"الغابة للأشجار:" حرب 15 نيسان/ أبريل 2023 وتحدّي بناء الأمة والدولة في السودان

محمد محجوب هارون إبراهيم | Mohamed Haroon

الملخّص

This paper examines the war that broke out in Sudan on April 15 , 2023 , through a comprehensive contextual lens that resists fragmenting its causes and obscuring the wider panorama. It argues that the war must be understood as part of an extended historical trajectory - spanning five centuries - of nation-building and state-building. The study analyzes the theoretical concepts of nation and state building, especially in the African context, and explores their practical manifestations in Sudan. It also investigates how the absence of prioritization by post-independence elites accelerated the slide into conflict. Using historical and political analysis, the paper concludes that, with the high human cost of the war, its resolution depends upon a broad-based national consensus. Keywords: Sudan, April 15 th 2023 War, Nation Building, State-Building.

The Forest for the Trees: The 15 April 2023 War and the Challenge of Nation-Building and State-Building in Sudan

تتناول هذه الدراسة الحرب التي اندلعت في السودان في 15 نيسان/ أبريل 2023، وما زال أوارها مستعرًا، من خلال منظور كّل ي يستند إلى استيعاب السياق الذي أفرزها، لا إلى تجزئة أسبابها وتبعيضها بما يغيّب رؤية "الغابة للأشجار." واستنادًا إلى هذه الخلفية، تجادل الدراسة بأنّ الحرب الراهنة اندلعت، وتتفاعل وقائعها، في سياق عملية بناء أمّة للسودانيين، وبناء دولتهم، امتدادًا لمسار تاريخي ينهض على خمسة قرون من تاريخ البلاد. وتتناول مفهوَمَي بناء الأمّة وبناء الدولة وتجلياتهما في أفريقيا، وتفّك ك التجربة السودانية بوصفها مخاض ا طويلًا ممدّدًا لم يُفِضِ بعد إلى ميلاد أمّة ودولة راسخَت ين. وترى أنّ غياب هذه المهمة عن وعي النخب بعد الاستقلال سرّع اندلاع الحرب، التي تبقى، في ظل تكلفتها الباهظة، في حاجة إلى توافق وطني عريض القاعدة لإنهائها. كلمات مفتاحية: السودان، حرب 15 نيسان/ أبريل 2023، بناء الأمّة، بناء الدولة.

مقدمة

في مسيرة بناء الأمّة وبناء الدولة في السودان، وعلى خلفية انقسامات الفضاء السياسي والاجتماعي السوداني، الممتدّة في التاريخ، والمتصاعدة حدّتها حتى يومنا هذا، اندلعت الحرب الجارية في السودان، في 15 نيسان/ أبريل 2023، بين القوّات المسلّحة السودانية وقوّات الدعم السريع (تأسست في عام 2013 وُحُلّت في 6 أيلول/ سبتمبر 2023.) ليست الانقسامات، بطبيعة الحال، سببًا جذريًا حصريًا لاندلاع الحرب؛ فثمّة أسباب أخرى تضافرت معها، ولا تزال تتضافر، غير أنّها تبقى، في ذاتها، رافعةً رئيسةً لانفجار هذا النزاع. وليس من الاكتشاف في شيء أنّ الحرب، أيّ حرب، تتعدّد الأسباب والوقائع التي تفضي إلى اندلاعها، ومن ثمّ إلى اشتداد أوارها، ثم إلى خمودها ونهايتها. بيد أن غاية هذه الدراسة هي البحث عن السياق الأوسع، الممتدّ على مدى تاريخي كاٍفٍ، تخلّقت في أكنافه هذه الحرب السودانية الجارية؛ إذ إن الاعتصام بحيّز تاريخي أو وقائعي ظرٍفّيٍ طارئ قد لا يمكّن الباحث من فهم واقعة كبرى مثل هذه الحرب، ولا من تفسيرها تفسيرًا يتناسب مع حجمها وتعقيداتها. لم يكن اندلاع هذه الحرب أمرًا مستبَعَدًا، بحسب تقديرات قطاعات من الرأي العمومي السوداني والخارجي. فقد كانت "بروفات" الحرب تُجَرَى خلف المسرح، بينما تعلو أصوات الممثلين في صخب، والمشاهدون، قليلو الحيلة، كانوا يحبسون أنفاسهم في انتظار رفع ستارة العرض. وقد كانت وقائع الأيام الأخيرة، في الطريق إلى 15 نيسان/ أبريل، تتصاعد في إثرها مستويات قلق جمهور المتابعين. كتبُتُ على حسابي في فيسبوك، فجر 13 نيسان/ أبريل، داعيًا إلى الحيلولة دون اندلاع الحرب، من خلال البحث عن بدائل تُجنّب البلاد الانزلاق إلى المواجهة، مستدركًا بالقول إنّ الحرب رّب ما أصبحت واقعًا قائمًا ساعة مطالعة القارئ رسالتي. وبعد يومين فقط، حدث ما حدث! تتبنّى الدراسة منظورًا سياقيًا Contextualistic تتتبّع في إطاره وقائع بناء أمّة السودانيين وبناء دولتهم وعملياتهما، والتي تحاجّ الدراسة بأن الحرب الجارية في السودان إنما اندلعت في سياق تخلّقهما. فهذه الحرب لم تنشأ باعتبارها واقعة ظرفية بنت لحظتها، بل نشأت، من حيث الأسباب الرئيسة، في سياق تاريخي وجغرافي وفكري ووقائعي متمدّد. تُعرّف الدراسة مفاهيمها الرئيسة، مثل: السياقية، وبناء الأمة، وبناء الدولة. وتستعرض طرفًا من تاريخ التشُّكُل والنشأة للأمم والدول التي عايشت الحروب باعتبارها ملمحًا مميزًا لتجاربها في مسار بناء الأمّة وبناء الدولة، وتبحث في ما تعتبره أسبابًا جذرية كانت وراء اندلاع الحرب التي بدأت، عند كتابة هذه الدراسة، منذ أكثر من عام، في ولاية الخرطوم وسط السودان، والتي تحتضن العاصمة المثلثة: الخرطوم، الخرطوم بحري، وأم درمان. وتتبنّى زعمًارئيسًا تؤسس عليه قراءتها للحرب، يتمثّل في أنها اندلعت، وإن جاءت مدفوعة بأسباب ومثيرات متعددة، في سياق عملية طويلة الأمد من تخُّلُق وميلاد وبناء متعّث رلمشروع أمّة سودانية، ودولة تمثّلها. خالفت هذه الحرب، التي ربما كانت الأشد عنفًا والأعلى تكلفة في تاريخ السودان خلال خمسة قرون، كل سابقاتها؛ إذ اندلعت في قلب العاصمة الخرطوم، حيث تقع هياكل الدولة المركزية، ومركز البلاد الجغرافي، والاجتماعي والسياسي والاقتصادي. ففي حين كانت العاصمة في الحروب السابقة تُعدّ المحطة الأخيرة المستهدفة، وقع الانفجار هذه المرّة في مركز الجهاز العصبي للدولة والأمة. وتنظر الدراسة، انطلاقًا من ذلك، في مشهد مشروع الأمّة والدولة في السودان، على امتداد خمسة قرون؛ كيف تفاعلت العناصر المشِّكّلة لهذا المشهد ما بين الاستمرار والانقطاع، وما بين التجزؤ والتمدد الجغرافي الديموغرافي، وما بين نموّ معدلات التدامج القومي من جهة، وتراجعها في اتجاه الانكفاء الاجتماعي والإقليمي والجهوي والإثني والقبلي والعشائري من جهة أخرى، وما بين اكتمال معمار الأمّة والدولة ونقصانه. تولي الدراسة، في هذا الحيّز، تركيزًا خاًّصًا على الاستقلال الأول على أيدي أنصار الثورة المهدية 1885()، وهي حقبة استمرت خلال الفترة 1898–1885. ثم تنتقل إلى سودان ما بعد الاستقلال الثاني 1956()، حيث ترى أنّ هذه الحقبة، التي لا تزال مستمرة حتى الآن، قد اتّسمت باحتفاء أوفر بالشعارات على حساب المشروعات، وبقصوٍرٍ لا تخطئه العين فيما يتعلّق بإنشاء هوية وطنية للسودانيين، والتعرّف إلى ماهيّة مصلحتهم الوطنية العمومية، واعتمادهما أساسًا للعقد الاجتماعي السياسي الوطني. وتشير إلى أن هذه المرحلة اتّسمت بنزوٍعٍ نحو ثقافة سياسية أفضت إلى تخندق قوى الفضاء العمومي الوطني، وانكفاء على الذوات الكيانية الضيّقة، ما أدّى إلى تجذّر الاستقطاب السياسي، وتراجع مقدرة هذه القوى على التحاور، وتأسيس توافق عريض القاعدة Consensus Sufficient، ليعود الفضاء ذاته، في دورات متكررة، إلى العنف المتبادل، والاحتجاجات المسلحة في الأطراف الجغرافية، والانتفاضات السياسية، بل انشطار الوطن الواحد إلى دولتين  1، ليستا في سلام ذاتي، ولا في سلام بينهما، وصولًاإلى حرب الأمر الواقع، المتفاقمة حتى هذه اللحظة.

  1. 1  أفضى استفتاء تقرير مصير جنوب السودان في كانون الثاني/ يناير 2011، إلى تصويت مواطني السودان من أصول من جنوبه، بأغلبية كبيرة، لمصلحة انفصال ولايات الجنوب لتصبح دولة مستقلة. وقد نص على إجراء هذا الاستفتاء الاتفاق الشامل للسلام لعام 2005 الذي أنهى حرب الجيش الشعبي/ الحركة الشعبية لتحرير السودان ضد الدولة المركزية التي اندلعت في عام.1983

