التحول الكوانتي في حقل العلاقات الدولية: مراجعة نقدية لكتاَبَي "َكْمْ يَنة النقد" و"حقل العلاقات الدولية الكوانتي"

Adel Zeggagh عادل زقاغ |

الملخّص

* أستاذ التعليم العالي في العلوم السياسية، جامعة باتنة 1، الجزائر.

Professor of Political Science at University of Batna 1, Algeria. Email: adel.zeggagh@univ-batna.dz

كَْمَْيَنة النقد: نظرية اجتماعية كوانتية لحقل العلاقات الدولية النقدي عنوان الكتاب:. المؤلف: مايكل مورفي. سنة النشر:.2021 الناشر: بالغريف ماكميلان. عدد الصفحات:.118

عنوان الكتاب: حقل العلاقات الدولية الكوانتي: نحو علم إنساني للسياسة العالمية. المؤلف: جيمس دير ديريان وألكسندر ونت. سنة النشر:.2022 الناشر: دار نشر جامعة أكسفورد. عدد الصفحات:.410

The Quantum Turn in International Relations: A Review of Quantizing Critique and Quantum International Relations

.Quantizing Critique: Quantum Social Theory for Critical International Relations عنوان الكتاب في لغته:

. Quantum International Relations: A Human Science for World Politics عنوان الكتاب في لغته:

مقدمة

هل كان ألبرت أينشتاين على حق حين قال إن القوة المنبثقة من الذرة غيرت كل شيء ما عدا أساليب تفكيرنا، ولذلك ننزلق نحو كوارث لا مثيل لها؟   بعد عقَدَين من تضافر جهود الفيزياء الذرية والثورة الكوانتية، جرى إنتاج أول الأسلحة النووية واستخدامها، وقد أظهرت توظيفًا تدميريًا لأفكار الفيزياء التي ابتكرها صنّاع قرار ظلوا حبيسي النزعة النيوتنية الكلاسيكية. وإذا سلّمنا بهذا الطرح، فإن الأمر يتعلق بتأخر العلوم الاجتماعية والإنسانية قرنًا كاملًاعن استيعاب دروس الثورات المعرفية في العلوم الدقيقة، لا سيما الكوانتية منها، بل إن كريستوفر ماكنتوش وصف الوضع في حقل العلاقات الدولية بأنه.سبات نيوتني عميق  Deep Newtonian Slumber "" ظلّت المقاربات السائدة في تحليل العلاقات بين الدول متشبثة بالمنظور "النيوتني"، الذي يقوم على اليقين والحتمية والسببية الخطية وفصل الكيانات محلّ الدراسة بعضها عن بعض، إضافة إلى التحليل، وكان ذلك بمنزلة الإطار الناظم لمقاربتنا للفاعلين والبنى والعمليات الدولية. غير أنّ التعقد المتزايد، وما ينطوي عليه النظام العالمي المعاصر من عدم يقين متأصل، قد كشفا عن حدود هذه الأطر النظرية التقليدية. وفي مواجهة هذه الثغرات، أخذ يتبلور تدريجيًا داخل حقل العلاقات الدولية ما يُعَرَف ب "التحول الكوانتي"، وهو توجّه يسعى لإعادة تقييم جذرية للأنطولوجيات والإبستيمولوجيات المعتمدة في هذا الحقل المعرفي، مستلهمًامفاهيم مستمدة من ميكانيكا الكم مثل: التراكب، والتشابك، واللامحلية، واللايقين، والاحتمالية، وانهيار دالة الموجة .

1  John Scales Avery, "Albert Einstein, Scientist and Pacifist," Waging Peace , 15/6/2015, accessed on 10/6/2025, at: https://bit.ly/4782nKt 2  Christopher McIntosh, The Time of Global Politics: International Relations as Study of the Present (Cambridge: Cambridge University Press, 2024), p. 224. 3 تتجلى في ميكانيكا الكم مفاهيم أساسية تقلب الرؤية الكلاسيكية للواقع "رأسًا على عقب"؛ فالتراكب Superposition يعني أن الجسيم يوجد في حالات متعددة محتملة في الوقت نفسه إلى أن تجري ملاحظته، بينما يشير التشابك Entanglement إلى ترابط عميق بين جسيمات بحيث تصبح حالاتها مرتبطة آنًّيًا مهما ابتعدت، وهو ما يقود إلى اللامحلية Non-locality؛ أي إن التأثيرات الكوانتية تتجاوز القيود المكانية والزمانية الكلاسيكية. أما مبدأ اللايقين Principle Uncertainty، فيقرّ باستحالة تحديد خصائص مثل الموقع والزخم بدقة مطلقة؛ ما يجعل الواقع محكومًا بالاحتمالات لا باليقين. وهنا تؤدي الاحتمالية Probability دورًا جوهريًا؛ إذ لا نصف موقع الجسيم أو طاقته على نحو قطعي، بل عبر احتمالات مشتقة من دالة الموجة. وعند لحظة الرصد يحدث ما يُعرف بانهيار دالة الموجة Collapse Function Wave، حيث تتحول الإمكانات المتعددة إلى نتيجة واحدة محددة. وبهذه المفاهيم، يكشف العالم الكوانتي عن واقع غير يقيني، ومتشابك، قائم على الاحتمالات ومفتوح على إمكانات متعددة قبل أن تُختزل في فعل الملاحظة. ينظر: James Der Derian & Alexander Wendt)eds.(, Quantum International Relations: A Human Science for World Politics (Oxford: Oxford University Press, 2022).

تتناول هذه المراجعة كتاَبيَن مرجعَّييَن يُعدّان من بين عدد قليل من الأعمال التي انخرطت في هذا المسعى البحثي، في محاولة لإعادة صياغة أسس التفكير في العلاقات الدولية عبر إدماج المفاهيم الكوانتية؛ وهما: كَْمَْيَنة النقد: نظرية اجتماعية كوانتية لحقل العلاقات الدولية النقدي لمايكل مورفي 2021()، و حقل العلاقات الدولية الكوانتي: نحو علم إنساني للسياسة العالمية (تأليف جماعي)، وقد حرره جيمس دير ديريان وألكسندر ونت.)2022(تنطلق هذه المراجعة من السؤال الآتي: كيف تتقاطع المقاربة التعددية لدير ديريان وونت مع مقاربة مورفي النقدية في توظيف المفاهيم الكوانتية لإعادة صياغة أسس العلاقات الدولية الأنطولوجية والإبستيمولوجية والمعيارية؟ وفيَمَ تتمايز هذه المقاربة بينهما؟ وما موقعها ضمن النقاشات النظرية الكبرى في الحقل؟ جرى تقسيم هذه المراجعة إلى محاور تتضمن عرضًا موجزًا لكل كتاب على حدة، وفحصًا للتقاطعات والتمايزات بينهما، ومراجعة الانتقادات والردود الواردة على أطاريح الكتابين؛ وأخيرًا محاولة فهم تموضعهما ضمن النقاشات النظرية في الحقل.

أولًا: كْمَْيَنة النقد: نظريةٌ اجتماعية كوانتية لحقل العلاقات الدولية النقدي

يُعد كتاب كَْمَْيَنة النقد: نظرية اجتماعية كوانتية لحقل العلاقات الدولية النقدي من بين المساهمات القليلة والجريئة التي سعت لإقحام مفاهيم الكوانتوم في مواضيع بعينها ضمن حقل العلاقات الدولية. وتتوزّع أطروحات الكتاب على ستة فصول تندرج ضمن قسَميَن رئيَسيَن؛ إذ يقدّم القسم الأول منهما مفاهيم أساسية في ميكانيكا الكم ونظريتها الاجتماعية، ويركز الثاني على تطبيق هذه المفاهيم في نقد العلاقات الدولية من خلال ما اصطلح على تسميته ب "الترجمة والتطبيق العملي." يركز الكتاب على إضفاء الطابع الكوانتي على المسعى النقدي؛ أي "َكَْمَْيَنة النقد" ، والأدوات الكوانتية التي انتقاها لتجسيد ذلك هي

4 يشير مفهوم "َكَْمَْيَنة النقد" إلى محاولة توظيف التحول الكوانتي في ممارسة نقدية تتجاوز حدود النقد الكلاسيكي. فبدلًامن الانطلاق من ثنائيات مستقرة (مثل: ذات/ موضوع، مادي/ مثالي، علم/ أيديولوجيا)، تفترض كَْمَْيَنة النقد أن الواقع متعدد الإمكانات، ومترابط، وغير خطي؛ أي إن النقد هنا ليس كشفًا للتناقضات فحسب، بل هو انفتاح على احتمالات بديلة أيضًا، على نحو يشبه التراكب الذي يسمح بوجود إمكانات متعددة في الوقت ذاته، ينظر: Michael P. A. Murphy, Quantizing Critique: Quantum Social Theory for Critical International Relations (Cham: Palgrave Macmillan, 2021), pp. 6–10; يمكن ترجمة كلمة Quantizing ب "إضفاء الطابع الكوانتي" على "النقد" أو "العلاقات الدولية"... إلخ. ومن بين المفردات المرشحة باللغة العربية للدلالة عليها كلمة "َكَْمَْوََنَة"، لكن هذه الكلمة قد تؤول إلى معنى آخر في الاشتقاق وهو الكمون. ولأن الكوانتوم يعود إلى ""الكّم ات Quanta، فقد ارتأيت استخدام كلمة "الَكَْمَْيَنة."

