منظمات المجتمع المدني ودعم مشاركة الشباب في بناء السلام
مقدمة
تحظى مشاركة الشباب في بناء السلام في مناطق النزاع باهتمام بحثي؛ إذ يعد الشباب عنصرًا فاعلًالتحقيق السلام ومنع تكرار الصراعات، فهم يمثّلون غالبية السكان في العديد من المجتمعات المتضررة من الصراعات، وُيَُعَدّ تعزيز مشاركتهم من الوسائل الأساسية لمعالجة أسباب النزاع، وتعزيز المصالحة1. في هذا السياق، يُعد اليمن، الذي يعيش في نزاع داخلي منذ عام 2015، من البلدان التي يمثل الشباب غالبية سكانه2. وقد أظهرت نسبة كبيرة منهم علاقة مختلفة بالحرب تتحدى التفسيرات والتصنيفات التقليدية التي تقدمهم بصفتهم ممارسين للعنف المباشر أو ضحايا له. تعتمد هذه الدراسة على ثلاثة مفاهيم أساسية ومتداخلة: الشباب، ومنظمات المجتمع المدني، وبناء السلام. وتنطلق من أن مسار السلام الرسمي في اليمن، بعد مضي عقد كامل على بداية الحرب، لا يزال محصورًا بين الحكومة المعترف بها دوليًا وسلطة حركة أنصار الله (الحوثيين)3، وأنه لا تمثيل للشباب يُذكر. إلا أن منظمات المجتمع المدني تسعى للاضطلاع بدور أساسي يتمثل في دور الوسيط بين الأطراف الرسمية في المفاوضات والقاعدة الشعبية، التي يشكل الشباب سوادها االأكبر. ومن هنا، برزت أهمية تعزيز دور هذه المنظمات بوصفها عامل أساسيًا يساهم في إنجاح عمليات السلام؛ عن طريق العمل مع مختلف الأطراف، والتغلب على الانقسامات السياسية والعرقية والمناطقية4. طوال سنوات الحرب في اليمن، استمرت المنظمات، من خلال برامجها وأنشطتها، في توفير فرصة للشباب متعلقة بالتأثير في عمليات بناء السلام، وإيصال أصواتهم إلى صناع القرار، غير أنّ تتبع مشاركة الشباب في هذه العمليات يشي بأنها لا تزال ضئيلة وغير مؤثرة. لذلك، تسعى هذه الدراسة لتحليل طبيعة دور برامج منظمات المجتمع المدني في دعم مشاركتهم في عملية بناء السلام في اليمن، وماهية النتائج التي تحققها والعوامل المؤثرة في مخرجاتها، وذلك بناءً على محاولة الإجابة عن سؤال رئيس مفاده: ما دور منظمات المجتمع المدني في دعم مشاركة الشباب في عمليات بناء السلام في اليمن؟ وكيف تؤثر البرامج التي تقدمها في شكل مشاركتهم؟ تسعى الدراسة لاختبار فرضية فحواها أن منظمات المجتمع المدني تؤدي دورًا أساسيًا في دعم إشراك الشباب في عمليات بناء السلام ضمن مستويات مختلفة، إلا أن جهود هذه المنظمات لا تتُرجم إلى مشاركة شبابية جوهرية ومؤثرة في مفاوضات السلام أو عمليات صنع القرار.
أولًا: دور الشباب ومنظمات المجتمع المدني في بناء السلام: مدخل نظري
يبرز دور منظمات المجتمع المدني بصفتها عنصرًا أساسيًا في تعزيز عمليات بناء السلام المستدام، ودعم مشاركة الشباب في هذه العمليات5. ويؤدي الشباب دورًا مفصليًا في التحول الإيجابي في حالات النزاع، وقد جرى توثيق ذلك في العديد من الدراسات والبيانات والتقارير الحكومية وتقارير المنظمات ذات الصلة. وعلى الرغم من الاعتراف بدور الشباب في بيئة النزاع، فإن البحث الأكاديمي لا يزال محدودًا فيما يتعلق بدورهم بوصفهم بناة سلام وتأثيرهم في عمليات بناء السلام6. وفي الأدبيات المتعلقة بهذه العمليات، لا يظهر الشباب بوصفهم متغيرًا مهّمًا، ولا تجري دراسة دورهم بصفتهم فئات مستقلة.
1. المشاركة السياسية
حصرت الدراسات مشاركة الشباب السياسية في جوانب ضيقة؛ أبرزها اعتبار أنهم غير مبالين سياسيًا، وأنهم يفتقرون إلى الوعي السياسي7. ويرجع ذلك إلى عدة أسباب؛ منها التباين الكبير في نسب
المشاركة السياسية بين الشباب والفئات الأخرى، حيث يُظهر العديد من الدراسات أنّ أقلّ مستويات المشاركة في المجالات السياسية، مثل التصويت والعضوية في الأحزاب السياسية، هي تقريبًا من الشباب8. في المقابل، يوجد اتجاه نقدي بديل يتجاوز اختزال المشاركة السياسية في عمليات التصويت وعضوية الأحزاب لرؤية أوسع للسياسة، بوصفها مجموعة من الأنشطة، مثل أنشطة المجتمع المدني والحركات الاجتماعية والاحتجاج ومجالس الشباب والحملات9. ومن ثم، فإنّ الشباب مهتمون بالسياسة، ولكنهم ينخرطون فيها بأشكال مختلفة. أما منظمات المجتمع المدني، فُتُظهر الدراسات أن البعد السياسي يشغل حيزًا كبيرًا من نشاطها10؛ إذ يجري التركيز على دورها مساهمًارئيسًا في التعددية في المجال السياسي، وذلك عن طريق سعيها لإضفاء الشرعية على عمل المجتمع المدني وتعزيزه وتهيئة الظروف لمشاركة المواطنين سياسيًا على نحو أكبر11.