وتجادل الدراسة بأنّ مفهومات من قبيل: الهويّة الوطنية، والمصلحة العمومية، والعقد الاجتماعي السياسي الوطني، والفضاء العمومي الوطني، والتوافق الوطني العريض القاعدة، ليست مفاهيم تحظى، بالضرورة، بإجماع حول دلالاتها أول وهلة؛ بل هي مفاهيم تحدّد دلالاتها نظريًا وتطبيقيًا وفقًا لزاوية النظر التي يتبنّاها الباحث. وتوظف الدراسة هذه المفاهيم بما يخدم مقاربتها وأطروحاتها وتبلغ محطّتها الأخيرة بفحص الحرب الجارية في السودان، من خلال ما تعتبره حصادًا لأداء جيل في الفضاء العمومي 2023–1989()، أسهم في تأجيج الانقسام السياسي والاجتماعي بين السودانيين أنفسهم، وبينهم وبين الآخر السياسي في المحيَطيَن الإقليمي وما وراء الإقليمي، كما أسهم في تعاظم الاحتقان والعنف والاحتجاج المسلح، إلى أن انتهى الأمر باندلاع الحرب. تقيّم الدراسة تجربة حكم الإسلاميين 2019–1989()، وتقسّمها ثلاث مراحل: مرحلة الإسلاميين، ومرحلة "الإنقاذيين"، ومرحلة "البشير." وتتناول هذه التجربة بوصفها مسؤولة، ضمن أعباء أخرى، عن دفع تكلفة متلازمة فقدان المشروعية أو المشروعية المنقوصة. وترى أن هذه المتلازمة Illegitimacy/ Insufficient Legitimacy قادت إلى إحداث نقلة في النموذجShift Paradigm، تمخّض عنها تحوّر ملحوظ في وظيفة الحكم (الدولة) من كونها مكرّسة لخدمة المواطنين، إلى انشغالها، على نحو رئيس، بخدمة القائمين عليها، من خلال التشبث بالسلطة Power، والاعتصام بكل ما من شأنه استدامتها  2. وتتابع الدراسة تطوّر هذا النموذج في جوانب منه، خلال حقبة ما بعد تغيير 11 نيسان/ أبريل 2019، مرورًا بانقلاب 25 تشرين الأول/ أكتوبر 2021، وانتهاءً باندلاع حرب 15 نيسان/ أبريل 2023. وتنظر، في خاتمتها، في ما ترى أنّه قد يمكّن السودانيين من وضع نهاية لهذه الحرب، وتحويلها من نقمة إلى نعمة، ومن أزمة إلى فرصة لا ينبغي التفريط فيها، خصوصًا فيما يتعلّق بتحسين قدرتهم الذاتية على الإسهام في بناء أمّتهم، وبناء دولة مقتدرة تعتني بشؤون هذه الأمة. تعتمد الدراسة، في بحثها عن الأسباب الرئيسة (الجذرية) التي أنشأت الحرب الجارية، منهجيةً تقوم على التتبع التاريخي، وذلك في حدود ما يسمح به حيزها، لمسيرة بناء أمّةٍ للسودانيين، وبناء دولةٍ لها، في فضاء زمانيّ يمتد خمسمئة عام ونيف. وتتناول هذه المسيرة بما يشمل تخلّق الأمة/ الدولة وميلادهما، ونموّهما، بل ضعفهما وتفككهما، سعيًا للتعرف إلى موقع الحرب ودورها ضمن هذه العمليات. وتسمّي هذه المنهجية ب "المنهجية السياقية" Contextualism، في اجتهاد يروم تكييفها بما يتلاءم مع طبيعة الموضوع الذي تتناوله، أي الحرب الجارية في السودان. وتنطلق هذه المنهجية من الفرضية القائلة إن الوقائع التي تشكّل تأريخ أيّ جماعة إنسانية لا ينبغي تفسيرها بمعزل عن السياق الذي نشأت فيه، سواء كان ذلك سياقًا تاريخيًا، أو جغرافيًا، أو ثقافيًا/ فكريًا، أو سياسيًا (سواء على مستوى المفهوم التصوري أو الحقلي أو الوقائعي.) فالوقائع والأفكار التي تصنعها، إنما تنشأ في سياقاتها 3. وهذه هي المنهجية التي تتبنّاها الدراسة، والتي تهدف إلى "رؤية الغابة" بدلًامن الاكتفاء برؤية الأشجار المتفرقة المعزولة، أو الشجيرات المبعثرة التي لا تتيح نظرةً مكتملة إلى الصورة الكلّية. و"السياقية" المتبنّاة هنا ليست اجتهادًا جديدًا خاصًا بهذه الدراسة، بل هي منظور معروف في دوائر الفلسفة، وعلم المعرفة Epistemology، وعدد من الحقول النظرية والتطبيقية. وعلى الرغم من انشغال السياقيين، في الغالب، بموضوعات المعرفة والمعنى داخل اللغة 4، فإن الدراسة تستخدم هذه المنهجية لتفسير الوقائع الجارية، بما يُعين على استكشاف السياق الذي أنشأ الحرب السودانية التي اندلعت منذ عام ونيف. ومن خلال هذه المقاربة، يزعم الباحث أن الحرب المعنية لم تكن وليدة لحظتها، كما لم تكن واقعةً معزولة عن سياق أوسع، بل كانت نتيجة لمهاٍدٍ طويٍلٍ شكّل بيئةً حاضنة لها وجاذبة إليها. ولهذا، تبحث الدراسة في الحرب ضمن هذا السياق المشار إليه. أما مفهوما بناء الأمّة Nation-Building وبناء الدولة State-Building، فتعتمدهما الدراسة مفهومين مركزيين في فهم السياق الذي اندلعت فيه الحرب، التي هي موضوعها الرئيس، والتي تدور بين السودانيين أنفسهم، في مبتدئها وغالب سياقاتها. فالسودانيون هم شعب السودان وأمّته التي لا تزال تتخلّق، في وطٍنٍ كان قدره أن يُعَرَف بهذا الاسم. أما الدولة، فهي الهيكل السياسي والسيادي والتنظيمي، الذي يُعنى بإدارة شؤون السودانيين (المواطنون/ الشعب/ الأمة)، العمومية والخصوصية، ذات الصلة بالدولة، بالوكالة عنهم. يُعتبر مفهوَمَا بناء الأمّة وبناء الدولة من المفاهيم القديمة، نسبيًا، في دوائر المعرفة الاجتماعية والسياسية. فقد عرفتهما المجتمعات الأوروبية في حقبة الحداثة وما بعدها، ثم شغلت بهما مجتمعات ما بعد الاستعمار، لا سيما في أفريقيا. وتذهب مدارس معرفية مختلفة

  1. 4  Robin McKenna, "Contextualism in Epistemology," Analysis , vol. 75, no. 3 (2015), pp. 489-490; Geoffrey Pynn, "Contextualism in Epistemology," in: T. Crane & J. Forster (eds.), The Oxford Handbook of Topics in Philosophy (Oxford: Oxford University Press, 2016).
  2. Edward Said, Orientalism (New York: Pantheon Books, 1968), p. 13.
  3. 2  Mohamed Mahjoub Haroon, "Sudanese Islamists, The Military and Power: Where, When and How Things Went Wrong?" in: S. Al-Arian (ed.), The Quest for Democracy: Examining Civil Military Relations in Muslim Societies (Istanbul: The Center for Islam and Global Affairs (CIGA), 2021), pp. 183 - 187.

إلى إجمال تعريف مفهوم بناء الأمّة بأنّه عملية إنشاء هويّة وطنية لجماعة مواطنين يجمع بينهم شعور بانتماء وطني مشترك على خلفية قواسم مشتركة من تاريخ وثقافة ولغة  5. ومع ذلك، يرى الباحث أنّ بناء الأمّة يلزمه توافر إدراك مشترك داخل الجماعة الوطنية بماهية مصلحتها العموميّة مع التزامها بالتمسك بها والسعي لتحقيقها. وبحكم أن الدولة كيان سياسي ذو سيادة على أرض/ وطن، وتحكم شعبًا/ مواطنين، فإن عملية بناء الأمة تتفاعل مع عملية بناء الدولة. ويتواتر تعريف بناء الدولة بأنه بناء مقدرات الدولة بما يمكّنها من أداء وظائفها المتعددة بدءًا من احتكار العنف وأدوات ممارسته في إطار الدستور/ القانون، لتوفير الأمن في نطاق سيادتها، والنيابة عن مواطنيها بوصفها الممثل الاعتباري لهم، وتوفير رفاههم. وتستوفي عملية بناء الدولة تمامها بتملّكها المقدرات الكفيلة بأدائها وظائفها الإدارية والمالية وصون حقوق المواطنين وإدارة الأصول العمومية وتوفير البنى التحتية وإدارة العلاقات الخارجية  6.

أولًا: بناء الأمّة وبناء الدولة: ركائز البناء وأسباب النجاح والفشل

تتّسع قاعدة المعرفة حول موضوَعَي الأمّة والدولة ضمن نظم معرفية متعددة، تشمل، على سبيل المثال لا الحصر، علوم السياسة، والاقتصاد السياسي، والاجتماع السياسي، وعلم السياسات العامة، والإدارة العامة، والعلاقات الدولية، والقانون، وعلم النفس السياسي، والدراسات الثقافية، وغيرها. وتتداخل هذه النظم في بعض الدراسات فيما يُعرف بالبحث المتداخل والمتعدد التخصصات. وفي سبيل تمتين القاعدة المعرفية لموضوَعَي الأمّة والدولة، تعزّز الدراسات الحقلية والتطبيقية، التي تنشغل بدراسة الوقائع الجارية والتجارب الماثلة، الجهود النظرية والمفهومية ذات النزوع التجريدي، بما يُكسبها نضجًا وموثوقية. وربما تحقق هذا التعاضد بين التصوري والحقلي نتيجةً لما وصفه بعض دارسي المنهجية بتراجع مدرسة "منظّري الكراسي الوثيرة" Theorizing Armchair، الباحثين بانتقائية عّم ايؤيّد حجاجهم لفائدة التحليل المنضبط للحالات بما فيه من إيجابيات وسلبيات  7. ومع ازدياد توسّع قاعدة المعرفة حول الأمّة والدولة وتنوّع نظمها ومدارسها وأطروحاتها، يظل الباب مفتوحًا أمام إعادة التفكير والنقد وإنتاج خلاصات جديدة فيهما، بما يشمل تعريفهما، ووصف عمليات بنائهما، ورصد صعودهما وأفولهما، والعوامل الفاعلة في بنائهما أو تقويضهما. ومع ذلك، لا يزال هذان الموضوعان يحتفظان بأهمية معتبرة، سواء من حيث تصدّرهما أجندة البحث والدراسة في الحقول الاجتماعية، أو من حيث حضورهما البارز في الجدل الدائر داخل الفضاءات العمومية، لا سيما في بلدان العالم الأقل نموًا اقتصاديًا واجتماعيًا، والأقل استقرارًا سياسيًا وأمنيًا. أما بناء الأمّة وبناء الدولة، فهما عمليتان معقّدتان لا تكتملان بين عشية وضحاها، وليستا نتاج قرار يُنفّذ في لحظته، فينتهي اليوم وقد اكتمل الصرح، بل تُبنيان من عناصر تشكيل متعددة، تمرّ بدورات من التخلق، عبر أجياٍلٍ لا سنوات 8. وكما هو الحال في سائر عمليات البناء، فإنّ بناء الأمّة وبناء الدولة يقومان على ركائز لا يكتمل البناء إلا بها. وفيما يتعلّق بهذه الركائز، والعائد من تحقيقها، والعناصر التي قد لا تكون شرطًا مسبقًا لكنها تؤثّر في البناء، تلخّص الدراسة، في ما يلي، ما ذهب إليه أندرياس ويمير ومجموعة من الباحثين، وهي رؤية يعتبرها الباحث متّسمة بالعمق والموضوعية. يرى ويمير  9 أنّ الإندماج السياسي والهوية الوطنية هما ركيزتان أساسيتان لبناء الأمّة. ويذهب إلى أن ذلك يتحقق من خلال توثيق الترابط السياسي بين المواطنين من خلفيات إثنية مختلفة، ومن خلال تدامج الإثنيات الكبرى والأقليات مع الدولة، تحت مظلة نظام حكم جامع. ويعرّف ويمير وزميلاه 10 الإثنية بأنّها شعور بالتلاقي/ التوافق عبر قواسم مشتركة على قاعدةٍ من أصل وثقافة مشتركين، ويقترحون مؤشرات لقياس هذه القواسم، تشمل: وحدة اللغة، والملامح البدنية المشتركة، ووحدة المعتقد، بما يؤدي إلى تشكّل الجماعة الوطنية (الأمة) في إطار الدولة. ويتبنّى ويمير  11 منظورًا يدمج بين ما سماه العلائقية والتبادلية أساسًا لنشوء التحالفات بين الفرد (المواطن) والمؤسّسة (الحكومة.) وُتُبنى هذه التحالفات عبر آليات التشبيك، ونظام للتبادل (منافع/ اقتصاد)

  1. Harris Mylonas, The Politics of Nation-Building: Making Co-Nationals, Refugees, and Minorities (Cambridge: Cambridge University Press, 2013).
  2. Sarah Lister, "Understanding State-Building and Local Government in Afghanistan," Working Paper , no. 14, Crisis States Research Centre, LSE
  3. Andreas Wimmer, Nation Building: Why Some Countries Come Together While Others Fall Apart (Princeton, NJ: Princeton University Press, 2018),
  4. Ibid., p. 2.
  5. Ibid., p. 1. 10  Andreas Wimmer, Lars-Erik Cederman & Brian Min, "Ethnic Politics and Armed Conflict: A Configurational Analysis of a New Global Data Set," American Sociological Review , vol. 74, no. 2 (2009), p. 325. 11  Wimmer, p. 7.
  6. (2007), p. 2.
  7. p. 3.

