تفّك ك الدولة في السودان: دراسة في الأسباب والعوامل (1821 - 2025)
الملخّص
This study explores the trajectory of state disintegration in Sudan from 1821 to 2025 , starting from a central question: does the April 2023 war constitute a revealing variable that exposes a process of structural disintegration whose foundations accumulated over time? Or is it an explanatory variable that, in itself, drives the deepening of this disintegration? Drawing on a historical sociology approach, the study analyzes the interaction of five main variables addressed in the literature on state disintegration: war, elite conflict, geostrategic intervention, erosion of legitimacy, and the pressures of globalization. The study shows that successive wars and resource depletion, along with ethnic/regional elite divisions and international competition over the Red Sea, have undermined the state’s monopoly over the legitimate means of violence, leading to a hybrid pattern of disintegration in which the center retains international recognition while power is effectively distributed among local armed networks. The study concludes that existing models of state disintegration explain important aspects of the Sudanese experience, but require further development to accommodate forms of multiple sovereignties and managed disintegration. Keywords: Sudan, State Disintegration, Historical Sociology, April 2023 War.
The Disintegration of the State in Sudan: A Study of the Causes and Factors (1821 - 2025)
تستكشف هذه الدراسة مسار تفّك ك الدولة في السودان من سنة 1821 حتى سنة 2025، منطلقة من سؤال مركزي: هل تمّث ل حرب نيسان/ أبريل 2023 متغيّرًا كاشفًا لعملية تفّك ك بنيوي تراكمت مقدماتها عبر الزمن؟ أم أّن ها متغيٌّرٌ مفسّ ر يدفع، في حدّ ذاته، نحو تعميق هذا التفّك ك؟ وتحّل ل، باعتماد مقاربة السوسيولوجيا التاريخية، تفاعل خمسة متغيّرات رئيسة تناولتها أدبيات تفّك ك الدولة: الحرب، وصراع النخب، والتدخل الجيوستراتيجي، وتآكل الشرعية، وضغوط العولمة. وُت ظهر نتائج الدراسة أنّ الحروب المتتابعة واستنزاف الموارد، إلى جانب انقسامات النخب الإثنية/ المناطقية، والتنافس الدولي على البحر الأحمر، قد قوّضت احتكار الدولة لوسائل العنف المشروع، وأفضت إلى نمط تفّك ك هجين يحتفظ فيه المركز باعتراف دولي، بينما تتوّز ع السلطة فعلًّيًا بين شبكات محليّة مسّل حة. وتخلص إلى أنّ نماذج مقاربات تفّك ك الدولة تفسّ ر جوانب مهمّ ة من التجربة السودانية، لكّن ها تحتاج إلى تطوير يستوعب أشكال السيادة المتعدّدة وإدارة التفكك.
كلمات مفتاحية: السودان، تفّك ك الدولة، السوسيولوجيا التاريخية، حرب نيسان/ أبريل 2023.
مقدمة
يعاني السودان منذ زمٍنٍ طويل مشكلات سياسية واجتماعية معقّدة. وفي واقع الأمر، ظلّ الحفاظ على كيان الدولة متماسكًا أحد أكبر التحديات التي واجهت الفاعلين السياسيين. فمع هشاشة المؤسسات، وتعدّد الجيوش والميليشيات، وتكرار الصراعات الأهلية، وتصاعد التوترات الاجتماعية والعنف السياسي، أصبح الحفاظ على كيان الدولة قائمًا اختبارًا صعبًا في تاريخ السودان المعاصر. وُيُظِهِر التعامل مع الحالة السودانية في سياق الحرب التي اندلعت في 15 نيسان/ أبريل 2023، من منظور أدبيات العلوم السياسية المرتبطة بظاهرة تفكّك الدولة، أنّ السودان يعيش حالة تحلّل للدولة التي سبق أن شهدت انقسامًا ترابيًا Territorial Division حين انفصل الجنوب سنة 2011. والمقصود بالانقسام الترابي هنا تقسيم الدولة نفسها إلى دولتين قائمتين، بحكم الأمر الواقع Facto De وبحكم الوضع القانوني Jure De. في كانون الأول/ ديسمبر 2018، شهد السودان حركة احتجاج واسعة أدّت إلى إطاحة الرئيس عمر البشير، الذي حكم البلاد ثلاثين عامًا. وقد جاءت هذه الاحتجاجات نتيجة تفاقم أزمات اقتصادية، مثل ارتفاع الأسعار، ونقص الوقود والمواد الغذائية، إلى جانب البطالة والفقر المتزايد، الأمر الذي أجّج مشاعر الغضب والإحباط ودفع المواطنين إلى التظاهر والمطالبة بالتغيير. وبعد سقوط نظام البشير السلطوي، بدأت فترة انتقالية انكبّ خلالها الفاعلون على إحداث إصلاحات اقتصادية وإعادة بناء النظام السياسي 1. لكن سرعان ما برزت التحديات في تلك الفترة، لا سّيمّا مع تزايد حدة الصراعات والخصومات بين القوى السياسية المختلفة. وبرزت التناقضات السياسية واضحة بين القوى المدنية والعسكرية، مع اتّساع الفجوة بين الرغبة في الحكم المدني وتعزيز الديمقراطية من جهة، وسيطرة الجيش الساعي للحفاظ على نفوذه ومصالحه من جهة أخرى. وقد أدّى هذا الصراع إلى عدم استقرار سياسي أضعف فاعلية الحكم الانتقالي في تحقيق أهدافه وإجراء الإصلاحات المطلوبة. وفي تشرين الأول/ أكتوبر 2021، شَِهَِدَ السودان انقلابًا عسكريًا بقيادة الفريق عبد الفتاح البرهان، الذي أطاح شركاءه المدنيين الممثلين في "قوى الحرية والتغيير"، واستأثر بالسلطة. وكان ذلك تحوّلًاجذريًا في مسار المرحلة الانتقالية، إذ إنه عطّل عملية الانتقال الديمقراطي وأثّر سلبيًا في الاستقرار السياسي. وقد واجه هذا الانقلاب تحديًا بنيويًا، حيث أسفر عن بروز رأسين متنافسين على السلطة، هما: عبد الفتاح البرهان قائد الجيش، ومحمد حمدان دقلو، المعروف ب "حميدتي"، قائد قوات الدعم السريع، التي أصبحت قوة وازنة في المشهد السياسي منذ إطاحة نظام البشير 2. وكان البرهان يشغل منصب رئيس المجلس السيادي بموجب الوثيقة الدستورية، بينما كان حميدتي نائبًا له. وعلى الرغم من اتفاقهما على إقصاء شركائهما المدنيين، فإنّ التوترات بينهما حول النفوذ والمصالح سرعان ما برزت وتفاقمت بعد ذلك 3. أدّت الخصومة بين البرهان وحميدتي إلى تعقيد الوضع السياسي، حيث سعى كٌّلٌ منهما إلى تعزيز موقعه وتأمين نفوذه في المشهد السياسي بعد انقلاب سنة 2018. وأسهم الصراع بينهما في تفاقم حالة عدم الاستقرار، حيث شهد السودان فترة من الاضطرابات والاحتجاجات الشعبية، فضلًاعن توترات سياسية بين مختلف القوى، ثم انتهى الأمر إلى مواجهة عسكرية واندلاع حرب بين الجيش وقوات الدعم السريع في نيسان/ أبريل 2023. لا تهدف الدراسة إلى تحليل ديناميات الحرب أو أسبابها أو آثارها، بل تسعى إلى وضعها في سياق أوسع هو تفكّك الدولة. وعلى الرغم من صعوبة تحديد إذا ما كانت الحرب سببًا في تفكّك الدولة أو نتيجةً له، فإنّ السودان يشكّل حالة نموذجية لاختبار أطروحات تفكّك الدولة. بناءً عليه، تسعى الدراسة إلى تحليل عوامل تفكّك الدولة في السودان استنادًا إلى ما تقدّمه نظريات أو مقاربات تفكّك الدولة، لفهم التحديات التي تواجه بقاء الدولة السودانية خلال الحقبة التاريخية الممتدة من سنة 1821 حتى سنة 2025. وانطلاقًا من هذا المنظور، تتمحور إشكالية الدراسة حول السؤال التالي: هل تمثّل الحرب الجارية متغرّي ا كاشفًا لعملية تفكّك بنيوي تراكمت مقدّماتها عبر الزمن؟ أم أنّها متغّي رمفّس ريدفع، في حدّ ذاته، نحو تعميق هذا التفكك؟
ولتفكيك هذا السؤال المركزي، تحلّل الدراسة التفاعل بين ثلاثة أبعاد مترابطة: أوّلها الإرث التاريخي والمؤسسي الذي أضعف احتكار الدولة للعنف، وثانيها الديناميات الداخلية الراهنة المتمثّلة في صراع النّخب وتعدّد الفاعلين المسلّحين، وثالثها التدخلات الإقليمية والدولية التي تعيد هندسة الاقتصاد السياسي للحرب. ومن خلال هذا التحليل، تسعى الدراسة إلى تبّي نالشروط التي تجعل انهيار مؤسسة الدولة السودانية احتمالًا قائمًا، وتختبر في الوقت نفسه مدى صلاحية مقاربات تفكّك الدولة في تفسير التجربة السودانية أو الحاجة إلى مراجعتها. تعتمد الدراسة مقاربة السوسيولوجيا التاريخية، التي تُعدّ إطارًا نظريًا ملائمًا للبحث؛ فهي تجمع بين التحليل الاجتماعي والتاريخي لتقديم تفسير شامل لتطوّر المؤسسات عبر الزمن، وتعيد إدخال العناصر التاريخية في التحليلات الاجتماعية لفهم كيفية تفاعل التحّولّات البنيوية، مثل تطوّر الرأسمالية وتشُّكُل الدول القومية، مع تجارب الجماعات المختلفة وأنشطتها. كما تؤكد السوسيولوجيا التاريخية أهمية عدم التعامل مع "المجتمعات" باعتبارها كيانات، بل بوصفها نظمًااجتماعية تتداخل فيها السياسات والبنى الاجتماعية 4. وتختلف السوسيولوجيا التاريخية عن المقاربات التي تفصل بين البنية والفاعل؛ إذ إنها تركّز على كيفية تأثير العوامل البنيوية في سلوك الفاعلين، وترصد كيفية استجابتهم لها. وبعبارة أخرى، تؤكد هذه المقاربة أنّ التغّي رات التي تحدث على مستوى المؤسسات السياسية والاجتماعية لا تتم بمعزل عن الفاعلين الاجتماعيين، بل هي نتيجة تفاعل معقّد بينهم وبين الظروف التاريخية 5. وتستند الدراسة إلى المفهوم الذي قدّمه ماكس فيبر للدولة، الذي يعرّفها بأنها الكيان السياسي الذي يحتكر العنف المشروع داخل حدود جغرافية محددة 6. ويكتسب هذا التعريف أهمية خاصة في الحالة السودانية، لكونه يوفّر أداة تحليلية أساسية لفهم ظاهرة تفكّك الدولة، حيث إنّ فقدان الدولة لهذا الاحتكار يعّب رعن تراجع قدرتها على فرض النظام والسيطرة، وهو ما يظهر بوضوح في السودان، حيث أدّى انتشار الفاعلين العسكريين من خارج مؤسسات الدولة إلى مظاهر متعدّدة لتحلّل السلطة المركزية وتفكّك المؤسسات. ومن خلال الربط بين السوسيولوجيا التاريخية والمفهوم الفيبري للدولة، يصبح من الممكن تحليل الكيفية التي أدّت بها التحّولّات البنيوية التاريخية، مثل الاستعمار