التوجّه نحو اللامركزية في السودان ما بعد الحرب: بين الفرص والمحدّدات البنيوية والاستراتيجية
الملخّص
ترّك ز الدراسة على قابليّة تطبيق النظام اللامركزي في السودان وفرصه لإعادة بناء الدولة بعد حرب نيسان/ أبريل 2023، مع إبراز المحددات القبلية والمؤسسية اللازمة لنجاحه. وتنطلق من مراجعة للأسس النظرية لّل امركزية في السياق الأفريقي وصوغ إطار مفهومي مرشد، ثم تقدّم مقترحات عملية قابلة للتطبيق. وتعتمد منهجية نوعية قوامها مقابلات معمقة مع ستة خبراء في الشأنين السياسي والإداري السوداني، بما يتيح استخلاص دلالات تطبيقية أدق. وُت حاجّ النتائج بأن اللامركزية خيار استراتيجي لإعادة البناء، لكنه مشروط بالتزام سياسي واضح، ومعالجة التفاوتات الاقتصادية بين الولايات، واستكمال الأطر التشريعية والإدارية والقضائية. وبناء على ذلك، تقدم الدراسة حزمة توصيات مترابطة ت نَّف ذ مرحليًا وتشمل سياسات شفافة وتحديدًا للصلاحيات مع مساءلة فعالة، وتمكين المجتمع المدني، وتحسين البنية التحتية، ومواءمة الترتيبات القبلية، وتمويلًا منصف ا يضمن الاستدامة والإنصاف بين الولايات. كلمات مفتاحية: السودان، اللامركزية، إعادة بناء الدولة، تقاسم السلطة، ما بعد الحرب.
Toward Decentralization in Post-War Sudan: Between Opportunities and Structural and Strategic Determinants
مقدمة
تُحكم شؤون الدول في العالم وُتُدار بأنظمة وطرائق مختلفة، لكن بصورة عامة، يمكن تصنيف هذه الأنظمة إلى نوعين رئيسين: أنظمة مركزية، وأخرى لامركزية. ويمكن التفريق بين النوعين عمومًا في أن الأولى تكون فيها القرارات والسلطات الاقتصادية والسياسية والإدارية كلها في يد الحكومة أو السلطة المركزية، في حين تتوزّع هذه السلطات بين المركز والأطراف في الثانية 1. تعتبر "موضة" اللامركزية من الظواهر التي ظهرت حديثًا، وقد حاز هذا التوجّه نحوها تأييدًا واعترافًا واسعين في الأوساط السياسية والأكاديمية. وفي هذا السياق، بدأ العديد من الدول في العالم في تنفيذ برامج لامركزية السلطة الحكومية، وكان أحد أهم الدوافع إلى ذلك رغبتها في تحسين الأداء الضعيف لأجهزتها الحكومية، اعتقادًا منها أن تطبيق اللامركزية يسهم في تعزيز الديمقراطية وتحقيق الأهداف التنموية. لكن عمليًا، ظهر أن العديد من هذه المبادرات جرى تنفيذه عشوائيًا، من دون أسس نظرية قوية، أو تحليل دقيق للخلفيات التاريخية والسياق المحلي 2. تبنّى السودان، كغيره من الدول الأفريقية، أنظمة سياسية وإدارية متغّيةر مع طبيعة السلطة وتوجهاتها، فتارة يتبنّى استراتيجية نظام حكم وإدارة موغل في المركزية، وتارة أخرى يتبنّى استراتيجية مبنية على أقصى مستويات اللامركزية؛ الأمر الذي تسبّب في خلق تجربة شابها الكثير من التحديات والإشكاليات، نتجت منها تحديات مالية وإدارية، تشكّلت في صورة غياب التوازن التنموي والخدمي بين المركز والولايات؛ ما جعل فرص نجاح التجربة على أرض الواقع ضعيفة 3. وقد أدّت هذه التحديات إلى نشوء صراعات مسلّحة بين السلطة في المركز والولايات، وكانت من ويلاتها وعواقبها الكارثية حرب 15 نيسان/ أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع شبه العسكرية (تمرّد قوات الدعم السريع.) فالحرب التي بدأت في الخرطوم، وانتقلت إلى معظم الولايات، تُعتبر بطول أمدها وتأثيراتها سابقة تاريخية، لم يعهد السودان مثيلًالها، فقد أثّرت في مفاصل الدولة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية كلها، وبما فيها الإدارية. مع الأخذ في الحسبان حقيقة أنه طوال قرنين كانت الخرطوم العاصمة السياسية والإدارية والاقتصادية للسودان 4. في هذا السياق، يعتبر اختبار فرص تطبيق اللامركزية في السودان أحد الحلول التي تسعى الدراسة للغور فيها ومعرفة مدى نجاعتها، وصولًاإلى وضع خريطة طريق تُحدّد إمكانية التطبيق في سياق الدولة السودانية، والشروط القبلية الواجب توافرها، إضافة إلى تحديد العقبات التي يمكن أن تُواجه التنفيذ. وتسعى الدراسة للوصول إلى عرض مجمل لنوعية من الحلول والمقترحات العملية التي يمكن تطبيقها عمليًا. لهذه الدراسة أهمية بالغة، خاصة في أثناء الأوضاع التي يمر بها السودان؛ إذ إن مثل هذا النوع من الدراسات لم يُغَّطَ على نحو شامل ودقيق في الحالة السودانية، إضافة إلى أن السودان يمرّ بمرحلة حرجة عطّلت دولاب الدولة إلى حد بعيد في المناطق التي دارت فيها هذه الحرب التي تركّزت على نحو رئيس في العاصمة الخرطوم، بمدنها الثلاث: الخرطوم والخرطوم بحري وأم درمان؛ ما أدّى إلى تدمير كبير للبنى التحتية وتعطيل العمل السياسي الإداري بشقيه العام والخاص فيها، وشلّ الحركة الاقتصادية؛ الأمر الذي أثّر سلبيًا في باقي ولايات السودان التي تعتمد على العاصمة اعتمادًا كبيرًا في تيسير شؤونها الإدارية، وتسبب ذلك في ظهور الكثير من التحديات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وبالطبع الإدارية. تتعمّق الدراسة في تفاصيل اللامركزية، وتنشد الوصول إلى صيغة تتناسب مع الحالة السودانية. وتبدأ بتقديم السياق التاريخي الذي أدّى إلى إعادة النظر في النظام اللامركزي في السودان، من أجل فهم التفاعل المعقّد بين العوامل الاجتماعية والسياسية والعسكرية التي شكّلت المجتمع السوداني على مر العقود. ثم تنتقل إلى التركيز على نحو أساسي على فحص الأسس النظرية للأنظمة اللامركزية، خاصة في السياق الأفريقي، كما نوقشت في أدبيات العلوم الإدارية والسياسية. وفي هذا الصدد، تحاول هذه الدراسة تفعيل إطار نظري مبني على تتبّع الأدبيات التي تسرد العديد من تجارب دول مرت بالظروف الاستثنائية نفسها، وإيضاح كيف نجحت، عن طريق إحلال استراتيجيات اللامركزية وممارساتها، في توزيع المهمات والموارد وتوطينها في مختلف المناطق، في تخٍطٍ وتجاوز لمساوئ التركيز الإداري في العواصم والمدن الكبرى، ومدى فرص تطبيق هذه الاستراتيجيات على الحالة السودانية 5.
