استراتيجيات نظام الاستعمار الاستيطاني في الضفة الغربية: بين الإزالة والإدارة

Feras Ali Qawasmeh فراس علي القواسمي |

الملخّص

The occupied West Bank has experienced a steady expansion of settlement construction and settler demographic presence since 1967. This study analyzes the strategies of settler colonialism in the West Bank using interactive maps produced by the United Nations Office for the Coordination of Humanitarian Affairs (OCHA) and the Washington Institute for Near East Policy. It argues that settler colonialism operates as an ongoing structure rather than a discrete event, relying on evolving forms of the logic of elimination and the spatial and demographic reconfiguration of Palestinian society. The study highlights the central role of the Israeli Civil Administration and state institutions in regulating the indigenous population in ways that facilitate settlement expansion. It demonstrates a shift from direct exclusion to more complex mechanisms of domination based on population management and bureaucratic control. The findings identify two core strategies: consolidating control over the Jordan Valley and land behind the separation barrier, and tightening control over the heart of the West Bank through three settlement belts surrounding Jerusalem. Keywords: Settler Colonialism, Settlement Expansion, Indigenous Population Management, West Bank.

Settler Colonial Strategies in the West Bank: Between Elimination and Management

تشهد الضفة الغربية المحتلة تزايدًا في البناء الاستيطاني والوجود الديموغرافي للمستوطنين منذ احتلالها عام 1967. تهدف هذه الدراسة إلى تحليل استراتيجيات الاستعمار الاستيطاني في الضفة الغربية وأبرز سماته، استنادًا إلى خرائط تفاعلية صادرة عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، ومعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى. وتجادل بأن الاستعمار الاستيطاني يعمل بوصفه منظومة مستمرة تتجاوز الحدث العابر، وهو ما يتجلى في اعتماده على أشكال متعددة من منطق "الإزالة" وإعادة تشكيل المجال السكاني والجغرافي. وتتناول الدور المركزي الذي تؤديه الإدارة المدنية الإسرائيلية ومؤسسات الدولة في ضبط السكان الأصليين وتنظيم حياتهم اليومية بما يسهّ ل التوسع الاستيطاني. وُت ظهر نتائج الدراسة انتقال أدوات السيطرة من الإقصاء المباشر إلى آليات أكثر تركيبا تعتمد على إدارة السكان الأصليين والتحّك م فيهم عبر البيروقراطية والحكم اليومي. وتكشف عن اعتماد استراتيجيَت ين مركزيَت ين في ذلك: الأولى "فّك ا الكماشة" بالسيطرة على الأغوار وضمّ الأراضي خلف الجدار، والثانية إحكام القبضة على قلب الضفة الغربية عبر ثلاثة أطواق استيطانية في القدس. كلمات مفتاحية: الاستعمار الاستيطاني، الاستيطان، إدارة السكان الأصليين، الضفة الغربية.

مقدمة

شهدت الضفة الغربية، منذ احتلالها عام 1967، توسعًا استعماريًا استيطانيًا مطّردًا غّي ر من طبيعتها الجغرافية والديموغرافية والسياسية تغييرًا جذريًا. لكن، منذ تشكيل حكومة الاحتلال الائتلافية في 29 كانون الأول/ ديسمبر 2022 بقيادة بنيامين نتنياهو، التي جرى الاتفاق بين أحزابها على إحداث توسع استيطاني كبير في الضفة الغربية، نشهد إقرارًا وتنفيذًا لمشاريع استيطانية ضخمة تنذر بتأسيس مرحلة جديدة من التوسع الاستيطاني، تهدد فيها مشروع الدولة الفلسطينية، وتوحي بسيطرة غير مسبوقة على أراضي الضفة الغربية. تنوّعت الدراسات التي تناولت مسألة الاستعمار الاستيطاني في فلسطين، والضفة الغربية على وجه التحديد، والتي ركزت في معظمها على البعد الجغرافي - السياسي والديموغرافي للتوسع الاستيطاني في الضفة الغربية. ومع ذلك، نظرت غالبية هذه الدراسات إلى الاستعمار الاستيطاني في الضفة الغربية من زوايا جزئية، مثل التركيز على فهم أسباب التوسع الاستيطاني في القدس، أو منطقة الأغوار الفلسطينية، أو بناء جداٍرٍ للفصل العنصري، أو دور الإدارة المدنية في تعزيز هذا التوسع وحمايته. وتبقى هناك حاجة إلى فهم الصورة من منظور أوسع لاستراتيجيات الاحتلال الاستعمارية الاستيطانية للسيطرة على أراضي الضفة الغربية وطرد سكانها منها. وبناءً على ذلك، تهدف هذه الدراسة إلى تقديم تحليل شامل لمنطق المشروع الاستيطاني الإسرائيلي في الضفة الغربية، من خلال تفكيك الاستراتيجيات الجغرافية - الديموغرافية التي اعتمدها الاحتلال في الفترة 1967 - .2025 يستند هذا التحليل إلى مراجعة الخرائط التفاعلية والمحدثة الصادرة عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا"1، ومعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى2، وتحليل المسارات الزمنية والمكانية للتوسع الاستيطاني في الضفة الغربية. أما على المستوى النظري، فتعتمد الدراسة على مقاربات الاستعمار الاستيطاني، لا سيما أعمال باتريك وولف ولورينزو فيراسيني. وتنقسم إلى مبحثين رئيسين: يعرض الأول استراتيجيات الاستعمار الاستيطاني في الضفة الغربية، في حين يتناول الثاني تحليلًامعمقًا لهذه الظاهرة استنادًا إلى الإطار النظري.

الإطار النظري

شهدت دراسات التوسع الاستيطاني عدة موجات بحثية تناولت مسألة الاستيطان في فلسطين، سواء في أراضي عام 1948 أو عام 1967. وتبرز في الموجة الأحدث عودة الدراسات إلى أعمال وولف وفيراسيني، اللَذَين قدّما أطرًا تحليلية أسهمت في ترسيخ مفهوم "الاستعمار الاستيطاني" وجعله أكثر انتشارًا وتداولًا في الدراسات المعاصرة3. يرى وولف أن الاستعمار الاستيطاني "بنية وليس حدثًا"، ويفرّق هنا بين الاستعمار الاستغلالي والاستعمار الاستيطاني؛ إذ يهدف الأول إلى استغلال الأرض والسكان الأصليين، أما الثاني فلا يقوم على هذا المنطق، بل يسعى لطرد السكان الأصليين، لأن الهدف النهائي هو الأرض وليس الاستغلال والحصول على الموارد. يقوم منطق الاستعمار الاستيطاني على فكرة إزالة السكان الأصليين ومحوهم، فيأتي المستعمرون بنيّة البقاء، وليس استغلال مواردها فحسب، وبذلك يرتبط الاستعمار الاستيطاني بعملية إبادة مستمرة تتمحور كلها حول السيطرة على الأرض وطرد سكانها منها بتنسيق بين ماجموعة متكاملة من الهيئات، بدءًا من المركز المتروبولي، وصول إلى التخوم4. يتفق فيراسيني مع طرح وولف في التفرقة بين الاستعماَرَين الاستغلالي والاستيطاني، إذ يستخدم عبارتين موَّجَهتين إلى السكان الأصلانيين، الأولى "اعمل من أجلي" والتي تعكس منطق الاستعمار الاستغلالي، والثانية "اذهب من هنا"، والتي تعّب ر عن منطق الاستعمار الاستيطاني الإحلالي5. ويرى أن نجاح الاستعمار الاستيطاني يعتمد على قدرته على إخفاء طبيعته الاستعمارية، وذلك حين يتحوّل المستوطنون من تعريف أنفسهم بوصفهم مستوطنين إلى تقديم أنفسهم بوصفهم "مواطنين" أصليين في البلاد. ولتحقيق هذا التحوّل، يحتاج المشروع الاستيطاني إلى إنشاء منظومات سياسية وثقافية محلية تُظهر وجوده باعتباره أمرًا طبيعيًا، بالتوازي مع تفكيك أيّ شكل من أشكال الاستقلالية الذاتية للشعوب الأصلية6. ويشترك عدد من الباحثين في توصيف الاستعمار الاستيطاني للأراضي

  1. ينظر خريطة "أوتشا" التفاعلية: " Interactive West Bank Map," OCHA, accessed on 5/9/2025, at:
  2. ينظر خريطة "مؤسسة واشنطن" التفاعلية:
  3. أشرف عثمان بدر وعاصم خليل، "الاستعمار الاستيطاني في السياق الفلسطيني: براديغم عمران أم مفهوم"،، مج  9، العدد 35 (شتاء 2021)، ص.11
  4. Patrick Wolfe, "Settler Colonialism and the Elimination of the Native," Journal of Genocide Research , vol. 8, no. 4 (2006), pp. 388 - 402. 5  Lorenzo Veracini, "Introducing: Settler Colonial Studies," Settler Colonial Studies , vol. 1, no. 1 (2011), pp. 1 - 12. 6  Lorenzo Veracini, "The Other Shift: Settler Colonialism, Israel and The Occupation," Journal of Palestine Studies , vol. 42, no. 2 (April 2013), p. 28.
  5. https://acr.ps/1L9BPFP
  6. Settlements and Solutions," Washington Institute, accessed on 3/9/2025, at: https://acr.ps/1L9BPjP

المحتلة عام 1967 مع فيراسيني؛ إذ يعتبر ديفيد لويد أن هناك تحولًاحصل من منطق الإبادة إلى منطق إدارة السكان واستغلال الأيدي العاملة الفلسطينية7. في حين يستخدم إيلان بابيه مصطلح "السجن الكبير" في إدارة المناطق المحتلة عام 1967، من دون نفي مفهوم الإزالة والمحو عنها8.

أولًا: استراتيجيات الاستعمار الاستيطاني في الضفة الغربية

شهدت الضفة الغربية أربع مراحل وموجات أساسية في البناء الاستعماري الاستيطاني. تمايزت كل منها في السياق السياسي الإسرائيلي وفي طبيعة التمدد الجغرافي للمستوطنات؛ بدأت الموجة الأولى مع احتلال الضفة عام 1967 حتى عام 1976، وهي الفترة التي كان اليسار الإسرائيلي يسيطر فيها على سدة الحكم، وتمحور البناء الاستيطاني فيها في منطقة الأغوار والقدس، حيث بُنيت 34 مستوطنة. أما المرحلة الثانية فهي خلال الفترة 1977 - 1987، وهي السنوات التي سيطر فيها اليمين الإسرائيلي على سدة الحكم، وتخللتها أكبر موجة توسع استيطاني، إذ أ نشئت 98 مستوطنة، كان معظمها في غرب الضفة؛ أي في المناطق القريبة من الخط الأخضر وبعضها وسط الضفة. أما الموجة الثالثة، فهي في الفترة 1988 - 1994، التي تناوبت فيها حكومات اليمين واليسار الإسرائيلَييَن، وُبُنيت فيها 12 مستوطنة، تمركز معظمها في وسط الضفة. أما المرحلة الرابعة، فهي بعد توقيع اتفاق أوسلو، إذ اتسمت بانتقال التوسع في المستوطنات إلى ظاهرة البؤر الاستيطانية الاستعمارية التي انتشرت في مختلف المناطق في الضفة، وذلك بأساليب غير رسمية وأحيانًا خارج نطاق القانون الإسرائيلي نفسه، لكنها حظيت لاحقًا بسياسات شرعنة وتوسعة تدريجية9. ساهمت هذه الموجات الاستيطانية، بتفاوتاتها الزمانية وتوزيعها الجغرافي، في رسم ملامح البنية الاستعمارية الاستيطانية الراهنة في الضفة الغربية. ويمكن تلخيص المنطق العام الذي حكمها في إطار استراتيجيتين مركزيتين تشّكلّان جوهر السياسات الإسرائيلية، وهما:

1 ا الكماشة. "فّك"

تتمثل هذه الاستراتيجية في إحكام سيطرة الاحتلال على الضفة الغربية وإيجاد منطقَتَي عزل؛ يتمثل الفك الأول في السيطرة الكاملة على منطقة الأغوار الواقعة شرق الضفة، أما الفك الثاني، فيتمثل في المناطق الواقعة خلف جدار الفصل العنصري في الجهة الغربية. وقد مثّلت هاتان المنطقتان المعزولتان "فَّك يكماشة"10 حول باقي مناطق الضفة الغربية؛ حيث حوّلتاها إلى كيان مجزّأ ومحاصر من جهتين استراتيجيتين.