بين المركز السياسي، المتمثل في الحكومة، والمواطن/ الجماعة الوطنية، باستخدام أدوات التواصل (مثل اللغة المشتركة.) ويسمّي الباحث نهاية هذا المسار العلائقي والتبادلي ب "التوافق العريض القاعدة"، الذي يرسم حدود "الملعب الوطني" ويتوافق في الوقت ذاته على قواعد "اللعب." ويتجاوز هذا المفهوم حدود ما هو سياسي كما يدل مفهوم الإجماع في خطاب السودانيين العمومي (ربما يجتمع معهم في ذلك آخرون)، إلى مصفوفة أوسع تشمل ما هو سياسي، ودستوري، وثقافي، وحضاري، وغيرها. ويضيف ويمير  12 ركيزة مهمّة أخرى في بناء الأمّة وبناء الدولة هي القيادة، التي تعمل على تحقيق التكامل السياسي حتى في حال لم تكن الأوضاع السائدة مواتية. ويشير إلى أن بيانات جرى تحليلها أظهرت أن بعض الدول حقّقت نجاحات لافتة في بناء الأمة، بسبب قيادات تبنّت بنجاح مشروعات بنّاءة لبناء الأمّة. ومن ناحية أخرى، يرى ويمير  13 أنّ النجاح في بناء الأمّة والدولة ضروري لتحقيق الاستقرار السياسي والتنمية الاقتصادية ومكافحة الفقر، وتفادي الانزلاق إلى نزاعات مسلّحة، وتعزيز قاعدة السلام واستدامته. ويحاجّ ويمير  14 معترضًا على دعوى أنّ بناء الأمّة لا يتحقق، بالضرورة، إلا في ظل نظام ديمقراطي، مستدلًابنماذج نجحت في تحقيق ذلك تحت أنظمة غير ديمقراطية. ويشكك في جدوى المحاولات التي جرت لبناء الأمّة والدولة عبر تدخل خارجي، ويرى أنها لم تحقق نتائج تُذكر. ويعتبر أن السياسات القائمة على الإدماج القسري للأقليات لا تُنتج إندماجًا سياسيًا، كما أن السياسات التي لا تضمن العدالة، أو تلك التي تعتمد الإقصاء السياسي واحتكار القرار، تجهض عملية الإندماج السياسي والهوية الوطنية اللذين يُعتبران ركيزتين لبناء الأمّة وبناء الدولة. ويذهب إلى أنّ مكوّنات الهوية الرمزية للأمّة والدولة مثل الجيش الوطني والَعَلم والنشيد الوطني والعملة والجواز لا تُنتج، بالضرورة، أمّةً من مواطنين يحملون هوية وطنية مشتركة، ويقرّون بسلطة الدولة 15. يعزو دارون عاصم أوغلو وجيمس روبنسون، في دراستهما التجريبية حول نجاح الأمم وفشلها، نجاح الأمّة 16، بدرجة أكبر، إلى النمو الاقتصادي في بيئة مؤسسية تُصان فيها حقوق الأفراد في التملّك، وتكون فيها الهياكل السياسية ذات قاعدة عريضة وقائمة على الاستيعاب. في حين يرى فرانسيس فوكوياما أنّ الاستقرار السياسي ياتطلب دولة قوية سياسيًا وإداريًا، تمتلك جهازًا بيروقراطيًا فعّ ل  17، وتحتكر استخدام العنف في كامل نطاق سيادتها، وُتُشيع الحريات والديمقراطية وحكم القانون.

ثانيًا: الحرب وبناء الأمّة وبناء الدولة

ارتبطت عمليات بناء الأمّة وبناء الدولة، في حالات معاصرة عديدة، بالحرب؛ حتى إن أثرًا قديمًا يقول إن "الدولة بْنُْتُ الحرب." فمن رحم الحرب الفرنسية - البروسية 1871-1870() وُلدت دولة ألمانيا، التي كانت قبل هذا التاريخ مقسّمة بين الولايات الشمالية التي كانت تتبع لدولة بروسيا والولايات الجنوبية التي تمثلت في بافاريا وورتمبيرغ وبادين وولايات صغيرة أخرى لم تكن تابعة آنذاك لبروسيا  18. وكانت الأمّة المعروفة بألمانيا (الشعب الألماني) مقسّمة بين دولَتَي بروسيا والنمسا. ورأت بروسيا، بقيادة بسمارك، أن تحقيق أمنها في مواجهة فرنسا، التي كانت تُعدّ الدولة الأوروبية الأوسع نفوذًا حينئذ، يتطلّب توسيع حدودها لضم الولايات الجنوبية. وانتهت الحرب بين بروسيا وفرنسا، وما تبعها من سياسات تبنّاها بسمارك، إلى ميلاد الدولة الألمانية الحديثة، وبزوغ فجر الأمّة الألمانية الموحّدة. ووفقًا لتجارب عديدة، يبدو أن الشعوب والدول لا تخوض حروبها لتعزيز الهوية الاجتماعية/ الوطنية، أو من أجل الأمن فحسب، كما يزعم جون ميرشايمر في تحليله الحرب الفرنسية - البروسية 19؛ إذ إنه يرى أن توفير الأمن لا يُعدّ بالضرورة السبب الرئيس لاتخاذ الدولة قرار الحرب، بل قد تتفوق عليه الاعتبارات الأيديولوجية والاقتصادية في بعض الحالات. وفي حين أن العدوان الخارجي يُعدّ عاملًا في الحروب المتصلة بعمليات بناء الأمّة والدولة، إلا أنه يعتبر "استجابة لاحقة" لأزمة تنشأ أساسًا من أسباب داخلية 20. ويرى الباحث أن العوامل الداخلية، رغم أهمية العوامل الخارجية، الحاسمة أحيانًا، تبقى هي الأشد تأثيرًا في صناعة وقائع الفضاء

  1. Ibid., p. 19.
  2. Ibid., p. 4.
  3. Ibid., p. 2.
  4. Ibid.
  5. Daron Acemoglu & James Robinson, Why Nations Fail: The Origins of Power, Prosperity and Poverty (New York: Crown Business, 2012).
  6. Francis Fukuyama, Political Order and Political Decay: From the Industrial Revolution to the Globalization of Democracy (New York: Farrar, Straus and Giroux, 2014).
  7. Jonathan Steinberg, Bismarck: A Life (Oxford: Oxford University Press,
  8. John Mearsheimer, "Structural Realism," in: Tim Dunne, Milja Kurki & Steve Smith (eds.), International Relations Theories: Discipline and Dive rsity (Oxford: Oxford University Press, 2006), p. 84.
  9. Edward Mansfield & Jack Snyder, "Prone to Violence: The Paradox of the Democratic Peace,"  The National Interest , no. 82 (2005).

العمومي الوطني. وهذا لا يعني أن الرأي العام، المتشكل حاليًا حول الحرب الجارية في السودان، لا ينسب أهمية إلى العوامل الخارجية؛ إذ تعتبرها قطاعات واسعة أسبابًا رئيسة للحرب. ومع تعدّد آليات بناء الأمّة  21، فإن التدامج الوطني قد يتحقّق أيضًا من خلال عمليات تطهير عرقي، تقودها جماعات مدعومة خارجيًا، أو من خلال استيعاب مجموعات عرقية في البناء الوطني، من دون أن تحظى بدعم مماثل من جماعات مشابهة لها عبر الحدود  22. وفي أفريقيا، شكّل موضوَعَا بناء الأمّة وبناء الدولة أولوية كبرى ضمن مشاغل الفضاءات العمومية في مرحلة ما بعد الاستعمار، في عقَدَي الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين. لكن دراسات متعددة توصّلت إلى نتائج متضاربة بشأن أثر تلك السياسات، بين من يراها معززة للتدامج الوطني، ومن يراها مسببًا للنزاعات 23. فمثلًا، وفقًا لباحثين، يُنظر إلى بعض سياسات تعزيز التدامج الوطني أنها قادت إلى اندلاع نزاعات مسلحة، كما حدث في نيجيريا 24، وساحل العاج  25 لاتّسامهما بالتحيز الجهوي/ الإثني. وفي جمهورية الكونغو الديمقراطية والسودان  26، قادت سياسات تأميم الأراضي، في سبعينيات القرن العشرين، إلى نزاعات في شرق الكونغو، ولاحقًا في دارفور، وإن كان للأخيرة أسباب أخرى. ويتخذ البعض هذه السياسات دليلًاعلى أن بناء الأمّة لا يقود بالضرورة إلى الاستقرار السياسي، بل قد يفضي أحيانًا إلى زعزعته 27. غير أنّ هذه الحالات السابقة، التي انتهت فيها سياسات تعزيز التدامج الوطني إلى اندلاع نزاعات مسلحة، تقابلها حالة تنزانيا التي يُنظر إليها بوصفها حالة ناجحة  28. وفي تفسير هذا التباين، يذهب إليوت غرين وسانغاميترا بانديوبادياي إلى أن سياسات بناء الأمم ليست مسؤولة عن تحقيق النجاح أو الفشل في تعزيز التدامج الوطني، إذ إنّ ثمة أسبابًا هيكلية عميقة مثل السياسات الاقتصادية المتوازنة، وانعدام الفروق بين الأقاليم، الأمر الذي مكّن تنزانيا من الحفاظ على الاستقرار السياسي  29. وبناء على ذلك، فإنّ إخفاق بعض السياسات في تحقيق التدامج الوطني لا يُعزى بالضرورة إلى بناء الأمة، بل إلى طبيعة السياسات ذاتها وكيفية تطبيقها. فالحالات التي تفجّرت فيها نزاعات مسلحة، كما في نيجيريا وساحل العاج والكونغو والسودان، جاءت نتيجة التحيّز الإثني وغياب العدالة. بينما تشير الحالة التنزانية إلى أنّ السياسات التي تحقّق التوازن والعدالة كفيلة بتعزيز التدامج الوطني، وتوفير الاستقرار السياسي، ومنع الانزلاق إلى الحروب. ومع كل ما حققته الدول الأفريقية من خطوات في طريق بناء أممها دولها، خلال مرحلة ما بعد الاستعمار الأوروبي، فإن تلك المساعي لم تبلغ غاياتها بعد. ويتجّل ىذلك في استمرار حالات عدم الاستقرار السياسي، من قبيل الانقلابات العسكرية، كما في بلدان الساحل وغرب أفريقيا: بوركينا فاسو، ومالي، والنيجر، والغابون، إلى جانب الحروب المستمرة في القرن الأفريقي: الصومال، وإثيوبيا، وجنوب السودان، والسودان، وكذلك الوضع الأمني المضطرب في الكونغو الديمقراطية، وحالة عدم الاستقرار السياسي في شمال أفريقيا (ليبيا، وتونس)، وغيرها. ويجعل كل ذلك قضيَتَي بناء الأمّة وبناء الدولة تحدَييَن كبيَرَين لا يزالان في صدارة الاهتمامات الملحة في القارة.

ثالثًا: السودان وبناء الأمّة وبناء الدولة: طريق طويل وشاق

للسودان، شأنه شأن غيره من البلدان، ماٍضٍ طويل وتاريخ متمدّد في سعيه لبناء أمّة له وبناء دولة لأمّته. صحيح أن خطوط كُنتور كيان السودان الجغرافي لم تتخذ حدودًا نهائية مستقرّة على مدى تاريخه الممتد طويلًا، حيث تشكّلت تحت اسمه، وفي رقعة جغرافية متفاوتة الامتداد، ممالك وسلطنات وُدُول، من كرمة ونبتة ومروي وعلوة والُمُقرّة وسوبا في التاريخ القديم، إلى سلطنات تقلي وسنّار والداجو والُتُنُجُر والفور والمسبعات والمساليت والزاندي، ثم الحكم التركي - المصري، فالدولة المهدية، فالإدارة الاستعمارية البريطانية، وصولًاإلى سودان ما بعد الاستقلال الثاني 1956(.) ويمتد هذا التاريخ أكثر من أربعة آلاف عام، وتشير بعض الروايات التاريخية إلى أنّ السودان كان يشكّل حوضًا

  1. Nicholas Sambanis, Stergios Skaperdas & William Wohlforth, "Nation- Building Through War," American Political Science Review , vol. 109, no. 2 (2015), p. 293.
  2. Mylonas, p. 197.
  3. Elliott Green & Sanghamitra Bandyopadhyay, "Nation Building and Conflict in Modern Africa," The Sunroy Centre, Economic Organisation and Public Policy Discussion Paper Series , no. 26 (2008).
  4. Jonathon Moore, "The Political History of Nigeria's New Capital," The Journal of Modern African Studies , vol. 22, no. 1 (1984).
  5. Deborah Potts, "Capital Relocation in Africa: The Case of Lilongwe in Malawi," Geographical Journal , vol. 151, no. 2 (1985).
  6. Elliott Green, "The Political Demography of Conflict in Modern Africa," Civil Wars , vol. 14, no. 4 (2012).
  7. Matthew Lange & Andrew Dawson, "Education and Ethnic Violence: A Cross-National Time-Series Analysis," Nationalism and Ethnic Politics , vol. 16, no. 2 (April 2010).
  8. Edward Miguel, "Tribe or Nation? Nation Building and Public Goods
  9. in Kenya Versus Tanzania," World Politics , vol. 56, no. 3 (2004). 29  Green & Bandyopadhyay, p. 9.