تُسقط الدراسة النظريات اللامركزية على الحالة السودانية، وتنقد الأدوات التحليلية التقليدية المستخدمة لدراسة اللامركزية، بحجة أنها غالبًا ما تتجاهل الديناميات الاجتماعية السياسية الفريدة الموجودة في السودان. وتهدف إلى سد هذه الفجوة من خلال تقديم تقييم نقدي لأصول اللامركزية ومحدّداتها وتطبيقها على السياق السوداني، وتتبّع فرص تطبيق النظام اللامركزي ومحدداته بوصفه خيارًا استراتيجيًا بعد الحرب. ومن أجل ذلك، تبحث في الاتجاهات السائدة في الأدبيات التي تنظر في إمكانية هذا التطبيق في السياق السوداني، مع الأخذ في الحسبان النظر إلى الاختلافات وأوجه التشابه. وتجادل في عدم اتساق هذه المفاهيم اتساقًا تامًا مع الحالة السودانية، لأنها نشأت وتطوّرت في سياق الأوساط الأكاديمية الغربية، وهي في الوقت نفسه مبنيّة على التجربة الغربية، وأنظمتها السياسية والإدارية والمالية 6. تعتمد الدراسة منهجية نوعية في تحقيق أهدافها، والإجابة عن السؤال البحثي الرئيس: لماذا يُعتبر التوجّه نحو تطبيق اللامركزية الخيار الأنسب بالنسبة إلى الدولة السودانية؟ ومنه، تناقش الدراسة سؤالين فرعيين أساسيين، هما: ما العوامل الأساسية اللازمة لتنفيذ اللامركزية بنجاح في السودان؟ وما التحديات الماثلة أمام هذا التحوّل نحوها؟ يقوم المنهج النوعي الذي تتبناه الدراسة على المقابلات مع خبراء ومختصين ذوي صلة مباشرة بموضوع البحث، وتشمل العيّنة بصفة عامة أكاديميين في مجالات الاقتصاد والإدارة والسياسات العامة، وباحثين في دراسات النزاع والعمل الإنساني، وخبراء في القانون الدستوري، وأساتذة جامعيين ذوي خبرة في تأسيس الحكم الإقليمي والمحلي في السودان، ومسؤولين عموميين سابقين على مستوى إدارة الجامعات وقيادات الشرطة، ومختصين في التحليل المالي وإدارة الاستثمار. وقد أ جريت جميع المقابلات بعد الحصول على موافقة لجنة أخلاقيات البحوث العلمية على البشر في معهد الدوحة للدراسات العليا DI-IRB، ووفق الضوابط المعتمدة للسرّية والموافقة المستنيرة. يُستخدم المنهج النوعي عادة بعد دراسة معمقة للأدبيات، لتقديم نهج شامل في فحص الظواهر المعقّدة بعمق. وُيُعدّ مناسبًا للتحقيق في الظواهر ضمن سياقها الواقعي، عندما تتداخل حدود الظاهرة مع سياقها؛ ويساعد أيضًا في التقاط العلاقات السببية كما تتبدّى في الممارسة وربطها بقراءات استشرافية للمستقبل. وتسمح هذه المقاربة بفهٍمٍ أعمق للتعقيدات والفروق الدقيقة لسياٍقٍ معّين؛ ما يجعلها أداةً قويّةً لتوليد الفرضيّات واختبار التصوّرات النظرية وتطوير فهم سياقّي غنيّ لا تستطيع الأساليب الكمّية وحدها الإحاطة به على نحو كامل 7. تُعدّ المقابلات أيضًا، كما هو معروف، أداة أساسية لجمع البيانات التفصيلية والدقيقة مباشرة من المشاركين، وهي ذات قيمة خاصة لاستكشاف وجهات نظر الأفراد وتجاربهم ودوافعهم، ما يوفّر عمقًا وفهمًاللعناصر البشرية للدراسة التي غالبًا ما تكون غير قابلة للوصول إليها من خلال طرائق أخرى. وتتضمن عملية إجراء المقابلات، كما هو مفصّل، إعدادًا دقيقًا، بما في ذلك تحديد الهيكل وصياغة الأسئلة لتشجيع العمق وتجنّب التحيّز، وترتيب الأسئلة على نحو استراتيجي لبناء علاقة مع المستجيبين وضمان الحصول على إجابات ذات مغزى. ويمكن أن تنتج المقابلات بيانات غنية وعميقة ودقيقة وأساسية لفهم الظواهر الاجتماعية المعقدة 8. تسمح هذه المنهجية بفحص أسئلة من قبيل كيف ولماذا، ما يجعلها أداة لا غنى عنها في دراسة الظواهر الاجتماعية والتنظيمية المعقدة. ويضمن التطبيق العلمي لهذه الطريقة، المدعوم بإطار نظري ومنهج واضح لجمع البيانات وتحليلها، الوصول إلى نتائج متينة وموثوقة، يمكن أن تسهم إلى حد بعيد في الحصول على معرفة دقيقة بالموضوع محل البحث 9. تعتمد الدراسة على المصادر الثانوية المتوافرة، مثل الدراسات البحثية والكتب المتخصصة وأوراق السياسات، إضافة إلى المؤشرات العالمية لقياس فاعلية الأنظمة اللامركزية، مثل مؤشر فريدوم هاوس. وبناء عليه، اختير نموذج غانا، ومن ثم جرت محاولة تتبّع شروط نجاح تطبيقه باعتباره أنجح النماذج في أفريقيا؛ إذ إنها، بحسب هذا المؤشر، تُصنّف على أنها الدولة الأكثر ديمقراطية وحرية في القارة. توضع هذه الدراسة في حقل الإدارة العامة، خصوصًا في حقل الإصلاح المؤسسي، سعيًا لإثراء الأدبيات المختصة والمساهمة في النقاش في شأن أفضل الُسُبل لتوزيع السلطة، خاصة في السياق السوداني؛ لتحقيق الأهداف المرجوّة في السعي لإيجاد آليات لتقاسم السلطة والثروة في الدولة.
أولًا: الإطار النظري والمفهومي
1. في معنى اللامركزية: قراءة في الأدبيات يُعدّ تحديد النطاق الدقيق لأيّ مفهوم في ميدان العلوم الاجتماعية تحدّيًا بارزًا يواجه الباحثين فيه، وذلك نتيجة تعدد تعاريف المفهوم نفسه وتشابكها، ما قد يتسبّب في اللبس. وُيُعزى أحد الأسباب الرئيسة لهذا التحدي إلى خصوصية الظواهر الاجتماعية، حيث يتجّل ىمعظمها بوصفها ظواهر مركّبة، تعتمد على الزمان والمكان، وتتغّي رتبعًا للسياقات والظروف المحيطة بها 10. توظف هذه الدراسة العديد من المفاهيم المتداخلة في استخدامها ومناقشتها، فتتناول بالتفصيل التعريف المفترض لأيّ مفهوم بحسب سياق استخدامه، وتشرحه ضمن إطار نظري ومفهومي وتحدد خصائصه، وُتبُرز جوانب التقاطع والتداخل بين المفاهيم، ثم توضح الاختلافات في كيفية تجسّدها عمليًا، وأخيرًا تناقشها من منظور نظري. ولا تنخرط الدراسة في مناقشة معرفية للمفاهيم المتناولة، بل تعتمد على تحديدها من ناحية إجرائية. توجد نقاشات متعدّدة في الأدبيات بشأن مفهوم النظام اللامركزي، وتتنوّع المقاربات بناءً على مجالات علمية منوّعة. على سبيل المثال، تتناول أدبيات العلوم السياسية اللامركزيَةَ باعتبارها أداة لتقاسم السلطة في الدولة ووسيلة لحل النزاعات، في حين تتناولها أدبيات الإدارة العامة والسياسات العامة من منظور إداري، خاصة فيما يتعلّق بالتعليم والصحة والخدمات العامة. وتشير الأدبيات إلى وجود تعاريف متعددة لهذا المفهوم؛ ما يعكس تعدّد الجوانب والسياقات التي يُستخدم فيها. وعلى الرغم من هذا التنوع، فإن هذه التعاريف تشترك في بعض السمات، مثل إعطاء السلطات المحلية المنتخبة القدرة على اتخاذ القرارات المتعلقة بالإقليم والخضوع لرقابة الحكومة المركزية 11. ويلاَحَظ أن هذا المفهوم يُستخدم في بعض الأدبيات للإشارة إلى أيّ آلية لا يكون فيها الحكم مركزيًا، بمعنى وجود آلية لتقاسم السلطة وتشاركها. وتظهر هذه المفاهيم بوضوح عند مناقشة الحكم اللامركزي، في مقابل الحكم المركزي 12. ويلاَحَظ أيضًا التباين في درجة الصلاحية الممنوحة للحكومات المحلّية في النظام اللامركزي، ما يُشير إلى تنوّع أنماط اللامركزية وأنواعها. تُعَّرَف اللامركزية بوصفها عمليةً تتضمّن مجموعةً من السياسات والإصلاحات الدستورية التي تهدف إلى نقل المسؤوليات والموارد والسلطة وتحويلها من المستويات الحكومية العليا إلى المستويات الأدنى 13. وُتُعَّرَف أيضًا بأنها آلية مُتِ كِن من توفير حكم ذاتي لمجموعة معيّنة داخل حدود جغرافية محدّدة، لإدارة شؤونهم الخاصة وتشريع السياسات المتوافقة معهم، من دون منحهم استقلالية تشريعية كاملة. وُتُعَّرَف كذلك بأنها عملية نقل أو تفويض السلطة القانونية والسياسية للتخطيط واتخاذ القرارات الخدمية العامة في الدولة من الحكومة المركزية إلى السلطات في الولايات والمناطق 14. يمكن تقسيم اللامركزية إلى أنماط متعددة: اللامركزية السياسية، واللامركزية الإدارية، واللامركزية المالية. وتتناول الأدبيات في مجال العلوم السياسية اللامركزية بوصفها أداة لتوزيع السلطة داخل الدولة، وتعتبرها أيضًا وسيلة لحل النزاعات. في حين تتناولها الأدبيات في مجال الإدارة العامة وقضايا التعليم والصحة والخدمات العامة من زاوية إدارية، ومن منظورها الخاص. ويبرز أيضًا نقاش بشأنها من منظور اقتصادي، مع التركيز على اللامركزية المالية وآليات توزيع الثروة بين الولايات والحكومات المحلية 15. ويتنوّع مستوى الصلاحيات التي تتمتّع بها الحكومات المحلية في أنماط اللامركزية المختلفة، ما يؤدي إلى ظهور أشكال متعددة منها. وُيُعتبر مستوى اللامركزية المالية الأساس لتحديد تطبيق أيّ نمط آخر؛ إذ يشير إلى وجود تغطية مالية للسياسات المحلّية وقدرتها على تنفيذها 16. تناقش الأدبيات أيضًا مصطلحات نظرية منبثقة من مفهوم اللامركزية، وشارحة بعض جوانبه. وفيما يلي، تشير الدراسة إلى أنواع مختلفة ومعقدة ومتداخلة للمصطلحات المتعلقة بالمفهوم في الأدبيات النظرية. أولًا، مفهوم التنازل عن السلطة Deconcentration، يشير إلى نقل مهمات الخدمة العامة وأعمالها إلى مجموعة من الموظفين خارج العاصمة، من دون منحهم سلطات اتخاذ القرار. ولا يعتبر بعض الباحثين أن هذا المفهوم يُعّب رعن مفهوم اللامركزية على نحو كامل، نظرًا إلى غياب سلطة فعلية للأقاليم أو الولايات في اتخاذ القرار. ثانيًا، مفهوم التفويض Delegation، وُيُعنى به تفويض سلطة اتخاذ القرار والإدارة في وظائف محددة لمنظمات ومؤسسات تخضع لإشراف غير مباشر من الحكومة المركزية. ويعكس نوعًا من اللامركزية، لكنه يشير
