اتفاقيات السلام السودانية (1972 - 2020): إرث المنشأ وتحديات الاستدامة

Ahmed Ibrahim Abushouk أحمد إبراهيم أبوشوك |

الملخّص

This study examines Sudanese peace agreements during the period 1972 – 2020 by analyzing the roots of the conflicts between the political center and the peripheral regions, through the lens of the concept of the heritage of origin , which reflects the accumulation of historical grievances rooted in political, economic, and cultural marginalization. The study argues that, since the colonial era, the central governments concentrated power and development in the Nile Valley at the expense of other regions, which gave rise to demands for equitable participation that later evolved into armed rebellions. Despite the signing of several peace agreements—such as the Addis Ababa Agreement (1972), the Khartoum and Fashoda Agreements (1997), the Comprehensive Peace Agreement (2005), the Doha Document for Peace in Darfur (2011), and the Juba Agreement for Peace in Sudan (2020)—most of them relied on partial power- and wealth-sharing arrangements without addressing the structural roots of the conflicts. Added to this were the absence of trust between the parties, foreign mediation, the repeated violation of commitments, and the instrumentalization of agreements to serve short-term political interests. The findings confirm that the failure to sustain peace was a direct consequence of leaving the heritage of origin unaddressed, leading to the secession of South Sudan in 2011 and the continuation of armed conflicts in Darfur, the East, and the Two Areas. The study recommends rebuilding the foundations of peace on equal citizenship, fair development, and the recognition of cultural diversity as necessary conditions for breaking the cycle of war and achieving national stability. Keywords: Sudan, South Sudan, Darfur, Addis Ababa Agreement, Comprehensive Peace Agreement, the Doha Document for Peace in Darfur, Juba Agreement for Peace in Sudan.

Peace Agreements in Sudan (1972 – 2020): Heritage of Origin and the Challenges of Sustainability

مقدمة

بعد استقلال السودان في 1 كانون الثاني/ يناير 1956، واجه العديد من المشكلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المتجذّرة في تحديد شكل نظام الحكم، وتحقيق التنمية المتوازنة، وإدارة التنوّع الثقافي والاجتماعي في إطار وحدة وطنية مُستدامة. ومن هذه المشكلات ما تمثّل في بروز حركات مطلبية في المديريات (الولايات لاحقًا) الطرفية، طالبت بعدالة حقّها المشروع في السلطة عبر نظام حكم فدرالي، وبأنصبتها الُمُسَتَحقة في الثروة والتنمية، قياسًا على المديرية النيلية في شمال السودان ووسطه. لكن استجابة الحكومات المركزية المتعاقبة لم تلِّبِ طموحات هذه الحركات، بل عمّقت شعورها بالحرمان النسبي، مقارنة بالأوضاع التنموية في مديريات الشمال والوسط. ونتج من ذلك أْنْ تحوّلت هذه الحركات من حركات مطلبية سلمية إلى حركات عسكرية - مسلّحة، عزّزت خطابها المطلبي ووجودها السياسي بقوة السلاح، وهو الأمر الذي دفع السلطات الحاكمة في الخرطوم إلى عقد اتفاقيات سلام ثنائية معها، إّل اأن معظم هذه الاتفاقيات لم يخاطب جذور المشكلات الباعثة لها، وبعضها الآخر نقضه المركز نفسه في أثناء أنظمة حكم تسلطية، فكان مصيرها كلّها الفشل، أو العجز عن بناء سلام مستدام في السودان. تهدف هذه الدراسة إلى عرض اتفاقيات السلام الثنائية بين المركز والحركات المطلبية) وتحليلها في ضوء 2020-1972(الظروف الموضوعية التي أ برمت فيها، للوقوف على أوجه قصورها، التي استندت قواسمها المشتركة إلى مبدأ "التسوية السياسية" المتعلق بقسمة السلطة بين طرفي النزاع (الحكومة المركزية والحركات المطلبية.) وتتفرّع من ذلك جملة من الأسئلة التأسيسية: ما إرث المنشأ الذي أدّى إلى الصراعات المتكررة بين الحكومات المركزية الوطنية المتعاقبة والحركات المطلبية السلمية؟ ولماذا تحولت الحركات المطلبية السلمية إلى حركات مسلّحة في صراعها مع المركز؟ وما القواسم المشتركة للاتفاقيات الثنائية التي أنجزها الطرفان؟ وهل كانت معادلة قسمة السلطة والثروة، التي شكلت الأساس للأجندة التفاوضية، سببًا رئيسًا في فشل الاتفاقيات المبرمة؟ ولماذا؟

أولًا: إرث المنشأ

1. المفهوم والمدخل التاريخي

يُعد إرث المنشأ Heritage of Origin من المفاهيم التي نشأت في كَنف دراسات الهوية، والأنثروبولوجيا السياسية، من دون أن يُنَشَأ له مفهوم مستقل في الأدبيات الأكاديمية. ويتقاطع في سياقه السوداني مع مفاهيم أخرى، منها: "ذاكرة الظلم التاريخية" 1، و"التهميش البنيوي" 2، و"الهوية المركزية" القائمة على الثقافة العربية - الإسلامية المهيمنة  3. ولذلك يصنفه بنديكت أندرسون ضمن السرديات التي تشكل جزءًا من "المتخيّل الجمعي" 4، أو الشعور الجمعي العام، الذي وظّفته الحركات المطلبية في السودان لنيل حظها "المشروع" في قسمة السلطة والثروة مع المركز. ولذلك، يمكن الإفادة من مفهوم إرث المنشأ مدخلًاتاريخيًا لاستيعاب الصراعات المطلبية واتفاقيات السلام الناتجة منها؛ لأن ملامح هذا الإرث ظهرت في الحقبة الاستعمارية 1956-1898()، وعززتها ممارسات الحكومة الوطنية المتعاقبة، بتركيز التنمية في المناطق النيلية (أو المناطق المروية) لسهولة العائد الربحي، وتعيين أبناء هذه المناطق في دواوين الخدمة المدنية، بالنظر إلى تأهيلهم المهني الذي لم يكن متوفّرًا لأبناء المناطق التي شهدت اختلالات تنمويةً، وتهميش الثقافات الأخرى لمصلحة الثقافة العربية - الإسلامية الحاكمة. ولذلك، شكّل إرث المنشأ رصيدًا رمزيًا وثقافيًا وسياسيًا يرتبط بانتماء الفرد أو الجماعة إلى العرق أو الثقافة أو المكان، كما يُستدعى في الخطاب السياسي والاجتماعي والثقافي لتبرير المطالب، أو شرح المظالم المتراكمة، أو تأكيد جدلية "نحن" و"هم." ومن ثمّ، رُبط إرث المنشأ بسياسات التهميش البنيوي، التي مارستها الحكومات الوطنية المتعاقبة بوعي أو من غير وعي، ثم أفضت في حدّ ذاتها إلى حروب أهلية في جنوب السودان 1955-1872(، 2005-1983)، وفي دارفور (بعد عام 2003)، وجنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق وشرق السودان. وقد استخدمت الحركات المطلبية المسلّحة في المناطق المذكورة إرث المنشأ بمكوناته المختلفة شعارًا لنضالها السياسي والعسكري؛ لانتزاع نصيبها في السلطة والثروة، مستدلّة على ذلك بسياسات التنمية غير المتوازنة، وتهميش الهويات الثقافية واللغوية والدينية لمصلحة هوية الوسط النيلي، التي احتكر أبناؤها الوظائف العامة المفتاحية في الدولة.

  1. لمزيد من التفصيل، ينظر: فرانسيس دينق،  1 صراع الرؤى: نزاع الهويات في السودان، ترجمة عوض حسن محمد أحمد (القاهرة: مركز الدراسات السودانية،.)1999
  2. لمزيد من التفصيل، ينظر: أبكر آدم إسماعيل،  2 جدلية المركز والهامش: قراءة جديدة في دفاتر الصراع في السودان (كمبالا: منظمة حقوق الإنسان والتنمية،.)2015
  3. 3  لمزيد من التفصيل، ينظر: أحمد إبراهيم أبوشوك، "أدبيات الهوية السودانية: مقاربة السودان: السلطة والتراث، ج تحليلية"، في: أحمد إبراهيم أبوشوك، 6 (أم درمان: مركز عبد الكريم ميرغني، 2018)، ص 181 - .232
  4. 4  لمزيد من التفصيل، ينظر: Benedict Anderson, Imagined Communities: Reflections on the Origin and Spread of Nationalism (New York/ London: Verso Books, 1983). وينظر الترجمة العربية في: بندكت أندرسون، الجماعات المتخيلة: تأملات في أصل القومية وانتشارها، ترجمة ثائر ديب، تقديم عزمي بشارة (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2014

تستخدم هذه الدراسة إرث المنشأ بحمولاته الواقعية والمتخيّلة مدخلًاتاريخيًا لعرض المسوغات التي استندت إليها الحركات المطلبية المسلّحة، ولتأكيد قدرته على الاستمرارية في كل مفاوضات السلام والاتفاقيات، برهانًا على عجز الإرادة السياسية للمركز والأطراف في تغيير مكوّناته الأساسية. ومما يؤكد ذلك الحضور الطاغي لعباراته المفتاحية في المفاوضات واتفاقيات السلام بين الحكومة المركزية وبعض الحركات المطلبية المسلّحة مثل "التنمية غير المتوازنة"، و"احتكار أبناء المجموعات النيلية للوظائف العامة المفتاحية"، و"تهميش الثقافات والأديان والأعراق لمصلحة الثقافة العربية - الإسلامية" التي شكّلت ثقافة المركز الحاكم. ومن خلال السرد التاريخي، يمكن أن نلاحظ كيف أنّ مكوّنات إرث المنشأ شكّلت تحديًا يحول دون استدامة اتفاقيات السلام التي أ برمت، بل إنها كانت أحد الدوافع التي أفضت إلى انفصال جنوب السودان في عام.2011

2. الُبُعد التاريخي المتجدّد في اتفاقيات السلام السودانية

يُعدّ إرث المنشأ أحد البواعث التي أدّت إلى الصراع بين الحكومات الوطنية المتعاقبة في المركز والحركات المطلبية السلمية في الأطراف، علمًاأن هذا الصراع قد أ سس على قاعدة تباين عرقي وديني وثقافي واقتصادي، رسّخته إسقاطات مؤسس الرق وإفرازاتها السالبة 5، وفلسفة الحكومة الاستعمارية - الاستثمارية 1956-1898() التي ركّزت مشروعاتها الاقتصادية وتنمية الموارد البشرية المساندة لها في المناطق ذات الريّ الُمُستدام؛ لأنها كانت ذات عوائد ربحية أكبر، مقارنة بمناطق الزراعة الممطرة والأنشطة الرعوية  6. وقد فرضت الدولة الاستعمارية حواجز هيكليةً عبر سياسة المناطق المقفولة التي تبنّتها مؤسسات إرساليات مسيحية وتنصيرية سُمح لها بالعمل في جنوب السودان. ونتج من ذلك بروز شريحة مجتمعية مؤثرة في صنع القرار المركزي؛ لأنها استفادت من مشروعات المستعمر التنموية التي لم تكن متوفرة في المديريات التي تعرّضت لجرعات تحديث أقل. وساعد هذا الواقع في تنمية الشعور الاستعلائي المغروس أصلًافي مخيّلة إنسان الشمال المستعرب والمسلم، ونظرته الدونية إلى الشرائح المجتمعية الأخرى، التي لا تدّعي انتسابًا إلى العروبة، أو انتماءً إلى الإسلام، ولا تمتلك سندًا ثقافيًا - تعليميًا حديثًا، يؤهّلها للسيطرة على معاقل السلطة والثروة في المركز  7. وتمظهر هذا التباين في نشأة الأحزاب الجنوبية ذات الطابع الجهوي، وقد شكّلت نوعًا من الرفض لأحزاب الحركة الوطنية ذات النزعة العروبية والإسلامية، التي فشلت في خلق جسور تواصل سياسية فاعلة مع المكوّنات المجتمعية الجنوبية  8. وعند هذا المنعطف، تعمّقت الفجوة بين الشمال المستعرب المسلم، والجنوب ذي الأصول الزنجية والانتماء الديني إلى المسيحية وكريم المعتقدات المحلّية، وأصبحت ثنائية الشمال والجنوب ثنائيةً متنافرةً. وقبل إعلان الاستقلال، بدأت تظهر أعراض هذا التنافر في احتجاجات النخبة الجنوبية على تصرّفات قادة الأحزاب الشمالية الانفرادية في إصدار بعض القرارات السياسية والإدارية التي شكّلت مرتكزات دولة ما بعد الاستعمار. وتجلّت بوادر هذه الاحتجاجات في قضايا محورية، مثل عدم إشراك الجنوبيين في مفاوضات الحكم الذاتي التي أفضت إلى اتفاقية عام 1953، وإعطاء الجنوبيين وضعًا وزاريًا هامشيًا في أول حكومة انتقالية شكّلها الحزب الوطني الاتحادي 1956-1954()، ولم تكن قرارات لجنة السودنة منصفةً أيضًا؛ لأنها لم تَِفِ بالتزامات مؤتمر جوبا في عام 1947. لذا، نوقشت كل هذه القضايا ومثيلاتها في مؤتمر جوبا الثاني الذي نظّمه حزب الأحرار في الفترة 18 - 21 تشرين الأول/ أكتوبر 1954؛ مقتصرًا حضوره على أبناء جنوب السودان؛ ولذلك وصفته صحيفة الأيام ب "العنصرية الصارخة"؛ لأنه "لا يضم غير الجنوبيين، ولأن أغراضه كلها تهدف للعناية بأمر الجنوب وحده، كأنما الجنوب والشمال لا يؤلفان قطرًا واحدًا" 9. وقبل عقد هذا المؤتمر، حاولت الحكومة في الخرطوم اتّخاذ خطوات استباقية ربما تُقلّل من فاعليته، مثل الإعلان عن تحسين أجور الموظفين والعاملين الجنوبيين ومساواتهم بنظرائهم الشماليين  10؛ إّل اأن المؤتمرين خرجوا بتوصيتين أساسيتين، إلى جانب نقدهم سياسة تهميش الجنوبيين في مناقشة القضايا المصيرية وسوَدَنة الوظائف الإدارية والعسكرية، قضت إحداهما بالدعوة إلى استقلال السودان التام، من دون الاتحاد مع مصر، وأمّنت ثانيتهما على ضرورة أن تكون علاقة الجنوب بالشمال

  1. لمزيد من التفصيل، ينظر: محمد إبراهيم نقد،  5 علاقات الرق في المجتمع السوداني: النشأة - السمات - الاضمحلال (القاهرة: دار الثقافة الجديدة، 1995)؛ منصور خالد، السودان: أهوال الحرب وطموحات السلام، قصة بلدين (الخرطوم: دار مدارك للطباعة والنشر والتوزيع، 2008)، ص 77 - .126
  2. 6  لمزيد من التفصيل، ينظر: جوزيف قرنق، "الطريق العلمي لحل مشكلة جنوب الطليعة، العدد السودان"، مجلة 9 (أيلول/ سبتمبر 1969)، ص 92 - .98
  3. 7  لمزيد من التفصيل، ينظر: دينق.
  4. 8  لمزيد من التفصيل بشأن قوائم الأحزاب السياسية التي شاركت في الانتخابات البرلمانية في الفترة 1953 - 1986، ينظر: أحمد إبراهيم أبوشوك والفاتح عبد الله عبد السلام، الانتخابات البررلمانية في السودان 1986-1953(:) مقاربة تاريخية- تحليلية، ط 2 (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2020
  5. نقلًا عن: فيصل عبد الرحمن علي طه،  9 السودان على مشارف الاستقلال الثاني: - 1954 56 19 (أم درمان: مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي، 2010)، ص.128
  6. 10  المرجع نفسه، ص 132-130؛ لمزيد من التفصيل عن مشكلة الأجور في جنوب السودان، ينظر: عبد الله علي إبراهيم، "حركة وطنية سودانية أم حركات وطنية: تاريخ ما أهمله التاريخ عن جنوب السودان: أجور الزنج ومسألة الجنوب" في: انفصال جنوب السودان: المخاطر والفرص (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2012)، ص 113 - .147