واسعًا يمتد من المحيط الأطلسي غربًا إلى البحر الأحمر شرقًا، تحت مسمى بلاد السودان  30. وبهذه السعة الجغرافية والزمنية، تحصر هذه الدراسة تركيزها، باختصار، في الخمسة قرون الأخيرة من حراك بناء الأمّة الدولة في السودان، بدءًا من سلطنة سنّار.)1821–1504(هذا التاريخ الطويل هو الرحم الذي ظلّ يتخلّق بداخله جنين الأمّة السودانية ودولتها. ومن المهم الإشارة إلى أنّ بناء الأمّة السودانية ظلّ يتخلّق من جماعات تكوّنت على قواعد إثنية وأيديولوجية، وسعى، في أغلب مراحله، إلى تعزيز الروابط الديموغرافية والأيديولوجية بين مكوّنات السودان المعاصر. فسنّار (السلطنة الزرقاء) مثّلت تحالفًا سودانيًا بين جماعتين إثنيتين كبيرتين في السودان النيلي، جمعت بينهما رابطة الإسلام، وهما الفونج والعبدلاب. أما سلطنة الفور فكان توسّعها إلى الداخل السوداني عبر كردفان إلى السودان النيلي. في حين كان مشروع الدولة المهدية مشروعًا سودانيًا في نطاق جغرافي ديموغرافي أوسع شمل حتّى دينكا جنوب السودان، وكان الإسلام رافعته الأيديولوجية. ومفهوٌمٌ بالطبع أن تُستبعد في هذا السياق تجربتا الحكم الأجنبي، ممثلَتيَن في الحكم التركي/ العثماني، والاستعمار البريطاني؛ كونهما حقبتين خارجيتين لم تكونا تعملان، على نحو رئيس، على خدمة أجندة السودانيين في بناء أمّتهم ودولتهم وتعزيز هويتهم الوطنية وتحقيق مصلحتهم العمومية، بل سعتا لخدمة أجندتهما الذاتية. ومن جهتها لم تكن تجارب السودانيين في هذا المسار مخاضًا سلسًا؛ إذ شهدت نزاعات مسلحة داخلية، تركت شروخًا كبيرة في جسد الأمة، بفعل سياسات أفضت إلى تأجيج تلك النزاعات، على نحٍوٍ يتطلّب تفصيلًالا يتسع له حيز الدراسة. وبالنظر إلى تلك التجارب باعتبارها محاولات لبناء أمّة دولة للسودانيين، يمكن تسجيل عدد من الملاحظات على هذه الحقبة الممتدة من فجر السلطنة الزرقاء 1504() حتى إعلان الاستقلال الثاني:)1956(نشأت هذه السلطنات على قواعد إثنية وأيديولوجية تمثل جماعات من أقاليم داخل السودان، مثل السلطنة الزرقاء وسلطنة الفور وتقلي والمسبعات والداجو والتنجُر، وانتهاءً بالثورة المهدية ودولتها. وليس المقصود في هذا السياق أنّ كيان "الوطن" كان مكوّنًا إثنيًا خالصًا، بل إن هذه المشروعات نشأت باسم إثنية أو أكثر في معظم الأحوال، أو تحت سيطرتها. كان هناك اتّجاه ملحوظ في هذه السلطنات في سعيها لبناء قواعد أمّة ودولة بالانفتاح داخل جغرافيا السودان، لا سيما السلطنة الزرقاء وسلطنة الفور والدولة المهدية. أمّا الأخيرة، التي انطلقت من أساس أيديولوجي غالب، فلم تتجه إلى المشروعات ما وراء الوطنية، مثل الفتوحات في اتجاه مصر وإثيوبيا، أو بمنح الخلافة للسنوسي في ليبيا، أو بمخاطبة السلطان العثماني وملكة الإمبراطورية البريطانية للتسليم بالمهدية، إلا بعد أن استتب لها أمر الحكم بدرجة كافية، ووطّدت سيادتها على التراب السوداني. بينما انطلقت الممالك التي سادت قبل الخمسة قرون الأخيرة من قواعد أيديولوجية خاصّة بها، نوبية/ كوشية ومسيحية (كرمة ونبتة ومروي وعلوة والمقرّة وسوبا)، تبنّت السلطنات اللاحقة، ابتداءً من السلطنة الزرقاء حتى الدولة المهدية، الإسلام مرجعية أيديولوجية. وعلى الرغم من تعقيد استخدام المرجعيات الأيديولوجية في بناء الدولة الوطنية، فإنّ الإسلام في تلك الحقب أدّى دورًا لا يمكن إنكاره في التدامج الوطني ضمن حدود سيادة تلك الكيانات. على الرغم من أنّ حقبة المهديّة كانت الأقصر عمرًا بين السلطنات التي سادت خلال الفترة 1504 - 1898، فإنها قامت على منطلق مذهبي ديني صريح (الإسلام المهدوي)، وكان ذلك أساسًا في مشروع بناء الأمّة والدولة. ومع ذلك، فإنّ التباين داخل الجماعة الوطنية خلال هذه الحقبة، على أساس الإقليم الجغرافي/ الديموغرافي، كان أشد وضوحًا في تهديده التدامج الوطني. صحيح أنّ الإقليم ضمّ إلى البنية القبلية فروقًا اقتصادية واجتماعية وثقافية، لكنّ الباحث يرجّح أن الانقسام داخل قاعدة أنصار المهدي كان قائمًا، في جوهره، على أسس إقليمية أكثر من كونه انقسامًا قبليًا بحتًا، وإن لم يكن عامل القبيلة غائبًا تمامًا. شهدت هذه الحقب نزاعات مسلّحة دامية داخل السلطنة ذاتها، ومع غيرها. ومهما تباينت أسباب هذه النزاعات، فإنّها تأتي وفق منظور الدراسة في سياق بناء أمّة وبناء دولة.

رابعًا: سودان ما بعد الاستقلال الثاني (1956:) الشعارات تتفوّق على المشروعات

انشغلت النخبة السودانية بقضية تحرير البلاد من الاستعمار البريطاني بوصفها قضية مركزية. وقد أسست النخبة المتعلّمة من السودانيين تنظيماتها التي خاضت من خلالها معركة الاستقلال

  1. 30  محمّد محجوب هارون، "السلاح والسياسة في دارفور: تداعيات الأزمة على الساحة السياسية"، في: دارفور: حصاد الأزمة بعد عقد من الزمان، عبد الوهاب الأفندي وسيدي أحمد ولد أحمد سالم (محرران) (الدوحة: مركز الجزيرة للدراسات، 2013)، ص.239

سياسيًا، إذ أنشؤوا مؤتمر الخريجين عام 1938 باعتباره منبرًا جامعًا لإدارة نضالهم الوطني، وتشكلت الأحزاب السياسية التي كان لها دور مشهود في التمهيد لنيل الاستقلال، وتأسست منابر صحافية كان لها أثرها في جعل الاستقلال ممكنًا بحلول عام.1956 علن استقلال البلاد من داخل البرلمان، في وعندما أ 19 كانون الأول/ ديسمبر 1955، واعُتُمد 1 كانون الثاني/ يناير 1956 تاريخًا رسميًا له، كانت النخبة التي آل إليها حكم البلاد، ضمن حدود السودان المعلومة آنذاك (حتى عام 2011)، لا تزال متمسكةً بشعارها الأثير: "التحرير قبل التعمير." وقد ورثت هذه النخبة سلطةً سياسية لدولة مثخنة بجراح السياسات الاستعمارية؛ إذ أدار البريطانيون البلاد وفق استراتيجيات كرّست خدمة إمبراطوريتهم، وعملت على إحكام قبضتهم السياسية ونهب الموارد الاقتصادية لمصلحة بلادهم عبر شبكة مصالحها ما وراء البحار. ومن بين تلك السياسات ما عُرف بسياسة "فرّق تُسُد"، التي هدفت إلى ترسيخ عزلة بعض الأقاليم مثل الجنوب وجبال النوبة عن باقي البلاد، وحرصت كذلك على تكريس الانقسام بين القيادات الأهلية والنخب المتعلمة، وسعت للحدّ من تفاعل السودان مع محيطه الإقليمي، مثل مصر 31، كما خضعت سياسة الاستعمار التعليمية لخدمة أهدافه، بتأهيل طبقة من "الأفندية" لتسيير شؤون الإدارة البيروقراطية لفائدة الدولة الاستعمارية. وهكذا، غادر البريطانيون البلاد تاركين وراءهم نخبة غير مؤهّلة لقيادة البلاد وفقًا لرؤية تعنى ببناء الأمّة وبناء الدولة، كما كان مأمولًافي وقت كانت البلاد تدشّن حكمًاذاتيًا لبلد مستقل عن السلطة المستعِمِرة. وعلى الرغم من دور هذه النخبة في مقاومة الاستعمار، فإنّها لم تكن مستعدة على نحو كاٍفٍ لتجاوز شعار "التحرير" إلى جدول أعمال يُعنى بترسيخ التدامج الوطني وتأسيس بنية دولة حديثة قادرة على أداء وظائفها. وقد تبنّت التيارات المختلفة، كالإسلاميين والاشتراكيين، أطروحات أيديولوجية ادّعت تجاوز السياسي إلى ما هو ثقافي واقتصادي واجتماعي وبناء مشروعات مجتمعية شاملة، إلا أنّ ما رجح في الممارسة هو انشغالها بالصراع على السلطة، الذي دفعها، ربما دون استثناء، إلى تدبير انقلابات عسكرية للاستيلاء على السلطة. تكتسب هذه الحقبة أهميتها، في سياق موضوعي بناء الأمّة والدولة، من كونها تمثل بداية الحكم الوطني في السودان، حيث تسلمت النخبة الوطنية، المتعلمة تعليمًاعصريًا والمتمرّسة في إدارة شؤون البلاد خلال الحقبة الاستعمارية، مقاليد الحكم، إلى جانب نظرائها من القيادات الَقَبَلية والإقليمية ذات الحضور الاجتماعي والسياسي. وكان من شأن هذا التكوين أن يوفر لها انفتاحًا على "الآخر" غير السوداني، ونضجًا في مقاربة قضايا المجتمع والدولة الحديثة. غير أن تلك النخبة دشّنت عهدها مفتونة بما سّم اه محمد أبو القاسم حاج حمد "فن السيطرة" 32؛ أي الانشغال بالصراع على كراسي الحكم، على الرغم مما اتسم به كثير من رموزها من مثالية وتجرّد خلال معركة الاستقلال. وبدت قاعدة رأس المال البشري مختلة من حيث توازن تمثيلها للمكونات الديموغرافية للبلاد. وكان هذا واضحًا في برنامج الَّسَودنة الذي تأَّهَل فيه سودانيون لخلافة الإدارة الاستعمارية البريطانية، ورجحت كفّته لمصلحة نخبة وسط السودان النيلي وشماله؛ ما عمّق الانقسام الإثني والجهوي. لم يُدُم الحكم، الذي أ ريَدَ له أن يُدار ديمقراطيًا، طويلًا؛ إذ سرعان ما تعرّضت البلاد لأوّل انقلاب عسكري في تشرين الثاني/ نوفمبر 1958، أفضى إلى تسلّم العسكريين مقاليد الحكم، وشهدت تلك الحقبة اندلاع الحرب الأهلية الأولى في جنوب السودان 1972-1955(.) وكان ذلك تجليًا مبكّرًا، في فجر الاستقلال، للصعوبات التي كان يواجهها مشروع بناء الأمّة وبناء الدولة. وبعد ست سنين من الحكم العسكري، انتفض الشارع السوداني (تشرين الأول/ أكتوبر 1964) ضد حكم الرئيس الفريق إبراهيم عبود، لتعود السلطة إلى الأحزاب 1969-1964()، وهي فترة لم تلبث طويلًاحتى أطاحها انقلاب عسكري جديد أعاد السلطة إلى العسكر.)1985–1969(وعلى الرغم من نجاح حكم الرئيس المشير جعفر نميري في إنهاء حرب الجنوب باتّفاق شهير 1972()، فإنّ عدم تمكّنه من تأسيس نظام لتداول السلطة، يحظى بتوافق وطني كاٍفٍ بين قوى الفضاء السياسي الوطني، ساهم في تعميق الانقسام السياسي والاجتماعي، حتى أفضى إلى انتفاضة جديدة في نيسان/ أبريل 1985. وما إن عاد حكم الأحزاب 1989-1986() حتى عاد القهقرى مرّة ثالثة، لتبدأ حقبة حُكٍمٍ عسكري جديد بتحالف بين العسكريين والمدنيين الإسلاميين.)1989(