أيضًا إلى إلزامية وجود تفويض من السلطة المركزية. ثالثًا، مفهوم نقل السلطات Devolution، ويقصد به إنشاء وحدات حكومية مستقلة عن طريق نقل السلطة إلى حكومات محلية. ويعتبر بعض الباحثين أنه يتجاوز مفهوم اللامركزية، وأنه أقرب إلى مفهوم الفدرالية 17. في السياق الأفريقي، تعتبر اللامركزية، إضافة إلى الفدرالية، من الأنماط الرئيسة المعتمدة في أنظمة الحكم وتوزيع السلطة. وهذا نتاج لما تشهده دول أفريقية عديدة من صراعات ونزاعات متكررة، يعود أصلها في كثير من الأحيان إلى المنافسة على السلطة وعدم الاتفاق على آليات تقاسمها، سواء على المستوى الوطني أم المحلي. وفي هذا الصدد، تَُعَدّ اللامركزية والفدرالية منهجيتين مهمتين للإصلاح المؤسسي وتحسين حوكمة الدولة وتقاسم السلطة 18. ضمن هذا الإطار التاريخي، يُسَّلَط الضوء على جمهورية السودان بوصفها إحدى الدول الرائدة في أفريقيا في تبنّي النظام الفدرالي، حيث اعتمدته في عام 1991 من خلال تقسيم الدولة تسع مقاطعات. وتسبقها في ذلك نيجيريا التي طبقت هذا النظام في عام 1960. وعقب هذه التحّولّات، شهدت أفريقيا اتجاهًا مماثلًافي بلدان أخرى، مثل إثيوبيا وجنوب أفريقيا اللتين انتهجتا النظام الفدرالي في عامي 1995 و 1996 على التوالي 19، ما يدل على تزايد الاهتمام بهذا الشكل من الحكم وتبنّيه أسلوبًا لتنظيم السلطة وإدارة التنوّع داخل الدول 20. نصّ الدستور الوطني الانتقالي لجمهورية السودان لعام 2005 على اعتماد نظام حكم فدرالي لامركزي يحدّد مستويات السلطة وتقاسم الاختصاصات والموارد، غير أنّ تطبيقه في نظام عمر حسن البشير 2019-1989() اتّسم باستمرار هيمنة الحكومة الاتحادية على القرار والتمويل، بما في ذلك تعيين القيادات دون القومية والتحكّم في مسارات الإنفاق والتحويلات. وفي العام نفسه، اعُتُِمِدت ترتيبات مالية لمعالجة التوزيع العادل للموارد بين مستويات الحكم عبر تحويلات تستهدف تصحيح الاختلالات الرأسية بين المركز والولايات، والأفقية بين الولايات ذاتها، وذلك ضمن الإطار الذي أقرّه دستور 2005 وما خلصت إليه تحليلات الفدرالية المالية في السودان 21. ومع ذلك، عاد البشير، في الأيام الأخيرة من حكمه، إلى النظام الاتحادي الحاكم من العاصمة الخرطوم، قبل أن يُزاح من السلطة في 11 نيسان/ أبريل.2019
2. الفدرالية واللامركزية: حدود التقاطع والتشابك
تشكّل الفدرالية واللامركزية محوَرَين أساسَّييَن في دراسة تقاسم السلطة وإدارة التنوّع داخل الدول. فتقدّم الفدرالية، بوصفها نظام حكم، إطارًا يسمح بوجود حكومات متعدّدة ضمن الدولة الواحدة، حيث تتمتّع كل حكومة بصلاحيات مستقلة محددة دستوريًا. وتهدف هذه الآلية إلى تحقيق التوازن بين الحاجة إلى وحدة الدولة والاستجابة للتنوع الإقليمي والثقافي، وتخفيف التوترات المركزية من خلال توزيع السلطة. في حين تعتبر اللامركزية آليةً لنقل السلطات من الحكومة المركزية إلى السلطات المحلية أو الإقليمية، من دون الخوض في تعديلات دستورية تُعيد هيكلة الدولة بأكملها. وتسعى لتحسين كفاءة الخدمات العامة وفاعليتها، وتعزيز المشاركة المحلّية في عملية صنع القرار. وعلى الرغم من التشابك في بعض الجوانب التطبيقية بين المفهومين، فإن الفروق الأساسية تبقى جليّة. فالفدرالية تعكس هيكلًاسياسيًا ودستوريًا، يتجاوز مجرد نقل السلطات، ليشمل إنشاء نظام حكم متعدد المستويات، في حين تركّز اللامركزية على تحسين الإدارة والخدمات من خلال تفويض السلطات ضمن الإطار الحكومي القائم. أما نقاط التقاطع بينهما فتتمثل في سعيهما المشترك لتعزيز الكفاءة والفاعلية الإدارية وزيادة المشاركة في السلطة 22. مع نهاية القرن العشرين، اتّجهت دول عدة نحو تبنّي النظام الفدرالي باعتباره إطارًا تنظيميًا إداريًا يتماشى مع خصائصها البيئية والثقافية والاجتماعية. واستنادًا إلى المبادئ الأساسية للفدرالية 23، جرى تشكيل أنظمة هذه الدول بما يضمن تعزيز المشاركة السياسية، وبما قد يُفضي إلى تنافسية في تخصيص الموارد المالية بين الوحدات الفدرالية. وُيُعتقد أن هذا التنافس والتوزيع المتباين للموارد يدعمان على نحو فعال تحقيق توازن أفضل في تقديم الخدمات، ما يسهم في النمو الاقتصادي والتنمية 24. وُتُعدّ دول، مثل الأرجنتين وبلجيكا والبرازيل وكندا وألمانيا والهند وماليزيا ونيجيريا وباكستان وإسبانيا
وجنوب أفريقيا والولايات المتحدة الأميركية، نماذج بارزةً على الأنظمة الفدرالية، أو تلك التي تتّخذ خصائص فدرالية؛ إذ تُصنّف في بعض الأحيان باعتبارها "شبه فدرالية"، نظرًا إلى طبيعتها الهيكلية التي تجمع بين الحكومة المركزية والسلطات المحلية 25. تشير الأدبيات إلى أن الأنظمة الفدرالية تتّسم بأهميتها في الدول التي تتميّز بالتنوّع الثقافي، أو التي تغطي مناطق جغرافية واسعة. ويتيح هذا النوع من الترتيبات الحكومية توزيع السلطات بين الحكومة المركزية والوحدات الفرعية (مثل الولايات أو الأقاليم)، ما يسمح بمزيد من الاستقلالية المحلية فيما يخص الشؤون الداخلية. وتمثّل الفدرالية نظامًا حكوميًا يقوم على تحديد الصلاحيات الدستورية بين مستويات الحكومة المتعددة على نحو دقيق. ويبرز في هذا النظام عادةً مستويان أساسيان للحكم: الأول هو المستوى الوطني، الاتحادي، أو الفدرالي، أما الثاني فهو المستوى الفرعي، مثل الولايات والمقاطعات والمناطق. وفي بعض السياقات، يتّسع نطاق توزيع السلطة ليشمل ثلاثة مستويات عبر الاعتراف بالسلطات الدستورية للحكومات المحلية، كما في جنوب أفريقيا، أو من خلال تطوير نماذج فدرالية معقّدة، تجمع بين الُبُعدين الإقليمي واللغوي، كما هي الحال في بلجيكا 26. وتشير الأبحاث كذلك إلى أن الفدرالية توفر إطارًا يسمح للمجتمعات ذات الخصوصية الإقليمية بتحقيق درجة مضمونة من الاستقلالية في الشؤون التي تكتسب أهمية خاصة لها، مع الحفاظ في الوقت نفسه على انتمائها إلى اتحاد فدرالي أوسع، يشترك أعضاؤه في المسؤوليات والصلاحيات في خصوص القضايا ذات الاهتمام المشترك. ولتحقيق هذه الغاية، تتضمن البنية الفدرالية مؤسسات تشريعية وتنفيذية، وأحيانًا قضائية، على مستويات الحكومة كلها، إضافة إلى دستور يوضّ ح بدقة توزيع السلطات بين هذه المستويات وهيئة قضائية عُليا تعمل على حل النزاعات بينها. وعمومًا، يمكن تحليل الفدرالية من خلال سياقين رئيسين: فدرالية الهوية، وفدرالية الكفاءة. تنشأ فدرالية الهوية عندما ترغب مجتمعات وطنية متمايزة ثقافيًا ولغويًا ودينيًا، أو غير ذلك، في التعايش ضمن نظام حكومي موحد، لكن مع الحفاظ على استقلالية كبيرة داخل هذا النظام بسبب تمايز كل منها، كما هي الحال في كندا وسويسرا. أما فدرالية الكفاءة فتبرز عندما تسعى دولة متجانسة ثقافيًا، لكنها ذات امتداد جغرافي كبير، لتحسين التمثيل الديمقراطي والمساءلة من خلال تفويض السلطة وتوسيع السيطرة المحلية 27. يُجادل بعض الأدبيات بأن النظام الفدرالي قد يساعد في تقليل الصراعات والتوترات العرقية. لكن بتتبّع الواقع، نجد أن هذا الأمر ليس صحيحًا على الدوام؛ فعلى سبيل المثال، أدّى تطبيق الفدرالية في الحالة الإثيوبية بالفعل إلى تفاقم التوترات والصراعات العرقية 28. لذلك، يمكن أن نخلص إلى أن استخدام العرقية معيارًا وحيدًا للفدرالية قد يؤدي إلى تجزئة الفضاء السياسي، لذا ينبغي أيضًا استخدام الاعتبارات الجغرافية والاقتصادية، للحدّ من الصراع العرقي وتعزيز القومية المدنية. إجمالًا، توظّف الأدبيات المفهومين على نحو متبادل وواسع، ما يبرز ضرورة التركيز على سياق النقاش لفهم المعنى المقصود والمفهوم المستهدف. وعلاوة على ذلك، تُناَقَش علاقة هذه المفاهيم بالديمقراطية، حيث تعتبرها دراسات عديدة مظاهر للديمقراطية، وتناقشها على هذا الأساس. في المقابل، يُحدّد بعض الباحثين اختلافات جوهرية بين هذه المفاهيم، عازين الاختلاف إلى الأفكار الأساسية التي أثّرت في نشأتها وتكوينها 29. وفي هذا السياق، تشير الأدبيات أيضًا إلى أن الفدرالية واللامركزية تشتركان في الأفكار الأساسية لنشأتهما مع مفهوم الديمقراطية التوافقية، لكن عمليًا وتطبيقيًا، لا يوجد تطابق دقيق، على الرغم من الرفض المشترك للديمقراطية الأكثرية. وهنا تصبح حدود التقاطع واضحة في مسعى لحماية حقوق الأقليات والجماعات التي تسعى للحفاظ على هوياتها المميزة 30. يستند آخر تمايز بين اللامركزية والفدرالية، نذكره في هذه الدراسة، إلى مسألة منح الشرعية، حيث تؤكد الدراسات الأكاديمية أن توزيع السلطات في الفدراليات يستند إلى أسس دستورية واضحة، بينما تُعدّ اللامركزية مجرد آلية تهدف إلى منح التمثيل والقدرة على اتّخاذ القرار للجماعات بناءً على تفويض من السلطات المركزية. وهذا يعني أن تقاسم السلطة أفقيًا يحدث إما على أسس دستورية، وإما
على أسس توافقية خارج الإطار الدستوري 31، وهذا يدل على أن أحد أسس التمييز بين النظام الفدرالي واللامركزي يكمن في مسألة الشرعية، حيث تستمد الحكومة المركزية والولايات الفدرالية في النظام الفدرالي شرعيتها من الدستور، على عكس النظام اللامركزي، حيث تستمدّ الحكومات المحلية شرعيتها من الحكومة المركزية. ونتيجةً لذلك، يمكن القول إن من الملامح الأساسية في النظام الفدرالي هو اتسامه بدرجة عالية من الاستقلالية على مستوى وحدات الدولة الفرعية، استنادًا إلى التأسيس الدستوري، في مقابل أن صلاحيات الحكومات المحلية في النظام اللامركزي قابلة للإلغاء من سلطة المركز؛ ناظرًا إلى كونها صلاحيات مفوّضة أصل 32.
