حرب غزة 2023 والتنافس الأميركي - الصيني في البحر الأحمر ومضيق باب المندب

Abdullah Rashid Al-Mursel عبد الله راشد المرسل |

الملخّص

This study examines how the 2023 Gaza War reshaped maritime security dynamics and geopolitical rivalry in the Red Sea, particularly in the Bab al-Mandab Strait, through a complex interplay between great powers and non-state actors. It demonstrates that the Houthi (Ansar Allah) attacks on commercial vessels –framed as support for Gaza – transformed the strait into a global flashpoint that exposed the vulnerability of international supply chains. The study also shows how these developments reactivated U.S.–China rivalry in the Red Sea: the United States adopted a military–security approach in support of Israel's war on Gaza and to reaffirm its role as guarantor of the maritime commons, while China favored a cautious strategy centered on economic influence, calculated non-involvement in military operations, and securing the passage of its vessels through discreet diplomatic channels. The study concludes that the Red Sea has become a space where U.S. naval dominance intersects with China's rising economic power, and where non-state actors increasingly shape regional and global security. Keywords: 7 October 2023 , Gaza War, Bab al-Mandab Strait, Red Sea, Horn of Africa, Houthi Attacks, U.S.–China Rivalry.

The 2023 Gaza War and U.S.– China Rivalry in the Red Sea and the Bab al-Mandeb Strait

تناقش هذه الدراسة كيف أدت حرب غزة، التي اندلعت بعد عملية "طوفان الأقصى" في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، إلى إعادة تشكيل ديناميات الأمن البحري والتنافس الجيوسياسي في البحر الأحمر، ولا سيما في مضيق باب المندب، عبر تفاعٍلٍ معّق د بين القوى الكبرى وفاعلين من غير الدول. وتبين أن هجمات جماعة أنصار الله "الحوثيون" على السفن التجارية، تحت شعار إسناد غزة، حوّلت المضيق إلى بؤرة توتر عالمية كشفت هشاشة سلاسل الإمداد الدولية. وتكشف أن كل ذلك أدى إلى إعادة تفعيل التنافس الأميركي – الصيني في البحر الأحمر؛ إذ تبّن ت الولايات المتحدة الأميركية مقاربة عسكرية   –  أمنية دعمًا لإسرائيل في حربها على غزة، وتأكيدًا لدورها في حماية المشاعات البحرية، في حين فّض لت الصين مقاربة حذرة تعتمد على النفوذ الاقتصادي، والامتناع المحسوب عن الانخراط العسكري، وضمان مرور سفنها عبر قنوات دبلوماسية غير معلنة. وتخلص الدراسة إلى أن البحر الأحمر بات يمثل فضاءً تتقاطع فيه هيمنة القوة البحرية الأميركية مع صعود القوة الاقتصادية الصينية، وتتزايد فيه قدرة فاعلين من غير الدول على التأثير في الأمن الإقليمي والعالمي. كلمات مفتاحية: 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، حرب غزة، مضيق باب المندب، البحر الأحمر، القرن الأفريقي، هجمات الحوثيين، التنافس الأميركي - الصيني.

مقدمة

يُعدّ البحر الأحمر وباب المندب من أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم؛ إذ تعبرهما يوميًا مئات السفن التجارية وناقلات النفط والغاز القادمة من الخليج العربي والمتجهة نحو أوروبا والولايات المتحدة عبر قناة السويس. وتقدّر الإحصائيات أن ما يقارب 10 -12  في المئة من حجم التجارة العالمية يمر عبر هذا الممر الحيوي1؛ ما يجعله يكتسي أهمية حاسمة في النظام التجاري الدولي، ويجعله كذلك أحد فضاءات (انعدام) الأمن البحري العالمي. وقد جعلت هذه الأهمية البحر الأحمر، ومنه مضيق باب المندب، فضاءً يحتدم فيه التنافس الجيوسياسي بين القوى الإقليمية والدولية، لا ممرًا مائيًا فحسب. وفي خضم حرب 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، تحوّل المضيق إلى مجال لأزمة متصاعدة، بعدما أعلنت جماعة أنصار الله "الحوثيون" في اليمن، بدعم من إيران، عن استهداف السفن المرتبطة بالكيان الإسرائيلي أو المتجهة إلى موانئه، في إطار ما وُصف بجبهة إسناد الشعب الفلسطيني. وقد أدى هذا التصعيد إلى شلل نسبي في حركة الملاحة الدولية عبر المضيق؛ إذ اضطرت شركات شحن كبرى إلى تغيير مساراتها نحو رأس الرجاء الصالح، وهو ما انعكس سلبيًا على تكاليف النقل وأسعار السلع، ودفع الولايات المتحدة إلى التدخل عبر عملية عسكرية مشتركة، سمّتها عملية حارس الازدهار Operation Guardian Prosperity، لتأمين الملاحة الدولية عبر البحر الأحمر. ومثّل هذا التدخل تعزيزًا لوجودها العسكري في المنطقة، في وقت اكتفت فيه الصين، على الرغم من القاعدة العسكرية التي تمتلكها في جيبوتي ضمن مبادرة الحزام والطريق، بموقف حذر يقوم على الدبلوماسية من دون الانخراط في مواجهة عسكرية مباشرة. وقد كشف هذا التباين في المواقف والسلوك الفارق بين المقاربة الأميركية القائمة على عسكرة الاستجابة، والمقاربة الصينية التي تفضّ ل إدارة المخاطر عبر النفوذ الاقتصادي والرمزية الدبلوماسية. لم تقتصر الحرب بعد 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2003 على قطاع غزة، بل تمددت تدريجيًا لتصبح متعددة الجبهات، تشمل جنوب لبنان، ثم اليمن، إضافة إلى الحرب الجوية التي استمرت اثني عشر يومًا ضد إيران 24-13(نيسان/ أبريل 2024)، ثم بلغت حد شن غارة جوية محدودة على مدينة الدوحة في 9 أيلول/ سبتمبر.2025 تركز هذه الدراسة على الجبهة اليمنية، نظرًا إلى تداعياتها المباشرة على الأمن البحري في منطقة البحر الأحمر ومضيق باب المندب، بوصفهما محورين استراتيجيين في شبكات التجارة العالمية ومتغيرين رئيسين في الإمدادات العالمية بالطاقة. وتسعى لفهم الكيفية التي أعادت بها حرب غزة إبراز هذا المضيق بوصفه فضاءً لاشتغال ديناميتين متشابكتين: الأولى تتمثل في أنه ممر تجاري عالمي حيوي، والثانية أنه مجال للتنافس الجيوسياسي، تتقاطع عبره مصالح قوى كبرى، خاصة الولايات المتحدة والصين، وأدوار فاعلين ما دون الدولة، خاصة حركة أنصار الله (التي سيطرت على مفاصل الدولة منذ أيلول/ سبتمبر 2014)، والتي تزايدت قدرتها على التأثير في الملاحة الدولية عبر البحر الأحمر. وبناء عليه، تسعى الدراسة للربط بين ثلاثة مستويات تحليلية: 1. مستوى الأمن البحري الدولي، حيث يمكن إعادة تعريف ممر باب المندب من مسلك تجاري إلى فضاء للتنافس الاستراتيجي، 2. مستوى التنافس الجيوسياسي بين القوى الكبرى، حيث يعاد تشكيل بنى النفوذ والهيمنة في البحر الأحمر من خلال صراع أميركي – صيني أوسع، 3. مستوى الفاعلين غير الدول، حيث تتحول حركة أنصار الله من مصدر تهديد تقليدي إلى فاعل Agent قادر على استغلال الفرصة التي أتاحتها حرب غزة لتطوير قدرته على التأثير في بنية نظام الأمن الإقليمي. وبناءً على ذلك، تطرح الدراسة الإشكاليّة التالية: كيف ساهمت حرب غزة في إعادة تشكيل ديناميات التنافس الأميركي – الصيني في البحر الأحمر، خاصة عبر مضيق باب المندب، بإعادة تعريف أمن الممرات البحرية وتوازن القوة الإقليمي والدولي في ظل تصاعد أدوار فاعلين من غير الدول؟ وتحاول الدراسة اختبار فرضيتين مترابطتين: أولًا، لا تقتصر تداعيات حرب غزة على محيط القطاع الجيوسياسي، بل تمتد لتشمل بنية أمن البحر الأحمر، وذلك عبر تمكين فاعلين من غير الدول (حركة أنصار الله) من فرض تكلفة استراتيجية على سلاسل التوريد العالمية. وثانيًا، تعكس استجابة الولايات المتحدة والصين تباينًا بنيويًا في المقاربة والقدرات، بين مقاربة أميركية أمنية – تدخلية تقوم على التحالفات التقليدية، وأخرى صينية حِذِرة وبراغماتية تميل إلى تحييد المخاطر على تجارتها من دون الانخراط العسكري المتعدد الأطراف. وبذلك، تفترض الدراسة أن حرب غزة تشكل مختبرًا جيوسياسيًا لاختبار أنماط التنافس الأميركي – الصيني في البحر الأحمر، بما يعكس طبيعة التحولات الأوسع في بنية النظام الدولي. وتوظف الدراسة، للإجابة عن إشكاليتها، مقاربة واقعية بنيوية لتفسير سلوك الدول في ظل نظام دولي سِمته الأساسية الفوضى Anarchy، حيث إن توزيع القدرات المادية بينها، خاصة القوى الكبرى منها، هو ما يحدد سلوكها، ويدفعها إلى السعي المستمر وراء تعظيم أمنها ومصالحها الحيوية في بيئة يسودها الصراع والتنافس. وفي سياق مثل

  1. تداعيات تصاعد التهديدات البحرية في باب المندب"، المعهد الدولي للدراسات الإيرانية، 2023/12/25، شوهد في 2025/8/7، في: https://acr.ps/1L9BP5Z

هذا، يصبح التعاون، من المنظور الواقعي البنيوي، ظاهرة عرضية لا تنخرط فيه الدول إلا بوصفه تكتيكًا مؤقتًا تحدده شواغل توازن القوة والاعتماد المتبادل غير المتكافئ بين الدول، في حين يظل الصراع على القوة والنفوذ هو السمة الغالبة والثابتة في السياسة الدولية2. ومن هذا المنظور، يمكن مقاربة البحر الأحمر بوصفه فضاء جيوسياسيًا تشتغل فيه القوى الكبرى وتتداخل أدوارها، بما هي دول لديها مصالح استراتيجية تمتد نحو مناطق بعيدة عن حدودها الجغرافية؛ لكن ما يميز منطقة البحر الأحمر هو انخراط فاعلين من غير الدول، خاصة جماعة أنصار الله في اليمن، وقدرتهم على التأثير في مصالح القوى الكبرى وحساباتها الاستراتيجية. فالولايات المتحدة، بوصفها قوة بحرية مهيمنة في النظام الدولي، تعيد توظيف حضورها العسكري في المنطقة عبر قواعدها البحرية في جيبوتي والبحر الأحمر، ومن خلال قيادتها تحالفات عديدة في المنطقة وقريبًا منها؛ سواء لموازنة نفوذ إيران الإقليمي، أو لتأمين حرية الملاحة في الممرات الحيوية، مثل باب المندب وقناة السويس. وفي المقابل، تعكس سياسة الصين في البحر الأحمر مزيجًا معقدًا من البراغماتية الاقتصادية والحذر الاستراتيجي؛ إذ تركّز على حماية خطوط إمدادها من التجارة والطاقة، لا سيما ضمن إطار مبادرة الحزام والطريق، ومن خلال قاعدتها العسكرية، الحديثة نسبيًا (منذ عام 2017)، في جيبوتي، لكنها في الوقت نفسه تتفادى الصدام المباشر مع الولايات المتحدة، وتفضّ ل التعامل مع الأمن في المنطقة بوصفه شكلًامن أشكال المشاعات، التي تتوافر بفضل الدور الأميركي المهيمن، متجنبةً بذلك تحمّل تكلفة الهيمنة البحرية بنفسها3. وهكذا، تتحول منطقة البحر الأحمر إلى فضاء لتنافس غير تقليدي بين قوة بحرية مهيمنة وقوة صاعدة تسعى للمحافظة على مصالحها ضمن حدود براغماتية حذرة. من ناحية أخرى، تتصور الدراسة المضائق البحرية الحيوية، ولا سيما باب المندب، بوصفها مناطق عالية الهشاشة والانكشاف Vulnerability أمام التهديدات الأمنية غير التقليدية، خاصة تلك التي يشكّلها فاعلون من غير الدول، يمتلكون قدرة غير متناسبة مقارنة بالقوى الكبرى الفاعلة في الفضاء الجيوسياسي، لكنهم مع ذلك قادرون على تعطيل الملاحة وإرباك سلاسل الإمداد العالمية. ويبرز هنا مفهوم نقاط الاختناق البحرية  Maritime Chokepoints 4 بوصفه أيضًا مدخلًامهمًالفهم درجة الانكشاف الأمني الذي يميز المضائق، خاصة مضيق باب المندب.

