حرب، فاتفاق سلام، فانهيار، فحرب: معضلات صنع السلام في السوداَن ين

Saja Torman سجى طرمان |

عنوان الكتاب في لغته:

حين يقتل السلام السياسة: التدخل الدولي وحروب لا نتتهي في السوداَنيَن عنوان الكتاب:. المؤلف: شاراث سرينيفاسان.Sharath Srinivasan سنة النشر:.2021 الناشر: هيرست للنشر.C. Hurst & Co عدد الصفحات:.381

War, Peace Agreement, Collapse, War Again: The Cycle of Peacebuilding in the Sudans

When Peace Kills Politics: International Intervention and Unending Wars in the Sudans.

مقدمة

يطرح شاراث سرينيفاسان، بعد عقود من الحكم الاستعماري، والحروب الأهلية، وعمليات حفظ السلام و"صنع السلام" في السودان وجنوبه، في كتابه حين يقتل السلام السياسة: التدخل الدولي وحروب لا نتتهي في السوداَنيَن، سؤلًاجوهريًا هو: ما الذي يُشكّل "السلام" اليوم في هذين البلدين؟ وكيف يمكن أن تتحوّل جهود إنهاء الحرب إلى عامل يعمّق العنف وُيُضعف السياسة المدنية اللاعنفية بدلًامن أن يؤسّس لها؟ يقدّم الكتاب مادة غنية لتاريخ التدخلات الدولية في السوداَنيَن منذ مطلع القرن الحادي والعشرين، ويبّي نكيف اكتسب خطاب "السلام" طابعًا أورويليًا (نسبة إلى جورج أورويل) لافتًا، ف "السلام الدائم" كثيرًا ما يعني في الواقع شكلًاآخر من الحرب المستمرة. ويمكن قراءة الكتاب، في أفضل وجوهه، بوصفه تعليقًا نقديًا يقظًا على حدود عمليات السلام في الربع الأول من هذا القرن، وسيظلّ، كما يبدو، مرجعًا نظريًا مهمًالفهم ديناميات الحرب والسلام المتقطعة التي تُستخدم لترميم تسويات سياسية واقتصادية هشّة، أو بالأحرى "لاتسويات"، يأمل كثيرون أن ينتج منها حالة "سلام." تقوم حجة الكتاب المركزية على تحليل الكيفية التي يمكن أن يؤدّي بها صنع السلام نفسه إلى إفراغ المجال السياسي المدني من مضمونه، عبر الوسائل الأداتية التي يعتمد عليها، والغايات التي يمنحها القيمة الأعلى. فالإشكال، كما يؤكد سرينيفاسان، ليس في المنَتَج فحسب، بل أيضًا في عملية "صنعه" نفسها (ص. 50) وفي ضوء ذلك، ينطلق من هدف كشف آليات عمل التدخلات الخارجية في صنع السلام وإلقاء أضواء جديدة على أسباب فشلها، ثم فْحْص إن كان هذا الفشل سمة متأصّلة في أشكال صنع السلام المعاصرة، لا أخطاء في التنفيذ فحسب، وبما ينير البصيرة لإعادة التفكير في مشروع صنع السلام برمّته (ص. 11) يتخذ الكتاب من فكر حنّة أرندت السياسي بوصلةً نظرية لتفكيك العلاقة بين العنف والسياسة في سياق الحرب الأهلية. وانطلاقًا منه، يجادل سرينيفاسان بأن الحرب الأهلية ليست "قوة غاشمة" فحسب، بل هي فعل سياسي يمنحه الناس معنى، ويبرّرون من خلاله النضال العنيف أو يحكمون عليه (ص. 18) وبناء عليه، يصل إلى أطروحته الأشدّ حدة ألا وهي أن مشروع "السلام" نفسه قد يقتل السياسة ويغذّي العنف، حين تُدار عملياته بعقلية الوسائل والغايات وبمنطق "السلام الممكن كيفما اتّفق" Peace Make-do. ففي السودان، كان لا بدّ من محاولة بناء عالٍمٍ جديد ت ماَرَس فيه سياسة مدنية لاعنفية، لكنّ المفارقة التراجيدية أن محاولة بناء هذا العالم السياسي المختلف قوّضته أثناء بنائه (ص. 13) فمن أواخر تسعينيات القرن العشرين إلى العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، تعاقبت أكثر من اثنتي عشرة مبادرة سلام في السودان، استهدفت صراعاٍتٍ تشمل عشرات الفصائل المسلحة، من دون أن تنجح في إنهاء الحروب  1، أو تأسيس سياسة مدنية جديدة، بل إن الاتفاقات التي أ برمت، وفي مقدمتها اتفاقية السلام الشامل (نيفاشا) عام 2005، سرعان ما تفككت ومهّدت لصراعات أشدّ عنفًا. ويتتبع سرينيفاسان الترابط العميق بين هذه الصراعات المتعددة ومبادرات صنع السلام، محلّلًا سلوك الفاعلين المحليين والإقليميين والدوليين بوصفه جزءًا من منطق استدامة الحروب التي لا تنتهي في السوداَنيَن. يقع الكتاب في 381 صفحة موزعة على عشرة فصول. يقدّم الفصل الأول تأطيرًا نظريًا يشرح أسباب اختلاف الكتاب عن الأدبيات السائدة في دراسات السلام، وعن بعض المقاربات البديلة، ويبّي نما جعل المؤلف يرى في فكر أرندت أداةً تفسيرية أعمق لفشل عمليات السلام في السوداَنيَن. وانطلاقًا من هذا الفصل، يعالج النصف الأول من الكتاب (الفصول الثاني حتى الخامس) مسار صياغة اتفاقية السلام الشامل في سياقها التاريخي عبر مجموعة من اللحظات المفصلية، موضحًا كيف جرت هندسة عملية السلام ضمن منطق "الصنع" و"التبسيط" و"الكذب"، وكيف أسهم ذلك كله في إضعاف السياسة المدنية وتعزيز العنف، خاصة عبر تشابك مفاوضات الجنوب مع تصاعد حرب دارفور. أما النصف الثاني (الفصول السادس حتى الثامن، ثم الخاتمة) فيتتبّع آثار تلك العملية فيما بعد اتفاقية السلام الشامل من قبيل إفراغ السياسة من مضمونها في الشمال، وفشل "التأسيس" في جنوب السودان، واستمرار الدوران في حلقات مفرغة من الحرب، والتدخل، وصنع السلام، وصولًاإلى ما بعد ثورة عام 2019 وإمكانية "البداية من جديد." ويطرح الكتاب، في أكثر قراءاته جرأة، سؤلًامؤرقًا هو: إذا كان "السلام" كما ي مارس اليوم يبرّر وسائل مدمّرة وُيُقصي الفعل السياسي المدني، فهل نحتاج إلى إعادة التفكير في تعريف السلام وصنعه جذريًا، أو حتى إلى التخلي عن لغة "الصنع" نفسها، لصالح تخيّل سياسات مدنية لاعنفية تُعاد فيها السياسة إلى قلب الفعل الإنساني؟ (ص. 15)