3. الفدرالية واللامركزية بوصفهما أداتين لحل النزاعات
تمثّل الأنظمة الفدرالية واللامركزية عناصر أساسية في استراتيجيات بناء السلام وتأسيس الدولة، حيث تُعدّ مكونات رئيسة لحل النزاعات والصراعات في البيئات المتعدّدة الأعراق 33، كما هي الحال في السودان. وتوفر هذه الأنظمة إطارًا ضروريًا لمعالجة مطالب الجماعات العرقية والإثنية مع الحفاظ على السيادة الإقليمية للدولة. وتدعم الأدبيات التاريخية فكرة أن توزيع السلطات بطريقة متوازنة يسهم على نحو ملحوظ في خفض مستويات النزاع والصراع. علاوة على ذلك، يساعد تقاسم السلطة داخل الدولة في إنهاء النزاعات الداخلية، ويقدّم ضمانات للأطراف المختلفة لمنع احتكار السلطة وتعزيز الاستقرار 34. ومع ذلك، قد يُغفل دعم تطبيق النظام الفدرالي، بوصفه حلًا للصراعات في المجتمعات ذات التقسيمات العرقية والإثنية، الآثاَرَ السلبية الطويلة الأجل لمثل هذه الاستراتيجيات، على الرغم من الفوائد القصيرة الأجل. وتشير التحليلات إلى أن تطبيق النظام الفدرالي قد يُفضي إلى مطالبات متزايدة بالحكم الذاتي من الجماعات العرقية والإثنية، ما يُعمّق الانقسامات القائمة، ويشجّع على رؤية الجماعات كياناٍتٍ منفصلةً، بدلًامن كونها جزءًا من دولة موحدة 35. وُتُفضّ ل دول عديدة النظام اللامركزي على النظام الفدرالي، بسبب خطر الانفصال في الأخير، حيث يمكن أن يشرعن الدستور الانفصال فيه، وهو ما لا يُعدّ ممكنًا في النظام اللامركزي، الذي يساهم في تخفيف دوافع الانفصال من خلال الموازنة بين الهويات العرقية والإثنية والهوية الوطنية، ما يُعزّز الوحدة الوطنية 36.
4. فحص الأسس النظرية للأنظمة اللامركزية خاصة في السياق الأفريقي: دولة غانا أنموذجًا
يقتضي البحث المتعمّق بشأن اللامركزية توسيع نطاق الإطار النظري والمفهومي، بهدف تحديد ملامحه الرئيسة، وتوضيح المفاهيم الأساسية ومظاهرها، والربط بينها وبين سياق الدراسة البحثية. ويستند هذا التوجّه إلى أدبيات البحث التي تُظهر التجارب الناجحة في السياقات المشابهة، نظرًا إلى تعقيدات الموضوع البحثي وتوسّع نطاقه، والحاجة إلى تقديم تحليل شامل للظواهر المدروسة. وتشدد بوصفهما أدبيات عديدة على أهمية هذا الأسلوب، خصوصًا في سبيل الوصول إلى نتائج واستنتاجات دقيقة، تعكس الواقع موضوع الدراسة على نحو صحيح 37. بناء على ما سبق، تعتمد الدراسة التجربَةَ الغانية بوصفها إحدى التجارب الأفريقية الرائدة التي حققت نجاحات مشهودة في تجربتها اللامركزية؛ ما أسهم في تحقيق إصلاحات سياسية واقتصادية متعددة، وتعزيز النمو الإداري والتنموي للدولة. تعود جذور النظام اللامركزي في غانا إلى العهد الاستعماري، حيث اتّبعت بريطانيا سياسة الحكم غير المباشر، التي منحت من خلالها القادة التقليديين والحكّام المحليين صلاحيات واسعة تحت إشرافها. وبعد الاستقلال، قام الرئيس كوامي نكروما Nkrumah Kwame، في عام 1964، بمركزة السلطة، بهدف توحيد الدولة وتسريع التنمية الاقتصادية، معتبرًا أن التحول إلى اللامركزية يستلزم أولًاتأسيس نظام مركزي يضمن استقرار الدولة، وُيُنهي الصراعات العرقية. لذلك، كان النظام المركزي مسؤولًاعن التخطيط والتوجيه الأولي للدولة. وفي المقابل، كان قانون الحكومة المحلية الصادر في عام 1988 نقطة
تحوّل في تطبيق اللامركزية في غانا، حيث أسس لإنشاء مجالس المقاطعات بوصفها وحدات حكومية محلّية، وهدف إلى تعزيز كفاءة تقديم الخدمات المحلية وتشجيع المشاركة الشعبية. وفي عام 1992، جرى تدعيم اللامركزية في الدستور على نحو أكثر تفصيلًا، وتلا ذلك صدور قانون الحكم المحلي رقم 462 في عام 1993، الذي هدف إلى تمكين الحكومات المحلية بصلاحيات أوسع، كما قدّم الإطار القانوني للامركزية المالية في البلاد 38. يمكن أن نخلص إلى أن غانا اعتمدت النظام اللامركزي بهدف تعزيز الديمقراطية المحلّية، وتوزيع الموارد على نحو أفضل، وضمان حقوق متساوية لأفراد المجتمع، فضلًاعن تحسين تقديم الخدمات العامة. وقد تميّزت غانا في قدرتها على دمج القادة التقليديين والمؤسسات القبلية والإثنية في النظام اللامركزي؛ ما ساهم في تعزيز الهوية الوطنية وخلق التماسك الاجتماعي، وهو ما يُعدّ أساسًا لأيّ تنمية مستدامة.
ثانيًا: التحليل والمناقشة
يتطلّب تحليل إشكالية اللامركزية في السودان تمييزًا مفهوميًا دقيقًا بين المحدّدات البنيوية من جهة، والاختيارات أو التدخلات الاستراتيجية من جهة أخرى. فالمحدّدات البنيوية تشير إلى السمات العميقة والمستمرة التي تشكّل بنية الدولة والمجتمع، مثل الامتداد الجغرافي الواسع، والتعدد السكاني والإثني، والتفاوت التنموي بين الأقاليم. وهذه السمات ليست قابلة للتغيير على المدى القصير، وُتُعدّ بمنزلة الإطار الثابت الذي تعمل ضمنه المؤسسات السياسية. أما الخيارات أو السياسات الاستراتيجية، فترتبط بكيفية استجابة الدولة والنخب الحاكمة لتلك المعطيات البنيوية. وتشمل هذه الاستراتيجيات تبنّي أنماط توزيع السلطة (مركزية أو لامركزية)، والكيفية التي تُصاغ بها السياسات العامة لتوزيع الموارد، أو لتقاسم السلطة بين المستويات الحكومية. فالاستراتيجية، بخلاف البنية، تتّسم بالمرونة وقابلية التعديل والتطوير، وهي التي تعكس إرادة سياسية وخيارات مؤسسية ضمن سياقات معيّنة 39. قد يؤدي عدم التمييز بين ما هو بنيوي وما هو استراتيجي في مقاربة قضايا الحكم إلى تفسيرات مضللة؛ إذ يُعزى الفشل أحيانًا إلى طبيعة البنية نفسها، في حين يكمن الخلل في الأسلوب الُمُعتمد لإدارتها. كما أن تجاهل الطابع الثابت للمحددات البنيوية قد يُنتج سياسات قصيرة الأمد، تعجز عن بناء توافق مستدام.
