانخراط في المظاهرات والاعتصامات التي أدت إلى إسقاط النظام. ومع ذلك، أحدثت هذه الوسائط اضطرابًا وحيرة وسط هذه الشرائح بسبب بروز خطاب ما بعد الحقيقة الذي أذكته الأخبار الكاذبة، وهو ما أفضى إلى تنامي الاستقطاب بين شباب الثورة وناشطيها.
كلمات مفتاحية: الثورة السودانية، ما بعد الحقيقة، وسائط التواصل الاجتماعي، المعلومات المضللة، الفترة الانتقالية.
Keywords: Sudanese Revolution, Post-Truth, Social Media, Disinformation, Transitional Period.
مقدمة
تُرجع دراسات عديدة اندلاع الانتفاضات العربية بين عاَمَي 2010 و 2011 إلى الدور المحوري الذي أدّته وسائط التواصل الاجتماعي، ولا سيما في أواسط الشباب الذين شكّلوا عمودها الفقري 1. وعلى المنوال نفسه، تشير الأدبيات، التي تناولت انتفاضة السودان في 19 كانون الأول/ ديسمبر 2018، إلى دور هذه الوسائط في عمليات الحشد والتعبئة أثناء الانتفاضة 2، وهو ما يُعزى إلى انتشارها الواسع بين الشباب السودانيين. وقد أظهرت دراسة صادرة عن مركز كارتر أن أكثر من 80 في المئة من الشباب في السودان يستقون معلوماتهم من وسائط التواصل الاجتماعي، في مقابل نحو 55 في المئة من التلفزيون، و 33 في المئة من الصحف، وأوضحت أن أكثر من 90 في المئة من المستجيبين يبدون ثقة عالية بهذه الوسائط 3. وقد انصرفت أدبيات عديدة إلى إبراز الدور الإيجابي لوسائط التواصل الاجتماعي، من ناحية قدرتها على الحشد والتعبئة، وتجاوز الاحتكار الحكومي لوسائل الإعلام التقليدية 4، وتوسيع فرص المشاركة. غير أن لهذه الوسائط جانبًا آخر يتمثل في كونها فضاءً لنشر المعلومات المضللة والزائفة. وقد وظّفتها الأنظمة السلطوية بفاعلية لتعطيل مسارات التغيير، واسُتُخدمت في إشاعة التشكيك في الحقائق والمسّلمّات، وكذا في إعادة تأطير النقاش العام عبر الاعتماد المكثّف على الخطاب الانفعالي. ونتيجةً لذلك، تراجعت قدرة الحجج الموضوعية على التأثير في تشكيل الرأي العام، لتحلّ محلّها النداءات الانفعالية والقناعات الذاتية، في سياق بات يُشار إليه اصطلاحًا بعصر ما بعد الحقيقة.Post-truth ويشير هذا المصطلح إلى سياقات تصبح فيه الحقائق الموضوعية أقل تأثيرًا في تشكيل الرأي العام مقارنةً بإغراءات العاطفة والمعتقدات الذاتية. وُيُستخدم أيضًا بتعبيرات أخرى، مثل سياسة ما بعد الواقع Post-Reality5، لوصف ثقافة سياسية يُعاد فيها تأطير النقاش العام إلى حد بعيد استنادًا إلى العاطفة، بعيدًا عن تفاصيل السياسات، مع التأكيد المتكرر لمضامين خطابية تتجاهل الحقائق. وتختلف ظاهرة ما بعد الحقيقة عن الجدل التقليدي أو تزوير الحقائق؛ إذ إنها تقوم على إهمال الحقائق والمعطيات الموضوعية وآراء الخبراء، وجعلها ذات أهمية ثانوية، بل حتى ازدرائها. ويرتبط هذا التحول بعوامل من بينها البثّ الإخباري المتواصل على مدار الساعة، واختلال التوازن في التغطيات الإعلامية، والتقارير الإخبارية، والانتشار المتسارع لوسائط التواصل الاجتماعي والمواقع الإخبارية المضللة. وفي عام 2016، اختار قاموس أكسفورد مصطلح ما بعد الحقيقة بوصفه "كلمة العام"، في ضوء بروزه اللافت في سياق استفتاء انسحاب المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي "البريكست"، والتغطية الإعلامية للانتخابات الرئاسية الأميركية آنذاك 6. يعدّ فرط التواصل Hyper-communication من بين العوامل الرئيسة التي تسهم في تفاقم ظاهرة ما بعد الحقيقة، الذي ينطوي على مشاركة متواصلة ومكثّفة للمحتوى، تخلق واقعًا افتراضيًا مفترضًا. وفي هذا السياق، تصبح غالبية أشكال الاتصال مشكوكًا في صدقيتها، لكنّها مع ذلك تظل قابلة للتصديق والتداول. وتستثمر الجهات الساعية للتأثير والإقناع هذه البيئة الاتصالية المفرطة/ المشبعة لإعادة إنتاج معتقدات راسخة، وتشجيع الميل إلى رفض الآراء المغايرة والبديلة، بما يقوّض حجج المعارضين، ويضعف قدرتهم على الإقناع. لذلك، يرى عدد
من الدارسين ما بعد الحقيقة بوصفها مشكلة ثقافية، يمكن فهمها في ضوء التحول الأوسع من الحداثة إلى ما بعد الحداثة 7. تسعى هذه الدراسة لتحليل بروز خطاب سياسي في الفضاء العام السوداني يتسم بتشكيك متزايد في الحقائق وتداول واسع للأخبار الزائفة، وجاء متأثرًا بدرجات حادة من الاستقطاب والتشظي السياسَّييَن في المجتمع السوداني، وهو ما انعكس في تسييس قضايا يُفترض أن تظل محايدة، أو أن تظل جزءًا من تفاعلات الفضاء المجتمعي. وقد تجّل ىهذا التأثير السلبي أثناء مرحلَتَي الثورة والانتقال، وأدى إلى شعور شريحة معتبرة من الشباب بالحيرة والارتباك إزاء مآلات ثورة كانون الأول/ ديسمبر 2018. ومع ذلك، لم يحَظَ هذا البعد المتعلق بالتأثير السلبي بما يكفي من الدراسة والتحليل. وتجادل الدراسة بأن سهولة استخدام الوسائط، وغياب القيود الإدارية والتشريعية، إلى جانب إمكانية التفاعل المباشر مع المحتوى وتفتت القوى السياسية، هي عوامل ساهمت مجتمعةً في تعميق حالة الحيرة لدى الشباب السودانيين حيال جدوى التغيير الذي أحدثته الانتفاضة واتجاهاته السياسية. تحاول الدراسة فهم العوامل التي جعلت وسائط التواصل الاجتماعي المصدر الرئيس للمعلومات لدى الشباب السودانيين، وما يرتبط بذلك من نزعة إلى التسليم بالمحتوى السياسي الذي يُعرض فيها، والعزوف عن التحقق من مدى صدقيته؛ وذلك من خلال تتبّع مسار الظاهرة في إطارها السياسي والاجتماعي، للكشف عن أثر هذه الوسائط في تشكيل الوعي العام. ولجمع البيانات، أجرت الباحثة عددًا من المقابلات المباشرة مع خبراء في تموز/ يوليو 2024 8. وانقسمت الأسئلة بين أسئلة مباشرة ترتبط بعلاقة المشاركين بوسائط التواصل الاجتماعي وتقييم دورها، وأخرى غير مباشرة، تهدف إلى مناقشة مستوى الوعي عند الشباب بماهيتها وطرائق تمثّلها في الحياة اليومية. وتنقسم الدراسة إلى ثلاثة أقسام؛ يتناول الأول تطوّر مفهوم ما بعد الحقيقة، وِصِ لته بالأخبار المضللة وآثارها السياسية، في حين يركّز الثاني على أثر ظاهرة ما بعد الحقيقة في العملية السياسية خلال الفترة الانتقالية في السودان، أما الثالث فيتناول دور هذه الوسائط في عمليات الحشد والتعبئة أثناء الانتفاضة وفي إنتاج خطاب ما بعد الحقيقة، إضافة إلى خاتمة تقدّم أبرز خلاصاتها.