خامسًا: المسار السريع إلى الحرب

لم يهدأ للسودانيين باٌلٌ في سبيل بناء أمّة لهم وبناء دولة سودانية تُعنى بشؤونهم. صحيح أنهم لم يعيّنوا هذين المشروعين على وجه التحديد في بداية الأمر، ولم يتوافقوا بالضرورة على خطة عمل واضحة لهما. فلم تكن لهم خبرة كافية في إدارة الفضاء العمومي الوطني

  1. محمّد أبو القاسم حاج حمد،  31 السودان: المأزق التاريخي وآفاق المستقبل  ، 1956 -  96 19،
  2. ط 2 (جزر الهند الغربية البريطانية: مكتب الدراسات والأبحاث الدولية،.)1996 32  المرجع نفسه.

تؤهّلهم لذلك، ولا كانت لديهم الحنكة السياسية، أو الأهلية الفكرية، لطرح هذين المفهومين للتداول في دوائر الاختصاص، أو بين يدي من توافرت لهم خبرة، وإن كانت غير مكتملة. لكن، في واقع الحال، ظلّ لسان حالهم، وواقع انشغالهم في فضائهم العمومي، يمضيان في هذا السبيل، سلطنة بعد سلطنة، ودولة بعد دولة، ونزاعات داخل السلطنة أو الدولة ذاتها، وفي ما بين السلطنة والدولة، وبين سلطنة ودولة أخرى، بل وبين قوى وطنية تحتجّ وتسعى لإسقاط نُظم الحكم المتعاقبة. وما هذه كلها إّل اوجوه لانشغال بمسار بناء الأمّة وبناء الدولة، وإن لم يتخذ عنوانًا بهذا التحديد! في هذا السياق، استولى إسلاميو السودان، ممَّثَلين في الجبهة الإسلامية القومية، على الحكم بانقلاب عسكري في 30 حزيران/ يونيو 1989 تحت اسم "ثورة الإنقاذ الوطني"، منهين بذلك حكم حكومةٍ منتخبة برئاسة الصادق المهدي  33. وشكّلت هذه الحقبة أطول فترة حكم في تاريخ السودان الحديث بعد الاستقلال الثاني، إذ امتدت ثلاثة عقود 2019–1989()، بما يعادل قرابة نصف الحقبة الممتدة من عام 1956 حتى سقوط النظام. مرّت فترة حكم الإسلاميين بثلاث مراحل أساسية: الأولى كانت مرحلة سيطرتهم الكاملة 1999–1989()، والثانية مرحلة اتّساع التحالف السياسي تحت لافتة "الإنقاذ" مع استقطاب حلفاء جدد 2011–1999()، والثالثة مرحلة سيطرة الرئيس عمر حسن البشير، تدريجيًا، على مفاصل الحكم على نحو طاغٍ)2019–2011( 34. ويرى الباحث أن هذه الحقبة كانت الأشدّ إثارةً والأعمق تأثيرًا في تاريخ السودان الحديث، وخاصةً من حيث أثرها في مساَرَي بناء الأمّة وبناء الدولة، وذلك على النحو التالي: جاء الإسلاميون إلى الحكم محمولين بأيديولوجيا إسلامية لم يسبقهم في درجة تجذّرها إلّ الثورة المهدية قبل قرنٍ من تاريخ استيلائهم على الحكم. وقد أدت هذه الأيديولوجيا الصارخة إلى اصطفافات سياسية وأيديولوجية، داخلية وخارجية، أنهكت حكمهم على نحو خطير. وعلى الرغم من أنّ عمليات التدامج الوطني في السودان أدّى فيها الإسلام دورًا مهًّمًّ، كما رأينا في تجارب حكم السلطنات التي حكمت البلاد في القرون الخمسة الماضية، فإنّ الراجح هو أن أيديولوجيا نظام حكمهم بعد عام 1989 كان لها إسهام ملحوظ في إثارة الانقسام السياسي والأيديولوجي؛ الأمر الذي ربّ ا أسهم في تباطؤ التدامج الوطني، وانتهى بانفصال جنوب السودان لتشكيل دولة مستقلة)2011( 35. مكث الإسلاميون في الحكم ما ناهز عمر جيل كامل من الزمان، لم يتمكّنوا خلاله من بناء هياكل حوكمة ونُظم تؤسّس قاعدة كافية للمسؤولية والمحاسبة Accountability. وكان نتيجة ذلك أن دُمغ النظام بالفساد والمحسوبية، وتكاثر مراكز القوّة وجماعات المصالح داخل هياكله في مستويات الحكم المختلفة. وقد كان لهذا العجز القيادي والحوكَمي أثر سلبي في عمليات بناء الأمّة وبناء الدولة بفتحه الباب للنزاعات المسلّحة التي انتشرت في أطراف البلاد باسم تهميش المركز للأطراف. وقد كان لهذا التطور الأخير أثر بارز في ارتفاع حدّة انخراط البلاد في موجات عنف بلغت أوجها في الحرب المستعرة منذ عام.2023 أمّا أشد المعطيات إثارةً وأبلغها تأثيرًا في تجربة حكمهم، في نظر الباحث، فهو اختيارهم الاستيلاء على السلطة باستخدام آلية الانقلاب العسكري (الغَلَبة)، والاستيلاء على السلطة من حكومة منتخبة ديمقراطيًا عبر صندوق الاقتراع (التراضي.) وبطبيعة الحال، يسوقون مبرّرات لهذا الموقف لا تخلو من وجاهة منطقية، فضلً عن سند من سوابق تاريخية معاصرة. ولكن لا ينفي كل ذلك أنّ هذه الطريقة كانت مأزقًا للتجربة بالغ الخطورة. فلم يكن حكمهم مشروع سلطة قفزت عليها، بليلٍ، طائفةٌ من صغار ضباط الجيش، بل كان مشروعًا رساليًا كما تصوّره أنصاره. وتمثّل المأزق في سؤال المشروعية؛ ذلك أنهم استولوا على الحكم بالغلبة من نظام جلس على كرسي الحكم بالتراضي والقبول. وبذلك، غُيبَت عن نظام حكم الإسلاميين المشروعية، بالكامل أو غالبها.Illegitimacy/ Insufficient Legitimacy وهكذا، أفضت متلازمة عدم المشروعية أو المشروعية المنقوصة إلى نقلة في النموذجShift Paradigm؛ بأن وجد النظام نفسه أمام تحدّي المحافظة على حكمه المكتسب بالقوة  36. وتمثلت هذه النقلة

  1. 33  توّل ىالصادق المهدي رئاسة الوزراء في عام 1986، نتيجة لانتخابات عامّة بنهاية فترة انتقالية عامًا واحدًا أعقبت إسقاط نظام الرئيس جعفر نميري في عام.1985
  2. 34  يرى الباحث أنّ حقبة حكم الإسلاميين 2019-1989() شهدت انتقالات داخلية وفقًا لحالة ميزان القوة داخل النظام. بدأت هذه الحقبة تحت سيطرة مُْطْبقة لتنظيم الجبهة الإسلامية القومية الذي خطّط للانقلاب في 30 حزيران/ يونيو 1989، ونفّذه بنجاح، لكن السيطرة الكاملة للإسلاميين على الحكم شارفت نهايتها عند ما عُرف بالمفاصلة، حين غادر زعيم الإسلاميين، حسن الترابي، الحكم إلى المعارضة في عام 1999. ومن ثم بدأت حقبة جديدة؛ إذ التحقت بالحكم شخصيات وقوى من خارج تنظيم الجبهة الإسلامية القومية ما أطلق عليه الباحث حقبة الإنقاذيين، بيد أنّ عمر البشير ما لبث أن أطبق، تدريجيًا، على الحكم بعد انفصال جنوب السودان في عام 2011 إلى حين مغادرته الحكم في عام 2019،
  3. 35  تجدر الإشارة إلى أنّ انفصال جنوب السودان لم يقع فحسب بسبب استيلاء الإسلاميين على الحكم في السودان في عام 1989 محمولين على شعارات أسلمة الحكم، بل، ضمن أسباب أخرى، كان مشروعًا سياسيًا لنخبة سياسية جنوبية عريضة القاعدة، تساندها جماعات ضغط غربية. 36  Haroon, pp. 184 - 190.
  4. وهي الحقبة التي أطلق عليها الباحث مسمّى حقبة البشير.