1. محدّدات اللامركزية في السودان والشروط الواجب توافرها للتطبيق الفعّال
أ. سيرورة تشّك ل النظام اللامركزي في السودان
بعد استعراض المبحث السابق مفهوَمَ اللامركزية وشروط تطبيقها والفرص والتحديات الناشئة من تطبيقها خاصة في سياق الدول الأفريقية، توظّف الدراسة هذه الخلاصات في الحالة السودانية، مسلّطة الضوء على دور اللامركزية في بنية الحكم وإدارة الدولة. وتجادل بأن التوجّه نحو النظام اللامركزي جوهري لإدارة المشهد الاجتماعي والسياسي المتنوّع للبلاد، إضافة إلى أنه يقدّم فهمًاشاملًا للمحددات القبلية والفرص والتحديات حال تطبيقها. وفي هذا الإطار، شكّلت مراجعة التجربة التاريخية للحكم اللامركزي في السودان أهمية خاصة، بوصفها مدخلًالفهم تطور المفهوم في السياق المحلي وإمكانات تفعيله في المستقبل. فقد شهدت هذه التجربة تحّولّات ملحوظة بدأت منذ عهد الرئيس جعفر نميري، برم اتفاق أديس أبابا في عام عندما أ 1972، الذي أسّس لأول نظام حكم ذاتي في الجنوب. وتوسعت لاحقًا هذه التجربة إلى نماذج فدرالية غير متماثلة، كما في الفترة 2011-2005، وصولًاإلى صيغة شبه كونفدرالية قبيل انفصال الجنوب 40. اللافت أن هذه التحولات، على تنوّعها، لم تؤِّدِ إلى بناء نموذج مستقر للحكم اللامركزي، فعلى الرغم من تضمين عدد من الاتفاقيات، وآخرها اتفاق جوبا للسلام في عام 2020، بنودًا صريحة تتعلق بإعادة توزيع السلطة والثروة، فإن تنفيذ هذه السياسات بقي يعاني تعرّث ا واضحًا، وهو ما يعكس فجوة مستمرة بين التصورات النظرية والتطبيقات الفعلية. في الإجابة عن السؤال الرئيس: هل اللامركزية هي الأنسب للحالة السودانية؟ قدّم أحد المستجيبين تحليلًا معمّقًا للوضع السياسي والاجتماعي في السودان منذ الاستقلال، مؤكدًا أن المشكلات التي يواجها البلد ليست حديثة العهد، بل نتيجة تراكمية لعقود من الفشل في إدارة التنوّع الثقافي والعرقي والإثني. وأشار إلى أن السودان يمتاز بتنوّع جغرافي وثقافي ضخم، مع وجود أكثر من 500 قبيلة تنتشر في 18
ولاية، وهذا التنوع يحمل في طياته تحديات كبيرة فيما يتعلق بالحكم وإدارة الدولة؛ لذلك يعتبر التوجه نحو اللامركزية حلًاواقعيًا لهذه الإشكاليات 41. ونتيجةً لفشل أنواع الأنظمة المركزية كلها منذ تكوين الدولة السودانية منذ عام 1956، ا قد يُعتبر النظام اللامركزي حل 42. وقد اتفق جميع المستجيبين على ضرورة التوجّه نحو تطبيق اللامركزية بعد الحرب خيارًا استراتيجيًا يتناسب مع حالة الدولة السودانية 43.
ب. استراتيجية التوجّه نحو النظام اللامركزي في السودان والمحددات القبلية الواجب توافرها
اعتمادًا على تحليل المقابلات، ومن خلال مقابلتها بما ذكر في الأدبيات عن محددات اللامركزية، صُنّفت المحددات القبلية الواجب تحقيقها قبل الشروع في التطبيق الفعال للامركزية إلى فئتين رئيستين؛ محددات سياسية، ومحددات إدارية وتنظيمية.
المحددات السياسية: توزيع السلطات والموارد بين المركز والولايات
في السياق الاستراتيجي لتطبيق النظام اللامركزي، أشيَرَ إلى أهمية التوزيع اللامركزي للسلطات والموارد بين الحكومة المركزية والولايات، مع التركيز على تحديات تطبيق هذا النظام في سياق دولة ذات تنوّع إثني مثل السودان 45(. وأضاف آخرون أن التوجّه نحو النظام اللامركزي يُعتبر استراتيجية إدارية تضمن توزيع السلطات والموارد بين الحكومة المركزية والوحدات الإدارية المحلية، بطريقة تُعزّز الاستقرار السياسي، وُتُقلّل من التوترات الانفصالية 46. من أجل تطوير نظام حكم فعال يستطيع التعامل مع التحديات الاجتماعية والسياسية الراهنة، يُعدّ إنشاء نظام لامركزي أحد الحلول المقترحة لتحقيق الاستقرار وتعزيز الحوكمة. ويمكن أن يشمل هذا النظام تأسيس مجلسين تشريعيين: الأول، مجلس سياسي ينشط في الأمور السياسية والانتخابات؛ والثاني، مجلس حكماء السودان، الذي يعكس التنوّع الثقافي والديني للمجتمع السوداني، ويمثل المكوّنات كلها الاجتماعية والدينية في البلاد 47. وكذلك أُشيَرَ إلى ضرورة إيجاد حلول لمشكلة غياب الحيوية الديمقراطية، وهذه إحدى الركائز الأساسية التي تشير إليها الأدبيات في شروط تطبيق النظام اللامركزي، وكذلك إرساء المؤسسية. وقد اقُت رح وجوب الفصل بين السلطات الثلاث التنفيذية والتشريعية والقضائية 48. يُظهر التحليل والنقاش أن التعليم والصحة من بين أبرز المسؤوليات التي تقع على عاتق الحكومة الاتحادية، في حين تتُرك الخدمات الأخرى للحكومات المحلية. ويطرح هذا الوضع تساؤلات حول فاعلية التقسيم اللامركزي وإدارة الموارد، خاصة عند مقارنته بالنظم الاتحادية في دول أخرى 49. ولتحقيق اللامركزية بوصفها إحدى الاستراتيجيات الفعالة في السودان ما بعد الحرب، ذُكرت ثلاث خطوات رئيسة؛ تبدأ بوضع الخطة الاستراتيجية برؤى واضحة وأهداف محددة، ثم توفير الموارد اللازمة وحشدها لتحقيق هذه الرؤى، ثم الخطوة الأهم وهي ضمان الالتزام السياسي عن طريق تفعيل دور المؤسسات الرقابية، سواء الرسمية أم الشعبية، مثل مجلس الشعب ووسائل الإعلام ومنظمات المجتمع المدني وغيرها 50. إجمالًا، يجب أن تتوافر ست قواعد مؤسسية حتى يتحقق تطبيق اللامركزية الفعالة: أولًا، سنّ مواد دستورية تنص على القواعد والقوانين اللازمة؛ إذ يضمن أنها مبادئ دستورية عدم التلاعب السياسي بتجاوزها أو إلغائها. ثانيًا، إيجاد آلية للمشاركة في صنع القرار وعدم احتكار القرار على المركز. ثالثًا، سنّ قوانين وإنشاء مجالس ولائية مستقلة لكل ولاية. رابعًا، وفقًا للقواعد، ينبغي ألا يتم تعديل الدستور إّل ابمشاركة المركز والولايات وبغالبية تكون أكثر من ثلثي مواطني الولاية المعنيّة. خامسًا، ترتيب العلاقات البينية وإدارتها، وقد وُجدت تجربة مشابهة إبان نظام البشير تحت مسمى "ديوان الحكم الاتحادي." سادسًا، تفعيل دور المحكمة الدستورية التي مُتّ ثّل أعلى سلطة قضائية في البلاد للفصل في النزاعات بين المركز والولايات، وكذلك بين الولايات 51.
المحددات الإدارية والتنظيمية
توفير الموارد المالية ثمة اتفاق على أهمية توفير الموارد المالية باعتبارها شرطًا رئيسًا لضمان نجاح اللامركزية، وأن تُستخدم بطريقة تعزّز الاستقرار وتقلل نزعة الانفصال، مع الإشارة إلى الحاجة إلى آليات شفافة ومنصفة لتوزيع الموارد 52.