أولًا: ما بعد الحقيقة: إطار مفهومي
لم يُعُد التأثير السياسي البارز لوسائط التواصل الاجتماعي موضع جدل، أو في حاجة إلى المزيد من القرائن لإثباته. فعلى سبيل المثال، شكّل استخدامها عاملًاحاسمًافي صعود الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما 2017-2009()، وبحسب تعبير أريانا هافنغتون Huffington Arianna: "لولا الإنترنت لما أصبح أوباما رئيسًا، ولولاها لما كان حتى مرشحًا" 9. وكانت تقصد أساسًا وسائط التواصل الاجتماعي في المرحلة المبكرة التي تلت إطلاق موقع "فيسبوك" بسنوات قليلة. ويرى ديفيد كار أن أوباما كان أول رئيس من حزب كبير يوظّف الشبكات الاجتماعية للتواصل مع أنصاره وممولي حملته 10؛ إذ استثمرها للتواصل المباشر مع متابعيه الُكثُر، وبثّ أفكار جذبت فئات واسعة من المؤيدين، إضافة إلى تأمين التمويل اللازم لحملته الانتخابية 11. ومن ثم، فهو لم يستخدم قاعدة مؤيديه ليفوز بالانتخابات فحسب، بل استخدمها أيضًا ليحكم 12. لكن اتساع نطاق استخدامها السياسي لا يقتصر على من يحكم، بل يشمل من يُحَكَم أيضًا. ولدينا عدد من الأمثلة التي اسُتُخدمت فيها هذه الوسائط أداةً أساسيةً في الحشد والتعبئة في الاحتجاجات الشعبية ذات المطالب السياسية؛ مثل انتفاضات الربيع العربي بموجَتَيها 2011(، 2019)، وحركة "احتلوا وول ستريت" في نيويورك عام 2011، واحتجاجات عام 2014 في أوكرانيا، وغيرها كثير. ومثلما أسهمت وسائط التواصل في تحقيق نجاحات بارزة، سواء على صعيد الحملات الانتخابية، أو الحركات الاحتجاجية، فقد وُظّفت باعتبارها أدوات لتقويض مكتسبات الأخيرة؛ إذ اسُتُخدمت في حملات ممنهجة لاستهداف الخصوم، واختلاق الأخبار الكاذبة، واجتزاء التصريحات وعزلها عن سياقاتها، وبثّ رسائل ذات تأثير معنوي سلبي. وأتاح العدد الهائل من مستخدمي هذه الوسائط وسهولة الوصول إليهم، إلى جانب فقدان الثقة بالوسائط الإعلامية التقليدية نظرًا إلى ارتباطها بمصالح مالكيها، إفساَحَ المجال أمام وسائط التواصل لتؤدي دور "الإعلام البديل"، لا سيما مع سرعة انتشارها، وقدرتها على
إعادة تدوير الأخبار بين جمهور واسع من المشاركين. وفي ظل هذه البيئة التواصلية الجديدة، برز مصطلح ما بعد الحقيقة. يعرّف قاموس أكسفورد هذا المصطلح بأنه يشير إلى الظروف التي تجعل من الحقائق الموضوعية أقل تأثيرًا في تشكيل الرأي العام مقارنةً بجاذبية العاطفة أو الاعتقاد الشخصي 13. ويمضي قاموس كامبرريدج في الاتجاه نفسه، مشيرًا إلى أنه يعّب رعن الحالة التي يكون فيها الأفراد أكثر قابلية لقبول حجج تستند إلى عواطفهم ومعتقداتهم الذاتية، بدلًامن الاعتماد على الحقائق الموضوعية 14. وقد ظهر المصطلح في نهاية القرن العشرين حين ورد في مقال بعنوان "حكومة الأكاذيب" للكاتب المسرحي الأميركي/ الصربي ستيف تيسيش Steve Tesich 15؛ إذ استخدمه في سياق نقده السياسات الأميركية تجاه قضيَتَي "فضيحة إيران كونترا" 1986() وحرب الخليج الثانية 1991-1990()، مبرزًا الكيفية التي تُصنع بها السرديات السياسية والإعلامية وُتُختلق بعيدًا عن الوقائع. ثم استعاده لاحقًا رالف كيز في كتابه عصر ما بعد الحقيقة16. كثيرًا ما يُشار إلى الحقبة الراهنة باعتبارها حقبة ما بعد الحقيقة، حيث يرى دانييل دينيت Daniel Dennett أن البشرية تعيش حقبة من الغموض واللايقين المعرفَّييَن لم تشهد مثيلًالها منذ العصور الوسطى، معتبرًا أن الخطر الحقيقي يكمن في فقدان احترام الحقيقة والوقائع، وغياب الرغبة في فهم العالم استنادًا إليها 17. وفي هذا السياق، يشير ماثيو دانكونا إلى أن العواطف تهدّد التفكير العقلاني، وأن التشكيك والازدراء يُضعفان مكانة العلم، فتنخفض قيمة الحقيقة، ومن ثم يُنظر إلى الخبراء على أنهم "كارتيل" من الأشرار، بدلًامن كونهم مصادر موثوقة للمعلومات والمعارف. في حين تحلّ التفسيرات الذاتية والروايات العاطفية محل الحقائق الموضوعية 18. ويرى بعض الباحثين أن المصطلح حظي بترويج أوسع عبر مجلة ذي إيكونوميست، وبات مرتبطًا بتأثير وسائط التواصل في السياسة عمومًا، والسياسة الأميركية خصوصًا، لا سيما مع بروز جيل جديد من السياسيين الذين اكتسبوا شعبيتهم من خلال استغلال هذه الوسائط 19. وبلغ المصطلح ذروة انتشاره خلال حملة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الانتخابية الأولى، وفي سياق الجدل في شأن استفتاء البريكست أيضًا، ما أدى إلى أن يختارها قاموس أكسفورد كلمة عام 2016، كما أشرنا سابقًا. يفتقر مصطلح ما بعد الحقيقة، كغيره من مصطلحات العلوم الاجتماعية، إلى تعريٍفٍ واحٍدٍ يمكن أن يجسّد بدقة المعنى المشترك للمفهوم منه. ومع ذلك، يمكن مقابلته بمفهوم الأخبار أو المعلومات المضللة التي تشير إلى المحتوى الذي يُنشأ وُيُنَش رلأغراض تخدم مصالح اقتصادية، أو دعاية سياسية، أو عملية تلاعب سياسي، سواء أكان محليًا أم أجنبيًا. ويشترط لاعتبار الأخبار أو المعلومات مضللةً ثلاثة عناصر رئيسة: أولًا، نية التزييف والتضليل، وثانيًا، توافر معلومات كافية للتحقق من صحة القصة، وثالثًا، قدرة المحتوى على تضليل الجمهور المستهدف بسهولة. وبهذه المعايير، لا تتطابق المعلومات المضللة مع الحقيقة، أو الأصل، بل تحمل خصائص محددة تثير الشكوك في موثوقيتها وصدقيتها 20. أما مصطلح ما بعد الحقيقة، فيشير إلى الظروف التي تحظى فيها النداءات العاطفية والمعتقدات الشخصية بأولوية على الحقائق أو الحقائق المطلقة، في تشكيل الرأي العام تجاه رسالة إعلامية معيّنة. وبحسب قاموس أكسفورد، أصبح هذا المفهوم بارزًا على نحو متكرر نسبيًا منذ عام 2010، في إشارة إلى استمرار تداول الأخبار غير الصحيحة، والتلاعب المعلوماتي عبر وسائط الإعلام. وقد اسُتُخدم المصطلح في سياقات متعددة، وخاصة في ما يتعلق بالمجال السياسي ووسائط الإعلام الإخبارية 21. تضافرت مجموعة من العوامل الموضوعية التي سمحت بتجّل يعصر ما بعد الحقيقة، من أبرزها الانفجار المعلوماتي، والانتشار الواسع لوسائط التواصل التي تمتاز بسرعة التحديث، وسهولة الوصول إليها؛ إذ باتت في متناول أيدي شرائح واسعة من الأفراد عبر الهواتف الذكية والألواح الرقمية. وقد بلغ عدد مستخدمي هذه الوسائط في العالم، حتى نيسان/ أبريل 2024، نحو 5.07 مليارات مستخدم، ما يمثل 62.6 في المئة من إجمالي سكان العالم، أو 93 في المئة من مستخدمي الإنترنت 22. ويوازي هذا التحوَلَ نحو الاستخدام الجماهيري الواسع لوسائط التواصل تراجٌعٌ حاٌدٌ في الثقة بمصادر المعلومات التقليدية؛ إذ
يتعاظم اعتقاد مؤداه أن النخب المسيطرة على المؤسسات الإعلامية تخدم مصالحها الخاصة، لا الحقيقة المجردة 23. وهو ما عزز الحجج القائلة بتحول العالم نحو عصر ما بعد الحقيقة. ويضاف إلى العوامل الموضوعية التي أسهمت في بروز هذا العصر الدور الذي أدّته أفكار ما بعد الحداثة، القائمة على رفض وجود حقيقة موضوعية واحدة لصالح مجموعة من الحقائق الذاتية، والتي جعل منظّروها مسألة السخرية من الحقيقة أمرًا مقبولًا. ويرتبط الأمر كذلك بمسألة المعنى؛ إذ يؤكد منظّرو ما بعد الحداثة أنه إذا لم يوجد معنى واحد للنص، وإذا لم يكن تفسير بعينه أكثر صوابًا من غيره، فإن النتيجة المنطقية هي غياب الحقيقة الموضوعية الواحدة؛ فكل شخص يدمج قيمه وخلفيته التاريخية ومعتقداته وآراءه الشخصية في تفسيره الذاتي، وبذلك لا يصبح أيّ إعلان للحقيقة أكثر من انعكاس للأيديولوجيا السياسية أو المرجعية الفكرية لصاحبها 24. وأضافت السجالات السياسية والفكرية حول معايير تحديد الحقيقة مزيدًا من التشويش والضبابية، حتى صار التعريف القاموسي للمفهوم نفسه محل جدل، فرفضه البعض مشككًا في مقولة إن الرأي العام كان موضوعيًا في الحقب السابقة، وطرحوا تساؤلات حول "ماهية الحقائق الموضوعية" ذاتها، وإذا ما كانت تتعارض بالضرورة مع العواطف والمعتقدات الشخصية 25.