أ. مناطق العزل الشرقية (الأغوار)

تمتد منطقة العزل الشرقية، المعروفة أيضًا ب "الأغوار"، من عين جدي قرب البحر الميت في الجنوب حتى منطقة عين البيضاء القريبة من بيسان في الشمال. وتضم أجزاء واسعة من مساحة محافظة أريحا وطوباس، وأجزاء من محافظة القدس وبيت لحم والخليل. وُتُظهر الخريطة 1() المناطق الشرقية (الأغوار) التي يسيطر عليه الاحتلال الإسرائيلي11. الخريطة)1(مناطق العزل الشرقية (الأغوار)

  1. David LIoyd, "Settler Colonialism and the State of Exception: The Example of Palestine/ Israel," Settler Colonial Studies , vol. 2, no. 1 (2012), p. 67.
  2. Ilan Pappe, The Biggest Prison on Earth: A History of the Occupied
  3. ماهر عابد وحمزة الحلايبة وفراس القواسمي، مدخل لفهم الاستيطان الصهيوني في
  4. Territories (London: Oneworld Publications, 2017), p. 4.
  5. الضفة الغربية والقدس (إسطنبول: مركز رؤية للتنمية السياسية، 2023)، ص 34 - .52 المصدر: Gershon Hacohen, "The West Bank's Status Quo is More Dangerous than Applying Sovereignty," The Begin-Sadat Center for Strategic Studies (2020), accessed on 15/10/2025, at: https://acr.ps/1L9F3dO 10 نستخدم مصطلح "فَّك يالكماشة" لتبسيط منطق الاستعمار الاستيطاني في الضفة الغربية القائم على منطق "العزل والسيطرة." 11 عابد والحلايبة والقواسمي، ص.54

خضعت هذه المنطقة للاحتلال الإسرائيلي بعد عام 1967، وظلت منذ ذلك الحين تحت سيطرة فعلية شبه كاملة، سواء من الناحية الأمنية أو الإدارية. وتبلغ مساحة الأغوار نحو 1600 كيلومتر مربع؛ أي ما يعادل قرابة 29 في المئة من مساحة الضفة الغربية. وتدخل غالبية أراضيها، بما يقارب 87 في المئة، ضمن تصنيف "ج"، ما يعني خضوعها الكامل للسيطرة الأمنية والإدارية الإسرائيلية وفقًا لإعلان المبادئ الفلسطيني – الإسرائيلي حول ترتيبات الحكم الذاتي الانتقالي (المعروف باتفاق أوسلو)12. ويقطن هذه المنطقة ما يقارب 65 ألف فلسطيني13، يتركز معظمهم في التجمعات السكانية الريفية التي تعاني ضعف البنية التحتية وقيودًا صارمة على البناء والتوسع، في حين يبلغ عدد المستوطنين في منطقة الأغوار نحو 12 ألفًا، موزعين على 28 مستوطنة14. ويعني هذا أن متوسط عدد السكان في كل مستوطنة من مستوطنات الأغوار نحو 400 مستوطن، ما يعكس طابعًا استيطانيًا ذا كثافة منخفضة نسبيًا مقارنة بالحجم الجغرافي الكبير للأراضي التي تسيطر عليها هذه المستوطنات. وتتجلى أهمية الأغوار في أبعاد متعددة، في مقدمتها البعد الاستراتيجي والاقتصادي والأمني. من الناحية الاستراتيجية، تكتسب منطقة الأغوار أهمية فائقة في التصور الإسرائيلي لمستقبل الضفة الغربية؛ إذ يمكن أن تشكّل ثقلًاحيويًا لأيّ دولة فلسطينية مستقبلية؛ لذلك يعزز الاحتلال سيطرته الجغرافية لمنع تشكّل كيان فلسطيني مستقل ومحاٍذٍ للأردن. في المقابل، تساهم السيطرة على هذه المنطقة في تعزيز مشروع "القدس الكبرى"15 باعتبار أن الأغوار تمثّل الامتداد الجغرافي الشرقي للقدس، وتوفّر للاحتلال عمقًا استيطانيًا يمكن من خلاله دعم دمج المدينة المحتلة في جغرافيا أوسع. وعلاوة على ذلك، لا ينفصل الاحتفاظ بالأغوار عن الحسابات الديموغرافية الإسرائيلية؛ إذ إنه من منظور استراتيجي، يمثّل انتشار الفلسطينيين في الأغوار إمكانية تدفق سكاني عربي من الأردن، ما يهدد التوازن الديموغرافي داخل الضفة الغربية، ومن ثم يُستخَدَم هذا التهديد المفترض مبررًا إضافيًا لاستمرار السيطرة الإسرائيلية. تمتاز منطقة الأغوار كذلك بأهمية اقتصادية استراتيجية نظرًا إلى ما تحتويه من موارد طبيعية، حيث يوجد فيها 40 في المئة من مجموع مصادر المياه في الضفة الغربية، وتتميز بوفرة ينابيعها المنتشرة على السفوح الجبلية، إضافة إلى ما يقارب 133 بئرًا جوفية يُستخرج منها نحو 16 مليون متر مكعب من المياه سنويًا16. ويعكس هذا الواقع الغنى المائي للمنطقة، حيث تقع الأغوار فوق ما يشبه بحيرة جوفية ضخمة تمثل ما يقارب ثلث المخزون المائي الجوفي في الضفة الغربية. إضافة إلى ذلك، تتميز الأغوار بأراضيها الزراعية الخصبة وبمناخها الدافئ شتاءً والحار صيفًا، الأمر الذي يجعلها ملائمة لزراعة أصناف عديدة، وبذلك تمثّل أراضيها السلة الغذائية المركزية للفلسطينيين؛ إذ تساهم بنحو 60 في المئة من إنتاج الخضراوات و 30 في المئة من إنتاج الفواكه في الضفة الغربية، وتشكّل أراضي المحميات الطبيعية ما يقارب 27 في المئة من مساحة الأغوار، وهي مناطق يحظر الاحتلال على الفلسطينيين استخدامها أو إقامة أيّ بناء فيها17. ويعكس هذا الثقل الزراعي وتوافر الموارد الطبيعية الكثيفة البعد السيادي للأغوار، حيث ترتبط السيطرة عليها بإمكانية تحقيق الأمن الغذائي وتقليل التبعية الاقتصادية. في المقابل، يحظى المستوطنون في منطقة الأغوار بامتيازات واسعة في الوصول إلى الموارد المائية؛ إذ يستهلكون سنويًا ما يقارب 45 مليون متر مكعب من المياه. وتمنحهم سلطات الاحتلال حصصًا مائية تفوق بنحو ثمانية أضعاف ما يحصل عليه السكان الفلسطينيون في المنطقة، حيث تُخَّصَص للأسرة المستوِطِنة كمية تقارب 450 لترًا يوميًا، مقابل نحو 60 لترًا فقط للأسرة الفلسطينية18. وُيُرصد سنويًا للمستوطنات في الأغوار ما يقارب 10 ملايين متر مكعب إضافية؛ أي ما يعادل نحو 30 في المئة من إجمالي استهلاك سكان الضفة الغربية كافة19. شجّع الاحتلال المستوطنين على الانتقال إلى منطقة الأغوار من خلال منحهم حوافز مالية وإعفائهم من بعض الرسوم، مثل رسوم التعليم، إضافة إلى تقديم الدعم لهم لاستغلال الأراضي الزراعية المحيطة بالمستوطنات وزراعتها. وتبلغ مساحة الأراضي الزراعية التابعة للمستوطنات في منطقة العزل الشرقية نحو 64 كيلومترًا مربعًا،

  1. نهب واستغلال: سياسة إسرائيل في منطقة غور الأردن وشمال البحر الميت"، تقرير شامل، مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة 2011()، شوهد في 2025/9/3، في https://acr.ps/1L9BOUJ:
  2. اقتحمها نتنياهو، ماذا نعرف عن منطقة غور الأردن"، الخليج أون لاين، 2024/9/13، شوهد في 2025/9/3، في https://khaleej.online/14oEjd:
  3. الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، المستعمرات الإسرائيلية في الضفة الغربية: التقرير الإحصائي السنوي 2022 2023()، شوهد في 2025/9/3، في: https://acr.ps/1L9BPuQ
  4. مشروع أطلقه الاحتلال عام 1993 يقضي بتوسيع مساحة القدس إلى 600 كيلومتر مربع. وقد جرى تخطيط الجدار الفاصل في القدس ليكون ضمنه.
  5. إسرائيل والأغوار: بين المفهوم الأمني واستراتيجيات الضم فادي نحاس، (رام الله: المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية – مدار، 2012)، ص.110
  6. فؤاد أبو سيف، واقع القطاع الزراعي في الأغوار بعد السابع من أكتوبر 2023 (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2024)، ص.12–1
  7. تجارة الاحتلال: كيف تسهم الأعمال التجارية بالمستوطنات في انتهاك إسرائيل لحقوق الفلسطينيين"، هيومن رايتس ووتش، 2016/1/19، شوهد في 2025/9/5 في: https://acr.ps/1L9BP4C
  8. The Jordan Vally," Peace Now (2017), accessed on 3/9/2025, at: https://acr.ps/1L9BPMu

تُستغل لإنتاج الفواكه والتمور والخضراوات. وفي الوقت نفسه، أقام الاحتلال 133 قاعدة عسكرية في المنطقة نفسها بمساحة تزيد على 33 كيلومترًا مربعًا، وحوّل مساحات واسعة منها إلى ميادين تدريب عسكري لقواته، واستحوذ على ما يقارب 72 في المئة من المنطقة بذريعة أنها "أراضي دولة"20. من الناحية الأمنية، تمثّل منطقة الأغوار ركيزة أساسية في العقيدة الأمنية الإسرائيلية، بوصفها "منطقة فاصلة" جغرافيًا وزمانيًا؛ إذ إنها تؤمّن الحدود الشرقية مع الأردن. وعلى الرغم من التحولات الكبيرة في طبيعة الحروب الحديثة، وخاصة في ظل تطور تكنولوجيا الصواريخ والطائرات المسّيةر، فإن الاحتلال لا يزال ينظر إلى الأغوار باعتبارها خَّطَ دفاٍعٍ استراتيجيًا متقدمًا له ولمستوطناته الممتدة على أراضي الضفة الغربية، حيث يوفر هذا الخط إنذارًا مبكرًا لأّي تهديد محتَمَل من الشرق، ويمنح الجيش الإسرائيلي مساحة مناورة ميدانية واسعة21. وتساهم المنطقة الفاصلة هذه، بحسب المفهوم الإسرائيلي، في تقليل المخاطر الناجمة عن ضيق "الخاصرة الجغرافية" بين الخط الأخضر والساحل، التي لا تتجاوز 12 كيلومترًا في بعض المناطق، وتضم مراكز الثقل السكاني والعسكري الكبرى مثل تل أبيب وحيفا22. تنسجم هذه الرؤية مع التصورات الأمنية الإسرائيلية التي تشكّلت منذ مشروع "ألون"23 بعد عام 1967؛ إذ يُنظر إلى هذه المنطقة باعتبارها منطقة فاصلة Zone Buffer بعرٍضٍ يراوح بين 10 كيلومترات و 15 كيلومترًا24نشئت. وفي هذا السياق، أ 34 مستوطنة في الأغوار، رُبطت فيما بينها عبر الطريق السريع (شارع)9025. وتواصلت المشاريع الاستيطانية ذات الطابع الاستعماري في استهداف المنطقة الشرقية، حيث تضمّنت أجزاء من "مخطط 2050" القاضي بإنشاء مطار في الأغوار الفلسطينية، إلى جانب مشروع الترام "القطار الخفيف" الهادف إلى مد شبكة مواصلات بين مستوطنات الضفة الغربية تصل حتى منطقة الأغوار بحسب المخطط26.

ب. مناطق العزل الغربية (خلف الجدار الفاصل)

بدأ بناء جدار الفصل العنصري في الضفة الغربية عام 2002، في فترة رئيس الحكومة الإسرائيلي الأسبق أرئيل شارون -2001(2006.) ويبني الاحتلال جزءًا من الجدار بمحاذاة الخط الأخضر، ويتوغل في الجزء الأكبر بضعة كيلومترات في أراضي الضفة الغربية. ويبلغ طول الجدار نحو 770 كيلومترًا، وارتفاعه عمومًا 8 أمتار، جرى بناء معظمه. وكان من المتوقع أنّ يضم الجدار 733 كيلومترًا مربعًا خلفه (بين الجدار والخط الأخضر) بعد الانتهاء من بنائه؛ أي نحو 13 في المئة من مساحة أراضي الضفة الغربية27. وساهم بناء الجدار الفاصل في ضم 71 مستوطنة من أصل 150؛ أي حوالى 47 في المئة من مجموع المستوطنات في الضفة الغربية، بما في ذلك الكتل الاستيطانية الكبرى، وهي كتل معاليه أدوميم، وغفعات زئيف، وغوش عتصيون، وجميعها يقع ضمن حدود "مشروع القدس الكبرى"، تضاف إلى ذلك كتلة أرئيل المبنية على أراضي محافظَتَي سلفيت وقلقيلية. وعند تحليل البيانات الخاصة بعدد المستوطنين في مختلف المستوطنات الواردة في خريطة الضفة الغربية التفاعلية الصادرة عن أوتشا28 ومعهد واشنطن29، يتبين أن نحو 650 ألف مستوطن يعيشون في المستوطنات التي ضُ مّت بالجدار (بما فيها القدس)، وهو ما يمثّل 88 في المئة من عدد المستوطنين الكّل يفي الضفة الغربية؛ أي إن المستوطنات الإسرائيلية التي لم يضمّها الجدار يقطنها ما يقارب 12 في المئة فقط من مجموع مستوطني الضفة الغربية. وبذلك يكون الجدار قد ضم الغالبية العظمى من عدد المستوطنين في الضفة؛ ما يعني أن مساره قد حددته على نحو دقيق سلطات الاحتلال وخططت له لتحقيق أهم الأهداف الاستراتيجية، وهو ضم أكبر عدد من المستوطنات والمستوطنين إلى دولة الاحتلال. وتبّي نالخريطة 2() مناطق العزل الغربية بفعل الجدار الفاصل30.