وفي ضوء مراجعة تجربة الحكم اللامركزي السوداني وتزامنها مع التحولات الأخيرة، تبرز ملامح تجربة حالية ذات أهمية خاصة لما بعد عام 2019. فقد تضمّنت الوثيقة الدستورية في عام 2019 وقانون 2020 لتنظيم اللامركزية، بنصوص واضحة على لامركزية السلطة، تفويضات صريحة لتقاسم صلاحيات إدارية ومالية بين المستوى الاتحادي ومستويات الحكم الأخرى، وأعدّت مشاريع قوانين للحكم المحلي لتفعيل هذه الصلاحيات وتنظيمها. وُيُحدّد قانون عام 2020، على نحو متوازن، نطاق السلطات الحصرية والمشتركة بين المركز والولايات، مثل الإشراف على التخطيط الاقتصادي وإدارة الضرائب المحلية، لكنه يربطه أيضًا بآليات تأسيسية، تُلوّح بهيمنة المركز، حيث تبقى الصلاحيات التنفيذية في الغالب في يد حكّام الولايات المعيّنين مركزيًا. وُيُعزّز ذلك الدليل نٌصٌ دستوري صدر في عام 2021، أقرّ بضرورة عقد "مؤتمر نظم الحكم" لتحديد هيكل الولايات وعددها، وحدود صلاحياتها، قبل إعادة تأسيسها، لكنه لم يظفر حتى الآن بإطار تشريعي فعال لتطبيق ذلك 53. ضمان الاستقلال الإداري والمالي للولايات ذكر أحد المستجيبين، جوابًا عن سؤال يخص أهم القواعد التي يجب توافرها في النظام اللامركزي، عاملًامهمًاهو مشاركة الولايات في صنع القرار، وبّي نأنها يجب أن تكون مشاركة حقيقية، وألا تكون إعادة تجارب سابقة 54. وأشار أيضًا إلى أهمية الاستقلال المالي، باعتباره أحد أهم الشروط في تطبيق اللامركزية ووجوب إنشاء مفوضية مستقلة ومتخصصة في مراقبة تحصيل الإيرادات وتوزيعها، بناء على قواعد دستورية واضحة، متّفق عليها بين المركز والولايات المعنية. وتحدّث عن تجربة "مفوضية تخصيص ومراقبة الإيرادات المالية" إبان حكم البشير، والتي تأسست في عام 2006 بموجب اتفاقية السلام الشامل (اتفاقية نفاشا) الموقعة في عام 2005 55، وجرى تضمينها في الدستور الانتقالي. وعلى الرغم من أن المفوضية أ نشئت بوصفها إحدى الركائز الأساسية لتطبيق مبادئ اللامركزية المالية وضمان توزيع عادل وشفاف للموارد المالية بين الولايات والمركز، وُكُلفت بمهمات مراقبة التحويلات المالية إلى مستويات الحكم المختلفة، وضمان الاستخدام الأمثل للموارد، وتحقيق العدالة في تخصيص الإيرادات، وتهيئة المناخ القانوني والدستوري القوي لعملها، فإنها واجهت العديد من العقبات التي عرقلت قدَرَتها على تحقيق أهدافها، من أبرزها كان التدخّل الحكومي وسلب الصلاحيات. فمنذ بدايات تأسيسها، اتّخذت الحكومة إجراءات من شأنها تقويض استقلاليتها، بما في ذلك إنشاء لجان موازية تعمل على صوغ معايير توزيع الإيرادات، وهو ما كان من صميم مسؤوليات المفوضية 56. مشاركة المجتمع وبناء القدرات تطرّق أحد المستجيبين إلى قضية الإدارة الأهلية باعتبارها تجربة سابقة للحكم اللامركزي في السودان، وكيف أدّى إلغاؤها المفاجئ، من دون توفير بديل فعال، إلى فراغ في الحكم وزيادة في الصراعات الداخلية. ودعا إلى ضرورة فهم البنى التقليدية وتقديرها والعمل على تحديثها بطريقة تحافظ على استقرار المجتمع وبناء قدراته وتعزيز التنمية. وُيُشار إلى أن الإدارة الأهلية هي نمط من الإدارة يقوم على تخويل زعماء القبائل بمسؤوليات إدارية وقضائية محددة للقيام بالأعمال الإدارية اليومية، ما يجعلهم جزءًا من جهاز الدولة، ويضعهم في قمة الهيكل السلطوي ضمن مجتمعاتهم. وُيُذكر أن الاستعماري البريطاني أطلق الإدارة الأهلية في العقد الثاني من القرن العشرين، واعُتبُرت تغييرًا جوهريًا في طريقة حكم مستعمراتها من خلال تبني سياسة الإدارة غير المباشرة 58. إدارة التنوّع المجتمعي تُبّي نالمقابلات، عمومًا، أن مشكلات السودان ليست نتيجة عوامل سطحية أو مؤقتة، بل هي متجذّرة في فشل النخبة السياسية والاجتماعية في التعامل مع التحديات الأساسية للتنوّع والتقسيمات العرقية والثقافية. وتؤكد ضرورة اتّباع نهج لامركزي شامل، يتضمّن الإصلاح الاجتماعي والتحديث السياسي، مع الحفاظ على التقاليد والهويات الثقافية لمختلف المكوّنات السودانية بوصفها أساسًا لبناء مستقبل مستقر ومزدهر للبلاد 59. ينتقد أحد المستجيبين بشدة النخبة السودانية، سواء أكانت مدنية أم عسكرية، متّهمًاإيّاها بالفشل في فهم المجتمع الذي تديره، وفي إدارة التنوّع الثقافي والعرقي بطريقة تُحقّق الاستقرار والتنمية. وأشار إلى أن النخبة غارقة في مصالحها الذاتية، وتستخدم الجماهير وسيلةً لتحقيق أهدافها الخاصة، ما يؤدي إلى تكرار دورة الصراعات والعنف 60.
– تفعيل أدوات المراقبة والمحاسبة من أهم الشروط الواجب توافرها للتطبيق الفعال للامركزية التي جرت الإشارة إليها تفعيل نظام الضوابط والتوازنات Checks and Balances في الإيرادات بين المركز والولايات، وهو نظام مراقبة مالي يعتمد على آليات واضحة وشفافة، تضمن توزيعًا عادلًاللثروة الوطنية، بما يدعم التنمية المستدامة في المناطق كلها. ويتطلّب ذلك وضع معادلات دقيقة تعتمد على عوامل مثل عدد السكان، ومستوى التنمية الاقتصادية، والاحتياجات المالية لكل ولاية، والموارد الطبيعية المتاحة. ولضمان الشفافية والعدالة، ينبغي إنشاء هيئة مستقلة تشرف على عملية التوزيع، وتقديم تقارير دورية عنها، بعيدًا عن التأثيرات السياسية. ويجب كذلك إشراك الولايات في عملية اتّخاذ القرار المتعلّقة بتوزيع الإيرادات لضمان أن تكون لها كلمة في تخصيص الموارد. وإضافة إلى ذلك، يجب أن تتوافر المعلومات كلها المتعلقة بالإيرادات وتوزيعها للعامة، ما يُعزّز الثقة والوضوح. ولحل أيّ نزاعات قد تنشأ لاحقًا، يمكن وضع آلية للمراجعة والتحكيم، مثل تدخّل المحكمة الدستورية، أو هيئة تحكيمية متخصصة. وأخيرًا، يجب أن يتوافر نظام لمراجعة معادلات التوزيع والسياسات المالية وتحديثها بانتظام، من أجل ضمان توافقها مع التغيرات الاقتصادية والاجتماعية 61. تشير المقابلات التي أجريناها إلى أن الصلاحيات المخوّلة للحكومات اللامركزية، بما في ذلك السيطرة على الموارد وإدارة توزيع الثروات، تؤدي دورًا محوريًا في معالجة قضايا التفاوتات الإقليمية داخل الدولة. وفي هذا الإطار، تُشدّد المقابلات على أن فاعلية تطبيق اللامركزية تعتمد على مجموعة من العوامل الأساسية، منها: آلية تقاسم السلطات بين الأبعاد الأفقية والرأسية للحكم، والدور الرئيس للدستور في تنظيم العلاقة بين السلطة المركزية والمحلّية وصلاحيات كل منها، وكذلك آليات التقاضي لإدارة النزاعات، إضافة إلى أهمية الفصل بين السلطات، خصوصًا السلطة القضائية. ويتحقق هذا بتفعيل دور المحكمة الدستورية التي يمكن اعتبارها حاسمة في نجاح تنفيذ اللامركزية، خاصة عند نشوء صراعات. وتبرز الحاجة إلى مواءمة السياسات المركزية للدولة مع الاحتياجات المحلية للحكومات، مع تأكيد أهمية التدريب المستمر لموظفي الخدمة العامة بوصفه جزءًا أساسيًا من تطوير اللامركزية، وعدم الاقتصار على الأبعاد التنظيمية، من دون الاهتمام بدور العنصر البشري في هذه العملية، وهذا يتوافق تحديدًا مع ما ذكرته الأدبيات ذات الصلة 62.
2. فرص تطبيق اللامركزية في السودان وتحدياته
أ. فرص تطبيق اللامركزية في سياق الدولة السودانية
تجويد الخدمات
في إطار النقاش بشأن تطبيق اللامركزية في السودان، يجدر النظر في التحديات والفرص المرتبطة بهذا النظام. وبحسب النقاش مع المستجيبين، تعتبر اللامركزية استراتيجية حكومية تهدف إلى توزيع الصلاحيات والمسؤوليات الإدارية والمالية من المستوى المركزي إلى الإدارات المحلية أو الإقليمية، بما يسمح بتحقيق درجة أعلى من الكفاءة في تقديم الخدمات والاستجابة لاحتياجات المواطنين على نحو أكثر فاعلية 63.
إنهاء النزاع
تُظهر الدراسات المختلفة، وما ذكره المستجيبون، أن اللامركزية يمكن أن تعالج مشكلات أساسية عدة تواجهها الدولة، بما في ذلك الصراعات العرقية والنزاعات القبلية، من خلال تمكين المجتمعات المحلية وإشراكها أكثر في العملية السياسية. ومع ذلك، يُشدّد المستجيبون على أن تطبيق اللامركزية يتطلّب بنية تحتية إدارية ومالية متينة، تتضمن توزيع الموارد على نحو عادل وفعال، إضافة إلى ضرورة وجود التزام سياسي قوي لضمان التنفيذ الفعال للسياسات 64. يُلقي أحد المستجيبين الضوء كذلك على فرصة تحقيق العدالة والمساواة في توزيع الخدمات والموارد، وتعزيز التعليم ورفع مستوى الوعي بين المواطنين باعتبارها نتائج جيدة لحالة التطبيق الناجح لّل امركزية. ولا يعتبر التوجّه نحو اللامركزية في السودان استراتيجيةً لتحسين إدارة الموارد والخدمات فحسب، بل أيضًا خطوة نحو تعزيز الاستقرار السياسي والأمني عبر التقليل من التوترات العرقية والقبلية وتحقيق التنمية المستدامة 65. ويبرهن أحد المستجيبين على مساهمة اللامركزية في حل المشكلات المالية والإدارية وتخفيف التوترات الانفصالية وتشجيع التعددية السياسية والاعتراف بالأقليات، وتوفير فرصة للأقليات والمجموعات الأقل تمثيلًا على المستوى الوطني لتوّل ي السلطة في الولايات أو المقاطعات، ما يُعزّز الاندماج السياسي والتوازن 66.
• استغلال الموارد و نتميتها
من المرجّح أن يؤدي تطبيق اللامركزية إلى تخفيف الضغوط على الحكومة المركزية، ما يتيح لها وللولايات الأخرى التركيز على القضايا الاستراتيجية والأولويات الوطنية، إضافة إلى الاستغلال الأمثل للموارد وضمان التنمية الاقتصادية والاجتماعية الأكثر توازنًا 67. وكذلك توفّر الحكومات اللامركزية فرصًا للتنمية البشرية وبناء القدرات للمواطنين والممثلين والموظفين العموميين، معززةًالديمقراطية والحوكمة الرشيدة 68.