"المخيال الكوانتي"  Imanginary Quantum، بحيث تحُّلُ النظرة الكوانتية التي تسمح بالتعامل مع عدم اليقين، والتناقضات، والتشابك على نحو أفضل، محَّلَ "المخيال الفيزيائي النيوتني"، الذي يحدّ مما يمكن تصوره في العلوم الاجتماعية (ص. 85) ويشترك الكوانتوم والنظرية النقدية للعلاقات الدولية في الاهتمام بالتعامل مع عدم اليقين والتناقضات، ولهذا يقترح الكتاب تبنّي "مخيال فيزيائي كوانتي" لتمكين طرح أسئلة جديدة وفهم لايقينية العالم الاجتماعي والسياسي وتعقيده (ص 12-10، 85.) ويعرض طريقَتيَن لتطبيق هذا "المخيال الكوانتي"، هما: الترجمة والتطبيق. في الترجمة، يعمل المؤلف على إيجاد أرضية مشتركة بين مفاهيم العلاقات الدولية النقدية ومفاهيم نظرية الكوانتوم الاجتماعية، مثل ربط ازدواجية الموجة والجسيم بدراسات الحدود، فضلًاعن ربط انهيار دالة الموجة ب "الأوتوإثنوغرافيا" ، والتشابك الكمومي بمفهوم "التجميعات" Assemblages . أما على مستوى التطبيق، فيطرح مورفي ما يسميه "نظرية الفاعل الكوانتي - الشبكة" Theory Quactor-Network، التي تقوم على إسقاط "المخيال الكوانتي" على "نظرية الفاعل - الشبكة" Theory Actor-Network. ويرى أن الأخيرة تركز على العلاقات الدقيقة بين الكيانات، وتتبع منهجية تقوم على عزل المتغيرات التحليلية ضمن مستويات محددة، وهذا يجعلها تميل إلى تجنب الانخراط في المستويات الأوسع للتحليل الاجتماعي. وبذلك، فإنها تعجز عن تفسير القوى البنيوية الأوسع، مثل السيادة أو التمييز العنصري أو اللامساواة، لأنها تنطلق من تصور "نيوتني" للواقع، ينظر إلى الكيانات بوصفها منفصلة وقابلة للتمييز على نحو واضح (ص. 90-95) ومع أن البنى والمؤسسات والممارسات الاجتماعية تظل

5 يقدّم المخيال الكوانتي بديلًامن المخيال النيوتني الذي ظل حبيس الحتمية واليقين والخطية، فلم يمنح العلوم الاجتماعية والسياسية إمكانات متنوعة لتخيّل البدائل. وفي مقابل ذلك، يفتح المخيال الكوانتي، بما يستند إليه من مبادئ الاحتمالية والتراكب والعلائقية، أفقًا تخييليّا أوسع يتيح التفكير في تعددية الإمكانات والسيناريوهات. ينظر: 20-23 pp. Ibid.,. 6 الأوتوإثنوغرافيا عند مورفي هي منهج يجعل الباحث يعترف بأنه جزء لا ينفصل عن عملية البحث نفسها ونفي مزاعم الحياد المطلق؛ فهي تقوم على كتابة الباحث تجاربه الخاصة وتأمل موقعه الاجتماعي والثقافي، لتوضيح أن هذه العناصر تؤثر مباشرة في إنتاج المعرفة. ويربط مورفي ذلك ب "تأثير المراقب" في الفيزياء الكوانتية؛ فإذا كانت ملاحظة الجسيم تجعله يغّي رحالته، فإن وجود الباحث وخلفياته (مثل اللغة، والطبقة، والجنس) يغّي ران طبيعة ما نعرفه عن العالم الاجتماعي. بهذا المعنى، فإنّ الأوتوإثنوغرافيا ليست سردًا شخصًّيًا فحسب، بل هي أيضًا أداة نقدية تكشف أن المعرفة العلمية تُنَتَج دائمًا من داخل علاقة متشابكة بين الباحث والموضوع. ينظر: 69-72 pp. Ibid.,. 7 يناقش مورفي مفهوم التجميعات Assemblages ليبّي نأن الوحدات الاجتماعية (مثل الدولة، والأمن، والحدود) ليست كيانات مغلقة أو ثابتة، بل هي شبكات متشابكة ومؤقتة مكوّنة من عناصر مادية ورمزية تتكوّن وتتفكك باستمرار. ويربط مورفي ذلك مباشرةً بمفهوم التشابك الكوانتي. فالتجميعات ليست "مجموع أجزائها" فحسب، بل إن وجود كل عنصر يتحدد، أيضًا، بالعلاقات غير المحلية مع عناصر أخرى داخل شبكة أوسع. بهذا، تصبح الدولة أو الأمن، مثلًا، ظواهر ناشئة من علاقات متعددة المستويات؛ محلية وعالمية، عامة وخاصة، مادية ورمزية، وليست كيانات معزولة. ينظر: 73-77 pp..Ibid.,

غير مرئية، فإن آثارها تبقى واقعية، تمامًا كما أن الطبيعة الموجية للضوء لا تُرى مباشرة، إلا أنها تُحدث آثارًا واضحة وملموسة. ويتبنى مورفي ما يُعرف بتفسير كوبنهاغن في ميكانيكا الكم، ومفاده أن القياس أو المراقبة ليست عملية كشف عن حقيقة جاهزة فحسب، بل إنها أيضًا تساهم فعليًا في تشكيل الواقع الذي نرصده؛ فعندما نقيس ظاهرة كوانتية، فإن فعل القياس نفسه يؤدي إلى "انهيار دالة الموجة" وانتقال النظام من حالة احتمالية غير محددة إلى حالة معينة بوضوح (ص. 84) فالمراقب، سواء كان شخصًا أو جهازًا، لا يمكن فصله عن النظام الذي يدرسه، بل هو جزء من الواقع الذي يُنَتَج في لحظة الملاحظة (ص. 29) ويمكن اعتبار ذلك امتدادًا لمبدأ "تأثير المراقب"؛ لذلك يربطه بالأوتوإثنوغرافيا في البحث الاجتماعي؛ إذ إنّ المعرفة ليست منفصلة عن الباحث، بل تتشكل عبر هذا التداخل. وتسمح هذه الرؤية بفهم أعمق وأكثر واقعية للعلاقات المعقدة بين الذات والموضوع في العلوم الاجتماعية (ص. 69-70) ينتقل مورفي إلى دراسة تجميعات الأمن، وهي دراسة تقتضي تفادي التركيز على وحدة تحليل منفصلة كالدولة مثلًا، والتركيز على فهم شبكة العلاقات المتشابكة بين القطاَعيَن العام والخاص والمستويات المحلية والعالمية والعناصر التقنية والسياسية، بما يعتبر امتدادًا لمفهوم التشابك الكوانتي، حيث تتكون الظواهر من تداخلات معقدة لا يمكن تحليلها بمعزل عن الكل. ويتيح هذا النهج مقاربة أكثر شمولًالتعقيدات الأمن المعاصرة (ص. 73-74) يرى مورفي آفاقًا بحثية رحبة لحقل العلاقات الدولية من خلال انفتاحه على "المخيال الكوانتي" في المواضيع ذات الصلة بالسكان الأصلانيين، وما بعد الكولونيالية، وأخلاقيات البيئة، مشددًا على ضرورة استمرار الحوار مع تيارات غير كوانتية وإدخال التأملات الأخلاقية بصفتها جزءًا أصيلًامن أي تطور نظري (ص. 104-107) ويشدد أيضًا على أن حضور باحثين نقديين في حقل العلاقات الدولية الكوانتية سيضمن أّل اتتحول المقاربات الكوانتية إلى أدوات حل مشكلات على النمط الوضعي؛ لذلك من المهم أن تظل ملتزمة بالبعد النقدي (ص. 107)

ثانيًا: حقل العلاقات الدولية الكوانتي: نحو علم إنساني للسياسة العالمية

يطور كتاب حقل العلاقات الدولية الكوانتي أطروحة مركزية تدعو إلى تجاوز الأسس النيوتنية والفيزيائية الكلاسيكية المتجذرة ضمنيًا في البنية الفكرية للعلاقات الدولية. ويقترح تبنّي رؤية كوانتية للواقع (ص 8، 38)، باعتبار أن هذا التحول خطوة حاسمة نحو تطوير علم