علاقة فدرالية في إطار السودان الموَّحَد  11؛ لأنهم يرفضون السياسة التي "تستبدل المسؤولين الأجانب بالشماليين؛ فهي لا تؤدّي إّل اإلى الاضطرابات والفوضى في الجنوب. ولإنقاذ السودان يجب أن يحصل الجنوب على حكم فدرالي"، وقد طالبوا أيضًا ب "الانفصال إذا رُفضت الفدرالية؛ لأن الجنوب سيضيع بدونها" 12. وشكّلت هذه الأسباب كلها مجتمعة مج لًاملائمًا لانطلاق تمرّد الجنوب الأول، في 18 آب/ أغسطس 1955، وقد استمر بضعة شهور 13. وعزت بعض الدوائر السياسية انفجار التمرّد في ذلك التوقيت تحديدًا إلى الاستخبارات المصرية التي لم تكن راضية عن القرار البرلماني السوداني الصادر في 16 آب/ أغسطس 1955، وهو قرار يقضي بتقرير المصير السوداني ومخاطبة دولَتَي الحكم الثنائي بذلك، من دون أدنى إشارة إلى الاتحاد مع مصر  14. وبعد أن هدأت الأحوال في جنوب السودان، نسبًّيًا، بدأت الحكومة الانتقالية في إجراءات إعلان الاستقلال من داخل البرلمان؛ إذ جدّد النواب الجنوبيون طلبهم بأن تكون علاقة الجنوب بالشمال في إطار نظام حكم فدرالي، مُيّ كّنهم من حكم أنفسهم بأنفسهم، بعيدًا عن وصاية الموظفين الشماليين. فوعدتهم الحكومة الانتقالية 1956-1954() بذلك، في مقابل مساندتهم إيّاها في إعلان الاستقلال من داخل البرلمان (مجلس النواب ومجلس الشيوخ.) وبعد إعلان الاستقلال في 19 كانون الأول/ ديسمبر 1955 بإجماع برلماني، نكثت الحكومة وعدها مع النواب الجنوبيين، مؤجّجة بذلك نيران الحرب الأهلية التي استمرت في جنوب السودان سبعة عشر عامًا

بعد التمادي في نقض المواثيق والعهود، جرت محاولات عديدة لإجراء تسوية سياسية بين الشمال والجنوب؛ إّل اأنها كلها باءت بالفشل، إلى أن جاءت حكومة 25 أيار/ مايو 1969، وأصدرت بيانًا في 9 حزيران/ يونيو 1969، اعترفت فيه ب "الفوارق الثقافية والاقتصادية والدينية والعرقية والاجتماعية بين الشمال والجنوب"، ثم أعلنت عزمها "على منح الجنوب حكمًاذاتيًا، يضع حًّدًا للمواجهة المستمرة بين الشمال والجنوب"، وطرح البيان برنامجًا من أربع نقاط "تضمّنت العفو العام عن الجنوبيين الموجودين بالخارج"، ووضع خطط "محدّدة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للجنوب، وتعيين وزير لشؤون الجنوب" 15. والتزامًا بما جاء في البيان، عّي نالرئيس جعفر نميري 1985-1969() جوزيف قرنق وزيرًا لشؤون الجنوب 1971-1969()، وقد خلفه أبيل ألير في المنصب نفسه بعد القضاء على انقلاب 19 تموز/ يوليو.1971 لذلك، نلحظ أن استعداد الحكومة لمعالجة مشكلة الجنوب، وفق منظوٍرٍ جديٍدٍ من جهة، والدور الذي أدّاه وزير شؤون الجنوب من جهة ثانية، ووساطة إثيوبيا والمجالس الكنسية من جهة أخرى، قد مهّد للمفاوضات المباشرة بين الطرفين (الحكومة المركزية والفصائل المتمرّدة في الجنوب) 16، التي قادت إلى توقيع اتفاقية أديس أبابا في عام 1972 17، وهي اتفاقية ذات أربعة ثوابت في تحديد مرتكزات علاقة الشمال بالجنوب: أولها "احترام الأديان جميعًا بما في ذلك الأديان الأفريقية التقليدية، وعدم إضفاء أي صفة دينية على الدولة." وثانيها "الاعتراف بالخصائص الثقافية لأهل الجنوب، بما في ذلك حقهم في تطوير ثقافتهم وفنونهم المحلية." وثالثها "الاعتراف بحق الجنوب في حكم نفسه حكمًاذاتيًا دون هيمنة المركز." ورابعها، إدماج الفصائل العسكرية للحركات المسلّحة في قوات الشعب المسلّحة من خلال لجنة مشتركة بين الطرفين، وتكون هذه القوات خاضعة لسيطرة رئيس الجمهورية في مهماتها الداخلية والخارجية  18. واستنادًا

  1. 11  نقلًاعن: طه، ص.128
  2. 12  المرجع نفسه، ص 135-134؛ يوجد مزيد من التفصيل في: سلمان محمد أحمد سلمان، انفصال جنوب السودان: دور ومسؤولية القوى السياسية الشمالية (فيرفاكس، فرجينيا: مركز أبحاث السودان، 2015)، ص 75-52؛ أبيل ألير، جنوب السودان: التمادي في نقض المواثيق والعهود، ترجمة بشير محمد سعيد (لندن: شركة ميدلايت المحدودة، 1992)، ص 20 - .22
  3. 13  لمزيد من التفصيل عن أحداث التمرد وتداعياته، ينظر: Report of the Commission of Inquiry into the Disturbances in the Southern Sudan During August 1955 (Khartoum: McCorquodale & Co. Ltd., 1956).
  4. ينظر ملخص مداولات قرار تقرير المصير في:  14 الوثائق البرريطانية  - 1940:  56 19، ترجمة فيصل عبد الرحمن علي طه، محمود صالح عثمان صالح (محرر)، مج 11، 1955 - 1956 (لندن/ بيروت: شركة رياض الريس للكتب والنشر، 2002)، ص .117-114
  5. 15  لمزيد من التفصيل، ينظر: سلمان، ص.75 - 52
  6. 16  لمزيد من التفصيل، ينظر: ألير، ص 50-48؛ منصور خالد، جنوب السودان في المخيلة العربية: الصورة الزائفة والقمع التاريخي (لندن: دار تراث للنشر، 2000)، ص 323-322؛ محمود محمد قلندر، جنوب السودان، مراحل انهيار الثقة بينه وبين الشمال): 1983-1900(قراءة تاريخية للمشكلة من منظور الاتصال الاجتماعي (دمشق: دار الفكر، 2004)، ص 299؛ سلمان، ص 166 - 167. وعن أصل بيان 9 حزيران/ يونيو 1969 إلى الحزب الشيوعي السوداني، الذي طرحه في عام 1954، وأعاد تضمينه في برنامجه المجاز في المؤتمر الثالث لسنة 1956، ينظر: تاج السر عثمان، "الذكرى 52 لبيان 9 يونيو 1969"، مركز الدراسات والأبحاث العلمانية في العالم العربي، 2021/6/8، شوهد في:2024/7/16، في https://bit.ly/3zI9eeS؛ النص الكامل لبيان 9 حزيران/ يونيو 1969 في: مدّثر عبد الرحيم الطيب، مشكلة جنوب السودان: طبيعتها وتطورها وأثر السياسة البرريطانية في  كتوينها (الخرطوم: الدار السودانية، 1970)، ص 219 - .223
  7. 17  قلندر، ص.305 - 299
  8. 18  تتكوّن اتفاقية أديس أبابا بشأن مشكلة جنوب السودان The Addis Ababa من ثلاثة أجزاء. الجزء الأول هو Agreement on the Problem of South Sudan "القانون الأساسي لتنظيم الحكم الذاتي الإقليمي في المديريات الجنوبية لجمهورية السودان الديمقراطية" الذي جرى الاتفاق عليه في 27 شباط/ فبراير 1972، وأجازته الحكومة السودانية في 3 آذار/ مارس 1972، وفيه ملحقان: ملحق (أ:) الحقوق والحريات الأساسية، وملحق (ب:) عن بنود الإيرادات والضرائب. والجزء الثاني هو "الاتفاق على وقف إطلاق النار في المنطقة الجنوبية." والجزء الثالث أربعة بروتوكولات للتنظيمات المؤقتة، شملت التنظيمات الإدارية المؤقتة، والترتيبات المؤقتة لتشكيل وحدات القوات المسلحة الشعبية في المنطقة الجنوبية، والعفو العام والترتيبات القضائية، ولجنة العودة والتوطين.
  9. 19  خالد، جنوب السودان في المخيلة العربية، ص.28

إلى هذه المرتكزات وتنفيذ معظمها في الواقع، استطاعت اتفاقية أديس أبابا أن توقف الحرب بين الشمال والجنوب، أحد عشر عامًا، لكنها فشلت في بناء سلام مستدام قائم على ترميم جسور الثقة بين الشمال والجنوب، وإحداث انتقال ديمقراطي بحسب نصوص الاتفاقية، وإنفاذ مشروعات التنمية الاجتماعية والاقتصادية المتّفق عليها بين الطرفين. وُيُعزى التقصير في ذلك إلى أداء حكومة الجنوب الإقليمية وعدم تعاون الحكومة المركزية في بعض الأحيان، وقد أبان أبيل ألير ذلك، على نحو مُفَّصَل، في كتابه جنوب السودان: التمادي في نقض المواثيق والعهود. وإنّ ما يؤكد ذلك هو عدم التزام نميري، رئيس الجمهورية، بالمادة 34() من قانون الحكم الذاتي في المديريات الجنوبية، التي نصّت صراحة على أنه لا يجوز تعديل القانون المشار إليه "إّل ابأغلبية ثلاثة أرباع مجلس الشعب، وموافقة ثلثي مواطني إقليم جنوب السودان في استفتاءٍ عاٍمٍ يُجرى في المديريات الجنوبية الثلاث للسودان" 19، لكن الرئيس لم يُعط هذا النص وزنًا، فعدّل شكل نظام الحكم، وأعاد تقسيم إقليم الجنوب ثلاثة أقاليم، وعّي ن فيها قيادات جديدة لم تكن ذات ثِقل اجتماعي وسياسي في الجنوب، وشرع في أسلمة بعض مؤسسات الدولة وقوانينها، من دون مراعاة حساسية هذا الأمر في المديريات الجنوبية  20. قادت هذه الأسباب وغيرها إلى اندلاع الحرب الأهلية الثانية في جنوب السودان في عام 1983، التي استمرت أكثر من عقدين 2005-1983()، وقد تخلّلتها سلسلة من المفاوضات التي أجرتها الحكومة البرلمانية المنتخبة)1989-1986( 21، ثم حكومة الإنقاذ الانقلابية 2019-1989(.) وفي عهد حكومة الإنقاذ عقد الطرفان (الحكومة والحركات المتمردة) ثلاث اتفاقيات، أولاها اتفاقية الخرطوم للسلام التي وقّعتها الحكومة مع رياك مشار عن حركة استقلال جنوب السودان، وكاربينو كوانين عن الحركة الشعبية مجموعة بحر؛ وثانيتها اتفاقية فشودة الغزال في 21 نيسان/ أبريل 1997 التي وقّعتها الحكومة مع لام أكول أجاوين عن مجموعة الحركة الشعبية لتحرير السودان-الفصيل المتحد في 20 أيلول/ سبتمبر 1997. وأقرت الاتفاقيتان بمشكلات إرث المنشأ التي أشرنا إليها، واستندت في معالجاتها إلى أربع مرتكزات: أولها الإقرار بحق مواطني الجنوب في ممارسة حقهم في "تقرير المصير من خلال استفتاء شعبي" 22، وهو أمٌرٌ يُجرى في مديريات الجنوب الثلاث؛ ثانيها الاعتراف بأن "السودان مجتمع متعدد الأعراق والثقافات والديانات، والإسلام دين الغالبية من السكان، والمسيحية والمعتقدات الأفريقية لها أتباع معتبرون من المواطنين، لكن المواطنة هي أساس الحقوق والواجبات، ويشارك جميع السودانيين، بحكم مواطنتهم على وجه المساواة في المسؤوليات السياسية" 23؛ ثالثها أن "تظل قوات دفاع جنوب السودان مفصولة عن القوات المسلّحة، وتبقى في مواقعها الحالية [آنذاك] تحت إمرة قيادتها" 24، وأن "ُيُعّي نأفراد قوات الشرطة، السجون، حرس الصيد، قوات الدفاع المدني، المطافئ، قوات الجمارك، والأمن العام في الولايات الجنوبية من بين مواطني الجنوب"، مع "تخفيض حجم القوات المسلّحة العاملة في الجنوب" 26؛ رابعها أن "الشريعة والعرف هما مصدرا التشريع" 27، و"اللغة العربية اللغة الرسمية للسودان، وتكون اللغة الإنجليزية الثانية، وتسعى الحكومة لتطوير اللغات الأخرى" 28. واضح من هذه المرتكزات الأربعة أن الاتفاقيتين أمّنتا ضمنًّيًا على أن مشكلات إرث المنشأ تُشكّل عائقًا حقيقيًا لوحدة السودان، وهو أمٌرٌ دفع الحركات المسلّحة إلى البحث عن حلول جذرية، مثل "تقرير المصير"، وعدم دمج قواتها العسكرية اتفاقية أديس أبابا في عام في القوات المسلّحة، كما حدث في 1972، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك عندما ضمنت في الاتفاقيتين نصوصًا تقضي بتعيين بعض الوحدات الأمنية وشبه الأمنية من أبناء الجنوب، وتقليل وجود القوات المسلّحة في جنوب السودان. ويؤكد ذلك قول رياك مشار للسفير الأميركي، دونالد بيترسون Peterson Donald، إنه هو وحزبه "لن يحيدا أبدًا عن الإصرار على الانفصال الكامل للجنوب عن الشمال" 29.

  1. 20  المادة 34()، القانون الأساسي لتنظيم الحكم الذاتي الإقليمي في المديريات الجنوبية لجمهورية السودان الديمقراطية.
  2. 21  لمزيد من التفصيل عن الأسباب التي أدّت إلى تقسيم الجنوب، ينظر: ألير، ص 244-231؛ سلمان، ص 541 - .594
  3. 22   " إعلان كوكادام" الذي وقّعه قادة التجمع الوطني والحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة جون قرنق في 20 آذار/ مارس 1986، والذي طالب قرنق فيه الحكومة برفع حالة الطوارئ، وإيقاف إطلاق النار، وإلغاء قوانين الشريعة الإسلامية الصادرة في عام 1983، وإلغاء الاتفاقيات العسكرية مع كل من مصر وليبيا. فرفضت الحكومة الاستجابة لهذه الشروط، ثم فشل المؤتمر؛ و"مبادرة السلام السودانية" التي وقّعها محمد عثمان الميرغني، زعيم الحزب الاتحادي الديمقراطي، مع قائد الحركة الشعبية جون قرنق، في 20 تشرين الثاني/
  4. ب. المبادئ العامة"، في:  23 اتفاقية السلام بين حكومة السودان والفصائل المقاتلة في جنوب السودان، الخرطوم،.1997/4/21
  5. 24    " الفصل الثالث: المسائل السياسية. الأمور الدستورية والقانونية. (أ) الدين والدولة"، اتفاقية السلام بين حكومة السودان والفصائل المقاتلة في جنوب السودان في:. 25   " الفصل السادس: الترتيبات الأمنية خلال الفترة الانتقالية (أ")، في: المرجع نفسه. 26   " الفصل السادس: الترتيبات الأمنية خلال الفترة الانتقالية (ب")، في: المرجع نفسه.
  6. نوفمبر 1988. وقد جرى الاتفاق على مبادئ الوحدة وإعلاء رابطة المواطنة على أي رابطة أخرى، وإلغاء قوانين الشريعة الإسلامية الصادرة في عام 1983 إلى حين البتّ في أمرها في مؤتمر قومي دستوري تشارك فيه كل القوى السياسية والاجتماعية والعسكرية، وإلغاء كل
  7. 27   " الفصل الثالث: المسائل السياسية. (أ) الدين والدولة، 6/أ"، في: المرجع نفسه. 28   " الفصل الثامن. 11 أحكام عامة. أ. اللغة العربية"، في: المرجع نفسه. 29  نقلًاعن: خالد، السودان: أهوال الحرب، ص.770
  8. الاتفاقيات العسكرية، الُمبُرمة بين السودان والدول الأخرى، التي تؤثر في السيادة الوطنية،
  9. ورفع حالة الطوارئ، ووقف إطلاق النار.