2. بناء السلام
لا تختلف النظرة إلى مشاركة الشباب السياسية عن النظرة إلى مشاركتهم في عمليات بناء السلام، ولا تختلف مبررات تلك النظرة؛ إذ تشمل قيود السن وعدم اهتمامهم بالسياسة، وغير ذلك، إضافة إلى التقليل من أهمية مساهمتهم في بناء السلام12. وتنحصر الآراء عن أدوار الشباب في سياقات النزاع وبناء السلام في المشاركة في النزاعات المسلحة واعتبارهم مفسدين لعمليات السلام. وتعتمد وجهة النظر هذه تفسيرات، من بينها نشأتهم داخل ثقافة العنف وخاصة من كانوا ضحايا مباشرين له، ومن ثم، فإنهم يستخدمون العنف وسيلةً للتعامل مع النزاعات والإشكاليات13. وفي العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، نُشَرَت دراسات مثّلت المحاولات الأولى لتغيير وجهة النظر هذه؛ إذ افترضت أن الشباب لا يميلون في جوهرهم إلى العنف، لكنهم نتاج مجتمعاتهم والعنف الذي يمارس ضدهم فيها، فهم قادرون على المشاركة في بناء السلام إذا ما جرى تأهيلهم وإشراكهم، وعندما يكونون في بيئة مناسبة، وُيُسمح لهم بتسخير طاقاتهم، على نحو يؤهلهم ليصبحوا قادرين على ذلك14. وبهذا، فإن الإشكالية ليست في الشباب أنفسهم، ولكن في التعامل معهم على أنهم مشاركون في النزاعات، وتجاهل مساهماتهم الإيجابية ودورهم المحتمل في بناء السلام15، إلى جانب إشراكهم في العنف المباشر المتمثل في التجنيد في الجيوش أو الجماعات المسلحة. وعلى الرغم من المراجعات التي قدّمتها هذه الدراسات وظهور مفهوم الإشراك/ الدمج في عمليات السلام، الذي أظهر تأثيرًا إيجابيًا في استدامة اتفاقيات السلام، فإنها لم تقدّم تفصيلًا أو تقييمًامعمقًا لدور الشباب في هذه الاتفاقيات؛ إذ لا يزال الشباب مهمشين ومستبعدين من المشاركة16. وتركز هذه الدراسات على المقاتلين ضِ من أطراف النزاع؛ ما يتسبب في المزيد من تهميش الشباب الذين يدعمون عمليات السلام من خلال أنشطة بناء السلام. لذلك، ومن أجل الوصول إلى سلام قائم على الإشراك Inclusive، يجب أن تكون ثمّة أولوية لمشاركة الذين يعملون على إعادة بناء السلام والمصالحة، وأن يُنَظَر إليهم بوصفهم شركاء مع الأطراف الرسمية، وأن يُعتَرَف بأهمية وجودهم في المفاوضات، وأن يجري العمل على الشراكة معهم منذ البداية في عمليات السلام، بدلًامن اعتبارهم عنصرًا ثانويًا أو الاقتصار على مشاركتهم الشكلية17. فيما يتعلق ببناء السلام ومنظمات المجتمع المدني، ثمة أشكال مختلفة من عمليات السلام القائمة على المسارات المتعددة بحسب سياق كل نزاع، إلا أن العديد من الدراسات يعتمد على مفهوم المسارات الأول والثاني والثالث، الذي يحدّد فيه جون ليدراخ ثلاثة فاعلين، هي: المسار الأول المخصص للقيادات من الأطراف المباشرة في النزاع، والمسار الثاني الذي يعمل على دعم المسار الأول، وهو يضم شريحة واسعة من المجتمع المدني وخبراء وأكاديميين، والمسار الثالث الذي يضم القاعدة الشعبية التي تعيش قضايا النزاع بطريقة
مباشرة18. غير أن مقاربات حل النزاعات تُركز على النخبة، "المسار الأول"، وأدوارها مع تركيز قليل على المجتمعات التي تستمد منها هذه النخبة سلطتها "(المساران الثاني والثالث.)" ولكن ثمّة من يجادل بأن استبعاد هذه الأطراف غير الرسمية يؤدي، غالبًا، إلى فشل اتفاقيات بناء السلام خلال مرحلة التنفيذ، وهنا يأتي دور المسار الثاني الذي يمكن أن يساعد في تجنّب مثل هذه النتائج؛ من خلال إشراك مجموعات المصالح والأطراف ذات الصلة مع الأطراف الأساسية، وبذلك يمكن التغلب على الإقصاء والحفاظ على وجود حوار بين المفاوضين الرسميين والقاعدة الشعبية19. ثمة نقاش آخر يتناول البرامج والوظائف المختلفة التي يمكن أن تنجزها منظمات المجتمع المدني ضمن عمليات السلام؛ إذ تركز معظم تدخلات هذا المجتمع على إعادة بناء "رأس المال الاجتماعي" في المجتمعات المحلية التي مزقتها النزاعات، فهي توفر فرصة للأفراد بشأن بناء السلام مجتمعيًا20. وقد قدّمت تانيا بافينهولز سبع وظائف أساسية لهذه المنظمات، هي: الحماية والرصد والمناصرة