أولًا: الأهمية الجيوسياسية لمضيق باب المندب

يمثل البحر الأحمر، ومعه مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم، نظرًا إلى موقعه الجيوسياسي المتميز؛ إذ يَُعَدّ المضيق البوابة الجنوبية للبحر الأحمر، وهو يربط المحيط الهندي بالبحر الأبيض المتوسط عبر قناة السويس، ويشكّل بذلك حلقة وصل مركزية في شبكة التجارة الدولية ومنظومة أمن الطاقة العالمية5. وقد عُدّ، عبر التاريخ، مج لًا لتنافس القوى الكبرى والإقليمية، وساحة لتدخلات عسكرية متكررة وترتيبات أمنية متغيرة؛ ما يجعله محوريًا في الحسابات الجيوسياسية والاقتصادية. ولا تزداد خطورته بسبب عرضه الضيق فحسب، بل لأنه أحادي المسار أيضًا؛ إذ إن تعطيل الحركة أو إغلاقها كفيل بخلق أزمة عالمية في مجاَل يالطاقة والتجارة. من الناحية الاقتصادية، تشير التقديرات إلى أن قرابة 14 في المئة من حركة الشحن العالمية تمر عبر البحر الأحمر سنويًا6. وبهذا، يُعدّ باب المندب أيضًا ممرًا استراتيجيًا لنقل الطاقة؛ ففي عام 2018، تدفّق

  1. ينظر تحديدًا:
  2. China's Expansion in the Red Sea: Military, Economic, and Digital Influence: By Aparna A Nair," Chennai Centre for China Studies,
  3. نقاط الاختناق البحرية هي ممرات مائية ضيقة تلتقي فيها الطرق البحرية بسبب موقعها الجغرافي. ومن الأمثلة على ذلك مضيق ملقا ومضيق هرمز ومضيق جبل طارق وقناة السويس وقناة بنما. ينظر:  Rockford Weitz, "Strategic Maritime Chokepoints: Global Shipping and Maritime Industry Perspectives," EMC Chair Conference Paper, accessed on 7/8/2025, at: https://tinyurl.com/kpx3svdk 5 بلغ متوسط تدفقات تجارة النفط العالمية عبر مضيق باب المندب قرابة 4 ملايين برميل يوميًا خلال المدة كانون الثاني/ يناير-آب/ أغسطس 2024، مقارنة بمتوسط 8.7 ملايين برميل يوميًا في عام 2023. ينظر: رجب عز الدين، "هبوط تجارة النفط العالمية عبر مضيق باب المندب 50 %. قناة السويس الخاسر الأكبر"، الطاقة، 2024/10/11، شوهد في 2025/8/7، في: https://acr.ps/1L9BP24. وقبل عام 2023، قُِّدِر عدد السفن التي تعبر المضيق بأكثر من 23 ألف ناقلة سنويًا، أو تقريبًا ما يعادل 63 سفينة يوميًا. ينظر: رجب عز الدين، "مضيق باب المندب.. لماذا يتصارعون حوله وما أهميته لتجارة النفط والغاز؟ (تقرير")، الطاقة، 2024/1/23، شوهد في 2025/8/7، في https://acr.ps/1L9BOXc: 6  " The Red Sea Crisis Impacts on Global Shipping and the Case for International Co-operation," Background Paper , The International Transport Forum (2024), p. 5, accessed on 7/8/2025, at: https://acr.ps/1L9BPLS
  4.  Kenneth N. Waltz, Theory of International Politics (Reading, MA: Addison- Wesley, 1979); John J. Mearsheimer, The Tragedy of Great Power Politics (New York: W. W. Norton, 2001); نظرية السياسة الدولية وينظر: كينيث والتز،، ترجمة سيد أحمد قوجيلي (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، [قيد النشر)]؛ جون ميرشايمر، مأساة سياسة القوى العظمى، ترجمة مصطفى محمد قاسم (الرياض: النشر العلمي والمطابع،.)2012
  5. 11/10/2025, accessed on 31/10/2025, at: https://acr.ps/1L9BPtp; "China in the Red Sea Arena," in: China's Impact on Conflict Dynamics in the Red Sea Arena (Washington, DC: US Institute of Peace, 2020).

عبره ما يقارب 6.2 ملايين برميل يوميًا من النفط الخام والمكثفات والمنتجات البترولية في اتجاه أوروبا والولايات المتحدة وآسيا، مقارنة ب 5.1 ملايين برميل يوميًا في عام 2014. وبذلك شكّل النفط العابر خلاله نحو 9 في المئة من إجمالي تجارة النفط المنقولة بحرًا في عام 2017، حيث اتجه نحو 3.6 ملايين برميل يوميًا شمالًاإلى أوروبا، ونحو 2.6 مليون برميل يوميًا جنوبًا إلى الأسواق الآسيوية الرئيسة مثل الصين والهند وسنغافورة7. ومن الناحية الجيوسياسية، يعدّ المضيق، خاصة خلال السنوات الأخيرة، مج لًالتشابك مصالح إقليمية ودولية عديدة؛ فقد ارتبط بالتحولات الإقليمية الكبرى التي شهدتها المنطقة، خاصة اتفاق السلام بين إثيوبيا وإرتيريا 2000()، والتوترات بين مصر وإثيوبيا بشأن سد النهضة -2011()، والحرب الأهلية الثالثة في السودان -2023()، فضلًاعن التوترات السعودية – الإماراتية في اليمن (خاصة منذ عام 2016 8؛ وكلها عوامل زادت من حدة التنافس الإقليمي في منطقة البحر الأحمر. وإضافة إلى ذلك، انخرطت قوى إقليمية بعيدة أخرى، مثل تركيا وإسرائيل، إلى جانب المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، في سباق من أجل النفوذ في منطقة القرن الأفريقي، التي تُعدّ امتدادًا جيوسياسيًا للمضيق. ولا تقل أهمية المضيق العسكرية عن أهميته الاقتصادية؛ إذ إن تعطيله يؤدي حتمًاإلى إصابة إمدادات النفط والغاز إلى أوروبا بالشلل، سواء عبر قناة السويس أو عبر خط أنابيب سوميد، ومن ثم إجبار الناقلات على الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، ما يضاعف تكاليف الرحلات البحرية ومدتها. وهذا ما أدّى إلى استعار سباق إقليمي ودولي لتعزيز الوجود العسكري في المنطقة؛ إذ تستضيف جيبوتي، على سبيل المثال، عددًا من القواعد العسكرية القارة، سواء التابعة للولايات المتحدة أو فرنسا أو الصين أو اليابان أو إيطاليا أو إسبانيا، إضافةً إلى القاعدة السعودية، في حين اتجهت الإمارات إلى إنشاء قواعد في بربرة في الصومال وعصب في إرتيريا، أما تركيا فأنشأت أكبر قاعدة عسكرية لها خارج حدودها في الصومال عام 2017، وتمتلك إسرائيل مواقع عسكرية على جزر إرتيرية، إلى جانب قاعدة مصرية استراتيجية في برنيس منذ عام 2020 9. ومن الناحية التاريخية، شكّل المضيق فضاءً رئيسًا للصراعات الجيوسياسية الدولية، وذلك بسبب موقعه الاستراتيجي على مفترق طرق التجارة والطاقة العالمية؛ ففي حرب تشرين الأول/ أكتوبر 1973، أقدمت مصر واليمن على إغلاقه أمام الملاحة الإسرائيلية، وكان ذلك قرينة دالّة على أن المضيق يمكن أن يُستخدم أداةًاستراتيجية في إدارة الصراعات الإقليمية. وتعززت أهميته عقب هجمات 11 أيلول/ سبتمبر 2001؛ إذ باتت الولايات المتحدة تدرجه ضمن أولويات الأمن القومي الأميركي في إطار الحرب العالمية على الإرهاب؛ فعززت وجودها العسكري في جيبوتي عام 2002 لتأمين الملاحة ضد الإرهاب والقرصنة وحماية مصالحها التجارية والطاقية (من خلال إنشاء أكبر قاعدة عسكرية لها في أفريقيا، هي معسكر ليمونييه Lemonnier Camp.) وفي الفترة 2008 - 2017، تعاظمت طبيعة المضيق الأمنية، فتحوّل من مجال نفوذ أميركي إلى فضاء لتنافس متعدد الأطراف، فأنشأت أربع دول أخرى قواعد عسكرية دائمة لها في جيبوتي (إسبانيا واليابان وإيطاليا والصين.) وجاء ذلك بالتوازي مع تصاعد عمليات القرصنة في خليج عدن ومضيق باب المندب10. وعلاوة على ذلك، يمثّل المضيق عقدة مركزية في شبكة "طريق الحرير البحري" ضمن مبادرة الحزام والطريق، التي أطلقتها الصين في عام 2013؛ فهو نقطة وصل حيوية بين المحيط الهندي والبحر الأبيض المتوسط. وقد دفعت هذه الأهمية الصين إلى تبنّي استراتيجية ذات بعدين: الاستثمار الاقتصادي في مشاريع الموانئ والبنى التحتية في المنطقة (أساسًا في جيبوتي وبورتسودان، وفي نقاط متفرقة في الخليج العربي والبحر الأبيض المتوسط)؛ والتموضع العسكري والأمني من خلال إنشاء أول قاعدة عسكرية لها خارج حدودها في جيبوتي عام 2017، على مسافة كيلومترات من قاعدة معسكر لومونييه الأميركية، وذلك لحماية مصالحها التجارية وتأمين سلاسل الإمداد المرتبطة بها. وهكذا، تحوّل المضيق إلى حلقة محورية مما بات يُعرف باستراتيجية سلسلة اللآلئ الصينية  String of Pearls 11، التي تشير إلى شبكة المرافق العسكرية والتجارية الصينية التي طورتها الصين في الدول الواقعة على المحيط الهندي بين البر الرئيس الصيني وبورتسودان.