أما الاتفاقية الثالثة فهي اتفاقية السلام الشامل التي وقّعها علي عثمان محمد طه، النائب الأول لرئيس الجمهورية، نيابةً عن حكومة جمهورية السودان، وجون قرنق دي مبيور، رئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان والجيش الشعبي لتحرير السودان، نيابةً عن الحركة والجيش، في نيروبي، في 9 كانون الثاني/ يناير 2005 30، وقد أقرّ طرفاها ب "أن السودان بلد متعدّد الثقافات، ومتعدّد الجنسيات، ومتعدّد الأعراق، ومتعدّد الديانات، ومتعدّد اللغات" 32، بمعنى أن هذه التعددية مُتّ ثّل إرث المنشأ، ولذلك يجب أّل اُتُستخدم معيارًا للفرقة في تحديد حقوق المواطنين السودانيين وواجباتهم بأصنافها كلها. وأمّنت الاتفاقية "حرية العقيدة والعبادة والضمير بالنسبة إلى أتباع جميع الديانات أو المعتقدات أو العادات"، واشترطت أّل ا"يتم التمييز ضد أي شخص" في ضوء معتقده الديني، أو نوع العبادة التي يمارسها، بل يجب أن تكون المواطنة أساسًا لتوّل يالمناصب العامة، بما فيها منصب رئيس الجمهورية، وليس الدين، أو المعتقدات، أو العادات، شرطًا مؤهّلًالذلك  33. وأشارت الاتفاقية إلى وجود اختلال وتمييز قائٍمٍ في الخدمة المدنية العامة. ولمعالجة هذا الاختلال والتمييز، نصّت على "دعم الفئات الأضعف عن طريق التدريب؛ لتحقيق أهداف التمثيل المتساوي في إطار زمني متّفق عليه"، و"توفير فرص تعليم إضافية للمتأثرين بالحرب"؛ وإنشاء مفوضية للخدمة المدنية تُسند إليها المهمات الآتية: 1. صوغ سياسات للتدريب والتعيين في الخدمة المدنية لتخصص ما بين 20 و 30 في المئة من الوظائف لأبناء جنوب السودان؛ 2. ضمان ملء ما لا يقل عن 20 في المئة من الوظائف المتوسطة والعليا من الخدمة المدنية من جنوبيين مؤهّلين خلال السنوات الثلاث الأولى من تاريخ توقيع الاتفاقية، وتحقيق 25 في المئة في السنوات الخمس اللاحقة  34. واعتبرت الاتفاقية أنّ اعتماد اللغة العربية اللغة الرسمية الوحيدة في الدولة عائُقُ تمييٍزٍ سالب؛ ولذلك نصّت على اعتبار "جميع اللغات المحلية لغات قومية يجب احترامها وتنميتها وتعزيزها"، واعتبار اللغتين العربية والإنكليزية لغتين رسميتين لأداء أعمال الحكومة القومية والتدريس في التعليم العالي. وبذلك، شكّلت البنود المذكورة إطارًا عاًّمًا لإدارة التنوّع في السودان  35.

31  اتفاقية السلام الشامل بين حكومة جمهورية السودان والحركة الشعبية لتحرير السودان/ الجيش الشعبي لتحرير السودان، "الجزء ج: الدين والدولة"، نيروبي، 2005/1/9، ص.5

34  المرجع نفسه، الفصل الثاني، اقتسام السلطة، 8/2"": اللغات، 5/8/2–1/8/2، ص.28–27

إّل اأن الطرفين المتفاوضين توقّفا عند مشكلة مصادر التشريع في الدستور الحاكم لعلاقات الدولة الأفقية والرأسية: أتكون علمانية أم مستمدة من الشريعة الإسلامية والتوافق الشعبي؟ ثم إنهما لم يصلا إلى خياٍرٍ مجمع عليه. فكانت النتيجة أن تكون "التشريعات التي تَُسَنّ على الصعيد القومي، والتي تتأثر بها الولايات خارج جنوب السودان مصدرها الشريعة والتوافق الشعبي." و"التشريعات التي تَُسَنّ على الصعيد القومي، المطبّقة على الولايات الجنوبية، أو الإقليم الجنوبي، يكون مصدرها التوافق الشعبي وقيم وعادات شعب السودان، بما في ذلك تقاليدهم ومعتقداتهم الدينية، احترامًا للتنوع في السودان." و"عندما يكون هناك تشريع قومي نافد المفعول الحالي، أو تم سنّه ومصدره قانون ديني أو عرفي، فإن أية ولاية وإقليم لا تمارس أغلبية السكان فيه مثل هذه الديانة أو العادات، يجوز لهم عندئذ إصدار تشريع يسمح بأعراف أو ممارسات ذلك في الإقليم، تتماشى مع دياناتهم أو عاداتهم" 36. إذًا، قادت الثنائية في مصادر التشريع إلى خلق نظامي حكم في دولة واحدة، وأربعة مستويات من الحكم: الحكومة الفدرالية، وحكومة جنوب السودان، والحكومات الولائية، والإدارات المحلية. وفضلًاعن ذلك، نصّت الاتفاقية على حق شعب جنوب السودان في تقرير المصير في استفتاء شعبي عام يُجرى في جنوب السودان بعد ست سنوات من الحكم الانتقالي يُقرّر بعدها الجنوبيون مصيرهم؛ إما لمصلحة السودان الموَّحَد، وإما الانفصال وقيام دولة جنوب السودان  37. لكن في خاتمة المطاف، كانت نتيجة جري في جنوب السودان في عام الاستفتاء الذي أ 2011 لمصلحة انفصال جنوب السودان، وقيام دولته المستقلة. من منظور آخر، أثبتت مشكلات إرث المنشأ أن ثنائية الشمال والجنوب لا تعني أن الشمال عبارة عن كتلة صماء، بل هو أيضًا كيان متعدّد الثقافات، ومتعدّد الجنسيات، ومتعدّد الأعراق، ومتعدّد الديانات، ومتعدّد اللغات أيضًا، على الرغم من أن الدين الإسلامي دين الأغلبية فيه، وأنّ اللغة العربية لغة التواصل بين السواد الأعظم من قاطنيه، وأنّ تأثير مشروعات التنمية التي اختطتها الحكومة الاستعمارية 1956-1898() وطوّرتها لخدمة مصالحها الاستراتيجية، وورثتها من بعدها الحكومات الوطنية، يتفاوت من منطقة إلى أخرى، وكذلك الحال بالنسبة إلى إفرازات مؤسسة الرق وقضايا التمييز العرقي. وقد ظهر ذلك بجلاء في الصراعات المسلّحة التي حدثت في أثناء مفاوضات اتفاقية السلام الشامل، ونذكر منها تحديدًا الحرب

  1. 30 عُقدت مفاوضات اتفاقية السلام الشامل بين حكومة جمهورية السودان والحركة الشعبية لتحرير السودان في أيار/ مايو -2002 كانون الأول/ ديسمبر 2004، في كل من كارن ومشاكوس ونيروبي وناكورو ونايوكي ونيفاشا في كينيا، برعاية الهيئة الحكومية المشتركة للتنمية "إيغاد"، والحكومة الكينية، ووقّع الطرفان الاتفاقية في نيروبي، في 9 كانون الثاني/ يناير.2005
  2. 32  المرجع نفسه، الفصل الأول "الجزء ج: الدين والدولة "، 3/6-1/6، ص.5
  3. 33  المرجع نفسه، الفصل الثاني، اقتسام السلطة، 6/2" الخدمة العامة"، 3/2/6/2–1/2/6/2، ص.27
  4. 5/2-3/1، ص.9
  5. 35  المرجع نفسه، الفصل الأول، "الجزء د: هياكل الحكم"، المادة 3 / 2. الحكومة القومية، 4/2/3–2/2/3، ص.8–7
  6. 36  المرجع نفسه، الفصل الأول، "الجزء ه: حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان "،

الأهلية التي اندلعت في دارفور في عام 2003، بقيادة حركة تحرير دارفور (الأم) قبل تغيير اسمها إلى حركة تحرير السودان، وانقسامها إلى حركتين رئيسَتيَن، ولحقت بهما حركة العدل والمساواة التي أسسها خليل إبراهيم. وظهرت في مقابل هذه الحركات المسلّحة المعادية للحكومة الميليشيات القبلية المسلّحة (الجنجويد) التي ساندتها الحكومة ووظّفتها في صراعها ضد الحركات "المتمردة"، وهو أمٌرٌ أدى إلى تصاعد حدّة الصراع المسلّح في دارفور  38، ونتجت من ذلك "انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، شملت ولايات دارفور الثلاث [آنذاك]، شارك فيها كل أطراف النزاع بدرجات متفاوتة، أدت إلى معاناة إنسانية لأهل دارفور، تمثلت في النزوح [داخل السودان] واللجوء إلى تشاد"، وبلدان أخرى 39. وقدّر بعض التقارير الدولية اللاحقة عدد الضحايا بثلاثمئة ألف شخص؛ ما دفع مجلس الأمن إلى التدخّل في مشكلة دارفور، وتدويلها على المستوى الرسمي والرأي العام العالمي. ولإيقاف الحرب أ جريت سلسلة من المفاوضات بين اتفاقية سلام دارفور في عام الطرفين، وأخيرًا تبلورت في 2006 (أبوجا) بين حكومة جمهورية السودان وحركة تحرير السودان (جناح مني أركو مناوي)؛ ووثيقة الدوحة لسلام دارفور في عام 2011 (الدوحة) بين حكومة جمهورية السودان وحركة التحرير والعدالة. تحوّلت أيضًا التنظيمات المطالبة بحق أهل شرق السودان في السلطة والثروة والتنمية إلى حركات مسلّحة في عقد التسعينيات؛ فدفع ذلك الحكومة السودانية إلى توقيع اتفاق سلام شرق السودان، وقد تكوّن من اتفاقين منفصلين، أ جريت مفاوضات أولهما في طرابلس بين حكومة السودان وتنظيم الأسود الحرة  40، ووقّعاه في 14 حزيران/ يونيو 2000. أمّا ثانيهما، فهو اتفاق سلام شرق السودان بين حكومة السودان وجبهة الشرق. وقبل التوقيع النهائي، أ دمج الاتفاقان المشار إليهما في اتفاق واحٍدٍ، باسم اتفاق سلام شرق السودان، وقّعه الطرفان في أسمرا، في 14 تشرين الأول/ أكتوبر 2006. وبعد سنوات من توقيعه، أوضح موسى محمد أحمد، رئيس مؤتمر البجا، مساعد رئيس جمهورية السودان آنذاك، في تصريح صحافي، أن اللجنة المركزية لحزبه لم تكن راضية عن مستوى التنفيذ، وأنها ستناقش أوجه القصور مع حكومة الخرطوم. وفي حالة عدم الاستجابة، فإنها ستتخذ "قرارًا بالانسحاب من السلطة" 41. بعد ثورة ديسمبر 2018، وقّعت الجبهة الثورية بمساراتها الخمسة اتفاق جوبا لسلام السودان في عام 2020، وتشمل هذه المسارات الخمسة: 1. مسار دارفور (حركة تحرير السودان - الهادي إدريس، حركة العدل والمساواة السودانية، حركة جيش تحرير السودان - مني أركو مناوي، الجبهة الشعبية المتحدة للتحرير والعدالة؛ تجمّع قوى تحرير السودان؛ 2. مسار المنطقتين - جنوب النيل الأزرق وجنوب كردفان (الحركة الشعبية لتحرير السودان - مالك عقار أير؛ الحركة الشعبية لتحرير السودان - وعبد العزيز الحلو)؛ 3. مسار الشمال (حركة تحرير كوش وكيان الشمال)؛ 4. مسار الوسط: التوم الشيخ هجو الحزب الاتحادي الديمقراطي - الجبهة الثورية؛ 5. مسار الشرق: مؤتمر البجا المعارض 42. وفي أثناء المفاوضات، وقبل توقيع هذا الاتفاق، برزت المواقف المؤيّدة له والمعارضة، وظل الصراع محتدمًا بين الطرفين (المؤيدين والمعارضين) إلى أن حدث انقلاب 25 تشرين الأول/ أكتوبر 2021، وبعده حرب 15 نيسان/ أبريل.2023 خلاصة القول إن اتفاقيات السلام السودانية المذكورة قد تطرقت إلى مشكلات إرث المنشأ من جوانب مختلفة، وأقرّت بوجودها ودورها الأساس في إذكاء الصراع بين المركز والأطراف، وقد أفرزت حركات مطلبية سلمية، ثم تحوّلت إلى حركات مسلّحة. إّل اأن التسويات الجزئية التي أ جريت في هذه الاتفاقيات وفقدان الثقة الدائم بين المركز والأطراف المتمردة، كانا من الأسباب الرئيسة التي أدّت إلى تعدّدها وفشلها في بناء سلام مستدام في السودان. وُيُعزّز ذلك رأي آدم محمد أحمد عبد الله، الذي عزا أسباب فشل اتفاقيات السلام السودانية إلى "المحاصصات [السياسية]، وتقسيم المناصب، دون التركيز على القضايا الجوهرية"، فضلًاعن عدم استشارة الجهات الفنية والأكاديمية لوضع الحلول المناسبة؛ لأن هَّمَ الحكومات المركزية الأكبر كان استمالة المعارضين ب "المال والمناصب"، في حين أنّ قادة كثيرين من الحركات المسلّحة أنفسهم كانوا يقدمون ما هو أدنى (كسبهم المادي والوظيفي) على ما هو خير (معالجة القضايا الجوهرية.) وبذلك، فقد هؤلاء تقدير الحكومات المركزية لهم، وفشلوا في كسب ثقة الأهالي الذين بقوا يتحدثون بالنيابة عنهم وعن

  1. 37  لمزيد من التفصيل عن تاريخ الحركات المسلحة التي ظهرت في دارفور، ينظر: محمد الأمين خليفة، "الحركات المسلحة في دارفور: التركيبة والأدوار"، في: دارفور: حصاد الأزمة بعد عقد من الزمان، عبد الوهاب الأفندي وسيدي أحمد ولد أحمد سالم (محرران) (الدوحة: مركز الجزيرة للدراسات، 2013)، ص 105 - .136
  2. تقرير لجنة مولانا دفع الله الحاج يوسف حول تقصي الحقائق بدارفور"،  38 موسوعة
  3. 39  تنظيم الأسود الحرة هو أحد التنظيمات المسلّحة التي نشأت في شرق السودان في
  4. التوثيق الشامل، 2009/8/30، شوهد في 2010/10/12، في: https://bit.ly/3eDwDzx
  5. أوساط قبيلة الرشايدة، بدعم من الحكومة الإرتيرية في عام 1999، وقائده المؤسس هو مبروك مبارك سليم. " متمردون سابقون في شرق السودان يهددون بالانسحاب من السلطة"،  40 إيلاف، 2012/9/1، شوهد في 2023/4/8، في https://bit.ly/419QltJ: 41  لمزيد من التفصيل، ينظر: اتفاق جوبا لسلام السودان بين حكومة السودان وأطراف العملية السلمية، جوبا،.2020

مشكلاتهم المزمنة  43. ونتيجةً لهذه الشروخ المتكررة، ظلّت الحلول الموضوعية الشاملة لمشكلات إرث المنشأ غائبة في نصوص اتفاقيات السلام السودانية، إن لم يكن معظمها غائبًا؛ إّل اأن إجراءات معالجتها قد اتّسمت بالاستهتار من الطرفين (المركز والأطراف)، وعدم الصدقية في تنفيذ مطلوباتها الأساسية، وترتب على ذلك تمادي الحكومة المركزية في نقض المواثيق والعهود التي تُشكّل لها تهديدًا وجودًّيًا، أو أن الأطراف المتعاقد معها تكون مشغولة بتقديم مصالحها الخاصة أو الحزبية على حساب المصلحة العامة، التي أسّست عليها خطابها التفاوضي وبنود اتفاقياتها المنجزة. إذًا، ما القواسم المشتركة بين اتفاقيات السلام السودانية والقضايا ذات التركيبة الثنائية التي بقيت مثار جدل بين الأطراف والاتفاقيات المنجزة؟

ثانيًا: القواسم المشتركة بين اتفاقيات السلام السودانية

توجد بين اتفاقيات السلام السودانية 2020-1972() قواسم المشتركة، تُشكّل أَّسَ الفشل الذي لازم تنفيذها، وأخرجها من دائرة بناء السلام المستدام، ولذلك بقيت الحكومات الوطنية المتعاقبة في حالة صراع ومفاوضات دائمة مع الحركات المسلّحة واتفاقيات سلام قصيرة الأمد. ونركز في هذه الدراسة على ثلاثة قواسم مشتركة رئيسة، مُتّ ثّل بواعث الفشل التي أشرنا إليها.