إنساني جديد قادر على مواكبة التعقد المتزايد، واللايقين البنيوي، والتشابك العميق الذي يطبع الشؤون العالمية (ص 5-4،.)8 يجادل المساهمون في الكتاب  ، الذي صدر عام 2022؛ أي بعد عام واحد من صدور كتاب مورفي، بأن مفاهيم كوانتية أساسية، مثل التشابك والتراكب واللايقين، توفّر أدوات استكشافية متقدمة لتحليل الأنظمة الإنسانية الشبكية والمتغيرة باستمرار، والتي تحكمها العلائقية، كما تتيح معالجة التحديات العالمية الملحّة التي تعجز التفسيرات التقليدية عن الإحاطة بها؛ ما يمهّد الطريق نحو فهم أكثر دقة وعمقًا للواقع (ص 9، 36.) وفي هذا السياق، اعتمد المساهمون مقاربة منهجية متعددة الأبعاد وعابرة للتخصصات من أجل كَْمَْيَنة العلاقات الدولية (ص 4، 8.) وتستند مساهماتهم إلى سلسلة من الورش الاستكشافية والملتقيات الدولية التي أشرف عليها دير ديريان وونت، اللذان جادلا بأن هذه الجهود أسست بيئة فكرية تعاونية تشبه، إلى حد بعيد، "تجارب التفكير" Gedankenexperimente التي ساعدت في بلورة ميكانيكا الكم في مراحلها المبكرة (ص 5-4، 19،.)35 يتألف الكتاب من أربعة أقسام تناولت التأسيس النظري والفلسفي، ثم التطبيقات التقنية والمنهجية، وصولًا إلى الأبعاد الإنسانية والأخلاقية. يتناول القسم الأول، "التاريخ والنظرية"، جهود رواد الكوانتوم لتوسيع أفكارهم خارج نطاق الفيزياء. ويستعرض القسم الثاني، "العلم والتكنولوجيا"، الإمكانات التحويلية للتقنيات الكوانتية الناشئة، مثل الحوسبة والاتصالات، ويتطرق إلى ظاهرة "التهويل" الاجتماعي والسياسي التي ترافق هذه التطورات وانعكاساتها المحتملة على الأمن القومي. ويعرض القسم الثالث ما أسماه "َكَْمَْيَنة العلاقات الدولية"؛ أي كيفية توظيف مفاهيم كوانتية أساسية، مثل التشابك، وعدم اليقين، والتراكب، لإثراء بيداغوجيا العلاقات الدولية، مؤكدًا أن الَكَْمَْيَنة الفعلية للنظرية الاجتماعية تتطلب أطرًا رياضية دقيقة تتجاوز الاستخدام المجازي. أما القسم الرابع، "إعادة البعد الإنساني إلى العلم"، فيركز على إدماج الوعي والتأمل الذاتي في البحث الاجتماعي، مقترحًا أن العمليات الذهنية يمكن أن تنسجم مع مبادئ الكم مثل التراكب وانهيار دالة الموجة، ويناقش آثار التشابك الكوانتي الأخلاقية العميقة في فهم الممارسات الأمنية والتعامل مع الصدمات التاريخية. سعى مؤسّسو نظرية الكوانتوم لتطبيق رؤاهم الثورية خارج نطاق الفيزياء، وهي عملية تُعرف ب "الترحيل الكوانتي

8 يتضمن الكتاب 18 فصلًابما في ذلك المقدمة، وساهم فيها 22 مؤلفًا من ضمنهم مورفي، وقد كتب تقديم الكتاب ستفين ديل روسو.

للمفاهيم" Transposition  Quantum. وشكّلت هذه المساعي تحديًا جوهريًا للإطار الكلاسيكي الذي استندت إليه منهجيات العلوم الاجتماعية منذ نشأتها (ص. 30-31) ومن أكثر الأفكار جرأة وإثارة للجدل ما يطرحه ونت؛ ومفاده أن الوعي البشري ذاته عملية كوانتية (ص 8، 63، 323)، وهذا يعني أن البشر يمكن النظر إليهم على أنهم بمنزلة "دوال موجية متنقلة"  Functions Wave Walking. وهذه الرؤية، التي خصص لها ونت كتابًا كاملًابعنوان العقل الكوانتي والعلوم الاجتماعية: توحيد الأنطولوجيا الفيزيائية والاجتماعية  )2015(، تربط الفاعلية والإرادة الحرة بانهيار دالة الموجة للوعي عند اتخاذ القرار، وتقترح إمكانية دمج علم النفس الاستبطاني في العلوم الاجتماعية عبر منظور كوانتي لفهم ديناميات الصراع والتعاون والتحول الاجتماعي (ص 323، 337.) ومن الأمثلة التاريخية الدالة على توسيع نطاق الكوانتوم مبدأ نيلز بور للتكاملية Complementarity الذي يرى

9ُطُرح مفهوم "الترحيل الكوانتي" بوصفه محاولة لتوسيع أثر ثورة الكم خارج الفيزياء ونقلها إلى العلوم الإنسانية والاجتماعية، وقد سعى رواد الفيزياء الكوانتية – من أمثال نيلز بوهر، وفيرنر هايزنبرغ، ولفغانغ باولي، وماكس بورن، وإروين شرودينغر، وألبرت أينشتاين – لاختبار إمكانية هذا الترحيل. ورأى بعضهم، مثل بوهر وباولي، أن الدرس الأهم إبستيمولوجي؛ أي إن الكوانتوم يكشف حدود المعرفة الإنسانية، ويؤكد حاجة إلى مبدأ التكاملية عند التعامل مع الظواهر المعقدة، في حين اعتبر آخرون، مثل هايزنبرغ، الأمر أنطولوجيًا؛ إذ بّي نالكوانتوم أن الواقع ذاته لم يعد ماديًا صلبًا، بل شبكة احتمالات وطاقة. أمّا بورن، فقد تبنّى بعدًا شكلانيًا، معتبرًا أن رياضيات الكوانتوم تقدّم أدوات احتمالية يمكن أن تساعد في فهم السلوك الاجتماعي. وأما أينشتاين وفون نيومان وشرودينغر، فلم يكونوا متحمسين للفكرة. ومن هنا، يخلص كتاب دير ديريان وونت إلى أن "الترحيل" الكوانتي لم يكن مجازًا، بل هو مشروع جِديّ اختلف حوله المؤسسون أنفسهم، وهو يفتح الباب لتخيّل علوم إنسانية جديدة تتحرر من النموذج النيوتني، وتستلهم من الكوانتوم أدوات لفهم التعقد واللايقين في السياسة والعلاقات الدولية؛ ينظر: Der Derian & Wendt (eds.), pp. 27-43. 10 يعتبر وَْسْم الإنسان ب "الدالة الموجية المتنقلة" أحد المفاهيم الثورية التي تضمنها كتاب ودنت، العقل الكوانتي والعلوم الاجتماعية، الذي يقترح فيه أن الإنسان لا يتصرف بوصفه "جسيمًا" جامدًا أو كائنًا منفصلًا، بل يمكن تشبيهه ب "موجة تسير على قدمين "؛ فوعيه وسلوكه يمثلان استمرارًا لحالة كوانتية متعددة الإمكانات حتى لحظة اتخاذ القرار أو التفاعل. وبهذا، يكون الإنسان في حالة كمومية تغلفه؛ ليست منفصلة تمامًا عن محيطه، بل متشابكة Entangled مع الآخرين عبر اللغة والثقافة والهياكل الاجتماعية. وهذه الصورة تتيح فهمًا للعلاقات الاجتماعية بوصفها سلاسل من حالات متداخلة بدلًامن وحدات مستقلة. ينظر: Alexander Wendt, Quantum Mind and Social Science: Unifying Physical and Social Ontology (Cambridge: Cambridge University Press, 2015); Der Derian & Wendt (eds.), pp. 15, 63; ينظر، أيضًا، مراجعة للكتاب في: سارة ناصر، "رحلة ألكسندر ونت من 'نظرية اجتماعية سياسات عربية، مج للسياسة الدولية' إلى 'توحيد الأنطولوجيا الفيزيائية والاجتماعية"'، 13، العدد 73 (آذار/ مارس)، ص.193-179 11 تعرضت هذه الفكرة لانتقادات حادّة، لا سيما من ماتيو دونالد الذي حاول تقويض الأسس الفيزيائية للوعي الكوانتي، وقد لمّح إلى أن غياب التعاون مع باحثين ذوي خلفية تقنية جعل ونت يخفق في تقديم طرحه على نحو متماسك، ينظر:  Matthew J. Donald, "We Are Not Walking Wave Functions: A Response to Quantum Mind and Social Science by Alexander Wendt," Journal for the Theory of Social Behaviour , vol. 48, no. 2 (June 2018), pp. 157–161.

أنه ضروري لفهم الظواهر المعقدة بعيدًا عن النزعة الاختزالية  . ونجد أيضًا تطبيقات ولفغانغ باولي في علم النفس (ص. 33)، ومقاربة ماكس بورن الرسمية للحوكمة الاجتماعية لمعالجة قصور التفسيرات الكلاسيكية (ص 36، 54.) يتناول الكتاب أيضًا الإمكانات التحويلية للتقنيات الكوانتية مثل الحوسبة والتشفير والاتصالات، التي وُصفت بأنها قادرة على تجاوز القيود الكلاسيكية وتقديم حلول لتحديات عالمية كبرى مثل الأوبئة وتغير المناخ (ص 121، 151)، وهي المرحلة التي يسميها بعض الباحثين "الثورة الكوانتية الثانية" (ص. 184) غير أن المؤلفين يشددون على أن الخطاب المحيط بهذه التقنيات غالبًا ما يتسم ب "التهويل" الذي يعمد إلى تضخيم التهديدات أو الفرص المتصورة من قبيل هذه الوثبات التكنولوجية، وأن فهم هذا التهويل وتداعياته لا يقل أهمية عن فهم التكنولوجيا نفسها؛ ذلك أن البيئة الاجتماعية والمؤسسية متغير حاسم للأمن القومي والمزايا الاستخباراتية (ص 173، 176.) ويبرز في هذا السياق مثال المخاوف من قدرة الحواسيب الكمومية على كسر أنظمة التشفير الحالية، وهو ما يدفع إلى استثمارات وطنية كبيرة وخطابات تنافسية، لعل أبرزها مساعي الصين نحو "الهيمنة الكوانتية" (ص 166، 207.) في القسم المعنون ب "َكَْمَْيَنة حقل العلاقات الدولية" IR Quantizing، يوضح الكتاب أن مفاهيم كوانتية أساسية مثل التشابك، واللايقين، والتراكب والتكاملية، يمكن أن تُحدث تحولًا في تدريس العلاقات الدولية وفهمها، متجاوزة قيود المقاربات الكلاسيكية (ص 204، 210.) وتتطلب الَكَْمَْيَنة الحقيقية أطرًا رياضية دقيقة مثل نظرية الفئات Category Theory لتجنب فخ الاكتفاء بالاستعارات. فعلى سبيل المثال، يوضح التراكب إمكانية تعايش نمذجات متناقضة ظاهريًا للنظام الدولي   (مثل تلك النمذجات التي تفترض الأحادية أو التعددية)،