أولًا: أرندت ومنطق الفعل السياسي المدني

يربط المؤلف حججه المركزية بفكر أرندت السياسي، منطلقًا من ضرورة اتخاذ نقطة بدء مغايرة للفكر والممارسة السائَدَين في مجال صنع السلام. فيستعين بروح فكرها وأطروحاتها حول العنف والفعل،

  1. ينظر: أحمد إبراهيم أبوشوك،  1 اتفاقيات السلام السودانية 2020-1972( ) (الدوحة / بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2025

والحرب والسياسة، للنظر إلى عملية صنع السلام بوصفها ممارسة سياسية مشحونة بالخيارات والافتراضات، لا تقنية لحل النزاعات فحسب، مقدّمًا أدواٍتٍ تحليليةً تساعد في تفسير منطق صنع السلام ونتائجه في السودان (ص. 44) وينطلق من عرٍضٍ مكثف لفهم أرندت للسياسة والعنف والحرب، بما يتيح منظورًا مختلفًا لفهم العلاقة المعقدة بين صنع السلام ومنطق العنف والعمل السياسي المدني، ومن ثم قراءة جديدة لفشل عملية السلام في السودان وعجزها عن إنجاز سياسة مدنية لاعنفية  2. لا تتناول أرندت صنع السلام مباشرة، لكنّ اهتمامها ينصبّ على مخاطر إخضاع السياسي لمنطق الأدوات والوسائل (ص. 50) ويركّز اهتمامها على البحث في العناصر الأساسية لما تسميه "السياسة الأصيلة"، أي الحياة العامة؛ وهو بحث ينصبّ، على نحو خاص، على مفاهيم "الحرية" و"الفعل" و"المجال العام"، وعلى العلاقة التي تربط هذه المفاهيم بالإطار المفهومي الذي تطوره في كتابها  الشرط الإنساني  3. وحين تعطي هذه الأفكار نكهتها الخاصة، فإنها ليست عصية على الفهم، أو منقطعة عن الواقع السياسي القائم لتعمل بوصفها أدوات أدبية أو تأملية فحسب  4. فكان همّ أرندت الرئيس هو استعادة الفهم الأصيل للسياسة بوصفها ما يحدث عندما يجتمع البشر ليتحاوروا ويحكموا في قضايا تتجاوز حياتهم الخاصة، فُيُنشئون بذلك حيّزًا سياسيًا أو مج لًا عامًا. وترى أرندت أنّ هذا الفهم للسياسة بوصفها "فعلًا" يجب أن يُفصل تمامًا عن مفهوم "العمل." فالعمل، في نظرها، هو صنع الأشياء؛ أي استخدام الوسائل لتحقيق غايات، وهو نشاط ينطوي بالضرورة على أحد أشكال العنف. أما الفعل السياسي، فهو قدرة البشر الفريدة على تخيّل عالم مشترك فيما بينهم عبر الحوار، وهو ما قد يقود إلى اتخاذ قرارات لصنع أشياء أو وضع قوانين وقواعد وأنماط للحكم. غير أن هذه الأشياء، على الرغم من ضرورتها لدعم الفعل السياسي وتنظيمه، ليست هي السياسة ذاتها (ص. 13) يُعدّ إخضاُعُ المجال السياسي لمنطق الأدوات المنطَقَ الحاكم لعمليات صنع السلام في الحروب الأهلية، مهما اختلفت مرجعياتها الليبرالية أو الواقعية أو تلك المقاربات التي تجمع بين التحليل الدولتي Statist، والاقتصاد السياسي Oriented Political-economy وبناء السلام. ومن Local Transformational Peacebuilding المحلي التحويلي هذا المنظور، يساعد فكر أرندت في الكشف عن القاسم المشترك بين هذه المقاربات، والمتمثل في وجود شيء قسري ومصطنع في عملية السلام في السودان، يسعى لتحقيق غايات محددة سلفًا بوسائل انتهازية، على نحو يتعارض مع جوهر السياسة المدنية (ص. 55)؛ فصنع السلام التقليديّ، كما يبّي نالمؤلف، يميل إلى تقليص الأبعاد السياسية للحرب وتحويلها إلى صراع قوة غاشمة، عبر تهميش سياقها السياسي لصالح حلول سريعة ومباشرة، كاختزال صراع مركّب إلى حرب موارد تُسَّوَى بصفقة نخبويّة، أو إلى ثنائية شمال – جنوب على الرغم من تعقّده وثرائه السياسي (ص. 48) ويقدّم المؤلف، عبر عدسة أرندت، طريقة مختلفة لفهم التوتر بين صنع السلام، ومنطق العنف، والعمل السياسي المدني؛ فيرسم منهجًا لتمييز العنف من الحرب والسياسة والسلام، ويفتح العين على فضاءات السياسة في الحاضر، وما تفعله بها عملية صنع السلام أثناء ممارستها (ص. 53) وفي هذا الإطار، يكمن الإسهام الأبرز في الكتاب ليعيد موَقَعة الفعل السياسي المدني في عمليات السلام من دون اختزالها ضمن منطق "المشكلة والحل." ومع ذلك فهو لا يِعِد بقوالب جاهزة أو أدواٍتٍ أذكى، بل يذكّر بأن التفكير في منطق الوسيلة والغاية نفسه جزء من المشكلة التي ينبغي نقدها قبل ادعاء حلّها.