  1. السياسات الإسرائيلية تجاه الأغوار"، معهد البحوث التطبيقية 2010()، شوهد في 2025/9/3، في https://acr.ps/1L9BP1p:
  2. فراس القواسمي، "منطقة الأغوار بين الاحتلال وإعلان السيادة"، مركز رؤية للتنمية السياسية 2019()، شوهد في 2025/9/3، في: https://acr.ps/1L9BOYR
  3. نحاس، ص 104 - .112
  4. مشروع قدّمه إيغال آلون في تموز/ يوليو 1967 إلى مجلس الوزراء الإسرائيلي شمل تصورًا لحل إقليمي بعد حرب الأيام الستة انطلق من رفض العودة إلى خطوط هدنة 1949، وإعادة رسم خريطة الضفة الغربية، بما يضمن ضم الاحتلال أكبر مساحة. وعلى الرغم من عدم تصديقه رسميًا، فإنه شكّل إطارًا ضمنيًا وجّه السياسات التوسعية والاستيطانية الإسرائيلية. ينظر: "موسوعة المصطلحات – مشروع ألون"، المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية - مدار 2025()، شوهد في 2025/9/2، في: https://acr.ps/1L9BORw
  5. عبد الرحمن القيق، سياسة الاستيطان الإسرائيلي، 1967 - 2006، الخليل نموذجًا: دراسة حالة (القدس: عمادة الدراسات العليا – جامعة القدس، 2010)، ص.24
  6. اعتمادًا على خرائط غوغل، أطول طريق سريع يبلغ 460 كيلومترًا، يمتد من "المطلة" أقصى شمال فلسطين التاريخية، قرب الحدود مع لبنان، وصولًاإلى مدينة إيلات عند الحدود الجنوبية مع مصر والبحر الأحمر، ويقطع الضفة الغربية من شمالها إلى جنوبها في منطقة
  7. خليل التفكجي، "مخطط اليمين الإسرائيلي في القدس لعام "2050، الجزيرة نت، 2017/3/30، شوهد في 2025/9/2، في https://acr.ps/1L9BPn7:
  8. جدار الفصل الإسرائيلي.. ظاهره منع عمليات المقاومة وباطنه تقسيم أوصال فلسطين"، الجزيرة نت، 2024/6/3، شوهد في 2025/9/3، في: https://acr.ps/1L9BORv
  9. Interactive West Bank Map."
  10. Settlements and Solutions." 30  Ibid. المصدر: معهد الأبحاث التطبيقية (أريج) 2006()، شوهد في 2025/10/15، في: https://www.palqa.com/wp-content/uploads/2015/08/wall_2008.jpg
  11. الأغوار، وبمحاذاة البحر الميت في وسط الضفة.

الخريطة)2(مناطق العزل الغربية بفعل الجدار الفاصل

يلاَحَظ من خلال الخريطة 2() اختراق الجدار الفاصل قلب الضفة الغربية عبر تكتل أرئيل الذي وصل بعمق 22 كيلومترًا من الخط الأخضر، وكذلك عبر "مشروع القدس الكبرى"، حيث تبلغ المسافة بين الخط الأخضر وأبعد نقطة للجدار الفاصل في تكتل معاليه أدوميم (شرق القدس) 15 كيلومترًا. وأدى اختراق الجدار قلب الضفة إلى فرض قيود كبيرة على التواصل الجغرافي بين المناطق الفلسطينية. واتبع الاحتلال، إلى جانب سعيه لضم أكبر عدد ممكن من المستوطنات، مجموعة من المحددات في رسم المسار الحالي للجدار الفاصل، يأتي في مقدمتها، وتحديدًا في مدينة القدس، توسيع حدود بلديتها على نحو يتوافق مع التصور الإسرائيلي لما يُعرف ب "مشروع القدس الكبرى." وقد بُني الجدار فعليًا استنادًا إلى هذا التوسع، ما أدى عمليًا إلى إخراج نحو 150 ألف فلسطيني من حدود المدينة الرسمية، على الرغم من أنهم كانوا يقيمون داخلها، في حين أنه ضّم الكتل الاستيطانية الكبرى الواقعة على الأطراف (معاليه أدوميم، وغفعات زئيف، وغوش عتصيون)، والتي يعيش فيها نحو 162 ألف مستوطن، ضمن النطاق البلدي للقدس. وقد اضطلعت الأبعاد الرمزية والدينية بدوٍرٍ رئيس في رسم الجدار؛ إذ اخترق بعمق 4 كيلومترات على نحو مُلتٍوٍ ومعقد بالقرب من المدخل الشمالي لمدينة بيت لحم ليضم مسجد بلال بن رباح، الذي يطلق عليه الاحتلال قبة راحيل31، ضمن سياسة مدروسة تهدف إلى إعادة تشكيل الهوية الدينية والتاريخية للمدينة المحتلة. وشَّكَل الجدار إحدى أبرز أدوات الاحتلال في تأمين المستوطنات، خصوصًا تلك التي تقع على التلال والمرتفعات، حيث جاء مساره منحازًا إلى السيطرة على هذه المواقع المرتفعة ذات الأهمية الاستراتيجية. ويجد هذا التوجه دعمه في بعض الروايات الدينية التي تحثّ على التمركز في رؤوس الجبال32، بما يعكس الُبُعد الأيديولوجي الذي يتقاطع مع الاعتبارات الأمنية. فعلى سبيل المثال، يتوغل الجدار شرق جنين عند قريَتَي جلبون والمطلة ليستولي على التلال الشرقية، ويتجه غربًا في منطقة أم الريحان لُيُحكم السيطرة على المرتفعات الغربية. وُيلُاحظ، إلى جانب البعد الطوبوغرافي، أن السيطرة على الأراضي الزراعية محدد أساسي في رسم مسار الجدار، حيث عُزلت مساحات واسعة من هذه الأراضي الزراعية والغابات خلفه، ويقَّدَر أن هذه المساحات تمثّل نحو 48 في المئة من المنطقة المعزولة. وفي محافظة القدس وحدها، تصل مساحة الأراضي الزراعية والغابات المعزولة إلى نحو 87 ألف دونم؛ أي ما يعادل 60 في المئة من إجمالي الأراضي الواقعة خلف الجدار. ويفرض الاحتلال قيودًا شديدة على المزارعين للوصول إلى مزارعهم في هذه المناطق، ويطلب منهم الحصول على التصاريح؛ إذ يعتبرها مناطق تماسّ، ما يستدعي الحصول على تصاريح مسبقة من سلطاته. ومن جانب آخر، يهدف الاحتلال من مسار الجدار الحالي إلى تعزيز إمكانية بسط نفوذه على مصادر المياه الرئيسة في الضفة الغربية، حيث تقع المنطقة فوق ثلاثة أحواض مائية جوفية: الشرقي، والشمالي الشرقي، والغربي. وقد عزز الجدار السيطرة الإسرائيلية على الحوض الغربي تحديدًا، الذي يُعدّ الأغنى من حيث المخزون؛ إذ يحتوي على ما يقارب 362 مليون متر مكعب سنويًا؛ أي ما يمثّل أكثر من نصف الموارد المائية الجوفية الفلسطينية33. وجاء الخط الحالي للجدار كذلك لحماية بعض الطرق الرئيسة (الالتفافية) التي يصل طولها إلى قرابة الألف كيلومتر في الضفة الغربية. فعلى سبيل المثال، يمتد الجدار بمحاذاة شارع رقم 60 الذي

  1. عابد والحلايبة والقواسمي، ص 59 - .75
  2. ( 32 التناخ، سفر يشوع: الإصحاح 17،:14 18)، شوهد في 2025/9/3، في: https://acr.ps/1L9BP9n
  3. عابد والحلايبة والقواسمي، ص.73

يربط القدس وبيت لحم مسافة تقارب 5 كيلومترات34. واعُتُمد في بناء الجدار ضمن هذه المناطق أسلوب القمة المنكسرة، بما يقلّص من إمكانية الرؤية الأفقية إلى حد بعيد، ولتأمين حماية مركبات الاحتلال من رشق الحجارة. وتبّي ن النقاط السابق ذكرها أن بناء الاحتلال الإسرائيلي للجدار الفاصل لم يكن للحماية الأمنية من الهجمات الفلسطينية، كما حاول أن يروّج، فحسب، بل لأهداف استعمارية استيطانية بحتة تتمثل في السيطرة على الأرض والموارد وإيجاد البيئة الضاغطة لطرد الفلسطيني من أرضه أيضًا.

2. السيطرة على القدس وتفتيت وسط الضفة الغربية

كانت أولى خطوات الاحتلال الإسرائيلي، بعد احتلال القدس عام 1967، إصدار قانون من الكنيست بضمّ شرق القدس إلى السيادة الإسرائيلية، وبذلك بات هناك ما يُعَرَف بشرق القدس وغربها. وكان هذا القانون يهدف كذلك إلى توسيع حدود بلدية القدس، حيث أصبحت مساحتها 71 كيلومترًا مربعًا (بقسمها الشرقي)، بعد أن كانت 6.5 كيلومترات مربعة في سياق السيطرة الأردنية35. ومنذ احتلال القدس، تبنّى الاحتلال عددًا من الخطط والمشاريع التوسعية، التي يمكن أن نطلق عليها "استراتيجية الأطواق الثلاثة"، وهي كالتالي:

أ. داخل سور القدس القديمة

شرع الاحتلال، منذ عام 1967، في تنفيذ سياسة تهدف إلى تغيير هوية مدينة القدس ومعالمها التاريخية. ففي عام 1968، وسّع الحي اليهودي بعد هدمه أكثر من 135 بيتًا ومسجدين في حارة المغاربة، حيث سوّى الحي بالأرض؛ ليمهّد بذلك الطريق أمام اليهود لأداء طقوسهم الدينية عند حائط البراق. وبعد ذلك، وسّع حارة اليهود، بعد ضمّ حارة الشرف وباب السلسلة المجاوَرَين، وطرد سكانها البالغ عددهم 6 آلاف، ليحلّ مكانهم ما بين 3500 و 5000 مستوطن من 600 عائلة يهودية. واليوم، تمثل مساحة الحي اليهودي أكثر من 20 في المئة من مساحة البلدة القديمة، كما استولى الاحتلال على 56 منزلًاعربيًا إضافيًا، موزعة بين أحياء القدس القديمة36، في إطار سياسة تهدف إلى تفريغ المدينة من سكانها الأصليين وترسيخ وجود استيطان استعماري إحلالي داخل أسوارها.

ب. خارج حدود القدس القديمة، وداخل حدود البلدية الموسعة

بعد توسيع حدود بلدية القدس عام 1967، عمل الاحتلال على إقامة حزام استيطاني يطوّق شرق المدينة من الشمال والجنوب، مستوطنة رئيسة أ ويشمل 11 قيمت في فترة زمنية متقاربة، بين، باستثناء مستوطنة هارحوما التي أ عاَمَي 1967 و 1975 نشئت عام 1991. وُيُذكر أن بعضها، مثل جيلو وبسغات زئيف، تحوّل إلى تجمعات سكانية ضخمة تضم عشرات آلاف المستوطنين، وتستند إلى بنية تحتية متكاملة دعمتها الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة. ويتمثّل الهدف المباشر للحزام في عزل القدس عن امتدادها الطبيعي مع الضفة الغربية وقطع أيّ إمكانية لقيام وحدة جغرافية فلسطينية، سواء داخل القدس أو في تواصلها مع محيطها. وبذلك تحوّلت هذه المستوطنات إلى جدار فاصل عملي، يمنع التواصل بين الأحياء الفلسطينية ويقيّد نموها العمراني37. وإضافة إلى ذلك، تكمن خطورة هذا الطوق في بعديه الاستراتيجي والديموغرافي؛ حيث صُِّمِم لضمان أغلبية يهودية في القدس، عبر محاصرة الأحياء العربية من جهاتها كافة ومنع تمددها الطبيعي، مثل العيسوية وجبل المكبر. وعلاوة على ذلك، جرت مصادرة آلاف الدونمات من أراضي القرى الفلسطينية المحيطة، مثل بيت صفافا، وصور باهر، وشعفاط، وعناتا38.

ج. حول حدود بلدية القدس

يمتد هذا الطوق بين حدود بلدية القدس وحدود مستوطنات ما يُعَرَف اليوم بمشروع مخطط "القدس الكبرى." ويهدف بناؤه إلى إيجاد سور مانع لمدينة القدس من خارج حدود بلديتها، وضمان تواصل دائم لليهود وإبعادهم عن الاحتكاك بالعرب39.ن وتبّي الخريطة 5()، وتحديدًا وسطها بين مناطق العزل الشرقي والغربي (بين فّك يالكماشة)، أن الاحتلال عمل على فصل شمال الضفة الغربية عن جنوبها من خلال مشروع القدس الكبرى، الذي بُني جدار الفصل العنصري على حدوده.