1. نموذج تقاسم السلطة الجزئي

سّست كل اتفاقيات السلام السابقة، بما فيها اتفاق جوبا لسلام السودان،ُأ على نموذج تقاسم السلطة الجزئي Sharing Power Partial، وهو نموذج يختلف عن نموذج تقاسم السلطة الشامل Sharing Power Inclusive، القائم على إشراك كل الكيانات والتنظيمات التي تُعّب رعن جماعات المصالح المشتركة الرئيسة؛ لأن مشاركتها تكسب المؤسسات الحاكمة شرعيةً سياسيةً، وتمنح الاتفاقيات المبرمة استدامة 44. ويحدث مثل هذا التقاسم الشامل للسلطة في فترات الانتقال الديمقراطي التي تسيطر عليها قيادات معتدلة، وفي الأوضاع الاستثنائية التي يتّفق أطرافها على ضرورة تجاوز أزمتهم الراهنة، والبحث عن حلول ممكنة؛ لبناء مستقبل أفضل. أطلق آرنت ليبهارت على مثل هذا التوافق السياسي الذي يتحقق من دون اللجوء إلى صناديق الانتخابات، "ديمقراطية الإجماع" Consensus Democracy45؛ لأنها، من وجهة نظره، تمثل الأغلبية الداعمة للتحوّل السياسي، من دون إقصاء أيّ طرٍفٍ مؤثٍرٍ. وديمقراطية الإجماع ليست مقصودة لذاتها؛ لكنها أداة تُهيّئ المناخ لمعالجة جذور المشكلات بطريقة موضوعية. وُيُعزى عدم تطبيق نموذج تقاسم السلطة الشامل في السودان إلى ثلاثة أسباب: أولها أنّ الاتفاقيات المشار إليها من قبل، باستثناء اتفاق جوبا لسلام السودان، قد عُقدت في عهد أنظمة عسكرية شمولية (حكومة أيار/ مايو، 1969 - 1985، وحكومة الإنقاذ، 2019-1989)، لم تكن راغبة في تقاسم السلطة التي اغتصبتها عنوة بقوة السلاح، مع أصحاب المصالح المشتركة. ولذلك، لجأت إلى سياسة الترهيب، أو الترغيب، أو عدم الوفاء بالمواثيق في تعاملها مع الخصوم، وهو أمٌرٌ أفسد كل الاتفاقيات المشار إليها. ومن الشواهد الدالّة على ذلك موقف اتفاقية أديس أبابا في عام السلطة الحاكمة في الخرطوم من 1972، عندما خرق الرئيس نميري بنود الاتفاقية وأفرغها من محتواها، بوصف ذلك ردّة فعل للانتقادات الحادّة التي وجّهها بعض نواب مجلس الشعب القومي الجنوبيين إلى سلطته المركزية، وإلى ممارسات الحكومة الإقليمية في جنوب السودان  46. ثانيها أنّ تقاسم السلطة الجزئي لم مُيّ كّن طرفي المعادلة السياسية الحاكمة والمعارضة من الولوج إلى أسّ المشكلات الذي أفرز النزاعات نفسها، بل إنه صرف نظر الحكومة المركزية إلى توظيف تقاسم السلطة الجزئي لتعزيز هيمنتها المركزية، أو تصفية خصوماتها السياسية. وأبلُغُ شاهٍدٍ على ذلك اتفاقية الخرطوم للسلام في عام 1997، التي وظّفها الطرفان لخدمة مصالحهما التكتيكية في صراعهما في الحركة الشعبية لتحرير السودان، ولذلك عندما أحجمت الحكومة المركزية عن تطبيق بنود الاتفاقية، عاد المنشقون إلى الحركة الشعبية لتحرير السودان مرة أخرى. ثالثها أنّ تقاسم السلطة لم يكن شاملًا؛ لأن النخبة الحاكمة في الخرطوم والأطراف المتعاقدة معها لم تتعامل مع النزاعات الهامشية على أنها مشكلة قومية يجب أن تُعالج وفقًا لرؤية شاملة وبأدوات مركزية ومحلّية، ومشاركة واسعة من أصحاب المطالب السياسية والاقتصادية والاجتماعية المشروعة، حتى تكون الحلول المقترحة منطلقةً من جذور المشكلات الُمُسِّبّبة للصراعات العرقية والجهوية في السودان. ولذلك، اتّسمت كل الاتفاقيات بالمظهر الثنائي الذي

  1. 42  آدم محمد أحمد عبد الله، "تقييم اتفاقيات السلام في السودان: أوجه النجاح مجلة السودان، العدد والفشل"،  7 2016()، ص .112
  2. 43  أحمد أمل محمد، "تقاسم السلطة الشامل وأثره على الانتقال السياسي في السودان"،
  3. 44  لمزيد من التفصيل، ينظر: Arend Lijphart, "The Consensus Model of Democracy," in: Arend Lijphart, Democracies: Patterns of Majoritarian and Consensus Government in Twenty- One Countries (New Haven: Yale University Press, 1984). 45  ألير، ص.193 - 190
  4. مجلة كلية السياسة والاقتصاد، مج  15، العدد 14 (نيسان/ أبريل 2022)، ص.526

لم يشمل أصحاب المصالحة المشتركة جميعهم، وهو ما جعل كل الاتفاقيات ذات ديمومة قصيرة؛ لأنها في الأساس مُوَّثّقة استنادًا إلى مصالحة المجموعات التي وقّعتها في إطار علاقتها بالحكومة المركزية.

2. غياب الثقة بين أطراف العملية السلمية

داخل إطار تقاسم السلطة الجزئي، نلاحظ انعداَمَ ثقة متراكمًاتاريخيًا بين أطراف العملية السلمية (الاتفاقيات) في السودان، وهو أمٌرٌ نابع من واقع اجتماعي وثقافي وسياسي شديد التباين والتباغض بين النخبة الحاكمة في الخرطوم وأصحاب المطالب الجهوية في الأطراف. وقد تأثرت هذه الثقة المفقودة، في حدّها الأدنى، بواقع الصراع الاجتماعي والثقافي الذي فرضته الظروف الموضوعية المحيطة بأقاليم السودان المختلفة، وفي حدّها الأعلى بممارسات النخبة السياسية الحاكمة في الخرطوم، التي تعتبر نفسها صانعة الاستقلال الذي شارك إنسان الجنوب والأطراف الأخرى فيه مشاركةً متواضعةً وسلبيةً في بعض الأحيان. وولّدت هذه "النزعة الفطرية"، كما يُسمّيها منصور خالد، سلوكًا أبوًّيًا أو استعلائيّا تجاه الآخر، تصاعدت نبرته عندما "افترضت الحكومات الوطنية – بحسن نيّة أو بسوء نيّة - أنّ الوطنية الشمالية الصغرى Sub-nationalism Northern بكل مقوّماتها الثقافية والدينية، بل العرقية، يجب أن تصبح المقوّم الوحيد للهوية الوطنية لكل السودان" 47. إّل اأن هذه النظرة الاستعلائية وجدت معارضة من بعض الأطراف، وانعكست بطريقة جليّةٍ على اتفاقية السلام الشامل في عام 2005، التي نصّت في استهلالها على ضرورة "إقامة نظام حكم ديمقراطي يعترف بحقّ شعب جنوب السودان في تقرير المصير وجعل الوحدة جاذبة خلال الفترة الانتقالية، وفي ذات الوقت يقوم على أساس قيم العدل والديمقراطية والحكم الراشد، واحترام الحقوق الأساسية وحريات الأفراد، والتفاهم المشترك والتسامح والتنوّع داخل الحياة في السودان" 48. ويفترض هذا النص أن الحكم الديمقراطي سيوفّر بيئة صالحة لاستدامة الاتفاقية؛ لأن اتفاقية أديس أبابا قد نكث الرئيس نميري التزامه بها، بمساندة بعض القيادات الجنوبية، عندما غّي رتركيبة إقليم جنوب السودان، بتقسيمه ثلاثة أقاليم، من دون اتّباع الإجراءات المنصوص عليها في المادة 34() من قانون الحكم الذاتي الإقليمي للمديريات الجنوبية في عام 1972 49. ويتمثّل الخرق الآخر، الذي أحدث جدلًاكثيفًا في الشمال والجنوب، في إعلان تطبيق قوانين الشريعة الإسلامية في أيلول/ سبتمبر 1983، وهو الإعلان الذي يرى الجنوبيون فيه انتهاكًا للحقوق الأساسية والحريات التي نصّت عليها اتفاقية أديس أبابا (الملحق أ)، وكفلها الدستور الدائم في عام 1973. وقد نبّهت هذه الخروقات الحركة الشعبية لتحرير السودان اتفاقية أديس أبابا إلى ثغرات 1972()، ثم دفعتها إلى وضع شرط تقرير المصير، في مقابل الوحدة الجاذبة، وعندما شعر الجنوبيون بأن الوحدة لم تكن جاذبة مع الشماليين، صوّتوا بنسبة 98 في المئة لمصلحة تقرير المصير وقيام دولة جنوب السودان، في 9 تموز/ يوليو.2011

3. الوسطاء الأجانب وموائد التفاوض الخارجية

يتمثّل دور الوسطاء الإقليميين والدوليين في إقناع أطراف الصراع المسلّح (الحكومة المركزية والحركات المتمردة) باستئناف المفاوضات؛ وذلك لوضع حٍّدٍ للحروب الأهلية التي دمّرت الموارد الحيوية في السودان، وشكّلت تهديدًا للأمن القومي والإقليمي، وأبطأت سير التنمية في أماكن القتال المسلّح، وقلّلت من فرص الاستثمارات الخارجية. وتحت ضغوط الوسطاء الإقليميين والدوليين، استجاب أطراف النزاع المسلح، عبر مراحله المختلفة، إلى نداءات التفاوض، على أن تُجرى مداولاتها خارج الأراضي السودانية (أديس أبابا، ونيفاشا، وأبوجا، وطرابلس، أسمرا)؛ لأن الحركات المتمردة كانت لا تثق بالحكومات المركزية المتعاقبة؛ سواء كان ذلك في عهد حكومة أيار/ مايو، أم حكومة الإنقاذ. وبهذه الكيفية بدأ تدخّل الوسطاء؛ إذ تواصل مجلس الكنائس العالمي مع حكومة أيار/ مايو وحركة تحرير جنوب السودان؛ لوضع حٍّدّ للحرب الأهلية، وتسوية مشكلة الجنوب. وبدأت اللقاءات والمشاورات السرّية بمبادرة من مؤتمر كنائس عموم أفريقيا في لندن، الذي حضره ممثلون من حكومة السودان وحركة تحرير جنوب السودان. وفي تشرين الثاني/ نوفمبر 1971 اجتمع ممثلو مؤتمر كنائس عموم أفريقيا، ومجلس الكنائس العالمي، وحكومة السودان وحركة تحرير جنوب السودان في أديس أبابا، في لقاء تحضيري "لاكتشاف مواقف الطرفين، والتعبير عن رغبتهما المتبادلة في تحقيق السلام" 50. وحضر وفد الحكومة السودانية برئاسة أبيل ألير (نائب رئيس الجمهورية ووزير شؤون

  1. 46  خالد، السودان: أهوال الحرب، ص 11؛ يؤكد ما ذهب إليه خالد قوٌلٌ يتّفق فيه معه محمد أبو القاسم حاج حمد: "ليس في السودان سوى هُوية واحدة، تنطبق عليها صفات القومية، وهي العروبة، وما عداها فمكوّنات قبلية، وليس في السودان سوى ديانة واحدة تنطبق عليها مواصفات الدين عالمًّيًا، وهي الإسلام، وما عداها تشكيلات من المعتقدات المرتبطة بنسيج العادات والتقاليد الموقوفة على حالات عشائرية غير قابلة للتداخل مع
  2. 47   اتفاقية السلام الشامل، استهلال. 48  لمزيد من التفصيل عن "قانون الحكم الذاتي الإقليمي للمديريات الجنوبية لسنة 1972 "، ينظر: فيصل عبد الرحمن علي طه، مسألة جنوب السودان في سياق تاريخي، - 1899 86 19 (أم درمان: مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي، 2012)، ص 151 - .158
  3. الغير." لمزيد من التفصيل ينظر: محمد أبو القاسم حاج حمد، "السودان بعد عشر سنوات على ثورة الإنقاذ: مسألة الُهُوية. هل هناك اتفاق على الُهُوية في السودان؟"، الحياة،
  4. 49  خالد، السودان: أهوال الحرب، ص.323

الجنوب)، ووفد حركة تحرير جنوب السودان برئاسة أزبوني منديري قوانزا (وزير المواصلات السابق في حكومة تشرين الأول/ أكتوبر 1964)، وحضر جلسات المفاوضات الأولى كمراقبين نبيولول كفلي ممثلًا للإمبراطور هيلا سيلاسي الأول 1974-1930()، وليوبولد نيليوس (أميركا اللاتينية)، وكودو أنكرا (غانا) ممثَليَن لمجلس الكنائس العالمي، وبيرغس كارا (ليبيريا)، ممثلًاللأمين العام لمجلس كنائس عموم أفريقيا، وصامويل بووقو، ممثلًا لمجلس كنائس السودان، الخبير القانوني البريطاني، سير دنقل فوت، بصفته مستشارًا قانونيًا لوفد حركة تحرير جنوب السودان. ورشّح الطرفان كارا رئيسًا وسيطًا لجلسات المفاوضات  51. وبعد هذا اللقاء التحضيري، بدأت المفاوضات المباشرة في 20 كانون الثاني/ يناير 1972، في مدينة أديس أبابا، برعاية هيلا سيلاسي الأول. ومن خلالها، توصّل الطرفان إلى اتفاقية أديس أبابا، فوقّعاها في 27 شباط/ فبراير 1972 52. وفي هذه الاتفاقية كان دور الوسطاء الخارجيين دورًا تيسيريّا؛ إذ منح الطرفين مج لًامن التفاوض الجادّ الذي أفضى إليها، وهي التي كانت تَُعَدّ من اتفاقيات السلام الناجحة لولا تدخّل الرئيس نميري الذي أفسد تدافعها الداخلي واستمراريتها، حفاظًا على سلطته المركزية شبه المطلقة، وممارسة بعض أعضاء حكومة الجنوب التي لا تتّسق وروح الاتفاقية. اتفاقية السلام الشامل في عام تمثّل 2005 نمطًا آخر من أنماط التوسط الخارجي، الذي بدأ بعد فشل جولة المفاوضات الأولى التي أجرتها حكومة الإنقاذ 2019-1989() مباشرة مع الحركة الشعبية لتحرير السودان في أديس أبابا، في آب/ أغسطس 1989، وقد عُقدت الجولة الثانية في نيروبي تحت إشراف جيمي كارتر، الرئيس الأميركي الأسبق 1981-1977()، ودانيال آراب موي Moi Arap Daniel، في كانون الأول/ ديسمبر 1989؛ إّل اأنها لم تؤِّدِ إلى اتفاق بين الطرفين؛ لأن وفد الخرطوم اتهم الوسيط الأميركي بالتحيّز إلى الحركة الشعبية لتحرير السودان. وفي أحد اجتماعات إيغاد IGADD في عام 1993 53، طلب الرئيس عمر البشير توسّط أعضاء الهيئة لإنهاء الحرب الأهلية في السودان. وبناءً على هذا الطلب بدأت الجولة الأولى من المفاوضات، التي نظمتها إيغاد في الفترة 17 - 23 آذار/ مارس 1994، ولم تحقق نجاحًا ملموسًا، لكنها مهّدت للجولة الثانية التي عُقدت في أيار/ مايو 1994، وشهدت ميلاد "إعلان المبادئ" الذي أمّن أولوية وحدة السودان في إطار "دولة ديمقراطية علمانية، تكفل حُرية الاعتقاد والعبادة لكل المواطنين السودانيين"، وأقرّ حق تقرير المصير على أساس الفدرالية أو الحكم الذاتي "لمواطني جنوب السودان؛ لتحديد وضعهم المستقبلي من خلال الاستفتاء"؛ إّل اأن حكومة جمهورية السودان رفضت في بادئ أمرها الاعتراف بإعلان المبادئ الذي ينادي بعلمانية الدولة. وفي أثناء هذه التعقيدات، كلف مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن بتمويل من معهد السلام الأميركي، فرانسيس دينغ Francis Deng وستيفين موريس Morris Stephen، من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن، بإعداد تصور لدعم السلام في السودان، فجاءت توصياتهما بأن تتّخذ الإدارة الأميركية خطوات جادة، تتمثّل في تعيين مبعوث خاص للسودان، وتعيين شخصية رفيعة المستوى تكون حلقة وصٍلٍ بين الحكومة الأميركية والفصائل المتمرّدة في جنوب السودان، وتأسيس المفاوضات على هدي إعلان المبادئ، حفاظًا على السودان موَّحَدًا في ظل نظامين سياسيين للحكم في الشمال والجنوب  54. وتزامنت هذه الخطوات مع إجازة الكونغرس الأميركي قانون سلام السودان في 10 تشرين الأول/ أكتوبر 2002، الذي دفع الولايات المتحدة الأميركية إلى "أن تتّخذ كافَةَ الوسائل الُمُتاحة للوصول إلى حلّ شامل للحرب في السودان، بما في ذلك توسيع أساليب الضغط الاقتصادية والدبلوماسية على حكومة السودان، للدخول بعزيمة صادقة في عملية السلام" 55. وفي هذه الأثناء، طرح عضو مجلس الشيوخ الجمهوري، جون دانفورث Danforth John، المبعوث الرئاسي لواشنطن في السودان، مقترحًا يقضي بصوغ اتفاٍقٍ شامٍلٍ لإقامة نظامين للحكم في شمال السودان وجنوبه في إطار دولة واحدة، مع استقلال الجنوب عن الشمال من الناحية الاقتصادية، وشؤون الحكم الداخلي، وضمان الحريتين الدينية والثقافية، والتوزيع العادل للموارد النفطية، وتقاسم السلطات بين الحكومة المركزية، والحكومات الإقليمية. وبذلك، مهّدت الإدارة الأميركية لإجراء مفاوضات مباشرة بين حكومة جمهورية السودان والحركة الشعبية لتحرير السودان. وقد بدأت تلك المفاوضات في 17 حزيران/ يونيو 2002، في مدينة مشاكوس الكينية، برعاية الهيئة الحكومية المشتركة للتنمية (إيغاد)، وسكرتاريتها المكوّنة من الجنرال لازروث سومبيو (كينيا)، والخبير الدستوري نيكولاس فنك هايسوم (جنوب أفريقيا)،