ثانيًا: التضليل على وسائط التواصل الاجتماعي
1. الأخبار الزائفة
شهدت السنوات الأخيرة انتشارًا واسعًا للأخبار الزائفة، التي تذيعها مصادر متعددة، حكومية وغير حكومية، وُتُنَش رعبر حسابات وهمية تصَّمَم لتبدو شبيهة بالتقارير الإخبارية، في حين أنها في حقيقتها معلومات ملفّقة، تُنَتَج وُتُنَش رعمدًا بهدف التضليل وخداع المتلّقيّن، سواء عبر دفعهم إلى تصديق الأكاذيب، أو زرع الشك في حقائق قابلة للتحقق. وُيُقَّدَم هذا النوع من المحتوى على أنه أخبار، غير أنه معلومات ملفّقة تحاكي محتوى وسائط الإعلام الإخبارية في الشكل، ولكن ليس في تنظيمها أو الهدف منها 26. تُعدّ الأخبار المضللة جزءًا من ظاهرة اضطراب المعلومات Information Disorder التي يمكن فهمها من خلال ثلاثة أشكال أساسية: الأول، المعلومات الخاطئة، Misinformation وهي معلومات غير صحيحة تُنَش رمن دون قصد إلحاق الضرر. والثاني، المعلومات المضللة Disinformation، وهي معلومات كاذبة وزائفة تُنَتَج عمدًا لإلحاق الضرر بجهةٍ ما. والثالث، المعلومات الضارة أو الخبيثة Mal-information، وهي معلومات تستند إلى الواقع، وُتُسَتَخدم لإلحاق الضرر بشخص أو منظمة ما 27. تتعدد أدوات إنتاج الأخبار الكاذبة وترويجها، وذلك تحت مظلة "اضطراب المعلومات." ونذكر من بين هذه الأدوات: أولًا، الشائعة، التي يجري من خلالها اختلاق أخبار لا أساس لها من الصحة، أو المبالغة في تضخيم وقائع جزئية، أو صياغة أخبار تحتوي على جزء يسير من الحقيقة يجري توسيع نطاق تداوله حتى يكتسب طابعًا شبه واقعي في نظر المتلّقيّن؛ وهو ما يؤدي إلى إحداث بلبلة واضطراب في المجتمع. وتسهم عدة عوامل في تعزيز انتشار هذه الممارسة، من بينها سهولة إخفاء هوية ناشر الخبر الكاذب، عبر الحسابات الافتراضية مثلًا، وتطوّر تقنيات الفبركة، وسرعة تداول مثل هذه الأخبار على المنصات الرقمية، فضلًاعن سهولة الإفلات من المحاسبة، بسبب محدودية آلياتها 28. وتوجد الآن أساليب منظّمة لنشر هذه الأخبار، منها "الذباب الإلكتروني" أو "الكتائب الإلكترونية"، وهي جيوش من الحسابات الوهمية التي تُدار على نحو منسق، وُتُوَّظَف في إعادة نشر محتوى محدد وتضخيمه، مستفيدةً من أنظمة آلية، تسمى "روبوتات الإنترنت"، مبرمجة للتفاعل الاصطناعي عبر الإعجابات والتعليقات، بما يخلق انطباعًا زائفًا عن جماهيرية رسائل معينة أو صدقيتها. ثانيًا، السلوك الزائف المنسق Coordinated Inauthentic Behaviour, CIB، ويشير إلى مجهودات منظّمة تسعى للتلاعب بالنقاشات العمومية، وتوجيهها لخدمة أهداف استراتيجية محددة، حيث تكون الحسابات
الوهمية (المزيفة) محور هذه العملية 29. فقد تحذف شركة فيسبوك، على سبيل المثال، الحسابات المزيفة التي تسعى لتضليل المستخدمين من خلال إخفاء هوية الحسابات الحقيقية، وتغلق أيضًا الحسابات الحقيقية المتورطة على نحو مباشر في هذا النمط من النشاط التضليلي. وسمّى بعض الباحثين تقنية الحسابات المتخفية ب "تقنية القناع" 30. وإلى جانب ذلك تسهم محركات البحث في تكريس حالة/ ظاهرة ما بعد الحقيقة عبر ما يُعرف ب "فقاعات التصفية" Bubbles Filter، حيث تتيح المحركات للمستخدم نتائج بحث أكثر ملاءمة لاهتماماته وتوجّهاته ومعتقداته، مستندة في ذلك إلى خوارزميات معقدة تجمع كمية ضخمة من البيانات الشخصية التي يشاركها المستخدم وتحللها، سواء على نحو مباشر أو غير مباشر، مثل سجل البحث والمواقع التي يزورها، والمحتوى الذي يتفاعل معه، فضلًا عن أنماط سلوكه على منصات التواصل 31.، ثالثًا، برامج البوت Botsالتي تشير إلى تطبيقات برمجية تُصَّمَم لتنفيذ مهمات متكررة ومحددة سلفًا، وغالبًا ما تحاكي سلوك المستخدم البشري أو تقوم مقامه في التفاعل على المنصات الرقمية. وثمة أيضًا شبكات البوت Botnets، التي تشير إلى عدد من الأجهزة المتصلة بالإنترنت، ويعمل كل منها على تشغيل روبوت واحد أو أكثر من دون علم مالكيها في أغلب الأحيان، ما يصعب تحديد مصدر حركة المرور الخاصة بالروبوتات الخبيثة. وتنتشر الأخبار الكاذبة، لأنها مصمّمة لجذب الانتباه واستثارة المشاعر، ولذلك غالبًا ما تتضمن ادعاءات أو قصصًا تثير مشاعر الغضب أو الخوف. وقد تحوّلت الأخبار الزائفة إلى صناعةٍ ذات أهداف ربحية وتجارية، كما في حالة شركة "ميديا فايب إس إن سي" SNC , Media Vibe التي تمتلك 180 عنوانًا لمحددات مواقع الموارد URL مخصصة لنشر الأخبار الزائفة 32. 2. أثر وسائط التواصل الاجتماعي واضطراب المعلومات في البيئة السياسية أجمل مارك لينتش في مقاله، "كيف تضرّ وسائط التواصل الاجتماعي بالربيع العربي"، أوجه الضرر التي ألحقتها هذه الوسائط بالانتفاضات العربية، موضحًا أن الاتجاه العام نحو المبالغة في تقدير دورها يُفقدها صدقيتها. وعلى الرغم من فاعليتها في التعبئة، فإنها تظل عاجزة عن القيام بعمليات تنظيم المجتمع المدني والأحزاب السياسية، وذلك بسبب طابع الحماس المؤقت للقضايا، مقابل العمل الشاق والصبور والمستمر الذي تتطلبه سيرورة التغيير. وأشار إلى اتجاه هذه الوسائط المتزايد نحو نشر الأطروحات الراديكالية وادعاء تمثيل الشارع بدلًامن ترسيخ الديمقراطية وبناء التسويات السياسية. وأكّد أن هذه الوسائط عمّقت من حدة الاستقطاب؛ إذ جرى في الحالة المصرية الترويج لأيّ نقد موجّه إلى الإخوان المسلمين من دون الالتفات إلى محتواه، في حين افتقر معظم المحتوى المنشور إلى قواعد الحوار والاحترام المتبادل. ولفت الانتباه إلى تراجع الشعور بالوحدة العربية بعد الأيام الأولى لانتفاضات الربيع العربي بسبب التشاكس والانقسام، ما أدى إلى انغلاق كل بلد عربي على ذاته. وساهمت هذه الوسائط أيضًا في تغذية نزعات سلبية، مثل الطائفية والخوف والكراهية؛ فكما شكّل نجاح التجربتين التونسية والمصرية حافزًا، مثّلت مشاهد العنف في سورية واليمن مصدر خوٍفٍ لدى الشعوب، لتغدو وسائط التواصل في المجتمعات المنقسمة عامل تهديد 33. يمكن، إذًا، أن تكون أدوار هذه الوسائط وآثارها في البيئة السياسية إيجابية أو سلبية. ومن أبرز أدوارها الإيجابية أنها تشكّل وسيلة لتمكين المواطن؛ إذ تعزز حرية التعبير، وتتيح القدرة على نشر الأفكار ومشاركتها، وتقدّم منصات بديلة للمعارضة السياسية بعيدًا عن القنوات التقليدية. ويمكنها أن تُحدث أربعة أنواع من التأثيرات، هي: تأثير يُضعف النظم الديمقراطية القوية، وتأثير يعزّز النظم الاستبدادية القوية، وتأثير يدفع النظم الديمقراطية الضعيفة نحو الراديكالية، وتأثير يقوّض استقرار النظم الاستبدادية الضعيفة. أما بالنسبة إلى الأخبار الكاذبة والمعلومات المضللة، المتداولة على هذه الوسائط، فغالبًا ما تُحدث أثرها المقصود منها في المجتمعات المنقسمة التي تشهد درجات عالية من الاستقطاب 34.
ويظهر في هذا النوع من السياقات اعتماد الأفراد على نطاق واسع على منصات، مثل فيسبوك وواتساب وتيك توك، مصدرًا رئيسًا لتلقّي الأخبار والمعلومات؛ إذ لم تُعُد الحكومات قادرة على احتكار المعلومات كما كان عليه الحال في السابق، فقد كانت أخبار المظاهرات والدعوات إليها خلال انتفاضات الربيع العربي متاحة عبرها، واستفاد الناشطون منها في التعبئة والتنظيم 35. وفي سياق الانتفاضات العربية، كان لوسائط التواصل عمومًا دور مزدوج؛ فقد ساهمت، من جهة، في حشد الشباب لمواجهة قمع الأنظمة القائمة، خاصة أنها لا تخضع للرقابة الحكومية، ويمكن أيّ فرد ببساطة أن يشارك في صناعة الخبر وإذاعته، ما أتاح نشر الأخبار المتعلقة بالانتفاضة بسرعة وبالطريقة التي يحددها المشاركون. لكن، من جهة أخرى، استغلت الحكومات القائمة الوسائط نفسها لنشر التشكيك في نيات المحتجين وتشويه صورتهم، وتأطير مطالباتهم بالتغيير بوصفها محاولة لإحداث الفوضى وزعزعة الاستقرار. وفي سياق عصر ما بعد الحقيقة، برز أثر إضافي تمثّل في إعادة تعريف مفهوم الاستقرار ليصبح مرتبطًا ببقاء النظام القائم، متجاوزًا بذلك الأبعاد التقليدية للاستقرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي (بما في ذلك الحقوق والحريات الأساسية التي لا يستقيم العيش الكريم من دونها) 36.