12 قدّم نيلز بوهر التكاملية بصفتها فكرة مفادها أن فهم الظواهر المعقدة لا يكتمل إذا اكتفينا بنظرة واحدة أو إطار واحد للتفسير. ففي فيزياء الكوانتوم، مثلًا، لا يمكن وصف الإلكترون على أنه "جسيم" أو "موجة" فحسب، بل إنه لا بد من النظر إلى الصورتين معًا، على الرغم من أنهما متعارضتان ظاهريًا. وبالنسبة إلى بوهر، فإنّ هذا الأمر ليس مفارقة، بل هو شرط أساسي لفهم الواقع. لذلك، اقترح أن المبدأ نفسه يصلح أيضًا للعلوم الإنسانية والاجتماعية. فأيّ مجاٍلٍ يستخدم مفاهيم مبسطة لتفسير ظواهر معقدة سيواجه بالضرورة تناقضات ومعضلات لا تُحلّ إلا بقبول الرؤى المختلفة، وهذا شبيه بصوٍرٍ مكملة لبعضها. وهذا ما جعله يوسع التكاملية لتشمل علم الأحياء والأنثروبولوجيا وعلم النفس. وحتى بالنسبة إلى الثقافة والحياة اليومية، فقد مثّل للأمر بكلمَتَي "الأفكار" و"المشاعر" اللتين تعبران عن جوانب متكاملة للتجربة الإنسانية. بهذا المعنى، ليست التكاملية أداة فيزيائية فحسب، بل هي أيضًا استراتيجية معرفية شاملة لتجاوز حدود الاختزال، وتقديم صورة أكثر تعبيرًا عن الواقع. ينظر: Der Derian & Wendt (eds.), pp. 31-35. 13 نظرية الفئات هي فرع من الرياضيات يدرس البنى والعلاقات Morphisms بينها على نحو مجرّد، من خلال تمثيل الأشياء Objects والسهام Arrows التي تربطها، وهو ما يسمح بفهم الأنظمة المعقدة بطريقة موحّدة. ينظر: 218. 216, pp. Ibid., 14  Ibid., pp. 23, 207, 269.

وُيُعاد تفسير المال بصفته "كائنًا غير كلاسيكي في حالة تراكب" لا يكتسب قيمته إلا من خلال "أفعال القياس" المؤسسية (ص 302، 305.) أما التشابك، فيظهر في تحليل السيادة الكندية المتداخلة في مفاهيم السكان الأصليين للسيادة؛ إذ يُفهم القرار السياسي بصفته "كًّم ا" يتحدد عبر فعل القياس (ص 265، 267.) وُيُستخدم مبدأ اللايقين لتوضيح أن محاولات تحليل الظواهر الدولية تؤثر في هذه الظواهر ذاتها. ويدعو الكتاب إلى إعادة البعد الإنساني إلى العلم بدمج الوعي والخبرة الذاتية في البحث الاجتماعي (ص. 323)، بافتراض أن العمليات الذهنية تتسق مع مبادئ كوانتية مثل التراكب وانهيار دالة الموجة عند الملاحظة (ص 329، 331)، وأن ذلك يفتح آفاقًا جديدة لفهم الفاعلية والإرادة الحرة (ص 329، 369.) وُيبُرز الكتاب آثار التشابك والقياس الأخلاقية في فهم العلاقات الإنسانية (ص. 356)، واستمرارية الصدمات التاريخية (ص. 342)، والمسؤوليات في الأمن الدولي (ص 361، 369-368، 371.) ويقدم مفهوم القياس الاستردادي Redemptive Measurement بصفته آلية لرؤية المعاناة الخفية والاعتراف بها لكسر التشابكات المؤلمة مع الماضي (ص 343، 353)، إضافة إلى أمثلة معاصرة مثل دور الناشطة غريتا تونبرغ التي تمثل فاعلية "لا محلية" تؤثر في "دالة الموجة الاجتماعية" وتعزز المقاومة (ص. 145-146)

ثالثًا: التقاطعات والتمايزات: أنحن بصدد "برنامََجَين بحثَّّييّن متنافََسَ ين" أم مانيفستو كوانتي؟

يعتبر كتاب كَْمَْيَنة النقد أول كتاب أكاديمي لمورفي، فقد استثمر فيه الخبرة البحثية التي اكتسبها من مشاركته الفاعلة في العديد من المؤتمرات العلمية وفي عضوية هيئات تحريرية لمجلات متخصصة مثل حوار في الأمن Security Dialogue. وقد تزامن صدور الكتاب مع وضعه اللمسات النهائية على أطروحته في الدكتوراه في جامعة أوتاوا (ناقشها في عام 2022)؛ إذ تداخلت بعض فصول الكتاب في أجزاء من الأطروحة؛ وهذا يعكس التكامل والتراكم في مشروعه البحثي الكوانتي. تستمد أفكار الكتاب "قوّتها" من دعم مؤسسي وبحثي تلقاه المؤلف، إضافة إلى تفاعل نقدي متواصل مع باحثين مرموقين في الحقل  ، ليخرج هذا العمل بصفته مساهمة جريئة ومبتكرة في إقحام "المخيال الكوانتي" في النظرية النقدية للعلاقات الدولية.

15  Michael P. A. Murphy, "Curriculum Vitae," Michael P. A. Murphy – Official Website , accessed on 13/6/2025, at: https://shorturl.at/sWPJb

في الاتجاه ذاته، تستند فصول الكتاب الذي حرره دير ديريان وونت إلى مسار أكاديمي متعدد المراحل، فقد عُرضت نسخها الأولية ضمن سلسلة من الورش والملتقيات الدولية، مثل Symposia Q Project التي نُظمت في سيدني بين عاَمَي 2014 و 2019، والمؤتمر المتعدد التخصصات في كولومبوس عام 2018، إضافة إلى ندوات وجلسات خاصة ضمن المؤتمرات السنوية لجمعية الدراسات الدولية بين عاَمَي 2015 و 2019. وقد جرى اختيار مجموعة من هذه الأوراق للنشر في حوار في الأمن عام العدد الخاص من دورية 2020، قبل أن تخضع لمراجعات وصياغة نهائية أفضت إلى إصدار الكتاب الجماعي عام 2022. وقد أبان هذا المسار التحريري التراكمي حوارًا فكريًا تفاعليًا جمع بين تخصصات ومقاربات متنوعة؛ ما منح الكتاب طابعًا موسوعيًا وديناميًا، وجعله بمنزلة نقطة التقاء بين رواد التحول الكوانتي في العلاقات الدولية. وليس من المصادفة أن يكون للمحرَرَين دير ديريان وونت سجًّل الافتًا في تأليف أعمال علمية ضمن الموضوع ذاته، ولعل أبرزها كتاب ونت العقل الكوانتي، الذي يعتبر أشد الأطاريح جرأة في إقحام الكوانتوم في العلاقات الدولية والعلوم الاجتماعية  . أما دير ديريان، الذي سبق أن ألف أعمالًاما بعد بنيوية مرجعية نهاية القرن العشرين، فإنه يشرف منذ عام 2015 على مشروع كيو Q لدراسة المضامين الاجتماعية والاستراتيجية والأخلاقية للتكنولوجيات الكوانتية، وقد حصل المشروع على تمويل بقيمة 1.2 مليون دولار من مؤسسة كارنيغي . إن الاستثمار البرامجي الممتد ليس نقطة الالتقاء الوحيدة بين الكتاَبيَن محلّ المراجعة؛ إذ يتفقان في إظهار تحٍّدٍ صريح للأسس النيوتنية التي طالما شكّلت مرتكزات نظرية العلاقات الدولية، مؤكَدَين أن الفيزياء الكلاسيكية، بما تنطوي عليه من افتراضات انفصالية  وسببية خطية وحتمية، عاجزة بطبيعتها عن استيعاب الديناميات المعقدة للنظام العالمي؛ لذلك يدعوان إلى "انعطافة كوانتية"، أو "ثورة كوانتية"، في العلوم الاجتماعية، وفي العلاقات الدولية على نحو خاص، باعتبار أن النظرية الكوانتية تقدّم "مخي لًافيزيائيًا" أكثر ملاءمة لبيان الظواهر

16  Steve Fuller, "A Quantum Leap for Social Theory," Journal for the Theory of Social Behaviour , vol. 48, no. 2 (2018), p. 177. 17 " Carnegie Corp Awards Funding for Quantum Project," University of Sydney News , 30/9/2019, accessed on 28/5/2025, at: https://bit.ly/3JoukE2 18 تتعارض الأنطولوجيا الكوانتية مع الأنطولوجيا النيوتنية القائمة على الانفصال (ذات / موضوع، داخل/ خارج، محلي/ دولي، هوية/ اختلاف، مادي/ أفكاري، إنساني/ طبيعة، نظرية/ ممارسة)، تلك الأنطولوجيا التي طالما عززت صورة "كرات البلياردو" للدول ذات السيادة، ينظر: Chengxin Pan, "Quantum Theory," in: Beate Jahn & Sebastian Schindler (eds.), Elgar Encyclopedia of International Relations (Cheltenham, UK: Edward Elgar Publishing, 2025), p. 330.