والتيسير والتنشئة الاجتماعية والتماسك الاجتماعي وتقديم المساعدات. وتختلف أهمية كل وظيفة باختلاف المرحلة التي تكون فيها عملية السلام21. وضمن هذا النطاق الواسع من الوظائف، تقدّم المنظمات العديد من البرامج؛ منها دورات تدريبية لتحسين مهارات التفاوض وبناء السلام، وتحديد أسباب النزاعات وحلّها. غير أن البرامج المقَّدَمة في مناطق النزاع تواجه انتقادات بوصفها جهودًا متفرقة، وبرامج تُنَّفَذ مرةً واحدة وينتهي أثرها؛ وبهذا لا تتسم نتائجها بالديمومة التي قد تساعد في عملية البناء22. لكن ثمّة من يعتبر أن هذا الانتقاد غير عادل، فالعديد من المنظمات ملتزمة ببرامج طويلة الأمد، ولكن الإشكالية التي تواجهها هي الحصول على التمويل للاستمرار، وهذه ليست مهمة سهلة؛ إذ يُعتبر مجال حلّ النزاعات حديث العهد، وتتطلب نتائج العمل فيه فترة طويلة لظهورها. وفي المقابل، يتطلب التعامل مع المانحين تحقيق نتائج سريعة وملموسة، ومن دون ذلك سيكون من الصعب تطوير العلاقات مع جهات التمويل واستعدادها لتقبّل أن التقدم البطيء في حّل النزاعات، وأن بناء السلام، ستكون لهما نتائج إيجابية على المدى البعيد. ومن دون وجود هذا التمويل، تجد المنظمات التي تعمل في مناطق حلّ النزاع أنّ إمكاناتها بشأن أنواع البرامج التي يمكنها تنفيذها محدودة23.
3. برامج بناء السلام للشباب
تؤكد دراسة كيمبر إيفون أن أهمية الشباب في التحول خلال فترات الحرب والسلام هي حقيقة معترف بها، فأعدادهم الكبيرة وأدوارهم المحتملة في النزاع دفعت المنظمات مؤخرًا إلى اعتبارهم مجموعة مستهدفة لبرامج السلام والتنمية. وتوجد ثلاث مقاربات متعلقة بالاستجابات المختلفة للمنظمات تجاه الشباب في سياقات النزاع، هي: 1. المقاربة القائمة على الحقوق، 2. المقاربة الاقتصادية، 3. المقاربة الاجتماعية – السياسية24. تنظر المقاربة القائمة على الحقوق إلى الشباب على أنهم ضحايا لبيئة عنيفة تنتهك حقوقهم بوصفهم فاعلين في السلام. وترى المقاربة الاقتصادية أنهم فاعلون اقتصاديون عقلانيون يمكن أن يؤدي افتقارهم إلى البدائل المادية إلى جعلهم موارد ممكنة الاستغلال في النزاع المسلح. أما المقاربة الاجتماعية – السياسية، فتؤكد إمكاناتهم بوصفهم عاملًامن عوامل التغيير، وأن عجزهم قد يحوّلهم إلى مفسدين لعملية بناء السلام25. وتحظى كل مقاربة بنقاط قوة وضعف مستمدة من الأدوار التي تُسندها إلى الشباب. وتتمثل نقاط القوة في المقاربة القائمة على الحقوق في حماية الشباب وتعزيز المسؤولية المجتمعية تجاههم، غير أن المقاربة الاقتصادية أكثر فاعلية على المدى القصير؛ لأنها تحقق نتائج فورية، وتجذبهم بعيدًا عن النزاعات المسلحة26. أما المقاربة الاجتماعية – السياسية، فتعزز المصالحة الطويلة الأمد من خلال مكافحة تهميشهم والسعي لدمجهم في الهياكل المجتمعية27؛ لذلك يمكن اعتبارها المقاربة الأقرب بشأن فهم العلاقة بين المنظمات والشباب خلال فترة بناء السلام؛ فهي تمنح الشباب دورًا فاعلًافي بناء السلام قبل انتهاء النزاع وبعده28.
والسؤال المطروح هنا هو: ما الكيفية التي تستوعب بها منظمات المجتمع المدني الشباب وأدوارهم في بناء السلام؟ تسعى هذه المنظمات لخلق بيئة مواتية للشباب، لكن لا يمكنها أن تتحمل المسؤولية كاملة لحل إشكالياتهم. ففي حالة النزاع، تكون مترددة بين حمايتهم أو دعم مشاركتهم السياسية29. وعلى عكس الجماعات المسلحة التي تقدّم دخلًابانتظام لاستقطابهم، والتي يكون لها دور في إثارة العنف، لا تجذب المنظمات الشباب على نحو كبير؛ لأنها غير قادرة على المجازفة وإشراكهم مع الأطراف المتنازعة. وتتردد منظمات كثيرة كذلك في اتباع مقاربة اجتماعية - سياسية للمشاركة بسبب المخاطر التي تنطوي عليها التعبئة السياسية؛ إذ يمكن أن يتسبب الشباب في عدم الاستقرار السياسي وأن يعرضوا حياتهم للخطر إن خالفوا السلطة30. لذلك، نجد أنّ عددًا من برامج المنظمات يفتقر إلى البعد السياسي بخصوص المشاركة، ويفضّ ل التركيز على تقديم المساعدات أو التدريب31.