وتشكّل الهياكل الاجتماعية والاقتصادية، إلى زعزعة قدرة الدولة السودانية على احتكار أدوات العنف والضبط. ويقوم الاعتماد على السوسيولوجيا التاريخية في هذه الدراسة على تجاوز الثنائيات التقليدية، مثل العوامل المادية مقابل العوامل المتعلقة بالأفكار Ideational، والعوامل المحلية مقابل الدولية، وهي ثنائيات غالبًا ما تعيق الفهم الشامل لتطوّر المؤسسات، لأنها تركّز على جانب بعينه في التحليل وتغفل التفاعل القائم بينها. وبدلًامن ذلك، تسعى السوسيولوجيا التاريخية إلى تقديم رؤية تأخذ في الحسبان تفاعل العوامل السياسية والاقتصادية والثقافية عبر الزمن 7. وانطلاقًا من هذه المقاربة، تتّبع الدراسة مسار تشكّل الدولة الحديثة في السودان منذ نشوئها سنة 1821، وكيف تطوّرت بفعل التفاعلات بين بنى ومؤسسات اجتماعية وافدة مع الاستعمار، وأخرى محلية. ويشمل ذلك فهم كيفية تأثير القوى الاستعمارية والوطنية والتغّي رات السياسية في تشكيل مؤسسات السلطة وأنظمة الحكم؛ وبعبارة أخرى، تحليل كيفية تفاعل الدولة السودانية مع التحّولّات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية خلال فترة الاستعمار وما بعدها، وتفسير كيفية إسهام هذه التفاعلات في إنتاج الأزمات والنزاعات المتكرّرة. ولتقديم إطار نظري يساعد على فهم أزمة السودان، تعزّز هذه المقاربة فرضية مفادها أنّ الأزمات الراهنة ليست أحداثًا معزولة، بل هي تجلّيات لتفاعلات تاريخية ممتدة. فقد أسهمت أحداث تاريخية سابقة في تشكيل الوضع القائم. ومن خلال هذا الإطار النظري، يمكن المحاججة بأن التحديات الراهنة في السودان، مثل النزاعات الداخلية وتفكّك الدولة، هي امتداد لأزمات تاريخية طويلة الأمد بدأت مع التوسّع الإمبريالي في القرن التاسع عشر. ويشمل ذلك تحليل كيفية إسهام لحظات تاريخية فارقة، مثل التوسّع العثماني والاستعمار البريطاني، في تشكيل بنى سياسية واجتماعية هشّة لم تتوافق مع التنوّع المحلي، ولم تستطع مواكبة التغّي رات الاجتماعية والسياسية اللاحقة، الأمر الذي أدّى إلى تفاقم الأزمات المعاصرة. وبهذا تسعى هذه المقاربة إلى تقديم رؤية متكاملة للأزمات الحالية من خلال فهم تفاعل العوامل التاريخية مع التحديات المعاصرة.
تنقسم الدراسة ثلاثة مباحث رئيسة: يعرض المبحث الأول الإطار النظري، من خلال مناقشة أبرز المقاربات المفّسر ة لظاهرة تفكّك الدولة، بما في ذلك المقاربات البنيوية والسياسية والهوياتية. أما المبحث الثاني، فيقدّم معالجة إمبريقية لمسار تشكّل الدولة الحديثة في السودان، منذ تأسيسها في القرن التاسع عشر وحتى الوقت الراهن، مبرزًا التحّولّات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي أسهمت في إنتاج هشاشتها البنيوية. ويخصص المبحث الثالث لتحليل العوامل المباشرة التي أدّت إلى تفكّك الدولة، من صراع النخب وتعدّد الفاعلين العسكريين إلى التدخلات الخارجية وتآكل الشرعية.
أولًا: مفهوم تفّك ك الدولة ومقارباته النظرية
"لم ينعم جلّ تاريخ البشرية بوجود دول." جاءت هذه العبارة اللافتة في مقدمة كتاب جون إ. هول وغيلفورد جون إكنبيري "الدولة" 8. وفي واقع الأمر، لم يعد هناك اختلاف من حيث المبدأ، خصوصًا بين المنظّرين للدولة الحديثة، على أنّ الدولة ليست معطى طبيعيًا، بل هي مؤسسات وهيئات سياسية مصطنعة، لها تاريخها المرتبط بالممارسات الاجتماعية. وهذا يعني أنّها، بصفتها هذه، تنشأ وتستمر في البقاء مدفوعة بمسوّغات أخلاقية أو أيديولوجية تبرّر وجودها. وتشمل هذه المسوّغات التاريخ المشترك والخبرة الاجتماعية المشتركة لجماعة تعيش في إطار ترابي محدد، أو رابطة الدم (القبيلة، الإثنية، القومية)، أو مجموعة من المبادئ القانونية المتينة التي تنظّم حياة الأفراد والجماعات 9. بعبارة أخرى، الدولة، كما جادل فريدريك راتزل Ratzel Friedrich، تشبه الكائن الحي، تولد وتنمو ثم تموت 10. وفي هذا السياق، تحمل فرضية راتزل تأكيدًا بالغ الدلالة على إمكانية موت الدولة، أي تفكّكها ومن ثم انهيارها. غير أنّ ما سيطر على مجمل نقاشات علماء الاجتماع والسياسة منذ القرن السابع عشر على الأقل، كان صناعة الدولة، ومسار تشكّلها ووظيفتها. وفي المقابل، لم تحَظَ مسألة تفكّك الدولة بالاهتمام نفسه إلا في نطاق محدود. غالبًا ما تتداخل مفاهيم تفكّك الدولة، وهشاشة الدولة (أو ضعفها)، وفشل الدولة، وانهيار الدولة. ومع أنّ هذه الدراسة تُعنى أساسًا بظاهرة تفكّك الدولة، فإنّ الإطار النظري العام الذي تنطلق منه لا بدّ من أن يشمل تعريف هذه المصطلحات المتداخلة مع مفهوم التفكّك، لتوضيح نقاط الالتقاء وحدود الاختلاف بينها. لقد أصبح البحث في تفكّك الدولة مج لًابحثيًا حيويًا في الوقت الراهن، مع تزايد أهمية فهم العوامل التي تؤدي إلى انهيار الدّول في ظل التحديات المتزايدة، وبعد أن أصبح تفكّك الدول ظاهرة حاسمة في النظام العالمي. وفي هذا الإطار، شكّل تفّّك ك الاتحاد السوفياتي، ومن ثم انهياره، حدثًا محوريًا فتح الباب واسعًا أمام دراسات تفكّك الدول وانهيارها. ومن ناحية أخرى، أسهمت حروب أهلية حدثت في تسعينيات القرن العشرين، مثل حالَتَي يوغسلافيا ورواندا، في تعزيز الاهتمام وتوسيع النقاشات، ومن ثمّ ظهور الكثير من التفسيرات التي سعت إلى فهم الأسباب الرئيسة وتحليل المسارات المؤدية إلى تلك الأحداث، والتي اعُتبُرت إمّا دلالات على فشل مسار بناء الدول وإمّا مؤشرات لإمكانية تفكّكها ومن ثم انهيارها 11. يشير مصطلح "الدولة الفاشلة" إلى عجز الدولة عن أداء وظائفها الأساسية، سواء الخدمية كالصحة والتعليم، أو المتعلّقة بتأمين مستوى معيشي لائق للأفراد والجماعات، وضبط القانون والنظام. بعبارة أخرى، هي دولة تعاني خللًافي بنية مؤسساتها يحدّ من قدرتها على تلبية حاجات مواطنيها. كما أنّ حكومات الدولة الفاشلة غالبًا لا تولي التنمية أو تحقيق العدالة الاجتماعية اهتمامًا 12. ويمكن الإشارة إلى عدد من الأسباب التي تؤدي إلى فشل الدول، أبرزها: الصراعات العرقية والدينية أو الطائفية التي تُحدث انقسامات عميقة في المجتمع وُتُضعف قدرة الدولة على الوحدة والتماسك، واستشراء الفساد الذي يُضعف الأداء المؤسساتي لأجهزة الدولة ويعوق قدرتها على تقديم الخدمات الأساسية للمواطنين، وعدم الاستقرار السياسي الذي يعصف بمؤسسات الدولة، والتدخلات الخارجية التي تؤثر سلبيًا في فاعلية الدولة وقدرتها على إدارة شؤونها 14. أما "انهيار الدولة"، فهو مفهوم يشير إلى اختفاء الدولة واضمحلالها، كما حصل في يوغسلافيا والاتحاد السوفياتي اللذين تفتّتا إلى دويلات مستقلة بعضها عن بعض. وعلى الرغم من توُّلُد عدة دول جديدة، فإن الكياَنيَن السياسيين اللذين كانا يحظيان باعتراف المجتمع الدولي لم يعد
لهما وجود. وعادةً ما يتم الارتكاز في تحديد انهيار الدولة على مفهوم مؤسسي يستند إلى مفهوم ماكس فيبر للدولة، حيث تفقد الدولة قدراتها الرئيسة في ثلاثة أبعاد أساسية، هي: عدم القدرة على سنّ القوانين بفاعلية، وفقدان السيطرة الفعّالة على وسائل العنف، وعدم قدرتها على فرض الضرائب. وُتُعُّدُ هذه الأبعاد مجتمعة ضرورية وكافية لتحديد انهيار الدولة، ويجب أن تستمر هذه الوضعية مدة من الزمن 15. ويشير مفهوم "تفكّك الدولة" إلى تحُّلُل بنية السلطة والقانون والنظام السياسي للدولة، وتوزّع القوة أفقًّيًا بحيث لا تعود هناك جهة تحتكر وسائل العنف الشرعي. وفي هذه المرحلة، يسود الصراع بين القوى الاجتماعية على سلطة الدولة، وتظهر حالة من السيولة أو الفوضى تجعل كلّ جماعة تحاول حماية نفسها بنفسها في ظلّ غياب سلطة تنظّم الأمور أو قوة قسرية توفّر الحماية 16. وقد شهد العالم مؤخرًا تفكّك عدد من الدول، مثل العراق واليمن وليبيا. وما يثير الاهتمام في هذا التعريف أنّ الدولة لا تبدو كيانًا متعاليًا فوق المجتمع، بل مجموعة من الأفراد الذين يفرضون هيمنتهم على آخرين داخل مجال اجتماعي محدّد، كما هو الحال في النموذج الفيبري، حيث تفرض مجموعة تتشكّل من تحالف قوى اجتماعية هيمنتها على إقليم معّي ن، وتقيم سلطتها، وتؤسس نظامًا خاصًا بها17. نستشف من هذا التعريف أنّ الفرق بين تفكّك الدولة وانهيارها يكمن في أنّ التفكّك يقتضي استمرار بقاء الدولة المعترف بها دوليًا، حتى في ظلّ انقسام أجزاء منها أو اضطراب وضعها الداخلي وانفراط عقد النظام فيها. وتجسّد حالتا جمهورية الكونغو الديمقراطية التي دخلت في حالة فوضى عقب استقلالها سنة 1960، ولبنان بعد الحرب الأهلية سنة 1975، مثاَليَن بارَزَين؛ إذ استمر المجتمع الدولي في الاعتراف بكيان هاتين الدولتين وسيادتهما، بدلًامن التخلي عنهما وما قد يترتّب على ذلك من تطوّرات خطيرة. وقد ارتبط موقف المجتمع الدولي بمصلحته في الإبقاء على سيادة شكلية لهاتين الدولتين، والحرص على عدم إنكارها حتى في ظلّ غيابها الفعلي، منعًا لانتشار الفوضى، و/أو محاولة لحصرها في نطاق محدود 18. بالطبع، هناك الكثير من الأسباب والعوامل التي تتسبّب في تفكّك الدولة منها التاريخية، والمؤسسية، والأيديولوجية. ويمكن تفسير تكرار هذه الظاهرة على نطاق واسع، انطلاقًا من الصراعات الاجتماعية؛ فغالبًا ما تتفكّك الدولة نتيجة محاولات قوى اجتماعية متنافسة للهيمنة عن طريق احتكارها لثلاثة عناصر أساسية للسلطة، وهي: الأيديولوجيا، وأدوات العنف، والموارد الاقتصادية. وقد قُدّمت العديد من المقاربات والنظريات لتفسير عدد من حالات تفكّك الدولة، من خلال تحليل تأثير الصراعات الاجتماعية والأزمات الاقتصادية والسياسية في استقرار مؤسسة الدولة. ومن خلال دراسة هذه المقاربات والنظريات، يمكن إدراك كيفية تفاعل العوامل المختلفة وتفاقم الأزمات التي أدّت إلى تفكّك عدد من الدول 19.