الاجتماعية التي استعصت على التفسير الكلاسيكي. وتأبى رؤيتهما المشتركة فرض "نظرية كوانتية واحدة" لمصلحة تبنّي تعددية خصبة من "المقاربات الكوانتية." وُيُنظر إلى هذا الالتزام بالتعددية باعتباره مصدَرَ قوةٍ أساسيًا، يتيح تنوع التطبيقات الكوانتية عبر حقول فرعية مختلفة في العلاقات الدولية، ويفتح مسارات مثمرة للحوار العابر للتخصصات. وعلى مستوى أعمق، يبرز تقاطع لافت في تبنّيهما الحاسم مفهوَمَ "التشابك" بوصفه حجر الزاوية في النظرية الكوانتية، وهو ما يقوّض التصور التقليدي بشأن استقلالية الكيانات الاجتماعية. فكلاهما يؤكد أن التشابك يقتضي علاقة بنيوية أساسية؛ إذ تعتمد خصائص "الأجزاء" الاجتماعية وأدوارها على "الكل" بطريقة لا يمكن اختزالها. ويوليان مفهوَمَي "اللايقين" و"اللاحتمية" أهميةً محورية، معتبَرَين أن النظرية الكوانتية توفر إطارًا أساسيًا للتعامل مع هذه السمات البنيوية للواقع الاجتماعي، على خلاف النماذج الكلاسيكية العاجزة عن استيعابها. ومن منظور منهجي، يتركّز جهدهما المتقارب في إظهار قيمة الفكر الكوانتي العملية ومردوده الإرشادي من خلال مقاربة قضايا ملموسة في الأمن الدولي والظواهر السياسية. وفي الحصيلة، يتوقعان أن تفضي هذه الرؤى الكوانتية إلى تقديم تفسيرات أعمق لظواهر اجتماعية لطالما حّي رت النماذج التقليدية، على نحو يفتح مج لًال "حوار بين - بردايمي" حقيقي داخل حقل العلاقات الدولية. وعلى الرغم من أن مورفي جزٌءٌ من فريق المساهمين في الكتاب الجماعي لدير ديريان وونت، فإنه يمكن ملاحظة بعض التمايزات في المؤَّلَفيَن. وربما يكمن ذلك في زاوية التوظيف وعمق الرهان النظري. فمورفي ينطلق من موقع نقدي – معياري واضح؛ إذ يوظّف "المخيال الكوانتي" لإعادة تسليح النظرية النقدية بأدوات قادرة على التعامل مع التعقد واللايقين، مستثمرًا مقولات من قبيل انهيار دالة الموجة والتشابك لإثراء التحليل النقدي المتعلق بموضوعات مختلفة، من بينها الأمن والسيادة والعدالة، ومشددًا على حضور البعد الأخلاقي وما بعد الكولونيالي في المشروع. أما دير ديريان وونت فيقدّمان مؤَّلَفًا جماعيًا موسوعيًا يروم كَْمَْيَنة الحقل بأسره، ويدرجون ضمنه طرحًا أنطولوجيًا جريئًا (الوعي بصفته ظاهرة كوانتية واقعية عند ودنت) جنبًا إلى جنب مع الانفتاح المنهجي العابر للتخصصات، بحيث يتجاوز كتابهما النقد ليستهدف صياغة برنامج متعدد الطبقات على نحو يخدم هدف إرساء "علم إنساني كوانتي." وإذا كان مورفي يحرص على إبقاء البعد النقدي بصفته حاجزًا ضد النزعة الأداتية – الوضعية، فإن دير ديريان وونت يراهنان على بلورة بردايم واسع تلتقي فيه الفلسفة والفيزياء والتكنولوجيا والأمن، وهذا يجعل الأول أقرب إلى مانيفستو

نقدي متخصّص، بينما يمثّل الثاني ما يمكن ترشيحه ليكون بمنزلة بيان تأسيسي شامل لمشروع "الثورة الكوانتية" في العلاقات الدولية.

را بعًا: التحفظات وردود المعسكر الكوانتي

قد يكون من المهم طرح هذ التساؤل: هل يقتصر المشروع الكوانتي في العلاقات الدولية على أنه "مونولوغ" يجمع المتحمسين له؟ إن مراجعة سجل الانتقادات والردود التي تلت اللبنة الأولى للمشروع، والتي تتمثّل في   العقل الكوانتي لدى ونت تمنحنا فكرة مختلفة، بل إن مورفي نفسه دأب على استحضار بعض الانتقادات لمزاعم "التحول الكوانتي" في العلاقات الدولية، لا سيما تلك التي تلمح إلى أن هذا التوجه يعاني ما يشبه "الغيرة" من علم الفيزياء، والذي يعّب رعنه بالميل إلى استيراد مفاهيم ومصطلحات من علم الفيزياء الكوانتية الذي يحظى بمكانة مرموقة في الحقول العلمية، من دون أن يوجد مبرر كاٍفٍ، أو صلة منهجية قوية، بالظواهر الاجتماعية محلّ الدراسة؛ إذ يحذّر هؤلاء من أن هذا الاستيراد قد يؤدّي إلى ما يشبه استعمار العلوم الاجتماعية، بحيث يجري تهميش المقاربات الإنسانية والنقدية غير الخاضعة للمعايير العلمية "الصارمة" ، أو المعايير الصارمة وفق أنصار النزعة العلموية. تسلط انتقادات أخرى الضوء على ما يُسمى "الهوس الكوانتي" والمخاطر الناجمة عن هذا التدافع مثل استخدام المفاهيم العلمية على نحو خاطئ؛ إذ يوجد قلق من أن جاذبية فيزياء الكوانتوم، بما تنطوي عليه من نتائج غير بدهية وثورية، قد تدفع إلى تبني مصطلحاتها من دون فهم عميق لأسسها العلمية؛ ما قد يؤدي إلى تحليلات سطحية تقلّل من صدقية الدراسات في العلاقات الدولية، وتضر بالفهم العام للعلم . ويجادل باتريك ثاديوس جاكسون بأن قيمة الكوانتوم المضافة تظل موضع شك طالما أنه يمكن الوصول إلى النتائج النظرية ذاتها

جرى تخصيص عدد كامل من 19 دورية نظرية السلوك الاجتماعي Journal for the Theory of Social Behaviour، مج 48، العدد 2 2018() لمناقشة أفكار ونت المتضمنة في العقل الكوانتي، وقد أتيحت له فرصة الرد على الانتقادات ضمن العدد نفسه كتابه. 20  Wendt, Qunatum Mind , p. 12; Jairus Grove, "Bringing the World Back In: Revolutions and Relations before and after the Quantum Event," Security Dialogue , vol. 51, no. 5 (2020), p. 416. 21 ينظر في هذا الخصوص: Stephen J. Del Rosso, "Making the Case for Quantum International Relations," Carnegie Corporation of New York , 2/6/2022, accessed on 28/5/2025, at: https://bit.ly/4n2icam; ينظر أيضًا تعليقات ديلان موتين: Dylan Motin, "How to Misuse Physics in International Relations," Global Panorama , 2/11/2023, accessed on 20/5/2025, at: https://bit.ly/3V3W83b

عبر مقاربات اجتماعية راسخة من دون إقحام مفاهيم فيزيائية المنشأ  . ويثير جيريس غروف ومورفي مسألة أكثر دقة تتعلق بما إذا كان استخدام مفاهيم الكوانتوم في العلاقات الدولية لا يعدو أن يكون استخدامًا مجازيًا بهدف الإلهام النظري، أو أنه يفترض وجود واقع كوانتي أنطولوجي حقيقي يشكّل البنية الأساسية للظواهر الاجتماعية. ويحذّر غروف من أن المقارنات المجازية غير المنضبطة قد تقدّم مبادئ كوانتية معقدة بطبيعتها بطريقة مفرطة في التبسيط  ، في حين يلاحظ جاكوب تيسار أن معظم النماذج الكوانتية السائدة تظل أقرب إلى مقاربة معرفية تبحث في طرائق الفهم (أي إنها ذات طبيعة إبستيمية) أكثر من كونها تغّي رفهمنا لواقع العالم الاجتماعي على نحو أنطولوجي  ، كما يزعم دير ديريان وونت. تلمّح بعض الانتقادات إلى أن المشروع الكوانتي يفتقد السند التجريبي الواضح في ميدان العلوم الاجتماعية، وأنه أحيانًا يستخدم اللغة التقنية المعقدة التي لا تساهم في استيضاح الظواهر محل الدراسة، بل قد تجعل فهمها أكثر صعوبة، بدلًامن المصطلحات المتداولة والبسيطة . وهي من النقاط التي ركز عليها ديلان موتين في نقده الحاد للدراسات الكوانتية في العلاقات الدولية، فقد جادل بأنها تستعمل بصفتها استعارات محضة ولا تقدّم سوى مفردات جديدة لأفكار موجودة أصلًا حول التعقد أو الترابط أو عدم القدرة على التنبؤ. وتتمثل الحجة، في هذا السياق، في أنّ الاستخدام، إذا كان استعاريًا، لا يشّّك ل تحولًا كوانتيًا حقيقيًا، كما يزعم دير ديريان وونت، بل إنه يكون إعادة صياغة لغوية بلا ابتكار نظري أو منهجي جوهري  . ومن بين الانتقادات التي وُِّجَِهَت إلى المشروع تشكيك ماكس تيغمارك وآخرين في فرضية "العقل الكوانتي"، معتبرين أن معدلات فكّ الترابط الكوانتي في الدماغ تجعل من غير الممكن الحفاظ على تماسك كوانتي كاٍفٍ لإنجاز أي عمل حسابي داخله  ، وهي النقطة التي عمد إلى تقويضها رياضيًا ماتيو دونالد Donald J. Matthew. ومن المهم، أيضًا، الإشارة إلى وجود قلٍقٍ سياسي – معرفي، عّب رعنه باحثون مثل كيمبرلي هاتشينغز Hutchings Kimberly، وفريدريش كراتوشفيل Friedrich Kratochwil، وسيرغي بروزوروف Sergei Prozorov؛

22  Michael P. A. Murphy, "The Cost of Quantizing: Exploring the Stakes and Scope of Quantum International Relations," PhD Dissertation, University of Ottawa, Canada, 2022, p. 15. 23  Grove, p. 416. 24  Jakub Tesa ř , "Quantum Theory of International Relations: Approaches and Possible Gains," Human Affairs , vol. 25 (2015), p. 498. 25  Murphy, Quantizing Critique , p. 2. 26  Motin. 27  Wendt, Quantum Mind , p. 104.