ثانيًا: أنماط صنع السلام الأداتية بما تنطوي عليه من تبسيط وكذب

يطرح المؤلّف سؤلًامحوريًا فحواه: ما الذي يحرّك ممارسة صنع السلام؟ ويؤكد، منذ البداية، أن البحث عن دافع واحد أو منطق موحّد خلف عملية صنع السلام ضرٌبٌ من الوهم. ففي حالة السودان تحديدًا، شارك في العملية عدد كبير من الفاعلين حملوا معهم أهدافًا متعددة ومتبدّلة ومتعارضة؛ ما يجعل ممارسة صنع السلام نتاجًا لتقاطع هذه الغايات المتضاربة، لا لتجسيد منطق واحد حاكم. لذلك، تبدو الانتقادات التي تفترض وجود "فشل واحد" لصنع السلام مضللة، لأن التوافق على معنى "السلام" نفسه لم يتحقق أصلًا(ص. 69) وتتفاقم هذه المشكلة في السودان بسبب كثرة جيرانه وتنوع أدوارهم، من خصوم يخوضون حروبًا بالوكالة، أو حلفاء يطاردون أعداء مشتركين، أو وسطاء يروّجون لرؤى عن

  1. 2  اتقدت شرارة إعادة التفكير، كما يروي المؤلف، أثناء تدريسه مادة السياسة الدولية ونقاش التدخل العسكري لحلف شمال الأطلسي "الناتو" في كوسوفو عام 1999، حيث أيد يورغن هابرماس تلك "الحرب الإنسانية" بوصفها خطوة نحو شرط كوزموبوليتاني جديد، في حين حذّرت باتريشيا أوينز، مستندةً إلى أردنت، من تأسيس سياسة عالمية تُسِّوِغ العنف بأهداف نبيلة، وتختزل السياسة في علاقة وسائل وغايات لا يمكن "صنع" جمهور عالمي من خلالها، حتى لو كانت الادعاءات إنسانية (ص. 55)
  2. Hannah Arendt, The Human Condition , Introduction by Margaret Canovan, 2 nd ed. (Chicago: University of Chicago Press, 1958); الوضع البشري، ترجمة هادية العرقي (بيروت: جداول وينظر الترجمة العربية: حنة أرندت،، 2015)؛ وينظر مناقشة له في: رشيد العلوي رشيد، "الشرط الإنساني ومشكلة الشر: مفهوم تبُّين، مج الشر السياسي عند هنه أرندت"،  4، العدد 11 (شتاء 2015)، ص 117 - .126
  3. 4  ينظر: فيليب هانسن، حنّة أرندت: السياسة والتاريخ والمواطنة، ترجمة خالد عايد أبو هديب (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2018

السلام منسجمة مع مصالحهم. وهكذا، صار التنافس على المنتديات والوساطات والتفويضات جزءًا من سياسات هؤلاء الفاعلين الخارجيين (ص. 56) ومن ثمّ، يمهّد المؤلف لفكرته عن "السلام الممكن"، وهو سلام براغماتي متكوّن من أجزاء متنافرة، يُصنع تحت ضغط تعدد الفاعلين وتضارب الأهداف، ويهدف إلى تسوية وسطى، كافية بالحد الأدنى، بين غايات لا يمكن تحقيق أٍّيٍ منها كليّا. وتكمن جاذبية هذا السلام في أنه يمضي بما هو متاح ويحاول تعظيم المكاسب في ظروف غير مثالية، لكنّ منطق "السلام الممكن" لا ينشغل كثيرًا بالسؤال إن كان ما ينتجه يعزّز فعلًاسياسة مدنية لاعنفية (ص 70،.)96 يبّي نالمؤلف كيف تغلّب الجهد الإقليمي المدعوم غربيًا (مبادرة الهيئة الحكومية للتنمية "إيغاد" IGAD) على مبادرات أخرى مناِفِسة، وما ترتّب على ذلك من تحديد عملي لما يمكن أن يعنيه "السلام"، وكيف يُصنع، ومن يصنعه. فقد حوّلت دول الترويكا (الولايات المتحدة الأميركية، وبريطانيا، والنرويج) مبادرة إيغاد إلى "ورشة السلام" الخاصة بالسودان؛ أي الإطار الحصري الذي تُصاغ ضمنه التسوية النهائية. وعلى الرغم من الخطاب الذي قدّم إيغاد بوصفها مبادرة إقليمية "يقودها الطرفان"، فإن المؤلف يقرّ بأن هذه الصيغة ما كانت لتستقر لولا قرار واشنطن وحلفائها بتبنّي هذا المسار دون غيره (ص. 58-81) وفي هذا السياق، أدت السياسة الأميركية دورًا حاسمًا؛ إذ واجهت الخرطوم مزيجًا من الإغراءات (التطبيع مع إسرائيل، ورفع العقوبات الدولية) والتهديدات (القوة العسكرية في سياق "الحرب على الإرهاب"، وقانون سلام السودان لعام 2002 الذي ألزمها بالتفاوض "بحسن نية" (ص. 81) وبناءً عليه، ينتقل المؤلف إلى مساءلة الوسائل؛ أي: بَِمَ يُصنع هذا السلام البراغماتي؟ ليميز بين نوعين رئيسين من الأدوات، هما التصميم والإكراه. يعتمد الأول على القدرة على التأثير في واقع سياسي معقّد عبر خطة مسبقة لبناء السلام، ويتضمن ذلك تضييق نطاق المبادرات الأخرى، وصياغة الصراع في قالب "مشكلة – حل" مبسّط يسهل التعامل معه. أما الثاني، فيتمثل في استخدام الموارد المالية والوزن الجيوسياسي والعقوبات والضغوط الزمنية لترجيح مبادرة بعينها ومنحها أفضلية على غيرها (ص. 70-71) وُيُطَّبَق هذا التحليل مباشرة على الطريقة التي تفوقت بها مبادرة إيغاد على المبادرات المصرية – الليبية وغيرها. ولا يدّعي المؤلف أن الغايات نفسها شريرة؛ فكثير من الأهداف المطروحة باسم السلام مشروعة في حد ذاتها، حتى إن لم تنشغل فعلًا بمصير السياسة المدنية اللاعنفية. لكنّ المشكلة تكمن في أن تحقيق هذه الغايات يكون غالبًا بوسائل تقوّضها، من خلال تبسيط الواقع المحلي، وفرض أطر زمنية نهائية مصطنعة، واستخدام العقوبات والحوافز لإجبار الأطراف على قبول "السلام الممكن." وهكذا، تصبح أدوات التصميم والإكراه، في جوهرها، أدوات للضغط والسيطرة أكثر من كونها أدوات لفتح المجال السياسي، والنتيجة هي إفراغ المجال العام من إمكانيات الفعل السياسي الحقيقي، ويظل مفتوحًا أمام من يملكون السلاح لا من يملكون الكلمة، فيتحول السعي لاستبدال العنف بالسياسة، عبر عملية صنع السلام ذاتها، إلى عملية تُفضي إلى تسييس العنف بدلًامن تسييس السياسة (ص. 48-59) يستكمل المؤلف حجته بتناول أحد أخطر الاختلالات البنيوية في منطق صنع السلام أثناء الحروب الأهلية، وهو التبسيط Simplifying؛ فكل عملية "ُصُنع" تسعى بطبيعتها لتصميٍمٍ بسيط وملائم للغرض، يبدأ بتوصيف واقع سياسي شديد التعقّد بطريقة اختزالية تحوّله إلى "مشكلة قابلة للحل." وفي حالة السودان، تجسّد ذلك في مفاوضات اتفاقية السلام الشامل، حين صوّر الوسطاء النزاع على أنه صراع ثنائي بين "الشمال" و"الجنوب"، في إطار مقصود لاحتواء التعقيد وبلوغ "السلام الممكن" بسرعة، مع أن تشابكات الحروب السياسية تاريخيًا في السودان كانت أعمق كثيرًا من هذا التصور المريح (ص. 85-86) فيركّز في مناقشته على بروتوكول مشاكوس 2002 والحركة الشعبية لتحرير السودان/ الجيش الشعبي، لُيُعمّق النقاش في كيفية تطبيق التبسيط عمليًا، وأشكال مقاومته، وتأثيراته، موضحًا كيف اسُتُخدمت قوة التسمية وإعادة التعريف الخطابي لبناء صورة عن الحرب بوصفها "حرب الجنوب" فحسب، وعن الحركة الشعبية بوصفها فاعلًاجنوبيًا انفصاليًا، لا حركةً تحمل مشروعًا وطنيًا أوسع؛ وهو ما أعاد تشكيل هويتها وهدفها ومواقعها، ودفعها تدريجيًا من خطاب "السودان الجديد" إلى الإصرار على الانفصال (ص. 89-105) يرصد المؤلف حلقتين مترابطتين من التبسيط: الأولى في مشاكوس، حيث جرى تجريد القضايا الدستورية والسياسية المعقدة من بعدها الوطني لصالح إطار شمال – جنوب مريح تفاوضيًا، والثانية في التعامل مع "هوامش" هذا الإطار، خاصة في جبال النوبة والنيل الأزرق، حيث عُدّت هذه الملفات "عوامل معقدة" يجب تحييدها عن مسار مفاوضات إيغاد، فحاول الوسطاء عزلها محليًا وفصلها عن القضية الوطنية، بينما قاومت الحركة الشعبية وأنصار "السودان الجديد" هذا المنطق، ولجؤوا أحيانًا إلى استخدام أدواته نفسها، بل حتى العنف (مثل توظيف دارفور ورقة ضغط) لرفض اتفاق مبسّط يختزل جوهر الصراع (ص. 105-118) ويبّي نالمؤلف كيف أن هذا التبسيط لم يكن قراءة قاصرة فحسب، بل اختيارًا أداتيًا واعيًا لخدمة هدف عملي محدود هو إنتاج صفقة قابلة للتنفيذ بأيّ ثمن، ولو على حساب السياسة المدنية والعدالة والمواطنة. وهكذا، تحوّل التبسيط إلى أداة قسرية مضادة للسياسة؛ إذ اسُتُبعدت قوى أساسية من جبال النوبة والنيل الأزرق ودارفور، واعُتبُر من يُقَص ىعن طاولة السلام