1. الحرب وتفّك ك الدولة
قدّم تشارلز تيلي في دراسته الرائدة، "صناعة الحرب وبناء الدولة بوصفهما جريمة منظمة"، إطارًا نظريًا يفيد بأنّ الحرب مثّلت أحد أهم العوامل الأساسية في مسار تشُّكُل الدولة في أوروبا. ووفقًا لتيلي، كانت الحروب عمليةً مركزيةً في بناء الدولة، حيث أسهمت في تعزيز السلطات السياسية وإعادة هيكلة المؤسسات؛ ومن ثمّ، لم تكن الحرب، في اعتقاده، حالة من الصراع فحسب، بل كانت وسيلة لدمج الأقاليم المختلفة تحت سلطة مركزية، وتطور البيروقراطية. وفي هذا السياق، يزعم تيلي أنّ الصراعات الدموية في أوروبا دفعت الحكام والأمراء نحو تحسين قدرات كياناتهم السياسية في جمع الضرائب، وتنظيم الجيوش، وصياغة السياسات، مما أسهم في بناء هيكليات الدولة الحديثة 20. في المقابل، يقلب يوهانس ولدمريام في دراسته، "بناء الدولة وتفكّكها في إثيوبيا" الإطار النظري لمقاربة تيلي، ليجادل بأنّ الحرب، على الرغم من كونها تُعُّدُ أحيانًا عاملًافي تشكيل الدول، يمكن أن تؤدي أيضًا إلى تفكّكها. ففي دراسته للحالة الإثيوبية، يبّي نولدمريام أنّ الصراعات المستمرة والحروب المرتبطة بالتناقضات الإثنية أضعفت الوحدة الوطنية وأدّت إلى تصاعد النزعات الانفصالية، ومطالبة بعض الأقاليم بالاستقلال والحكم الذاتي، الأمر الذي أدى إلى تفكّك الدولة في إثيوبيا 21.
ومث لًاآخر على ذلك، أسهمت الحرب في تفكّك الدولة في العراق من خلال آليات متعدّدة. كانت البداية مع الحرب الإيرانية - العراقية 1988-1980() التي استنزفت الموارد المالية للدولة وأثّرت سلبيًا في قدرتها الاقتصادية. وعلى الرغم من اعتماد البلاد على عائدات النفط، فإنّ تكاليف الحرب الضخمة أدّت إلى أزمة مالية حادّة. وعلاوة على ذلك، ومع استمرار الحرب، تدهورت قدرة الدولة على تقديم الرفاهية لمواطنيها، ما أضعف الثقة بالنظام الحاكم. وبعد انتهاء الحرب، واجه العراق صعوبة في إعادة دمج الجنود العائدين إلى المجتمع، حيث كان العديد منهم يعتمدون على الوظائف الحكومية. وبعد حرب الخليج الثانية 1991-1990() وفرض العقوبات الدولية، تقلّصت السيادة الوطنية للعراق، ما زاد من ضعف الدولة، واضطرت الحكومة إلى إعادة تشكيل شرعيّتها من خلال الاعتماد على القوميات والمرجعيات الدينية، وهو ما أضعف المؤسسات الحكومية بدرجة أكبر. وكانت النتيجة أنّ هذه الديناميات المجتمعية تسبّبت في تصاعد الصراعات الداخلية التي قادت إلى تفكّك الدولة بعد سنة 2003، عقب الغزو الأميركي، حيث أثبتت الحرب أنّها مدمّرة للبنية التحتية المؤسسية والعلاقات الاجتماعية في العراق 22.
2. صراع النخب
حلّل بعض الباحثين تفكّك الدولة من خلال عدسة الصراع بين النخب أو الشرخ في الائتلاف الحاكم في الكثير من الحالات، خصوصًا في سياق التنافس السياسي والصراع على الموارد. ويفترض أصحاب هذه المقاربة أنّ الصراع بين النخب الحاكمة وتضارب مصالحها في حالات، مثل الصومال والاتحاد السوفياتي واليمن والعراق وأفغانستان وليبيا ويوغسلافيا، قد أدّى في النهاية إلى تفكّك هذه الدول. ووفق آلية سّم اها ديمتري شيفسكي "مركزية النّخب"، فإنّ تحكّم مجموعة صغيرة من نخب هذه البلدان في السلطة والثروة، واستبعاد الآخرين بمسوّغات أيديولوجية، قادا إلى صراعات سياسية وتوترات اجتماعية عنيفة، ومن ثم إلى تفكّك الدولة 23. ومع ذلك، كما يوضح روبرت دال، ثمّة تحديات أمام إثبات التأثير الحاسم للنخب الحاكمة؛ إذ إن الأمر يتطلب معطيات دقيقة ومحددة لاختبار فرضية وجود نخبة حاكمة، مثل تحديد أفراد بعينهم وتحليل قرارات سياسية رئيسة تُظهر تباين مصالح النخبة مع تفضيلات المجموعات الأخرى. ويشير دال إلى صعوبة قياس تأثير النخبة من دون وجود بيانات كافية أو حالات واضحة تبّي نكيفية تأثير تفضيلات النخبة في القرارات السياسية مقارنةً بالمصالح الأخرى 24. وأكثر من ذلك، تُظهر بعض الحالات التي تناولتها مقاربة صراع النخب أنّها غير دقيقة في تفسير تفكّك الدولة. فعلى سبيل المثال، في الصومال وليبيا واليمن وأفغانستان والعراق، أدّت التدخلات الخارجية دورًا أكبر في زعزعة استقرار الأنظمة القائمة، الأمر الذي أدّى إلى تفكّك الدولة. بعبارة أخرى، مثّلت التدخلات العسكرية والسياسية للقوى الخارجية عاملًامحوريًا في تقويض الاستقرار الداخلي وتفكيك الدولة، ما يشير إلى أنّ الأسباب الرئيسة لتفكّك الدول في هذه الحالات تتجاوز صراعات النخب الوطنية وحدها.
3. المقاربة الجيوستراتيجية
تقترح هذه المقاربة منظورًا أوسع لفهم نشوء الدولة وتفكّكها، فهي تركّز على تأثير العلاقات الدولية والديناميات الخارجية. ووفقًا لهذه المقاربة، لا يمكن تفسير تفكّك الدول من خلال العوامل الداخلية، مثل الصراعات الإثنية أو السياسية فحسب، بل ينبغي أيضًا النظر في التأثيرات الخارجية التي تمارسها الدول الأخرى، خصوصًا القوى الكبرى منها، والمؤسسات الدولية. وتتجّل ى هذه التأثيرات في تأجيج النزاعات الإقليمية حول الأراضي والموارد وتغذيتها، أو في الكيفية التي يدفع بها موقع الدولة الاستراتيجي إلى مساٍعٍ خارجية مستمرة لتتدخل قوى أخرى في شؤونها. وقد تكون هذه التدخلات اقتصادية (مثل فرض العقوبات)، أو عسكرية (مثل دعم فصائل معينة أو تدخّل عسكري مباشر قد يبلغ حَّدَ الغزو والاحتلال)، وجميعها تفضي إلى إضعاف النظام القائم أو إطاحته 25. وتشير بعض الأمثلة التاريخية، مثل تدخّل حلف شمال الأطلسي "الناتو" في ليبيا، والتدخّل الأميركي في العراق وأفغانستان، إلى كيفية تأثير التدّخلّات العسكرية المباشرة في تفكّك الدولة. ففي هذه الحالات، أدّى إسقاط الأنظمة السياسية من دون تقديم بدائل فعّالة إلى فراغ سياسي وأمني، ومن ثمّ انتشار الفوضى وتعاظم احتمالات التفكّك. وقد تجلّت هذه الآثار في غياب الاستقرار، وظهور فصائل وفواعل متنافسة تسعى إلى السيطرة على الموارد والسلطة، مما زاد من تعقيد المشهَدَين السياسي والأمني في تلك الدول 26.