ب. تحديات تطبيق اللامركزية في سياق الدولة السودانية
تحديات اقتصادية واجتماعية
أَّوَُلُ هذه التحديات التحيّز في توزيع الموارد، بناءً على علاقات الموالاة مع الحكومة المركزية، ويتمثل في صعوبة إيجاد آليات عادلة لتوزيع الموارد تراعي احتياجات الولايات المختلفة 69. وتتطلّب تكاليف التشغيل الإضافية، بسبب وجود مستويات حكومية متعددة، موارد كبيرة، تُشكّل عبئًا على الميزانيات العامة 70. وأشار أحد المستجيبين إلى تحٍدٍ آخر متمثل في عدم الالتزام بالمعايير المالية، وأوضح أن وزارة المالية لم تلتزم بتحويل الإيرادات المقررة للولايات بحسب النسب المحددة خلال حقب حكم سابقة، ما أثّر سلبيًا في موارد الولايات وعدالة التوزيع 71. ومع أخذ السياق السوداني في الحسبان، بّي نأحد المستجيبين أن تطبيق اللامركزية مُيّ ثّل تحديًا كبيرًا، نظرًا إلى التنوع العرقي والثقافي والاقتصادي بين الولايات؛ إذ تؤدي عوامل، مثل الكثافة السكانية ومستويات الدخل والُبُعد الجغرافي عن العاصمة، دورًا حاسمًافي تحديد كيفية توزيع الموارد لضمان التنمية المتوازنة والعادلة 72. وأكد المستجيب نفسه أهمية تحدي الإصلاح الاجتماعي بوصفه خطوة أولى نحو التوجّه إلى اللامركزية، مشدّدًا على أن معالجة المشكلات السياسية، من دون النظر في جذورها الاجتماعية والثقافية، سيؤدي إلى حلول مؤقتة فحسب، لا تعالج الأسباب الأساسية للصراعات. وفضلًاعن ذلك، فإن فهم طبيعة الظواهر الاجتماعية والثقافية والتعامل معها بحكمة يمكن أن يقود إلى تشكيل رؤية سياسية أكثر واقعية وفاعلية 73.
• تحديات سياسية وإدارية
تبرز تحديات تطبيق اللامركزية في السودان كذلك في إعادة هيكل مستويات الحكم المختلفة؛ فهي تتطلّب أن يتميّز هيكل الحكومة اللامركزي بقاعدة عريضة تتّسع للعديد من الخدمات الحكومية، بينما تبقى المهمات الموكلة إلى الحكومة الاتحادية محدودة. ومن خلال تتبّع الهيكل السابق للتجارب المشابهة إبان حكم نظام البشير، نجد أن البنية فيه كانت تعاني تحديات كبرى، تتجّل ىفي التوزيع غير المتوازن للموارد، مقارنة بالمهمات المطلوبة، حيث تجد الحكومات المحلية نفسها مثقلة بمهمات عديدة مع موارد محدودة. وهذا يؤدي إلى نظام هرمي مقلوب، حيث تتركّز الموارد في القمة، ما يعكس تحديًا في التوزيع العادل للمهمات والموارد 74. ومن الملاحظ أيضًا أن ثمة تحديًا رئيسًا يكمن في إيجاد توازن بين المركزية واللامركزية في توزيع السلطات والموارد، مع ضمان التمثيل العادل والفعال للمناطق والمجموعات الاجتماعية كلها ضمن الدولة. ويتطلّب هذا تطوير استراتيجيات شاملة تضمن توزيع الموارد على نحو يسمح بتحقيق التنمية المتوازنة والشاملة 75.
تحديات قانونية
برزت تحديات قانونية وإجرائية تمثّلت في استخدام المراسيم الجمهورية للتدخّل في صلاحيات المفوضية والمجالس الحاكمة، بما أضعف قدرتها على تنفيذ مهماتها وفتح المجال لتجاهل توصياتها وقراراتها، إضافة إلى التعديلات القانونية التي أفضت إلى تقليص صلاحيات المفوضيات والمجالس الولائية. وفي تجربة مفوضية توزيع الإيرادات إبّان نظام البشير، جرى تعديل الأنظمة على نحٍوٍ قلّص استقلالية المفوضية، كإزالة الحماية من العزل عن رئيسها من دون اتفاق بين المركز والولايات، والسماح للمركز بالاحتفاظ بجزءٍ من أنصبة الولايات. وأضيف إلى ذلك التسييس في تعيين رئيس المفوضية وإقالته لأسباب سياسية لا على أساس الكفاءة أو النزاهة، بما يُخلّ بما يمكن تسميته الحياد الديمقراطي، ويؤثّر مباشرةً في أداء المفوضية وصدقيتها 77.
تحديات إجرائية
ثمة تحٍدٍ يتمثل في الفصل بين السلطات لتحقيق النزاهة والشفافية، خصوصًا السلطة القضائية، وهذا مرتبط بتحدي تشكيل المحكمة الدستورية من المجلس القضائي الأعلى الذي لم تجِرِ الموافقة على قانونه بعد ثورة كانون الأول/ ديسمبر 2019. ومن المعلوم أن تشكيل المحكمة
الدستورية يعتمد على موافقة السلطات التشريعية والتنفيذية، وقد أدى عدم استقرار التشريعات في السودان وتأخير تشكيل المحكمة الدستورية إلى تعطيل تنفيذ العديد من الأحكام، وعرقلة المحكمة عن القيام بدورها الرقابي على الدستور والحقوق والحريات 78. وأشار أحد المستجيبين أيضًا إلى تحدي تفعيل دور المؤسسات الدستورية والقضائية في مراقبة الأداء الحكومي وضمان الالتزام بالتوجهات السياسية والدستورية؛ إذ يُعدّ تطوير نظام قانوني ودستوري متين، يكفل حقوق جميع المواطنين، ويضمن توزيع السلطة والموارد على نحو عادل، من الركائز الأساسية لضمان استقرار الدولة اللامركزية وتقدّمها 79. إجمالًا، يمكن القول إن تطبيق النظام اللامركزي في السودان ما بعد الحرب قد يُواَجَه بتحديات جمّة، تتطلّب معالجات متعددة الأبعاد، تشمل إعادة النظر في التوزيع الجغرافي والديموغرافي للموارد، وتعزيز النظام الدستوري والقانوني، وتطوير مؤسسات فعالة تضمن تحقيق العدالة والتنمية المستدامة لجميع أفراد المجتمع .
خاتمة
ناقشت الدراسة إمكانات تطبيق النظام اللامركزي في السودان بعد الحرب، بوصفه أحد المداخل لإعادة بناء الدولة ومعالجة الأزمات البنيوية التي أنتجها النظام المركزي على مدى عقود. وانطلقت من فرضية مفادها أن الحكم اللامركزي، إذا ما طُبّق ضمن إطار دستوري وقانوني واضح، قد يسهم في تعزيز الاستقرار السياسي والتماسك المجتمعي، خاصة مع التعدد الإثني والجغرافي الذي يميّز السودان. ووفقًا لنتائج المقابلات وتحليل الإطار النظري، تخلص الدراسة إلى النتائج الآتية: أولً، يُعدّ فشل النظام المركزي في إدارة التنوّع في السودان أحد العوامل الأساسية التي غذّت النزاعات وأضعفت مؤسسات الدولة. وقد مثّل هذا الفشل دافعًا رئيسًا نحو التفكير في نماذج ما يلي: بديلة للحكم، من بينها النظام اللامركزي الذي يرى فيه كثير من المستجيبين وسيلة لتوزيع السلطة وتقريب الخدمات من المواطن. ثانيًا، أظهرت تجارب الحكم السابقة في السودان أن غياب الضمانات الدستورية والمؤسسات الفاعلة قد يحوّل اللامركزية إلى مجرد توزيع شكلي للسلطات، ما يفضي إلى تعميق الهشاشة، بدل من معالجتها. وقد تمثّل أبرز مظاهر الإخفاق في استمرار تركّز الموارد والصلاحيات في يد المركز، مع تداخل الصلاحيات وغياب الشفافية في إدارة الموارد. ثالثًا، شدّد المشاركون على أهمية وجود مؤسسات مستقلة لضمان عدالة توزيع الإيرادات، مثل المفوضية القومية لتخصيص الإيرادات، بشرط أن تُفعَل بطريقة تضمن الشفافية والمساءلة، وتكسر حالة انعدام الثقة بين المركز والأقاليم. رابعًا، بيّنت المقابلات أن تفعيل الحكم المحلي لا يمكن أن يتم من دون استقلال مالي وإداري فعلي للولايات، يتيح لها القدرة على التخطيط والتنفيذ ومساءلة أجهزتها، وهو ما يتطلّب بناء قدرات مؤسسية واضحة على المستوى المحلي. خامسًا، اعتبُر دور المجتمع المدني محوريًا في إنجاح تجربة اللامركزية، سواء من خلال المشاركة في رسم السياسات المحلية، أم عبر مراقبة الأداء الإداري والحكومي، بما يضمن التفاعل المجتمعي واستدامة النموذج. سادسًا، قدّمت تجربة غانا نموذجًا مقارنًا يمكن الاستفادة منه، وخاصة ما يتعلق بالدمج التدرّجي للهياكل التقليدية، وتعزيز المشاركة السياسية على المستوى المحلي. وقد استطاعت تحقيق توازن في تقاسم السلطة، بما ساعد في منع تأجيج الصراعات القبلية والعرقية. وعمل هذا النظام على ضمان الاستقرار الوطني وحل النزاعات العرقية التي تجلّت في تجاوزات الجماعات العرقية والإثنية، بعضها ضد بعض. إضافة إلى ذلك، عُني النظام اللامركزي بالتخطيط الاستراتيجي والإشراف العام للدولة منذ مراحلها الأولية . ومن المهم الإشارة إلى أن دراسات عدة تعدّ الانقلابات العديدة التي واجهتها غانا من العوامل الرئيسة التي دفعت نحو اعتماد اللامركزية وسيلةً لتعزيز الاستقرار . وعلى مستوى الدلالات النظرية لهذه الخلاصات، يمكن الوقوف على
أولً، تؤكد نتائج الدراسة أن الحكم اللامركزي يُ ثّل إحدى الآليات السياسية والمؤسسية الفعالة لإدارة التعدد في الدول المنقسمة مجتمعيًا، من خلال توزيع السلطة وتحقيق التمثيل العادل.