  1. The Bab el-Mandeb Strait is a Strategic Route for Oil and Natural Gas Shipments," U.S. Energy Information Administration (EIA), 27/8/2019, accessed on 7/10/2025, at: https://acr.ps/1L9BPOL
  2. إبراهيم جلال، "الخلافات السعودية الإماراتية تضع حضرموت على مفترق طرق"، مقال، مركز مالكوم كير -كارنيغي للشرق الأوسط، 2025/4/11، شوهد في 2025/8/7، في: https://acr.ps/1L9BPL2
  3. أميرة محمد عبد الحليم، "القواعد العسكرية في البحر الأحمر... تغير موازين القوى"، مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، 2024/7/24، شوهد في 2025/8/7، في: https://acr.ps/1L9BPkt؛ جمهورية مصر العربية، رئاسة الجمهورية، "إنشاء قاعدة برنيس العسكرية"، شوهد في 2025/8/7، في: https://acr.ps/1L9BPpT
  4. Chris Rahman & Martin Tsamenyi, "A Strategic Perspective on Security and Naval Issues in the Red Sea and Gulf of Aden," Ocean Development & International Law , vol. 41, no. 4 (2010), pp. 316 - 333.
  5. Virginia Marantidou, "Revisiting China's 'String of Pearls' Strategy: Places 'with Chinese Characteristics' and their Security Implications," Issues & Insights , vol. 14, no. 7 (June 2014); Junaid Ashraf, "String of Pearls and China's Emerging Strategic Culture," Strategic Studies , vol. 37, no. 4 (2017), pp. 166 - 181. المصدر: من إعداد الباحث.

جدول توزيع القواعد العسكرية الأجنبية في محيط مضيق باب المندب

الدولة المستضيفةعدد القواعدنوعهاالدول المالكة
جيبوتي6 قواعدعسكريةالولايات المتحدة، وألمانيا، والصين، واليابان، وإيطاليا، وإسبانيا
3 قواعد تشمل قاعدة بحرية ومطارانبحرية/ جويةفرنسا
قاعدةعسكريةالسعودية
الصومالقاعدة في بوساسو
قاعدة في مدينة بربرة
عسكريةالإمارات
قاعدة في مقديشوعسكريةتركيا
قاعدة في شبيلي السفليجويةالولايات المتحدة
قاعدة في بيداواعسكريةبريطانيا
إرتيرياقاعدة (موقع غير محدد)عسكريةإسرائيل
قاعدة في مدينة عصب الساحليةعسكريةالإمارات
كينياقاعدة في خليج مانداعسكريةالولايات المتحدة
قاعدة في مدينة نانبوكيعسكريةبريطانيا

ويوفر المضيق فرصًا استراتيجية للحفاظ على المصالح الاقتصادية وتأمين خطوط التجارة الدولية، والبقاء قرب مراكز تصدير الموارد الطاقية، وترسيخ النفوذ السياسي في المنطقة؛ وهو ما يفسر حرص القوى الكبرى على تثبيت قواعد عسكرية لها في الجزر الواقعة في محيطه، وعلى شواطئ الدول المطلة عليه12. ومن ناحية أخرى، يوفر المضيق ميزة نسبية في الدفاع عن البوابة الجنوبية للبحر الأحمر، من نقاط استراتيجية منيعة تقع إما على الشواطئ المرتفعة المحمية طبيعيًا، وإما في جزيرة بريم (الواقعة في مدخل المضيق) التي تعترضه، ومن ثم إمكانية إقامة نقاط الرصد والمراقبة ومحطات االرادار، أو إقامة قواعد عسكرية إجمال13. ويوضح الجدول أعلاه توزيع القواعد العسكرية الأجنبية في محيط مضيق باب المندب بحسب الدول المالكة لها والدول المستضيفة. فضلًاعما سبق، تنتشر قوات بحرية تابعة لدول أخرى قبالة سواحل البحر الأحمر، مثل: القوة البحرية المشتركة "سي تي إف "151 التي أ 2009 Combined Task Force, CTF-151 نشئت في عام تحت مظلة القوات البحرية المشتركة "سي إف إم" Combined Maritime Forces, CMF14 لمكافحة القرصنة وتأمين الملاحة التجارية في خليج عدن وبحر العرب ومضيق باب المندب، والقوة البحرية الأوروبية لمكافحة القرصنة "إيه يو نيفور" European Union Naval Force, EU NAVFOR، التي تشكّلت عام 2008 لمكافحة أعمال القرصنة قبالة سواحل الصومال، إضافة إلى قوات بحرية هندية على مقربة من سواحل الصومال وسيشل وعمان منذ عام 2008، وتعزز حضورها بعد حرب تشرين الأول/ أكتوبر 202315، ما يعكس استراتيجية هندية لأداء دور أوسع في أمن البحر

  1. مضيق باب المندب.. 'باب الدموع' وبوابة البحر الأحمر نحو خليج عدن"، الجزيرة، 2024/4/24، شوهد في 2025/8/9، في https://acr.ps/1L9BPrT: نت
  2. المرجع نفسه.
  3. شراكة بحرية دولية تضم 44 دولة تدعم النظام الدولي القائم على القواعد من خلال تعزيز الأمن والاستقرار عبر ممرات الشحن في العالم.
  4. ما دوافع تنامي دور البحرية الهندية قرب باب المندب؟"، الجزيرة نت، 2024/2/17، شوهد في 2025/8/7، في https://acr.ps/1L9BPVi:

الأحمر والمحيط الهندي. وتشير هذه الأمثلة إلى أن المضيق، والبحر الأحمر الأوسع، تحوّل فعليًا إلى فضاء لتنافس بحري متعدد الأطراف يتجاوز حتى الولايات المتحدة والصين ليصبح ساحة لتقاطعات استراتيجية تشمل قوى أوروبية وآسيوية صاعدة، فضلًاعن انخراط فاعلين إقليميين، وفاعلين من غير الدول (مثل الجماعات المسلحة، ومنظمات الجريمة المنظمة، والشركات الأمنية الخاصة)16.

ثانيًا: حرب غزة وصعود دور حركة الحوثيين الإقليمي

أعادت عملية طوفان الأقصى، وحرب غزة التي تلتها، إلى القضية الفلسطينية مكانتها17 في الوعيين الإقليمي (العربي) والدولي؛ فبرزت مجددًا بوصفها القضية المركزية في وجدان كل العرب والمسلمين، والمجتمع المدني العالمي على نطاق أوسع. وفي السياق العربي، تراجعت قضايا أخرى كانت تُعدّ مركزية، خاصة في عقد ما بعد الربيع العربي. ومع اندلاع الحرب، تلقت حركة المقاومة الإسلامية "حماس" دعمًاوإسنادًا من عدد من الفاعلين الإقليميين المحسوبين على إيران في العراق ولبنان واليمن، وهو ما يعكس تحوّلًا في طبيعة التحالفات السياسية في المنطقة وتجاوزها للانقسامات الهوياتية التقليدية. وكان قد سبق نشوَبَ الحرب تقارٌبٌ إيراني – سعودي لم يكن متصورًا قبل عقد من الزمن، وعاد ما يُعرف ب "محور المقاومة" إلى الواجهة بوصفه عاملًاأيديولوجيًا مؤثرًا، على غرار ما كان عليه مع مطلع الألفية، قبل انحساره مع اندلاع الثورة السورية في عام 2011. وعلى الرغم من محاولات حماس النأي بنفسها عن استقطابات الربيع العربي والثورة السورية، فإن حرب غزة دفعتها إلى أن تصبح مجددًا جزءًا من إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية، ومن إعادة القضية الفلسطينية والصراع العربي – الإسرائيلي إلى واجهة الديناميات الإقليمية في ذي إيكونوميست الشرق الأوسط. وهو ما جعل مجلة تصف عام 2023 بعبارة "العام الذي تغّي رفيه كل شيء (ولم يتغير فيه شيء) في الشرق الأوسط"18. ولعل أحد أبرز تداعيات هذه الحرب، على المستوى الإقليمي، كان الفرصة التي أ تيحت لفاعلين من غير الدول للاضطلاع بأدوار إقليمية، والحديث هنا أساسًا عن حركة أنصار الله، وتوسيع نفوذهم الرمزي والعملياتي على مستوى إقليمي. لذلك، يمكن القول إن عودة القضية الفلسطينية إلى قلب الديناميات الإقليمية لم يرافقها إلقاء الضوء على محور المقاومة أو موجة التطبيع، التي أطلقتها اتفاقيات أبراهام عام 2020، فحسب، بل ساهمت أيضًا في تغيير بنية الأمن الإقليمي على نحو يعكس تزايد تأثير الفاعلين من غير الدول. وقد ظهر ذلك جليًا في انخراط حركة أنصار الله في استهداف الملاحة عبر مضيق باب المندب تحت شعار التضامن مع غزة وإسناد المقاومة الفلسطينية؛ وبرز أيضًا جليًا في تشابك متزايد بين الخطاب الرمزي (عبر توظيف القضية الفلسطينية) والسلوك الاستراتيجي (عبر تعميق تحالفات إقليمية، والسعي لتعزيز الشرعية المحلية.) وقد انخرط حزب الله في لبنان وحركة أنصار الله في اليمن مبكرًا في ديناميات حرب غزة، بدعم متفاوت من إيران. وعلى الرغم من أن إسرائيل تمكنت من تقويض قدرات حزب الله، عبر تدمير بنيته التحتية واغتيال قياداته، خاصة أمينه العام حسن نصر الله، فإنها لم تتمكن من تحقيق ذلك مع حركة أنصار الله. وقد تصدّت الولايات المتحدة وحلفاؤها لهذه المهمة19، لكنّ الهجمات الأميركية لم تؤِتِ أكلها20، ما يُبقي الدوَر،َ الذي تسعى حركة أنصار الله للقيام به إقليميًا، قائمًا، خاصة بعد أن تبدّت فاعلية قصف السفن واحتجازها. ثمة من يحاجّ بأن تدخّل الحوثيين في الصراع، في أعقاب نشوب حرب غزة، لم يكن بدافع "نصرة الفلسطينيين"، كما يشدّد عليه خطابهم، بقدر ما يمثل محاولة لتوظيف هذا الخطاب من أجل تعزيز شرعيتهم المحلية وترسيخ سيطرتهم الهشة في اليمن؛ أي إن سلوك حركة أنصار الله لم يكن سوى استغلال براغماتي "عقلاني" للحظة إقليمية استثنائية. فاليمن يمرّ بمرحلة "لا حرب ولا سلام"، بعد هدنة خفّفت حدة القتال وفتحت المجال لمحادثات سياسية غير مريحة للحوثيين، الذين اعتادوا الحكم في زمن الحرب21 ولم يتمكنوا من إحكام سيطرتهم على الموارد، المادية والرمزية. وعلى هذا النحو،

  1. ينظر: Dirk Siebels, "Non-State Actors, Piracy and Threats to Global Shipping," in: Julian Pawlak & Johannes Peters (eds.), From the North Atlantic to the South China Sea (Kiel: The Institute for Security Policy at Kiel University, 2021).
  2. Brendan Ciarán Browne, Elian Weizman & Jennifer Matchain, "Unpacking the Crackdown on Palestine Solidarity Activism in the UK in a Post-7 October Reality," Third World Quarterly (2025).
  3. The Year Everything (and Nothing) Changed in the Middle East," The Economist , 29/12/2023.
  4. الضربات الجوية الأميركية على الحوثيين: الخلفيات والحسابات والهواجس"، تقدير موقف، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2025/3/27، شوهد في 2025/8/8، في: https://acr.ps/1L9BPiS
  5. April Longley Alley, "How the Houthis Outlasted America Washington Needed an Off-Ramp, but the Group Can Still Imperil the Global Economy," Foreign Affairs , 9/5/2025, accessed on 8/8/2025, at: https://acr.ps/1L9BP1Y
  6. ينظر:  Stacey Philbrick Yadav, "Consolidation Through Crackdown: Understanding Houthi Rule in Yemen," Crown Center & Brandeis University, October 2024.