  1. Settlements and Solutions."
  2. الاستيطان الصهيوني في القدس ومستقبل المستوطنات فيها محمد جابر، (عمان: دار فضاءات للنشر والتوزيع، 2010)، ص .18
  3. فاضل، ص.139
  4. غازي حسين، "القدس بين الحق العربي والاستعمار اليهودي"، وكالة قدس نت للأنباء، 2016/10/19، شوهد في 2025/9/3، في https://acr.ps/1L9BPSo:
  5. أحمد أسعد ومنير فخر الدين، "السيطرة الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية والسورية المحتلة سنة 1967"، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2021/4/9، شوهد في 2025/9/3، في: https://acr.ps/1L9BPMn
  6. عابد والحلايبة والقواسمي، ص.86 المصدر: الجمعية الفلسطينية الأكاديمية للشؤون الدولية، "نشاطات الاستيطان في البلدة القديمة"، شوهد في 2025/10/15، في: نشاطات الاستيطان في البلدة القديمة – PASSIA

الخريطة)3(توزّع الاستيطان داخل حدود البلدة القديمة في القدس

الخريطة)4(حدود بلدية القدس تبعًا للفترات المختلفة، والمستوطنات الإسرائيلية داخل الطوق الثاني

بدأ التخطيط الرسمي للمشروع برؤيته الحالية عام 1993، بإشراف من وزير الإسكان آنذاك بنيامين بن إليعازر، بدعم مباشر من رئيس الحكومة إسحاق رابين 1995-1992()، وذلك استجابةً لزيادة نسبة السكان الفلسطينيين المستمرة في القدس، على الرغم من جميع الإجراءات الإسرائيلية ضدهم؛ إذ وصلت آنذاك إلى حوالى 30 في المئة من مجموع سكان القدس بشَّقَيها الشرقي والغربي، بعد أن كانت 26 في المئة عام 1967. لذلك سعى المخطط، منذ البداية، لتحقيق هدف ديموغرافي استراتيجي يتمثل في ترسيخ أغلبية يهودية تصل إلى 88 في المئة مقابل تقليص نسبة الفلسطينيين إلى 12 في المئة فقط40. وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن هدفًا مشابهًا كانت الحكومة الإسرائيلية، بقيادة رئيسة الوزراء الإسرائيلية غولدا مائير)1974-1969(، تسعى لتحقيقه عام 1973؛ إذ شكّلت لجنة "غافني" التي أوصت بالمحافظة على تفوّق ديموغرافي في القدس، بحيث لا تتجاوز نسبة الفلسطينيين 22 في المئة مقابل 78 في المئة نسبة اليهود41. وعلى الرغم من كل الإجراءات المتخذة في ذلك الوقت، من سحب الهويات المقدسية وهدم المنازل ومصادرة الأراضي والتصديق على العديد من مشاريع التوسعة الاستيطانية الاستعمارية، فإن سياسات الاحتلال فشلت في وقف نسبة التزايد السكاني للفلسطينيين42، حيث وصلت نسبتهم في القدس إلى 38 في المئة مع حلول عام.2017 أما من حيث المساحة، فتغطي المستوطنات والتجمعات الاستيطانية، التي باتت جزءًا من مشروع "القدس الكبرى"، ما

  1. 42 خليل التفكجي، "القدس الكبرى كما تراها إسرائيل"، مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 113 (شتاء 2018)، ص 198 - .202
  2. خليل التفكجي، "القدس: إعادة تشكيل/ حرب تشرين"، مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 134 (خريف 2025)، ص.236
  3. 40 خليل التفكجي، "الاستيطان في مدينة القدس: المقدمة"، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2014، ص 14، شوهد في 2025/1/15، في: https://acr.ps/1L9F2Vc

يقارب 254 كيلومترًا مربعًا؛ أي ما يعادل نحو 4.5 في المئة من إجمالي مساحة الضفة الغربية البالغة 5655 كيلومترًا مربعًا43. وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أنه يجب التفريق بين مشروَعَي "القدس الكبرى" و"القدس المتروبوليتانية"؛ إذ لا يهدف الأخير إلى السيطرة الجغرافية التقليدية على الأرض الفلسطينية، بل صُمّم لإنشاء بنية تحتية إقليمية تمتد إلى دائرة أكبر من مخطط المشروع الأول والجدار الفاصل في القدس، وسيصل تأثيره إلى مساحة 950 كيلومترًا مربعًا44. عمد الاحتلال، لتنفيذ رؤيته القائمة على فرض أغلبية يهودية في القدس، إلى بناء جدار الفصل العنصري على حدود مخطط "القدس الكبرى" الذي أخرج 150 ألف فلسطيني من حدود بلدية القدس45، وضمّ ثلاث كتل استيطانية استعمارية، هي: معاليه أدوميم من الشرق، وغفعات زئيف من الشمال، وغوش عتصيون من الجنوب، ويستوطنها نحو 162 ألف مستوطن، وعند إضافة عدد المستوطنين في حدود شرق القدس، وهو 227 ألفًا، يصبح مجموعهم ضمن حدود مشروع "القدس الكبرى" حتى عام 2023 نحو 390 ألف مستوطن46. يعمل مخطط مشروع "القدس الكبرى" كذلك على "خلق تواصل واضح للسكان اليهود، وتقليص التقارب والاحتكاك بالعرب، والحفاظ على تعزيز مكانة القدس الخاصة كعاصمة إسرائيل، وكمدينة عالمية، إضافة إلى ربط المستعمرات خارج حدود البلدية بداخلها، بواسطة ممرات"47. وعلى أيّ حال، يفصل المشروع شمال الضفة عن جنوبها؛ إذ يمتد من تجمع عتصيون الاستيطاني جنوب القدس (يشمل 14 مستوطنة)، إلى تجمع معاليه أدوميم شرق القدس (يشمل 8 مستوطنات)، وتجمع غفعات زئيف شمال القدس (يشمل 5 مستوطنات.) الخريطة)5(البناء الاستيطاني في الضفة الغربية

وصل عدد السكان المقيمين في شرق القدس (ضمن حدود بلدية القدس)، بحسب آخر إحصائيات متوافرة في عام 2020، من العرب واليهود إلى 595400 نسمة، يمثل العرب 61 في المئة، واليهود 39 في المئة، أما غرب القدس فالعدد فيها 355700، بنسبة 99 في المئة لليهود و 1 في المئة للعرب. لكن، عند مقارنة عدد السكان في شرق القدس وغربها سويًا تختلف التركيبة الديموغرافية؛ إذ يبلغ العدد 951100، بواقع 39 في المئة للعرب و 61 في المئة لليهود. وتعّب رهذه الأرقام في الحقيقة عن تراجع في نسبة السكان اليهود؛ إذ كانت تمثل 74 في المئة، والعرب 26 في المئة، عام 1967. ووصلت عام 1990 إلى 72 في المئة لليهود، و 28 في المئة للعرب، واستمرت على هذه الوتيرة لتصل إلى 68 في المئة لليهود، و 32 في المئة للعرب عام 2000 48.

  1. يقال في أوساط الباحثين في شؤون الاستيطان إن مشروع القدس الكبرى يسيطر على نسبة 10 في المئة من مساحة الضفة الغربية، وهذا ما سبق أن أشرنا إليه أيضًا، غير أن إعادة احتساب المساحات استنادًا إلى المكونات الفعلية للمخطط تُظهر أرقامًا مختلفة؛ إذ إن جمع مساحة بلدية القدس 71 كيلومترًا مربعًا، وتجمع معاليه أدوميم الاستيطاني 58 كيلومترًا مربعًا، وغوش عتصيون 72 كيلومترًا مربعًا، وغفعات زئيف 27 كيلومترًا مربعًا، إضافة إلى المساحة الغربية الموسعة من حدود بلدية القدس 30 كيلومترًا مربعًا، يرفع المجموع إلى 254 كيلومترًا مربعًا؛ أي ما نسبته 4.5 في المئة فقط من مساحة الضفة الغربية.
  2. المرجع نفسه.
  3. فراس القواسمي، "المشاريع الاستيطانية الصهيونية في محافظة القدس"، مجلة المقدسية، العدد  11 2021()، ص.77
  4. Settlements and Solutions."
  5. خليل التفكجي، "الاستيطان في مدينة القدس: الأهداف والنتائج"، مجلة الدراسات الفلسطينية، مج  8، العدد 31 1997()، ص.16–11 المصدر: فراس القواسمي، "المشروع الاستيطاني الصهيوني في الضفة الغربية والقدس"، مركز رؤية للتنمية السياسية، 2020، شوهد في 2025/10/15، في: https://acr.ps/1L9F2NR
  6. ميخال كورح ومايا حوشن، معطيات عن أورشليم القدس: الوضع القائم واتجاهات التغيير (القدس: معهد القدس لبحث السياسات، 2022)، ص 17 - .18

وعند تحليل عدد السكان في إطار مشروع "القدس الكبرى"، وليس شرق القدس وغربها فحسب، يتضح أن نسبة العرب تقلّ لتصل إلى نحو 21 في المئة من السكان، وهذه النسبة قريبة من تلك التي أوصت بها حكومة غولدا مائير عام 1973. ويذكر زياد الحموري، مسؤول مركز القدس للحقوق القانونية، أن خطة زيادة نسبة اليهود يُتوقع أن تنجح لتصل إلى 88 في المئة، في مقابل تدّن ينسبة العرب إلى 12 في المئة، بحلول عام 2030 49. لم يكن وصول الاحتلال إلى المعادلة الديموغرافية التي يرغب فيها من خلال التفوق السكاني الطبيعي، بل من خلال استخدام القوة العسكرية التي تمثّلت في بناء الجدار الفاصل وعزل 150 ألف فلسطيني عن مدينتهم، وكذلك من خلال التوغل الاستيطاني والسيطرة على حوالى 5 في المئة من أراضي الضفة؛ لبناء مخطط مشروع "القدس الكبرى." وتوضح البيانات السابقة أنه لولا سياسات الاحتلال التعسفية لما كان له أن يصل إلى ما وصل إليه من تغيير للتركيبة الديموغرافية؛ حيث إن تتبّع وتيرة التطور الديموغرافي في القدس يدل بوضوح على أن استمرار الزيادة الديموغرافية الفلسطينية يشكّل صورة حقيقية لتحدّي المحتل ديموغرافيًا. وقد أظهرت بعض الدراسات الاستراتيجية المستقبلية أنه في حال استمرار تزايد نسبة الفلسطينيين العرب بهذا المعدل، فستصل50 إلى 55 في المئة في غضون عام 2040 51. وبناء على ذلك، قررت حكومات الاحتلال المتعاقبة، ضمن إطار الطوق الثالث (مشروع القدس الكبرى)، تنفيذ عدد من المشاريع نذكر أخطرها:

المشروع الاستيطاني E1

علن عن هذا المشروع عام أ 1994، عندما كان رابين رئيسًا للحكومة. وفي عام 1997، صدّق وزير الدفاع آنذاك، إسحاق موردخاي، على المخطط، ثم اعتمدت الحكومة بعد عامين الخريطة الهيكلية للمنطقة وفقًا للمخطط رقم)420/4(52. وقد هدف هذا المشروع إلى السيطرة على قرابة 12500 دونم من أراضي القدس والضفة الغربية، التي جرى بالفعل السيطرة عليها وتصنيفها "أراضي دولة"، وُأ لحقت إداريًا بمستوطنة معاليه أدوميم، التي تقع ضمن مخطط مشروع "القدس الكبرى." ويتضمن هذا المشروع إقامة منطقة صناعية على مساحة كيلومتر مربع واحد، و 4000 وحدة سكنية، و 10 فنادق53. علّقت إسرائيل، منذ عام 2009، مخطط E1 بفعل ضغوط دولية، لكنها أعادت تفعيله عام 2012 بعد اعتراف الأمم المتحدة بفلسطين "مراقبًا غير عضو." وتتابعت بعد ذلك محاولات إسرائيلية متكررة للتصديق عليه. وفي حين أن أعمال البناء الرسمية ظلّت مجمدة بفعل الضغوط الدولية، واصلت سلطات الاحتلال تجهيز البنى التحتية على نحو غير معلن في انتظار فرصة سياسية مواتية. وجاء التحول الأبرز عام 2020 مع دعم إدارة دونالد ترمب 2021-2017() للمخطط، حين منح نتنياهو الضوء الأخضر لبناء 3500 وحدة استيطانية باعتباره خطوة نحو ضم الضفة الغربية54. وعلى الرغم من بعض التأجيلات، استمرت المساعي حتى تموز/ يوليو 2025، حين صدّقت سلطات الاحتلال على ربط معاليه أدوميم بشرق القدس، حيث رفضت جميع الاعتراضات المقدّمة، ليعلن بتسلئيل سموتريتش في آب/ أغسطس 2025 المضي قُدمًا في بناء آلاف الوحدات السكنية. وفي أيلول/ سبتمبر 2025، أعلن نتنياهو رسميًا التصديق على المشروع وتوقيع اتفاقية لإطلاقه، مؤكدًا أن "لن تكون هناك دولة فلسطينية"، ما مثّل خطوة سياسية نحو تكريس السيطرة الإسرائيلية على المنطقة55. تتمثل خطورة هذا المشروع في أنه يغلق المنطقة الشرقية من محافظة القدس، ويعمل على تطويق مناطق عناتا والطور وحزما، ومن ثم يحول دون أيّ توسّع فلسطيني نحو الشرق، وُيُسقط عمليًا خيار شرق القدس عاصمةً لفلسطين56. وإضافة إلى ذلك، فإنه يهدف إلى خلق تواصل جغرافي بين المستوطنات المقامة في المنطقة الشرقية خارج حدود بلدية القدس، مع تلك الواقعة داخلها، بحيث تتحول إلى كتلة استيطانية واحدة متصلة. وتترتب على هذا المخطط آثار خطيرة، تتمثّل في فصل شرق القدس عن بقية مدن الضفة الغربية وبلداتها، وتقسيم الضفة إلى شطرين منفصلين، بما يقوّض إمكانية إقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافيًا.