ثالثًا: الانتفاضة والانتقال المضطرب في السودان
س اهمت وسائط التواصل الاجتماعي في السودان، على نحو بارز، في تعبئة شرائح واسعة من المواطنين للمشاركة في المظاهرات والاعتصامات التي أسفرت عن إسقاط النظام. ويّس ر انخفاض تكلفة اقتناء الهواتف الذكية وصول الشباب في المناطق الحضرية إلى الإنترنت، التي كان استخدامها، حتى سنوات قليلة مضت، محصورًا في استخدام تطبيق واتساب، مع انتشار أقل لتطبيقات التواصل الاجتماعي الأخرى؛ وهو ما لم يكن يتطلب شبكة إنترنت تعمل بنطاق ترددي عاٍلٍ، وكانت الهواتف البسيطة تفي بالغرض؛ ما أتاح للأفراد ذوي الميزانية المحدودة الانخراط في محادثات جماعية، ومواكبة أخبار العائلة والأصدقاء 37. تزامنت الثورة السودانية 2019-2018() والفترة الانتقالية التي تلتها 2021-2019() مع هذه البيئة الإعلامية الجديدة، في ظل واقع سياسي واجتماعي منقسم ومتعدد من ناحية الرؤى، ومتباين من ناحية المستويات الاجتماعية والسياسية، إضافة إلى هشاشة الدولة السودانية في أواخر عهد الرئيس عمر حسن البشير. وكان لوسائط التواصل في هذه البيئة الملائمة لتناميها دور مزدوج؛ فمن جهة، ساهمت إيجابيًا في دعم الثورة الشعبية وتمكين المواطنين من التعبئة والمشاركة، لكنّها، من جهة أخرى، ساهمت سلبيًا في تعزيز الاستقطاب الاجتماعي والسياسي، وأوجدت حالة من الحيرة والشك بين الشباب وناشطي الثورة، وزرعت نوعًا من عدم الثقة بين مكونات المرحلة الانتقالية، كما سيتبّي نلاحقًا. واجه نظام الإنقاذ 2019-1989() أزمات اقتصادية حادة، لا سيما بعد انفصال جنوب السودان وفقدان عائدات النفط 38. وتزامن ذلك مع اندلاع النزاعات المسلحة في منطقَتَي جبال النوبة وجنوب النيل الأزرق. وصاحبت تلك الأزمات حالةٌ من التخبط في سياسات النظام الداخلية والخارجية؛ ما أفضى إلى ظهور تصدعات عميقة في بنية النظام وكتلته الحاكمة الصلبة 39، المتمثلة في حزب المؤتمر الوطني الحاكم والحركة الإسلامية. وأصبح البشير، رأس النظام، يشعر بالتهديد من حزبه الحاكم؛ إذ برزت فيه أصوات تدعو إلى عدم ترشحه للانتخابات الرئاسية التي كانت مقررة في عام 2020، وبدأ أيضًا يشعر بالتهديد من المؤسسة العسكرية، فسعى لتعزيز سلطته من خلال جهاز قوات الدعم السريع؛ ما عمّق الانقسام بين الجناحين العسكريين. ولتفادي الثورة التي اندلعت، في كانون الأول/ ديسمبر 2018، شكّل لجنة أمنية تألّفت من رؤساء الأجهزة الأمنية والعسكرية، بما في ذلك جهاز الأمن والمخابرات والجيش وقوات الدعم السريع والشرطة (وهي نفسها اللجنة التي أصدرت قرار عزله لاحقًا 40.) ومع انتشار الاحتجاجات في أرجاء البلاد واستمرارها أربعة أشهر، على الرغم من القمع العنيف، انحازت اللجنة الأمنية، أو بالأحرى استجابت للضغوط الشعبية؛ ما أسفر في نهاية المطاف عن إطاحة رأس النظام 41.
شكّلت قوى الثورة، التي قادت عملية التغيير، تحالفًا واسعًا وفضفاضًا، ضمّ الأحزاب والقوى المهنية والمدنية والمطلبية وغيرها، ونجح في تعبئة الشارع وقيادته خلف شعار موحّد وبسيط، هو "تسقط بس" (أي المطالبة بإسقاط النظام فحسب)، فصاغ إعلانًا فضفاضًا بأهداف عامة وخطوط عريضة. وبناءً على ذلك، ورثت هذه القوى، عقب نجاح الثورة في إطاحة النظام، بيئةً سياسية واجتماعية متشابكة ومتشظية. فحتى داخل كل مكون من مكونات التحالف، كانت التشكيلات غير متجانسة؛ إذ ضمّ المكون العسكري أعضاء اللجنة الأمنية، وهم خليط من قوات نظامية متعددة وغير متجانسة، في حين ضمّ المكون المدني، الممثّل لقوى الحرية والتغيير، أطيافًا سياسية تمتد من أقصىى اليمين إلى أقصىى اليسار، وتشمل تيارات ليبرالية وقومية عروبية ووسطية وشيوعية وغيرها، إضافة إلى المجموعات المدنية والمهنية والنسوية والشبابية بما تمثّله من مثاليات وطموحات وأحلام. ولا يمكن تجاهل حضور أنصار النظام السابق وحلفائهم ضمن المشهد العام؛ ما زاد من تعقيد البيئة السياسية التي ورثتها المرحلة الانتقالية. وأدى غياب برنامج تفصيلي، يوضح الحد الأدنى من التفاهمات الثورية، إلى بروز خلافات مبكرة حول مسار الثورة وبرنامجها، حتى في ما يتعلق بكيفية تحقيق التغيير ووسائله. فانقسمت الآراء بين من يسعون لتغيير جذري ومن يتبنّون نهجًا متدرجًا يحقق ما يمكن تسميته "الهبوط الناعم" 42، ويراعي توازن القوى مع المكون العسكري، عبر محاولة تطمينه وإدماجه ليكون جزءًا من عملية التغيير، بدلًامن استعدائه أو تهديده بالمساءلة عن الانتهاكات التي ارُتُكبت قبل الثورة أو خلالها في عهد النظام السابق. وبعد إطاحة نظام البشير، "تشكّلت قيادة الفترة الانتقالية، بعد مخاض عسير، من تحالف واسع الانتشار ضمّ مكونًا مدنيًا تمثّل في قوى الحرية والتغيير، الذي فاقت عضويته مئةً من التنظيمات والأحزاب والمجموعات السياسية، ومكونًا عسكريًا من شَّقيَن متنافَسيَن هما القوات المسلحة وقوات الدعم السريع. وانضم إلى هذا التحالف لاحقًا حركات دارفور المسلحة بعد توقيع اتفاق جوبا للسلام. قام هذا التحالف على توافق الحد الأدنى، حيث شاركت مكونات منه في إسقاط نظام البشير، بينما لحقت مكونات أخرى بركب التغيير. توافق هذا التحالف على وثيقة دستورية وُضعت على عجل، وعلى حكومة انتقالية مدتها ثلاث سنوات. ولم تمِضِ شهور قليلة حتى بدأت التصدعات تظهر على التحالف القائم فأعلنت انسحابات، وانقسم تجمع المهنيين كما انقسم تحالف الحرية والتغيير، وانقلب المكون العسكري على حلفاء الأمس" 43. شكّل هذا الوضع، مع ما اتسم به من استقطاب، بيئةً مثالية لانتشار الأخبار الكاذبة وأساليب الحرب النفسية. ولم يقتصر ذلك على قوى النظام السابق الساعية لإجهاض الثورة، ولا على المكون العسكري الذي انحاز إلى الثورة مكرهًا أو طامعًا، بل امتد ليشمل حلفاء الأمس من قوى الحرية والتغيير نفسها؛ فأصبح الصراع داخل معسكر الثورة بين تيار دعاة التغيير الجذري، وتيارات الإصلاح التدريجي والهبوط الناعم، وأحيانًا بسبب التنافس فحسب على النفوذ بعد التغيير. ومع تشكيل الحكومة برئاسة عبد الله حمدوك، تصاعدت حدة الصراعات، فتحوّل مكتب رئيس الوزراء، بتشكيلاته الموسعة، إلى مركز نفوذ وبؤرة صراع جديدة؛ واُّتُهم رئيس الوزراء باحتكار القرار السياسي واختطافه من الحاضنة السياسية التي جاءت به إلى السلطة؛ أي قوى إعلان الحرية والتغيير، التي قادت الثورة، بل حتى من زملائه في مجلس الوزراء لصالح مجموعة خاصة من مستشاريه والمقرّبين منه، عُِرِفت إعلاميًا باسم "شلة المزرعة." وتعرّض كذلك العديد من رموز قوى الحرية والتغيير لحملات إعلامية منظمة عبر وسائط التواصل الاجتماعي، مجهولة المصدر، يجري الترويج لها أحيانًا على منصات تابعة للحلفاء أنفسهم.