وإلى جانب التدّخلّات العسكرية، يمكن أن تؤدي العزلة الدولية والعقوبات الاقتصادية الصارمة دورًا مهمًافي تفكّك الدولة؛ إذ إن هذه السياسات تُضعف الدولة من الداخل، فُتُفاقم انعدام الاستقرار السياسي والاقتصادي. وفي حالات مثل كوريا الشمالية وإيران، تؤدي العزلة والعقوبات إلى تعزيز العداء تجاه القوى الخارجية، لكنها في الوقت نفسه تزيد من الصعوبات التي تواجه هذه الدول في الحفاظ على الاستقرار الداخلي. ووفق هذا المنظور، قد يكون تفكّك الدولة نتيجة مباشرة لتشابك السياسة الدولية والتدّخلّات الخارجية، إذ إن بقاء الدولة وقوّتها يعتمدان إلى حدّ بعيد على التوازنات والمصالح الدولية، لا على القوى والعوامل الداخلية فقط.
4. غياب الشرعية
فُِّت حالات تفكّك بعض الدول بغياب شرعية النظام السياسي أو تآكلها في نظر المواطنين. ففي ظلّ غياب حكم القانون، ومشروع المواطنة، وآليات العمل الديمقراطي والتوافق السياسي، خصوصًا في المجتمعات المنقسمة إثنيًا أو دينيًا، وبصورة أكثر إيجازًا، عندما تتحوّل الدولة إلى أداة لسيطرة فئات اجتماعية أو سياسية على غيرها، وتسخيرها لخدمتها وتبرير سلوكها تجاهها، فإنّ الأخيرة تميل إلى التمرد والثورة على سلطة الدولة ونزع الشرعية عنها، ما يؤدي إلى حدوث اضطرابات سياسية عنيفة أو حروب أهلية قد تفضي في كثير من الأحيان إلى تفكّك الدولة 27. وفي واقع الأمر، تُعُّدُ الشرعية عنصرًا أساسيًا في بناء الدّول وتماسكها. وقد تكون قومية أو وطنية، خصوصًا في مجتمعات متعدّدة الإثنيات. وتشير في هذا السياق إلى مدى نجاح الدولة في تعزيز انتماء مواطنيها إليها باعتبارها وطنًا، وإلى القيم والمبادئ التي يدعمها المجتمع. وتختلف من دولة إلى أخرى، بغضّ النظر عن شرعية الحكام أنفسهم؛ فقد يتمتعون بشرعية قانونية في حين تفقد الدولة شرعيتها في نظر جزء من المجتمع. ولا تقتصر الشرعية على الجانب القانوني، بل تشمل أيضًا العوامل الثقافية والتاريخية التي تؤثر في نظرة المجتمع إلى الدولة 28. ومع ذلك، ليس من الضروري أن يؤدّي نقص الشرعية السياسية وغياب حكم القانون والديمقراطية في المجتمعات المنقسمة إلى نشوب اضطرابات سياسية أو حروب أهلية ومن ثم تفكّك الدولة. ففي حالات كثيرة، استطاعت أنظمة سلطوية أو حكومات انقلابية أو تلك التي تحكم بالشرعية الثورية أن تفرض النظام وتحقّق الاستقرار، بل أن تحرز نجاحات اقتصادية. وُتُعُّدُ رواندا بعد حربها الأهلية سنة 1994، مث لًاعلى نظام غير ديمقراطي ذي صيغة ليبرالية في الحكم، بينما تجسّد إرتيريا نموذجًا لنظام غير ديمقراطي ويحكم بالشرعية الثورية.
5. العولمة
أحدثت تحّولّات عالمية كبرى، جرت مؤخرًا، نوعًا من الحراك التنظيري حول ظاهرة تفكّك الدولة، ومن ذلك الدور المحوري الذي أدّته وسائط التواصل الاجتماعي في ثورات الربيع العربي، على سبيل المثال. وقد ظهرت مقاربات تفّس رتفكّك الدول بوتيرة العولمة المتسارعة، والاعتماد المتبادل المتوسّع باستمرار، وانتشار الشركات المتعدّدة الجنسيات. وترتكز هذه المقاربة على فرضية مفادها أنّ سيادة الدول باتت مهَّدَدة، أكثر من أي وقت مضى، في ظلّ العولمة؛ وذلك لعدد من الأسباب، منها: انخفاض مستوى الأمن القومي، وتقييد الوسائل المتاحة لتجاوز مخاطر زعزعة الاستقرار السياسي. وتفترض هذه المقاربة أنّ العولمة شكّلت عاملًافي انهيار عدد من الدول، خصوصًا الدول المتعددة الجنسيات 30. وتبسّط هذه المقاربة أمورًا شديدة التعقيد والتركيب، بحيث تتجاوز حقيقة مطالب المجتمعات بهوية نابعة من ذاتيتها الثقافية أو اختلافها اللغوي، خصوصًا عندما تفشل المؤسسات أو الأيديولوجيا المهيمنة في الدولة في تزويدها بها. وفي ذروة الحراك العولمي، طالبت شعوب كثيرة بتقرير مصيرها واستقلالها عن الدول التي تعيش في إطارها الجغرافي وتكوين دولها، كما هو حال الأكراد 31. ك ما أّّن الدولة يمكن أن تتعايش مع العولمة، بل أن تكون من أهم أدواتها. وما يحدث ليس تعبيرًا عن مرحلة "ما بعد الدولة"، بل عن تقليص لبعض وظائفها، مقابل ظهور بعض الوظائف الجديدة لتبرهن على ضرورتها وفاعليتها، مثل الصراع والمساومة على مستوى تنظيم الأسواق المشتركة مع دول أخرى 32. والمهم في الأمر، أنّه لا يوجد تناقض حقيقي بين هذه التفسيرات والتعقيدات التي تصاحب حالات تفكّك الدول في الواقع، خصوصًا عندما تفشل إحداها في توصيف الأسباب الحقيقية والجذرية لحالةٍ
ما ضمن سياق معّين. وينبغي القول إنّ هذه التفسيرات والمقاربات لا تتعارض، ولا يوجد تفسير منها أكثر إقناعًا من الآخر؛ بل قد تعمل مترابطة في بعض الأحيان. وواقع الحال، أنّ كثيرًا من حالات تفكّك الدول اجتمع فيها بعض هذه التفسيرات أو جميعها، كما سيتبّي نلنا في الإطار الإمبريقي للدراسة.
ثانيًا: التحّولّات السياسية وتفّك ك الدولة في السودان
تزعم الدراسة أنّ تفكّك الدولة في السودان، سواء في انفصال الجنوب سنة 2011 أو في سياق الحرب الراهنة، يرتبط ارتباطًا وثيقًا بمسار تشكّل الدولة والتحّولّات العميقة التي طالت بنيتها السياسية والاجتماعية. فقد أسهمت أحداث تاريخية متراكمة في إنتاج بنية مؤسسية هشّة أفرزت عوامل متعدّدة لتفكّك الدولة. وعلى الرغم من أنّ الحالة السودانية تتقاطع في جوانب عديدة مع ما تقترحه المقاربات النظرية المستعَرَضة، فإنّها تكشف أيضًا عن خصوصية تاريخية وسياسية تتيح لها تجاوز هذه النماذج في بعض أبعادها، وتفرض قراءة نقدية للإطار النظري التقليدي لفهم مسار تفكّكها.
مدخل
تشكّل هيكل المجتمع والدولة في السودان الحديث نتيجة مباشرة لمرحلتين من مراحل التوسّع الإمبريالي. تمثّلت اللحظة الأولى في سنة 1821، حين فرضت الجيوش العثمانية، انطلاقًا من مصر التي كانت حينها ولاية عثمانية، سيطرَتَها على شعوب وممالك وسلطنات متفرّقة، لتصهرها في كيان سياسي موحّد. وقد أنهت الثورة المهدية ذلك المشروع التوسّعي. أمّا اللحظة الثانية فكانت في سنة 1899، والتي شهدت تدشين الإنكليز لمشروعهم الاستعماري في السودان بعد القضاء على الدولة المهدية 33. ما يهمنا، في هذا السياق، هو أنّ "مجيء الأتراك والبريطانيين إلى السودان، قبل الثورة المهدية وبعدها، لم يؤدّ فقط إلى إضافة المزيد إلى التنوّع المدهش أصلًالشعوب السودان، بل أفضى إلى قيام دولة تتحكّم فيها أشكال حكم جديدة مصطنعة"، ونظام اقتصادي حديث برزت معه مؤسسات جديدة فوق بنية أصلية وعميقة الجذور، وتاريخ طويل من الممارسات التي ظلّت آثارها كامنة في بنية المجتمع، مثل تجارة الرّق 34. لقد حملت هذه الدولة الحديثة المصطنعة بذور تفكّكها في داخلها بسبب عدّة عوامل ناتجة من تاريخ تطوّرها وتركيبتها المعَّقَدة. فقد شكّل التباين الثقافي والعرقي أحد الأسباب الرئيسة للانقسامات الاجتماعية؛ إذ يضمّ السودان مجموعة واسعة من الجماعات العرقية والثقافية المتباينة، وقد تسببت التفضيلات الحكومية لبعض هذه الجماعات على حساب أخرى في تصاعد التوترات والإقصاء بين الأقاليم المختلفة. وزاد هذا التمييز من مشاعر الاستياء والعداء تجاه الحكومات المركزية، ما أسهم في ضعف اللّحمة الوطنية 35. من ناحية أخرى، عانت الحكومات المركزية في السودان فشلًامستمرًا في إدارة الأقاليم البعيدة بفاعلية. وأدّى ضعف القدرة على تحقيق إدارة سياسية فعّالة في المناطق النائية إلى شعور سكان الأطراف بالتهميش والإهمال، كما عزّز هذا الفشل السياسي الإداري مشاعر الغضب وعدم الرضا بين هذه الأقاليم، ما زاد من احتقانها ورغبتها في الانفصال 36. وكانت سياسة الاستغلال والتمييز ضدّ المناطق النائية أحد العوامل التي أسهمت في تفكّك الدولة؛ إذ إن معظم الحكومات الوطنية سعت إلى فرض تجانس سياسي ولغوي وديني من خلال القمع والتمييز، ما أوجد حالة من عدم الرضا بين عدد من المجموعات الثقافية. إضافةً إلى ذلك، فإنّ اعتماد هذه الحكومات على القوّة لفرض سلطتها لم يكن كافيًا لضمان الاستقرار أو الولاء، بل أدّى إلى زيادة مشاعر المقاومة والرغبة في الانفصال. كما أسهمت النزاعات المستمرة، سواء بين القبائل أو بين الحكومات المتعاقبة حول الأرض والموارد والسلطة، في تفكيك الوحدة الوطنية وعدم استقرار الدولة 37. في المحصلة، أفرزت السياسات الاستعمارية دولة مختلّة هيكليًا. ومع ذلك، سعت النخب السياسية جاهدة للحفاظ عليها بعد الاستقلال. وفي ظلّ غياب ملامح مشروع سياسي يذيب الفوارق والتباينات الموروثة من حقب سابقة، سواء من خلال رؤى تنموية أو سياسات اقتصادية - اجتماعية تنتهي بإعادة بناء المجتمع والدولة، برزت توترات اجتماعية وسياسية؛ نتيجة شعور بعض المكوّنات الاجتماعية في أقاليم السودان المختلفة بعدم الرضا تجاه الوضع الجديد. وبالفعل، شهد آب/ أغسطس 1955 تمردًا عسكريًا قادته فرقة الاستوائية (القوات الجنوبية في قوة دفاع السودان) 38.