  1. 53 شارمين زايتس، "خطة E-1 وسواها من الكوارث النازلة بالقدس"، مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد  24 (صيف 2005)، ص .147–146
  2. 54 عبد الرؤوف أرناؤوط، "نتنياهو يوعز ببناء 3500 وحدة استيطانية شرق القدس"، القدس العربي، 2020/2/25، شوهد في 2025/9/3، في: https://acr.ps/1L9BPhq
  3. 55 " Netanyahu Signs West Bank Settlement Expansion Plan, Rules out Palestinian State," Reuters , 11/9/2025, accessed on 30/9/2025, at: https://acr.ps/1L9BP2F 56 التفكجي، "الاستيطان في مدينة القدس: المقدمة"، ص.28
  4. مخطط 'إي 1..' خطة استيطانية للتغيير الديمغرافي في القدس"، الجزيرة نت،
  5. 49 ميرفت صادق، "الإحصاء في القدس: نضال لأجل رقم وطني وواقعي"، الجزيرة نت، 2017/9/26، شوهد في 2025/9/12، في https://acr.ps/1L9BOWo:
  6. 50 هذه النسبة لا تأخذ في الاعتبار تأثير مشروع "القدس الكبرى" في البنية الديموغرافية، بل تشمل التركيبة السكانية في شرق القدس وغربها ضمن حدود البلدية.
  7. 51 خليل التفكجي، "الصراع الديمغرافي في مدينة القدس"، الجزيرة نت، 2017/6/5، شوهد في 2025/9/2، في https://acr.ps/1L9BPHp:
  8. 2025/8/15، شوهد في 2025/9/3، في https://acr.ps/1L9BP2f:

وعلاوة على ذلك، يهدد المشروع على نحو مباشر تجمّع خان الأحمر البدوي الواقع بين القدس ومعاليه أدوميم، حيث يُعتبر إخلاؤه شرطًا أساسيًا لاستكمال المخطط57. وقد أثار هذا القرار الأخير في عام 2025 موجة إدانات دولية؛ إذ حذرت تقارير للأمم المتحدة وأخرى أوروبية من أن تنفيذ المشروع سيقضي فعليًا على أيّ إمكانية واقعية لقيام دولة فلسطينية متصلة جغرافيًا58.

الحوض المقدس

مخطط استيطاني استعماري، يهدف إلى السيطرة على مساحة 2.5 كيلومتر مربع من أراضي القدس التي تمتد من سلوان إلى جبل الزيتون، ويطلق الصهاينة على هذه المنطقة اسم مدينة داوود، حيث تقع في الجزء الجنوبي والجنوب الشرقي من البلدة القديمة. وقد شرع الاحتلال في الحفريات في هذه المنطقة منذ الستينيات للبحث عن الآثار اليهودية، ولكن ما وُجد هو آثار تعود إلى اليبوسيين59. ويهدف الاحتلال إلى هدم نحو 97 بيتًا فلسطينيًا، وجْعْل هذه المنطقة مكانًا أثريًا ودينيًا، يُبنى طبقًا للمخيال اليهودي، إذ سيضم كل المقتنيات والآثار المسروقة، وبناء حديقة داود الخاصة باليهود، وبذلك تُطمس المعالم التاريخية الإسلامية فيها60. يُعدّ نفق "مسار الحجاج"، الممتد أسفل وادي حلوة في سلوان، الأداة تاحت الأرضية الأبرز ضمن مشروع الحوض المقدس؛ إذ يُوِجِد تواصل مباشرًا بين ما يسمى "مدينة داود" والبلدة القديمة، ويمرّ تحت منازل فلسطينية قائمة. وفي 15 أيلول/ سبتمبر 2025، حضر وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو -2025() مع نتنياهو حفل تدشين النفق بعد استكمال الكشف عنه داخل منتزه "مدينة داود"، في خطوة حملت بعدًا رمزيًا واضحًا، وأضفت عليه بعدًا سياسيًا وإعلاميًا جديدًا61. تقود جمعيات استيطانية في حي بطن الهوى في بلدة سلوان، مثل "عطيرت كوهنيم"، سلسلة دعاوى قضائية تهدف إلى الاستيلاء على منازل فلسطينية وإخلاء سكانها، وذلك لإيجاد تواصل استيطاني من سلوان في اتجاه "مدينة داود" وصولًاإلى داخل أسوار البلدة القديمة. وخلال عاَمَي 2024 و 2025، أصدرت المحاكم الإسرائيلية عدة قرارات لفائدة هذه الجمعيات؛ ما مهّد الطريق أمام عمليات الإخلاء، في ظل تقارير حقوقية توثّق تواطؤ مؤسسات الاحتلال في تسهيل هذا المسار62. وُيُعدّ هذا المخطط جزءًا أساسيًا من مشروع "الحوض المقدس"، حيث يشكّل بطن الهوى البعد السكاني - العقاري لهذا المشروع، تمامًا كما تشكّل الأنفاق والمتنزهات التوراتية (مثل مسار الحجاج وحديقة الملك) بُعده الأثري والسياحي.

مشروع 5800 لعام 2050

مشروع جديد يعّب رعن تصور عمراني – إقليمي، أطلقه اليمين الإسرائيلي قبل سنوات يحدد معالم جديدة للقدس في عام 2050. ويهدف إلى إقامة مطار دولي في منطقة البقيعة القريبة من مدينة أريحا التي تقع شرق كتلة معاليه أدوميم الاستيطانية الاستعمارية في القدس، وبناء شبكة طرق في تلك المنطقة، وإقامة مناطق صناعية وتجارية وفنادق، وتوسعة حدود مشروع "القدس الكبرى" لتصل إلى منطقة أريحا63. ويمكن القول، لتلخيص استراتيجيَتَي الاحتلال الاستيطانية الاستعمارية (فكّا الكماشة وتفتيت القدس)، إن الاحتلال يسيطر بالكامل على نحو 60 في المئة من أراضي الضفة المصنّفة (ج) بموجب اتفاق أوسلو. وتشمل هذه المساحات مناطق الأغوار الشرقية التي تشكّل قرابة 29 في المئة من الضفة. وقد ساهم جدار الفصل العنصري في عزل نحو 13 في المئة من الأراضي من الجهة الغربية بما فيها القدس. يضاف إلى ذلك السيطرة على مناطق متفرقة وسط الضفة عبر شبكة الاستيطان الواسعة التي تضم المستوطنات المنتشرة على جميع أراضي الضفة، وما يقارب 300 بؤرة استيطانية، إلى جانب شبكة طرق التفافية يتجاوز طولها 1000 كيلومتر، و 67 معسكرًا عسكريًا، و 108 حواجز ثابتة، فضلًاعن الحواجز المتحركة. وبذلك يمكن القول إن الاحتلال يحاصر الضفة من شرقها وغربها كفَّك يكماشة. أما مشروع "القدس الكبرى" في قلب الضفة الغربية، والذي بُني جدار الفصل على حدوده، فقد ساهم في فصل شمال الضفة عن جنوبها؛ ما أدى إلى تفتيت المساحات الفلسطينية إلى جزر صغيرة غير مترابطة. وبذلك لم تعد الضفة الغربية وحدةً جغرافيةً واحدة، بل فسيفساء من نحو 220 منطقة معزولة، تعكس سياسة ممنهجة لتفكيك المجال الفلسطيني وتحويله إلى كانتونات محاصرة.

  1. Fact Sheet: Israel's E1 Settlement," The Institute for Middle East Understanding (2021), accessed on 16/9/2025, at: https://acr.ps/1L9BPdV
  2. Merve Aydogan, "UN Warns About 'Devastating Humanitarian Impact' of Israel's Controversial E1 Settlement Plan in Occupied West Bank," Anadolu Agency , 20/8/2025, accessed on 12/9/2025, at: https://acr.ps/1L9BPTz
  3. يونس العموري، "الحوض المقدس"، مركز الخليج للدراسات 2015()، شوهد في 2025/10/31، في https://acr.ps/1L9BPE4:
  4. التفكجي، "الاستيطان في مدينة القدس: المقدمة"، ص.25
  5. Nava Freiberg, "Rubio Visits Contentious Jerusalem Archaeological Site, Boosting Israeli Claim to Area," The Times of Israel , 16/9/2025, accessed
  6. District Court Orders Eviction of 66 Palestinians from Batan Al- Hawa in Favor of Settlers," Peace Now , 16/7/2024, accessed on 12/9/2025, at: https://acr.ps/1L9BPGu 63 التفكجي، "القدس الكبرى كما تراها إسرائيل"، ص.45 مجلة المقدسية المصدر: فراس القواسمي، "المشاريع الاستيطانية الصهيونية في محافظة القدس"،، العدد  11 2021()، ص.87
  7. on 23/9/2025, at: https://acr.ps/1L9BOWT

الخريطة)6(ضمن حدود مخطط القدس ال مشروع E1 بركى

ثانيًا: التحليل والنقاش

1. البناء الاستيطاني في الضفة الغربية: بنية لا حدث

"ُتُعدّ مقولة وولف الشهيرة "الاستعمار الاستيطاني بنية وليستا حدثًا أساسًا مهمًالفهم الاستعمار الاستيطاني في الضفة الغربية؛ إذ إن ما نشهده لا يعّب رعن احتلال عسكري أو هبّة استيطانية عابرة، بل عملية متواصلة وممنهجة تعيد إنتاج ذاتها باستمرار، عبر بنية مؤسساتية وقانونية ومجتمعية، لا تتوقف عند حدود إقامة مستوطنة أو السيطرة على قطعة أرض، بل تشكّل نسقًا استعماريًا متكاملًايهدف إلى تحقيق ما وصفه وولف ب "الإبادة المستمرة"؛ أي إزالة الوجود الفلسطيني سواء من الناحية المادية، أو القانونية أو حتى الرمزية. ولفهم طبيعة البنية المؤسساتية، يجدر بنا تتبّع مسار القرار الاستيطاني منذ البداية. فالأمر يبدأ عادة من المجلس الأعلى للتخطيط التابع للإدارة المدنية، الذي يتولى إعداد المخططات الخاصة بإنشاء مستوطنات جديدة، أو توسيع القائم منها، أو الاستيلاء على أراٍضٍ فلسطينية بعد تغيير وضعها القانوني. ولا تبقى هذه الخطط في حدودها التقنية، بل تنتقل إلى الحكومة الإسرائيلية التي تمنحها الغطاء السياسي من خلال التصديق النهائي. وبعد ذلك، تُناط بالإدارة المدنية مهمة التنفيذ، بالتنسيق مع الوزارات المختلفة ومجلس المستوطنات "يشع"64. وبعد أن يجري البناء، يوكل الأمر إلى المجالس المحلية للمستوطنات، حيث تتابع توفير البنى التحتية والخدمات الرئيسة65. وفيما يخص القدس، تقع صلاحية تقرير التوسع الاستيطاني داخلها في الأساس على رئيس بلديتها، الذي يشرف على نحو مباشر على تخطيط

  1. مجلس المستوطنات "يشع:" هو اختصار بالعبرية ليهودا، وشومرون، وعزة؛ أي الضفة الغربية وقطاع غزة، وهو هيئة تمثيلية تضمّ المجالس المحلية والإقليمية في هذه المناطق. ويهدف إلى دفع المشروع الاستيطاني إلى مقدّمة أولويات الحكومات الإسرائيلية، من خلال الضغط السياسي لتخصيص ميزانيات ضخمة لتعزيز الاستيطان وتوسيعه. ينظر: "مجلس يشع"، المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية - مدار، شوهد في 2025/3/12، في: https://acr.ps/1L9BPrj
  2. فراس القواسمي، "الاستيطان الصهيوني في الضفة في ظل حكومة اليمين المتطرفة: سلسلة الاستيطان قراءة سياساتية في التفاهمات بين أحزاب الائتلاف الحكومي"،، مركز رؤية للتنمية السياسية 2023()، ص.17