1. وسائط التواصل الاجتماعي ودورها في ثورة كانون الأول/ ديسمبر 2019
أدت وسائط التواصل الاجتماعي دورًا محوريًا في التعبئة ضد النظام وفضح مظاهر فساده وانتهاكاته، واسُتُخدمت أيضًا في تنظيم الفعاليات المعارضة له، بما في ذلك تنظيم المواكب وتحديد مواقيتها ومساراتها وأساليب تنسيقها، ما أتاح تأمين قيادة الحراك الثوري؛ إذ تابع الثوار صفحة "تجمّع المهنيين"، التي أدارت الحراك من دون الكشف عن هوية من يديرها تفاديًا لاعتقال قياداتها. وكشفت دراسة أجراها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في السودان، خلال فترة الثورة، أن المحتوى الإعلامي الذي جرى تداوله عبر هذه الوسائط، من شعارات وصور ومقاطع فيديو ورسوم كاريكاتير، يجسد الواقع وينتقد الوضع القائم، شاركه المستخدمون قرابة 400 ألف مرة 44؛ وهو ما يبّي ن مستوى التفاعل والتأثير اللَذَين أحدثتهما وسائط التواصل في الحشد والتعبئة وتوجيه الرأي العام.
في المقابل، اتخذ النظام القائم عددًا من الإجراءات لإبطال أثر هذه الوسائط في الحراكات الثورية، والتي شملت فرض قيود مشددة على حرية التعبير، والتضييق على استخدام الهواتف النقالة ومصادرتها من المحتجزين في المظاهرات، فضلًاعن إنشاء وحدة "الجهاد الإلكتروني" لمراقبة نشاط المعارضة ونشر المعلومات المضللة وتشويه صورة المتظاهرين. ولجأ كذلك إلى إغلاق الولوج إلى شبكة الإنترنت، وحجب مواقع وسائط التواصل، والتلاعب بالتشريعات للسيطرة على تدفّق المعلومات والتحكم فيها، ونشر نقاط تجمّع مضللة للجموع بتواريخ ومواعيد غير صحيحة بهدف إرباك الحراك وزعزعة الثقة بقدرات قيادته التنظيمية، إضافة إلى الاستعانة بخبرات أجنبية في حملات التضليل 45. وفي مواجهة ذلك، لجأ الثوار إلى استخدام تكتيكات مضادة، أبرزها اللجوء إلى استخدام الشبكات الخاصة الافتراضية VPN للتحايل على حجب مواقع المنصات ومواصلة التعبئة الرقمية. وبعد نجاح الثورة في إطاحة رأس النظام، في 12 نيسان/ أبريل 2019، استمرت اللجنة الأمنية، التي تحولت لاحقًا إلى المجلس العسكري الانتقالي، في الممانعة والمضيّ قُدمًا في عملية الانتقال السياسي، مع مواصلة استخدام أساليب تشويه صورة الثوار وقوى الحرية التغيير عمومًا. واستعان المجلس، لتعزيز صورة المكون العسكري لدى الرأي العام، وخصوصًا قوات الدعم السريع وقائدها محمد حمدان دقلو (حميدتي)، بشركات علاقات عامة، فتعاقد مع شركة كندية تُعرف باسم "ماديسون آند ديكنز" Dickens & Madson للقيام بمهمات "تلميع" صورته إعلاميًا46. ولجأ كذلك إلى قطع خدمات شبكة الإنترنت وحجب مواقع التواصل الاجتماعي، وبلغ مجموع أيام انقطاعها في الفترة كانون الأول/ ديسمبر -2018 كانون الأول/ ديسمبر 2022 نحو 138 يومًا 47؛ وهو ما جعل السودان ضمن البلدان الأفريقية الأسوأ من حيث سجل انقطاع خدمات شبكة الإنترنت في عام 2022 48. وقد استخدمت هذه الأساليب خصوصًا في أوقات تصاعد المد الثوري، وخلال الأحداث الكبرى التي شهدتها الثورة، مثل مجزرة فض الاعتصام أمام مقر القيادة العامة للجيش في 3 حزيران/ يونيو 2019 49. وادّعى المجلس العسكري، في محاولة للتنصل من المسؤولية، أن جهات متفلّتة هي التي ارتكبت المجزرة وعاثت قتلًافي المعتصمين، وادّعى كذلك حميدتي أن جهات تنكرت في زي قواته هي التي فضّ ت الاعتصام وقتلت المعتصمين 50؛ وهي الرواية التي ظل يرددها كلما ارتكبت قواته انتهاكات مماثلة.
2. تأثيرات خطاب ما بعد الحقيقة في العملية السياسية
شهدت الفترة الانتقالية حالةً من عدم الاستقرار والاستقطاب الحاد، مع تشكّل تحالفات هشة وغير مستقرة بين مكوناتها المختلفة، ومرّت بأحداث أسهمت في ترسيخ حالة عميقة من انعدام الثقة بين المكوَّنيَن المدني والعسكري، كان أبرزها مجزرة فض الاعتصام أمام مقر القيادة العامة، التي راح ضحيتها أكثر من مئة من المعتصمين، معظمهم من الشباب، والتي أدت إلى انهيار مؤقت في المفاوضات المدنية - العسكرية الرامية إلى تنظيم الفترة الانتقالية، قبل أن تُستأنف لاحقًا عقب فضّ الاعتصام وتنتهي بتشكيل شراكة "قلقة" بين المكوَنيَن، حملت في طياتها عوامل التوتر والانقسام والاستقطاب منذ البداية. برز دور خطاب ما بعد الحقيقة، في هذا السياق، بوصفه أداةً فعّالة في الصراع السياسي والإعلامي؛ إذ بدأت "حرب وسائط التواصل الاجتماعي" مبكرًا. وكان المكون العسكري وحلفاؤه أكثر تنظيمًا وتماسكًا في إدارتها، فشنّ حملات إعلامية واسعة ومنسّقة ضد المكون المدني، مع حملات متواصلة لتحسين صورته هو وشرعنة دوره في السلطة. وشاركت في هذه الحملات أربع جهات رئيسة، هي: وسائط تابعة للجيش 51، وأخرى تابعة لقوات الدعم السريع، وثالثة أجنبية داعمة للمكون العسكري، مثل شركة فاغنر الروسية، وشركة "نيو ويف" Wave New في مصر والإمارات العربية المتحدة 52، التي جنّدت كوادر رقمية على منصات فيسبوك وتويتر (إكس لاحقًا) وإنستغرام، وأنفقت نحو 167 ألف دولار على الإعلانات الممولة 53،
ورابعة مرتبطة بأنصار النظام السابق الحانقين على التغيير. وركزت هذه الحملات على مهاجمة القوى المدنية، التي قادت التغيير، والتشكيك في كفاءتها، واتهامها بالضعف والانقسام، مع الترويج للمكون العسكري وتصويره على أنه الأقدر على ضمان الأمن الأهلي وفرض الاستقرار؛ وهو ما ساهم في إعادة إنتاج خطاب ما بعد الحقيقة القائم على التلاعب بالمعلومات وتوجيه الرأي العام باستخدام سرديات انتقائية ومضللة. وفي المقابل، لم تتمكن الجهات المدنية من مجاراة الحملة الإعلامية المكثّفة والمنظّمة التي قادها المكون العسكري وحلفاؤه، فلجأت الحكومة الانتقالية، برئاسة حمدوك، إلى التعاقد مع شركة أجنبية، هي شركة "فالنت بروجيكتس" Projects Valent؛ ما دفع فيسبوك لاحقًا إلى إغلاق عدد من الحسابات التي كانت تعمل ضد المكون المدني. في حين أنشأت قوات الدعم السريع، مثلًا، موقعًا إلكترونيًا بعنوان "السودان اليوم"، نشر خلال ثلاثة أشهر فقط، في الفترة أيار/ مايو-آب/ أغسطس 2019، نحو ستين مق لًادعائيًا لترميم صورة حميدتي. ونسّق المكون العسكري مع شركة "إم إنفيست" M-Invest الروسية لتشويه صورة المتظاهرين، عبر الترويج لروايات تزعم أنهم يهاجمون المساجد، وأن إسرائيل تدعمهم، بل اقترح بعض المحتوى الزجّ بأعلام المثليين وسط المتظاهرين 54 لربط الحراك الثوري بقيم غير منسجمة مع قيم المجتمع السوداني، ومن ثم تشويه صورته. تكثّفت حملات الأخبار الكاذبة والمعلومات المضللة، في سياق إضعاف الحكومة المدنية الانتقالية وتقويض الثقة بها، على نحو شبه يومي، وعلى مختلف المنصات الرقمية، مستهدفةً وزراء الحكومة وقراراتها والقوى المؤيدة لها. وأظهر مسح حول الأخبار المضللة في أفريقيا انتشار هذا النوع من الأخبار في السودان منذ ما قبل اندلاع حرب 15 نيسان/ أبريل 2023؛ إذ سعت شبكات مختلفة لتقويض الحركة المؤيدة للديمقراطية في البلاد من خلال التضليل ونشر أخبار زائفة، بما في ذلك التلاعب بمنصات التواصل الاجتماعي لحجب المحتوى الداعم للثورة والانتقال الديمقراطي، أو إسكاته 55. وأشار مستجيبون في مسح للرأي العام، عبر تطبيق واتساب، شارك فيه نحو 10 آلاف شخص، عن الأخبار المضللة في السودان، إلى أنها ساهمت في إحياء نزاعات مسلحة، أو إثارة اللبس والغموض عبر تداول تصريحات كاذبة نُسبت إلى مسؤولين سياسيين في البلاد 56. وقد كان لخطاب ما بعد الحقيقة تأثيرات سلبية واضحة في مسار العملية السياسية خلال الفترة الانتقالية. ففي حين أدت وسائط التواصل الاجتماعي دورًا محوريًا في تعبئة الجماهير المشاركة في الحراك الثوري الذي أفضى إلى إطاحة نظام البشير، فإنها أسهمت لاحقًا في إنتاج خطاب ما بعد الحقيقة والترويج له، وذلك عبر الآليتين التاليتين:
أ. تآكل الحقيقة المشترك
يؤدي هذا التآكل إلى تراجع "الأرضية المشتركة" للحقائق والمعطيات التي يمكن أن تستند إليها المجموعات السياسية في نقاشاتها العامة؛ ما يعقّد إمكانية الوصول إلى توافقات بينها بشأن القضايا الجوهرية التي تُبنى عليها المواقف السياسية، وقد ينتهي ذلك إلى تفكك المجال السياسي وانقسامه، ومن ثم تفتت الكيان السياسي نفسه. فعلى سبيل المثال، يعدّ موضوع علاقة الدين بالدولة من أبرز القضايا الخلافية التي شغلت الساحة السياسية، ما جعله هدفًا مباشرًا لخطاب ما بعد الحقيقة. وانتشرت على وسائط التواصل، في هذا السياق، صورة لبيان منسوب إلى الحزب الشيوعي السوداني، يندد بزيارة حمدوك المملكة العربية السعودية، ويصف أداَءَه العمرة بأنه يتناقض مع المبادئ والأسس التي قامت عليها الثورة، ويسعى لإجهاض المساعي الرامية إلى فصل الدين عن الدولة وترسيخ العلمانية. غير أن موقع جهينة للتحقق كشف أن البيان مفبرك، وأنه لم يُنشر على صفحة الحزب الرسمية على فيسبوك 57. وجرى، في السياق ذاته، تضخيم تصريح لوزير الأوقاف، نصر الدين مفرح، قال فيه إنه "وزير للجميع بما في ذلك عبدة الأصنام"؛ وقد تعرّض لاحقًا لحملة هجوم واسعة، اسُتُغلت فيها مواقفه السياسية الأخرى. فعلى سبيل المثال، نشر أحد المغرّدين ما يلي: "ما لقيت عبدة الأصنام الذين كنت تبحث عنهم يا فقير، وين عندما كنت ماسك وزارة دينية سلمت دار القرآن للمثليين، وفي عهدك ظهر السفور والفجور والبنقو والخرشه والخمور، ولم نسمع أنك أفتيت فتوى تحرم وتحرم، وأخيرًا قفلت المساجد وقلت من يدخل المسجد اقبضوه" 58. ويتضح أن الهدف من هذا النوع
من الخطاب هو بناء صورة سلبية مغايرة في أذهان الجمهور عن شخصيات سياسية بارزة، وعن قوى سياسية نشطة أثناء الفترة الانتقالية، وإظهارها كأنها معادية للإسلام، بما يعمق الانقسامات ويشوه الحقيقة المشتركة.