ثانيًا، تتقاطع الدراسة مع ما طُرح في الأدبيات من أن نجاح اللامركزية يرتبط بمدى وضوح قواعد اللعبة السياسية، وتكريس مبدأ الاستقلال المحلي الحقيقي، ولا سيما عندما يقترن بالمشاركة
| المستجيب | الوظيفة | نوع المقابلة |
|---|---|---|
| أ | أستاذ بكلية الاقتصاد والإدارة والسياسات العامة، معهد الدوحة للدراسات العليا | شخصية |
| ب | خربير ومختص قانوني دستوري | عبر الهاتف |
| ج | باحث أول في مركز دراسات النزاع والعمل الإنساني، معهد الدوحة للدراسات العليا | شخصية |
| د | أستاذ جامعي وأحد رواد تأسيس مراكز ارلحكم الإقليمي والمحلي بالسودان | عبر الهاتف |
| ه | مدير جامعة الرباط الوطني والمفتش ارلعام الأسبق للشرطة السودانية | عبر الهاتف |
| و | متخصص في التحليل المالي وإدارة ارلاستثمار | عبر الهاتف |
المجتمعية والرقابة. ثالثًا، تشير الدراسة إلى أن غياب الأطر المؤسسية الواضحة وعدم توافر الإرادة السياسية يُفضيان إلى إعادة إنتاج المركزية بأدوات جديدة، حتى إن رُفعت شعارات اللامركزية شكليًا. أما على مستوى الدلالات العملية، فيمكن أن نقف على ما يلي:
أولً، لا يمكن أن تنجح أيّ تجربة لامركزية في السودان من دون إصلاحات دستورية وقانونية تضمن الفصل الواضح بين السلطات، وتكفل الحماية القانونية لاستقلالية الحكم المحلي.
ثانيًا، يشكّل تعزيز الشفافية في توزيع الموارد، وتفعيل المؤسسات الرقابية المستقلة، حجر الزاوية في بناء الثقة بين الأطراف وضمان عدالة التنمية. ثالثًا، يرفع إشراك المجتمع المدني والنخب المحلية في تخطيط السياسات وتنفيذها من فاعلية الحكم المحلي، ويكرّس شرعيته السياسية والاجتماعية. ختامًا، ترى الدراسة أن النظام اللامركزي، إذا ما طُبّق ضمن بيئة قانونية واضحة، ومؤسسات رقابية فعالة وإرادة سياسية جادة، مع تفعيل دور المجتمع المدني ومشاركته في مراجعة السياسات والتشريعات التي تدعم هذا النموذج من الحكم، يمكن أن يُنفّذ على نحو فعّال. ولتقليل النزاعات المصاحبة، ينبغي لعملية التطبيق أن تستند إلى إرشادات واضحة وعادلة لتوزيع الصلاحيات والمسؤوليات، إلى جانب آليات مؤسسية لمعالجة النزاعات. وضمن هذا الإطار، يمكن أن يشكّل النظام اللامركزي مدخلًامهمًالإعادة بناء الدولة السودانية وتعزيز فرص السلم والاستقرار في مرحلة ما بعد الحرب.
ملحق
المراجع
العربية
بخيت، جعفر محمد علي. الإدارة البرريطانية والحركة الوطنية في السودان 1929–1919. ترجمة هنري رياض. بيروت: دار الثقافة؛ الخرطوم: مكتبة خليفة عطية،.1972 جمعة، عمر عبد الله وهويدا الطاهر حسن. "دور الفدرالية المالية في تحسين إدارة الموارد لتحقيق التنمية المتوازنة في ظل الحكم المحلي الفدرالي في السودان خلال الفترة من 2021–2012." المجلة الدولية للمحاسبة الأكاديمية والمالية وإدارة الأعمال. مج 7، العدد 3.)2023(الطاهر، عاصم الأمين قسم السيد. "اختصاصات المحكمة الدستورية وأثرها على الحقوق والحريات في السودان." مجلة البحوث القانونية والاقتصادية - المنوفية. مج 57، العدد 4 (أيار/ مايو.)2023 الفدرالية في السودان. عوض السيد الكرسني (محرر.) الخرطوم: مركز الدراسات الاستراتيجية،.1998 مشرف، حسام نبيل صلاح الدين. الصراعات في القارة الأفريقية: دراسة لحالة السودان. القاهرة: المكتب العربي للمعارف،.2018 مشيكة، حسن حامد. "التحول الديمقراطي والبحث عن الدستور في المستقبل العربي. السنة ظل الحكم الفدرالي في السودان." 36، العدد 415 (أيلول/ سبتمبر.)2013 مشيكة، حسن حامد وهشام محمد حسن. "الفدرالية المالية في السودان: التحديات الناشئة وفرص الإصلاح." المستقبل العربي. السنة 37، العدد 429 (تشرين الثاني/ نوفمبر.)2014
الأجنبية
Antwi-Boasiako, K. B. "Public Administration: Local Government and Decentralization in Ghana." Journal of African Studies and Development. vol. 2, no. 7 (2010). Bulmer, E. Federalism: International IDEA Constitution- Building Primer 12. Stockholm: International Institute for Democracy and Electoral Assistance, 2017. Charmaz, Kathy. Constructing Grounded Theory: A Practical Guide through Qualitative Analysis. London: Sage, 2006. "Constitution of the Federal Democratic Republic of Ethiopia." 21 August 1995. at: https://acr.ps/1L9BOTP Crawford, Gordon. "'Making Democracy a Reality'? The Politics of Decentralisation and the Limits to Local Democracy in Ghana." Journal of Contemporary African Studies. vol. 27, no. 1 (2009). Detterbeck, Klaus & Eva-Maria Lind (eds.). Handbook of Territorial Politics. Cheltenham: Edward Elgar Publishing, 2018. El-Battahani, Atta & Hassan Gadkarim. Governance and Fiscal Federalism in Sudan, 1989-2015: Exploring Political and Intergovernmental Fiscal Relations in an Unstable Polity. Bergen: Chr. Michelsen Institute, 2017. Erk, Jan & Lawrence Anderson. "The Paradox of Federalism: Does Self-Rule Accommodate or Exacerbate Ethnic Divisions?" Regional & Federal Studies. vol. 19, no. 2 (2009). Erk, Jan. "Federalism and Decentralization in Sub- Saharan Africa: Five Patterns of Evolution." Regional & Federal Studies. vol. 24, no. 5 (2014). Faguet, Jean-Paul. "Decentralization and Governance." World Development. vol. 53 (January 2014). at: https://acr.ps/1L9GPS6 Falleti, Tulia G. Decentralization and Subnational Politics in Latin America. Cambridge: Cambridge University Press, 2010. Farazmand, Ali (ed.). Global Encyclopedia of Public Administration, Public Policy, and Governance. Cham: Springer, 2016. Fombad, Charles Manga, Assefa Fiseha & Nico Steytler (eds.). Contemporary Governance Challenges in the Horn of Africa. London/ New York: Routledge, 2023. Gillham, Bill. Case Study Research Methods. London: Bloomsbury Publishing, 2000.
Horowitz, Donald L. Ethnic Groups in Conflict. Berkeley: University of California Press, 2000. Hutchcroft, Paul D. "Centralization and Decentralization in Administration and Politics: Assessing Territorial Dimensions of Authority and Power." Governance. vol. 14, no. 1 (January 2001). Jacob, Stacy A. & Sharon Paige Furgerson. "Writing Interview Protocols and Conducting Interviews: Tips for Students New to the Field of Qualitative Research." The Qualitative Report. vol. 17 (2012). at: https://acr.ps/1L9GPRR Keil, Soeren & Elisabeth Alber. "Introduction: Federalism as a Tool of Conflict Resolution." Ethnopolitics. vol. 19, no. 4 (2020). Lapidoth, Ruth. Autonomy: Flexible Solutions to Ethnic Conflicts. Washington, DC: US Institute of Peace Press, 1997. Levy, Jack S. "Case Studies: Types, Designs, and Logics of Inference." Conflict Management and Peace Science. vol. 25, no. 1 (Spring 2008). Lijphart, Arend. "Non-Majoritarian Democracy: A Comparison of Federal and Consociational Theories." Publius: The Journal of Federalism. vol. 15, no. 2 (1985). Logan, Sarah et al. "Fiscal Federalism in Sudan." Working Paper. International Growth Centre (May 2021). at: https://acr.ps/1L9BPm8 Markakis, John, Günther Schlee & John Young. The Nation State: A Wrong Model for the Horn of Africa. Berlin: Max-Planck-Gesellschaft Zur Förderung der Wissenschaften, 2021. Oates, Wallace E. "An Essay on Fiscal Federalism." Journal of Economic Literature. vol. 37, no. 3 (1999). Roeder, Philip G. "Ethno Federalism and the Mismanagement of Conflicting Nationalisms." Regional & Federal Studies. vol. 19, no. 2 (2009). Rondinelli, Dennis A. "Government Decentralization in Comparative Perspective: Theory and Practice in Developing Countries." International Review of Administrative Sciences. vol. 47, no. 2 (1981). Saito, Fumihiko (ed.). Foundations for Local Governance: Decentralization in Comparative Perspective. Heidelberg: Physica-Verlag HD, 2008.