في حاجة الحكم إلى تغيير وظائفه من كونها، في الأساس، وظائف مكرّسة لخدمة مواطنيه دافعي الضرائب إلى تكريسها، بدرجة كلّية، لتأمين الحكم في أيدي الحاكمين، وتمكينهم من أسباب استدامته. وبمراجعة السلوك العمومي لهياكل الحكم وأدائها، تتبدّى تجلّيات ذلك بوضوح؛ إذ كرّس الحكُمُ السلطة والموارد البشرية والمادية لخدمة انشغاله باستدامة سلطته، فكان ذلك على حساب الموارد المالية المخصّصة لخدمة عموم المواطنين؛ ما أفضى إلى إضعاف أداء هياكل الحكم، نتيجة لتبنّي سياسة سادت فيها الاستعانة، في توّل ي الوظيفة العامة، بالمخلصين على حساب ذوي الأهلية، إلى جانب استخدام موارد أقل في تقديم الخدمات العمومية لمصلحة المواطنين، وما توفّره الحكومة من احتياجات لمواطنيها في العيش الكريم. وحين تراجع أداء هياكل الخدمة العمومية، في شَّقَيها المدني والعسكري، من حيث الكفاءة والحصيلة النهائية، لم يُعَزَ ذلك، في تحليل صانع السياسات، إلى السبب الرئيس المتمثل في تهميش معيار الأهلية لمصلحة الولاء، بل نحا التفكير إلى تحميل الهياكل نفسها مسؤولية هذا القصور، ما قاد إلى إنشاء هياكل خدمة عمومية موازية، مدنية وعسكرية، واقتصادية كذلك. وكان من الطبيعي أن يفضي هذا الاتجاه إلى تدبير عمومي يقضي باستحداث هياكل حكم موازية، مدنية وعسكرية واقتصادية... إلخ، وهي ما سّم اه الباحث سابقًا ب "الدولة الموازية" 37. وُتُفهم الدولة الموازية، ببساطة، بأنها إنشاء هياكل إدارة عمومية تتغذّى من موارد الدولة نفسها، في ظل استمرار وجود الهياكل الأصلية المنوط بها أداء الوظائف ذاتها التي أ نشئت الهياكل الموازية الجديدة لأجلها، في الوقت نفسه. وكان أن أوَهَن هياكل الدولة، وأضعف سلطتها، وجعلها عرضة للاستجابة لضغوط مراكز القوة وابتزازاتها، داخليًا وخارجيًا على السواء. وفتح هذا العجز الوظيفي الباب لنشوء حركات احتجاج مسلّح وتكاثرها في أطراف البلاد، تحت دعوى تهميش المركز للأطراف، ما فاقم الضغوط على الموارد الشحيحة أصلًا، وانتهى بالحكم إلى عجز شامل، أفقد النظام القدرة على الصمود أمام الحلقة الأخيرة من الاحتجاجات (كانون الأول/ ديسمبر 2018–نيسان/ أبريل 2019)، التي أذنت بسقوطه. عند هذا المنعطف، تجدر الإشارة إلى أنّ مأزق متلازمة "عدم المشروعية/ المشروعية المنقوصة"، وما أفضيا إليه من تحوّر في وظائف الحكم، على النحو الذي بسطناه سابقًا تحت مسمّى "نقلة النموذج"، لم ينتِهِ بسقوط حكم الإسلاميين، بل ترك تأثيرًا بالغًا في إنهاك الدولة المركزية، وتفكيك بنيتها (كما في انفصال جنوب السودان)، وضعضعة التدامج الوطني، ونشوء دولة موازية مثّلت، ولا تزال، تهديدًا وجوديًا للدولة ذاتها، كما يتجّل ىذلك في حرب نيسان/ أبريل 2023، بوصفها أبرز مظاهر هذا التهديد. ينبغي الإشارة إلى أنّ التفكير في استعادة المشروعية لم يكن غائبًا تمامًا عن أذهان بعض قادة النظام، وعلى رأسهم حسن الترابي. ففي سبيل استرداد تلك المشروعية المفقودة، شهدت تجربة الإسلاميين تطورات مهمّة، منها محاولات مبكرة لتمدين الحكم العسكري منذ بداياته، والعودة إلى سلطة الدستور 1998()، والتحوّل إلى نظام حزبي (التوالي السياسي)، ثم توقيع اتفاق السلام الشامل 2005()، وأخيرًا إطلاق الحوار الوطني 2014(.) وعلى الرغم من أن هذا المسار لم يكن يسيرًا، وواجه مقاومة داخلية كبيرة انتهت بانقسام تنظيم الإسلاميين ذاته 2000–1999()، فإنّه أسهم في نقل النظام من حالة فقدان المشروعية بالكامل إلى حالة من المشروعية المنقوصة، وهي أقصى ما بلغه سعي من أدركوا أزمة المشروعية من داخل النظام، وعملوا على معالجتها. ومع ذلك، لم يكن في متناول هؤلاء القادة الاقتراب من نماذج معاصرة لاكتساب المشروعية المنقوصة. ففي تجارب حديثة، تمكّنت أنظمة استولت على الحكم بالقوة، مثل نظام لي كوان يو في سنغافورة 1990–1959()، ونظاَمَي بارك جونغ هيي 1979–1960() وجون دو هوان 1987–1979() في كوريا الجنوبية، من اكتساب شرعيتها المفقودة عبر تحقيق تنمية اقتصادية نموذجية، وتأسيس أنظمة حكم ديمقراطية في نهاية المطاف. كانت حقبة حكم الإسلاميين/ الإنقاذ/ البشير مرحلة عاصفة. ابتدأت باجتهاد استند إلى الاستيلاء على السلطة بالقوة (الغلبة)، وكان هذا النهج بالغ التكلفة، لا سّيمّا فيما يتّصل بمساَرَي بناء الأمّة وبناء الدولة في السودان. وإذا كانت هذه هي حصيلة تلك التجربة، فإنّ ذلك لا يعني بالضرورة أنها كانت مرحلة كسولة أو غير عابئة بتصور برنامج عمل واضح. لقد شهدت هذه المرحلة مبادرات اجُتحرت، ومجهودات بُذلت في محاولات حثيثة لتحقيق إنجازات في مجالات متعددة. ومع ذلك، كان عبء النموذج فادحًا. وبدا الترابي، عرّاب التجربة، في تسجيل له في برنامج "شاهد على العصر" بقناة الجزيرة حول تجربة الإسلاميين في السودان 2019–1989()، مستدركًا على فكرة الرهان على الاستيلاء على السلطة بالقوة العسكرية 2010(.) ولم تكن هذه الشهادة وحدها دليلًاعلى استدراك الترابي على تجربة كان هو صاحب براءة اختراعها، وقائد فريق التنفيذ، بل مثّلت مشاركته في تجربة الحوار الوطني التي طرحها البشير 2017-2014()، وسعيه لهندسة توافق وطني جديد بمسمّى "المنظومة المخالفة"، شاهدين إضافيين، ضمن شواهد أخرى، على ذلك. بدا الترابي في سباق مع الزمن؛ إذ عاجلته المنيّة قبل بلوغ محطة الوصول. وعلى أي حال، كانت حقبة الإسلاميين في حكم السودان مرحلةً متأخرة في مسار

  1. Ibid.

سريع انتهى إلى الحالة التي يعيشها السودانيون منذ نيسان/ أبريل 2023. ولم يكن ما تبقّى، عندئذ، من الطريق إلى محطة الوصول طويلًا؛ إذ اسُتُكملت حلقاته في عهد التحالف السياسي الذي تشكّل بين قوى الحرية والتغيير "قحت"، والجيش، وقوات الدعم السريع، والحركات المسلّحة، وسائر الفاعلين في المشهد، من الداخل والخارج 2023–2019(.) وطرٌفٌ من تلك المرحلة سيتناوله المبحث التالي.

سادسًا: إستكمال تمهيد الطريق إلى الحرب (2019  -  2023)

لم يكن أفول شمس حُكم الإسلاميين/ الإنقاذ/ البشير، على النحو الذي جرى في نيسان/ أبريل 2019، أمرًا مفاجئًا، لا سّيمّا في ظل غياب إرادة سياسية ورؤية واضحة وبرنامج عمل يفضي إلى انتقال مُداٍرٍ يقلل من تكلفة التغيير. وقد بلغ تلك اللحظة مُثقلًابأعراض العجز، ومتهيئًا للمغادرة، وإن لم يكن مركز القوّة في كرسي القيادة مدركًا لذلك بالضرورة. وأعلنت القوى الشابة التي حرّكت احتجاجات الشارع (كانون الأول/ ديسمبر 2018–نيسان/ أبريل 2019) نهاية نظام حكم الإسلاميين، ليخلفه تحالف فضفاض من قوى الحرية والتغيير، والمكونات العسكرية ممثلة في الجيش الوطني وقوات الدعم السريع، إضافة إلى حركات الاحتجاج المسلح، التي شكّلت الضلع الجديد في هيكل الحكم بعد توقيعها اتفاق السلام في جوبا، عاصمة جنوب السودان (تشرين الأول/ أكتوبر 2020)، برعاية من قادة حكومة الأخير. وبقدر ما بدا الإسلاميون، عند استيلائهم على السلطة عام 1989، على درجة ما من الجاهزية للحكم، فإنّ مشهد قوى التغيير، بشَّقَيه المدني والعسكري، بدا مندِفِعًا، وربما متسرّعًا، منذ الساعات الأولى للتفاوض حول ترتيبات الحكم  38. وقد تولّت القوى السياسية المدنية، المنضوية تحت تحالف قوى الحرية والتغيير، مهمة الحكم وهي في حالة إنهاك، مدعومة بخبرة محدودة في إدارة الدولة، وهو أمٌرٌ يمكن فهمه بالنظر إلى عزلتها عن ممارسة الحكم طوال ثلاثة عقود. ولم يكن العسكريون، من جهتهم، في حاٍلٍ أفضل؛ إذ لم يبُدُ أنهم كانوا على استعداد مسبق لتولي هذه المهمة التي جاءت، فيما يبدو، مفاِجِئة لهم. لم تفارق الانقسامات الفضاء العمومي الوطني بمغادرة نظام الإسلاميين الحكم. فقد شهدت أعوام حكمهم الثلاثون استئثارًا بالسلطة ومتعلّقاتها على نحو محكم، وإقصاءً للخصوم السياسيين. لكنها شهدت، مع ذلك، انفتاحًا على قوى سياسية مخالفة كانت تقف على الضفة الأخرى. أما في الحقبة القصيرة لحكم قوى الحرية والتغيير 2021–2019()، فقد استمر النهج الانقسامي ذاته الذي ساد في الحقب السياسية المتعاقبة في سودان ما بعد الاستقلال الثاني. ولم يتجَّلَ هذا الانقسام في مواجهة واضحة بين قوى الحرية والتغيير من جهة، والقوى المحسوبة على تيار الإسلاميين من جهة أخرى فحسب، بل فشلت حتى قوى الحرية والتغيير نفسها في الحفاظ على تماسكها؛ إذ سرعان ما انشطرت إلى مجموعات صغيرة متنافرة. وقد أخلّت هذه الانقسامات المتعددة، داخل الفضاء العمومي الوطني العريض، وداخل قوى الحرية والتغيير نفسها، بتوازن كان مأمولًاتوافره بين القوى المدنية والعسكرية، وهو توازن كان ضروريًا لتأمين انتقال سياسي مستقر نسبيًا، يمهّد الطريق نحو الاستقرار السياسي والتحول الديمقراطي، وربما لاجتراح مشروع سياسي وطني يُبنى على توافق عريض القاعدة، يدفع بمسيرة بناء الأمّة والدولة خطوةً إلى الأمام. ويزعم الباحث أنّ من نتائج اختلال التوازن بين القوى المدنية والعسكريين أن ميزان القوّة أضحى راجحًا لفائدة كفّة العسكريين. وليس ذلك فحسب، بل أفضى هذا الاختلال إلى وضع القوى المدنية في موقع أقرب إلى "الرهينة" بين أيدي العسكريين. ولمّا كانت الحكومة، بقيادة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، حكومةً مدنية بالاسم، فمن المفهوم أن يبدو أداؤها باهتًا في كثير من المجالات. وإذا كانت المؤسسة العسكرية، بشقّيها (الجيش الوطني وقوات الدعم السريع)، يديرها فعليًا العسكريون، فإن حقولًامدنية مثل السلام، والمالية، والاقتصاد، والسياسة، والعلاقات الخارجية، كانت أيضًا خاضعة إلى حد بعيد لسلطة الجنرالات، كما أقرّ رئيس الوزراء أكثر من مرة. وفي ظل هذه المتاهة التي عاشتها الحكومة المدنية، كان طبيعيًا أن ترتفع وتيرة التدخلات الخارجية في الشأن الوطني، لا سّيمّا أن الحكومة المدنية، التي كانت تستند إلى قاعدة تأييد حزبي ضامرة، وجدت نفسها مضطرة إلى البحث عن دعم خارجي، عوضًا عن افتقادها للتأييد الداخلي. ومع ذلك، لم يكن اختلال ميزان القوى بين المدنيين والعسكريين، الذي مال، كما أشرنا، إلى صالح العسكريين، هو الوجه الوحيد لاختلالات موازين القوة في المشهد العمومي السوداني خلال تلك الحقبة؛ فقد كان ثمة صراع، تتفاوت حدّته، بين الجيش الوطني وقوات الدعم السريع. ولم يكن لقوات الدعم السريع شعبية وقبول تراهن عليهما لبناء مشروعية تؤهّلها للانخراط الطبيعي في الفضاء العمومي الوطني. فهذه القوات نشأت أساسًا باعتبارها ميليشيا مأجورة أ وكلت إليها مهمة عسكرية منوطة بالجيش الوطني، الذي

  1. 38  محمد الحسن ولد لبات، السودان على طريق المصالحة (الخرطوم: دار عزة للنشر والتوزيع، 2020)، ص.103