صحيح أنّ العمل المسلّح الأول من نوعه في توريت سنة 1955، على الرغم من محدودية تأثيره، كان انعكاسًا للغضب الشعبي تجاه الوضع السياسي في الجنوب، واستجابة مباشرة للظروف الاجتماعية والاقتصادية التي خلّفتها نتائج "سودنة الوظائف"، غير أنّ القبول الذي لقيه ذلك لدى المكونات الاجتماعية والقوى السياسية في الجنوب مثّل دليلً على متانة الانتماءات الأولية، وفي المقابل، أكّد هشاشة الروابط المؤسسية الجديدة التي جاءت مع الدولة الحديثة. لقد شكّلت هذه الانتفاضة بذرة مهّدت لاحقًا لأوّل تفكّك للدولة في سنة 2011، كما مثّلت تحوّلً جذريًا في بنية العمل السياسي؛ فقد بات الفاعلون السياسيون يفضّ لون العمل المسلّح لتحقيق مطالبهم بدلً من التنظيم الحزبي المدني وفق آليات العمل السلمية 39. وفي هذا السياق، تبُرز الأدبيات المعنية بتفكّك الدولة في السودان مجموعة من الأطروحات التفسيرية التي يمكن تقسيمها إلى خمسة اتجاهات رئيسة، تتباين في تركيزها على العوامل البنيوية والسياسية والاجتماعية الاقتصادية:. أ الاتجاه الأول: يبرز دور الفاعلين غير الرسميين، مثل المنظمات غير الحكومية، بوصفها قوى أسهمت في إضعاف الدولة المركزية. إذ تصوّر هذه الأطروحة أنّ تدخّل هذه المنظمات، على الرغم من أهدافها الإنسانية المعلنة، أدّى إلى تقويض سلطة الدولة من خلال إيجاد مساحات خارج سيطرتها، ما عمّق الفجوة بين الحكومة والمجتمع، وأنتج أنماطًا بديلة من السلطة غير الرسمية 40. وعلى الرغم من أهمية هذا الطرح في تسليط الضوء على علاقة الدولة بالمجتمع المدني، فإنّه يتجاهل السياق البنيوي الأعمق؛ حيث إنّ ضعف الدولة كان سابقًا على ظهور هذه الفواعل غير الرسمية، ما يجعلها نتيجة للأزمة البنيوية لا سببًا أصليًا لها.. ب الاتجاه الثاني: يركّز على الصراع بين النّخب السياسية، ويرى أنّ الانقسامات الحادة بينها، خصوصًا في جنوب السودان، أسهمت في تعقيد الوضع السياسي وتفاقم النزاعات، وصولًاإلى الانفصال. ووفق هذا المنظور، فإنّ غياب توافق النخب على مشروع سياسي جامع حوّل الدولة إلى ساحة صراع على الموارد والسلطة 41. وعلى الرغم من أهمية هذا التحليل في إبراز دور النخب، فإنه يميل إلى تفسير إرادوي يغفل السياق البنيوي الذي أفرز تلك الانقسامات؛ إذ إن النخب الجنوبية تشكّلت في فضاء سياسي استعماري قائم على الهويات المناطقية، ما جعل صراعها على السلطة نتيجة لفشل الدولة الحديثة في بناء عقد اجتماعي جامع ومتماسك.. ج الاتجاه الثالث: يعالج ظاهرة انتشار الميليشيات القبلية بوصفها عاملً رئيسًا في تفكّك الدولة، ويرى أنّ هذه الميليشيات عكست غياب الثقة بمؤسسات الدولة وأضعفت احتكارها ل "العنف الم وررع"، على نحو أدى إلى استقطاب المجتمع وتقويض الروابط الوطنية 42. غير أنّ هذا الطرح يحتاج إلى إعادة نظر؛ إذ إنّ الدولة نفسها أسهمت في إنتاج هذه الميليشيات بوصفها أدوات للسيطرة على تمرّدات الأطراف وانتفاضاتهم، قبل أن تنقلب لاحقًا إلى قوى مستقلة تقوّض مشروع الدولة المركزية. ويتجلّ ذلك بوضوح في حالة قوات الدعم السريع خلال حرب نيسان/ أبريل.2023. د الاتجاه الرابع: يبُرز العوامل الاقتصادية والاجتماعية بوصفها أساسًا بنيويًا للأزمة؛ حيث أدّى التدهور الاقتصادي وغياب التنمية في الأطراف إلى تصاعد النزاعات وتفكّك الدولة. وعلى الرغم من أنّ هذا الطرح يقدّم رؤية بنيوية مهمة، فإنه يحتاج إلى الدمج مع التحليل السياسي، لأنّ التفاوت الاقتصادي كان نتاجًا لسياسات الدولة المركزية التمييزية تجاه الأطراف، ما جعل الفقر والتهميش عاملين رئيسين في تغذية النزاعات 43.. ه الاتجاه الخامس: يركّز على العوامل الهوياتية والانقسامات الثقافية والعرقية، بوصفها جوهر الأزمة السودانية. ويرى أنّ التناقضات بين العرب وغير العرب، المتجذّرة في المنافسة على الموارد والسلطة، أسهمت في بروز أيديولوجيات عنصرية أجّجت الصراع 44. غير أنّ هذا التحليل، على الرغم من أهميته في إبراز دور الهوية، يميل إلى المبالغة في تصوير الصراع على أنه صراع عرقي مستقل، من دون ربطه بالسياسات البنيوية للدولة الحديثة التي حوّلت الفروقات الثقافية إلى أدوات تعبئة سياسية. على الرغم من ثراء هذه الأطروحات في تقديم تفسيرات متعدّدة لتفكّك الدولة السودانية، فإنّ معظمها يميل إلى معالجة الأسباب والتفسيرات بمعزل عن المسار التاريخي للدولة، أو يركّز على بُعٍدٍ
واحد من أبعاد الأزمة من دون الإحاطة بتداخلاتها. وغالبًا ما يُنظر إلى تفكّك الدولة بوصفه حصيلة لأزمات ظرفية أو نتيجة لصراعات سياسية أو هوياتية، من دون التوقّف عند الكيفية التي تراكمت بها هذه العوامل عبر الزمن وأعادت إنتاج نفسها في سياقات مختلفة. ويقَّدَم انفصال الجنوب في سنة 2011، في كثير من الأحيان، بوصفه ذروة الأزمة، لا علامة على سيرورة أطول وأشد تعقيدًا من التآكل المؤسسي والاجتماعي. ومن هذا المنطلق، تسعى الدراسة إلى مقاربة الظاهرة من زاوية مختلفة، ترى في تفكّك الدولة عملية ممتدّة ومركّبة ناتجة من تفاعلات تاريخية بين البنى والمؤسسات والفاعلين، المحليين والخارجيين. ويتيح هذا المنظور قراءة أشد عمقًا وتشابكًا واستمرارية لأزمات الدولة السودانية، لا بوصفها أحداثًا منعزلة، بل بوصفها امتدادًا لتحّولّات بنيوية وسياسية بدأت منذ تشكّل الدولة الحديثة في القرن التاسع عشر.
ثالثًا: محدّدات تفّك ك الدولة في السودان (2011 - 2025)
يمثّل هذا المحور تتويجًا للتحليل التاريخي والنظري السابق؛ فهو ينتقل من تفكيك مسار تشكّل الدولة السودانية إلى فحص العوامل المباشرة التي قادت إلى تفكّكها في العقد الأخير. ففي ظلّ الإرث البنيوي الهشّ، تكشّفت أزمات ما بعد الاستقلال عبر موجات متصاعدة من الصراع الأهلي، والانقلابات، والتهميش المناطقي، إلى أن بلغت ذروتها في حرب نيسان/ أبريل.2023 يحلّل هذا القسم الديناميات التي عجّلت بانهيار مؤسسة الدولة، وفي مقدّمتها تفاقم الصراعات الاجتماعية، وتآكل المؤسسات، وتعدّد الجيوش والميليشيات، إضافةً إلى التدخلات الإقليمية والدولية، وفشل مسار الانتقال الديمقراطي. وُيُظهر هذا التحليل أن هذه العوامل تفاعلت في سياق مأزوم لُتُنتج حالة من "التفكك الهجين"؛ حيث تتآكل السيادة من الداخل، مع بقاء الشكل الخارجي للدولة قائمًا.
1. الصراعات الاجتماعية
ارتبط التفكّك الأول في السودان بالصراع الاجتماعي بين مكوّناته، أي بالديناميات الثقافية والنزعات الإثنية المناطقية. وتقترح الدراسة مساَرَين يفّسر ان هذا الصراع؛ يتمّّث ل المسار الأول في أثر حملات اصطياد الرقيق من المناطق الجنوبية وجبال النوبة وجنوب النيل الأزرق، والذي ظلّ راسخًا في الذاكرة الاجتماعية والسياسية للسودانيين. فعلى الرغم من أنّ مؤسسة الرقّ انتهت منذ الحقبة الخديوية، فإنّ آثارها ظلّت كامنة في بنية المجتمع والدولة، فالمفاهيم العنصرية، اللونية والمناطقية، التي انبنت على تلك الممارسة استمرت في التفريق بين السودانيين على أسس إثنية ومناطقية، وأسهمت في تغذية النعرات والصراعات الأهلية، بل في تعزيز النزعات الانفصالية. وتمثّل تجربة المقاومة المسلحة في الجنوب، وما تلاها من انفصال سنة 2011، مث لًابالغ الدلالة على ذلك 45. أما المسار الثاني فقد ظهر بوضوح في الحرب الراهنة؛ إذ عّبتر الصراعات الاجتماعية عن نفسها عبر بروز النزعات الإثنية والمناطقية، ما مثّل نقطة تحوّل فارقة في طبيعة الصراع. وقد تجّل ىذلك في أعمال القتل التي نفّذتها قوات الدعم السريع على أسس عرقية في مدينة الجنينة التي تقع في غرب دارفور، بالتوازي مع حملات اعتقال نفّذتها الأجهزة الأمنية السودانية ضدّ من وُصفوا ب "الخلايا النائمة" الداعمة للتمرّد، والتي غلب عليها الانتماء إلى قبائل دارفور. فتحت هذه الديناميات الباب أمام تحالفات عشائرية ومناطقية جديدة، الأمر الذي زاد الصراع تعقيدًا، ورفع وتيرة تفكّك الدولة، لا سّيمّا مع ظهور حركات وجيوش جديدة ذات تركيبة إثنية ومناطقية تطالب بإعادة توزيع السلطة والثروة. وفي سياق الصراعات الاجتماعية، تجدر الإشارة أيضًا إلى الكيفية التي أوجدت بها السياسات التنموية الاستعمارية اختلالات هيكلية وفوارق تنموية، أدّت إلى تفاوت اجتماعي حادّ بين ما أسمته العديد من الأدبيات السياسية في السودان "المركز" و"الهامش." وفي واقع الأمر، لا يمكن فهم تفكّك الدولة في الحرب الراهنة من دون إدراك عامل الصراع بين المركز والهامش وديناميته. فمنذ الحقبة التركية 1885–1821()، استمر التباين الكبير في مستويات التنمية الاقتصادية بين سكان الوسط والشمال من جهة، وبقية المناطق من جهة أخرى. وقد عزّز ذلك مشاعر الاستياء والتمييز في الهوامش، إذ تركّزت التنمية في المناطق الحضرية مثل الخرطوم، بينما هُمّشت المناطق الريفية والنائية. وأسفر هذا التوزيع غير المتكافئ للموارد والخدمات عن شعور بالاستبعاد لدى سكان الهامش ونخبه، ما زاد من التوترات بينهم وبين حكومات المركز 46.