ثانيًا: السياق العام للدراسة
منذ بدء الحرب في اليمن عام 2015، سعت الأمم المتحدة لإطلاق عدة جولات من المفاوضات بين أطراف النزاع باعتبارها الوسيط المحايد والراعي لعملية بناء السلام. كانت البداية في حزيران/ يونيو، عندما أعلنت عن رعايتها المفاوضات في جنيف، التي فشلت بسبب اشتراط حركة أنصار الله التفاوض على نحو مباشر مع المملكة العربية السعودية، وإصرار الوفد الحكومي على التمسك بقرار مجلس الأمن رقم 2216 32، بصفته مرجعيةً للمفاوضات33. وفي كانون الأول/ ديسمبر من العام نفسه، جرى عقد مفاوضات "جنيف 2" التي انتهت بصفقة تبادل أسرى. وفي عام 2016، استضافت الكويت دورة جديدة من المفاوضات، لكنّ وفد حركة أنصار الله تخلّف عنها، ورفض الانخراط في أي مفاوضات حتى يجري وقف كّل ي للغارات الجوية لقوات التحالف34. وتوقفت بعد ذلك جهود الأمم المتحدة بشأن السلام في اليمن، حتى عام 2018، مع مفاوضات ستوكهولم التي رعاها مبعوث الأمم المتحدة مارتن غريفيث، والتي ركزت على فتح ميناء الحديدة وإرساء آلية لتبادل الأسرى وفتح طريق تعز، باعتبار ذلك كلّه من القضايا التي يمكن الوصول إلى نقطة مشتركة حولها بين أطراف النزاع. وعلى الرغم من أنّ العمل لم يجِرِ على كل محاور الاتفاق، فإن هذه المفاوضات اُعُتبرت الأنجح مقارنةً بما سبقها، نظرًا إلى ما توصلت إليه في ملف ميناء الحديدة35. في إثر هذا الاتفاق، دخلت عملية السلام في حالة ركود، خاصةً مع تفشي جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19-)، إلا أن عام 2021 شهد محاولات مختلفة من عدة وسطاء، مثل الأمم المتحدة والولايات المتحدة الأميركية وسلطنة عمُان، للوصول إلى اتفاق جديد36. وفي نهاية العام، جرى تعيين هانس غروندبيرغ مبعوثًا خاًّصًا للأمم المتحدة إلى اليمن، وتمكّن من الوصول إلى هدنة مدتها شهران، في نيسان/ أبريل 2022، وجرى تمديدها بعد ذلك أربعة أشهر إضافية. وقد هدفت الهدنة إلى وقف كل العمليات العسكرية، وفتح مطار صنعاء الدولي المغلق منذ عام 2015، وتسهيل دخول البواخر النفطية إلى ميناء الحديدة لحل أزمة المشتقات النفطية، وفتح طريق مدينة تعز المحاصرة، وبدء العمل على الخطوات اللازمة لإنهاء الحرب وبدء المفاوضات بين أطراف النزاع37. ولكن مع نهاية أيلول/ سبتمبر 2022، انتهى تمديد الهدنة الثالث رغم جميع المساعي، وأعلنت حركة أنصار الله أن المفاوضات المتعلقة بتمديدها مرةً أخرى "وصلت إلى طريق مسدود"38.
1. الشباب في اليمن
تغيرت أوضاع الشباب اليمني39، إلى حدّ بعيد، منذ عام 2011، بعد سقوط نظام الرئيس علي عبد الله صالح؛ إذ لم يكن لهم
قبل ذلك نشاط سياسي ملحوظ، واقتصر نشاطهم على الجوانب الاجتماعية والثقافية. ومع انتفاضة عام 2011، تزايد اهتمامهم بالسياسة. وخلال الفترة الأولى من الانتفاضة، استفادوا من وجود أطياف سياسية مختلفة، وقد كانت لهم فرصة متعلقة بتشكيل حركات وتحالفات ومنتديات؛ أبرزها مجلس التنسيق لشباب الثورة اليمنية40. وأدّت الانتفاضة إلى لفت أنظار مختلف الأطراف إلى الشباب، فسارعت الأطراف السياسية إلى استقطابهم، وبدأت الجهات الدولية والمنظمات بالتركيز عليهم في برامجها41. وخلال الفترة الانتقالية 2013-2012()، أصبح للناشطين منهم أدوارٌ مهمة سياسيًا. وكانوا ضمن المشاركين في مؤتمر الحوار الوطني، حيث طُلب من كل المكونات منح الممثلين الشباب نسبة 20 في المئة42 من المشاركين. وبرز خلال تلك الفترة العديد من المنظمات بقيادات شابة، وتوّل ىبعضهم مناصب حكومية؛ وزراء، أو أعضاء في مجلس النواب43. وفي عام 2013، أنشأ مكتب مبعوث الأمم المتحدة ملتقى الشباب والنساء التابع له، نتيجة الاهتمام بتعزيز مشاركة الشباب والنساء في عملية الانتقال الديمقراطي، وزيادة الوعي بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وتقديم الدعم لتحسين قدراتهم44. ومع اندلاع الحرب في عام 2015، تراجع نشاط الشباب السياسي، وكان للتحديات المختلفة التي فرضتها الحرب أثر كبير في استمرار مشاركتهم السياسية. فقد جرى إيقاف ملتقى الشباب والنساء، وغادر كثيٌرٌ من المنظمات البلاد، وما بقي منها تحوّل إلى برامج للإغاثة والمساعدات45. واستمر الوضع على هذا النحو طوال السنوات الأولى من الحرب، ولم تتخللها سوى مبادرات