ب. السرديات العاطفية
تميل بيئات ما بعد الحقيقة إلى إعلاء شأن السرديات العاطفية على حساب الدقة الواقعية والموضوعية؛ إذ تسهم هذه السرديات في تشكيل الهوية الجماعية من خلال استثارة المشاعر والتجارب المشتركة، بدلًامن الاستناد إلى الحقائق الموضوعية والموثوقة، وهو ما قد يعزّز الروابط الداخلية بين أفراد المجموعة، لكنه في الوقت نفسه يعمّق الفجوة والانقسام مع المجموعات الأخرى. وتشير بعض الدراسات إلى أن الناشطين يولون اهتمامًا ملحوظًا لإدارة العواطف عبر استثارة مشاعر بعينها، وتشكيل ارتباطات وجدانية، أو نقل حالات عاطفية محددة، من أجل التحفيز والحفاظ على مستويات عالية من الالتزام لدى الشباب، وضمان مشاركتهم المستمرة في المظاهرات 59. بدأ توظيف السرديات العاطفية منذ الأيام الأولى لانتفاضة كانون الأول/ ديسمبر 2018؛ إذ انعكس خطاب ما بعد الحقيقة في رسم صورة حالمة ومبسّطة لمرحلة ما بعد إسقاط النظام، فروّج قادة الانتفاضة لفكرة أن التغيير المنشود عملية يسيرة، ولا تنطوي على تحديات كبيرة. وتجّل ىذلك في الشعار المركزي "تسقط بس"؛ أي لنعمل الآن على إسقاط النظام فحسب من دون أن ننشغل بتحديات ما بعده. وانتشر هذا الشعار في أوساط المتظاهرين على نطاق واسع في الشوارع وعلى منصات التواصل الاجتماعي؛ ما يبّي ن هيمنة الخطاب العاطفي الذي يُعلي الهدف الآني (إسقاط النظام) وُيُرجئ التفكير في ترتيبات المرحلة التالية. وفي مقابل ذلك، رفع أنصار النظام شعار "تقعد بس" لتأكيد استمراريته، في إطار حرب شعارات عاطفية متبادلة. ساهمت هذه الشعارات العاطفية في تعبئة جماهير عريضة من المتظاهرين الذين ركّزوا على الهدف الآني والمباشر، المتمثل في إسقاط النظام، في حين أ رجئت مناقشة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية لما بعد ذلك، وهي تحديات سرعان ما تبّي نأنها شديدة الإلحاح والتعقيد. وتجسّد هذا الخطاب العاطفي في تبسيط مآلات المواجهة مع الأجهزة الأمنية من خلال استخدام شعارات مثل "الطلقة ما بتقتل.. بقتل سكات الزول" (السكوت عن الظلم هو السبب الحقيقي للموت، وليس الرصاص في حد ذاته.) وقد أدى هذا الخطاب إلى التقليل من المخاطر الأمنية التي تتربص بالمحتجين، وأسهم في وقوع إصابات ووفيات بين المتظاهرين. يميل خطاب ما بعد الحقيقة إلى تبسيط الواقع المعقد؛ ما يُفضي إلى تبسيط التعامل معه واستسهاله. ويبرز في تصوير كل الأجهزة الأمنية على أنها تجسيد للشرّ المطلق، متجاهلًاحقيقة أنها، على الرغم من انخراط بعض مكوناتها في الانتهاكات، مؤسسات معقّدة تضم أطرافًا مختلفة، وتظل ركيزة أساسية وضرورية لضبط الأمن وتحقيق الاستقرار 60. ويجري تبسيط الواقع السياسي والاجتماعي المعقّد عبر اختزاله في ثنائيات قائمة على الإقصاء المتبادل، مثل خير – شر، وثورة – خيانة، ومدني – عسكري؛ ما يؤدي إلى رسم صورة مصطنعة للواقع تستبعد طبيعته المركّبة والمعقدة، التي لا تخلو من تعدد الفاعلين وتشابك مصالحهم ورؤاهم للوصول إليها. ويمنح هذا الخطاب الجمهور إحساسًا زائفًا بوضوح الأشياء، فُيُسكت بذلك أيّ دعوات إلى التفكير النقدي. وقد تبّي نلاحقًا أن الاكتفاء بالاتفاق على إسقاط النظام لم يكن كافيًا لتطوير برنامج متماسك للحكم خلال الفترة الانتقالية. وأشار إلى ذلك محمد ولد لبات، وسيط الاتحاد الأفريقي في السودان إبان الفترة الانتقالية؛ إذ أوضح "أن تلك السهولة في إنعاش حركة متلاحمة يوحّدها الهدف المنشود أكثر مما توحّدها تركيبتها السياسية والأيديولوجية، تعدّ عامل توحيٍدٍ ناقصًا سيفتقده الحراك حتمًا في الفترة التالية للإطاحة بنظام البشير" 61. وفي هذا الصدد، تركّز بعض الدراسات على أهمية البعد العاطفي في خطاب الوسائط الاجتماعي، ودوره في بناء الهوية الجماعية، وقد خلصت إحداها إلى أنه لا يمكن اختزال دور الفعل الاتصالي في عملية بناء الهوية الجماعية في تبادل المعلومات والتعريفات المعرفية لأهداف الحركة وأدواتها فحسب؛ إذ تشكّل الروابط العاطفية جزءًا لا يتجزأ من عملية بناء الهوية الجماعية. ويتيح الاستثمار العاطفي في الحركة الاجتماعية للأفراد تحديد هويتهم بوصفها جزءًا من جماعة، ويعزّز الشعور ب "النحن" 62؛ ويمكن قياس ذلك على الحركات الاحتجاجية الممتدة، كما في حالة الانتفاضات. لم يعد الخطاب العاطفي كافيًا، بعد سقوط نظام البشير، للحفاظ على تماسك القوى السياسية المتباينة لانتفاضة كانون الأول/ ديسمبر
2018؛ إذ سرعان ما اصطدمت بوقائع كشفت عمق التباينات السياسية والفكرية بينها، وبرزت مشكلات وتحديات واقعية مثّلت اختبارًا حقيقيًا لوحدتها، وظهرت خلافات جوهرية حول طبيعة المرحلة الانتقالية ومآلاتها. وفي هذا السياق، نشرت صحيفة الهدف، الناطقة باسم حزب البعث، مق لًاعلى صفحتها على فيسبوك، أشارت فيه إلى أن الخلافات داخل الحراك الثوري "تطورت إلى صراع شرس بين مكونات لجان المقاومة نفسها." وأضاف أن الصراع بات بين لجان المقاومة من جهة، وبعض الأجسام الثورية الأخرى، من جهة أخرى، مثل "غاضبون" و"حاسمون" و"مقاومون" و"مشتبكون" و"كتل ثورية" و"حرس ثوري"، التي تعتقد أنها تسيطر على الشارع وتمثّله، وأن "بقية اللجان غير فاعلة ويجب حلها." وحذّر من أن استمرار الوضع في هذا الاتجاه وبهذه الوتيرة قد يؤدي إلى انقسام الشارع بين "لجان مقاومة (أ) ولجان مقاومة (ب) ومجموعات ثورية لديها فقط أهداف شخصية" 63. لجأت تلك الحملات إلى أساليب اغتيال الشخصيات وإثارة البلبلة، ويمكن الاستدلال على ذلك من خلال بعض النماذج التي رصدها موقع جهينة، الذي يعدّ، كما يعرّف نفسه، "منصة مستقلة لدحض الشائعات والأكاذيب المنتشرة على وسائط التواصل الاجتماعي وشبكة الإنترنت." وشمل هذا المسح جزءًا من فترة الحكومة الانتقالية المدنية برئاسة حمدوك، وكشف جانبًا من أعداد الأخبار الزائفة وأساليب التضليل التي تعرّضت لها شخصيات وقوى سياسية منخرطة في المرحلة الانتقالية. انتشر على وسائط التواصل، في صباح 18 حزيران/ يونيو 2021، خطاب منسوب إلى جبريل إبراهيم محمد، رئيس حركة العدل والمساواة ووزير المالية والتخطيط الاقتصادي آنذاك، موجّه إلى مدير الشؤون المالية والإدارية في وزارة المالية، وموضوعه "طلب دعم لحركة العدل والمساواة"، بمبلغ 53 مليار جنيه "لتوفيق أوضاع جنود الحركة" إلى حين البدء في تنفيذ بند الترتيبات الأمنية. وقد تحقق موقع جهينة من صحة الخطاب، وتبّي نبما لا يدع مج لًاللشك أنه خطاب مزوّر 64. وتداولت عدة حسابات على فيسبوك، في 21 أيلول/ سبتمبر 2021، نقلًاعن صفحة إخبارية تُدعى نبض نيوز، تصريحًا منسوبًا إلى والي ولاية الخرطوم، أيمن خالد نمر، وصف فيه المعلمين المضربين عن العمل والذين يدعون إلى الإضراب بأنهم "كيزان"، ووصف