  1. 50  المرجع نفسه؛ عبد الرحمن عبد الله، السودان: الوحدة والتمزق، ترجمة الفاتح التجاني (بيروت: رياض الريس للكتب والنشر، 2002)، ص 164 - .166
  2. 51  خالد، السودان: أهوال الحرب، ص.328 - 325
  3. 52 أسّست السلطة الحكومية الدولية للإنماء والتصحر The Intergovernmental Authority on Drought and Development، في عام 1986، لمقاومة الجفاف والتصحر. وفي عام 1996 اجتمع رؤساء الدول الأعضاء في نيروبي، واتفقوا على تعديل ميثاق المنظمة وتغيير اسمها إلى الهيئة الحكومية للتنمية the Intergovernmental. والآن تتكوّن عضويتها من ثماني دول، هي: Authority on Drought and Development
  4. 53  لمزيد من التفصيل، ينظر:  Francis M. Deng & J. Stephen Morrison, U.S. Policy to End Sudan's War: Report of the CSIS Task Force on U.S.-Sudan Policy , Center for Strategic and International Studies (Washington: 1/2/2001). 54  Ibid., p. 14.
  5. جيبوتي، والسودان، وجنوب السودان، والصومال، وكينيا، وأوغندا، وإثيوبيا، وإرتيريا.

وعدد من المستشارين. وناقش الطرفان علاقة الدين والدولة، وحق تقرير المصير، وشكل نظام الحكم، ثم وقّعا بروتوكول مشاكوس في 20 حزيران/ يونيو 2020. وقد أفسح هذا البروتوكول مج لًالتوقيع البروتوكولات الأخرى التي شملت بروتوكول الترتيبات الأمنية في 25 أيلول/ سبتمبر 2003، وبروتوكول تقاسم الثروة في 7 كانون الثاني/ يناير 2004، وبروتوكول تقاسم السلطة في 26 أيار/ مايو 2004، وبروتوكول حسم النزاع في ولايَتَي جنوب كردفان والنيل الأزرق في 26 أيار/ مايو 2004، وبروتوكول حَْسْم النزاع في منطقة أبيي في 26 أيار/ مايو 2004. وشكّلت هذه البروتوكولات الستة اتفاقية السلام الشامل التي وقّعها علي عثمان محمد طه، النائب الأول لرئيس جمهورية السودان، نيابة عن حكومة جمهورية السودان، وجون قرنق دي مبيور، رئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان والجيش الشعبي لتحرير السودان، نيابةً عن الحركة والجيش، في 9 كانون الثاني/ يناير 2005، في نيروبي 56. ونجحت هذه الاتفاقية في تحقيق تقاسم السلطة بطريقة جزئية، وحقّقت معظم متطلبات الفترة الانتقالية التي شملت إعداد الدستور الانتقالي في عام 2005، وإجراء تعداد للسكان في عام 2009، وإجراء الانتخابات القومية في عام 2010؛ إّل اأنه حمل في داخله بذور انفصال الجنوب وقيام دولة جنوب السودان الذي تحقق في عام 2011 57، لأن الصراع الحزبي بين طرَف يالاتفاقية لم يُسهم في تحقيق وحدة جاذبة، وقد زاد المشهد تعقيدًا وفاة جون قرنق في 30 تموز/ يوليو 2005، بعد تحطّم الطائرة التي كانت تُقلّه من يوغندا في أثناء عودته إلى السودان، وخلَفَه في سدّة الحكم نائبه سلفاكير ميارديت صاحب الميول الانفصالية. وعندما أ جري الاستفتاء بشأن الوحدة مع الشمال، أو الانفصال، اتفاقية السلام الشامل، صوّت الجنوبيون بنسبة بحسب نص 98 في المئة لمصلحة الانفصال، وبموجب ذلك، وُِلِدت دولة جنوب السودان، في تموز/ يوليو 2011 58. اتفاقية سلام دارفور، أبوجا شكّلت 2006()، و وثيقة سلام الدوحة 2011()، نموذجين آخرين للتوسّط الخارجي. وبعد اندلاع الحرب الأهلية بين حكومة السودان والحركات المسلّحة في دارفور في عام 2003، دعا إدريس ديبي، رئيس جمهورية تشاد 2021-1990()، أطراف النزاع في دارفور إلى محادثات في مدينة أبشي، في تشاد، في أيلول/ سبتمبر 2003؛ إّل اأن حركة العدل والمساواة رفضت الانضمام إلى المحادثات، مشككةً في حياد الرئيس ديبي. ثم عُقدت جولة المحادثات الثانية في أبشي، وعقب انهيارها نُقلت المحادثات إلى أنجمينا، في 16 كانون الأول/ ديسمبر 2003، إّل اأنها لم تكن أفضل حًّظًا من سابقتها، بل انهارت قبل أن تبدأ المفاوضات المباشرة؛ لأن حركة تحرير السودان تقدّمت بطلب خارج أجندة المحادثات السابقة، مفاده منح إقليم دارفور حكمًا ذاتيّا. وبعد ذلك، توقفت المحادثات بين الطرفين مدة أربعة شهور، ثم اسُتُؤنفت في نيسان/ أبريل 2004 برعاية رئيس التشاد، وحضور مراقبين من الاتحاد الأفريقي والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي  59. وبعد أن تعّثتر جولة أنجمينا الثانية بشأن المفاوضات، توّل ىالاتحاد الأفريقي زمام الوساطة بين الفرقاء السودانيين في أثناء مداولات قمّته في تموز/ يوليو 2004، في أديس أبابا، وشكّل لجنة مصغّرة برئاسة أوبا سانجو، الرئيس النيجيري 2007-1999() ورئيس دورة الاتحاد آنذاك، وعضوية كل من رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي عمر كوناري، ورؤساء السودان والسنغال وجنوب أفريقيا؛ لمناقشة مشكلة دارفور، وتقديم اقتراحات لإيقاف الحرب الأهلية في الإقليم  60. ثمّ دعت لجنة حكومة السودان والحركات المسلّحة في دارفور إلى اجتماع في أديس أبابا، إّل ا أن الحركات لم تكن متحمسة للمفاوضات، فأرسلت وفدًا من "الصف الثاني"، طرح جملة من القضايا الخلافية التي قادت إلى إنهاء الاجتماع من دون تحقيق أي نتائج إيجابية. وفي آب/ أغسطس 2004 نُقلت المفاوضات إلى أبوجا، وبلغ عدد جولاتها سبع جولات، كانت آخرها في تشرين الثاني/ نوفمبر 2005. وفي 5 أيار/ مايو 2006 وقّعت حكومُةُ السودان وحركة تحرير السودان (جناح مني أركو مناوي) اتفاقيَةَ أبوجا، في حين رفضت ذلك حركة تحرير السودان (جناح عبد الواحد محمد نور) وحركة العدل والمساواة، وشهد مراسم التوقيع ممثلو

  1. 55   اتفاقية السلام الشامل، صفحة التوقيعات. وشهد على الاتفاقية مواي كيباكي، رئيس جمهورية كينيا، نيابة عن اللجنة الفرعية لإيغاد بشأن السودان؛ يوري كاقوتا موسفيني، رئيس جمهورية أوغندا، نيابة عن الدول المنضوية إلى إيغاد؛ أحمد أبو الغيط، وزير خارجية مصر العربية، نيابة عن حكومة مصر العربية؛ ألفريدو ماتيكا، نائب وزير خارجية إيطاليا، نيابة عن حكومة إيطاليا؛ فريد راكي، المبعوث الخاص لمملكة هولندا، نيابة عن مملكة هولندا؛ هيلدا جونسون، وزيرة التنمية الدولية النرويجية، نيابة عن الحكومة النرويجية؛ هيلاري بن، وزير التنمية الدولية البريطاني، نيابة عن المملكة المتحدة وإيرلندا الشمالية؛ كولن باول، وزير خارجية الولايات المتحدة الأميركية، نيابة عن الولايات المتحدة؛ ألفا عمر كوناري، رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، نيابة عن الاتحاد الأفريقي؛ تشارلز كولينز، وزير التعاون التنموي الهولندي، نيابة عن الاتحاد الأوروبي؛ ألفريدو ماتيكا، نائب وزير خارجية إيطاليا؛ هيلدا جونسون، وزيرة التنمية الدولية النرويجية، نيابة عن شركاء إيغاد؛ عمرو
  2. 59  عبد الوهاب الأفندي، أزمة دارفور: نظرة في الجذور والحلول المم نكة (أبوظبي: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، 2009)، ص 77-76؛ بلقيس بدري، "اتفاقيات سلام دارفور: حصاد الأزمة، ص دارفور: الجهود وتحديات التطبيق"، في: 310 - .311
  3. 57  لمزيد من التفصيل عن مشكلة الجنوب وتداعياتها، ينظر: سلمان، ص.20 - 15 58  سليني محمد الصغير، "حل النزاعات الدولية بالطرق السلمية: المفاوضات نموذجًا "، مجلة الدراسات والبحوث القانونية، مج  5، العدد 2 2020()، ص.135
  4. موسى، الأمين العام لجامعة الدول العربية، نيابة عن الجامعة؛ جان برونك، ممثل الأمين العام للأمم المتحدة في السودان، نيابة عن الأمم المتحدة.
  5. 56  لمزيد من التفصيل عن هذه القضايا ومثيلاتها، ينظر: أحمد إبراهيم أبوشوك، الانتخابات القومية في السودان لسنة 2010: مقاربة تحليلية في مقدماتها ونتائجها (الدوحة: مركز دراسات الجزيرة؛ بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون،.)2012

الاتحاد الأفريقي وبعض الدولة الغربية والعربية  61؛ وبعد شهور من توقيع الاتفاقية، اندلعت صدامات عسكرية في دارفور، وتدهورت العلاقات بين الخرطوم وأنجمينا؛ ما دفع الولايات المتحدة إلى تقديم طلب إلى مجلس الأمن لاستبدال بعثة الاتحاد الأفريقي  62 ببعثة من الأمم المتحدة؛ لأن الأولى أقدر على إعادة الأمن والاستقرار إلى إقليم دارفور المضطرب. وتقنينًا لذلك، أصدر مجلس الأمن القرار رقم 1706، في 31 آب/ أغسطس 2006، لتوسيع ولاية البعثة UNMIS ومهماتها في دارفور  63؛ إّل اأن حكومة السودان رفضت تنفيذ القرار، واعتبرته تدخلًافي شؤونها الداخلية. وتجاوزًا لهذه المعضلة، أصدر مجلس الأمن القرار 1769، في 31 تموز/ يوليو 2007، لإنشاء بعثة مختلطة من قوات الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة؛ من أجل الإشراف المشترك على عمليات السلام تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة. وتسلمت البعثة المشتركة أعمالها في 31 كانون الأول/ ديسمبر 2007 64. ثم أعقب ذلك تعيين جبريل باسولي (وزير خارجية بوركينافاسو الأسبق)، وسيطًا مشتركًا للأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي لإحلال السلام في دارفور. وقد جرت الموافقة على استضافة قطر مفاوضات سلام دارفور، وتعيين وزير الدولة للشؤون الخارجية في قطر، أحمد بن عبد الله آل محمود، وسيطًا مشاركًا ثانيًا. رحّب باسولي بالشراكة القطرية، وتبنّى نموذجًا مبتكرًا لمفاوضات السلام، يعمل الخبراء فيه على تطوير اتفاق إطاري للحكم والأمن والتنمية، بمشاركة من أصحاب المصلحة، مع إقناعهم بتبنّيه. ويعقب ذلك دور المانحين الإقليميين والدوليين في تقديم الدعم المادي والمعنوي اللازم لتنفيذ الاتفاق  65. وكان تصوّر باسولي أن يبدأ الاتفاق الإطاري بإحدى الحركات المسلحة، ثم تجري دعوة بقية الحركات الأخرى. فاتّصل بحركة العدل والمساواة، التي قبلت العرض، ووقعت مع حكومة السودان "اتفاق حسن النوايا" في 17 شباط/ فبراير 2009؛ إّل اأن عبد الواحد محمد نور وصف هذا الاتفاق بأنه ""مجرد مصالحة بين الإسلاميين[...]، متخذين من الإبادة في دارفور وسيلة للبقاء في السلطة وتقاسمها[...]إنه مسرحية إسلامية[...]، الهدف منها تعطيل المادة السابعة واستبدالها بالمادة ال 16 لتؤخذ هذه الوثيقة إلى مجلس الأمن؛ ليقولوا إن هناك سلامًا حقيقيًا في دارفور" 66. وبعد ذلك، حدثت إجراءات توقيع الاتفاق الإطاري، في 23 شباط/ فبراير 2010، فوقّع أحمد تقد لسان عن حركة العدل والمساواة، وأمين حسن عمر عن حكومة السودان، وأحمد بن عبد الله آل محمود الوسيط القطري، وجبريل باسولي ووسيط الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي. وحضر مراسم التوقيع أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني 2013-1995()، وعمر البشير رئيس السودان، وديبي رئيس تشاد، وأسياسي أفورقي -1993() رئيس إرتيريا 67. لكن بعد توقيع الاتفاق الإطاري، انسحبت حركة العدل والمساواة من مفاوضات الدوحة، متعللةً بأنّ الحكومة شنّت هجومًا عسكريّا على مواقعها في دارفور. وشكّل انسحابها مع انقسامات بقية الحركات المسلّحة المفاوضة في الدوحة تحديًا حقيقيًا للوساطة الدولية - القطرية المشتركة، التي نجحت في تحسين العلاقات بين السودان وتشاد، وفي استقطاب المساندة الليبية والإرتيرية. وبعد انسحاب الحركات المسلّحة الأخرى من منبر الدوحة، وقّعت الحكومة السودانية "وثيقة الدوحة للسلام في دارفور" مع حركة التحرير والعدالة التي يرأسها التجاني سيسي، وذلك في 14 تموز/ يوليو 2011. وبقيت الوثيقة متاحةً لتوقيعات الحركات الأخرى التي شاركت في المفاوضات. وبالنظر إلى أنها تعالج قضايا تأسيسية، فهي تشمل: حقوق الإنسان والحريات الأساسية، وتقاسم