"لا يخلو انخراط الحوثيين في حرب غزّة من أهداف سياسية، بعضها متصل بعملية السلام المتعّثةر، وبعضها مرتبط بتصاعد التذمّر الشعبي من الوضع الاقتصادي المتدهور. فقد أخفقت حكومة الحوثيين، غير المعترف بها، في مواصلة دفع رواتب موظفي القطاع العام منذ أواخر عام 2016، بعد إصدار الحكومة اليمنية قرارًا بنقل البنك المركزي من صنعاء إلى عدن"22. وبناء عليه، شكّل استهداف السفن في البحر الأحمر، وعبر مضيق باب المندب، أداة بديلة للحوثيين لإعادة إنتاج شرعيتهم عبر توظيف رمزية القضية الفلسطينية. "وقد لقي موقف الحوثيين تجاه غزّة قبولًاشعبيًا كبيرًا، في ظل ضعف موقف الحكومة اليمنية محليًا وخارجيًا[...]وظهر الحوثيون، في هذا السياق، كأنهم الفاعل الرسمي في اليمن، إذ حققوا من خلال هذا الموقف شعارهم المعادي لأميركا وإسرائيل. وقد تحوّل كثيرون من مناوئيهم، من سياسيين وإعلاميين، إلى مناصرين لهم"23. من ناحية أخرى، يمكن القول إن انخراط الحوثيين في الحرب ساهم في توسيع جغرافيا الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي وجعله يتجاوز حدوده الترابية التقليدية (في إطار حلقات المواجهة التقليدية بين قوات الاحتلال الإسرائيلي وفصائل المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة)، ليشمل أحيازًا جيوسياسية خارج الأراضي المحتلة وبعيدة عنها (مثل البحر الأحمر.) وقاد هذا التمدد إلى تحويل الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي إلى قضية أمن دولي تتعلق بأمن حركة التجارة العالمية. وفي ظل تقاعس الولايات المتحدة في تنفيذ وعودها المتكررة بفرض حل الدولتين ودعم إقامة دولة فلسطينية مستقلة، ووقف خطط إسرائيل الاستيطانية التوسعية24، تمخضت حرب غزة عن إعادة فرض القضية الفلسطينية مجددًا في صلب التصورات الدولية بشأن مستقبل المنطقة، مع فرض حقائق جديدة مفادها، على سبيل المثال، أن غياب حل عادل للقضية الفلسطينية يهدد بتدويل الصراع بطرائق غير تقليدية25، ليس أقلها ما تمكّن الحوثيون من القيام به في منطقة البحر الأحمر.

ثالثًا: حركة الحوثيين في مضيق باب المندب بوصفها مصدر تهديد لمصالح القوى الكبرى

دفعت هجمات الحوثيين في البحر الأحمر العديد من شركات الشحن إلى إعادة توجيه سفنها عبر مسالك أطول حول رأس الرجاء الصالح، من أجل تفادي المخاطر الأمنية المتنامية في مضيق باب المندب. وهو ما خلّف آثارًا سلبية واسعة في النقل البحري العالمي؛ إذ لم تكن الموانئ الواقعة على هذا المسار البديل مهَّيَأة للتعامل مع الازدحام الطارئ في حركة السفن، ما أدى إلى اضطرابات في عمليات التزود بالوقود والمؤن والصيانة، فضلًاعن زيادة فترات الانتظار وتأخر عمليات التسليم. وفاقم طول المسالك البديلة وتعقيد الإجراءات البيروقراطية في بعض الموانئ، خاصة الأفريقية، مشكلة الضغوط التشغيلية على شركات الشحن. ونتيجةً لذلك، عانت شركات الشحن والصناعات اللوجستية المرتبطة بها خسائر مالية هائلة، وانعكست هذه الأزمة على التجارة البحرية العالمية عمومًا، مؤكدةً هشاشة سلاسل الإمداد أمام التهديدات الأمنية غير التقليدية، لا سيما تلك الصادرة من فاعلين من غير الدول يوظفون قدرتهم على استهداف حركة الملاحة الدولية للحصول على مكاسب سياسية محلية، وجيوسياسية إقليمية. ولا يتوقف أثر هجمات الحوثيين في حركة التجارة العالمية عبر مضيق باب المندب، بل يمتد إلى قناة السويس الاستراتيجية، التي شهدت إيراداتها انخفاضًا بنسبة 23 في المئة (من 9.4 مليارات في عام /2022 2023 إلى 7.2 مليارات دولار أميركي في عام /2023 2024، وذلك نتيجة لتعطّل الملاحة بسبب تلك الاضطرابات الأمنية في المضيق26. وأبعد من ذلك، لم يكن مضيق هرمز، وهو أهم ممر للنفط في العالم ونقطة اختناق بين الخليج العربي وخليج عمُان، بمنأى عن آثار هجمات الحوثيين في البحر الأحمر؛ إذ انخفضت حركة المرور البحري هناك بنسبة 15 في المئة27. ويعني هذا أن الهجمات لا تؤثر في حركة التجارة الدولية فحسب، بل تؤثر أيضًا في اقتصادات قوى

  1. Nandini Nandini et al., "The Red Sea Crisis: Implications of The Houthi Attack on Maritime Trade and Global Security," International Journal of Humanities Education and Social Science , vol. 4, no. 1 (2024), pp. 2 - 3.
  2. Ibid.
  3. ينظر:  Nathan Thrall, The Only Language They Understand: Forcing Compromise in Israel and Palestine (New York: Metropolitan Books, 2017).
  4. Julien Barnes-Dacey, Cinzia Bianco & Hugh Lovatt, "The Gaza Crisis:
  5. Suez Canal Revenue Dropped $2B Last Year Due to Red Sea Security Crisis," The Maritime Executive , 18/7/2024, accessed on 7/8/2025, at: https://acr.ps/1L9BP6a; Rosaleen Carroll, "Houthi Attacks on Red Sea Shipping Wipe $2B off Suez Canal Annual Revenue," Al Monitor , 18/7/2024, accessed on 10/10/2025, at: https://acr.ps/1L9BOTI 27 " The Deepening Red Sea Shipping Crisis: Impacts and Outlook," The World Bank, February 2025, p. 1, accessed on 31/10/2025, at: https://acr.ps/1L9BPTq
  6. Mapping the Middle East's Shifting Battle Lines," Policy Brief , European Council on Foreign Relations, 25/9/2024, accessed on 8/8/2025, at: https://acr.ps/1L9BOUl

دولية (مثل الصين والولايات المتحدة28 وروسيا والهند29) وإقليمية (مثل مصر والسعودية وإيران، وإسرائيل بطبيعة الحال.) تكتسي منطقة البحر الأحمر بالنسبة إلى الولايات المتحدة أهمية استراتيجية متعدّدة الأبعاد، يمكن تلخيصها في ثلاث نقاط رئيسة مترابطة، هي: أولًا، تأمين إمدادات الطاقة وحركة التجارة العالمية؛ إذ تتعامل الولايات المتحدة مع البحر الأحمر بوصفه فضاءً يجب أن يكون آمنًا لمرور إمدادات الطاقة، وهو ما يحقق أمن الطاقة العالمي، فهو الممر البحري الذي يربط بين مضيق باب المندب شمالًاوقناة السويس وخطوط الأنابيب الإقليمية. وتشمل المصالح الأميركية في هذا السياق: ضمان العبور الآمن لناقلات النفط والغاز من الخليج العربي عبر باب المندب ثم قناة السويس إلى أوروبا والولايات المتحدة؛ وحماية بنى الطاقة التحتية الحيوية، مثل خطوط الأنابيب الممتدة من شرق الجزيرة العربية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، والتي يمكن استخدامها مسارًا بديلًامن مضيق هرمز، التي تسيطر عليها إيران؛ والمحافظة على سلاسة الملاحة عبر قناة السويس بوصفها ممرًا حيويًا للتجارة العالمية وللإمداد العسكري واللوجستي للقوات الأميركية المنتشرة في أوروبا وآسيا. وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى هذه المصالح على أنها تندرج ضمن ما يسمّيه باري بوزن "التحكم في المشاعات" بوصفه أحد أسس الهيمنة الأميركية العالمية وأدواتها في الوقت نفسه، بمعنى حيازة القدرة على تأمين الممرات البحرية الحيوية ومنع المنافسين والخصوم من تعطيلها30. ثانيًا، حماية الملاحة الإسرائيلية والمرتبطة بإسرائيل وضمان تفوّقها الاستراتيجي في الشرق الأوسط، وُيُعدّ هذا جزءًا من الالتزامات الأميركية غير المعلن عنها تجاه أمن إسرائيل31. واللافت للانتباه في هذا السياق أن الولايات المتحدة لم تصدّق على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 32، ويبدو أن أحد المسوغات الرئيسة هو رغبتها في عدم إخضاع حركة قواتها البحرية في البحار والمضائق الدولية لأيّ قيود؛ وهو ما يسمح لها بحرية استخدام البحر الأحمر وشرق البحر الأبيض المتوسط لدعم إسرائيل إذا اقتضت الحاجة ذلك، وهذا ما يبيّنه بوضوح الدور الأميركي في إسناد قوات الاحتلال الإسرائيلي خلال حرب غزة. وهكذا، يتحول أمن الملاحة الإسرائيلية في البحر الأحمر، في الاستراتيجية الأميركية، إلى جزء لا يتجزأ من أمن الملاحة الأميركية والدولية على حد سواء. ثالثًا، مكافحة الإرهاب والقرصنة في خليج عدن ومضيق باب المندب؛ إذ أصبحت المنطقة جزءًا رئيسًا من الحرب على الإرهاب والاستراتيجية الأميركية لأمن الممرات البحرية. ويتجلى ذلك من خلال زيادة الوجود العسكري في المنطقة وتعزيزه، بحسب ما بيّناه سابقًا. ولا بد من أن تستخدم الولايات المتحدة خطاب مكافحة الإرهاب لتسويغ وجودها العسكري البحري المتزايد في البحر الأحمر، والمحافظة على أفضلية نسبية في مواجهة القوى الإقليمية والدولية الموجودة في المنطقة، خاصة الصين التي باتت لديها قاعدة عسكرية في جيبوتي منذ عام.2017 ولا تقتصر المنافسة التي تواجه الولايات المتحدة في المنطقة على الصين، بل تشمل أيضًا روسيا، التي أعادت ترميم حضورها في القارة الأفريقية، لا سيما منطقة القرن الأفريقي، عبر توسيع نفوذها السياسي والعسكري هناك، من خلال عقود التسليح والتدريب واتفاقيات بناء قواعد عسكرية (إثيوبيا ونيجيريا ومدغشقر)، إضافة إلى الدور الذي تؤديه قوات فاغنر في أفريقيا الوسطى وليبيا والسودان ومالي. وتنظر روسيا إلى البحر الأحمر بوصفه بوابة إلى المحيط الهندي، ومنطقة المحيط الهندي – الهادي الأوسع. وعلى الرغم من أن صادراتها النفطية لا تمر عبر باب المندب، فإن استقرار الملاحة فيه يُعدّ ضروريًا لأسواق الطاقة العالمية، ومن ثمّ للمصالح الاقتصادية الروسية على المدى الطويل33.