2. ضعف مؤسسات الدولة
تُعدّ البنية المؤسسية وتماسك أجهزة الدولة عامَليَن بنيوَّييَن في قياس مستوى تفكّكها. وتنطلق الدراسة من تعريٍفٍ يرى أنّ الدولة، في جوهرها، هي "مجموعة من مؤسسات حاكمة منَّظَمة، يتصل بعضها
ببعض بشكل رسمي ولها بعض التماسك والتلاحم" 47. ومن ثمّ، فإّن أيّ ضعف أو تحلّل يصيب هذه المؤسسات يَُعَدّ مظهرًا من مظاهر تفكّك الدولة أو ضعفها. وفي ظلّ حالة السيولة التي تعتري مؤسسات الدولة السودانية وأجهزتها في الوقت الراهن، تصبح الدولة مهدّدة أكثر من أيّ وقت مضى بفقدان قدرتها على حماية نفسها من المخاطر الخارجية، أو أداء وظائفها ومسؤولياتها الداخلية. وفي هذا السياق، تصبح موارد البلاد وثرواتها الطبيعية عرضة للنهب، وتنتشر شبكات الجريمة، وقد تظهر جيوب للإرهاب العابر للحدود، ويتزايد احتمال اندلاع صراعات وتوترات اجتماعية عنيفة.
3. تعدّد الفاعلين العسكريين
كما سبقت الإشارة، أدّى غياب المساواة والتفاوت الاجتماعي الحاد في السودان إلى صراعات وتوترات اجتماعية واضطرابات سياسية (ثورات وتمردات.) وشجّعت بنية النظام السياسي الفاعلين السياسيين على تبنّي العنف، في ظلّ قلة فرص تقاسم السلطة 48 والمشاركة السياسية والتمثيل العادل. ومنذ بروز ثقافة العمل السياسي المسلّح في سنة 1955، شهد السودان ظهور عدد لا يُستهان به من المليشيات التي قاتلت الدولة، في مناطق جبال النوبة، والنيل الأزرق، ودارفور، وشرق السودان. وترى الدراسة، استنادًا إلى النموذج الفيبري للدولة، وإلى مقاربة تفكّك الدولة التي قدّمها أدهم صولي، أنّ هذه الوضعية العسكرية الشاذة تعّب رعن حالة تفكّك الدولة، خصوصًا في ظلّ التوزّع الأفقي للقوة، وعدم احتكار الجيش لأدوات العنف، وصراع القوى الاجتماعية على السلطة 49. إلى جانب ذلك، ظهرت عدة جماعات مسلّحة أو ميليشيات في عدد من المناطق والمدن بدوافع مختلفة. وتكمن المعضلة الرئيسة في أنّ التركيبة الاجتماعية لهذه الجماعات وأجندتها السياسية غالبًا ما تعكس مصالح ضيّقة لمجموعات إثنية أو مناطقية بعينها. ففي إقليم دارفور مثلًا، شكّلت هزيمة الجيش في أكثر من مدينة حافزًا لتسابق الجماعات المسلّحة الموجودة على السيطرة والنفوذ، قد تكون بدوافع حماية بعضها للمجموعات الإثنية التي تنحدر منها، و/ أو اقتصادية بالنسبة إلى تلك التي توجد بالقرب من الأسواق الكبرى ومناطق تعدين الذهب، أو لها مصالح مرتبطة بالحركة التجارية النشطة مع دول الجوار، أو سياسية بالنسبة إلى تلك التي تحمل نزعات انفصالية. وفي جميع الأحوال، يعكس غياب الجيش وسيطرة هذه الجماعات المسلحة على مساحات واسعة، صورة من صور تحلّل مؤسسة الدولة أو تفكّكها.
4. التدّخ ل الخارجي
خضع السودان، منذ الحقبة الاستعمارية وما بعدها، لتشكيل سياسي تحكمه اعتبارات المياه والممرات البحرية أكثر من موارده الموجودة في باطن الأرض. فقد أنشأت الإدارة البريطانية – المصرية ميناء بورتسودان في المدة 1909–1905 لتأمين خطّ التموين الإمبراطوري إلى الهند، وربطته بشبكة سكك حديدية تصل كسلا بالخرطوم لحماية مصالحها في وادي النيل 50. وبعد الاستقلال، عَّمَق "اتفاق مياه النيل" لسنة 1959 ارتباط الخرطوم بالقاهرة من بوابة الأمن المائي، فبقي السودان في قلب معادلة "المنبع/ المصبّ " التي لطالما حرّكت سياسات مصر الإقليمية 51. وفي سبعينيات القرن العشرين وثمانينياته، دخلت ليبيا وإثيوبيا على خطّ التنافس عبر دعم حركات و/ أو فصائل سودانية مسلّحة في جنوب البلاد وغربها ووسطها، ما أرسى تقليدًا يبدو راسخًا يتمثل في استخدام الحدود المرنة و/ أو الرخوة لتقويض السلطة في الخرطوم 52. وفي مرحلة ما بعد إطاحة البشير، أدّت العوامل الخارجية دورًا في تعميق الانقسام السياسي. ولأسباب جيوستراتيجية، ظلّ السودان محطّ اهتمام العديد من القوى الدولية والإقليمية، بوصفه ثالث أكبر دولة أفريقية من حيث المساحة، وامتلاكه موارد وثروات طبيعية هائلة، فضلًاعن موقعه الاستراتيجي الحيوي المرتبط بأمن القرن الأفريقي وطريق البحر الأحمر 54، الذي يشهد صراعًا محتدمًا للسيطرة والحصول على موطئ قدم بين عدد من القوى الكبرى. وفي هذا السياق، تنافست الولايات المتحدة الأميركية مع روسيا التي سعت إلى إنشاء قاعدة عسكرية على ساحل مدينة بورتسودان مع نهاية حقبة البشير، في حين أولت الصين، بوصفها قوّة اقتصادية
صاعدة، اهتمامًا بالمنافذ التجاريّة الحيويّة كطريق البحر الأحمر، إلى جانب الحرص الأميركي على ضمان أمن "إسرائيل." إقليميًا، أدّت بعض القوى أدوارًا مزدوجة؛ إذ وصف قادة الجيش دور الإمارات العربية المتحدة بالتخريبي والداعم لقوات الدعم السريع، بينما سعت مصر والمملكة العربية السعودية إلى تقريب وجهات النظر بين الفرقاء وتشجيعهم على الحل السياسي عبر منبر جدة التفاوضي ومؤتمر دول الجوار. ومع ذلك، ظلّ الموقف الرسمي المصري أقرب إلى دعم الجيش بوصفه سلطة الأمر الواقع. ومن المتعارف عليه، أنّ السودان يمثّل العمق الاستراتيجي لأمن مصر، وهو ما يجعل الأخيرة حريصة على الإبقاء على علاقات قوية بينها وبين أيّ نظام حاكم. وفي الآونة الأخيرة، ازدادت حاجة مصر إلى التقارب مع قادة الجيش السوداني، خوفًا مما تراه خطرًا إثيوبيًا وتهديدًا لأمنها المائي، خصوصًا مع استكمال تشييد سدّ النهضة. بذلك، أسهمت أجندات هذه القوى الخارجية في تعميق الفجوة بين الفاعلين المحلّييّن، وزادت من تعقيدات الحرب التي أفضت إلى الوضع الراهن، المتمثل في دولة مفكّكة 55.
5. فشل مسار الانتقال الديمقراطي
أدّت صراعات النخب المدنية والعسكرية بعد إطاحة النظام السلطوي إلى فشل مسار الانتقال الديمقراطي، وهو ما مثّل أحد العوامل الرئيسة في اندلاع الحرب الراهنة. فقد فشل الفاعلون السياسيون الرئيسون الذين قادوا مرحلة ما بعد نظام الإنقاذ، أي التحالف المدني العسكري، في التوافق والإجماع، نتيجة تضارب المصالح، واختلاف الأجندة والمطامح السياسية والاقتصادية والمواقف الأيديولوجية. وفي الحقيقة، بدأ الأمر بفشل مسار الانتقال الديمقراطي، ومن ثم اندلاع الحرب وتفكّك الدولة. وربما لا تقف المسألة عند هذا الحد، بل تنتهي بانهيار الدولة بالكامل. وُيُعدّ انقسام النخبة السياسية، وما يترتب على ذلك من عواقب، سمة مزمنة في السياسة السودانية؛ فالتاريخ السياسي للبلاد منذ الاستقلال سنة 1956 لم يعرف فترة شهدت تقاربًا حقيقيًا بين النخب أو توافقًا سياسيًا واسعًا بينها 57.