المشاريع العمرانية الهادفة إلى تعزيز الحضور الاستيطاني الإسرائيلي في المدينة وتنفيذها. وتعّب راستراتيجية الأطواق الثلاثة في القدس عن التقاء منطق الإزالة مع منطق الإدارة؛ فقد أدى بناء جدار الفصل إلى إخراج أكثر من 150 ألف فلسطيني من حدود المدينة، وهو ما يمكن وصفه ب "الإزالة المعنوية"؛ إذ لم يُهَّجَر السكان جسديًا بقدر ما جرى نزع صفتهم القانونية بوصفهم مقدسيين. ويجسّد هذا النموذج ما يسميه وولف ب "الإزالة" بأشكالها المتعددة، من الطرد المباشر إلى "إعادة التصنيف." تساهم فواعل أخرى في تشكيل هذه البنية الاستعمارية، حيث تضطلع وزارة الهجرة بدور محوري في توظيف المشاريع الاستيطانية الكبرى وسيلَةَ جذٍبٍ لليهود، ولا سيما المتدينين منهم، وحثّهم على الاستقرار في مستعمرات الضفة الغربية. وفي السياق ذاته، تتولى وزارة المستوطنات والبعثات الوطنية تعيين ممثلين لها في المجلس الأعلى للتخطيط، بما يضمن حضورها في صناعة القرار العمراني المتعلق بالاستيطان. أما وحدة الاستيطان، وهي أحد الأذرع الرئيسة للوكالة اليهودية والمنظمة الصهيونية العالمية، فتتخصص في تقديم الدعم المالي واللوجستي للمشاريع الاستيطانية، خصوصًا تلك المنتشرة على جانَبَي الخط الأخضر، لتكريس بنية تحتية تتيح للمستوطنات التوسع والتمدد66. تشكّل المؤسسة القضائية حلقة أساسية في هذه البنية. فعلى الرغم من أن محكمة العدل العليا تتدخل أحيانًا لتجميد قرارات التوسع الاستيطاني، فإن مهمة الرد على الطعون والالتماسات تقع على عاتق المستشارين القضائيين الذين يخضعون اليوم لسلطة سموتريتش، وزير المالية وأحد أبرز رموز التيار الاستيطاني. غير أن ما يلوح في الأفق مع مشروع التعديلات القضائية يستهدف إضعاف استقلالية القضاء، وتحويل السلطة القضائية إلى أداة إضافية في يد الائتلاف الحاكم. وهنا يكمن الخطر الأكبر؛ إذ يصبح القضاء، بدلًامن أن يكون عائقًا أو كابحًا للاستيطان، جزءًا من "البنية المؤسساتية" التي تعيد إنتاجه وتشرعن توسعه بلا حدود. ومن ثم، لن يكون نجاح الحكومة في فرض هذه التعديلات القضائية إصلاحًا سياسيًا داخليًا فحسب، بل لحظة مفصلية قد تفتح الباب أمام ما يمكن وصفه ب "نكبة فلسطينية ثالثة"، حيث يتوسع الاستيطان جغرافيًا وديموغرافيًا مع غياب أيّ عائق قانوني فعلي، ويغدو الوجود الفلسطيني في الضفة الغربية أكثر هشاشة من أيّ وقت مضى. ويمكن القول، في ضوء أطروحة وولف، إن هذه الخطوة تمثّل تكثيفًا لمنطق "الاستعمار الاستيطاني بوصفه بنية لا حدثًا"، إذ تدخل جميع مؤسسات الدولة، التشريعية والتنفيذية والقضائية، في نسق واحد يعمل على الإزالة التدريجية للوجود الفلسطيني. تكشف الأرقام وحدها عن قوة هذه البنية المؤسساتية، حيث تضاعف عدد المستوطنين بعد اتفاق أوسلو أكثر من ثلاث مرات، من نحو 250 ألفًا إلى ما يزيد على 750 ألفًا اليوم. وليست هذه القفزة تطورًا ديموغرافيًا فحسب، بل هي تعبير عن قدرة المشروع الاستيطاني على التكيف مع كل مرحلة سياسية. فكما أظهرت الموجات الأربع للتوسع الاستيطاني، ظل الهدف ثابتًا وهو السيطرة على الأرض ومنع أيّ إمكانية لقيام دولة فلسطينية متصلة جغرافيًا. وفي هذا الإطار تتجسد رؤية وولف في أن المشروع الاستيطاني يسعى لإفراغ الأرض من أصحابها، في حين يمكن النظر إلى هذه السياسات من مقاربة فيراسيني في أنها تمثل ترحيلًاتدريجيًا للفلسطينيين نحو فضاءات ضيقة، في مقابل تعزيز الوجود اليهودي. يمثّل الرأي العام الإسرائيلي إحدى ركائز دعم السياسات الاستيطانية في الضفة الغربية من خلال استمرار مطالبة الحكومات المتعاقبة بتوسيع الاستيطان وتعزيز حضوره. ولعل ما يميّز ملف الاستيطان من غيره من الملفات أنه يكاد يكون موضع إجماع داخل الطيف السياسي الإسرائيلي؛ إذ لا فرق بين أحزاب يمينية حاكمة أو معارضة، فجميعها ترى في الاستيطان مشروعًا وطنيًا جامعًا لا مجال للتراجع عنه. وبناء عليه، بات استرضاء المستوطنين شرطًا أساسيًا للسياسيين الباحثين عن الشرعية، ليغدو الرأي العام الاستيطاني بمنزلة بوصلة توجّه السياسات الحكومية. لا يبقى هذا الرأي العام في حدود الموقف السياسي أو الانتخابي فحسب، بل يتجسد عمليًا عبر مجموعات استيطانية منظمة، متشبعة بالأيديولوجيا الدينية والقومية، وتتحرك ميدانيًا لتجسيد منطق "اذهب من هنا" الذي أشار إليه فيراسيني. ومن أبرز هذه المجموعات: منظمة "ريغافيم"، وحركة "كومميوت"، و"غوش إيمونيم"، و"شباب التلال"، والتي لا تكتفي بالتعبئة الفكرية، بل تمارس العنف المباشر ضد الفلسطينيين، سعيًا لانتزاع الأرض وإرهاب السكان الأصليين. وتكمن خطورتها في أنها تمتلك السلاح، ومنحتها الحكومات اليمينية غطاءً رسميًا متزايدًا، خاصة بعد تصنيف أجزاء واسعة من الضفة "أراضي دولة." وبذلك تتحول هذه المجموعات إلى أذرع موازية للدولة، تعمل عند "التخوم" لتسريع ما يصعب على المركز أن يقوم به مباشرة. ويجسد هذا التداخل بين ما هو رسمي (قرارات الحكومة والكنيست) وما هو شعبي ميليشياوي (مجموعات المستوطنين) ما أشار إليه وولف حول "التنسيق بين المركز والتخوم"؛ إذ يتكامل الجهاز الرسمي مع القوة الميدانية للمستوطنين في إنتاج واقع استيطاني لا تراجع عنه.

  1. المرجع نفسه، ص 17 - .18

وعلى الرغم من صدور عشرات القرارات الدولية الرافضة للمشروع الاستيطاني، فإنها لم تتُرجم إلى ضغوط حقيقية على الاحتلال، بل على العكس، تواصل الولايات المتحدة الأميركية استخدام حق النقض (الفيتو) لتعطيل أيّ محاولة لإجبار إسرائيل على وقف الاستيطان، وهو ما يؤكّد أن الشرعية الدولية ظلت عاجزة عن إيقاف منطق الإحلال. ويؤكد التناقض كذلك بين الخطاب الدولي والسياسات على أرض الواقع أنّ أيّ تغيير جوهري في مسار الاستيطان لن يحدث إلا إذا انتقلت بعض القوى المؤثّرة من مرحلة الاعتراض اللفظي إلى فرض إجراءات عملية، كقطع العلاقات أو فرض العقوبات على إسرائيل. وما يميز هذه البنية المؤسساتية أنها لا تقتصر على أدوات السيطرة القانونية والإدارية، بل تتجاوزها إلى إعادة تشكيل الفضاء الرمزي ذاته. فالسيطرة على المواقع الدينية والتاريخية، كما في تحويل سلوان وجبل الزيتون إلى "منتزهات توراتية"، أو ضم مسجد بلال بن رباح (قبر راحيل) إلى الخريطة الاستيطانية، تكشف أن الهدف لا يقتصر على إدارة الأرض، بل على إعادة كتابة هوية المكان. ومن ثم، يتضح البعد الرمزي الذي يجعل الاستيطان مشروعًا إحلاليًا بامتياز، يدمج بين القوة المادية وإعادة إنتاج السرديات التاريخية بما يخدم شرعية الوجود الاستعماري. ويكتسب هذا البعد الرمزي دلالته حين يوضع في سياق الاستراتيجيات التي جرى تحليلها سابقًا. فليس "فكّا الكماشة" بين الأغوار شرقًا والجدار غربًا، والأطواق الثلاثة حول القدس، مشاريع جغرافية بل حلقات في سلسلة واحدة تؤكد أطروحة وولف التي مفادها أن الاستعمار الاستيطاني بنية تتجدد عبر تنسيق متكامل بين المركز والتخوم؛ إذ ترسم الدولة الإطار الكلي عبر قراراتها السياسية والتخطيطية، في حين تنفذ المستوطنات والجماعات الميدانية التفاصيل على الأرض، ليتحول المشروع برمّته إلى منظومة استعمارية متشابكة، يصعب تفكيكها أو عزل أحد عناصرها عن الآخر.

2. تقنيات الإدارة والسيطرة: الإدارة المدنية نموذجًا

مثّلت الإدارة المدنية إحدى أهم أدوات السيطرة على الشعب الفلسطيني وإدارته، وهذا منسجم مع المقاربات التي قدّمها فيراسيني في قراءته الاستيطان الاستعماري في أراضي الضفة؛ إذ اعتبر أن هناك تحولًامن حالة الإزالة للسكان إلى حالة السيطرة على السكان الأصليين وإدارتهم. فرض الاحتلال بعد احتلال الضفة سلطته بوصفها "حكمًاعسكريًا." وبسبب الوضع القانوني الدولي الرافض للاحتلال الإسرائيلي على أراضي الضفة، أصدر مجلس الوزراء الإسرائيلي المصغر للشؤون السياسية والأمنية (الكابينيت) في حكومة مناحيم بيغن اليمينية عام 1981، قرارًا بإنشاء "الإدارة المدنية لمناطق يهودا والسامرة"، وذلك بموجب قرار رقم 947()، بديلًامن الإدارة العسكرية، في محاولة لتلميع صورة الاحتلال العسكري، وصبغه بطابع سياسي مدني وإنساني67. وحدّد القرار أن وظيفة الإدارة المدنية تتمثل في "إدارة الشؤون المدنية في المنطقة حسب أنظمة القرار الحالي، من أجل رفاهية وصالح السكان، وبهدف تقديم الخدمات العامة وتنفيذها، في إطار الحاجة لخلق نظام سليم ونظام عام في المنطقة." وأضاف القرار أن هدف الإدارة المدنية هو "تطبيق سياسات الحكومة في المجالات المدنية بالتعاون مع ضباط الإدارة المدنية والجيش والجهاز الأمني"68. وبموجب ذلك، حاولت هذه الإدارة إنشاء كيانات فلسطينية ذات ولاء لها عُرفت باسم "روابط القرى"، قوبلت برفض فلسطيني شديد أدى إلى فشلها. ومن الناحية الهيكلية، تشكّل الإدارة المدنية جزءًا من وزارة الدفاع الإسرائيلية؛ أي إنها تابعة في النهاية للمنظومة العسكرية، على الرغم من محاولات صبغها بصبغة مدنية. فهي لا تقتصر على الفلسطينيين، بل تمتد أيضًا لإدارة شؤون المستوطنين في الضفة. وتحت إشراف "منسق شؤون الحكومة الإسرائيلية" في الأراضي المحتلة، تُقسم مهماتها إلى مسارين مزدوجين، يتعلق الأول بالحياة اليومية للفلسطينيين (البناء، والتخطيط، والصحة، والزراعة)، ويركز الثاني على تسهيل حياة المستوطنين وتوفير البنية التحتية لتوسّعهم69. ويعكس هذا الازدواج منطقًا متناقضًا من الناحية العملية، حيث يوجد تقييد وضبط للفلسطينيين، مقابل تسهيل للمستوطنين ودعمهم. بدت الإدارة المدنية، عقب توقيع اتفاق أوسلو، كأنها تراجعت خطوة إلى الخلف، بعد أن نُقلت بعض الصلاحيات إلى السلطة الفلسطينية في مناطق (أ) و(ب.) لكنّ هذا التراجع كان شكليًا أكثر منه جوهريًا؛ فقد بقيت الإدارة المدنية ممسكةً بمناطق (ج)، التي تشكّل نحو 60 في المئة من مساحة الضفة الغربية، بما في ذلك معظم الأراضي المفتوحة والموارد الطبيعية. والأهم من ذلك أن التنسيق بين ضباط الإدارة المدنية والوزارات الفلسطينية استمر على نحو مباشر؛ ما يعني أن السيطرة لم تنقطع، بل أعيد إنتاجها عبر قنوات أشد تعقيدًا.