  1. تشير تقديرات، مثلًا، إلى أن أسعار الشحن بين الصين والولايات المتحدة ارتفعت بنسبة 500 في المئة على أساس سنوي، لتصل إلى مستوياٍتٍ يمكن مقارنتها بما بلغته أواخر سنوات جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19-:)، ينظر " Suez Canal Revenue Dropped $2B Last Year Due to Red Sea Security Crisis."
  2. لا تركز هذه الدراسة على الهند؛ وللاستفاضة حول أثر الاضطرابات الأمنية في البحر الأحمر في اقتصاد الهند، ينظر: " Impact on India's Trade Due to Red Sea Disruptions," Research and Information System for Developing Countries (2024), accessed on 8/8/2025, at: https://acr.ps/1L9BP2L; " Red Sea Crisis Threatens India's Exports," Research and Information System for Developing Countries (2024), accessed on 8/8/2025, at: https://acr.ps/1L9BPfj
  3. Barry R. Posen, "Command of the Commons: The Military Foundation of U.S. Hegemony," International Security , vol. 28, no. 1 (2003), pp. 5 - 46.
  4. ينظر على سبيل المثال:  William B. Quandt, Camp David: Peacemaking and Politics (Washington, DC: The Brookings Institution, 1986).
  5. John A. Duff, "The United States and the Law of the Sea Convention: Sliding Back from Accession and Ratification,"  Ocean & Coastal Law Journal , vol. 11, no. 1 - 2 (2005-2006).
  6. حول المصالح الروسية في منطقة البحر الأحمر ومحيطها، ينظر:  Francesco Generoso, "Russian interests in the Horn of Africa: A Red Sea foothold?"  South African Journal of International Affairs , vol. 29, no. 4 (2022), pp. 549-570; Samuel Ramani, "Russia's Growing Ambitions in the Red Sea Region," Policy Brief , Royal United Services Institute for Defence and Security Studies (September 2021), accessed on 8/8/2025, at: https://acr.ps/1L9BPJO

أما بالنسبة إلى الصين، فتنبع أهمية البحر الأحمر من أنه حلقة محورية ضمن طريق الحرير البحري في إطار مبادرة الحزام والطريق34. ويشمل هذا الطريق شبكة كبيرة ومعقدة من البنى التحتية الحيوية، مثل خطوط الشحن والموانئ، خاصة في المناطق القريبة من المضائق البحرية الاستراتيجية، لا سيما مضيق باب المندب. وبناء عليه، تكمن مصالح الصين في البحر الأحمر في تأمين خطوط التجارة وحماية واردات الطاقة، وهو ما يدفعها إلى الانخراط في عمليات مكافحة القرصنة الدولية، خاصة منذ عام 2008، حيث شرعت في إرسال أساطيل دورية إلى خليج عدن ومضيق باب المندب تحت مظلة قرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة الخاصة بمكافحة القرصنة في المنطقة. وكان هذا أوسع انتشار بحري للصين خارج المحيط الهادي. وقد وفّر لها هذا الانخراط خبرة عملياتية وفرصة استراتيجية لربطه على نحو مباشر بأهداف مبادرتها الاقتصادية، ومهّد لإنشائها قاعدة في جيبوتي في عام 2017. وهكذا، تطورت الاستراتيجية الصينية من الانخراط الأمني المحدود إلى حضور استراتيجي دائم في البحر الأحمر. لقد دفعت مبادرة الحزام والطريق اهتمام الصين بمنطقة البحر الأحمر نحو التحول من البعد الاقتصادي – التجاري إلى بعد أمني – استراتيجي. فأنشأت أول قاعدة عسكرية خارج حدودها في جيبوتي، عام 2017، وهي جزء من اتفاقية تعاون دفاعي، الغرض منه تأمين خطوط الملاحة، وتزويد قواتها البحرية العاملة في مهمات مكافحة القرصنة بالدعم اللوجستي، إضافة، بطبيعة الحال، إلى تأمين مصالحها المتنامية في القارة الأفريقية35. وتستثمر الصين بسخاء في البنى التحتية الخاصة بالنقل الإقليمي في المنطقة، مثل خط السكك الحديدية الرابط بين جيبوتي وأديس أبابا36، وخطوط النقل التي تربط إثيوبيا (وهي من الاقتصادات الكبرى غير الساحلية في أفريقيا) بالموانئ البحرية37، وهو ما يساهم في تعزيز تدفق التجارة الصينية في المنطقة. وإلى جانب ذلك، تساهم الصين في بناء مشاريع طاقية في نقاط مختلفة عبر القارة38، أبرزها محطة غاريسا للطاقة الكهروضوئية في كينيا بقدرة 50 ميغاواط، وهي أكبر محطة للطاقة الشمسية في القرن الأفريقي39. تزاوج الصين، في وجودها المتنامي في منطقة البحر الأحمر، بين أدوات القوة الاقتصادية والرمزية والعسكرية. فالمنطقة ليست ممرًا للتجارة البحرية، فحسب، بل هي محور من بين عدة محاور، وعقدة من بين عدة عقد، في شبكة نفوذها المتعاظم، الممتد من شرق آسيا، مرورًا بأفريقيا، ووصولًاإلى أوروبا. وبقدر ما تعتبر الصين المنطقة فضاءً للتنافس والصراع العالمي على النفوذ مع الولايات المتحدة، تثير استراتيجيتها المعقدة مخاوف الأخيرة التي تواجه تحدي المحافظة على هيمنتها على النظام الدولي.

رابعًا: حركة الحوثيين وإحياء التنافس الأميركي - الصيني في منطقة البحر الأحمر

بدأت الولايات المتحدة تولي منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر أهميةً جيوستراتيجية جادة في أعقاب حرب الخليج الثانية؛ مع إدراج مبدأ الربط بين الأمن القومي الأميركي وأمن الطاقة ضمن العقيدة الاستراتيجية الأميركية، أو ما يسميه بوزن مبدأ "التحكم في المشاعات"، الذي أشرنا إليه آنفًا، بوصفه أساسًا من أسس الهيمنة الأميركية. ولا بد من أن أحد دوافع هذا الاهتمام هو الفراغ الأمني الذي نتج من انهيار نفوذ القوى الاستعمارية الأوروبية التقليدية في القرن

  1. حكمات العبد الرحمن، الصين والشرق الأوسط: دراسة تاريخية في تطور موقف الصين تجاه قضايا المنطقة العربية بعد الحرب الباردة (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2020)؛ عماد قدورة، "موقع دول الخليج العربية في مبادرة سياسات عربية الحزام والطريق الصينية"،، العدد  63 (تموز/ يوليو 2023)؛ محمد مطاوع، "طريق الحرير الجديد في الاستراتيجية الصينية: الأهداف الكبرى، والوزن الاستراتيجي، سياسات عربية والتحديات"،، العدد  46 (أيلول/ سبتمبر.)2020
  2. للاطلاع أكثر حول القاعدة الصينية في جيبوتي والمصالح الصينية الأوسع في أفريقيا، ينظر:  Erica Downs, Jeffrey Becker & Patrick deGategno, "China's Military Support Facility in Djibouti: The Economic and Security Dimensions of China's First Overseas Base," CAN (July 2017), accessed on 8/8/2025, at: https://acr.ps/1L9BPuO; Yunnan Chen, "Railpolitik: Ethiopia's Rail Ambitions and Chinese Development Finance," Policy Brief , no. 52, China Africa Research Initiative (CARI), School of Advanced International Studies (SAIS), Johns Hopkins University, Washington, DC (2021), accessed on
  3. Enhancing Connectivity in East Africa: The Addis Ababa- Djibouti Railway," China Today , 28/2/2017, accessed on 7/8/2025, at: https://acr.ps/1L9BPu9
  4. Yunnan Chen, "China's Role in Nigerian Railway Development and Implications for Security and Development," The United States Institute of Peace, 2018 accessed on 10/10/2025, at: https://acr.ps/1L9BPqR
  5. Frangton Chiyemura, "Powering Africa: China's Expanding Role in the Continent's Energy Future," Report , no. 6, The China-Global South Project (2025), accessed on 10/10/2025, at: https://acr.ps/1L9BOXK 39  Elena Kiryakova et al., "China's Evolving Role in Africa's Energy Transition: Overseas Trade and Investment in Kenya, Mozambique and South Africa," Report , ODI Global (April 2025), accessed on 8/8/2025, at: https://acr.ps/1L9BPmW
  6. 8/8/2025, at: https://acr.ps/1L9BP5k; Marcus Vinícius De Freitas, "Chinese Energy Security: Africa's Opportunity for A New Development Boost," Policy Paper , no. 27/25, Policy Center for the Bew South (August 2025), accessed on 8/8/2025, at: https://acr.ps/1L9BPa9

الأفريقي منذ نهايات القرن العشرين (فرنسا وبريطانيا وإيطاليا)40، في الوقت الذي بدأت فيه الصين في التغلغل الاقتصادي والسياسي في أفريقيا. ولا شك في أن العامل الصيني شكّل دافعًا إضافيًا لدى الولايات المتحدة لتعزيز وجودها العسكري عبر إنشاء قاعدة كامب لومونييه في جيبوتي، وتوسيع التعاون الأمني والاستخباري مع دول أخرى رئيسة في المنطقة، مثل الصومال وإثيوبيا وكينيا41. أما الصين، التي تعود جذور علاقتها بمنطقة البحر الأحمر إلى طريق الحرير البحري القديم، فإنّ التحوّل في اهتمامها بها لم يبدأ إلا مع صعودها الاقتصادي منذ مطلع الألفية الجديدة؛ إذ أدى اتساع اعتمادها على واردات الطاقة (جزء مهمّ من نفط الخليج المتجه إلى آسيا يمر عبر مضيق باب المندب) إلى تحوّل أمن الملاحة في البحر الأحمر إلى جزء رئيس من استراتيجيتها البحرية. وتعزّز هذا الاهتمام أكثر فأكثر مع إطلاق مبادرة الحزام والطريق، التي صنّفت البحر الأحمر عقدة لوجستية حيوية في مسار المبادرة البحري، وهو ما أسهم في توسّع الاستثمارات الصينية في موانئ جيبوتي ومصر والسودان. وبناء عليه، تسعى استراتيجية الصين في المنطقة لبناء نفوذ معقّد ومتشابك الأدوات يقوم على القوة الناعمة42، وتوظيف مشاريع البنية التحتية ضمن مبادرة الحزام والطريق بوصفها مدخلًالتعزيز شبكة العلاقات الشخصية والوظيفية مع النخب السياسية والاقتصادية الأفريقية، وهو ما من شأنه أن يضمن لها نفوذًا مستدامًا ومنخفض التكلفة السياسية والأمنية ويجنبها المواجهة المباشرة مع منافسيها، خاصة الولايات المتحدة. وفي مقابل ذلك، تتبنى الأخيرة مقاربة أمنية، تكاد تكون محضة، تركّز على مكافحة الإرهاب والقرصنة والجريمة المنظمة، وتطوير قدرات الجيوش وأجهزة الأمن المحلية؛ ما يجعل رؤيتها لأفريقيا بوصفها مصدرًا لتهديدات أمنية غير تقليدية تتفوق على رؤيتها بوصفها فرصة استراتيجية مثلما تفعل الصين. ومن ثم، يمكن القول إن جاذبية النموذج الصيني في أفريقيا43 تنبع أساسًا من قدرته على "المحافظة على خصائص هوياتية مختلفة عن نموذج الغرب المهيمن، سواء في نموذج التنمية الاقتصادية، أو في نموذج الحكم، أو في نمط الانخراط في النظام الدولي القائم"44. وتستند جاذبيته أيضًا إلى خطاب السيادة وعدم التدخل في شؤون الدول الداخلية (السياسية والسياساتية.) ومن الطبيعي أن يجد هذا النموذج صدى لدى العديد من الحكومات الأفريقية التي عانت طويلًا، ولا تزال تعاني، تبعات المشروطية السياسية للمساعدات والاستثمارات الغربية. لذلك، يمكن القول إن التنافس الصيني – الأميركي في أفريقيا، ومن ثم في منطقة البحر الأحمر، هو تنافس بين نموذجين اقتصاديين، فضلًاعن أنه تنافس بين مقاربتين متباينتين للنفوذ: الصين عبر المساهمة في التنمية وتشييد البنى التحتية وعدم التدخل، والولايات المتحدة عبر فرض الأمن والردع والتدخل (المباشر وغير المباشر.) لكن استراتيجية الصين لا تتوقف عند ذلك، فقد تحولت حديثًا نحو السعي لأداء دوٍرٍ دبلوماسي في إدارة الأزمات الإقليمية في منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي، ويتضح ذلك في أزمة سد النهضة بين إثيوبيا ومصر والسودان45؛ إذ تسعى، بوصفها المستثمر الأكبر في البنى التحتية الإثيوبية، وممولًارئيسًا لمشاريع الطاقة والنقل في المنطقة عمومًا، إلى تقديم نفسها وسيطًا مقبولًاوضامنًا لعمليات الربط الإقليمي بين اقتصادات المنطقة، ما يعزز بيئةً أشد استقرارًا لمصالحها التجارية والأمنية. ويطلق البعض على هذا الاتجاه الدبلوماسي لدى الصين "دبلوماسية وآخرون، 46 Infrastructure Diplomacy البنى " التحتية "دبلوماسية السكك الحديدية" Diplomacy Rail 47؛ وهو أداة من أدوات مبادرة الحزام والطريق، التي تُستخدم لبناء نفوذ سياسي في أفريقيا عامة، وفي منطقة البحر الأحمر خاصة. ويمكن تفسير هذا التحول نحو الدبلوماسية بمخاوف الصين من عواقب عدم الاستقرار الذي قد يهدد استثماراتها في الموانئ والمعابر اللوجستية التي تتدفق عبرها وارداتها من الطاقة وصادراتها من التجارة. وسنلاحظ هذا النمط يتكرر في حالة أزمة مضيق باب المندب خلال حرب غزة.