لم يكن يمتلك حينها الإمكانيات الكافية لأدائها. وبانخراطها في هذه الوظيفة، أضحت، في أحسن أحوالها، أقرب إلى جماعة من العسكريين المرتزقة. وقد عزّز هذه الصورة "المرتزقة" أدوار خارجية مثيرة للجدل اضطلعت بها هذه القوات، من مشاركتها في التحالف العسكري ضمن "عاصفة الحزم" في اليمن 2015()، إلى تعاقدها مع الاتحاد الأوروبي في إطار ما عُرف ب "عملية الخرطوم" 2014 Process, Khartoum لمكافحة الهجرة غير النظامية من القرن الأفريقي عبر الحدود الليبية إلى أوروبا، مرورًا بمشاركتها في الحرب الأهلية في ليبيا 2020–2015(.) وإذا كان وجود هذه القوات وتقنينه قد حظيا بقبوٍلٍ صامت من بعض القوى المقرّبة من خيار الحرب في دارفور، من بين قادة نظام الإسلاميين/ الإنقاذ/ البشير، فإنّ الراجح أنّ قطاعًا كبيرًا من الرأي العمومي الوطني كان يتبنى موقفًا سلبيًا منها. ولعل من أقوى الشواهد على ذلك الشعار الذي رفعته قوى التغيير في عام 2019: "الجنجويد يتحل"، في إشارة مباشرة إلى قوات الدعم السريع. استطاعت قوّات الدعم السريع أن تبني خلال عقد من الزمان قاعدة قوة واسعة الأبعاد: عسكرية واقتصادية وسياسية واجتماعية. فعلى الصعيد المالي، وضعت هذه القوات يدها على موارد ضخمة، مصدرها في المقام الأول عائدات مشاركة مقاتليها في حرب "عاصفة الحزم"، إلى جانب التعاقدات مع مفوضية الاتحاد الأوروبي ضمن "عملية الخرطوم." غير أن انخراطها في عمليات التنقيب عن الذهب أتاح لها، على ما يبدو، موارد نقدية أكبر، مكّنتها من التوسع في الاستثمار في مجالات تجارية ومصرفية وخدمية وعقارية، إضافة إلى توسعها في أنشطة تنقيب عن الذهب خارج السودان أيضًا. وقد بلغ هذا التوسع حدًا جعل من عائلة دقلو، المسيطرة على هذه القوات، إحدى عائلات الأعمال الكبرى في السودان. وبتوفرها على قاعدة عسكرية واقتصادية بهذا الحجم، بدا جليًا أن طموحات قائد هذه القوات، الفريق محمد حمدان دقلو (حميدتي)، بدأت تتجاوز موقعه قائدًا لقوة عسكرية كبرى، ورجل أعمال يدير محفظة مالية هائلة بالنسبة إلى حجم الاقتصاد السوداني الصغير نسبيًا. ويبدو أن حلفاءه، في الداخل والخارج، كانت تستهويهم فكرة تقدّمه نحو دور سياسي جديد. وببلوغ هذه المرحلة، كان حميدتي قد نجح في بناء رأس مال سياسي واجتماعي واسع الانتشار داخل الأقاليم السودانية المختلفة، لا سّيمّا في أوساط زعماء القبائل، ووجهاء المجتمع، ورجال الأعمال، وبعض ذوي قُرباه من نُخب إقلیم غرب الُسُودان. واستطاع في الوقت ذاته تأسيس شبكة علاقات خارجية معتبرة، امتدّت من دول الخليج العربي إلى حكومات في الجوار الأفريقي، وروسيا ومفوضية الاتحاد الأوروبي، وإسرائيل. عندئذ، تبلور أمر واقع جديد تمثّل في وجود دولة واحدة بهيكلين عسكريين: الجيش الوطني وقوات الدعم السريع. غير أن وجود هياكل عسكرية موازية للجيش الوطني لم يكن بالأمر الجديد في تاريخ الدولة السودانية ما بعد الاستقلال الثاني؛ فقد نشأت سابقًا تنظيمات عسكرية احتجاجية خارج جهاز الدولة، مثل حركة الأنيانيا في جنوب السودان 1972–1955()، والجيش الشعبي لتحرير السودان 2011–1983()، وكلاهما اكتسب درجة من الشرعية القانونية فترة من الزمن. كما ظهرت تشكيلات عسكرية مساندة للجيش، من ضمنها قوات الدعم السريع. وإذا ما استعرنا تعريف ماكس فيبر للدولة بأنها تحتكر الاستخدام المشروع للعنف  39، إن التهديد الحقيقي الذي يمثله تعدد الهياكل العسكرية الحاصلة على شرعية قانونية مؤقتة لا يتمثل في وجودها، فحسب، بل في احتمال تمكّنها من تحقيق تفوّق عسكري على الجيش الوطني، أو بلوغ مستوى من التكافؤ معه في القدرات. فقد تمكّن الجيش الشعبي لتحرير السودان، على سبيل المثال، من بناء قاعدة قوة عسكرية وسياسية، ودعمها بشبكة علاقات دولية، ما أهّله لتحقيق هدف اشتغل عليه طويلًا، تمثّل في خيارين: إما البقاء ضمن دولة موحّدة ذات هوية متفق عليها، أو تقرير مصير جنوب السودان. وقد تحقّق له الخيار الثاني، حين أفضى إلى انفصال الجنوب رسميًا في عام 2011. أما في حالة قوات الدعم السريع، فليس من محل خلاف أنّ قائدها قد تمكّن من بناء قاعدة قوة عسكرية واقتصادية وسياسية واجتماعية نافذة، جعلته لاعبًا رئيسًا في الفضاء العمومي الوطني. وعند هذه المرحلة، بات واضحًا أن هذه القوات قد تجاوزت حدود كونها قوة عسكرية محددة الغرض ومؤقتة الدور، لتتحوّل إلى مهدد محتمل للاستقرار السياسي والأمني، بل لمسيرة بناء الأمّة والدولة برمّتها. لقد تشكّل معمار الفضاء السياسي الوطني من أضلاع رئيسة، تمثّلت في: قوى الحرية والتغيير (قبل ما شهدته من انشطارات وبعده)، والجيش الوطني، وقوات الدعم السريع، وحركات الاحتجاج المسلح، بما في ذلك الحركة الشعبية – شمال بقيادة عبد العزيز الحلو، وحركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد النور. إلا أن هناك ضلعًا آخر، بالغ الثقل، لا يمكن إسقاطه من الحساب، على الرغم من أنه تعرّض للإقصاء من القوى الحاكمة، ويتمثّل في تيارات الإسلاميين، والقوى التي تحالفت مع نظام حكم الإسلاميين/ الإنقاذ/ البشير.

  1. Max Weber, The Protestant Ethic and the Spirit of Capitalism (London: Routledge, 1930).

من الطبيعي أن تُحَّمَل هذه القوى مسؤولية ما جرى خلال حقبة حكمها 2019–1989()، وهي مسؤولية جسيمة، كما أشير في مواضع سابقة، ولا ينبغي التعامل معها على أساس الإفلات من المساءلة. ومع ذلك، فإن الموقف القائم على رفض التفاهم معها باعتبارها خارج الفضاء العمومي الوطني بالكامل هو موقف رّب ما يتطلّب مراجعة موضوعية؛ إذ لا يخفى أن لهذا الضلع وزنًا سياسيًا لم تغيّبه إطاحة نظام حكم الإسلاميين. فبرصيد ثلاثين عامًا في الحكم، لا شك في أن هذه القوى تمتلك رأس ماٍلٍ بشريًا واسع التأثير، ولم تفقد، مع خسارتها للسلطة، شبكاتها التنظيمية، ولا قاعدتها الاقتصادية، ولا علاقاتها الخارجية، ولا خبرتها في التعامل مع الفضاءين الوطني والدولي. وحيث إن القوى الحاكمة بعد التغيير كانت في حاجة إلى إدارة الدولة خلال الفترة الانتقالية بما يضمن حدًا من الاستقرار السياسي، ويساعد على تحقيق أهداف المرحلة، فقد كان من مقتضيات الحكمة، آنذاك، تبنّي اتجاه يغلّب التفاهم مع قوى هذا التيار، بدلًامن الانخراط في سياسة إقصاء شامل له. سادت، عقب نجاح التغيير في عام 2019، نبرة خطاٍبٍ تتسم بعداءٍ شديد تجاه أنصار نظام حكم الإسلاميين؛ فقد أ طِلِق عليهم وصف "الفلول"، وهتفت قطاعات من المحتّجيّن بشعار "أي كوز ندوسو دوس" 40، بينما أدار حكم قوى الحرية والتغيير حملة ضدّهم تحت شعار "تفكيك نظام الثلاثين من يونيو 1989." وقد رآها بعض المراقبين حملةً غلبت فيها المحاكمة السياسية لرموز النظام السابق، في سياٍقٍ كان يفترض أن تسود فيه قواعد حكم القانون. ومن غير المستغرب أن تثير تلك الأجواء مشاعر الرعب وانعدام الأمان في أوساطهم، ما يحرك في جانبهم البحث عن آليات للدفاع عن الذات. وخلاصة القول هنا إن الحالة كانت تتطلب وصفة علاٍجٍ تغلّب منطق الحكمة بدلًا من الاندفاع العاطفي. لقد أظهرت تجربة الرئيس نيلسون مانديلا في جنوب أفريقيا 1993–1990() بُعدًا استراتيجيًا لافتًا في إدارة بلاده عقب زوال نظام الفصل العنصري؛ إذ إنه اختار طريق التفاوض مع قادة النظام السابق حول إدارة تشاركية للبلاد، ما جنّبها خطر امتداد الانقسام السياسي والاجتماعي الذي ساد في ظل نظام التمييز العنصري إلى مرحلة ما بعده. ومع الإقرار بالاختلاف الكبير بين السياَقيَن السوداني والجنوب أفريقي، فإن الحكمة ذاتها هي التي أنقذت جنوب أفريقيا من تهديد جسيم كان من الممكن أن يعصف باستقرارها، لو أن النظام الجديد تبنّى نهج الإقصاء والمواجهة. رّب ما كان مفيدًا للحالة السودانية أخذ تجربة مانديلا وحكمته في الاعتبار. وفي نهاية المطاف، أكمل الفضاء العمومي الوطني، عبر هذه الخطوط الكنتورية، ما تبقّى من مسافة على الطريق المؤدي إلى الانفجار؛ حتى أضحى التنبؤ باندلاع الحرب في 15 نيسان/ أبريل 2023 تحصيَلَ حاصل. عندها، حدث ما حدث! وحتى هذا الحد، يجدر التنبيه، بوضوح كاٍفٍ، إلى أن حرب السودان الجارية ليست قت لًافقط بين أطراف سودانية. فثمّة عامل خارجي رئيس أسهم، منذ البداية، في اندلاعها، ولا يزال يؤدي دورًا بارزًا في اشتداد أوارها. ويتجذّر هذا العامل الخارجي بدرجة تجعل تحميل كامل المسؤولية عن الحرب، حصريًا، للشركاء السودانيين تقديرًا قاصرًا يفتقر إلى المسؤولية الأخلاقية. أما المهتمّون بالشأن السوداني، ببصيرة وعمق، فلن يفوتهم أن السودان، على الرغم من تعاظم نكباته وتكرار خيبات الأمل لشعبه، لا يزال، بما يتمتع به من مقومات جغرافية سياسية، ورساميل بشرية وطبيعية، وعمق تاريخي حضاري، يظُلُ هدفًا دائمًا لانشغال القوى الخارجية النهمة في بحثها المستمر عن مصادر القوة والنفوذ. ومن ثمّ، يمثّل العامل الخارجي فصلًارئيسًا في كتاب حرب 15 نيسان/ أبريل 2023. غير أن هذه الإفادة تحتاج إلى تأطير مهم؛ إذ تستهدف هذه الدراسة، في المقام الأول، البحث في السياق التاريخي الذي أنشأ هذه الحرب، ضمن مسار بناء أمّة سودانية، وبناء دولة لها، كما فصّلنا آنفًا. ثم إنّ العامل الخارجي، على الرغم من كثرة الحديث عنه، وانتشار الإشارات إليه من متابعين عديدين، فإنه يبقى عاملًاتابعًا، لا مُنشئًا، يتطلب معالجة مستقلة قائمة بذاتها، خارج هذا الحيز.