بسيطة من مكتب المبعوث لإشراك فئات الشباب والنساء في مفاوضات السلام، وقد ركّز أغلبها على إشراك النساء، ومن ذلك مثلًا: مشاركة سبع ناشطات مستقلات من تحالف المرأة اليمنية من أجل السلام والأمن في المناقشات غير الرسمية في محادثات الكويت عام 2016، ومشاركة ثمانية أعضاء في المجموعة الاستشارية الفنية النسائية في مشاورات جنيف في عام 2018، وإشراك وفد نسائي في مشاورات في ستوكهولم في عام 2018 46. وفي المقابل، لم يشارك الشباب إلا في لقاء افتراضي مع غريفيث، للبحث في فرص عملية السلام وتحدياتها، وسبل الدفع بأجندة الشباب والأمن والسلم والقرار رقم 2250. وفي نهاية عام 2020، عُقد أول مؤتمر لشباب اليمن وبناء السلام افتراضيًا، وقد ضم ما يقارب 1000 من الشباب ذكورًا وإناثًا47. ونتج منه إعلان إنشاء التوافق الشبابي للأمن والسلم برعاية صندوق الأمم المتحدة للسكان والمستمر حتى لحظة كتابة هذه الدراسة.
2. منظمات المجتمع المدني في اليمن
تعود بدايات نشأة منظمات المجتمع المدني في اليمن48، التي تشكل اليوم جزءًا من المشهد السياسي الوطني، إلى فترة الاستعمار البريطاني في الجنوب، وقد بلغ عددها في ذلك الوقت ما يقارب 47 منظمة49. ومع قيام الوحدة، وإجراء تعديلات دستورية تضمن التعددية السياسية وحرية إنشاء المنظمات، ازداد عدد منظمات المجتمع المدني وتطور شكل المجتمع المدني50. ومع انتفاضة عام 2011، فُتحت مجالات جديدة للنشاَطيَن المدني والسياسي، وطالب المجتمع بدور في العملية الانتقالية51، وارتفع عدد المنظمات المسجلة بما يقارب نسبة 24 في المئة، ووصل عددها إلى 8317 منظمة في نهاية عام 2012 52؛ ما سمح لها بدور بارز في مؤتمر الحوار الوطني في العام نفسه، على الرغم من أن الحكومة في حينها لم تدعمها إلى حدّ بعيد؛ إذ كانت المنظمات تعاني نقَصَ التمويل والمهارات، واتجه الكثير منها إلى الجهات
المانحة الخارجية53. لكن الحرب كانت لها آثار سلبية في هذه المنظمات، ولم تستطع الحفاظ على دورها. فإلى جانب تغير الأطر القانونية وتراجع نطاق النشاط والتأثير، تغيرت مجالات عمل هذه المنظمات وتراجع تأثيرها السياسي.
ثالثًا: منهجية البحث
يعتبر السياق اليمني حالة مهمة للدراسة نظرًا إلى عدة أسباب: أولها، طول مدة الصراع في اليمن والمحاولات المستمرة منذ سنوات لبناء عملية سلام ناجحة؛ وثانيها، أن المجتمع المدني أصبح يشكل جزءًا من المشهد السياسي في البلاد منذ عام 2011؛ ما جعله عنصرًا مهًّم اعند الحديث عن عملية السلام ومشاركة مختلف الفئات فيها؛ وثالثها، قلة عدد الدراسات التي تحلّل العلاقة بين مشاركة الشباب السياسية ومنظمات المجتمع المدني، في سياق النزاع اليمني تحديدًا. ولفهم هذه العلاقة، اعتمدنا على إجراء 15 مقابلة شبه منظمة، استخدمنا فيها أسئلة مفتوحة لتحقيق مرونة في الوصول إلى وجهات نظر مختلفة. وقد انقسمت عينة الدراسة إلى قسمين، هما: ممثلو منظمات المجتمع المدني التي تعمل على برامج إشراك الشباب في عملية بناء السلام في محافظات مختلفة متمثلة في صنعاء وعدن وتعز وحضرموت؛ والشباب المشارك في هذه البرامج من محافظات مختلفة. وجرى الوصول إلى أفراد العينة باستخدام طريقة "كرة الثلج." وتتسبب هذه الطريقة في وجود بعض التحيز في عملية الاختيار؛ ما قد يؤثر في النتائج، إلا أنه من المهم الإشارة إلى الاعتبارات التالية: أولًا، يُعدّ العمل، في بيئةٍ تعاني النزاع، على غرار اليمن، على جمع العينة بهذه الطريقة الخيار الأفضل؛ لأنه يخفف من المخاطر المحتملة على المشاركين؛ ثانيًا، لا تسعى الدراسة لتعميم النتائج التي ستتوصل إليها، بل إنها تهدف إلى تقديم رؤية لماهية الدور الذي تقدمه منظمات المجتمع المدني في إشراك الشباب؛ ثالثًا، عند اختيار المشاركين، حاولنا الحصول على عينة متنوعة لتقليل نسبة التحيز المحتملة. وقد جرى تحليل البيانات عن طريق استخدام تحليل موضوعي مبني على تحديد الأنماط والموضوعات العامة والفرعية المشتركة في البيانات. وجرى استخلاص النتائج من الموضوعات التي تمّ التوصل إليها، وتفسير أهميتها، فضلًاعن ملاحظة وجود علاقات ترابط بين الموضوعات. وقد جرى دعم التحليل والاستنتاجات باقتباسات مباشرة من نصوص المقابلات، ومقارنتها بما هو متاح في الأدبيات السابقة.