  1. عوض مسحل، "توسعة 'الإدارة المدنية' الإسرائيلية… استهداف السلطة الفلسطينية في إطار اقتصادي"، مركز الأبحاث - منظمة التحرير الفلسطينية 2019()، شوهد في 2025/9/25، فh يttps://acr.ps/1L9BPuq:
  2. مهند مصطفى، "الانطلاق نحو الضّ م: أبعاد الخلاف على الإدارة المدنية الإسرائيلية في الضفة الغربية"، مركز الإمارات للسياسات، 2023/2/8، شوهد في 2025/9/2، في: https://acr.ps/1L9BP10
  3. وليد حباس، "ما هي الإدارة المدنية؟ وكيف من المتوقع أن يفكّكها بتسلئيل سموتريتش؟"، المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية – مدار، 2023/2/13، شوهد في 2025/9/3، في https://acr.ps/1L9BPHC:

ومع مرور الوقت، أخذ الاحتلال يسعى لإعادة توسيع نطاق عمل إدارته المدنية حتى في مناطق (أ) و(ب)، مستخدمًا أدوات جديدة تتجاوز البنية الرسمية للسلطة الفلسطينية. والمثال الأبرز هنا هو صفحة "المنسق" على وسائط التواصل الاجتماعي، التي تخاطب الفلسطينيين مباشرة بلغة تبدو ودية وخدمية، لكنها في جوهرها تعكس استراتيجية لإضعاف السلطة الفلسطينية وتهميشها، وإعادة تشكيل علاقة تبعية مباشرة بين الفرد الفلسطيني والجهاز الاحتلالي باعتبار ذلك أحد أشكال إدارة السكان الأصليين أصحاب الأرض. وفي هذا الإطار نجد صدى لمقاربة فيراسيني حول انتقال الاستعمار من منطق الإزالة إلى منطق إدارة السكان، مع إعادة صياغة أشكال الرقابة والضبط بطرائق أكثر مرونة. تبرز خطورة الإدارة المدنية في الصلاحيات الواسعة التي تمتلكها، خاصة عبر مجلس التخطيط الأعلى التابع لها، والذي يسيطر على ملفات حيوية مثل الطاقة والكهرباء والمياه والزراعة والطرق، ما يمنحه قدرة مباشرة على إعادة تشكيل الجغرافيا الفلسطينية. والأخطر من ذلك هو سلطته في إعلان مساحات واسعة من الأراضي الفلسطينية بصفتها "أراضي دولة"، أو "محميات طبيعية"، أو "مناطق عسكرية مغلقة"70. وُتُستخدم هذه التصنيفات القانونية أدواتٍ للاستيلاء على الأرض ومنح غطاء قانوني للمصادرة، قبل أن تنتقل لاحقًا إلى أيدي المستوطنين تحت ذريعة "القانون." وتضطلع الإدارة المدنية كذلك بدور مركزي في إعداد خطط توسيع المستوطنات وتحديد مناطق نفوذها، بل حتى تمهيد الطريق لإنشاء مستوطنات وبؤر جديدة ت منح لاحقًا الشرعية. وعلى الرغم من أن التصديق النهائي يبقى عادة في يد الحكومة الإسرائيلية، فإن أقسام الإدارة المدنية، ولا سيما المرتبطة بوزارة الإسكان، تمارس ضغطًا مستمرًا لتبنّي هذه الخطط، لتتحول في النهاية إلى واقع على الأرض71. وهكذا تعمل الإدارة المدنية أداةً تنفيذية وسياسية في آن واحد؛ فهي تشرعن الاستيطان، وتطبّع وجوده ضمن البنيَتيَن القانونية والإدارية. ومن اللافت أنّ أصواتًا متزايدة داخل التيار اليميني، يتقدمها سموتريتش، أخذت تدعو إلى تفكيك الإدارة المدنية والانتقال نحو إدارة حياة المستوطنين مباشرة عبر وزارات الحكومة الإسرائيلية. وتعكس هذه الدعوة مسارين متوازيين: الأول يتعلق بالسعي ل "تطبيع" وضع المستوطنين وجعلهم مواطنين إسرائيليين عاديين لا يخضعون لإطار إداري خاص، والثاني يتمثل في ابتكار شكل جديد من السيطرة على الفلسطينيين يقوم على إضعاف السلطة الفلسطينية أو حتى إلغائها، بما يعني تقويض أيّ إمكانية لوجود "كينونة فلسطينية" مستقلة. فالإدارة المدنية، على الرغم من أنها تبدو جهازًا إداريًا، فإنها هيكليًا جزء من الجيش الإسرائيلي ووزارة الدفاع72؛ أي إنها لا تزال ترتبط بالبعد العسكري للاحتلال. ويعزز هذه التوجهات عاملان رئيسان: الأول قناعة أيديولوجية دينية ترى أن الضفة جزء لا يتجزأ من "أرض إسرائيل التوراتية"، والثاني معطى ديموغرافي – جغرافي يتمثل في أن نحو 85 في المئة من مجموع المستوطنين باتوا فعليًا يقيمون خلف جدار الفصل العنصري، ما يجعل الضم الفعلي لهذه المستوطنات مسألة زمنية. ووفقًا لرؤية سموتريتش، التي جرت مناقشتها مع الليكود والاتفاق عليها قبيل تشكيل حكومة نتنياهو الحالية، فإنه يهدف إلى وصول عدد المستوطنين المستعمرين إلى مليون في الضفة الغربية. ووفق المنظور الإسرائيلي، يبلغ عدد المستوطنين الحاليين في الضفة نحو 480 ألفًا، حيث يُستثنى المستوطنون في القدس، على اعتبار أن قرار ضمها عام 1967 جعلهم مواطنين داخل دولة الاحتلال. وبذلك، يصبح الهدف الاستراتيجي أوسع؛ إذ يسعى المشروع الاستيطاني للوصول إلى ما يقارب مليون وثلاثمئة ألف مستوطن في الضفة الغربية، بما فيها القدس. ومن المرجّح أنه مع استمرار التوسع الاستيطاني، سواء من الناحية الجغرافية أو الديموغرافية، فلن يظل وجود الإدارة المدنية قائمًا بصيغته الحالية، بل سيجري تفكيكها أو إعادة هيكلتها لتقتصر وظيفتها على إدارة بعض الشؤون المرتبطة بالفلسطينيين وحدهم، في حين تُدمج حياة المستوطنين ضمن مؤسسات الدولة الإسرائيلية73. يعكس النقاش السابق بوضوح التوتر الذي أشار إليه فيراسيني بين منطَقَي "الإزالة" و"الإدارة." ففي حين يُسَّوَق إلغاء الإدارة المدنية على أنه خطوة نحو دمج المستوطنين، فإنه في الحقيقة يمثّل تكريسًا لمنظومة جديدة من السيطرة على الفلسطينيين. ويوضح هذا التوجه أيضًا فشل مشروع "الأصلنة" في الضفة الغربية: فطالما ظل المستوطن في حاجة إلى دعم مؤسساتي وقانوني متواصل، فإنه لا يستطيع أن يتحول إلى "مواطن طبيعي"، بل يبقى غريبًا يعتمد على منظومة قهرية تضمن بقاءه. وإضافةً إلى ذلك، يمكن النظر إلى الإدارة المدنية على أنها ليست هدفًا في حد ذاتها، بل وسيلة لتحقيق تحول ديموغرافي – جغرافي عميق يقلب ميزان الواقع لمصلحة المستوطنين.

  1. تداعيات تشكيل الحكومة الأكثر تطرفًا في تاريخ إسرائيل"، تقدير موقف،
  2. رغدة عتمة، "تغير حاسم في 'الإدارة المدنية' يحبط التطلعات الفلسطينية لإقامة الدولة"، إندبندنت عربية، 2023/2/27، شوهد في 2025/9/3، في: https://acr.ps/1L9BPho 72 حباس.
  3. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،  2023/1/9، شوهد في 2025/9/3، في: https://acr.ps/1L9BPr6
  4. بتسلئيل سموتريتش: قراءة في البروفايل السياسي الحزبي - في ملف خاص – قراءة في حكومة نتنياهو السادسة"، المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية – مدار 2022()، ص 20، شوهد في 2025/9/6، في https://acr.ps/1L9F2tm:

ويتجلى في هذا الصدد ما قصده وولف حين تحدّث عن "البنية" الاستعمارية بأنها منظومة لا تتوقف عن إعادة إنتاج ذاتها، وتتكيف مع التحولات السياسية، لكنها تحتفظ بجوهرها المتمثل في إزاحة السكان ألأصليين أصحاب الأرض وإحلال المستعمر مكانهم.

3. الضفة الغربية: بين الإزالة والإدارة

ثمة جدل بشأن إذا ما كان الاستيطان الاستعماري انتقل من مرحلة الإزالة في أراضي 1948 إلى مرحلة الإدارة والسيطرة في أراضي 1967، حيث بقي يتأرجح بين ثنائية الإزالة والإدارة. ففي حين يشير وولف إلى الاستعمار الاستيطاني بوصفه "بنية لا حدثًا"؛ أي إنه مشروع دائم يسعى للإزالة المستمرة بأشكالها المتعددة، يرى فيراسيني أن الحالة الفلسطينية، خاصة في الضفة الغربية، تكشف عن فشل مشروع "الأصلنة"؛ أي بقاء المستوطن في حاجة دائمة إلى أدوات قهرية لإدارة الفلسطينيين بدلًامن إزالتهم نهائيًا. لكن الجديد في السنوات الأخيرة هو أن أطروحات قيادات يمينية، مثل سموتريتش، تعيد منطق الإزالة والمحو إلى الواجهة من جديد، ما يكشف أن المشروع الاستيطاني لا يزال يحمل بذور التهجير و"الترانسفير" إلى جانب الإدارة اليومية للسكان. تقدّم خطة "حسم الصراع"، التي نشرها سموتريتش عام 2017 في مجلة هشيلوح، نموذجًا صريحًا لهذه العودة إلى خطاب الإزالة. فالخطة تقوم على مرحلتين: الأولى "تسمين الاستيطان" ليصل عدد المستوطنين في الضفة إلى مليون مستوطن (عدا مستوطني القدس)، وهو ما يشكّل قاعدة ديموغرافية وسياسية لفرض السيطرة الكاملة. أما الثانية فهي مرحلة "الكانتونات"، حيث يُخَّي رالفلسطينيون بين البقاء داخل جيوب سكانية معزولة تحت السيادة الإسرائيلية باعتبارهم مواطنين من درجة ثانية، أو الرحيل إلى الأردن ودول أخرى بدعم مالي إسرائيلي، أو مواجهة القمع المباشر إذا رفضوا كلا الخيارين74. وبذلك تدمج الخطة بين منطق الإدارة (إبقاء الفلسطينيين في كانتونات مراقبة) ومنطق الإزالة (ترحيل من يرفض الخضوع.) ليس هذا التصور جديدًا بل يمثّل امتدادًا عمليًا لاستراتيجيات ميدانية جرى تحليلها في المبحث الأول مثل "فّك يالكماشة" في الضفة و"الأطواق الثلاثة" حول القدس. ولا تُنتج هذه المشاريع جغرافيا مجَّزَأة فحسب، بل تهِّيِئ الأرضية السياسية والعملية لمشاريع مثل خطة سموتريتش؛ إذ تجعل الفلسطيني محصورًا في فضاءات ضيقة يسهل التحكم فيها، وتخلق واقعًا ديموغرافيًا – مجاليًا يسمح بطرح خياَرَي "الترحيل الطوعي" أو "المواطنة الناقصة" باعتبارهما حَّليَن وحيَدَين أمامه. وهنا يظهر بوضوح ما قصده وولف بأن الاستعمار الاستيطاني "عملية إبادة مستمرة"؛ إذ تتجسد الإزالة أحيانًا في الطرد المباشر، وأحيانًا أخرى في الاستيعاب، أو إعادة تعريف الفلسطيني داخل فضاءات مقيّدة لا تتيح له أيّ استقلالية. تكمن خطورة هذا المنطق المزدوج، الإزالة والإدارة، في أنه يمنح المشروع الاستيطاني مرونة تسمح له بالتكيف مع الظروف السياسية المختلفة. فعندما يواجه الاحتلال ضغوطًا دولية، يقدّم نفسه باعتباره يمارس "إدارة مدنية" تهدف إلى تنظيم حياة السكان. وحين تضعف الضغوط، يعود خطاب "الترانسفير" إلى الواجهة، سواء عبر الدعوة إلى "تطهير" مناطق فلسطينية كخان الأحمر والأغوار، أو عبر أطروحات صريحة مثل خطة "حسم الصراع." وبهذا المعنى، لا يمكن القول إن الاستيطان انتقل كليًا من الإزالة إلى الإدارة، بل إن المشروع يقوم على الجمع بينهما في آن واحد، بحيث تُستخدم أدوات الإزالة والإدارة بالتوازي وبحسب الحاجة. وفي ضوء مقاربة فيراسيني، يتضح أن هذا الفشل في "أصلنة" المستوطن في الضفة الغربية هو ما يدفع الاحتلال إلى إبقاء أدوات الإزالة حاضرة دومًا خيارًا استراتيجيًا. فالمستوطن هنا لا يستطيع أن يتحول إلى "مواطن طبيعي" من دون إلغاء الكينونة الفلسطينية ذاتها. ومن ثم، ما نشهده اليوم من دعوات إلى تفكيك الإدارة المدنية وضم المستوطنات رسميًا، أو الدعوة إلى إخضاع الفلسطينيين لنظام "المواطنة الناقصة"، ليس سوى محاولةٍ لإيجاد أشكال سياسية وقانونية جديدة لإلغاء الاستقلالية الفلسطينية وإدامة التبعية المطلقة. وبناء عليه، يمكن القول إن منطق المشروع الاستيطاني الإسرائيلي في الضفة الغربية هو منطق مزدوج: "محو مستمر" وفقًا لوولف، و"إدارة متواصلة" وفقًا لفيراسيني، مع بقاء خيار "الترحيل" حاضرًا بقوة في الخطاب والممارسة. وهذا التداخل بين الإزالة والإدارة هو ما يفّس رهشاشة الواقع الفلسطيني من جهة، واستمرارية المقاومة من جهة أخرى؛ إذ لا يزال الفلسطيني يرى في المشروع الاستيطاني تهديدًا وجوديًا لا يتوقف عند حدود الأرض، بل يمتد إلى محو الهوية والذاكرة والكينونة الوطنية نفسها.