مطالبهم ب "الطمع"، على الرغم من أن الحكومة زادت، بحسب التصريح، مرتباتهم بنسبة 500 في المئة عام 2020. وقد بحث موقع جهينة عن هذا التصريح في صفحة نبض نيوز، وتبّي نله أنها حذفته بعد أن أصدر مكتب الوالي نفيًا رسميًا لما ذكرته الصفحة، وتوعّد باتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة ضدها 65. يقوم خطاب ما بعد الحقيقة على إثارة العواطف، وهو ما يجعل الأخبار المرتبطة به أكثر قابلية للانتشار والرواج، بل التصديق. ففي دراسة نشرها باحثون في معهد ماساشوستس للتكنولوجيا، حلّلت نحو 126 ألف إشاعة وخبر كاذب انتشرت عبر منصة إكس على مدى أحد عشر عامًا، خلصت إلى أن الأخبار الزائفة أعاد تغريدها المستخدمون أكثر من روبوتات الإنترنت، وأن الناس يميلون إلى البحث عنها والتفاعل معها أكثر من الأخبار الحقيقية الموثوقة، وأنّ الأخبار المضللة المرتبطة بالقضايا السياسية كانت الأكثر انتشارًا 66. وُيُعزى ذلك إلى أنّ المستخدمين باتوا على نحو متزايد منتجين وناشرين للمحتوى عبر شبكة الإنترنت، في حين تشير أنماط استهلاك الأخبار إلى ميلهم نحو تلقّي المعلومات التي لا تخضع لعملية الفرز والتصفية من جانب "حراس البوابة التقليديين"؛ وهو ما أفسح المجال أمام بناء تأويلات مستقلة، ولو نسبيًا، للمواد الإخبارية من دون المرور عبر قنوات الإعلام المؤسسي التقليدية. ويؤدي هذا التحول إلى إعادة تشكيل علاقات القوة/ السلطة بين الفاعلين المؤثّرين في عملية صنع القرار (مثل المنظمات المعنية بالقضايا العمومية ومجموعات الضغط) وجمهورها من المتلّقيّن والمؤيدين 67. وتدعم هذه التحولات نتائج دراسات أخرى أظهرت ضعف قدرة مستخدمي وسائط التواصل على التمييز بين الأخبار الحقيقية والمضللة 68، فضلًا عن أن استخدامها يمكّن الأفراد من تكوين تفسيرات/ تأويلات خاصة بهم للأحداث بعيدًا عن السرديات الرسمية. وفي هذا السياق، بيّنت دراسة حللت 57 مظاهرة جرت في سبعة مواقع أوروبية، في الفترة 2011-2009، أن استخدام شبكات التواصل الاجتماعي، بدلًامن المنظمات الرسمية، لتعزيز الإجراءات الجماعية، شجّع بالفعل على بروز تفسيرات/ تأويلات أكثر تنوعًا، وفتح المجال أمام قراءات متعددة للقضايا التي تناولتها الاحتجاجات 69.
خاتمة
تناول ت الدراسة التأثيرات التي أفرزها خطاب ما بعد الحقيقة خلال الفترة الانتقالية في السودان، وحاولت بيان الدور المحوري الذي أدته وسائط التواصل الاجتماعي في إنتاجه وإعادة إنتاجه والترويج له، وأوضحت أن هذا الدور تعزز بحضورها المؤثر في تعبئة قطاعات شعبية واسعة خلال انتفاضة كانون الأول/ ديسمبر 2018 التي أطاحت نظام البشير. وتزامن ذلك مع قابلية مستخدمي هذه الوسائط للتفاعل أكثر مع الأخبار الكاذبة مقارنةً بتفاعلهم مع الأخبار الحقيقية الموثوقة؛ ما عزز من انتشار هذا الخطاب وترسّخه في المجال السوداني. وخلصت الدراسة إلى النتائج التالية: كشفت تأثيرات ظاهرة ما بعد الحقيقة في مسار التحول السياسي عن تراجع الثقة بمكونات التحالف الذي قاد انتفاضة 2018، الأمر الذي عمّق الاستقطاب السياسي، وعرقل إمكانات تحقيق التوافق وتعزيز العمل الجماعي. وأدى انعدام الثقة إلى شعور الأفراد والجماعات بالارتباك وعدم اليقين بشأن ما ينبغي الإيمان به؛ ما أسهم في إضعاف تماسك الهوية الجماعية للتحالفات السياسية. كرّس خطاب ما بعد الحقيقة أنماطًا من السلوكيات الفوضوية أسفرت عن حالة من "السيولة السياسية"، تجلت في منع تشكّل كتل سياسية متماسكة وقادرة على تنسيق عمل جماعي فعال. وكان ذلك نتيجة لحملات الأخبار الكاذبة التي استهدفت الوقيعة بين مكونات الفترة الانتقالية وتوسيع الهوة بينها، فضلً عن استهداف رموزها وتشويههم. وانعكس ذلك في حالة من الارتباك والحيرة وسط مناصري الانتفاضة، وخاصة فئة الشباب منهم. أ سهمت السرديات العاطفية في رفع سقف التوقعات وتضخيمها قُبَيل سقوط نظام البشير، عبر الترويج لشعارات تركّز على أهمية إسقاطه بوصفه الهدف النهائي والأسمى، ومن دون التفكير واقعيًا في مرحلة ما بعد ذلك ومقتضياتها المرتبطة بالانتقال الديمقراطي؛ ما أفضى إلى ارتباك شديد خيّم على الخطاب القائل إن إسقاط النظام هو المدخل الطبيعي لتحقيق الحرية والعدالة والاستقرار، من دون إدراك تعقيدات بناء المؤسسات وإدارة التنوّع وتحقيق العدالة الانتقالية والتعامل مع القوى المناوئة للتغيير. أ دى التعرض المستمر للمعلومات المتضاربة، خلال الفترة الانتقالية، إلى تآكل الثقة بمؤسسات الإعلام التقليدية ووسائلها، الرسمية والمستقلة على حد سواء. ومع تعدّد السرديات وتناقضها، وتحوّل بعض الوسائط إلى أدوات دعائية بدلً من قنوات لنقل الحقائق، فقد الإعلام دوره بوصفه مصدرًا موثوقًا للمعلومة وفاعلً في توجيه الرأي العام؛ ما عزّز حالة الارتباك والتشويش، وأضعف قدرة المواطنين على التمييز بين الحقيقة والدعاية. أ فضى عدم قدرة جمهور مستخدمي وسائط التواصل على التمييز بين الأخبار الحقيقية والمضللة إلى تكريس أزمة خطاب ما بعد الحقيقة واستدامتها، وضاعف من تداعياتها؛ ما وضع عبئًا أكبر على معدّي الأخبار، التقليدية والرقمية، ومحرّريها في تعزيز الوعي الإعلامي، وتمكين المستخدمين من مهارات التفكير النقدي والتحقق، من أجل الحد من انتشار التضليل الرقمي وتأثيراته المدمرة في المجال العام. أخيرًا، تضيف الدراسة إلى النتائج النظرية التي تفيد أن الانتشار الواسع لوسائط التواصل الاجتماعي وسهولة استخدامها جعلا منها أداة فعّالة في يد فئات واسعة من الجمهور، ولا سيما الشباب، لتعبئة الرأي العام ضد النظم السلطوية وتيسير التعبئة للحراكات الجماهيرية، لكنها سرعان ما تحوّلت إلى منصّات خصبة لإنتاج الأخبار الزائفة ونشر المعلومات المضللة وتقويض الحقائق الموضوعية؛ أي إنها تحولت إلى أداة للتحرر والتعبئة من جهة، وللتشويش والإرباك من جهة أخرى. وهو ما تؤكده، على سبيل المثال، أطروحة لي ماكنتاير، في كتابه ما بعد الحقيقة McIntyre Lee، القائلة إن الحقائق لم تعد تتراجع بفعل غياب الأدلة والقرائن، بل بفعل هيمنة سرديات عاطفية وانتقائية. وُتبُرز النتائج أيضًا أن انتشار الأخبار المضللة لا يقتصر على تشويه الوعي العام، بل يمتد لُيُضعف مستويات الثقة السياسية بالمؤسسات والفاعلين، ويعزّز حالة اللايقين والارتباك، ويقوّض فرص بناء توافقات سياسية بنّاءة تقود الفترات الانتقالية إلى بر الأمان 70. وبناء عليه، لا ينبغي أن تقتصر دراسة وسائط التواصل الاجتماعي على فحص دورها في التعبئة والتحشيد، اللَذَين غالبًا ما يتحولان إلى تجييش، بل مقاربتها بوصفها فضاءً يُعاد فيه تشكيل الحقائق وبناء العلاقات والتفاعلات بين الفاعلين، وهو ما يقتضي فهمها من منظور مقاربة ما بعد الحقيقة.