6. تآكل مشروعية الدولة
يُعدّ غياب الشرعية السياسية من العوامل الحاسمة في تفكّك الدولة السودانية. فقد اندلعت حرب 15 نيسان/ أبريل 2023 في خضم صراع شرس بين الفاعلين السياسيين على السلطة والنفوذ، في ظّل غياب مؤسسات سلطة شرعية، وهياكل حكم مكتملة، وآليات لإدارة الخلافات بينهم. وحدث ذلك في سياق دولة ضعيفة بيروقراطيًا في الأصل، ولم تكن أجهزتها قادرة على سدّ هذا الفراغ. ولا ينبغي إغفال الانفصال الذي أفرزته التوترات الاجتماعية بين الجنوب والشمال، والذي يَُعَدّ مث لًا بالغ الدلالة. فقد أسهمت الانقسامات التي حفّزتها اعتراضات الجنوبيين على تغييبهم من مفاوضات تقرير مصير السودان السياسي مع مصر في توليد إحساس بنقص المشروعية السياسية للدولة التي ضمّتهم مع نظرائهم الشماليين. وقد برّر هذا الشعور ثوراتهم المسلّحة التي انتهت بالتقسيم الأول للدولة في سنة.2011
7. الثقافة السياسية
تَُعَدّ فترة الحكم البريطاني- المصري من أبرز المراحل التي أثّرت في تطوّر الحياة السياسية في السودان، حيث شهدت تغييرات جذرية في بنية فرص الممارسة والتنظيم وأشكالهما. وقد أفرزت هذه المرحلة ثقافة سياسية جديدة قائمة على المشاركة، حيث برزت جمعيات وتنظيمات سياسية حملت على عاتقها مسؤولية الكفاح ضدّ المستعمر، ثم ممارسة الحكم وإدارة السلطة بعد الاستقلال. بعد فترة وجيزة من العمل السياسي السلمي، شهد السودان أول انقلاب عسكري سنة 1958، ثم انتقال بعض القوى السياسية إلى العمل المسلّح سنة 1963. وكانت لهذه التطوّرات أسباب عدّة، منها تدهور الظروف الاقتصادية والاجتماعية، وفشل الدولة في الاستجابة للمطالب عبر الوسائل السلمية، إضافةً إلى شعور بعض المجموعات بالتمييز والقمع، وهو ما دفعها إلى تبنّي العنف وسيلةً للمطالبة بحقوقها . وقد شكّلت سنتا 1958 و 1963 فارقًا محوريًا، حيث حدث الانتقال الذي أدّى إلى تغّي رات جذرية في القيم والمبادئ التي كانت تحكم العمل السياسي. فمع بروز الانقلاب بوصفه وسيلةً للسيطرة على الحكم، وتبنّي بعض القوى خيار العمل المسلّح، تزايدت درجة العنف والصراعات الداخلية، وتأثّرت التوجّهات السياسية والمواقف العامة تأثّرًا كبيرًا. كما انعكست هذه الظروف على السكان ووعيهم وأساليب تفكيرهم ومواقفهم من النظام السياسي، فتشكّلت ثقافة سياسية جديدة تسودها النزعة إلى الانقسام والخصومة السياسية الحادّة واستعداء الآخر، وما إلى ذلك. وقد كانت التداعيات جليّة في الحياة اليومية والتفاعلات الاجتماعية، حيث تغّي رت ديناميات
القوى السياسية، وغاب دور حكم القانون والمؤسسات والدستور جرّاء الانقلابات التي تحوّلت إلى ممارسة للسياسة بوسائل أخرى. كما ظهرت نتائج سلبية مثل النزوح المستمر، ودمار البنية التحتية في المناطق التي شهدت المواجهات بفعل الصراعات المسلحة . وعلى الرغم من أن ثورة كانون الأول/ ديسمبر 2018 وَّفَرت ظروفًا جديدة أدّت إلى الانفتاح السياسي في السودان وزادت من انخراط الأفراد والجماعات في المجال العام، فإنّ مشاركة هؤلاء في الحركات الاجتماعية المتمثّلة في الاحتجاجات والمواكب والاعتصامات تركت أثرًا مباشرًا في زيادة المبادرات والنشاط السياسي المدني السلمي. وقد عُدّ ذلك مؤرّشًا إيجابيًا في دولة تسود فيها ثقافة العمل السياسي المدفوع بقوّة السلاح ووسائل العنف. غير أنّ انقلاب فرقاء حرب 15 نيسان/ أبريل 2023 على حكومة الفترة الانتقالية، في تشرين الأول/ أكتوبر 2021، مثّل بداية تغييب الصوت المدني، وإحدى نقاط التحوّل الحاسمة التي تدعم ثقافة الصراع على السلطة بوسائل أخرى. وُيُضاف إلى ذلك هشاشة تركيبة المؤسسات والتنظيمات المدنية نفسها، سواء كانت الأحزاب السياسية أم النقابات العمالية، إضافةً إلى مشكلتها الكبرى المتمثّلة في انحسار نشاطها وحدود تأثيرها الذي لا يتجاوز نطاق المدن الكبرى. على العموم، ومع تضييق مساحة العمل السلمي بصورة متزايدة في ظلّ ارتفاع أصوات البنادق ودويّ المدافع، تشير المعطيات إلى إمكانية العسكرة الكاملة للحياة واتّساع رقعة العنف والاقتتال، وهو مسار يتفاقم مع تصاعد وتيرة تسليح المدنيين والاستنفار. وفي بلٍدٍ معروف بالنزعات المناطقية والإثنية كالسودان، تزداد احتمالات ظهور حركات وميليشيات مسلّحة جديدة ذات نزعات انفصالية وتركيبات إثنية. وحتى كتابة هذه السطور، شهدت معظم المدن والولايات، مثل شرق السودان، بروز عدد من هذه الحركات المسلّحة ذات الطابع الإثني .
8. انتقال جغرافيا الصراع من الأطراف إلى المركز
مع اندلاع شرارة الصراع الراهن من الخرطوم، شهد السودان تحوّلًا كبيرًا في ديناميات النزاع، حيث انتقل مسرح الحرب من الهامش إلى المركز، خلافًا لما كان عليه الحال تاريخيًا. ويعكس هذا التحول تعقيدات جديدة في الصراع الدائر بين قوات الدعم السريع والجيش السوداني. تاريخيًا، تركّزت النزاعات المسلّحة بالتحديد في المناطق الطرفية مثل الجنوب (قبل انفصاله)، ودارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق وشرق السودان، وهي مناطق عانت تهميشًا اقتصاديًا وسياسيًا كبيرًا. هذا التمركز الجغرافي جعل الحكومة المركزية قادرة على إدارة الصراع بعيدًا عن العاصمة والمراكز الحضرية الرئيسة، ما ساعدها على الحفاظ على قدر من الاستقرار الشكلي في المركز. ومع انتقال جغرافيا الصراع إلى المركز، خصوصًا العاصمة الخرطوم، ازداد الوضع تعقيدًا وخطورة، وأضحى يمثّل خطرًا داهمًا على مؤسسة الدولة. فقد عرّضت الأعمال القتالية في المركز البنية التحتية الحيوية للخطر، وعَّطَلت الخدمات الأساسية، وفاقمت من معاناة المدنيين الذين وجدوا أنفسهم في قلب الصراع. وساهم هذا التحوّل في تسريع وتيرة تفكّك الدولة، حيث أصبح من الصعب على مجموعة بعينها السيطرة على الوضع كلًّيًا وضمان استقرار حكمها مع ابتعادها عن المركز التاريخي لصناعة القرار والسلطة بكل رمزيته. ومن جانٍبٍ آخر، كان الأثر الاجتماعي والاقتصادي لانتقال جغرافيا الصراع إلى المركز أشد وضوحًا وتدميرًا. فقد تضرّر الاقتصاد إلى حدّ بعيد، مع توقّف الأعمال التجارية الكبرى، وهروب رؤوس الأموال والاستثمارات، وتعطّل سلاسل التوريد، وارتفاع معّدلّات البطالة والفقر. علاوةً على ذلك، أدّى هذا الانتقال إلى تزايد النزوح الداخلي، حيث فرّ المدنيون من مناطق القتال إلى مناطق أكثر أمنًا، ما زاد من الضغط على الموارد والخدمات في المناطق المستقِبِلة. تشير الملاحظة الأساسية إلى أنّ النازحين عادةً ما ينتقلون من المناطق النائية الأشدّ فقرًا إلى المراكز الأكثر أمانًا التي توفر حًّدًا أدنى من الرعاية الاجتماعية، سواء من الدولة أو الفاعلين المدنيين أو المانحين. ومع ذلك، فإنّ حالة السودان، في أتون حرب نيسان/ أبريل 2023، تعكس نمطًا مغايرًا، حيث يشهد نزوحًا من مناطق كانت أكثر أمانًا إلى مناطق أصبحت أقلّ أمانًا، ومن مناطق أقلّ فقرًا إلى مناطق أشدّ فقرًا. وتكشف هذه الظاهرة غير المألوفة واقعًا جديدًا يعكس تفكّك الدولة وفقدانها القدرة على توفير الحماية والخدمات الأساسية، حتى في المراكز التي كانت تُعدّ سابقًا ملاذات آمنة. وُيَُعَدّ هذا النمط من النزوح مؤشرًا قاتمًا على انهيار البنى الإدارية والاقتصادية والأمنية للدولة، حيث أصبح الفرق بين "المركز" و"الهامش" ضئيلًافيما يتعلق بالأمان ومستوى المعيشة، وهو ما يدلّ على ضعف قدرة الدولة على إدارة الأزمات وتقديم الحماية لمواطنيها. و بذلك، يصبح هذا التغّي رفي حركة النزوح مؤرّشًا على تحلّل الدولة وعدم قدرتها على الحفاظ على دورها الوظيفي المتمثّل في حماية سكانها، الأمر الذي يسهم إسهامًا مباشرًا في تعزيز سيناريو تفكّكها.