خاتمة

سلطت هذه الدراسة الضوء على أبرز استراتيجيات الاستيطان الاستعماري في الضفة الغربية وسماته الجوهرية. ويتمثل أحد أهم استنتاجاتها في أن العقل الاستيطاني الصهيوني يتعامل مع الأرض والسكان الأصليين بمنطق التقطيع والتفكيك لتهيئة المجال أمام تمدد المشروع الاستيطاني. ويتجلى ذلك في اعتماد استراتيجية فَّك يالكماشة عبر السيطرة على مناطق الأغوار وبناء الجدار الفاصل، بما يحاصر

  1. المرجع نفسه، ص 12 - .16

الضفة من جهتيها الشرقية والغربية، إلى جانب استراتيجية الأطواق الثلاثة في القدس التي تستهدف السيطرة على قلب الضفة وعزل شمالها عن جنوبها. وبهذه الأدوات المترابطة، يعيد الاحتلال إنتاج جغرافيا مجَّزَأة وسكان متشرذمين، وهو ما يسهّل عملية التوسع الاستيطاني وترسيخه أمرًا واقعًا. الخلاصة الأولى التي يمكن استنتاجها من خلال تتبّع مسار المشاريع الاستيطانية في الضفة الغربية هي أنها تعّب ر عن عقلية "صناعة الحدث" لا عن ردّ فعل ظرفي. فلم تكن المشاريع الكبرى نتاج لحظة سياسية عابرة، بل هي امتداد لرؤية استراتيجية صاغها الاحتلال منذ عقود. فاستراتيجية الأطواق الثلاثة وُضعت مباشرة بعد احتلال القدس عام 1967، وفكرة التفوق الديموغرافي في المدينة ثُبّتت في ظل حكومة مائير عام 1973، في حين جاء مشروع "القدس الكبرى" عام 1993، وتلاه بناء جدار الفصل العنصري عام 2002. وتكشف هذه المشاريع المتتابعة أن سياسات الاحتلال لم تتوقف يومًا، بل ظلت تتراكم وتجدّد أدواتها، حتى في ظل توقيع اتفاق أوسلو الذي كان يفترض أن يقود إلى قيام دولة فلسطينية على حدود 1967. وبالعكس تمامًا، أظهر الاحتلال قدرة عالية على استغلال مسار التسوية غطاء يُشغل الفلسطينيين في تفاصيل إدارية وسياسية، في حين أنه كان يمضي في تثبيت مشاريعه الاستيطانية الاستعمارية على الأرض. ولا يعكس هذا السلوك إخلالًابالتزامات سياسية فحسب، بل يؤكد طبيعة المشروع ذاته بوصفه استعمارًا إحلاليًا يستهدف السيطرة الكاملة على الأرض وإقصاء أصحابها الأصليين. أما الخلاصة الثانية فتتمثل في أن السياسات الاستيطانية تمثّل خطًا ثابتًا يعلو على الانقسامات الحزبية والسياسية، فلا يظهر أّي اختلاف جوهري بين الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة حيال جوهر المشروع الاستيطاني وأهدافه البعيدة، بل إن العملية السياسية نفسها تحولت إلى أداة وظيفية؛ إذ جرى توظيف مسار "التسوية" لإشغال الفلسطينيين بتفاصيل إدارية وحياتية، في حين يواصل الاحتلال على الأرض فرض وقائع يصعب التراجع عنها. والدليل الأوضح على ذلك أن عدد المستوطنين ارتفع من نحو 230 ألفًا عند توقيع اتفاق أوسلو إلى أكثر من ثلاثة أضعاف اليوم. على المستوى النظري، تتقاطع هذه النتائج مع أطروحات وولف الذي شدّد على أن "الاستعمار الاستيطاني بنية وليس حدثًا"؛ فالممارسات اليومية من مصادرة الأراضي وبناء المستوطنات والجدار ليست حوادث منفصلة، بل حلقات في منظومة استعمارية مستمرة هدفها النهائي الإزالة المتواصلة للوجود الفلسطيني، سواء عبر الطرد المباشر، أو عبر أشكال الإزالة الأخرى، كتغيير هوية المكان وفرض بنى قانونية بديلة. وفي المقابل، تكشف قراءة فيراسيني أن الاحتلال، على الرغم من كل هذه الأدوات، فشل في "أصلنة" المستوطن في الضفة الغربية. فالمستوطن لم يتحول إلى "مواطن طبيعي" كما حدث نسبيًا في أراضي 1948، بل ظل في حاجة إلى آلة قسرية متعددة الأشكال تتمثل في الجدران، والمحاكم، والإدارة المدنية، والمجموعات الاستيطانية المسلحة، ودعم مؤسسات صهيونية عالمية. وبذلك، تتمثّل الخلاصة الثالثة في هذه الدراسة في أن المشروع الاستيطاني الإسرائيلي يمتاز بمرونة عالية، تسمح له بالانتقال بين منطق الإزالة ومنطق الإدارة تبعًا للظرفين المكاني أو السياسي. فعلى سبيل المثال، يسعى الاحتلال لطرد الفلسطينيين من مناطق (ج) عمومًا، في حين يعيد هندسة حياة من تبقّى في مناطق (أ) و(ب) عبر منظومة من الإجراءات التعسفية المتواصلة. وعلى الصعيد السياسي، يتباطأ البناء الاستيطاني في لحظات الضغط الدولي، لكنه يتسارع على نحو ميلحوظ عندما تتوافر بيئة سياسية داعمة، كما حدث خلال فترَت إدارة ترمب الأولى والثانية، حيث حظي المشروع الاستيطاني بغطاء سياسي غير مسبوق. وفي هذا السياق، يجد الخطاب اليميني المتشدد، مثل خطة "حسم الصراع" التي طرحها سموتريتش عام 2017، ا مج ل لتجديد الدعوة إلى الترانسفير بوصفها خيارًا استراتيجيًا. وقد ضمنت هذه القدرة على التكيف استمرارية المشروع عقودًا، لكنها في الوقت ذاته تكشف هشاشته البنيوية؛ إذ يظل عاجزًا عن الاستغناء عن أدوات القهر، وغير قادر على التحول إلى واقع طبيعي مقبول محليًا أو دوليًا. تمثّل الحقائق الاستعمارية التي فرضها الاحتلال عمليًا تأكيدًا إضافيًا على موت مسار التسوية السياسية الذي تُِّوِج بتوقيع اتفاق أوسلو. فالتوسع الاستيطاني المتوحش، وضمّ الأراضي، وتغيير معالم القدس جغرافيًا وديموغرافيًا، مظاهر تكشف بوضوح أن الاحتلال لم يكن في أيّ مرحلة بصدد الوصول إلى تسوية تعيد إلى الفلسطينيين حقوقهم المسلوبة. وفي هذا السياق، تبرز أولويات ملحّة مرتبطة بالعامل الذاتي الفلسطيني في مواجهة المشروع الاستيطاني الاستعماري، تبدأ بضرورة إدراك القيادة الفلسطينية الرسمية والفصائلية لطبيعة هذه المشاريع وآلياتها، بحيث ينعكس هذا الإدراك على صياغة القرار السياسي الفلسطيني. بمعنى آخر، يتعين على القيادة أن تضع نفسها أمام السؤال الجوهري: ماذا فعلنا لمواجهة هذه المشاريع على أرض الواقع؟ لا شك في أن حالة الانقسام الداخلي الفلسطيني شكّلت عامَلَ إضعاف أساسيًا أتاح للاحتلال استغلاله لتسريع مشاريعه الاستيطانية. ومن ثم، فإن أيّ مواجهة حقيقية مع الاستيطان لا يمكن أن تتحقق إلا عبر تقوية العامل الذاتي الفلسطيني، وبناء وحدة وطنية تعيد ترتيب الأولويات، وتجمع الفلسطينيين على استراتيجية مقاومة شاملة لمشاريع الاستيطان الاستعماري بمختلف أشكالها.

المراجع

العربية

أبو سيف، فؤاد. واقع القطاع الزراعي في الأغوار بعد السابع من أكتوبر 2023. بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية،.2024 أسعد، أحمد ومنير فخر الدين. "السيطرة الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية والسورية المحتلة سنة 1967." مؤسسة الدراسات الفلسطينية 2021/4/9. في https://acr.ps/1L9BPMn:. بدر، أشرف عثمان وعاصم خليل. "الاستعمار الاستيطاني في السياق عمران الفلسطيني: براديغم أم مفهوم.". مج  9، العدد 35 (شتاء.)2021 التفكجي، خليل. "الاستيطان في مدينة القدس: الأهداف والنتائج." مجلة الدراسات الفلسطينية. مج  8، العدد 31.)1997(________. "الاستيطان في مدينة القدس: المقدمة." مؤسسة الدراسات الفلسطينية..2014 ________. "القدس الكبرى كما تراها إسرائيل." مجلة الدراسات الفلسطينية. العدد  113 (شتاء.)2018 ________. "القدس: إعادة تشكيل/ حرب تشرين." مجلة الدراسات الفلسطينية. العدد  134 (خريف.)2025 جابر، محمد. الاستيطان الصهيوني في القدس ومستقبل المستوطنات فيها. عمان: دار فضاءات للنشر والتوزيع،.2010 الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني. المستعمرات الإسرائيلية في الضفة الغربية: التقرير الإحصائي السنوي 2022 2023(:.) في https://acr.ps/1L9BPuQ حباس، وليد. "ما هي الإدارة المدنية؟ وكيف من المتوقع أن يفكّكها بتسلئيل سموتريتش؟." المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية – مدار. 2023/2/13 في https://acr.ps/1L9BPHC:. زايتس، شارمين. "خطة E-1 وسواها من الكوارث النازلة بالقدس." مجلة الدراسات الفلسطينية. العدد  24 (صيف.)2005 عابد، ماهر وحمزة الحلايبة وفراس القواسمي. مدخل لفهم الاستيطان الصهيوني في الضفة الغربية والقدس. إسطنبول: مركز رؤية للتنمية السياسية،.2023 القواسمي، فراس. "منطقة الأغوار بين الاحتلال وإعلان السيادة." مركز رؤية للتنمية السياسية. 2019:. في https://acr.ps/1L9BOYR ________. "المشاريع الاستيطانية الصهيونية في محافظة القدس." مجلة المقدسية. العدد.)2021(11 ________. "الاستيطان الصهيوني في الضفة في ظل حكومة اليمين المتطرفة: قراءة سياساتية في التفاهمات بين أحزاب الائتلاف الحكومي." سلسلة الاستيطان. مركز رؤية للتنمية السياسية.2023. القيق، عبد الرحمن. سياسة الاستيطان الإسرائيلي، 1967 - 2006، الخليل نموذجًا: دراسة حالة. القدس: عمادة الدراسات العليا – جامعة القدس،.2010 كورح، ميخال ومايا حوشن. معطيات عن أورشليم القدس: الوضع القائم واتجاهات التغيير. القدس: معهد القدس لبحث السياسات،.2022 مسحل، عوض. "توسعة 'الإدارة المدنية' الإسرائيلية... استهداف السلطة الفلسطينية في إطار اقتصادي." مركز الأبحاث - منظمة التحرير الفلسطينية 2019(في https://acr.ps/1L9BPuq:). مصطفى، مهند. "الانطلاق نحو الَّضَ م: أبعاد الخلاف على الإدارة المدنية الإسرائيلية في الضفة الغربية." مركز الإمارات للسياسات 2023/2/8. في https://acr.ps/1L9BP10:. نحاس، فادي. إسرائيل والأغوار: بين المفهوم الأمني واستراتيجيات الضم. رام الله: المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية – مدار،.2012

الأجنبية

LIoyd, David. "Settler Colonialism and the State of Exception: The Example of Palestine/ Israel." Settler Colonial Studies. vol. 2, no. 1 (2012). Pappe, Ilan. The Biggest Prison on Earth: A History of the Occupied Territories. London: Oneworld Publications, 2017. Veracini, Lorenzo. "Introducing: Settler Colonial Studies." Settler Colonial Studies. vol. 1, no. 1 (2011) _______. "The Other Shift: Settler Colonialism, Israel and The Occupation." Journal of Palestine Studies. vol. 42, no. 2 (April 2013). Wolfe, Patrick. "Settler Colonialism and the Elimination of the Native." Journal of Genocide Research. vol. 8, no. 4 (2006).