  1. 60  الأفندي، أزمة دارفور، ص 77-76؛ الصغير، ص 135 - .137
  2. 61  أنشئت بعثة الاتحاد الأفريقي في دارفور بموجب القرار رقم 1564، الصادر عن مجلس الأمن، في 2004/9/18، الذي حدّد مهمتها في نزع أسلحة الحركات الُمُسلّحة (الميليشيات) في دارفور. وينص القرار في إحدى فقراته: "يطلب إلى حكومة السودان وجماعات المتمردين، ولا سيما حركة العدل والمساواة وجيش/ حركة تحرير السودان، العمل معًا تحت رعاية الاتحاد الأفريقي من أجل التوصل إلى حل سياسي في المفاوضات الجارية في أبوجا بقيادة الرئيس أوبا سانجو، ويحيط علمًابالتقدم المحرز حتى الآن، ويحث الأطراف المشاركة في المفاوضات على توقيع وتنفيذ الاتفاق الإنساني فورًا، وإبرام بروتوكول بشأن المسائل الأمنية بأسرع وقت ممكن، ويؤكد ويدعم الدور الذي يقوم به الاتحاد الأفريقي في رصد تنفيذ جميع الاتفاقات التي تم التوصل إليها." لمزيد من التفصيل، ينظر: مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، "القرار 1564 2004() الذي اتخذه مجلس الأمن في جلسته 5040، المعقودة في 18 أيلول/ سبتمبر "2004، 2004/9/18، شوهد في 2023/4/6، في https://bit.ly/3KBNSmd:
  3. 62  استند العمل المشترك بين بعثة الاتحاد الأفريقي وبعثة الأمم المتحدة إلى القرار رقم 1706، الصادر من مجلس الأمن في 2006/8/31، الذي حدد مهمتها في نزع أسلحة الحركات المسلّحة (الميليشيات) في دارفور. وينص القرار في إحدى فقراته على ما يلي: "يطلب إلى الأمين العام التشاور، بالاشتراك مع الاتحاد الأفريقي، وبالتباحث الوثيق والمتواصل مع أطراف اتفاق دارفور للسلام، بما في ذلك حكومة الوحدة الوطنية، بشأن خطة وجدول زمني للانتقال من بعثة الاتحاد الأفريقي في السودان إلى عملية للأمم المتحدة في دارفور، ويقرر أن يبدأ نشر العناصر المبينة في الفقرات 40 إلى 58 من تقرير الأمين العام، المؤرخ [في] 28 تموز/ يوليو 2006 في موعد لا يتجاوز 1 تشرين الأول/ أكتوبر 2006؛ وأن يجري بعد ذلك، كجزء من عملية الانتقال إلى عملية للأمم المتحدة، نشر قدرات إضافية في أقرب وقت مستطاع عمليًا، وأن تنتقل مسؤولية دعم تنفيذ اتفاق دارفور للسلام من بعثة الاتحاد الأفريقي في السودان إلى بعثة الأمم المتحدة في السودان عند انتهاء ولاية بعثة الاتحاد الأفريقي في السودان، وعلى أّل ايتجاوز ذلك في جميع الأحوال 31 كانون الأول/
  4. 63  لمزيد من التفصيل، ينظر: مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، "القرار)2007(1769
  5. 64  أليكس دو فال، "الدور الإقليمي في الأزمة: ابتكارات خلاقة وصراعات معطلة"، في: دارفور: حصاد الأزمة، ص.319 65   " عبد الواحد يعترف بزيارة إسرائيل ويهاجم اتفاق دارفور بالدوحة"، الجزيرة نت، 2009/2/18، شوهد في 2023/4/8، في: https://bit.ly/3KJjtCIلمزيد من التفصيل ينظر؛: الفاتح الأمين الزاكي، "الوساطة القطرية في الاستقرار السياسي لإقليم دارفور ")2014-2008(، أطروحة أعدت لنيل الدكتوراه، جامعة أم درمان الإسلامية، 2018، ص.195 " توقيع اتفاق سلام دارفور بالدوحة"،  66 الجزيرة، 2009/2/24، شوهد في:2023/4/8، في https://bit.ly/40QrJqg
  6. ديسمبر 2006." لمزيد من التفصيل، ينظر: مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، "القرار 1706 2006() الذي اتخذه مجلس الأمن في جلسته 5519، المعقودة في 31 آب/ أغسطس 2006"، 2006/8/31، شوهد في 2023/4/6، في https://bit.ly/3zxcQ01:
  7. الذي اتخذه مجلس الأمن في جلسته 5727، المعقودة في 31 تموز/ يوليو "2007، 2007/7/31، شوهد في 2023/4/6، في https://bit.ly/3KzvlHo:

السلطة والوضع الإداري لدارفور، وتقاسم الثروة، والتعويضات وعودة النازحين واللاجئين، والعدالة والمصالحة، ووقف إطلاق النار الدائم والترتيبات الأمنية النهائية، والحوار والتشاور الداخلي وطرائق التنفيذ. وبقيت الوثيقة متاحةً للتوقيع، لكنها لم تجد استجابة من بقية حركات دارفور المسلّحة، إلى أن اندلعت ثورة ديسمبر.2018 اتفاق جوبا لسلام السودان لسنة ويتمثل النموذج الذي سبق 2020 اتفاق سلام شرق السودان لسنة في 2006، وهو يتكوّن من ثلاث اتفاقيات منفصلة. وقد أ جريت مفاوضات أولاها في طرابلس بين حكومة السودان وتنظيم الأسود الحرة، ووقّعها الطرفان، في 14 حزيران/ يونيو 2000، من أجل إنشاء نظارة لقبيلة الرشايدة في شرق السودان، والاهتمام بقضايا تنمية الرحّل، وإيقاف العدائيات وتسليم أسلحة تنظيم الأسود الحرة للحكومة السودانية؛ إّل ا أن معظم بنود هذه الاتفاقية لم يُنفّذ  68. وبعد توحيد فصائل الشرق المعارضة (تنظيم الأسود الحرة ومؤتمر البجا) لحكومة الإنقاذ في جبهة واحدة في عام 2005، بمساعدة الحكومة الإرتيرية التي لم تكن على وفاٍقٍ مع حكومة السودان، دعا الوسيط الليبي تنظيم الأسود الحرة وزعماء قبيلة الرشايدة وممثلي حكومة السودان إلى اجتماع في طرابلس، عُقدت جلساته في 24 - 25 كانون الأول/ ديسمبر 2005. ووقّع الطرفان اتفاقية ثنائية ثانية؛ من أجل وضع جدول زمني لتنفيذ اتفاقية الشعب العام، بحضور مراقبين من قبيلة الرشايدة في جمهورية السودان ودولة الكويت وقبيلة البراعصة في طرابلس، عام 200069؛ وشهد مراسم توقيعها سليمان الشحومي، أمين الشؤون الخارجية بمؤتمر الشعب العام، بحضور مراقبين من قبيلة الرشايدة بجمهورية السودان ودولة الكويت وقبيلة البراعصة بالجماهيرية الليبية، وبرعاية العقيد معمر القذافي 2011-1969(.) بيد أن بعض مكوّنات جبهة الشرق اعتبرت الاتفاقية خطوة لتفتيت الجبهة، وإفراغ الاجتماع المشترك المزمع عقده في طرابلس، في 17 كانون الثاني/ يناير 2006 مع الحكومة السودانية، من محتواه، وقد شككت أيضًا في حياد دور الوسيط الليبي المنحاز إلى الحكومة السودانية، وأعلنت أنها في "حٍّلّ من كل التزام مع الوسيط الليبي، الذي كشف عن عدم مصداقيته من الوهلة الأولى" 70. ويبدو أن هذا الموقف المتشكك في الوساطة الليبية قد أدّى إلى نقل مقرّ المفاوضات بين الطرفين من طرابلس إلى أسمرا، حيث عُقدت مفاوضات الاتفاقية الثالثة في أسمرا، بين حكومة السودان وجبهة الشرق. وقبل التوقيع النهائي، أ دمجت الاتفاقيات الثلاث المشار إليها في اتفاق واحٍدٍ باسم اتفاق سلام شرق السودان، وقّعه مصطفى عثمان إسماعيل (مستشار رئيس الجمهورية آنذاك) عن الحكومة السودانية وموسى محمد أحمد عن جبهة شرق السودان، وشهد على التوقيع يماني قبر آب (مسؤول الشؤون السياسية للجبهة الشعبية الديمقراطية والعدالة) عن حكومة دولة إرتيريا، وذلك في 14 تشرين الأول/ أكتوبر 2006. وحضر مراسم التوقيع الرئيسان السوداني البشير والإرتيري أفورقي والأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى. وقد أنجز اتفاق سلام شرق السودان في فترة وجيزة، مقارنةً بالاتفاقيات الأخرى، ولم يتعرّض إلى تدّخلّات وضغوط خارجية كثيفة، على خلاف الاتفاقيات الأخرى. لكن تنفيذه واجه عدة مشكلات في الواقع، وهو ما دفع بعض مكوّنات جبهة الشرق إلى التهديد بالانسحاب من الحكومة  71. استند اتفاق جوبا لسلام السودان إلى إرث هذه الاتفاقيات والممارسات التفاوضية السابقة، من دون النظر في تغيير السياق السياسي الذي تجسّد في إسقاط حكومة الإنقاذ 2019-1989() وتنصيب حكومة انتقالية، على نحو تمثل فيه معظم الأطراف التي كانت في صراع سياسي وعسكري مع الحكومة المركزية. لكن يبدو أن "ُعُقدة الاستعانة بالوسيط الخارجي" في حَْسْم الصراعات الداخلية في السودان ظلّت راسخة في أذهان القادة السياسيين الذين لم يَُعُوا احتياجات المرحلة ومتطلّباتها. فاختاروا جوبا، عاصمة دولة جنوب السودان، مقًّرًا لمفاوضات السلام السودانية، وأن يكون توت قلواك ممثلًا لحكومة جنوب السودان الراعية المفاوضات؛ وذلك قبل تشكيل مفوضية السلام التي نصّت الوثيقة الدستورية على تأسيسها لإجراء مفاوضات السلام وتنفيذ مخرجاتها. ويعني ذلك أن القادة السياسيين وقادة الحركات المسلّحة كانوا لا يرغبون في وجود جهاز وطني يدرس مشكلات إرث المنشأ التي أشرنا إليها، ووضع الحلول المناسبة لها، ثم عرضها على السياسيين ليتحاوروا فيها، ومن ثم يصلون إلى توافق سياسي مدروس يضمن سلامة تنفيذ الاتفاقيات، وتوفير احتياطات الأمان الضامنة استدامتها. وتجاوزًا لهذه المنطلقات التأسيسية، اجتمع ممثلو الحكومة الانتقالية والجبهة الثورية 72،

  1. لمزيد من التفصيل، ينظر النص الكامل للاتفاق:  67 اتفاق سلام شرق السودان بين حكومة السودان وجبهة الشرق، أسمرا، 2006/10/14، ص 66 - .72
  2. 68  لمزيد من التفصيل، ينظر: " محضر متابعة تنفيذ اتفاق طرابلس الموقع بين الحكومة السودانية وتنظيم الأسود الحرة بتاريخ 2000/6/14، طرابس، خلال يومي "2005/12/25-24، اتفاق سلام شرق السودان، ص في: 73 - 83.
  3. 69   " بيان توضيحي من قيادة جبهة شرق السودان، 2005/12/27 "، سودانيز أولاين كوم، 2006/12/27، شوهد في 2024/7/31 ، في https://bit.ly/3yw4N6u:
  4. 70   " متمردون سابقون في شرق السودان يهددون بالانسحاب من السلطة."
  5. 71  رئيس الجبهة الثورية هو الهادي إدريس يحيى، وتشمل عضوية الجبهة الثورية حركة تحرير السودان المجلس الانتقالي (الهادي إدريس يحيى)، وحركة العدل والمساواة السودانية (جبريل إبراهيم)، والحركة الشعبية لتحرير السودان (مالك عقار أير)، وجيش تحرير السودان (مني أركو مناوي)، ومؤتمر البجا المعارض (أسامة سعيد)، والجبهة الشعبية المتحدة للتحرير والعدالة (الأمين داوود محمود)، وحركة تحرير كوش (محمد داؤود محمد)، والحزب الاتحادي الديمقراطي (التوم هجو.) أما تجمع قوى تحرير السودان، فيرأسه الطاهر أبو بكر حجر.

وتجمّع قوى تحرير السودان، في مدينة جوبا 11-9(أيلول/ سبتمبر 2019.) وبعد مداولات طويلة، وقّعت الحكومة مع أطراف العملية السلمية "إعلان جوبا لإجراءات بناء الثقة والتمهيد للتفاوض"، في 11 أيلول/ سبتمبر 2019، برعاية دولة جنوب السودان. وعند هذا المنعطف، ظهرت المسارات الخمسة التي أشرنا إليها من قبُلُ، وبدأت مفاوضات السلام التي أفضت إلى اتفاق جوبا لسلام السودان الجزئي، الذي وقّعه كلّ من الحكومة الانتقالية وممثلو المسارات الخمسة في 3 تشرين الأول/ أكتوبر.2020

ثالثًا: جدل الثنائيات المتعارضة في اتفاقيات السلام

إلى جانب القواسم المشتركة لاتفاقيات السلام السودانية التي أشرنا إليها، توجد ثلاث قضايا مركزية، شكّلت جوهر الخلاف بين السلطة المركزية في الخرطوم والحركات المتمرّدة عليها من جهة، والأحزاب السياسية ذات التوجّهات الفكرية والعقدية المتباينة من جهة أخرى. وتتجسّد هذه القضايا المركزية الثلاث في ثنائية التنوّع والمواطنة، وثنائية الدين والدولة، والديمقراطية نظامًا لتداول السلطة والفدرالية لتوزيع السلطات والموارد.

1. ثنائية التنوّع والمواطنة

يُقصد ب "التنوّع" التباينات الإثنية والدينية والثقافية في المجتمع السوداني، التي اقتضت أن تكون المواطنة معيارًا أساسيًا لتحديد الحقوق والواجبات المدنية والسياسية في الدولة، من دون التمييز بين المواطنين على أساس الدين أو العرق. ولذلك نصّت المادة 5() من قانون الحكم الذاتي في عام 1953 على أن "جميع الأشخاص في السودان أحرار متساوون أمام القانون." وبناءً على ذلك، "لا يحرم أي سوداني من حقوقه بسبب المولد، أو الدين، أو العنصر، أو النوع، فيما يختص بالاستخدام العام، أو الخاص، أو فيما يختص بقبوله، أو مزاولته لأي وظيفة، أو حرفة، أو عمل، أو مهنة" 73. وقد شكّل هذا القانون أساس دستور السودان المؤقت في عام 1956، والمعدّل في عام 1964. لكن بعد استقلال السودان، في عام 1956، جرت عدة محاولات لأسلمة الدستور عبر الأجهزة البرلمانية، لكنها واجهت معارضة من القوى الجنوبية والأحزاب ذات التوجهات اليسارية اتفاقية أديس أبابا، عام والليبرالية، وهو ما جعل مهندسي 1972، يفطنون لقضية التنوّع والمواطنة؛ إذ نصّت المادة 1(، ملحق أ) على "حظر حرمان المواطن من مواطنته"، وعضدت ذلك المادة 2(:) "للمواطنين كافة حقوق وواجبات متساوية أمام القانون، بدون تمييز قائم على أساس الأصل القومي، والميلاد، واللغة، الوضع الاجتماعي أو الاقتصادي." ونصّت المادة 4() على أن كل شخص سوداني "يتمتع[...]بحرّية الاعتقاد الديني والضمير، وله حق ممارسته سرّا وعلنًا" 74. وعضدت ذلك المادة 16(/د) من دستور السودان الدائم في عام 1973، التي نصّت على أْنْ "تعامل الدولة معتنقي الديانات وأصحاب كريم المعتقدات الروحية دونما تمييز بينهم، فيما يخص حقوقهم وحرياتهم المكفولة لهم في هذا الدستور كمواطنين، ولا يحق للدولة فرض أية موانع على المواطنين أو مجموعات منهم على أساس العقيدة الدينية" 75. وأقرّت اتفاقية السلام الشامل، في عام 2005، بأن السودان "بلد متعدّد الثقافات، ومتعدّد الجنسيات، ومتعدّد الأعراق، ومتعدّد الديانات، ومتعدّد اللغات." وبناءً على ذلك، يكون شغل المناصب العامة، بما في ذلك رئاسة الجمهورية، "على أساس المواطنة، وليس على أساس الدين، أو المعتقدات، أو العادات" 76. وصيغ هذا البند من الاتفاقية بنٍّصٍ في الدستور الانتقالي في عام 2005، مقصده أن "تكون المواطنة أساس الحقوق المتساوية والواجبات لكل السودانيين" 77. وظهر هذا التوجّه بصيغة أخرى في اتفاق سلام شرق السودان الذي نص على ما يلي: "السودان وطن متعدّد الثقافات والأديان واللغات والأعراق، والإقرار بهذا التنوّع واحترامه مُيّ ثّل أساسًا مهمًاللتماسك القومي." وبموجب ذلك، "تكون المواطنة أساس الحقوق والواجبات المدنية والسياسية" 78. وقد كُِّرِر نص المواطنة بصيغة أخرى في وثيقة الدوحة لسلام دارفور 2011(:) أن "تكون المواطنة هي أساس تساوي جميع السودانيين في الحقوق والواجبات المدنية والسياسية" 79. ووردت كلمة "المواطنة" في اتفاق جوبا لسلام السودان في أكثر من ثلاثين موضعًا وبسياقات مختلفة، لكن النص الجامع بينها هو أن "السودان دولة[...]تعددية[...] تقوم فيها الحقوق والواجبات على أساس المواطنة، دون تمييز بسبب