  1. Christopher Clapham, Africa and the International System: The Politics of State Survival (Cambridge: Cambridge University Press, 1996).
  2. Richard McManamon, "'America First' and Implications for US Strategy in the Horn of Africa," Small Wars Journal , 14/12/2020, accessed on 10/10/2025, at: https://acr.ps/1L9BPvw
  3. Li Wei, "The Influence of China's Global Soft Power Strategy on its Relations with African Nations,"  Journal of International Relations , vol. 4, no. 4 (2024), pp. 41 - 51.
  4. McManamon.
  5. محمد حمشي، "صعود الصين من منظور مغاير: نظرية التعقد وأوهام العقلانيين"، مجلة العلوم الإنسانية لجامعة أم البواقي، مج 6، العدد 2 2019()، ص.14
  6. زهيرة بسطاوي، "دور الصين في أزمة سد النهضة: النفوذ الاقتصادي وحدود التأثير مجلة البحوث والدراسات الإفريقية ودول حوض النيل السياسي"،، مج  9، العدد 2)2025(، ص 306 - .324
  7. Laurids S. Lauridsen, "Drivers of China's Regional Infrastructure Diplomacy: The Case of the Sino-Thai Railway Project," Journal of Contemporary Asia , vol. 50, no. 3 (2020), pp. 380 - 406.
  8. Shang-su Wu, "China's Rail Diplomacy in Southeast Asia," The Asia Pacific Journal , vol. 22, no. 9 (2024).

لقد ظل التنافس الأميركي – الصيني في البحر الأحمر تنافسًا منخفض الحدة، إذ اتخذ شكل سباق صامت على النفوذ الاقتصادي واللوجستي، من دون الاندفاع إلى صدامات مباشرة. غير أنّ اندلاع حرب غزة، وما تبعها من انخراط الحوثيين من خلال هجمات ضد الملاحة التجارية في مضيق باب المندب، شكّل نقطة تحوّل مفصلية في ديناميات هذا التنافس. فقد استهدفوا في البداية السفن الإسرائيلية، ثم توسعت الهجمات لتشمل سفنًا مرتبطة بإسرائيل، مستخدمين في ذلك صواريخ مجنحة وباليستية وطائرات مسّيةر، ثم تطورت نوعية الهجمات لتتحول إلى عمليات استيلاء باستخدام الزوارق السريعة. وأثّر ذلك تأثيرًا حادًا في حركة الملاحة العالمية عبر مضيق باب المندب، على نحو ما رأينا سابقًا. وكشف ذلك عن قدرة فاعل من الفاعلين من غير الدول على التأثير المباشر في الاقتصاد العالمي ومصالح القوى الكبرى بعيدًا عن حدود الإقليم الترابي حيث ينشط الفاعل، ما يمنحه القدرة على خلق ديناميات إقليمية طالما كانت حكرًا على القوى الإقليمية الرئيسة. وبذلك، أدت حرب غزة، وما تبعها من تصعيد بحري من الحوثيين، إلى بث الحياة في التنافس الأميركي – الصيني في البحر الأحمر، الذي ظل ساكنًا فترة طويلة، كما سبق أن رأينا. فمن جهة، دفعت هجمات الحوثيين الولايات المتحدة إلى التدخل العسكري من خلال عملية حارس الازدهار، لتأكيد دورها بوصفها ضامنًا للمشاع البحري، ومزودًا بالأمن الطاقي، وحاميًا لخطوط التجارة العالمية عبر الممرات الاستراتيجية. ولم يكن هذا التدخل من دون تكلفة سياسية ورمزية أيضًا؛ إذ إن الفشل في ردع الحوثيين وحماية السفن التجارية ينعكس سلبيًا على صورتها قوةً عالمية/ بحرية مهيمنة؛ ولم يكن أيضًا من دون تكلفة عسكرية، بالنظر إلى غياب التكافؤ Asymmetry بين تكاليف هجمات الحوثيين (المدعومين إيرانيًا) وتكاليف العمليات القتالية التي قادتها الولايات المتحدة وحلفاؤها. وعلى الرغم من ادعاءات الولايات المتحدة المتعلقة بتحقيق عملياتها العسكرية أهدافها في تحييد قدرات الحوثيين على تعطيل حركة الملاحة البحرية عبر مضيق باب المندب، فإن تقارير رجحت الفصل بين دور العمليات الأميركية وتراجع هجمات الحوثيين؛ إذ يمكن تفسير هذا التراجع في الأساس بتحويل مسارات الشحن التجاري حول رأس الرجاء الصالح، ما قلل أصلًاعدد الأهداف المتاحة لدى الحوثيين48. لن نناقش مسألة الجدوى والفاعلية في المقاربة الأمنية/ العسكرية التي تتبناها الولايات المتحدة، والتي تبينت حدودها في سياقات عديدة، لكن من المهم الإشارة إلى أن هذه المقاربة، في سياق التنافس الأميركي – الصيني، تواجه معضلات، ليس أقلها إمكانية أن تكون نتائج العمليات العسكرية ضد الحوثيين عكسية، مثل تجذير موقفهم وسلوكهم الذي تراه الولايات المتحدة مزعزعًا للاستقرار الإقليمي، وقد يؤدي ذلك إلى انهيار مفاوضات السلام اليمنية وتعميق التحالف الإيراني - الحوثي، ما يعني استئناف هجمات الحوثيين ضد أهداف تتبع السعودية والإمارات49، حليَفَي الولايات المتحدة في المنطقة؛ ومن ثم عودة الصراع الإقليمي بين إيران والسعودية إلى مستويات حدّته التي سبقت اتفاق المصالحة الإيرانية – السعودية الذي جرى برعاية صينية في آذار/ مارس 2023 50. وتكمن معضلة المقاربة الأميركية في أن ذلك قد يخدم الولايات المتحدة في سعيها للحدّ من نفوذ الصين، لأنه سيمثل انتكاسة للجهود الصينية الدبلوماسية في تعزيز الاستقرار الإقليمي. لكنّ هذه المعضلة لا تعني الولايات المتحدة فحسب، بل تعني الصين أيضًا؛ إذ إن استمرار سلوك الحوثيين المزعزع لاستقرار خطوط الملاحة الدولية لا يخدم الاقتصاد الصيني، ما يملي عليها ضرورة الضغط على إيران لكبح جماح الحوثيين، لكنها في الوقت نفسه ترى في سلوك الحوثيين عاملًامقوضًا للاستراتيجية الأميركية وحاسمًافي ترجيح كفة التنافس الإقليمي لمصلحة الصين. تبنّت الصين خلال أزمة البحر الأحمر، التي سببتها هجمات الحوثيين، مقاربة تقوم على الامتناع المحسوب عن التصرف Calculated Inaction، وهي تتيح لها تحقيق مكاسب من دون تحمّل تكلفة الاشتباك العسكري51. فمن خلال امتناعها عن الانضمام إلى العمليات العسكرية الأميركية – البريطانية، التي قادتها الولايات المتحدة، وعدم تأييدها قرار مجلس الأمن رقم 2772 (الذي طالب الحوثيين بوقف فوري للهجمات في مضيق باب المندب)، حافظت الصين على نطاق مناورة واسع بين الولايات المتحدة وإيران (الداعم الإقليمي للحوثيين)، مستفيدةً في الوقت نفسه من ضمانات خاصة حصلت عليها من الحوثيين، عبر إيران؛ منها مرور سفنها بأمان.

  1. Edward Beales, "Operation Poseidon Archer: Assessing one year of strikes on Houthi targets," IISS, 18/3/2025, accessed on 8/8/2025, at: https://acr.ps/1L9BPvo
  2. هناك أصلًاسجل سابق من هذه الاستهدافات، ينظر مثلًا: "أبرز الهجمات الحوثية على السعودية والإمارات (إطار) "، وكالة الأناضول، 2022/1/19، شوهد في 2025/8/7، في: https://acr.ps/1L9BPUL
  3. في تشرين الثاني/ نوفمبر 2024، عُقد الاجتماع الثاني للجنة الثلاثية السعودية - الصينية - الإيرانية المشتركة لمتابعة تنفيذ اتفاق بيجين في الرياض. ينظر: "الصين تؤكد استمرارها في دعم الاتفاق السعودي - الإيراني"، الشرق الأوسط، 2024/11/19، شوهد في 2025/8/7، في: https://acr.ps/1L9BPig
  4. ويسميها بعض المحللين "الراكب المجاني" في موقفها من الدور الأمني للولايات المتحدة فيا المنطقة. ينظر مثل:  Léonie Allard, "China is testing its Freeriding Strategy in the Red Sea," Atlantic Council, 13/2/2024, accessed on 7/8/2025, at:https://acr.ps/1L9BPyf