"مخِّرِبًا"، فصار العنف وسيلةً للمطالبة بالاعتراف السياسي بدلًامن أن يكون ما يفترض أن تُفضي إليه السياسة وتسعى لاستبداله. لذلك، جاء بروتوكول جنوب كردفان/ جبال النوبة والنيل الأزرق في اتفاقية السلام الشامل أضعف حلقاتها، متجاهلًا جذور الصراع، فانهار عمليًا بعد انفصال الجنوب عام 2011، وعادت الحرب عبر الحركة الشعبية – شمال وتحالفاتها الجديدة، في دليل صارخ على أن سلامًا مبنيًا على تبسيط أداتي وقسري لا ينتج إلا هدنة هشّة تؤجّل العنف بدلًامن أن تنهيه (ص. 118-119) وبناء عليه، كانت المقاومة Resisting الوجه الحالك لصنع السلام الأداتي في السودان، وردّ الفعل على سلام مبسّط ومفروض من الخارج. وفي هذا السياق، يوضّ ح المؤلف أن العنف الذي رافق مفاوضات اتفاقية السلام الشامل لم يكن خرقًا عارضًا، فحسب، للتهدئة، بل إنه كان جزءًا بنيويًا من منطق السلام نفسه. فبعد تبنّي الوسطاء صيغة مبسّطة تُختزل فيها الحرب في نزاع ثنائي بين الشمال والجنوب، عادت قوات الجيش الشعبي لتحرير السودان إلى القتال لُتُجسّد عمليًا رفضها لهذا الإطار، وسيطرت على حامية حكومية ذات رمزية في الجنوب (مدينة توريت)، ثم وسّعت تحرّكاتها نحو الشرق ودارفور، لتبعث رسالة واضحة مفادها أن الحرب الوطنية لم تنتِهِ بعد، وأن محاولات تجريد الصراع من بعده الدستوري والسياسي لن تمرّ من دون مقاومة (ص. 128-130) ويبّي نالمؤلف أن الحركة الشعبية استخدمت العنف في هجوَمَي توريت والشرق، وفي دورها غير المباشر في بدايات حرب دارفور، ولم يكن ذلك من أجل الضغط العسكري فحسب، بل أيضًا لفرض رؤية سياسية اسُتُبعدت من المفاوضات تؤكد أن ما يجري ليس نزاعًا حدوديًا، فحسب، بين شمال وجنوب، بل أزمة وطنية أعمق تتعلق بطبيعة الدولة وبنية السلطة. في المقابل، جاءت حملة النظام في دارفور جزءًا من صراع أوسع على شروط السلام، استهدفت فيها الخرطوم خصومها في الهامش المسلّح، وهي تحاول في الوقت نفسه الحفاظ على إطار التفاوض الضيّق الذي شرعنته بوصفه "حرب شمال – جنوب." ويخلص المؤلف إلى أن هذا السلام الأداتي، الذي يتجاهل جوهر السياسة وُيُقصي مناطق بأكملها وفاعلين برمّتهم، لا يوقف الحرب، بل يعيد إنتاجها في أشكال أعنف وأوسع؛ فالمقاومة المسلحة قد تنتزع تنازلات مهمة (كما فعلت الحركة الشعبية بوصولها إلى صيغة قريبة من الكونفدرالية)، لكنّها في الوقت نفسه تطلق ديناميات عنف تتجاوز أهدافها الأولى، فتغدو الوسيلة أقوى من الغاية، وتضيع مشاريع "السودان الجديد" و"وحدة الشمال" و"إنهاء أطول حرب في أفريقيا" في دوامة لا تنتهي من العنف المتجدد (ص. 159-161) ويتواطأ مع منطق العنف والتبسيط الزيُفُ والكذُبُ السياسيان Lying. فيتناول المؤلف كيف شوّه صنّاع السلام الأجانُبُ أبعاَدَ العنف السياسيَةَ في دارفور طوال أكثر من سنة، في حين كان الصراع يتصاعد بسرعة. ومن خلال تحليل التصريحات العلنية التي أدلى بها الدبلوماسيون والمسؤولون الحكوميون الفاعلون، يبّي ن المؤلف أن هؤلاء الفاعلين إمّا التزموا صمتًا متعمّدًا، على الرغم من أن تفويضهم يقتضي الكلام، أو جرّدوا العنف من سياقه السياسي عمدًا لإبقاء دارفور خارج مسار مفاوضات السلام. ولا تكمن خطورة الكذب في هذا السياق في أنه سمة مألوفة في السياسة، بل في استخدامه لنفي وجود مجاٍلٍ عام يمكن من خلاله تبرير العنف أو إدانته سياسيًا؛ فحين يُفَّرَغ هذا المجال، يصبح العنف أشَّدَ انفلاتًا وأقل خضوعًا لأيّ ضوابط. وإلى جانب الخداع في توصيف ما يجري في دارفور، يكشف المؤلف عن قدر من التواطؤ، يتمثّل في غضّ الطرف عن عنف الحركة الشعبية، بل منح حملة الحكومة في مكافحة التمرّد ضوءًا أخضر ضمنًّيًا (ص. 164-182) يبّي نالمؤلف كيف اسُتُخدمت أزمُةُ دارفور "ثمنًا جانبيًا" لصنع السلام في الجنوب؛ إذ كان الفصل بين ما يحدث في الجنوب وما يجري في الغرب أحد شروط ولادة اتفاقية السلام الشامل. ويوضح كيف سعى صنّاع السلام، لا سيما الدبلوماسيون والمسؤولون البريطانيون والأميركيون، ومعهم النرويج وإيغاد ودول أعضاء في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، لتمرير الاتفاق عبر تخفيف وقع أحداث دارفور على ثلاثة مستويات مترابطة: الأول، داخل السودان، عبر تجنّب الاعتراف بالحركات المسلحة الجديدة أو التعامل معها سياسيًا حتى أواخر عام 2003. والثاني، في غرفة التفاوض، عبر إبعاد أيّ رابط علني بين الحركة الشعبية والتمرّد في دارفور. والثالث، على مستوى الخطاب العالمي والمحلي، عبر تقديم ما يجري بوصفه "نزاعًا قَبَليًا على الموارد" لا بوصفه تمرّدًا سياسيًا منظمًا، وإخفاء حقائق بشأن دور الحكومة والميليشيات، وكذلك دور الحركة الشعبية في دعم حركة تحرير السودان واستعمال دارفور "جبهةً ثانيةً" للضغط على الخرطوم. وكان من شأن هذا الإنكار العلني، المَبّرَر دائمًا بضرورة حماية "أولوية" صفقة الشمال – الجنوب بوصفها "بوابة الحل لكل السودان"، أن سمح بتصاعد العنف بلا مساءلة، ومنح الطرفين المتفاوَضَ ين غطاءً لمواصلة الحرب، وقوّض ثقة أهل دارفور بالعملية السلمية التي بدت لهم بوصفها صفقة ثنائية ضيقة فحسب، لا سلامًا وطنيًا شاملًا(ص. 164-182) ويخلص المؤلف إلى أن أنماط صنع السلام الأداتية، بما تتضمنه من تصنيع وتبسيط وكذب، أسهمت مباشرة في إنتاج اتفاقية السلام الشامل، وفي الوقت نفسه تقويض شروط نجاحها. فقد جاءت