رابعًا: النتائج والتحليل
1. منظمات المجتمع المدني وبرامج إشراك الشباب
ثمة جهات متعددة يمكن أن تقدّم برامج لإشراك الشباب، وقد تشمل جهات من المجتمع المدني؛ مثل المؤسسات والمنظمات المحلية والدولية والمراكز البحثية، وغيرها. ولا يشترط في هذه الجهات أن تكون متخصصة في الشباب أو بناء السلام لتعمل على برامج مشاركة الشباب، وقد تختلف طبيعة البرامج المقدمة بحسب طبيعة كل جهة؛ مثل التركيز على التدريب العملي أو المعرفي، أو المناصرة، أو التوعية السياسية، أو غيرها. ومن بين العوامل المحددة لطبيعة البرامج مساُرُ السلام الذي تعمل ضمنه المنظمة؛ فالمنظمات ضمن المسار الثالث تركز على التدريبات وإيجاد تفاعلات بين الشباب والمجتمعات المحلية وقضاياهم، في حين تركز المنظمات في المسار الثاني على حملات المناصرة والضغط وخلق الرؤى الموحدة، التي قد تشمل أوراق سياسات عامة، أو دراسات بحثية، أو جلسات تفاوضية، أو لقاءات مع الأحزاب السياسية والمكونات الاجتماعية والجهات الدولية. وتمرّ هذه البرامج بعدد من المراحل، مثل التخطيط وعملية اختيار المشاركين وصولًاإلى التنفيذ والتقييم وقياس الاستدامة في فترة ما بعد البرنامج. بداية من مرحلة التخطيط، تعتمد مجموعة من المنظمات، التي جرت مقابلتها، في تخطيطها لتنفيذ برامج إشراك الشباب، على تحليل النزاعات القائمة وإجراء دراسات ميدانية باستمرار لتحديد أبرز القضايا التي يجب العمل عليها. ثم تجري مناقشة هذه القضايا مع الشباب وأصحاب المصلحة لتحديد نوعية البرامج التي يمكن تقديمها. وتوجد برامج أخرى تُنتج تقارير وأوراقًا سياساتية ليجري ارلاعتماد على مخرجاتها في تصميم البرامج وأنشطتها، وبرامج قد تغّي من طبيعة الأنشطة التي تقدمها بناءً على تقييمات المشاركين، لكي تصبح ملائمة أكثر لاحتياجاتهم، بحيث يجري تصميم مقاربة تشاركية مع الشباب. في مرحلة اختيار المشاركين، لا توجد آلية واحدة تنطبق على كل البرامج، فلكٍّلٍ منها خصوصية وتصميم مختلف وطبيعة مخرجات محددة تتطلب مشاركة فئة معينة من الشباب. وبوصفها برامج تستهدف الشباب على نحو منفصل أو تشركهم مع فئات أخرى، يُعد معيار العمر معيارًا أساسيًا وثابتًا، وهو يراوح بين 18 و 29 سنة. وثمة معايير أخرى، مثل أن يكون الشباب ناشطين في المجتمع المدني أو أحزاب سياسية أو سبق أن عملوا في فرق ميدانية.