وقد أدى ذلك إلى توسّ ع حصة السفن الصينية في الملاحة عبر البحر الأحمر، في حين تتحمل الولايات المتحدة التكلفة السياسية والعملياتية للرد على الهجمات. وتقدّم الصين هذه السياسة باعتبارها دعوة إلى "خفض التصعيد"، وهي سردية تسمح لها بتجنّب إدانة الحوثيين أو إيران، وإظهار الولايات المتحدة بوصفها طرفًا يديم التوتر ويعمق حالة اللااستقرار الإقليمي. وبذلك تحوّل موقف الصين وسلوكها خلال الأزمة إلى استراتيجية قائمة على الكسب في أيّ من الحالتين: سواء تمكنت الولايات المتحدة من ردع الحوثيين ووقف الهجمات، فتستفيد الصين من عودة التجارة الطبيعية من دون أن تتورط عسكريًا أو تتحمل أي أعباء أو تكاليف؛ أو فشلت، وفي هذه الحالة لن تتأثر الملاحة الصينية بالقدر الذي تتأثر به ملاحة بقية البلدان الغربية52. ترى الصين أنّ الانخراط العسكري المباشر في عمليات عسكرية تقودها الولايات المتحدة يُقحمها في مواجهة لا تخدم مصالحها، وأّن التصعيد الناجم عنها يُسهم في تفاقم عدم الاستقرار في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، وهي منطقة محورية في مشروع طريق الحرير البحري ضمن مبادرة الحزام والطريق. وقد أتاح اتساع نطاق حرب غزة نحو مضيق باب المندب، للصين فرصة سياسية سانحة لانتقاد السياسة الأميركية ودورها غير البَّنَاء في المنطقة، خاصة بسبب دعمها اللامحدود لإسرائيل وجرائمها في قطاع غزة؛ وفي الوقت نفسه، تمكنت من التعامل مع آثار هجمات الحوثيين في مصالحها التجارية في المنطقة من خلال الضغط عليهم وعلى إيران لضمان عدم استهداف السفن الصينية. وفضلًاعن ذلك، تستند الصين أيضًا إلى حسابات اقتصادية معقّدة. فمن ناحية، لم تتأثر التجارة الصينية إلى الحد الذي يدفعها إلى تغيير جذري في موقفها؛ إذ تجنب الحوثيون استهداف السفن الصينية. ومن جهة أخرى، أدّت الأزمة إلى ارتفاع كبير في تكاليف الشحن، حيث ارتفع مؤشر شنغهاي للشحن بالحاويات بنسبة 161 في المئة منذ أواخر عام 2023، من 1029 دولارًا أميركيًا إلى 2694 دولارًا، بسبب اضطرار السفن إلى الإبحار حول رأس الرجاء الصالح، وهو ما يضيف نحو 14 يومًا إلى الرحلات بين آسيا وأوروبا53. أما في ما يتعلق بالطاقة، فقد ظلّ تأثير هجمات الحوثيين في البحر الأحمر في أمن الطاقة الصيني محدودًا، على الرغم من ارتفاع تكاليف الشحن؛ ويرجع ذلك إلى أن معظم واردات النفط الصينية، القادمة من الشرق الأوسط، تمر عبر مضيق هرمز وليس مضيق باب المندب54. وبناء عليه، تشكّل اضطرابات الملاحة في البحر الأحمر ضغطًا تصاعديًا على أسعار النفط العالمية، لكنها لا تمثّل صدمة مباشرة لأمن الطاقة الصيني، إلا إذا توسّعت الاضطرابات لتمتد إلى مضيق هرمز، وهو ما تعمل الصين على تفاديه. في سياق التنافس الأميركي – الصيني في البحر الأحمر، مثّلت هجمات الحوثيين في مضيق باب المندب فرصة استراتيجية أمام الصين لتعزيز نفوذها الدبلوماسي في منطقة تضمّ أحد أهم االممرات البحرية لاقتصادها. فقد استفادت من كونها طرفًا مقبول لدى الحوثيين (ولدى إيران بالتبعية)55، ومن تصاعد الانتقادات الدولية للموقف الأميركي المنحاز تمامًا إلى الاحتلال الإسرائيلي خلال حرب غزة، لتقدّم نفسها بوصفها قوة تنمية وسلام واستقرار في المنطقة، مقارنة بالولايات المتحدة بوصفها قوة هيمنة وغطرسة. وهكذا، عملت الصين على توظيف الأزمة لتعزيز دبلوماسيتها البحرية وترسيخ وجودها ودورها في المنطقة بوصفها فاعلًادوليًا قادرًا على التأثير في الأمن البحري من دون أيّ انخراط عسكري مباشر؛ وهو ما يعزز خطابها المناهض للأحادية الأميركية، مستثمرة في ذلك المناخ الأخلاقي والسياسي الذي تمخضت عنه حرب غزة، إذ شعر العديد من دول الجنوب بأن الموقف الغربي يفتقر إلى العدالة ويقوّض القانون الدولي والنظام الدولي الليبرالي الذي أسسته الولايات المتحدة وتدافع عنه. عمومًا، يمكن القول إنّ الصين، في سياق تنافسها مع الولايات المتحدة، تسعى لاستثمار أيّ فتور في العلاقات الأميركية – العربية، مستفيدة من تدهور صورة الولايات المتحدة لدى الرأي العام العربي، خاصة بعد حرب غزة56. ففي الوقت الذي انحازت فيه الولايات المتحدة إلى إسرائيل، وتبنّت على الدوام مقاربة أمنية ضيقة لا تستجيب دائمًا لأولويات شعوب المنطقة، عملت الصين على توسيع حضورها الاقتصادي وتعميقه بوصفها فاعلًامحايدًا وتنمويًا بخلاف الدور الأميركي، لكنها في الوقت نفسه تسعى لجعل قوتها الاقتصادية قابلة للتحويل.Fungible

  1. David Scott, "China's Calculated Inaction in the Red Sea Crisis," CIMSEC, 6/5/2024, accessed on 8/8/2025, at: https://acr.ps/1L9BOWR
  2. 56 اتجاهات الرأي العام العربي نحو الحرب الإسرائيلية على غزة"، المؤشر العربي، وحدة قياس الرأي العام العربي، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات (كانون الثاني/ يناير)2024، شوهد في 2025/8/8، في https://acr.ps/1L9BPHm:
  3. أسماء السعداوي، "توقعات واردات الصين من النفط الإيراني في ضوء الحرب مع إسرائيل ")(تقرير، الطاقة، 2025/6/22، شوهد في 2025/10/31، في: https://acr.ps/1L9BPK6
  4. لا ينفي هذا تقارير عديدة اتهمت الصين بدعم حركة الحوثيين، خاصة من الناحية الاستخباراتية. ينظر مثلًا: "أميركا تتهم الصين بدعم الحوثيين استخباراتيًا.. ما التفاصيل؟"، سكاي نيوز عربية، 2025/4/19، شوهد في 2025/8/7، في: https://acr.ps/1L9BPg7
  5. 53  Cristina Galindo, "Red Sea Crisis from Houthi Attacks Hits World Trade as Cost of Shipping Soars by 170%," El País , 5/1/2024, accessed on 31/10/2025, at: https://acr.ps/1L9BPck

ويشير مفهوم عدم قابلية القوة للتحويل Nonfungibility of Power، في حقل العلاقات الدولية57، إلى أنّ موارد القوة التي تمتلكها الدولة ليست قابلة للتحويل تلقائيًا بين مجالات القوة المختلفة، إذ لا يمكن أن تُستبدل القوة الاقتصادية أو التجارية بسهولة بقوة سياسية أو أمنية مماثلة. وتجسّد الصين هذا القيد بوضوح، لكنها تسعى باستمرار للتغلب عليه؛ فعلى الرغم من امتلاكها موارد اقتصادية ولوجستية هائلة، من استثمارات البنية التحتية وشبكات الموانئ وتمويل مبادرة الحزام والطريق، فإنّ قدرتها على تحويل هذا النفوذ الاقتصادي إلى نفوذ أمني أو ردعي فعّال تظل محدودة، نظرًا إلى افتقارها إلى تحالفات عسكرية راسخة أو وجود بحري واسع، على غرار الوجود الأميركي، قادر على تعزيز قدرتها على حماية مصالحها في المنطقة. وإضافة إلى ذلك، فإنّ توسعها التجاري لا يترَجَم بالضرورة إلى قدرة سياسية مباشرة على تشكيل مواقف الدول المضيفة أو إدارة الأزمات الإقليمية. أخيرًا، تتبنى الصين مواقف تقوم على تأسيس علاقات متوازنة مع أطراف متعارضة، مثل السعودية وإيران، أو مصر والسودان وإثيوبيا، وهو ما جسدته في رعايتها اتفاق المصالحة السعودية - الإيرانية في عام 2023؛ إذ تمكنت من إبراز قدرتها على الاضطلاع بدور الوسيط المقبول في بيئة إقليمية شديدة الانقسام؛ وهو ما يمنحها مرونة براغماتية – استراتيجية تفتقر إليها الولايات المتحدة، التي غالبًا ما تقيّدها تحالفاتها السياسية القاطعة، سواء في ما يتعلق بالتزاماتها الأمنية تجاه إسرائيل أو شراكاتها الدفاعية التقليدية في الخليج.

خاتمة

بيّنت الدراسة أنّ حرب غزة لم تقتصر دينامياتها على الأراضي الفلسطينية المحتلة، بل تمددت لتشمل ساحات الجوار التقليدية (لبنان وسورية)، ووصلت إلى نطاقات أبعد (إيران واليمن – مضيق باب المندب)؛ وتحولت إلى مِسّرٍِعٍ جيوسياسي أعاد ترتيب أولويات الأمن الإقليمي والدولي، وأبرز هشاشة الممرات البحرية الاستراتيجية، لا سيما مضيق باب المندب الذي تحوّل من ممر تجاري حيوي طبيعي إلى فضاء جيوسياسي تتقاطع فيه اعتبارات الأمن البحري العالمي مع حسابات التنافس بين القوى الكبرى، خاصة الولايات المتحدة والصين. وأبرزت صعود أدوار فاعلين من غير الدول، مثل جماعة أنصار الله، التي نجحت، من خلال الهجمات التي شنتها على السفن الإسرائيلية والمرتبطة بها في مضيق باب المندب، في تحويل القدرة على تعطيل الملاحة إلى مورد قوة رمزية وسياسية إقليمية غير تقليدية. وحاجّت الدراسة بأن دور الحوثيين أعاد تفعيل التنافس الأميركي – الصيني في البحر الأحمر بوصفه تنافسًا بين نموذجين للقوة: نموذج أميركي يقوم على الوجود العسكري المكثف، والتحالفات الأمنية التقليدية، وعسكرة الاستجابة للأزمات؛ ونموذج صيني براغماتي حذر يعتمد أساسًا على أدوات الاقتصاد والتجارة والبنية التحتية والدبلوماسية غير المنحازة. وبيّنت أزمة مضيق باب المندب أن الهيمنة البحرية الأميركية تواجه حدودًا عملية، لا بفعل التكاليف المادية والسياسية للانخراط العسكري فحسب، بل أيضًا بفعل صعوبة تحويل التفوق العسكري إلى نفوذ سياسي حاسم في مواجهة فاعلين من غير الدول. وفي المقابل، تُظِهِر الأزمة أن القوة الاقتصادية واللوجستية الصينية تواجه قيودًا بشأن قابليتها للتحويل آليًا إلى قوة أمنية في المنطقة، وهو ما يبرر اتجاهها نحو الوساطة وتجنّب الصدامات المباشرة. وانطلاقًا من المنظور الواقعي البنيوي، يمكن القول إن البحر الأحمر، في ظل الدور الذي أداه الحوثيون في سياق حرب غزة، بات يشكّل مختبرًا للتنافس بين قوة مهيمنة وأخرى صاعدة، في ظل تحول نوعي في قدرات فاعلين من غير الدول يطمحون إلى أدوار إقليمية. غير أن الدراسة بيّنت أيضًا حدود هذا المنظور، الذي يحتاج إلى الانفتاح على مفاهيم وأدوات تحليلية مساعدة، مثل انكشاف نقاط الاختناق البحرية، وعدم قابلية القوة للتحويل، وتحولات أدوار الفاعلين من غير الدول، لفهم تعقيدات السياسة الدولية. أكدت الدراسة صحة الفرضيتين اللتين انطلقت منهما. فالفرضية الأولى تشير إلى أنّ تداعيات حرب غزة تجاوزت الإطار الجغرافي التقليدي للنزاع الفلسطيني – الإسرائيلي، لتشمل بنية أمن الملاحة في البحر الأحمر وعبر مضيق باب المندب؛ إذ مكّن الفراُغُ الأمني البنيوي في المضيق الحوثيين من فرض تكلفة استراتيجية غير مسبوقة على سلاسل التوريد العالمية، سواء عبر استهداف السفن أو عبر دفع شركات الشحن إلى تغيير مساراتها حول رأس الرجاء الصالح. وتظهر هذه الدينامية أن فاعلًامن غير الدول قادر، في اللحظة الإقليمية المناسبة، على أداء دور إقليمي يفوق وزنه التقليدي. أما بالنسبة إلى الفرضية الثانية، المتعلقة بتباين المقاربتين الأميركية والصينية للاستجابة، فتؤكدها القرائن السلوكية التي كشفت عنها تطورات الأزمة. فقد اعتمدت الولايات المتحدة مقاربة أمنية – تدخلية تقليدية، في حين انتهجت الصين سياسة الامتناع المحسوب عن الانخراط، مستندة إلى نفوذها الاقتصادي والدبلوماسي للحصول

  1. حول المفهوم، ينظر:  Joseph Nye, Soft Power: The Means to Success in World Politics (New York: Public Affairs, 2004).