الاتفاقية محمولةً على ركام كارثة دارفور الإنسانية، ثم تلقّت ضربة إضافية بوفاة جون قرنق 2005-1945() المفاجئة، ما أفقدها سريعًا هالة "نهاية الحرب" و"بداية النهاية" لقسوة السلم في السودان. غير أن ردّ الفشل إلى هذه الأحداث الطارئة وحدها تبسيط مضلّل؛ إذ يجادل المؤلف بأن أثر عملية صنع السلام نفسها كان أعمق كثيرًا: فالوسائل التي اسُتُخدمت للوصول إلى السلام (من كذب، وتواطؤ، وتبسيط، وإقصاء)، كانت قد نحّت المجال السياسي المدني في السودان وأفرغته من مضمونه، في اللحظة ذاتها التي كان يُفترض فيها أن يكون هو الحامل لميلاد سياسي جديد (ص. 185)

رابعًا: انهيار السلام الكارثيّ في ضوء المنطق والمسارات التي رسمتها وشّك لتها جهود صنع السلام الدولية

يتناول المؤلف، من خلال الإفراغ Hollowing، أو إفراغ الأشياء من مضمونها، الأثَرَ العميق الذي تركته عملية صنع السلام في الحياة السياسية في شمال السودان، مبرزًا كيف أسهمت في ترسيخ السلطوية وتآكل السياسة المدنية التعددية بدلًامن فتح أفٍقٍ أرحب لانتقال ديمقراطي. ويبّي نأن الفترة الانتقالية لاتفاقية السلام الشامل، الممتدة ست سنوات ونصف السنة، والمشحونة ببرامج "بناء سلام" ممولة ومصَّمَمة دوليًا، لم تُنتج نظامًا سياسيًا جديدًا، لا لأن التنفيذ كان سيئًا فحسب، بل لأن الوسائل التي صيغ بها السلام حملت في طياتها بذور الإخفاق أيضًا. فقد تحوّلت المبادرات الخارجية لصنع السلام إلى ساحة دائمة للسياسة الموَّجَهة نحو الخارج Politics Extroverted، حيث أعادت النخب الحزبية والعسكرية ترتيب مواقعها في ضوء ما يطرحه المجتمع الدولي، في حين جُِذِبت القوى المدنية إلى هذه الحلبة بوصفها شريكًا محتملًا، ثم أ قصيت فعليًا لصالح الأطراف المسلحة التي احتكرت التمثيل والتفاوض. ومع حلول اللحظة التي كان يُفترض فيها أن تستعيد القوى السياسية المدنية دورها في تسوية السياسة وتوسيع التعددية، كانت سنوات الإقصاء والإحباط قد أنهكتها، في الوقت الذي أحكمت فيه النخب الحاكمة قبضتها على الدولة عبر اتفاق ثنائي مغلق. ويكشف المؤلف، من خلال قراءة تفصيلية لقضايا مراجعة الدستور، وإصلاح القطاع الأمني، والفضاء المدني، والانتخابات، أن البنية التي يُفترض أن اتفاقية السلام الشامل قد أسّستها، من أجل سياسة جديدة، لم تكن سوى واجهة شكلية تُخفي استمرار المنظومة السلطوية القديمة. وهكذا، تشكّل ما يسميه المؤلف "سلامًا أجوف"، متمثلًافي مؤسسات وقوانين وخطاب عن الحقوق والحريات، فوق أرضية سياسية صُنعت بمنطق أداتي عزّز ثنائية عسكرية – حزبية، وضيّق الفضاء المدني بدلًامن توسيعه، وترك الحياة السياسية أسيرة نخٍبٍ تعود إلى العنف أو إلى الرهان على الخارج كلما لاح أفق تغيير جديد (ص. 211) ومع مولد دولتين، في عام 2011، هما سودان منقوص خسر نحو خُمس مساحته وسكانه، وجنوب سودان وليد، تلاشت وعود إرساء السلام الذي رُِّوِج له بوصفه نهاية الحرب وبداية عهد جديد، بل إن السوداَنيَن وُلدا من رحم اتفاقية أفرغت السياسة من مضمونها. ففي الشمال، واصل نظام عمر حسن البشير إدارة الأزمات بعقلية أمنية خالصة، متجاهلًادروس الجنوب، فاندلعت أو تجددت الحروب في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق وأبيي وعلى طول الحدود الدولية الجديدة. وفي الجنوب، لم تستطع "البداية الجديدة" تجاوز الاختلالات البنيوية التي طبعت نشأة الدولة نفسها، فانزلق البلد سريعًا إلى حرب أهلية بين مكوّناته، مدفوعًا بالمنطق نفسه الذي قاد إلى الانفصال ابتداءً. وبهذا المعنى، يقدّم المؤلف تمهيدًا لفهم كيف أن السودان الذي وُلد من جديد في عام 2011 وُلد مباشرة إلى قلب الحرب، وكيف استمرت دوامات العنف ومنطق صنع السلام الأداتي بلا نهاية في الدولتين معًا (ص. 213) يسهم الجمع بين دورات العنف المنَّظَم وصنع السلام الأداتية، القائمة على منطق الوسائل والغايات، في تفسير ظاهرة الحروب التي لا تنتهي في السوداَنيَن. وفي هذا الإطار، يحلّل المؤلف، تحت وسم "التفكيك" Unfounding، كيف شاركت عملية صنع السلام نفسها في الفشل العنيف لمشروع تأسيس جنوب السودان بوصفه جماعة سياسية جديدة. ومن دون إعفاء النخب المحلية من مسؤوليتها عن الانهيار وفقدان الروح المدنية، يبّي نأن هذا الفشل وقع داخل سياق عملية سلام دولية مكثّفة، بدأت مع اتفاقية السلام الشامل، وشملت بناء الدولة وإعادة الإعمار السياسي، لكنّها أفضت عمليًا إلى تكريس "حكومة في انتظار السلطة" لا تحتاج إلى شرعية من شعبها، وإلى نمط تكنوقراطي – تبادلي لصنع السلام وبناء الدولة بين عاَمَي 2005 و 2011، وهذا أنتج سلامًا بلا سياسة (ص. 243-244) ووفقًا لهذا التحليل، لم تؤسس اتفاقية السلام الشامل ولا ترتيبات "بناء الدولة"، بعد عام 2005، مجتمعًا سياسيًا جديدًا في الجنوب، بل ثبّتت حكم نخبة عسكرية ريعية، ورفعت عمليًا من قيمة العنف بوصفه وسيلةً سياسية. وقد جعلت أدوات السلام الدولية (من تبسيط الصراع، وتمويل الدولة، وبناء مؤسسات شكلية) الماَلَ والسلاَحَ لغَتَي السياسة الأساسيَتيَن. وهكذا، غدا استقلال عام 2011 ذروة مسار "صنع" دولة، لا تأسيس مجتمع مواطنين؛