وثمّة مسألة أخيرة، قّلمّا عالجتها الأدبيات ذات الصلة، وتحتاج إلى دراسة منفصلة، وهي الأثر الذي يخلّفه تحوّل عاصمة الدولة إلى مسرح للحرب وأعمال القتال على جهود الوساطات الدولية. إذ إن تكاليف هذه الوساطات اللوجستية تتزايد بسبب الصعوبات التي تُحُول دون انتقال الوسطاء إلى العاصمة للتفاوض مباشرةً مع الماسكين بزمام السلطة، ما يتطلّب ترتيبات معقدة؛ لتأمين الوسطاء في حال انتقالهم إلى البلد، أو لعقد لقاءات مباشرة بينهم وبين الماسكين بزمام السلطة في أماكن محايدة. أضف إلى ذلك أنّه لا شكّ في أنّ تحوّل العاصمة إلى مسرح للقتال يشكّل عاملًاطاردًا للوكالات والمنظمات الدولية العاملة في مجال تقديم المساعدات الإنسانية لضحايا الحرب؛ بسبب انعدام الأمن أو الدمار الذي يصيب البنى التحتية الضرورية لعملها؛ ولا يُعدّ هذا مظهرًا من مظاهر تفكّك الدولة فحسب، بل يشكّل أيضًا عاملًامساعدًا ومسرّعًا في الوقت نفسه. تُظهر دراسة الحالة السودانية انسجامًا ملحوظًا مع فرضيات الإطار النظري، لا سّيمّا في ثلاثة محاور:. أ تمثّل حرب نيسان/ أبريل 2023، التي اندلعت من الخرطوم نفسها، صورة ملموسة لانحسار احتكار العنف، وتعزّز أطروحة تفتّت الهرم العسكري وما يترتّب عليه من انقسام أفقي في القوة. فهي تثبت صواب المقاربة التي ترى أنّ الحرب أو الصراع بين التكوينات الاجتماعية يضع الدولة على عتبة التفكّك، لا على مسار البناء كما في نموذج تيلي.. ب يتكرّر في السودان ما تفترضه مقاربة صراع النخب؛ فالعجز البنيوي عن التوصّل إلى تسوية قابلة للحياة بين قادة الجيش والقوى المدنية في مرحلة ما، وكذلك بين المدنيين أنفسهم، يتُرجم منذ استقلال سنة 1956 إلى تنازع دائم حول الحكم والسلطة، وهو ما يلتقي تلقائيًا مع الطرح النظري حول مركزية النخب في إنتاج الهشاشة المؤسسية.. ج يبرهن التاريخ الطويل لدور مصر وليبيا وإيران وروسيا، ثم لاحقًا الإمارات والسعودية والصين، على انطباق المقاربة الجيوستراتيجية؛ إذ إن التنافس على البحر الأحمر ومياه النيل جعل السودان ميدانًا لاستراتيجيات إقليمية متقاطعة عزّزت اقتصاد الحرب وأسّست لما يمكن تسميته "تفكك مدار" تبقيه القوى الخارجية ضمن حدود لا تسمح بفراغ كامل . في الوقت نفسه، تطرح التجربة السودانية تحديات عدّة تقِّيِد صلاحية النموذج النظري أو تدعو إلى مراجعته. إذ تتبدّى حدود المقاربة التي تربط التفكّك حصرًا بالحروب أو بالانهيار الفجائي، لأن السودان يميل حتى الآن إلى إنتاج بنية هجينة تحتفظ فيها الدولة بقدٍرٍ من الاعتراف الدولي والبيروقراطي، بينما يتوزّع النفوذ الفعلي بين شبكات محلية وميليشيات جهوية. وهي صيغة سيادة متعددة لا يلحظها التصنيف التقليدي بين دولة قيد البقاء ودولة قيد الانحلال. وتظل مقاربة العولمة، التي تعزو التفكّك إلى ضغط السوق والاعتماد المتبادل، محض مساعدة تفسيريّة لا عاملًاحاسمًا؛ إذ إنّ القسم الأكبر من التدهور المؤّسسّي سبق لحظة الانفتاح التكنولوجي والاقتصادي الراهن، ما يشير إلى أنّ العولمة سرّعت وتيرة الانكشاف ولم تُنشئ القابلية للانهيار. أمّا أطروحة أن المنظمات غير الحكومية تُضعف الدولة فتبدو في الحالة السودانية نتيجةً لفراغ السلطة أكثر منها سببًا له، الأمر الذي يتطلّب إعادة ترتيبها السببي في النموذج. بذلك، تُثبت الحالة السودانية وجَهَي النظرية معًا: فهي ذات قوّة تفسيرية معترف بها في رصد مسارات العنف، والُّنُخب، والتدخل الخارجي، وفي الوقت نفسه تشمل حدودًا تستدعي توسيع الإطار لاستيعاب ظاهرة التفكّك الهجين، ودور العوامل البنيوية العميقة التي تسبق الحرب والعولمة والمنظمات غير الحكومية.
خاتمة
تكشف الدراسة أن تفكّك الدولة في السودان لا يمكن تفسيره من خلال حدث واحد أو لحظة سياسية راهنة، بل هو حصيلة مسار طويل من التآكل البنيوي، بدأ منذ لحظة تأسيس الدولة الحديثة تحت الاستعمار، واستمر عبر عقود من الصراع، والتفاوت الاجتماعي، والانقسامات السياسية، والتدخلات الخارجية. ولم يحدث هذا التفكّك على نحو فجائي، بل تطوّر عبر تفاعلات معقّدة بين بنى الدولة والمجتمع، في ظلّ عجز دائم عن بلورة مشروع وطني جامع أو بناء مؤسسات قادرة على استيعاب التنوّع وإدارة التعدّد. يتيح اعتماد الدراسة مقاربة السوسيولوجيا التاريخية إمكانية فهم الظاهرة في سياقها الزمني الطويل، وربط التحّولّات الراهنة بالبنى العميقة التي أنتجتها مراحل التوسّع الإمبريالي والسلطوية. ويمكّن من تجاوز التفسيرات الظرفية التي تربط تفكّك الدولة بالحرب أو بالانهيار المفاجئ. وُتُظهر الدراسة أنّ ما يجري في السودان يتجاوز نموذج "الدولة الفاشلة" أو "المنهارة"، ليقترح نمطًا من "التفكّك الهجين"، تحتفظ فيه الدولة بقدٍرٍ من الاعتراف الدولي والمؤّسسّي، بينما تنقسم السلطة عمليًا بين فاعلين محليين وميليشيات جهوية، ضمن شبكة سيادة متعدّدة ومفكّكة.
ولا يفّس رهذا الفهم خصوصية الحالة السودانية فحسب، بل يفتح أيضًا أفقًا نقديًا في أدبيات تفكّك الدولة. إذ إن الدراسة تبُرز الحاجة إلى نماذج تفسيرية جديدة تراعي السياقات المتأخرة في تشكّل الدولة، وُتُدخل في التحليل عوامل غالبًا ما يجري إهمالها، مثل الأبعاد الهوياتية، وذاكرة العنف، والعلاقات ما بعد الكولونيالية. ومن خلال إبراز التفاعل المعقّد بين العوامل البنيوية والسياسية والهوياتية، تضع الدراسة أساسًا لفهٍمٍ أكثر تركيبًا لتفكّك الدولة بوصفه سيرورة، وليس حالة طارئة، وبوصفه بنية تتآكل من الداخل، لا نتيجة لعنف خارجي أو لانهيار مؤّسسّي مفاجئ. بناءً عليه، تقترح الدراسة نموذجًا تفسيريًا يتجاوز ثنائية الفشل والانهيار، ويعيد النظر في مفاهيم مثل احتكار العنف والسيادة، من خلال تتبّع الكيفية التي تفقد بها الدولة وظائفها تدريجيًا من دون أن تتلاشى رسميًا. إنّها تمثّل دعوةً لإعادة صوغ فهمنا ل "الدولة المفكّكة"، لا باعتبارها غائبة، بل بوصفها كيانًا قائمًا شكليًا لكنّه متعّث روظيفًّيًا.
المراجع
العربية
أبوشوك. أحمد إبراهيم. الثورة السودانية 2019-2018(:) مقاربة توثيقية – تحليلية لدوافعها ومراحلها وتحدياته. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2021 ألير، أبيل. جنوب السودان التمادي في نقض المواثيق والعهود. ترجمة بشير محمد سعيد. لندن: ميدلايت المحدودة،.1992 أونيل، باتريك ه. مبادئ علم السياسة المقارن. ترجمة باسل جبيلي. دمشق: دار الفرقد للطباعة والنشر،.2017 بشارة، عزمي. مسألة الدولة: أطروحة في الفلسفة والنظرية والسياقات. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2023 الحاج علي أحمد، حسن. "الانقلاب العسكري بمنزلة عملية سياسية: سياسات عربية. مج الجيش والسلطة في السودان." 5، العدد 24 (كانون الثاني/ يناير.)2017 حرير، شريف وتيرجي تفيدت. السودان الانهيار أو النهضة. ترجمة مبارك علي عثمان مجدي النعيم. القاهرة: مركز الدراسات السودانية،.1997 درايزك، جون س وباتريك دنلفي. نظريات الدولة الديمقراطية. ترجمة وتعليق هاشم أحمد محمد. القاهرة: المركز القومي للترجمة،.2013 رياض، محمد. الأصول العامة في الجغرافيا السياسية والجيوبوليتيكا. لندن: هنداوي،.2017 صولي، أدهم ورايموند هينبوش. "الدولة العربية: مقاربة سوسيولوجية عمران. مج تاريخية." 10، العدد 37.)2021(عبد القادر حامد، التجاني. "الثورة السودانية وآفاق الانتقال سياسات عربية. مج الديمقراطي." 10، العدد 54 (كانون الثاني/ يناير.)2022 غريفث، مارتن، وتيري أوكالاهان. المفاهيم الأساسية في العلاقات الدولية. دبي: مركز الخليج للأبحاث،.2008 المحنة العربية: الدولة ضد الأمة. ط غليون، برهان. 4. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2015
هاي، كولن [وآخرون.] الدولة: نظريات وقضايا. ترجمة أمين الأيوبي الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2019 يوه، جون قاي. ثورة جبال الإستوائية وأثرها في السياسة السودانية - 1955 72 19. ترجمة محمد علي جادين. جوبا: رفيقي للطباعة والنشر،.2016
الأجنبية
Collins, Robert O. A History of Modern Sudan. Cambridge: Cambridge University Press, 2008. Dahl, Robert A. "A Critique of the Ruling Elite Model." American Political Science Review. vol. 52, no. 2
de Waal, Alex. "Speaking Truth to Power: Humanitarian Ethics and Politics in Central and Eastern Sudan." African Affairs. vol. 88. no. 352 (1989). Dimov, Georgi & Valeri Ivanov. "Geo‑Strategic Premises for Contemporary Conflicts." Journal of Defense Resources Management (JoDRM). vol. 6, no. 1 (2015). Weber, Max. From Max Weber: Essays in Sociology. H. H. Gerth & C. Wright Mills (trans. & eds.). New York: Oxford University Press, 1946. Hall, John A. & G. John Ikenberry. The State. Milton Keynes, England: Open University Press, 1989. Lambach, Daniel, Eva Johais & Markus Bayer. "Conceptualising State Collapse: An Institutionalist Approach." Third World Quarterly. vol. 36, no. 7 (2015). Nay, Olivier. "Fragile and Failed States: Critical Perspectives on Conceptual Hybrids." International Political Science Review. vol. 34, no. 3 (2013). O'Ballance, Edgar. The Secret War in the Sudan 1955–1972. London: Faber & Faber, 1977. Saouli, Adham. The Arab State: Dilemmas of Late Formation. London: Routledge, 2011. Schwarz, Rolf. "From Rentier State to Failed State: War and the De-formation of the State in Iraq." A Contrario. vol. 5, no. 1 (2008). Shevsky, Dmitry. "Destabilization Processes in the Modern World: Mechanism of State Disintegration." Journal of Globalization Studies. vol. 13, no. 2 (November 2022). Skocpol, Theda. "Social History and Historical Sociology: Contrasts and Complementarities." Social Science History. vol. 11, no. 1 (1987). Waterbury, John. The Nile Basin: National Determinants of Collective Action. New Haven, CT: Yale University Press, 2002. Woldemariam, Yohannes. "State Formation and Disintegration in Ethiopia." Working Paper. London School of Economics. November 2019.