على ضمانات لعبور سفنها من دون التورط عسكريًا في الاشتباكات، وهو ما ينسجم مع مقاربتها البراغماتية القائمة على تجنّب الصدام مع الولايات المتحدة والحدّ من التكلفة الاستراتيجية. وبناء عليه، وفّر سلوك الطرفين خلال الأزمة دعمًاإمبريقًّيًا مناسبًا للفرضية الثانية. وأخيرًا، يمكن المحاجة بأن الأمن الدولي في البحر الأحمر ومضيق باب المندب لا يمكن أن يتحدد، من منظور التنافس الجيوسياسي، بتوازن القوة بين الولايات المتحدة بوصفها القوة المهيمنة، والصين بوصفها القوة الصاعدة فحسب؛ بل يتوقف أيضًا على مسألتين أساسيتين: تتمثل الأولى في رغبة الفاعلين الإقليميين والدوليين في بناء منظومة أمن بحري تتجاوز المقاربات العسكرية الضيقة نحو سياسات شاملة لإدارة المخاطر وتعزيز المرونة الاستراتيجية لسلاسل الإمداد العالمية؛ إذ إن استدامة الأمن تتطلب بنية مؤسسية مشتركة قادرة على دمج أدوات الإكراه العسكري والوساطة الدبلوماسية، والتنمية الاقتصادية، خاصة في ظل تصاعد أدوار الفاعلين من غير الدول الذين باتوا قادرين على توظيف التوترات البنيوية الإقليمية والدولية واستغلال الانكشاف الذي تتسم به نقاط الاختناق الاستراتيجية على طرق الملاحة العالمية. أما المسألة الثانية فتتمثل في أن أزمة البحر الأحمر بيّنت، بما لا يدع مج لًاللشك، أن تحقيق الأمن البحري الإقليمي في المنطقة لا يمكن فصله عن معالجة الصراعات الإقليمية فيها. وكشفت حرب غزة أنّ ترك الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي من دون حٍّلٍ عادل لا يهدد استقرار الإقليم فحسب، بل يفرض كذلك تكلفة عالمية متزايدة عبر تعطيل حركة التجارة والطاقة، وتوسيع دائرة التوتر إلى ممرات استراتيجية مثل مضيق باب المندب وقناة السويس ومضيق هرمز. وبناء عليه، فإن فرض تسوية عادلة ودائمة للقضية الفلسطينية، وإلزام الاحتلال الإسرائيلي بها، ليس التزامًا أخلاقيًا أو قانونيًا أو سياسيًا فحسب، بل ضرورة بنيوية لاستقرار النظاَميَن الإقليمي والدولي.

المراجع

العربية

"اتجاهات الرأي العام العربي نحو الحرب الإسرائيلية على غزة." المؤشر العربي. وحدة قياس الرأي العام العربي. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات (كانون الثاني/ يناير 2024:.) في https://acr.ps/1L9BPHm بسطاوي، زهيرة. "دور الصين في أزمة سد النهضة: النفوذ الاقتصادي وحدود التأثير السياسي." مجلة البحوث والدراسات الإفريقية ودول حوض النيل. مج  9، العدد 2.)2025("جلال، إبراهيم. "الخلافات السعودية الإماراتية تضع حضرموت مقال على مفترق طرق.". مركز مالكوم كير -كارنيغي للشرق الأوسط 2025/4/11. في https://acr.ps/1L9BPL2:. حمشي، محمد. "صعود الصين من منظور مغاير: نظرية التعقد وأوهام العقلانيين." مجلة العلوم الإنسانية لجامعة أم البواقي. مج 6، العدد 2.)2019("الضربات الجوية الأميركية على الحوثيين: الخلفيات والحسابات تقدير موقف والهواجس.". المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات 2025/3/27. في https://acr.ps/1L9BPiS:. عبد الحليم، أميرة محمد. "القواعد العسكرية في البحر الأحمر... تغير موازين القوى." مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية 2024/7/24. في https://acr.ps/1L9BPkt:. العبد الرحمن، حكمات. الصين والشرق الأوسط: دراسة تاريخية في تطور موقف الصين تجاه قضايا المنطقة العربية بعد الحرب الباردة. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2020 قدورة، عماد. "موقع دول الخليج العربية في مبادرة الحزام والطريق سياسات عربية الصينية.". العدد  63 (تموز/ يوليو.)2023 مطاوع، محمد. "طريق الحرير الجديد في الاستراتيجية الصينية: الأهداف الكبرى، والوزن الاستراتيجي، والتحديات." سياسات عربية. العدد  46 (أيلول/ سبتمبر.)2020 مأساة سياسة القوى العظمى ميرشايمر، جون.. ترجمة مصطفى محمد قاسم. الرياض: النشر العلمي والمطابع،.2012 نظرية السياسة الدولية والتز، كينيث.. ترجمة سيد أحمد قوجيلي. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، [قيد النشر.]

الأجنبية

Allard, Léonie. "China is testing its Freeriding Strategy in the Red Sea." Atlantic Council. 13/2/2024. at: https://acr.ps/1L9BPyf Alley, April Longley. "How the Houthis Outlasted America Washington Needed an Off-Ramp, but the Group Can Still Imperil the Global Economy." Foreign Affairs. 9/5/2025. at: https://acr.ps/1L9BP1Y Ashraf, Junaid. "String of Pearls and China's Emerging Strategic Culture." Strategic Studies. vol. 37, no. 4

Barnes-Dacey, Julien, Cinzia Bianco & Hugh Lovatt. "The Gaza Crisis: Mapping the Middle East's Shifting Battle Lines." Policy Brief. European Council on Foreign Relations. 25/9/2024. at: https://acr.ps/1L9BOUl Beales, Edward. "Operation Poseidon Archer: Assessing one year of strikes on Houthi targets." IISS. 18/3/2025. at: https://acr.ps/1L9BPvo Browne, Brendan Ciarán, Elian Weizman & Jennifer Matchain. "Unpacking the Crackdown on Palestine Solidarity Activism in the UK in a Post-7 October Reality." Third World Quarterly (2025). Chen, Yunnan. "China's Role in Nigerian Railway Development and Implications for Security and Development." The United States Institute of Peace. 2018. at: https://acr.ps/1L9BPqR ________. "Railpolitik: Ethiopia's Rail Ambitions and Chinese Development Finance." Policy Brief. no. 52. China Africa Research Initiative (CARI). School of Advanced International Studies (SAIS). Johns Hopkins University. Washington, DC (2021). at: https://acr.ps/1L9BP5k "China's Expansion in the Red Sea: Military, Economic, and Digital Influence: By Aparna A Nair." Chennai Centre for China Studies. 11/11/2025. at: https://acr.ps/1L9BPtp China's Impact on Conflict Dynamics in the Red Sea Arena. Washington, DC: US Institute of Peace, 2020. Chiyemura, Frangton. "Powering Africa: China's Expanding Role in the Continent's Energy Future." Report. no. 6. The China-Global South Project (2025). at: https://acr.ps/1L9BOXK Clapham, Christopher. Africa and the International System: The Politics of State Survival. Cambridge: Cambridge University Press, 1996. De Freitas, Marcus Vinícius. "Chinese Energy Security: Africa's Opportunity for A New Development Boost." Policy Paper. no. 27 / 25. Policy Center for the Bew South (August 2025). at: https://acr.ps/1L9BPa9 Downs, Erica, Jeffrey Becker & Patrick deGategno. "China's Military Support Facility in Djibouti: The Economic and Security Dimensions of China's First Overseas Base." CAN (July 2017). at: https://acr.ps/1L9BPuO Duff, John A. "The United States and the Law of the Sea Convention: Sliding Back from Accession and Ratification."  Ocean & Coastal Law Journal. vol. 11, no. 1 - 2 (2005-2006). Generoso, Francesco. "Russian interests in the Horn of Africa: A Red Sea foothold?"  South African Journal of International Affairs. vol. 29, no. 4 (2022). "Impact on India's Trade Due to Red Sea Disruptions." Research and Information System for Developing Countries (2024). at: https://acr.ps/1L9BP2L Kiryakova, Elena et al. "China's Evolving Role in Africa's Energy Transition: Overseas Trade and Investment in Kenya, Mozambique and South Africa." Report. ODI Global (April 2025). at: https://acr.ps/1L9BPmW Lauridsen, Laurids S. "Drivers of China's Regional Infrastructure Diplomacy: The Case of the Sino- Thai Railway Project." Journal of Contemporary Asia. vol. 50, no. 3 (2020).

Marantidou, Virginia. "Revisiting China's 'String of Pearls' Strategy: Places 'with Chinese Characteristics' and their Security Implications." Issues & Insights , vol. 14, no. 7 (June 2014). McManamon, Richard. "'America First' and Implications for US Strategy in the Horn of Africa." Small Wars Journal. 14/12/2020. at: https://acr.ps/1L9BPvw Mearsheimer, John J. The Tragedy of Great Power Politics. New York: W. W. Norton, 2001. Nandini, Nandini et al. "The Red Sea Crisis: Implications of The Houthi Attack on Maritime Trade and Global Security." International Journal of Humanities Education and Social Science. vol. 4, no. 1 (2024). Nye, Joseph. Soft Power: The Means to Success in World Politics. New York: Public Affairs, 2004. Pawlak, Julian & Johannes Peters (eds.). From the North Atlantic to the South China Sea. Kiel: The Institute for Security Policy at Kiel University, 2021. Posen, Barry R. "Command of the Commons: The Military Foundation of U.S. Hegemony." International Security. vol. 28, no. 1 (2003). Quandt, William B. Camp David: Peacemaking and Politics. Washington, DC: The Brookings Institution, 1986. Rahman, Chris & Martin Tsamenyi. "A Strategic Perspective on Security and Naval Issues in the Red Sea and Gulf of Aden." Ocean Development & International Law. vol. 41, no. 4 (2010). Ramani, Samuel. "Russia's Growing Ambitions in the Red Sea Region." Policy Brief. Royal United Services Institute for Defence and Security Studies (September 2021). at: https://acr.ps/1L9BPJO "Red Sea Crisis Threatens India's Exports." Research and Information System for Developing Countries (2024). at: https://acr.ps/1L9BPfj Scott, David. "China's Calculated Inaction in the Red Sea Crisis." CIMSEC. 6/5/2024. at: https://acr.ps/1L9BOWR "The Bab el-Mandeb Strait is a Strategic Route for Oil and Natural Gas Shipments." U.S. Energy Information Administration (EIA). 27/8/2019. at: https://acr.ps/1L9BPOL "The Deepening Red Sea Shipping Crisis: Impacts and Outlook." The World Bank. February 2025. at: https://acr.ps/1L9BPTq "The Red Sea Crisis Impacts on Global Shipping and the Case for International Co-operation." Background Paper. The International Transport Forum (2024). at: https://acr.ps/1L9BPLS "The Year Everything (and Nothing) Changed in the Middle East." The Economist. 29/12/2023. Thrall, Nathan. The Only Language They Understand: Forcing Compromise in Israel and Palestine. New York: Metropolitan Books, 2017. Waltz, Kenneth N. Theory of International Politics. Reading, MA: Addison-Wesley, 1979. Wei, Li. "The Influence of China's Global Soft Power Strategy on its Relations with African Nations."  Journal of International Relations. vol. 4, no. 4 (2024). Weitz, Rockford. "Strategic Maritime Chokepoints: Global Shipping and Maritime Industry Perspectives." EMC Chair Conference Paper. at: https://tinyurl.com/kpx3svdk Wu, Shang-su. "China's Rail Diplomacy in Southeast Asia." The Asia Pacific Journal. vol. 22, no. 9 (2024). Yadav, Stacey Philbrick. "Consolidation Through Crackdown: Understanding Houthi Rule in Yemen." Crown Center & Brandeis University. October 2024.