إذ يرون أن التوحيد بين الأنطولوجيا الفيزيائية والاجتماعية قد يؤدي إلى اختزالية فيزيائية تستبعد الأفكار والمعاني واللغة، في شكل من أشكال "الإمبريالية الفيزيائية" . يذهب غروف إلى أبعد من ذلك عند إشارته إلى أن كثيرًا مما يقدمه الكوانتوم في العلاقات الدولية سبق أن طُرح في أطر نظرية أخرى مثل ما بعد البنيوية أو الواقعية النقدية أو نظرية التعقد؛ ما يجعل الفائدة التحليلية الصافية من مساعي "إقحام الكوانتوم" موضع تساؤل  . وتضيف لورا شوبيرغ إلى هذا النقد بُعدًا أخلاقيًا؛ إذ ترى أن إدماج المفاهيم الكوانتية في حقل العلاقات الدولية لا يحقق مكاسب كبيرة للحركات النقدية مثل النسوية، بل يفرض تكلفة معيارية تتمثل في غياب الارتباط المباشر لهذه الأنطولوجيات الكوانتية بالقيم والالتزامات السياسية التي تتبناها هذه الحركات؛ ما يجعل التحفظ تجاه هذا المشروع مبررًا من منظور نسوي  . تصدى دير ديريان وونت لهذه لانتقادات بكون مشروعهما لا يطرح نظرية كوانتية واحدة مغلقة، بل ينادي بتعددية "المقاربات الكوانتية" في العلاقات الدولية، على نحو يسمح بمجالات واسعة للحوار والاختلاف من دون فرض "حقيقة كوانتية" واحدة ، ويساعد على تحفيز النزعة عبر التخصصية لتغطية نقائص المشروع والإخفاقات المتكررة لأدوات العلاقات الدولية التحليلية، عمومًا، في تفسير ديناميات النزاعات الدولية وتوجهات صناعة القرار في السياسة العالمية وفهمهما والتنبؤ بكلّ منهما. ومن خلال النظر إلى قناعة دير ديريان وونت، المتمثلة في أن الكوانتوم يوفر إمكانية التحرر من العلموية الإقصائية Exclusivist Scientism التي تفرض معايير جامدة للصحة والصلاحية، انعكس ذلك بوضوح في مشروعهما الجماعي؛ إذ حرصا على أن يتضمن كتابهما مقاربات متعددة ورؤى متباينة في كيفية إدماج الكوانتوم ضمن حقل العلاقات الدولية؛ بطريقة تعكس إيمانًا عميقًا بقيمة التعددية والانفتاح المنهجي. وبخصوص ما يُثار بشأن الغيرة من الفيزياء، لمّح غروف إلى أن ذلك يتجاهل حقيقة أن رواد الفيزياء الكوانتية أنفسهم – مثل نيلز بوهر وألبرت أينشتاين – انخرطوا في حوار فلسفي عميق قبل إنجاز

28  Alexander Wendt, "Why IR Scholars Should Care about Quantum Theory, Part II: Critics in the PITs," International Theory , vol. 14, no. 1 (2022), p. 196. 29  Grove, p. 416; Michael P. A. Murphy, "Rediscovering the 'Meaning of Science'? Hans Morgenthau and the Ethics Debate in Quantum IR," International Relations (2024), p. 2. 30  Murphy, "The Cost of Quantizing," p. 19. 31  Der Derian & Wendt (eds.), p. 18; Murphy, Quantizing Critique , p. 32.

نظرياتهم الفيزيائية الثورية وبعد إنجازها؛ ما يعكس تاريخًا من التداخل المثمر بين العلوم الطبيعية والإنسانية  . وتكفي الإشارة إلى أن الفلسفة أدركت وجود الذرة قبل أن تراها الفيزياء، وأن تطور السياسة علمًاوممارسةً ساهم دائمًا في تعزيز منظومة حُكم ساهمت في تعضيد البيئة الاجتماعية والاقتصادية الملائمة التي ساعدت في تطور الأفكار والتطبيقات المبتكرة في الفيزياء والعلوم الطبيعية، بل إن هذه الغيرة لا مبرر لها أصلًامن وجهة نظر فيزيائية بحتة. فإذا كان ريتشارد فاينمان، الحاصل على جائزة نوبل في الفيزياء، قد صرّح بأنه يعتقد أنه ما من أحٍدٍ يفهم حقّا ميكانيكا الكم  ، فما الذي بقي من حجية لأولئك الذين اعتادوا عقد المقارنات الساخرة بين دقة الفيزياء وغموض العلوم الاجتماعية؟ وفي السياق ذاته، يوضح مورفي أن بعض الانتقادات تنطلق من افتراض أن الكوانتوم لا يقدّم إّل اإضافة محدودة، غير أن مورفي يرى أن المسألة يُنَظَر إليها بطريقة مختلفة، بحيث لا ينبغي تقييم المشروع الكوانتي بالعودة إلى طبيعة الإضافة التي يقدمها فحسب، بل ينبغي أيضًا مقارنته بما يسميه مورفي "تكلفة البقاء في الإطار النيوتني"؛ أي الثمن المعرفي والمفاهيمي الذي ندفعه إذا استمررنا في الاعتماد على التصورات الكلاسيكية وحدها  . من اللافت للانتباه أن الداعمين للتحول الكوانتي حظوا بدعم استثنائي من ستفين ديل روسو الذي أشار إلى أننا، منذ نهاية الحرب الباردة، بدأنا نستشعر تأثير الاضطرابات المزمنة مثل النزاعات الإثنية، والفشل الدولتي والصراع على الموارد المستنزفة، بل إن أحداث 11 سبتمبر 2001 نفسها لم يعد يُنَظَر إليها على أنها "زلزال" أعاد تشكيل المشهد الدولي، وإنما هي وميٌضٌ فتح أعيننا على مستوى ميكروسكوبي من منظور العلاقات الدولية. وأظهر ذلك مشهدًا دوليًا مختلفًا هو أقرب إلى فوضى عالمية لا تنسجم مع التصورات النيوتنية التقليدية عن كيانات منفصلة تشبه كرات البلياردو، وعن فاعلين عقلانيين يتصادمون بطرائق تفترض النظريات "الكلاسيكية" للعلاقات الدولية أنها تفسرها وأحيانًا تتنبأ بها. وفي مقابل ذلك، بدت مفاهيم كوانتية مثل "التشابك" و"التراكب" وتحديدًا "مبدأ اللايقين" بمنزلة أدوات مناسبة لمحاولة فهِمِ عالٍمٍ يزداد استعصاءً على الشرح الجاهز  . يتسق ذلك مع ما ذهب إليه إروين شرودينغر، أحد رواد الكوانتوم،

32  Grove, pp. 416-419. 33  Richard P. Feynman, The Character of Physical Law (Cambridge, MA: MIT Press, 1965), p. 129. 34  Murphy, "The Cost of Quantizing," p. 10. 35  Del Rosso.

من جهة أن الباحث ليست مهمته أن يرى ما لم يره أحد بعُدُ، بل أن يفكر فيما لم يفكر فيه أحد حول ما يراه الجميع  .