وحينما ضعفت قدرة النخبة الحاكمة على شراء الولاءات الريعية وانعدمت السياسة السلمية، جاء الانهيار والانحدار إلى حرب عام 2013 نتيجةً منطقية لمسار السلام نفسه، لا حادثًا مفاجئًا من خارج التاريخ (ص. 243-245) وههنا، يرصد المؤلف كذلك الإرث الثقيل لصنع السلام في جنوب السودان، والمتمثل في استفتاءٍ لتقرير المصير، ونصوٍصٍ دستورية عن الحقوق والحريات، وبرامج للتثقيف المدني، وترتيبات لحكم "تمثيلي." لكن كل ذلك قام فوق منظور أداتي، قائم على منطق وسيلة – غاية، كان من شأنه أن قوّض إمكان قيام فعل سياسي مدني لاعنفي، بدلًامن أن يدعم ذلك. وحين اندلعت الحرب الأهلية، جاءت جولات الوساطة اللاحقة لتعيد، بصورة مأساوية، إنتاج المنطق نفسه والنتائج نفسها (ص. 243) يضع المؤلف كل ذلك في سياق أوسع، فيشير إلى أن قبول القوى الإقليمية والدولية التعامل مع ميليشيا مسلحة تطالب بالانفصال بوصفها شريكًا وحيدًا في التسوية، على الرغم من مشروعية مظالم الجنوب وأزمات الحكم في السودان، أرسَلَ رسالة خِطِرة مفادها أن رفع السلاح هو الطريق الُمُجدي لمعالجة الاختلالات البنيوية. فبدلًا من أن يكون الهدف معالجة أسباب الحرب، من تهميٍشٍ وتوزيع غير عادل للموارد وعجز النخب عن إدارة اختلافاتها، انحصرت المساعي في انتزاع اتفاق بين حكومة مركزية وحركة مسلحة؛ ما فتح الباب لاحقًا لدائرة أوسع من العنف في السودان وجنوب السودان معًا. وهكذا، بينما استحوذ انهيار جنوب السودان على اهتمام دولي واسع، استمرت الحروب في مناطق جبال النوبة والنيل الأزرق ودارفور، ولا بواكي لأهاليها، ليجد الَبَلدان نفسيهما عالَقيَن في دوامة صراع عنيف وصنع سلام أداتية تتغذى على منطق الوسائل والغايات أكثر مما تخدم قيام سياسة مدنية سلمية. يظل منطق الكتاب الرئيس صالحًا لتفسير ديناميات صنع السلام في السوداَنيَن بعد اتفاقية السلام الشامل حتى يومنا هذا. ويتتبع المؤلف أنماط المبادرات السريعة والمجزّأة لصنع السلام، من مقاربات سطحية في دارفور، وترتيبات جزئية في شرق السودان، واتفاقيات قسرية في أبيي حوّلتها إلى "كشمير السودان"، ثم يشرح كيفية اندلاع الحرب مجددًا في جبال النوبة والنيل الأزرق بالتزامن مع لحظة انفصال جنوب السودان، وسبب ذلك. ويعرض تعاقب "خرائط الطريق" التي رُِّوِج لها بوصفها حلولًانهائية، لكنها أعادت إنتاج الشروط نفسها التي تولّد العنف، بدلًامن أن تتجاوزها. ويختتم النقاش بتقييم نقدي لمحاولات إنهاء الحرب الأهلية في جنوب السودان، مُظِهِرًا تشاؤمًا واضحًا حيال الآفاق الضيقة لقيام سياسة مدنية لاعنفية هناك؛ فمسار السلام في السودان وجنوب السودان لم يُنِهِ الحروب، بل ساهم في إعادة تدويرها، لأنه بُني على منطق أداتي ضيق هو: إيقاف إطلاق النار بأيّ ثمن وبأيّ اتفاق مع أقوى حملة السلاح، بدلًامن تأسيس فضاء حقيقي لسياسة مدنية تعددية. وقد تكرّر السيناريو نفسه في دارفور والشرق وأبيي وجنوب كردفان/ جبال النوبة والنيل الأزرق، ثم في جنوب السودان بعد عام 2013 من خلال مفاوضات تقودها قوى دولية وإقليمية، ونصوص معقّدة واتفاقيات فوقية، وتقاسم للمناصب والموارد، وإقصاء لقطاعات واسعة من المجتمع، مع ترك المظالم من دون معالجة، وجذور التهميش والإقصاء من دون اجتثاث. وبذلك، منحت هذه الاتفاقياُتُ النخَبَ العسكرية – السياسية شرعيةً إضافية، وركّزت على بناء دولة "شكلية" (وزارات، وبرلمانات، وخطط، وخرائط طريق) من دون تأسيس حياة سياسية حقيقية يمكن فيها أن يدير المواطنون خلافاتهم بلا عنف. وفي ضوء ذلك، تبدو السياسة في السودان سلسلة لا تنتهي: حرب، فاتفاق سلام جزئي، فانهيار، فحرب جديدة؛ من اتفاق الجنوب، إلى دارفور، ثم الشرق، وصولًاإلى النزاعات الحالية في الخرطوم ومركز البلاد. فلا وجود لنقاش جاد حول دور الجيش في السياسة، ولا معالجة للاختلالات البنيوية، ولا تطور في أداء النخب، بل إعادة إنتاج للمنطق نفسه تحت عناوين مختلفة. لذلك، يدفعنا الكتاب، بحق، إلى طرح سؤال سياسي وأخلاقي في الآن نفسه: لماذا يُصرّ الداخل والخارج معًا على إدارة الصراع عبر هذه الحلقة المفرغة بدلًامن السعي لكسرها؟ وهل تحوّل استمرار الحرب وصنع السلام الأداتي إلى نمط مريح لمصالح النخب المحلية والدولية، مهما كان الثمن الذي تدفعه المجتمعات؟