  1. 72  قانون الحكم الذاتي، الفصل الثاني: الحقوق الأساسية، حق الحرية والمساواة، المادة 5()، في: فدوى عبد الرحمن علي طه، كيف نال السودان استقلاله: دراسة تاريخية لاتفاقية
  2. 73   " ملحق 1(:) الحقوق والحريات الأساسية، المواد 1، 2 / 1، 1/4"، في: أحمد المبارك محمد أحمد "اتفاقيات السلام السودانية، أديس أبابا- الخرطوم للسلام: دراسة مقارنة"، رسالة أعدت لنيل شهادة الماجستير، كلية التجارة، جامعة النيلين، 2002، ص.6
  3. الدستور الدائم لجمهورية السودان الديمقراطية، 1973، المادة.)16(/د
  4. 75   اتفاقية السلام الشامل، "الجزء ج: الدين والدولة"، ص.5
  5. دستور جمهورية السودان، 2005، المواطنية والجنسية، المادة.)1/7(
  6. 77    اتفاق سلام شرق السودان، المادة 3-2()، ص.5 78   " وثيقة الدوحة لسلام دارفور، الفصل الأول: حقوق الإنسانية والحريات الأساسية، آفاق الهجرة المادة 3/1(، العدد ")،  11 2013()، ص.162
  7. 12 فبرراير المصرية - البرريطانية حول الحكم الذاتي وتقرير المصير للسودان، ط  2 (أم درمان: مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي، 2008)، ص.410

العرق، أو الدين، أو الثقافة، أو الجنس، أو اللون، أو النوع، أو الوضع الاجتماعي، أو الاقتصادي، أو الرأي السياسي، أو الإعاقة، أو الانتماء الجهوي، أو غيرها من الأسباب" 80. ويبدو أن تكرار استخدام مصطلح المواطنة في مواضع متعدّدة كان مقصودًا في حدّ ذاته؛ لأن أطراف عمليات السلام التفاوضية التي شهدها السودان 2020-1972() قد وصلت إلى قناعة أن المواطنة يجب أن تكون أساسًا عادلًالتحديد الحقوق والواجبات المدنية والسياسية، وإدارة التنوّع في السودان، بعيدًا عن معايير التمييز العرقية، أو الدينية، أو الثقافية.

2. ثنائية الدين والدولة

غلب طابع العلمانية على دستور السودان المؤقت في عام 1956؛ لأنه "سكت عن المسألة الدينية" 81، أو لم يُِش رإلى "الدين الرسمي للدولة، أو مصادر التشريع"، ولم يذكر "كلمة الإسلام في أي موضع فيه، بيد أنه أكد على حرية الاعتقاد والحق في أداء الشعائر الدينية" 82. وبعد الاستقلال، جرت محاولات عديدة لأسلمة الدستور؛ لكن انقلاب 25 أيار/ مايو 1969 حال دون تحقيق آخرها (مشروع دستور جمهورية السودان في عام 1968.) وبعد الانقلاب، رفض الحكام الُجُدد فكرة أسلمة الدستور، وسعوا لإيقاف الحرب الأهلية، وتأسيس سلام مستدام في جنوب السودان يعتمد على قيم "العدل والمساواة والديمقراطية اتفاقية أديس أبابا، في عام والحرية." لكن مفاوضات 1972، أفرزت واقعًا توافقيًا؛ إذ أقر الدستور المنبثق منها أن "الإسلام هو دين الغالبية، والمسيحية والمعتقدات الأفريقية لها أتباع معتبرون من المواطنين"؛ وقد جعلت المواطنة "أساس الحقوق والواجبات"، ونصّت على أن "الشريعة والعرف هما مصدرا التشريع" 83. لكن الاتفاقية والدستور معًا لم يُقرّا الإسلام دينًا رسميّا للدولة، بل أشارا ضمنًّيًا إلى فصل الدين عن الدولة، من دون أن يُعِلِنا علمانيتها. ويؤكد ذلك قول جعفر محمد علي بخيت: "إن الدولة هي سلطة المجتمع، والمجتمع أقام الدولة على أساس المواطنة، وليس على أساس الانتماء الديني، أي على أساس الولاء للتراب السوداني، وليس المعتقدات. فإن الدولة إذا جعلت لنفسها دينًا معيّنًا، فإنها تكون قد انحرفت عن ارتباطها الأصلي إلى جديد لا يجمع كل السودانيين" 84. وقد استمرّت هذه الرؤية ذات النظرة العلمانية المستترة إلى أن أقلع الرئيس نميري عنها، معلنًا تطبيق التشريعات الإسلامية في أيلول/ سبتمبر 1983، ساعيًا لأسلمة مؤسسات الدولة والمجتمع. وقد واجه هذا التحوّل الإسلامي رفضًا صريحًا من القوى الجنوبية باختلاف مشاربها الحزبية ومعظم الأحزاب ذات التوجهات اليسارية، وأسهم في تصاعد حدّة الصراع المسلح في جنوب السودان. وبعد انقلاب الجبهة الإسلامية القومية على نظام الحكم البرلماني في 30 حزيران/ يونيو 1989، أضحت الأمور أكثر تعقيدًا 1989-1986()؛ لأن القوى الانقلابية شرعت في تنفيذ نظام حكم إسلامي 2019-1989()، إّل اأنه واجه معارضة من أحزاب التجمع الوطني الديمقراطي في الشمال، وُدُعاة "السودان الجديد" في الجنوب. وبعد عقٍدٍ ونيٍّفٍ من الصراع السياسي والعسكري بين الطرفين، بدأت المفاوضات على نحو جادّ بين حكومة الإنقاذ والحركة الشعبية لتحرير السودان في بداية الألفية الثالثة، وأفضت إلى اتفاقية السلام الشامل في عام 2005. وكان موقف الاتفاقية من قضية الدين والدولة "توفيقيّا"، كما وصفه محمد إبراهيم خليل؛ لأن الاتفاقية لم تنص صراحة على علمانية الدولة، أو على فصل الدين عن الدولة، بل اعتبرت "الديانات والعادات والمعتقدات" مصدرًا ل "القوة المعنوية والإلهام بالنسبة للشعب السوداني"، وأقرّت "حرية العقيدة والعبادة والضمير؛ لاتباع جميع الديانات أو المعتقدات أو العادات"، من دون تمييز "ضد أي شخص على هذه الأسس" 85. ونصّت الاتفاقية على مصدرية الشريعة الإسلامية والتوافق الشعبي في التشريع. وفصّلت المادة 2-1/5() من دستور جمهورية السودان الانتقالي في عام 2005 هذا الوضع المصدري بنصّها على أن "تكون الشريعة الإسلامية والإجماع مصدرًا للتشريعات التي تَُسَنّ على المستوى القومي وُتُطبّق على ولايات شمال السودان"، و"يكون التوافق الشعبي وقيم وأعراف الشعب السوداني وتقاليده ومعتقداته الدينية التي تأخذ في الاعتبار التنوّع في السودان مصدرًا للتشريعات التي تَُسَنّ على المستوى القومي، وُتُطبّق على جنوب السودان أو ولاياته" 86. وبناءً

  1. 79  هذا النص منقول من الوثيقة الدستورية لسنة 2019، الفصل الأول: الأحكام العامة، طبيعة الدولة، المادة.)1/4(
  2. 80  عبد اللطيف البوني، دستور السودان علماني أم إسلامي؟ (الخرطوم: مكتبة ابن رشد، 1998)، ص.14
  3. 81  عبد الله أحمد النعيم، الإسلام وعلمانية الدولة (القاهرة: دار ميريت،)2010، ص.368
  4. الدستور الدائم لجمهورية السودان الديمقراطية، 1973، المادة 9()، والمادة 16(.)-/أج
  5. 83  نقلًاعن: منصور خالد، النخبة السودانية وإدمان الفشل (القاهرة: مطابع سجل العربي، 1993) ص 507. جعفر محمد علي بخيت 1976-1930()، أستاذ جامعي ومنظّر سياسي. حصل على الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة كامبريدج، وعمل أستاذًا في قسم العلوم السياسية في جامعة الخرطوم، وانضم إلى حكومة أيار/ مايو بعد انقلاب تموز/ يوليو 1971، حيث توّل ىمنصب وزير الحكم المحلي. وكان أحد المفاوضين في اتفاق أديس أبابا في عام 1972، وأحد مشرّعي دستور السودان الدائم في عام 1973، ورائد مجلس الشعب، الذي أشرف على مداولات مشروع الدستور وإجازته. وُيُعد كتابه الإدارة البرريطانية والحركة الوطنية السودانية 1939-1919()، المترجم من أطروحته لنيل الدكتوراه، مرجعًا مهًّم افي الدراسات السودانية.
  6. 84  محمد إبراهيم خليل، لماذا انفصل جنوب السودان؟، ترجمة عثمان النصيري (الخرطوم: دار مدارك للطباعة والنشر، 2021)، ص .198
  7. دستور جمهورية السودان الانتقالي، 2005، مصادر التشريع، المادة.)2-1/5(

على هذا التصنيف لمصادر التشريع، أنشأت الاتفاقية مستوَييَن من الحكم، أحدهما قومي، يعكس سيادة الدولة العليا، وآخر بالنسبة إلى جنوب السودان؛ بحيث تمارس حكومة الجنوب سلطاتها التنفيذية والتشريعية والقضائية على الولايات الجنوبية، مع الاحتفاظ بتمثيل مقدّر في الحكومة القومية (أو الاتحادية.) اختفت في مواد اتفاقيات السلام، التي عُقدت بعد اتفاقية السلام الشامل في عام 2005، قضية العلاقة بين الدين والدولة، ولم تظهر مرة اتفاق جوبا لسلام السودان، حيث نصّت المادة أخرى إّل افي /1( /7 1) على "الفصل التام بين المؤسسات الدينية ومؤسسات الدولة؛ لضمان عدم استغلال الدين في السياسة، ووقوف الدولة على مسافة واحدة من جميع الأديان وكريم المعتقدات، على أن يضمن ذلك في دستور البلاد وقوانينها" 87. ويرى عبد الخالق شايب أن هذه المادة، على الرغم من أنها قد أقَّرَت فصل الدين عن الدولة؛ فإنها لم تجرؤ على استخدام "علمانية الدولة"، الذي زاوج قطاع واسع من السودانيين المسلمين بينه وبين الإلحاد  88. ويبدو أَّنَ عدم النص صراحة في وثائق اتفاق جوبا لسلام السودان على "علمانية الدولة" كان أحد الأسباب التي دفعت عبد العزيز الحلو، رئيس حركة تحرير السودان - جناح الشمال، إلى الانسحاب من المفاوضات قبل توقيع الاتفاق النهائي؛ لأنه قبل بداية المفاوضات دعا إلى ضرورة قيام دولة علمانية لحسم إشكالية العلاقة بين الدين والدولة  89. ويعتقد معظم مؤيدي موقف الحلو أن فصل الدين عن الدولة ليس فصلًاللممارسات المجتمعية، بل يعني عدم استغلال الدين في السياسة؛ عملًابأن الدين لله والوطن للجميع. وخلاصة القول أنّ قضية العلاقة بين الدين والدولة علاقة شائكة، وأنها تحتاج إلى مناقشات فكرية واسعة تقوم على أساس المواطنة المتساوية، والنظام الديمقراطي في الحكم، وحماية الحريات العامة وحقوق الإنسان السوداني.

3. الديمقراطية والفدرالية

بقي مصطلَحَا الديمقراطية والفدرالية من المصطلحات المتداولة في اتفاقيات السلام التي شهدها السودان في أثناء أنظمة حكم شمولية لم ترَعَ في الديمقراطية إًّل اولا ذمّة. وفي الدستور الدائم المنبثق من اتفاقية أديس أبابا في عام 1972، أوضح الُمُشرّع أن دولة السودان تسعى لإنشاء "مجتمع اشتراكي ديمقراطي جديد"، و"الاتحاد الاشتراكي السوداني هو التنظيم السياسي الوحيد" الذي "يقوم على تحالف قوى الشعب العاملة، المتمثلة في الُزُرّاع والعمال والمثقفين والرأسماليين الوطنيين والجنود" 90. وبذلك، أُبعد نمط الديمقراطية التعددية - الحزبية والعمل السياسي خارج إطار الاتحاد الاشتراكي، الحزب الحاكم. وفي أثناء حكومة الإنقاذ الشمولية 2019-1989()، اتفاقية السلام الشامل في عام نصّت 2005 على ضرورة "إقامة نظام ديمقراطي للحكم، يأخذ في الحسبان التنوّع الثقافي والعرقي والديني والجنس واللغة، والمساواة بين الجنسين لدى شعب السودان" 91. وفي ضوء هذا النص الدستوري، وُضع قانون الانتخابات القومية، الذي شمل المؤسسات التنفيذية (رئيس الجمهورية، ورئيس حكومة الجنوب، وُولُاة الولايات) والتشريعية (مجلس الجنوب والمجالس التشريعية والمجلس الوطني)، وُأ جري التعداد السكاني، وُقُسمت دوائر الانتخابات، لكن عملية الاقتراع التي أشرف عليها طرفا الاتفاقية قد وصفتها الأحزاب المعارضة بعدم النزاهة والشفافية، تعلّلًاببسط الحزبين الحاكمين (المؤتمر الوطني والحركة الشعبية لتحرير السودان) سيطرتهما على مجريات العملية الانتخابية. وبناءً على ذلك، يرى معظم معارضي النظام الحاكم أن الانتخابات القومية في عام 2010 لم تُحدث انتق لًاديمقراطيًا حقيقيًا، بل كرّست نمطًا جديدًا من الشمولية المتدثّرة بثوب الديمقراطية  . وفي اتفاقيات السلام التي أعقبت اتفاقية نيفاشا، ظلّ النموذج الديمقراطي يستمدّ مرجعيته من الدستور الانتقالي في عام 2005. وفي اتفاق جوبا للسلام، ورد مصطلح الديمقراطية في سياقات عامة ومتفرّقة، المقصود منها الإقرار بأهمية النظام الديمقراطي، من دون تحديد المسائل الإجرائية المتعلّقة بتنفيذ عملية الانتقال الديمقراطي في الواقع. ويتمثّل النص الجامع بين هذه الاستخدامات المتفرقة للمصطلح في أن "السودان دولة[...]ديمقراطية، برلمانية، تعددية." لكن هذا الاستخدام العام لم يُفِضِ إلى سَنّ قوانين إجرائية واتخاذ خطوات عملية (مثل التعداد السكاني وتوزيع الدوائر الانتخابية)؛ لإجراء الانتخابات العامة التي تُعدّ أحد استحقاقات التحوّل الديمقراطي التأسيسية، إلى أن حدث انقلاب 25 تشرين الأول/ أكتوبر