خامسًا: تموقع التحول الكوانتي ضمن النقاشات الكبرى في حقل العلاقات الدولية

يرى كريستوفر ماكنتوش أن إقحام التفكير الكوانتي في العلاقات الدولية يمنح الحقل أفقًا جديدًا لتجاوز ما يسميه "السبات النيوتني العميق"، الذي ما زال يطبع تصوّراته، فالكوانتية ليست في نظره مجرد استعارة أو أداة إضافية من جملة أدوات أخرى، بل هي إعادة تخيّل جذرية لمفاهيم الزمن والتنبؤ والسببية في العلاقات الدولية. فتوظيف مفاهيم مثل التشابك، والانبثاق، والسببية العكسية، سيتيح لنا بدائل من الفهم الخطي للتاريخ والزمن في السياسة العالمية، ويعيد صياغة فهمنا للفاعلية والتنبؤ  . ومثلما جلب تحوّل العلوم الطبيعية نحو البردايم الكوانتي وثبات غير مسبوقة، فإنه یتعّي ن الاستفادة من كل الدروس التي تزودنا بها "النسبية" و"الكوانتوم" من أجل تحسين مستوى فهمنا للعلاقات الدولية  . صحيح أن أغلب المحاولات الكوانتية في العلوم الاجتماعية (بما في ذلك أعمال ونت وباراد) لم تبلغ بعد مستوى النضج الرياضي والمعرفي الذي حققته الفيزياء، بل تظل أقرب إلى مشاريع استكشافية تدعو لإعادة التفكير، أكثر من كونها نماذج تفسيرية مكتملة. ولكن من الإنصاف التذكير بأن مورفي ودير ديريان وونت، أو أي مساهم من المساهمين في العمل الجماعي، لم يزعم أٌّيٌ منهم أن المشروع الكوانتي في حقل العلاقات الدولية مكتمل. غير أن ديريك بيكر يرى أن مشكلة الكوانتيين في العلاقات الدولية QIR (وهم فريق دير ديريان أساسًا) تكمن في تبنيهم موقفًا أنطولوجيًا متطرفًا يتمثل في العلائقية الخالصة Relationalism؛ أي تلك التي ترهن وجود النظام نفسه في التشابك العلائقي، بينما تجد العلائقية وضعًا مريحًا في علم التعقد الذي يدافع عنه بيكر. ولتوضيح فكرته، يستدعي الفهم الكوانتي للدولة، الذي يلخصها في

36  Erwin Schrödinger, What Is Life? With Mind and Matter and Autobiographical Sketches) Cambridge: Cambridge University Press, 1944(, p. 92.

37  Christopher McIntosh, The Time of Global Politics: International Relations as Study of the Present (Cambridge: Cambridge University Press, 2024), p. 224. 38 عادل زقاغ، "النقاش الرابع بين المقاربات النظرية للعلاقات الدولية"، أطروحة دكتوراه، جامعة باتنة 1، الجزائر، 2009، ص.143

أنها تشابكات وعلاقات عابرة فحسب، وهو ما يجده بمنزلة فهم مضلل للواقع، بل يؤدّي إلى بناء تصور سياسي هش، بينما نجد في علم التعقد صورة مختلفة كلًّيًا، فهو يعترف بأن الأشياء موجودة بالفعل، ويمنحنا صورة عن عالم يُنَتَج ويعاد إنتاجه على نحو مستمر (لا يختلف في ذلك عن الكوانتية)، لكنه أيضًا عَالٌمٌ له شكل وبنية وملمس ومقاومة، بحيث إنّ العلائقية، في هذا السياق، تصبح انبثاقية على نحو محدود، لكنها ليست حاسمة في الكينونة الدولتية أو أي كينونة اجتماعية أخرى  . تساعدنا هذه الملاحظات الأنطولوجية في مسعى موضعة أعمال مورفي ودير ديريان وونت ضمن النقاشات الكبرى في الحقل. فنظرية التعقد نفسها تتخذ موقفًا إبستيمولوجيًا مناوئًا للوضعية وما بعد الوضعية؛ ما يجعلها في مواجهة الواقعية والليبرالية والبنائية والنقدية وما بعد الوضعية في آن واحد، وهي المقاربات التي مثلث العقلانية - البنائية - التأملية ضمن النقاش الرابع. وإذا كان علم التعقد، بحسب محمد حمشي، يعتمد إبستيمًّيًا الواقعية النقدية ، وهو الموقف الذي يأخذ حقل العلاقات الدولية بعيدًا عن الاستقطاب الوضعي - ما بعد الوضعي، فإنه من الواضح أن علم التعقد أيضًا يستلهم من البردايم الكوانتي جزءًا مهًّم امن المفاهيم المفتاحية في مسعى فهِمِ النظم المعقدة، سواء كان ذلك من خلال مفاهيم اللاحتمية واللايقينية واللاخطية  ، أو من خلال رفض الحتمية الخطية لمصلحة موقف إبستيمي براغماتي أو ما يمكن تسميته "الانتقائية التحليلية" . يؤيد نيونو مونتيرو وكيفن روبي هذا الموقف الإبستيمي لعلم التعقد؛ لأنه - بحسبهما - لا توجد وصفات متفق عليها في فلسفة العلم بشأن كيفية دراسة العلاقات الدولية. لذلك لا يمكن استخدام الحجج الفلسفية لإصدار قوانين تحدّد أي من الأسئلة البحثية هي الأصح أو أي طريقة من طرائق الإجابة عنها تكون هي الشرعية  . ويتقاطع ذلك، أيضًا، مع المصفوفة التي وضعها جاكسون حول سياق الانتقال

39  Derick Becker, Consciousness, Social Theory and International Relations: On Primitive Entities (Cham: Springer Nature Switzerland, 2024), p. 66. 40 محمد حمشي، مدخل إلى نظرية التعقد في العلاقات الدولية (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2021)، ص 422؛ وللاطلاع على مراجعة موسعة للكتاب، ينظر: آمنة مصطفة دلة، "المنعطف الفيزيائي ونظرية التعقد: مراجعة كتاب 'مدخل إلى سياسات عربية، مج نظرية التعقد في العلاقات الدولية"'، 11، العدد 61 (آذار/ مارس 2023)، ص.158-148 41 حمشي، ص.269 42 المرجع نفسه، ص.398 43  Nuno P. Monteiro & Keven G. Ruby, "IR and the False Promise of Philosophical Foundations," International Theory , vol. 1, no. 1 (2009), p. 42.

من ثنائية وضعي - ما بعد وضعي، وهو سياق يتطلب الاعتراف بشرعية التعايش الإبستيمي (الوضعية الجديدة، الواقعية النقدية، التحليلية، التأملية) والتعامل معها باعتبارها أطرًا متكافئة لفهم الظواهر الدولية  . ويمكن القول إن العمل المرجعي لجاكسون، بشأن تطورات فلسفة علم العلاقات الدولية، يفتح مج لًاللكوانتية حتى تجد موقعًا داخل الحقل، من دون أن تحاصر في خانة الاستعارة بسبب تموقعها ضمن الإبستيمولوجيا الانبثاقية، أو تُقصىى بسبب طموحها الأنطولوجي وتموقعها ضمن أنطولوجيا علائقية انبثاقية. ويبدو أن تلك الانتقادات لا تزال حبيسة السجال الوضعي - ما بعد الوضعي ضمن النقاش الرابع. وفي مقابل ذلك، يدفع هذا الاصطفاف الإبستيمي والأنطولوجي للكوانتية إلى أبعد من النقاش الخامس نفسه، وهو أمٌرٌ دافع عنه إيميليان كالفالسكي بوصفه انتق لًاإبستيمولوجيًا نحو مقاربة استكشافية – انبثاقية؛ ذلك أن النقاش الخامس قد تمحور حول التعدد الإبستيمولوجي المستلهم من نظرية التعقّد، فقد استدعى نوعًا من الإبستيمولوجيا الانبثاقية التي تقبل بتعايش مناهج وأساليب مختلفة لفهم عالم معقّد وغير خطي، إلا أنه ظلّ في نهاية المطاف نقاشًا إبستيميًا (حول أفضل السبل لدراسة العلاقات الدولية وتحليلها، وهو يجمع علم التعقد بطموحه البحثي الكلاني، في مقابل المقاربات الاختزالية السائدة في الحقل.) وفي مقابل ذلك، ينطلق النقاش السادس من فكرة التعايش الإبستيمي كما طرحها بيوتر بيترزاك وجاكسون، ليحاول فهم "إعادة" تشكّل الكينونة في السياسة العالمية (ما يثير نقطة التحول نحو البعد الأنطولوجي للنقاش.) وهنا، يظهر التوتر بين الأنطولوجيا التقليدية، التي تفترض وجود كيانات ثابتة ومحددة مسبقًا (الدولة، النظام الدولي، الفاعل العقلاني)، والأنطولوجيا الانبثاقية التي ترى أنّ هذه الكيانات ذاتها ليست معطيات موجودة سلفًا، بل تنبثق وتتغّي رباستمرار بسبب التفاعلات والعلاقات. تكمن أهمية الأنطولوجيات الانبثاقية في أنها أكثر جاهزية لالتقاط التحولات الجارية بسبب الثورة التكنولوجية والذكاء الاصطناعي والبيوتكنولوجيا والجيوسياسة السيبرانية، حيث لا تكفي الدولة، أو المؤسسة، أو النظام الدولي، لتفسير الظواهر. فالذكاء الاصطناعي، مثلًا، ينشئ فضاءات فعٍلٍ جديدة وأنماطًا من السلطة والمخاطر لم تكن قائمة من قبل؛ ما يجعل من الضروري تبنّي أنطولوجيا مرنة وانبثاقية قادرة على استيعاب هذا التشكّل المستمر للفاعلين

44  Patrick Thaddeus Jackson, The Conduct of Inquiry in International Relations: Philosophy of Science and Its Implications for the Study of World Politics , 2 nd ed. (London: Routledge, 2016), pp. 208-235.