خامسًا: ما بعد ثورة السودان 2019: البدء من جديد

في الخاتمة، يعود الكتاب إلى السودان بعد ثورة 2019، ليتأمل في إمكانية "البدء من جديد"، في ضوء أطروحاته النقدية لصنع السلام. ويستعين المؤلف بمنظور أرندت في فهم السياسة بوصفها فعلًاجماعيًا، ليقرأ لحظة إسقاط البشير، تحت ضغط انتفاضة شعبية واسعة، بوصفها تجسدًا نادرًا لقوة الفعل السياسي المدني في اعتصام القيادة العامة، ولجان المقاومة في الأحياء، ومسيرات قوى الحرية والتغيير. وبوصف أرندت الثورة تمثيلًالأهم محاولة لإرساء مجال عام حقيقي، من خلال تفجير قدرة البشر على أن يبدؤوا من جديد، ويلجوا العالم من خلال الكلمة والفعل، ويخلقوا من ثم فضاءً عامًا حيًا، فإنها تفتح بطريقة جديدة مسائل بشأن طبيعة الشؤون العامة وقيمتها، وتفتح إمكانات غير مسبوقة تاريخيًا أمام المشاركة السياسية  5. وفي هذا السياق، تظهر

  1. 5  هانسن.

السياسة، كما أراد لها الكتاب أن تكون، شأنًا للسودانيين ومن أجلهم، ت ماَرَس في فضاء عام حيّ، لا نتيجة لاتفاقات تُصنع في غرف مغلقة. ويرى المؤلف أن هذا المثال السوداني لا يقدّم "وصفة" بديلة لصنع السلام، بقدر ما يقدّم بوصلة فكرية تعيد طرح السؤال من أساسه، ولا يتعلق هذا السؤال بسؤال: ماذا نفعل بطريقة مختلفة؟ بل بسؤال "كيف نفكّر بطريقة مختلفة؟" في السلام ذاته، وفي السياسة التي يُفترض أن يحتضنها، ويؤسس لها. لذلك، يصرّ المؤلف على رفض الحلول الهندسية الجاهزة، ونقد اختزال السياسة في منطق الُصُنع والأدوات والغايات. فجوهر الكتاب، كما تلخّصه الخاتمة، يكمن في الدعوة إلى إعادة التفكير جذريًا في طبيعة صنع السلام ووظيفتها، انطلاقًا من فهم أعمق لماهية السياسة المدنية وما تتطلّبه من فعل جماعي، لا من تصميمات تقنية. غير أن الأفق الذي فتحته ثورة 2019 سرعان ما اصطدم بواقع عام 2023؛ فكما توقّع الكتاب عند تناوله حلقة الحروب المفرغة التي لا تضع أوزارها ولا تخمد نارها، انزلق السودان إلى حلقة جديدة من العنف الأهلي، هذه المرة في قلب الخرطوم، بين الجيش وقوة مسلحة نشأت وتضخّم دورها ضمن سياسات ما بعد اتفاقية السلام الشامل. ومرة أخرى، نجد دولة مركزية تواجه ميليشيا مسلّحة، ومجتمعًا دوليًا وإقليميًا يتحرّك حول اتفاق سلام جديد، ومبادرات لوقف الحرب، في حين يتواصل التغافل عن جذور الأزمة البنيوية، ودور الجيش في السياسة، وطبيعة الدولة نفسها. وهكذا، يختتم الكتاب على مفارقة حادّة؛ فحتى حينما يفتح الفعل السياسي المدني أفقًا لبداية جديدة، سرعان ما يطل منطق صنع السلام الأداتي بوجهه القبيح مرة أخرى، مُطَّعَمًابالتحالفات العسكرية – المدنية والإقليمية، ليجعل السودان مهَّدَدًا بتقسيم المقَّسَم، وبإعادة إنتاج الدائرة المفرغة نفسها التي انتقدها الكتاب منذ صفحاته الأولى.