المراجع
العربية
تجربة الانتقال الديمقراطي في السودان 2021-2019(:) مشكلات الراهن وتحديات المستقبل. أحمد إبراهيم أبوشوك (محرر.) الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2024 تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2016: الشباب وآفاق التنمية التنمية الإنسانية واقع متغير. نيويورك: برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، 2016:. في https://acr.ps/1L9BPih الجابري، صلاح فليفل عايد. "فلسفة ما بعد الحقيقة وأبعادها مجلة الآداب. العدد السياسية." 138، ملحق 2 (أيلول/ سبتمبر.)2021 الحاج علي، حسن. "فترة انتقالية مضطربة: تحولات التحالف الهجين عمران. مج في السودان." 12، العدد 47 (شتاء.)2024 درويش، أميرة سمير طه. "الأخبار الزائفة عبر وسائط التواصل الاجتماعي وتأثرية الآخرين." المجلة المصرية لبحوث الإعلام. العدد 81 (كانون الأول/ ديسمبر.)2022 الشباب والانتقال الديمقراطي في البلدان العربية. عبد الفتاح ماضي وعبده موسى (محرران.) الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2019 الصويلح، سعد مفلح حمود. "دور أنظمة الذكاء الاصطناعي في مكافحة الشائعات الإلكترونية." المجلة العربية للدراسات الأمنية. مج 1، العدد 39.)2023(عبد الفتاح، فاطمة الزهراء. "أثر الأخبار الزائفة على أبعاد الثقة مجلة الديمقراطية. مج السياسية والمجتمعية." 18، العدد 71 (تموز/ يوليو.)2018 فتاح، أيوب رمضان ومحمد صبري صالح. "تقنية القناع وآلية التضليل الإعلامي في وسائط التواصل الاجتماعي." مجلة العلوم النفسية. مج 34، العدد 4.)2022(كاستلز، مانويل. شبكات الغضب والأمل: الحركات الاجتماعية في عصر الإنترنت. ترجمة هايدي عبد اللطيف. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2017 ماكنتاير، لي. ما بعد الحقيقة. ترجمة حجاج أبو جبر. الرياض: دار معنى للنشر والتوزيع،.2018 ولد لبات، محمد الحسن. السودان على طريق المصالحة. بيروت: المركز الثقافي للكتاب،.2020
الأجنبية
"A Guide to Misinformation and Disinformation: Digital Training Delivered Via WhatsApp in Sudan in 2022." Case Study. Thomson Foundation (March 2022). at: https://acr.ps/1L9BOUO Aftandilian, Gregory. "Despite Some Progress, Sudan's Transition Faces Mounting Hurdles." Policy Analysis. Arab Center Washington DC. 18/8/2020. at: https://acr.ps/1L9BPd2 "Art of the Lie: Post Truth Politics in the Age of Social Media." The Economist. 10/9/2016. at: https://acr.ps/1L9BPuG Attia, Ashraf M. et al. "The Impact of Social Media on Sudan's Uprising Behaviour." International Journal of Business Forecasting and Marketing Intelligence. vol. 6, no. 3 (2020). Bashri, Maha. "The Use of ICTs and Mobilization in the Age of Parallel Media – An Emerging Fifth Estate? A Case Study of Nafeer's Flood Campaign in Sudan." African Journalism Studies. vol. 35, no. 2 (2014). Bauman, Zygmunt. Liquid Modernity. Cambridge: Polity Press, 2000. Breuer, Anita, Todd Landman & Dorothea Farquhar. "Social Media and Protest Mobilization: Evidence from the Tunisian Revolution." Democratization. vol. 22, no. 4 (2015). Courtois, Cédric, Laura Slechten & Lennert Coenen. "Challenging Google Search Filter Bubbles in Social and Political Information: Disconforming Evidence from a Digital Methods Case Study." Telematics and Informatics. vol. 35, no. 7 (2018). D'Ancona, Matthew. Post-Truth: The New War on Truth and How to Fight Back. London: Ebury Press, 2017.
Figueira, Álvaro & Luciana Oliveira. "The Current State of Fake News: Challenges and Opportunities." Procedia Computer Science. vol. 121 (2017). Guta, Hala. "Meditating the Revolution: Analysis of the Sudanese, Professionals Association Communicative Strategies During Sudan's 2018-2019 Revolution." International Journal of Communication. vol. 17 (2023). Hofheinz, Albrecht. "Broken Walls: Challenges to Patriarchal Authority in the Eyes of Sudanese Social Media Actors." Die Welt des Islams. vol. 57, no. 3-4 (2017). Howard, Philip N. & Muzammil M. Hussain. Democracy's Fourth Wave? Digital Media and the Arab Spring. New York: Oxford University Press, 2013. "June 2021 Coordinated Inauthentic Behavior Report." Detailed Report. Facebook (June 2021). at: https://acr.ps/1L9BPiH Kadoda, Gada & Sondra Hale. "Contemporary Youth Movements and the Role of Social Media in Sudan." Canadian Journal of African Studies / Revue canadienne des études africaines. vol. 49, no. 1 (2015). Keyes, Ralph. The Post-Truth Era: Dishonesty and Deception in Contemporary Life. New York: St. Martin's Press, 2004. Lynch, Marc. "Twitter Devolutions: How Social Media Is Hurting the Arab Spring." Foreign Policy. no. 198
Maerz, Seraphine F. et al. "State of the World 2019: Grows." Surges–Resistance Autocratization Democratization. vol. 27, no. 6 (2020). "Making Sense of Social Media Proxies Findings of Social Media Study on Sudan." UNPD. 28/2/2020. at: https://acr.ps/1L9BPev Malik, Saadia Izzeldin. "Sudan's December Revolution of 2018: The Ecology of Youth Connective and Collective Activism." Information, Communication & Society. vol. 25, no. 10, (2022). Manor, Ilan. "Public Diplomacy in the Era of Post- Reality." Comment. USC Center on Public Diplomacy. 13/2/2024. at: https://acr.ps/1L9BPEl "Mapping a Surge of Disinformation in Africa." Africa Center for Strategic Studies. 13/3/2024. at: https://acr.ps/1L9BPKQ MIchaelsen, Abigail. "Brand Obama: How Barack Obama Revolutionized Political Campaign Marketing in the 2008 Presidential Election." CMC Senior Theses. Claremont McKenna College, 2015. at: https://acr.ps/1L9BPi6 Rosson, Zach et al. "Weapons of Control, Shields of Impunity: Internet Shutdowns in 2022." Access Now. 28/2/2023. at: https://acr.ps/1L9BPty "Safeguarding Sudan's Fragile Transition." Africa Report. no. 281. International Crisis Group. 21/10/2019. at: https://acr.ps/1L9BPUt Schleffer, Guy & Benjamin Miller. "The Political Effects of Social Media Platforms on Different Regime Types." Texas National Security Review. vol. 4, no. 3 (2021). Schumann, Sandy. How the Internet Shapes Collective Action. New York: Palgrave Macmillan 2015. "Sudan's Turmoil: From Protests to Disinformation." Observatory. Democracy Digital African 14/11/2024. at: https://acr.ps/1L9BPAJ "Sudan's Youth and the Transition: Priorities, Perceptions and Attitudes." The Carter Center (August 2021). at: https://acr.ps/1L9BPIU Suliman, Mohamed. "As Sudan Transitions To Democracy, Urgent Reforms must Tackle
Disinformation." Global Voices Advox. 4/10/2019. at: https://acr.ps/1L9BP63 Surowiec, Pawel & Ilan Manor (eds.). Public Diplomacy and the Politics of Uncertainty. London: Palgrave Macmillan, 2021. Tesich, Steve. "A Government of Lies." The Nation. vol. 254, no. 1 (6/1/1992). "They were Shouting 'Kill them' Sudan's Violent Crackdown on Protesters in Khartoum." at: Watch. Rights Human https://acr.ps/1L9BPqh Tufekci, Zeynep. Twitter and Tear Gas: The Power and Fragility of Networked Protest. New Haven, CT: Yale University Press, 2017. Wolfsfeld, Gadi, Elad Segev & Tamir Sheafer. "Social Media and the Arab Spring: Politics Comes First." The International Journal of Press/ Politics. vol. 18, no. 2 (2013).