يُفَتَح للعموم باب المشاركة في برامج التدريب على مفهوم بناء السلام أو مساراته؛ إذ يمكن مشاركة مَن ليست لديهم خبرة بهذا الشأن. أما البرامج التي تتطلب أن يكون لدى المشاركين معرفة عن بناء السلام ومساراته، أو إطار مرجعي عن العمل المجتمعي ومعرفة بالسياق السياسي، فيجري اختيارهم عن طريق ترشيحات محددة. وفي المقابل، يتعَّرَف الشباب البرامَجَ بطرائق مختلفة؛ إما عن طريق مشاركين سابقين، وإما عبر منصات التواصل الاجتماعي التي تنشر فيها فرص المشاركة. وثمّة من ترشحهم الجهات بناءً على خبراتهم ومشاركاتهم السابقة وشبكة علاقاتهم، وقد تُخَّصَص فرص لفئات محددة مثل المشاركين في برنامج محدد أو الأعضاء في حزب، أو قد يجري اختيارهم بسبب مجالات تخصصاتهم التي تتناسب مع البرامج. وضمن أنشطة المسار الثالث، يُعدّ التدريب أكثر الأنشطة التي تركز عليها المنظمات في برامجها. وعلى الرغم من اختلاف هذه البرامج في مدتها؛ فهي تتنوع بين برامج طويلة تمتد عامًا أو أكثر، وبرامج قصيرة لا تتجاوز أسبوعًا واحدًا، إلا أنها تركز على مواضيع متشابهة. وتشمل التعريف بالمفاهيم الأساسية في بناء السلام، وبناء قدرات الشباب في بناء السلام، وتحليل النزاعات، وتيسير قضايا النزاع محلًّيًا، والمشاركة والمسؤولية المجتمعية، والتدريب على مهارات استراتيجية؛ مثل التخطيط والاتصال والتواصل والحوكمة، إضافة إلى تدريبات في مجال عمل منظمات المجتمع المدني؛ من قبيل كتابة المشاريع والبحث عن تمويلات، وتوفير شراكات، وغير ذلك. وثمّة برامج تركز، على نحو أساسي، على الشباب المتحزب أو العامل في القطاعات الحكومية؛ لدفعهم إلى المشاركة من خلال هذه الجهات في عملية بناء السلام. وقد ورد في إحدى المقابلات: "الفكرة أن ندعم الشباب في الدوائر الحكومية والأحزاب لأن الكثير من الشباب الحزبيين مهمشون، لذا نركز على تأهيل من لا يحظون بفرص للمشاركة وطرح رؤاهم"54. وثمّة برامج لا تتوقف عند انتهاء التدريب، بل تركز على التطبيق العملي لما جرى التدريب عليه، بحيث ينفّذ الشباب المشارك أنشطة خاصة بهم تركز على الجانب السياسي أو الاقتصادي أو بناء السلام المجتمعي، أو يشاركون في تدريبات لَنَْقْل التجارب والخبرات التي اكتسبوها إلى آخرين. وُتُعدّ مشاريع الوساطة المحلية من أبرزها؛ إذ إنها تُنُفذ في عدد محدود من المحافظات المتأثرة بالنزاع على نحو مباشر، وهي تشتمل على إمكانية لعمل فرق الوساطة. ومن خلال هذه البرامج، يجري التدريب على مفهوم عمل الوسطاء وطرائقهم، وإشراك الشباب مع الوسطاء الأساسيين ليكونوا مساندين لهم في مختلف القضايا؛ من خلال تنسيق لقاءات الوسطاء الأساسيين، وتقديم الدعم، وتوثيق عمليات التفاوض. وبناءً على حضورهم عمليات الوساطة، يجري نقل الخبرات إليهم ويتعلمونها. أما ضمن المسار الثاني، فتركز المنظمات على إيجاد مجال للشباب بشأن إيصال أصواتهم وربطهم بالفاعلين السياسيين. ويجري عقد لقاءات وجلسات نقاشية تجمعهم بمكتب مبعوث الأمم المتحدة، ووفود السفارات، والبعثات الدبلوماسية، والفاعلين السياسيين، بحيث يجري إظهار قدراتهم وتوفير فرص لهم مع هذه الجهات. ويجري عقد لقاءات مع الأطراف السياسية المحلية المختلفة للمطالبة بإيجاد مجال لمشاركة الشباب والضغط عن طريق الأحزاب السياسية لإشراكهم في مفاوضات السلام. وثمة جهات تركز على إنتاجهم المعرفي من خلال بناء قدراتهم في البحث والتحليل والكتابة، ليعملوا بعد ذلك على تحليلات وأبحاث تعكس رؤاهم في مختلف القضايا، إضافة إلى عمل جهات على صياغة رؤى شبابية شاملة حول عملية بناء السلام، لُتُعرض على الأطراف المتحاورة ومكتب مبعوث الأمم المتحدة؛ حتى تُؤخذ في الحسبان في عملية التفاوض، وهو ما يُدرج في أنشطة المناصرة التي تُعدّ من أهم أنشطة المنظمات ضمن المسار الثاني. ومن الوسائل التي تستخدمها المنظمات في هذا السياق تشكيل تحالفات للعمل على مناصرة قضايا محددة، وإيصال مطالب مثل المطالبة بإشراك الشباب في المسار الأول. وضمن هذه التحالفات، قد تشارك المنظمات بأعضاء من كوادرها أو يجري اختيار شباب يمثلونهم، ومن ثم يتحقق شكل من أشكال إشراكهم فيما تعمل عليه المنظمات. ثمّ تأتي مرحلة التقييم؛ فللتأكد من فاعلية البرامج، تتبع المنظمات مجموعة من معايير التقييم، منها ما هو متعلق بالأهداف وكيفية مساهمة أنشطة البرامج في تحقيقها، والمدة الزمنية بالنسبة إلى البرنامج، والصعوبات في أثناء التنفيذ، وغيرها. وتركز المنظمات على عقد لقاءات دورية تُعقد بالشراكة مع الشباب والفئات الأخرى المشاركة، لتحديد الدروس المستفادة وقصص النجاح من كل برنامج. وفيما يتعلق بمعايير قياس نجاح التدريبات، يجري التركيز على تغير المفهوم واكتساب المعرفة قبل التدريب وبعده، وعدد المبادرات والمشاريع الشبابية التي تنشأ بعد التدريب، أو عدد الشباب الذين يصلون إلى مناصب أو فرص معينة، مثل المشاركة في لقاءات تشاورية أو المشاركات الخارجية. وثمّة منظمات تتبع عملية تقييم مستمرة طوال البرنامج من الشباب أنفسهم، فيجري العمل على الملاحظات التي يطرحونها وتعديلها حين تنفيذ البرنامج. أما في برامج إشراك الشباب في حل النزاعات المجتمعية، فتتابع المنظمات خطوات المبادرات الشبابية من تنسيقات مع المجتمعات المحلية وأصحاب المصلحة والسلطة المحلية، وكيفية التدخل. ومن ثم يجري تقييم الفائدة التي حققها هذا التدخل، وكيفية مساهمته في حل قضية النزاع، والوسائل المستخدمة في أثناء العمل لحلّ النزاع.