والهويات والسلطات. وبذلك، يبدو أن "التحوّل الكوانتي" يتوافق مع الإشكاليات المطروحة في النقاش السادس. فعلى الرغم من أن المانيفستو المتعلق بهذا النقاش أطلقه بيترزاك حديثًا، فإن مضامينه منسجمة مع التحولات الجارية في النظام الدولي (صعود القوى المتحدية، تأثيرات النزعة الترامبية، مخاطر الأنثروبوسين Anthropocene، السيناريوهات اللاخطية لصعود مساعي الذكاء الاصطناعي العام.)Artificial General Intelligence, AGI أما على المستوى الأكاديمي، فقد جاء في افتتاحية الدورية الأوروبية للعلاقات الدولية (في العدد الخاص بمناسبة الذكرى الخامسة والعشرين لتأسيسها) أن الجماعة العلمية لحقل العلاقات الدولية أصبحت أكثر انخراطًا في التعددية الإبستيمية، وأنها تبتعد على نحو واضح عن الاصطفاف في التخندق النظري أو "الإيزمز" Isms. ومع أن فريق الدورية يشجع هذا التوجه، فإنها حذرت من أن يصبح ما يسمى ب "التحولات" Turns "موضة" بحثية عابرة تشغل الباحثين عن هدفهم الأساسي  ، المتمثل في تقديم فهٍمٍ متكامٍلٍ للمشهد الدولي.

خاتمة

يكشف التحليل المقارن بين كتاَب ي كَْمَْيَنة النقد و حقل العلاقات الدولية الكوانتية عن رؤية مشتركة ومبتكرة لمشروع حقل علاقات دولية يستنير بنظرية الكوانتوم. يتفق الكتابان على أن النماذج الكلاسيكية المستمدة من الفيزياء النيوتنية لم تُعُد قادرة على تفسير لايقينية السياسة العالمية والترابط المتصاعد بين الظواهر الذي يبلغ حد التشابك والتعقد. ويدعوان إلى تبنّي مفاهيم كوانتية مثل التراكب، والتشابك، واعتماد النتائج على الراصد، بوصفها أدوات معرفية أكثر ملاءمة لعالم يشهد تحولات غير مسبوقة. وصف كارل شفايتسر الكتاب، الذي أشرف على تحريره دير ديريان وونت، بأنه لا يقارن بأي منشور أكاديمي آخر من حيث إحاطته بعلاقة الكوانتوم بالسياسة العالمية سواء في الجانب التاريخي أو البردايمات الموجهة أو المخاطر المرتبطة به  . وربما كانت المساهمة الأساسية لكلا الكتاَبيَن هي ترسيخ "التحول الكوانتي" بصفته مشروعًا فكريًا يؤسس حوارًا بينًّيًا عميقًا يتجاوز الرؤية النيوتنية.

45  Ursula Daxecker et al., "Introduction: Interdisciplinarity and the International Relations Event Horizon," European Journal of International Relations , vol. 26, no. 1-suppl (September 2020), pp. 4, 13. 46  Karl W. Schweizer, "Book Review," Diplomatica: A Journal of Diplomacy and Society , vol. 7, no. 1 (2025), p. 165.

يؤدي كتاب دير ديريان وونت دورًا تأسيسيًا، يستعرض مبررات التحول الكوانتي وُيُظهر صلته بمختلف مجالات العلاقات الدولية؛ من الدبلوماسية إلى السيادة. وفي مقابل ذلك، يركّز مورفي على الجانَبيَن المنهجي والتطبيقي، مقدّمًا مقاربة دقيقة تساعد المنظّرين النقديين على كَْمَْيَنة أدواتهم عبر استراتيجيات "الترجمة" و"التطبيق." وُيُسهم الكتابان في توسيع آفاق النظرية في العلاقات الدولية، ويقترحان أدوات جديدة لفهم ظواهر عالمية معقدة ومترابطة. وبعيدًا عن الانتقادات والإشادات تجاههما، فإن مجمل التحول الكوانتي في العلاقات الدولية يبدو متأخرًا مقارنةً بالتحذير الذي أطلقه وليام بينيت مونرو من عدم استفادة التوجهات البحثية في علم السياسة للتحولات الكوانتية الجارية في عصره (ضمن العلوم الفيزيائية.) ففي مداخلته الافتتاحية ضمن أشغال مؤتمر الجمعية الأميركية لعلم السياسة عام 1928، لمّح إلى أن الحقل لا يزال عالقًا في عصر بيغهوت 1872()، عندما كان علم الفيزياء يهتم أساسًا بالظواهر التي يمكن ملاحظتها بالعين المجرّدة. أما اليوم، فقد حوّل العاِلِم الطبيعي معظم اهتمامه إلى دراسة الأشياء الصغيرة وغير المرئية  . وحتى نكون منصفين، فإن الأشياء الكبيرة والمرئية (مثل الأسلحة النووية والبوارج الحربية وحاملات النفط العملاقة) كانت، حتى عهٍدٍ قريب، هي وحدها التي تُحدث الفارق في ترتيب أركان النظام الدولي. أما في الوقت الراهن، فإن الرقائق النانوية والسيطرة على وسائط التواصل الاجتماعي وتحقيق التفوق الكوانتي يمكنها قلب الموازين. كانت ملاحظة مونرو عام 1928 في محلها، وهذا لا يمنح البرنامج البحثي الكوانتي في العلاقات الدولية شرعية الوجود فحسب، بل يحمله أيضًا مسؤولية تطوير أدوات كوانتية فاعلة لتحليل الظواهر السياسية وعدم الوقوع في فخ السياحة المفهومية. وقد انتهت هذه المراجعة إلى اقتراح موضعة التحول الكوانتي ضمن النقاش السادس الذي ينطوي على تعايش بردايمي إبستيمي، لكنه يركز على الجدل بشأن الأنطولوجيات الانبثاقية التي ينتظر منها التقاط التحولات "اللاخطية" المرتبطة بتطور الذكاء الاصطناعي العام والتداعيات غير المعروفة للأنثروبوسين، وذلك من بين العديد من السيناريوهات التي تدخل في نطاق "الإمكان التخيلي الكوانتي."

47  William Bennett Munro, "Physics and Politics—An Old Analogy Revised," American Political Science Review , vol. 22, no. 1 (February 1928), pp. 1–11.

المراجع

العربية

حمشي، محمد. مدخل إلى نظرية التعقد في العلاقات الدولية. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2021 دلة، آمنة مصطفى. "المنعطف الفيزيائي ونظرية التعقد: مراجعة كتاب 'مدخل إلى نظرية التعقد في العلاقات الدولية."' سياسات عربية. مج 11، العدد 61 (آذار/ مارس.)2023 زقاغ، عادل. النقاش الرابع بين المقاربات النظرية للعلاقات الدولية. أطروحة دكتوراه. جامعة باتنة 1. الجزائر..2009 ناصر، سارة. "رحلة ألكسندر ونت من 'نظرية اجتماعية للسياسة الدولية' إلى 'توحيد الأنطولوجيا الفيزيائية والاجتماعية."' سياسات عربية. مج 13، العدد 73 (آذار/ مارس.)2025

الأجنبية

Becker, Derick. Consciousness, Social Theory and International Relations: On Primitive Entities. Cham: Springer Nature Switzerland, 2024. Daxecker, Ursula et al. "Introduction: Interdisciplinarity and the International Relations Event Horizon." European Journal of International Relations. vol. 26, no. 1 -suppl (September 2020). Der Derian, James & Alexander Wendt (eds.). Quantum International Relations: A Human Science for World Politics. Oxford: Oxford University Press, 2022. Donald, Matthew J. "We Are Not Walking Wave Functions: A Response to Quantum Mind and Social Science by Alexander Wendt." Journal for the Theory of Social Behaviour. vol. 48, no. 2 (June 2018). Feynman, Richard P. " The Character of Physical Law." Cambridge, MA: MIT Press, 1965. Fuller, Steve. "A Quantum Leap for Social Theory." Journal for the Theory of Social Behaviour. vol. 48, no. 2 (2018).

Grove, Jairus. "Bringing the World Back In: Revolutions and Relations before and after the Quantum Event." Security Dialogue. vol. 51, no. 5 (2020). Jackson, Patrick Thaddeus. The Conduct of Inquiry in International Relations: Philosophy of Science and Its Implications for the Study of World Politics. 2 nd ed. London: Routledge, 2016. Jahn, Beate & Sebastian Schindler (eds). Elgar Relations. International of Encyclopedia Cheltenham, UK: Edward Elgar Publishing, 2025. McIntosh, Christopher. The Time of Global Politics: International Relations as Study of the Present. Cambridge: Cambridge University Press, 2024. Monteiro, Nuno P. & Keven G. Ruby. "IR and the False Promise of Philosophical Foundations." International Theory. vol. 1, no. 1 (2009). Murphy, Michael P. A. Quantizing Critique: Quantum Social Theory for Critical International Relations. Cham: Palgrave Macmillan, 2021. ________. "The Cost of Quantizing: Exploring the Stakes and Scope of Quantum International Relations." PhD Dissertation. University of Ottawa. Canada. 2022. ________. "Rediscovering the 'Meaning of Science'? Hans Morgenthau and the Ethics Debate in Quantum IR." International Relations (2024). Munro, William Bennett. "Physics and Politics—An Old Analogy Revised." American Political Science Review. vol. 22, no. 1 (February 1928). Schweizer, Karl W. "Book Review." Diplomatica: A Journal of Diplomacy and Society. vol. 7, no. 1

Schrödinger, Erwin. What Is Life? With Mind and Matter and Autobiographical Sketches. Cambridge: Cambridge University Press, 1944. Tesa ř , Jakub. "Quantum Theory of International Relations: Approaches and Possible Gains." Human Affairs. vol. 25 (2015). Wendt, Alexander. Quantum Mind and Social Science: Unifying Physical and Social Ontology. Cambridge: Cambridge University Press, 2015. ________. "Why IR Scholars Should Care about Quantum Theory, Part II: Critics in the PITs." International Theory. vol. 14, no. 1 (2022).