ملاحظات ختامية

يلقي كتاب حين يقتل السلام السياسة الضوء على الكيفية التي تؤدي بها عمليات صنع السلام الخارجية، كما في حالة السودان، إلى تأجيج العنف والصراع بدلًامن احتوائهما. فهذه العمليات، المدعومة إقليميًا ودوليًا، تُضعف تدريجيًا القدرة على تطوير سياسة محلية/ داخلية تنبع من واقع المظالم والتعقيدات المحلية؛ إذ تُفَرَض الحلول والمفاوضات والمبادرات من الخارج، فينعكس ذلك مباشرة على مسار الصراع ودينامياته. وفي الوقت نفسه، يرسّخ القبول الضمني بنمط الصراع القائم على الميليشيات والتعامل معه بوصفه معطى، ثم التدخل – ولو مع ادّعاء الحياد – لمصلحة طرف على حساب آخر، اعتيادًا على العنف، وُيُطبّع الاضطراب بوصفه أفقًا سياسيًا ممكنًا ومقبولًا. يلفت المؤلف انتباهنا إلى أن استمرار الحروب الأهلية في السودان لا يرجع دائمًا إلى "سوء نية" القوى الإقليمية والدولية؛ ففي كثير من الأحيان تكون النيات المعلنة حسنة وإيجابية، ويعمل الدبلوماسيون والوسطاء والمنظمات الدولية على تهيئة عالم يسمح بالفعل السياسي المدني، غير أن منطق صنع السلام نفسه، المبنيّ على أدوات تصميمية وأداتية تصطدم حتمًابسياسة الحرب الأهلية، يحمل مخاطر إعادة إنتاج العنف، حتى وهو يسعى للحدّ منه (ص. 56) وبناءً عليه، يمكن مقاربة أطروحة الكتاب نقديًا: فتجربة السودان الحديثة تُظهر أن التدخل الخارجي غالبًا ما ارتبط فعليًا بسعي واضح لتحقيق مصالح المتدخلين، وأنه كثيرًا ما أسهم في تأجيج الصراعات بدلًامن إخمادها، فافتراض حسن النية لا يوجد ما يبرره. وينسحب هذا على افتراض أن مبادرات السلام لا بد من أن تنشغل فعلًابمصير السياسة المدنية، وحتى إن لم تنشغل بها، فلا بد من أن تكون قادرة على تأسيس أرضية تسمح بممارستها. وهذه الأطروحة في حد ذاتها خلاصة قيمية قائمة على ما ينبغي أن يكون، وُتُقَّدَم بوصفها فكرة لم تُدَرَك أهميتها بما يكفي لإرساء السلام بالنسبة إلى صانع السلام، فحين ننظر إلى تجارب "بناء السلام" في سياقات بعينها، مثل فلسطين والعراق ولبنان وسورية، نجد أن ما يجري فيها هو قتل متعمد للسياسة، يُرتكب باسم صنع السلام؛ وما هو متعمد لا يكون مساويًا لما هو ناجم عن خطأ في منطق "الصنع." ومن نواٍحٍ أخرى عديدة، يظلّ الكتاب، على الرغم من قوّة تحليله السياسي وحتى المعياري، أقل التفاتًا إلى البعد الاقتصادي الذي يُشكّل جوهر السياسة والصراع في السوداَنيَن، ومن ثمّ جوهر صنع السلام أيضًا. فمنذ الحقبة الاستعمارية البريطانية، عاش السودان وجنوب السودان في إطار ما يسميه فريدريك كوبر "دولة حارس البوّابة" Gatekeeper State6؛ أي الدولة التي تقوم شرعيتها وبقاؤها على التحكم في بوابات الاقتصاد والعلاقات الخارجية، عبر السيطرة على تدفق الموارد الريعية إلى الداخل. وههنا، تعتمد الحكومات تاريخيًا على صادرات الموارد الطبيعية، التي تستحوذ نخبة ضيقة على منافذ الوصول إليها، كما يبّي نأليكس دو وال 7، وهو ما يحوّل الدولة إلى ميدان صراع عنيف على السلطة، بدلًامن أن تكون أداة لخدمة المصلحة العامة؛ وهي مرتبطة بمفهومه عن السياسة، بوصفها إدارة للمجاعة والعنف، وعن اقتصاديات الحرب، والسلطة بوصفها شبكة

  1. Frederick Cooper, Africa Since 1940: The Past of the Present (Cambridge University Press, 2002), pp. 156-160.
  2. Alex de Waal, Famine That Kills: Darfur, Sudan (Oxford: Oxford University Press, 2005), pp. 68 - 70.

من الريوع لا مؤسسة حكم  8. وبحسبه، "في السودان، ليست الدولة سلطة عامة مؤسسية، بل غنيمة يجري الاستيلاء عليها. تتفاوض النخب السياسية على حصص السلطة والموارد في سوق سياسي تصوغه القوة والعنف والمال والرعاية الخارجية" 9. وأخيرًا، على الرغم من قدرة سرينيفاسان على توظيف فكر أرندت لقراءة منطق الفعل السياسي والعنف وصنع السلام، فإنه يتجنّب الغوص بعمق في السؤال الأشد إلحاحًا في السوداَنيَن اليوم: كيف يمكن بناء دولة قادرة على إرساء عقد سياسي - اقتصادي يخدم الأغلبية بصورة منتظمة ودائمة، بدلًامن أن تبقى الدولة جهازًا تحتكره قلة إقصائية تحكم بالحديد والنار وتعيد تدوير الحروب بلا نهاية؟

المراجع

العربية

أبوشوك، أحمد إبراهيم. اتفاقيات السلام السودانية 2020-1972(). الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2025 أرندت، حنة. الوضع البشري. ترجمة هادية العرقي. بيروت: جداول،.2015 العلوي، رشيد. "الشرط الإنساني ومشكلة الشر: مفهوم الشر السياسي تبُّين. مج عند هنه أرندت."  4، العدد 11 (شتاء.)2015 هانسن، فيليب. حنّة أرندت: السياسة والتاريخ والمواطنة. ترجمة خالد عايد أبو هديب. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2018

الأجنبية

Arendt, Hannah. The Human Condition. Introduction by Margaret Canovan. 2 nd ed. Chicago: University of Chicago Press, 1958. Cooper, Frederick. Africa Since 1940: The Past of the Present. Cambridge: Cambridge University Press, 2002. De Waal, Alex. Famine That Kills: Darfur, Sudan. Oxford: Oxford University Press, 2005. ________. The Real Politics of the Horn of Africa: Money, War and the Business of Power. Cambridge: Polity Press, 2015.