خاتمة: الحريق المستعر والضوء في نهاية النفق

لا غنى للإنسان، بطبيعته مخلوقًا اجتماعيًا، عن الجماعة. وقد أسهمت التجربة الإنسانية الممتدة، والخبرة المتراكمة الناتجة منها، في بلورة مفهوم الأمّة التي تحتضن الإنسان الفرد (المواطن) داخل حدود الوطن، وهو ما استدعى إنشاء الدولة لتضطلع بمهماتها بتفويض من أصحاب الحق؛ أي جماعة المواطنين (الأمة.) فالدولة الوطنية المعاصرة، في أصلها، خادمة للمواطن دافع الضرائب. وفي حال غياب الدولة، لا بدّ من وجود وكيل عنها يملأ الفراغ، سواء من الداخل أو الخارج، أو من كليهما معًا، وذلك بموجب القانون أو في ظل واقع الفوضى (اللادولة واللاقانون.)

  1. 40  هذا شعاٌرٌ تبنّته الحركات الاحتجاجية الشبابية والقوى السياسية السودانية التي خرجت إلى الشارع (كانون الأول/ ديسمبر -2018 نيسان/ أبريل 2019) لتغيير نظام البشير متوعدةً حلفاءه من القوى الإسلامية التي يطلق عليها في السودان اسم "الكيزان" بالقصاص منهم على نحو عنيف.

من هذا المنطلق، يمكن النظر إلى الحرب الجارية في السودان منذ 15 نيسان/ أبريل 2023 بوصفها تطورًا في سياق عملية بناء أمّة سودانية ودولة لها. وضمن هذا المسار ما يشير إلى كونه سعيًا متواصلًانحو بناء الأمّة والدولة، وما يدل في الوقت ذاته على نتائج متفاوتة بين نجاح نسبي (كما هو الحال في مسار تشكّل الجماعة الوطنية وتأسيس كيان سياسي في صورة سلطنة أو مملكة أو دولة)، وبين أزمات كبرى (مثل الحروب داخل الكيان الواحد أو بين الكيانات، وانهيار السلطنات والممالك، وانفصال جنوب السودان، وغيرها.) في هذا السياق المركب والمكلف لبناء الأمّة والدولة، اندلعت حرب 15 نيسان/ أبريل 2023 نتيجةً لأسباب مركّبة، تعود أساسًا إلى صراعات السلطة بين الفاعلين الرئيسين في المرحلة الراهنة من تاريخ السودان السياسي. وقد تجّل ىفي هذه الحرب انقسام سياسي واجتماعي حادّ بين الفاعلين السودانيين، عكس محدودية قدرتهم الذاتية على التعرّف إلى القواسم المشتركة بينهم، بل تراجعها. وفي مقدمتها الهوية الوطنية والمصلحة العامة. ويبدو أن السياسة الوطنية خلال ثلث القرن الأخير ظلت تدفع بالأمّة والدولة إلى منحدر خطير، حتى باتت هذه الحرب مرشحة لبلوغ القاع ذاته. فهل سيكون بلوغ القاع هذا بدايةً لمسار الصعود؟ لقد عانى السودان طويلًاعجزًا قياديًا مزمنًا، وتواضعًا في مقدرات هياكل إدارة فضائه العمومي (الحوكمة)، وهي حالة تصاعدت على نحو لافت منذ عام 1989. وأسفر هذا العجز البنيوي عن سياسات فاسدة ومختلّة، أضعفت بنية التماسك الوطني، وهشّمت هيكل الدولة وأداءها. ومثّل هذا المسار المتردي مخاضًا عسيرًا، اكتمل في تمامه بولادة الحرب. فلم يكن اندلاعها في 15 نيسان/ أبريل إّل الحظة إعلاٍنٍ عن بلوغ ذلك الانفجار حَّدَه الأقصى. إَّنَ الحرب تنشأ وتتخلّق transforms and forms War. وقد بدأت هذه بعنوانها المعلن: مواجهة بين الجيش الوطني وقوات الدعم السريع، بوصفهما كياَنيَن عسكرَييَن نظامَييَن، ولو بدرجة متفاوتة من الشرعية. لكنها ما لبثت أن راحت تتخلّق تراجيديًا؛ إذ التحقت بها، منذ وقت مبكر، حشود من الباحثين عن الغنيمة من داخل البلاد وخارجها، الحالمين بالسلطة والثروة، فضلًاعن حشود الناقمين من أطراف المدن، الذين دفعتهم مشاعر الاستبعاد الاجتماعي. وتدريجيًا، أعادت قطاعات واسعة من الطبقة السياسية، بما فيها الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني وبعض الرموز، ترتيب اصطفافاتها على جانَبَي الحرب، فانقسم الكيان السياسي الواحد إلى مؤيٍدٍ للجيش الوطني وآخر لقوات الدعم السريع. وعلى نهجها، انقسمت القيادات القبلية ونخبها، واصطفّت جماعات المصالح، من كبار "الُكُسيبة" إلى صغار باعة التجزئة والدلالين وباعة السلع والخدمات. وفي مناطق شاسعة غاب فيها الجيش، حيث حضرت قوات الدعم السريع، نشأت مواجهات حادة مع المجتمعات المحلية، التي بحثت عن الدولة ضامنًا لأمنها فلم تجدها. وإذا ما تُرك باب الدولة مواربًا، تزاحمته القوى الخارجية لتفرض أجنداتها. فالاستعمار، كما يقول مالك بن نبي، لا يُستدعى إلا بوجود القابلية له 41. ويبدو أن مسيرة تخلّق هذه الحرب لم تبلغ بعُدُ محطتها الأخيرة. والحرب، كما هو معلوم، نشاط إنساني باهظ التكلفة، بشريًا وماديًا. وحرب السودان الجارية لم تكن استحقاقًا، بل كانت من مسؤولية السودانيين، وفي مقدّمتهم قادة الفضاء العمومي، الحيلولة دون وقوعها ابتداءً. وعلى الرغم من الحاجة الملحّة إلى إحصاءات دقيقة عن الخسائر، فإن كل المؤشرات تدل على أنها حرب مكلفة على نحو مروّع؛ إذ سيستمر هدر الموارد مع استمرارها، وهي تكلفة يتحملها المجتمع (الأمة) والدولة على السواء. وإذا استمرّت الحرب على هذا النحو، فثمة احتمال حقيقي أن تُنتج أمرًا واقعًا يُبِّدِد، ولو مؤقتًا، حلم بقاء الأمّة والدولة. فالحرب الأهلية اللبنانية 1990-1975()، والحرب الأهلية في الصومال (منذ سقوط نظام سياد بري في عام 1986) مثالان دالان على ما يمكن أن تؤول إليه حرب السودان الجارية. وقد قال أحد المناضلين الأفارقة المخضرمين، ممّن خاضوا حروب التحرير في شرق القارة وجنوبها، لكاتب هذه السطور: إن أفضل سبيل لإدارة الحرب هو إيقافها. ولم تكن هذه المقولة اكتشافًا جديدًا، بل خلاصة تجربة. ولقد تحدثُتُ مع قادة حروب سابقين، ممن يتسمون بالحكمة والتعلم من دروس الحياة، فوجدتهم، رّب ما من دون استثناء، ممّن يرون أنّهم، لو استقبلوا من أمرهم ما استدبروا، لذهبوا إلى البحث عن بديل من الحروب التي خاضوها بدلًامن المضيّ إلى خوض غمارها. ليس أمام السودانيين والمهتمين باستقرار السودان من غير السودانيين، خيار غير إنهاء الحرب الجارية بتفاهمات تنتهي، في نهاية الأمر، بإيقافها والعمل على تحقيق سلام مستدام. هذه التفاهمات، التي هي بيت القصيد، لا بد لها من أن تقوم على محدّدات رئيسة، بدءًا من التمسك بالدولة صاحبة السيادة على الأرض وصاحبة المشروعية في تمثيل شعبها وإدارة شؤونه، انتهاءً باسترداد هيكل الدولة الموحّد، مدنيًا وعسكريًا. وإن كانت التفاهمات المقصودة أمرًا مهًّم اوممكن التحقيق، فليست هي، بالضرورة، أمرًا سهلًا. هنا يلزم أن نرى الضوء في نهاية النفق. بضوء الشمعة الخافت يمكن تلمّس الطريق الوعر الواجب سلوكه لإنهاء الحرب واستدامة السلام لمصلحة أمّة سودانية في وطن سوداني موحّد، تحت سيادة دولة موحّدة ومقتدرة.

  1. 41  مالك بن نبي، شروط النهضة (دمشق: دار الفكر،.)1957

المراجع

العربية

أزمة الدولة في الوطن العربي. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2011 شروط النهضة. دمشق: دار الفكر بن نبي، مالك.،.1957 حاج حمد، محمّد أبو القاسم. السودان: المأزق التاريخي وآفاق المستقبل، 1956 -  96 19. ط 2. جزر الهند الغربية البريطانية: مكتب الدراسات والأبحاث الدولية،.1996 دارفور: حصاد الأزمة بعد عقد من الزمان. عبد الوهاب الأفندي وسيدي أحمد ولد أحمد سالم (محرران.) الدوحة: مركز الجزيرة للدراسات،.2013 ولد لبات، محمد الحسن. السودان على طريق المصالحة. الخرطوم: دار عزة للنشر والتوزيع،.2020

الأجنبية

Acemoglu, Daron & James Robinson. Why Nations Fail: The Origins of Power, Prosperity and Poverty. New York: Crown Business, 2012. Al-Arian, S. (ed.). The Quest for Democracy: Examining Civil Military Relations in Muslim Societies. Istanbul: The Center for Islam and Global Affairs (CIGA), 2021. Crane, T. & J. Forster (eds.). The Oxford Handbook of Topics in Philosophy. Oxford: Oxford University Press, 2016. Dunne, Tim. Milja Kurki & Steve Smith (eds.). International Relations Theories: Discipline and Dive rsity. Oxford: Oxford University Press, 2006. Fukuyama, Francis. Political Order and Political Decay: From the Industrial Revolution to the Globalization of Democracy. New York: Farrar, Straus and Giroux, 2014. Green, Elliott & Sanghamitra Bandyopadhyay. "Nation Building and Conflict in Modern Africa." The Sunroy Centre. Economic Organisation and Public Policy Discussion Paper Series. no. 26 (2008). Green, Elliott. "The Political Demography of Conflict in Modern Africa." Civil Wars. vol. 14, no. 4 (2012). Lange, Matthew & Andrew Dawson. "Education and Ethnic Violence: A Cross-National Time-Series Analysis." Nationalism and Ethnic Politics. vol. 16, no. 2 (April 2010). Lister, Sarah. "Understanding State-Building and Local Government in Afghanistan." Working Paper. no. 14. Crisis States Research Centre. LSE (2007). Mansfield, Edward & Jack Snyder. "Prone to Violence: The Paradox of the Democratic Peace."  The National Interest. no. 82 (2005). McKenna, Robin. "Contextualism in Epistemology." Analysis. vol. 75, no. 3 (2015). Miguel, Edward. "Tribe or Nation? Nation Building and Public Goods in Kenya Versus Tanzania." World Politics. vol. 56, no. 3 (2004). Moore, Jonathon. "The Political History of Nigeria's New Capital." The Journal of Modern African Studies. vol. 22, no. 1 (1984). Mylonas, Harris. The Politics of Nation-Building: Making Co-Nationals, Refugees, and Minorities. Cambridge: Cambridge University Press, 2013. Potts, Deborah. "Capital Relocation in Africa: The Case of Lilongwe in Malawi." Geographical Journal. vol. 151, no. 2 (1985). Said, Edward. Orientalism. New York: Pantheon Books, 1968. Sambanis, Nicholas. Stergios Skaperdas & William Wohlforth. "Nation-Building Through War." American Political Science Review. vol. 109, no. 2 (2015). Steinberg, Jonathan. Bismarck: A Life. Oxford: Oxford University Press, 2011. Weber, Max. The Protestant Ethic and the Spirit of Capitalism. London: Routledge, 1930.

Wimmer, Andreas. Lars-Erik Cederman & Brian Min. "Ethnic Politics and Armed Conflict: A Configurational Analysis of a New Global Data Set." American Sociological Review. vol. 74, no. 2 (2009). Wimmer, Andreas. Nation Building: Why Some Countries Come Together While Others Fall Apart. Princeton, NJ: Princeton University Press, 2018.