  1. اتفاق جوبا لسلام السودان، 2020، الباب الأول: المبادئ العامة، المادة.)1/7/1(
  2. 87  عبد الخالق شايب، "ثنائية الدين والدولة في السودان: هل فكت اتفاقيات جوبا وأديس أبابا طلاسم هذه العلاقة؟"، مبادرة الإصلاح العربي، 15 كانون الأول/ ديسمبر، شوهد في 2024/5/16، في: https://bit.ly/3V2Ker2. لمزيد من التفصيل عن قضية الدين والعلمانية، ينظر: عزمي بشارة، الدين والعلمانية في سياق تاريخي، الجزء الأول: الدين والتديّن (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2013
  3. 88  لمزيد من التفصيل عن علاقة الدين والدولة في السودان، ينظر: جمال عبد الرحيم صالح، الدين والدولة: مشروع رؤية لفكّ الاشتباك (الخرطوم: دار المصورات للطباعة والنشر
  4. دستور جمهورية السودان الدائم، 1973، الباب الأول: السيادة والدولة، المادة.)4(
  5. اتفاقية السلام الشامل، 2005، "الجزء أ: المبادئ المتفق عليها"، المادة 1/5/1()، ص.2 91  لمزيد من التفصيل، ينظر: أبوشوك، الانتخابات القومية، ص.52 - 43
  6. والتوزيع،.)2021

2021 على الحكومة الانتقالية، واندلعت الحرب بين القوات المسلّحة وقوات الدعم السريع المتمردة عليها في 15 نيسان/ أبريل.2023 وهكذا، أضحت العلاقة بين الديمقراطية والفدرالية علاقة عضوية في كل اتفاقيات السلام المشار إليها؛ لأن الديمقراطية تُعدّ أحد شروط النظام الفدرالي الذي يناسب المجتمعات ذات التعدد الثقافي والعرقي والديني، ويحقق نوعًا من التوازن الخدمي والتنموي. ولذلك، بدأت عملية المطالبة بتطبيق النظام الفدرالي في الجنوب، قبل أن ينال السودان استقلاله في كانون الثاني/ يناير 1956. بيد أنّ السياسيين الشماليين الذين كانوا في سدّة الحكم ظنوا خطأ أن الفدرالية ستؤدّي إلى انفصال جنوب السودان، فرفضوها. لكن في اتفاقيات السلام اللاحقة حدث خلٌطٌ بين مصطلحي "الفدرالية" و"اللامركزية." فقد منحت اتفاقية أديس أبابا، مثلًا، الجنوب حكمًا ذاتيًا، أقرب إلى الفدرالية في أثناء نظام حكم لامركزي، أقرّه الدستور الدائم لجمهورية السودان الديمقراطية في عام 1973. أما اتفاقية السلام الشامل في عام 2005 فقد أسّست لنظام حكم مزدوج (حكومة السودان وحكومة الجنوب) في إطار دولة موحّدة، يقوم نظام الحكم فيها على أ سس لامركزية، تقضي بتفويض السلطات الثلاث، من دون تخويلها، في كل مستويات الحكم. وفي اتفاق جوبا لسلام السودان، نلحظ أن اتفاق المنطقتين (جنوب النيل الأزرق وجنوب كردفان) نَّصَ على قيام "حكم لامركزي (سواء كان فدراليًا أو ذاتيًا) في "إطار السودان الموحد"، ليعالج "المظالم التاريخية وجذور الحرب، وُيُعزّز وحدة السودان"، في حين طالب أهل شرق السودان بتطبيق "نظام حكم فدرالي تعدّدي ديمقراطي"، يخوّلهم السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، ويخصص لهم موارد مالية في مستويات الحكم الثلاثة (اتحادي وولائي ومحلي)؛ لإزالة التهميش السياسي والاقتصادي والتنموي الذي يعانيه شرق السودان. وُيُعزى هذا الخلط في استخدام المصطلحات السياسية والإدارية إلى غياب الخبراء الفنيين المساندين للقوى السياسية، التي أشرفت على مفاوضات جوبا لسلام السودان وصاغت مفردات الاتفاق النهائي، كما يَُعَدّ الخلط المشار إليه من بين الأسباب التي جعلت بعض أجزاء الاتفاق غير متّسق مع البعض الآخر، إلى حدّ يصعب فهمها أحيانًا.

خاتمة

نستنتج، من خلال ما جرى عرضه وتحليله، أن إرث المنشأ بمكوّناته المختلفة (التنمية غير المتوازنة والهوية العربية - الإسلامية الغالبة والهيمنة السياسية للمجموعات النيلية)، شكّل "واسطة عِْقْد" المشكلات التي أفرزت الصراعات المسلّحة في السودان، وبقيت مكوّناته أساسًا لحلول الحركات المسلّحة، القائمة على قسمة السلطة والثروة، على الرغم من تباين حمولات هذا الإرث وتوظيفها سياسيًا بحسب ظروف كل إقليم، وبحسب حضورها الكثيف في أروقة المفاوضات ونصوص اتفاقيات السلام المنبثقة منها 2020-1972() أيضًا. وتعكس دينامية استمرارية مكوّنات إرث المنشأ المطلبية والاحتجاجية عبر الزمان وتقاطعات المكان عجز اتفاقيات السلام عن تقديم حلول مستدامة لجذور مشكلات المنشأ؛ لأنها كانت ذات طابع ثنائي - جزئي، مع الاستناد في ذلك، في المقام الأول، إلى معادلة قسمة السلطة؛ لتعزيز استمرارية سلطة الحاكمين في المركز، ومنح نصيب منها لإسكات قيادات الحركات المسلّحة المفاوضة؛ من دون تقديم حلول موضوعية شاملة لمعالجة جذور المشكلات في المركز والحواضن المتأثرة في الهامش. ويعني انعدام وضوح الرؤية الوطنية تجاه عملية السلام أنها عملية بناء متكاملة الأركان، بتمثيلها العادل لأصحاب المصلحة المشاركين فيها، وتخطيطها الاستراتيجي الواصف لجذور مشكلاتها بأبعادها الأفقية في الأقاليم المعنية والرأسية بين السلطة الحاكمة في المركز وأصحاب المطالب في الأطراف، فضلًا عن تأسيس نظام حكم فدرالي، يراعي تباينات الأقاليم السودانية، ويعكس نصوص الاتفاقيات الهادفة إلى جعل النظام الفدرالي إحدى آليات ضمان إدارة التنوّع العرقي والثقافي والديني، وتداول السلطة ديمقراطيًا مع احترام الحريات العامة وحقوق الإنسان. إّل اأن غياب التوافق الشامل على مثل هذه الرؤية الكلّية، وغياب الإيمان الحقيقي بقضية السلام، قد عزّزا استمرارية إرث المنشأ باعتباره واقعًا تاريخيًا لم تُفلح اتفاقيات السلام الُمبُرمة في تغيير مكوّناته؛ بل ظلّ أداة احتجاج للوصول من خلالها إلى معادلة قسمة السلطة والثروة مع الحكومة المركزية. ويؤكد ذلك فشل معادلة قسمة السلطة والثروة الثنائي والجزئي في حل مشكلات إرث المنشأ المزمنة. لكن ربما يفتح نوافذ تفكير جديدة، إذا أدرك صنّاع القرار السياسي في المركز والحركات المطلبية المسلّحة أهمية الدعوة إلى عقد مائدة مستديرة (أو مؤتمر دستوري)، لإشراك أصحاب المصلحة السودانيين في مفاوضات جامعة عن جذور مشكلات الصراعات المسلّحة والحروب؛ حتى تُخرجهم من ضيق معادلة قسمة السلطة والثروة الثنائية والجزئية إلى رحاب القدرة على طرح حلول موضوعية ممكنة، تستند قاعدتها إلى أن مشكلات إرث المنشأ وغيرها، بالنظر إلى أنها مشكلات قومية، يجب أن تعالج وفق أطروحات مدروسة ونابعة من المركز وبمشاركة أصيلة لأصحاب المصلحة في الأقاليم، وأن تُنفذ وفق معايير تمييز إيجابي لأصحاب المظالم التاريخية في إطار مناخ توعوي جماهيري يضمن لها الاستدامة.

المراجع

العربية

أبوشوك، أحمد إبراهيم. الانتخابات القومية في السودان لسنة: 2010 مقاربة تحليلية في مقدماتها ونتائجها. الدوحة: مركز دراسات الجزيرة؛ بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون،.2012 ________. السودان: السلطة والتراث. أم درمان: مركز عبد الكريم ميرغني،.2018 أبوشوك، أحمد إبراهيم والفاتح عبد الله عبد السلام. الانتخابات البررلمانية في السودان 1986-1953(:) مقاربة تاريخية- تحليلية. ط 2. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2020 اتفاق جوبا لسلام السودان. جوبا.2020. اتفاق سلام شرق السودان بين حكومة السودان وجبهة الشرق. أسمرا..2006/10/14 اتفاقية الخرطوم للسلام بين حكومة السودان والفصائل المقاتلة في جنوب السودان. الخرطوم..1997 اتفاقية السلام الشامل بين حكومة جمهورية السودان والحركة الشعبية لتحرير السودان/ الجيش الشعبي لتحرير السودان. نيروبي،.2005/1/9 اتفاقية السلام بين حكومة السودان والفصائل المقاتلة في جنوب السودان. الخرطوم.1997/4/21. أحمد، أحمد المبارك محمد. "اتفاقيات السلام السودانية، أديس أبابا- الخرطوم للسلام: دراسة مقارنة." رسالة أعدت لنيل شهادة الماجستير. كلية التجارة، جامعة النيلين..2002 إسماعيل، أبكر آدم. جدلية المركز والهامش: قراءة جديدة في دفاتر الصراع في السودان. كمبالا: منظمة حقوق الإنسان والتنمية،.2015 الأفندي، عبد الوهاب. أزمة دارفور: نظرة في الجذور والحلول المم نكة. أبوظبي: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية،.2009 ألير، أبيل. جنوب السودان: التمادي في نقض المواثيق والعهود. ترجمة بشير محمد سعيد. لندن: شركة ميدلايت المحدودة،.1992 انفصال جنوب السودان: المخاطر والفرص. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2012 بشارة، عزمي. الدين والعلمانية في سياق تاريخي. الجزء الأول: الدين والتديّن. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2013 البوني، عبد اللطيف. دستور السودان علماني أم إسلامي؟ الخرطوم: مكتبة ابن رشد،.1998 "تقرير لجنة مولانا دفع الله الحاج يوسف حول تقصي الحقائق موسوعة التوثيق الشامل بدارفور."..2009/8/30 فh يttps://bit.ly/3eDwDzx: خالد، منصور. النخبة السودانية وإدمان الفشل. القاهرة: مطابع سجل العربي،.1993 ________. جنوب السودان في المخيلة العربية: الصورة الزائفة والقمع التاريخي. لندن: دار تراث للنشر،.2000 ________. السودان: أهوال الحرب وطموحات السلام، قصة بلدين. الخرطوم: دار مدارك للطباعة والنشر والتوزيع،.2008 خليل، محمد إبراهيم. لماذا انفصل جنوب السودان؟. ترجمة عثمان النصيري. الخرطوم: دار مدارك للطباعة والنشر،.2021 دارفور: حصاد الأزمة بعد عقد من الزمان. عبد الوهاب الأفندي وسيدي أحمد ولد أحمد سالم (محرران.) الدوحة: مركز دراسات الجزيرة،.2013 دينق، فرانسيس. صراع الرؤى: نزاع الهويات في السودان. ترجمة عوض حسن محمد أحمد. القاهرة: مركز الدراسات السودانية،.1999 الزاكي، الفاتح الأمين. "الوساطة القطرية في الاستقرار السياسي لإقليم دارفور 2014-2008(.") أطروحة أعدت لنيل الدكتوراه. جامعة أم درمان الإسلامية..2018 سلمان، سلمان محمد أحمد. انفصال جنوب السودان: دور ومسؤولية القوى السياسية الشمالية. فيرفاكس، فرجينيا: مركز أبحاث السودان،.2015 شايب، عبد الخالق. "ثنائية الدين والدولة في السودان: هل فكت اتفاقيات جوبا وأديس أبابا طلاسم هذه العلاقة؟." مبادرة الإصلاح العربي، 15 كانون الأول/ ديسمبر. في: https://bit.ly/3V2Ker2

صالح، جمال عبد الرحيم. الدين والدولة: مشروع رؤية لفّك الاشتباك. الخرطوم: دار المصورات للطباعة والنشر والتوزيع،.2021 الصغير، سليني محمد. "حل النزاعات الدولية بالطرق السلمية: المفاوضات نموذجًا." مجلة الدراسات والبحوث القانونية. مج 5، العدد 2.)2020(طه، فدوى عبد الرحمن علي. كيف نال السودان استقلاله: دراسة تاريخية لاتفاقية 12 فبرراير المصرية - البرريطانية حول الحكم الذاتي وتقرير المصير للسودان. ط 2. أم درمان: مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي،.2008 طه، فيصل عبد الرحمن علي. السودان على مشارف الاستقلال الثاني: 1954 -  56 19. أم درمان: مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي،.2010 ________. مسألة جنوب السودان في سياق تاريخي، 1899 -  86 19. أم درمان: مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي،.2012 الطيب، مدّثر عبد الرحيم. مشكلة جنوب السودان: طبيعتها وتطورها وأثر السياسة البرريطانية في كتوينها. الخرطوم: الدار السودانية،.1970 عبد الله، آدم محمد أحمد. "تقييم اتفاقيات السلام في السودان: مجلة السودان. العدد أوجه النجاح والفشل."  7.)2016(عبد الله، عبد الرحمن. السودان: الوحدة والتمزق. ترجمة الفاتح التجاني. بيروت: رياض الريس للكتب والنشر،.2002 عثمان، تاج السر. "الذكرى 52 لبيان 9 يونيو 1969." مركز الدراسات والأبحاث العلمانية في العالم العربي..2021/6/8 فh يttps://bit.ly/3zI9eeS: مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. "القرار 1564 2004() الذي اتخذه مجلس الأمن في جلسته 5040، المعقودة في 18 أيلول/سبتمبر."2004.2004/9/18 فh يttps://bit.ly/3KBNSmd: ________. "القرار 1706 2006() الذي اتخذه مجلس الأمن في جلسته 5519، المعقودة في 31 آب/ أغسطس 2006." 2006/8/31 في https://bit.ly/3zxcQ01:. ________. "القرار 1769 2007() الذي اتخذه مجلس الأمن في جلسته 5727، المعقودة في 31 تموز/ يوليو 2007." 2007/7/31 في https://bit.ly/3KzvlHo:. قرنق، جوزيف. "الطريق العلمي لحل مشكلة جنوب السودان." الطليعة. العدد مجلة 9 (أيلول/ سبتمبر.)1969 قلندر، محمود محمد. جنوب السودان، مراحل انهيار الثقة بينه وبين الشمال 1983-1900(:) قراءة تاريخية للمشكلة من منظور الاتصال الاجتماعي. دمشق: دار الفكر،.2004 محمد، أحمد أمل. "تقاسم السلطة الشامل وأثره على الانتقال مجلة كلية السياسة والاقتصاد. مج السياسي في السودان."  15، العدد 14 (نيسان/ أبريل.)2022 النعيم، عبد الله أحمد. الإسلام وعلمانية الدولة. القاهرة: دار ميريت،.2010 نقد، محمد إبراهيم. علاقات الرق في المجتمع السوداني: النشأة - السمات - الاضمحلال. القاهرة: دار الثقافة الجديدة،.1995 الوثائق البرريطانية: 1940 -  56 19. ترجمة فيصل عبد الرحمن علي طه. محمود صالح عثمان صالح (محرر.) مج .11 1955 - 1956. لندن/ بيروت: شركة رياض الريس للكتب والنشر،.2002 "وثيقة الدوحة لسلام دارفور، الفصل الأول: حقوق الإنسانية والحريات آفاق الهجرة الأساسية، المادة 3/1(. العدد).2013(11 )".

الأجنبية

Anderson, Benedict. Imagined Communities: Reflections on the Origin and Spread of Nationalism. New York/ London: Verso Books, 1983. Deng, Francis M. & J. Stephen Morrison. "U.S. Policy to End Sudan's War: Report of the CSIS Task Force on U.S.-Sudan Policy." Center for Strategic and International Studies. Washington: 1/2/2001. Lijphart, Arend. Democracies: Patterns of Majoritarian and Consensus Government in Twenty-One Countries. New Haven: Yale University Press, 1984. Report of the Commission of Inquiry into the Disturbances in the Southern Sudan During August 1955. Khartoum: McCorquodale & Co. Ltd., 1956.