ومن خلال الحديث عن منظمات المجتمع المدني التي تقدم برامج لمشاركة الشباب ضمن عينة البحث، يظهر وجود تنوع واختلاف بين هذه المنظمات وما تقدمه؛ فالبرامج تختلف في طبيعتها ومدتها ومحتواها، وهي تمر بعدة مراحل؛ بدءًا من التخطيط وتحديد طبيعة البرنامج وما يتبعها من عملية اختيار المشاركين والتنفيذ، ووصولًاإلى التقييم. وفي حين تركز برامج المسار الثالث على التدريب وتنفيذ مبادرات محلية، تهتم برامج المسار الثاني بالمناصرة وإيصال أصوات الشباب إلى صناع القرار وإيجاد شراكات فيما بينهم. وعلى الرغم من هذه الجهود، تظهر اختلافات بين الشباب والمنظمات حول شكل عملية السلام والأدوار المتوقعة والنتائج المرجوة من هذه البرامج. وهذا ما سنوضحه من خلال التفصيل في وجهات نظر الطرَفيَن ونقاط الاختلاف بينهما، وتأثير ذلك في برامج إشراك الشباب في بناء السلام في اليمن.
2. الاختلافات بين الشباب والمنظمات
لاستكمال الرؤية المتعلقة بإنشاء برامج المشاركة وتأثيرها، نناقش نقاط الاختلاف بين الشباب والمنظمات ممن جرت مقابلتهم من حيث المفهوم والرؤية، التي قد تؤثر في فاعلية البرامج ووجود الطرفين ضمن عملية بناء السلام. وينعكس هذا الاختلاف في رؤية كلا الطرفين للآخر ودوره وما يقدمه؛ إذ ترى المنظمات أنها الداعم الأساسي للشباب، ومن الصعب أن يكون لهم دور مستقل أو أن يستطيعوا أن يشاركوا سياسيًا على نحو فردي. وهنا تكمن أهمية المنظمات وما تقدّمه، فالشباب في حاجة إلى داعم يساهم في إيصال أصواتهم ورؤاهم إلى صناع القرار وأطراف النزاع. وثمّة من يتفق مع هذه الرؤية من الشباب ضمن عينة الدراسة، ويؤكد أن التمكين الذي تراكم لديهم هو نتيجة لما قدمته برامج منظمات المجتمع المدني إليهم، وأن ثمة تمكينًا في عدة مجالات وتطورًا في أدوارهم لم يكن ليتحقق إلا عن طريق المنظمات. لكن بعضهم يرى أن المنظمات لا ينظر إلى الشباب على أنهم مؤهلون وقادرون، وأنه يوجد تعميم مجحف مفاده أن مشاركتهم لا تتجاوز المساَرَين الثاني والثالث، أما المسار الأول فليست لديهم المؤهلات الكافية لينشطوا فيه.
أ. الاختلاف في مفهوم عملية بناء السلام
تبعًا للاختلاف بين الشباب والمنظمات في أدوار كٍّلٍ منهما، ثمة اختلاف آخر حول مفهوم عملية بناء السلام والأدوار المتوقعة لكل طرف ضمن العملية. وثمة اتفاق عام بين عينة الدراسة فيما يتعلق بأن عملية السلام يجب أن تكون شاملة لجميع المكونات والأطراف، وأن تكون تشاركية؛ بحيث لا يُقصى أيّ طرف، وتشمل تمثيل الشباب والنساء والأحزاب والمجتمع المدني، وأن تكون تراكمية؛ على نحو يجري العمل فيها في مختلف المجالات والمسارات محلًّيًا ووطنًّيًا، لإنهاء النزاع. لكن معنى الإشراك والتشاركية مختلف عند الطرَفيَن؛ فالشباب يفهمون المشاركة بالوجود الفعلي لكل المكونات في المفاوضات نفسها، بينما ترى المنظمات أن عملية السلام تصبح شاملة/ قائمة على الإشراك عندما يعمل الشباب والفئات الأخرى على النزاعات المختلفة محلًّيًا، وأن تقدم تصورات هذه الفئات إلى الأطراف المتفاوضة من دون اشتراط مشاركتهم الفعلية في المفاوضات. ولكن تبقى إشكالية حصر عملية السلام في إنهاء الاقتتال، والاقتصار على الأطراف المتحاربة، التي لا تُعبر إلا عن مصالحها، إشكاليةً أساسيةً، وفقًا لمجتمع عيّنة الدراسة. من جهة أخرى، ثمة اختلاف واضح في تعريف المسار الثاني ودوره، وهو من الإشكاليات المتعلقة بمفهوم عملية بناء السلام في اليمن؛ إذ تعتبر المنظمات أنه "مسار متوسط بين المساَرَين الأول والثالث، وأّن مهمته هي نقل المعلومات وإيصال قضايا المسار الثالث إلى المسار الأول. لكن ثمة من يُعُدّ الأطراف المنخرطة فيه تابعة لمكوّن سياسي معين أو طرف خارجي. ومن ثم، فهي ليست ذات رؤية وطنية، ولا تمتلك دورًا مؤثرًا في العملية55. من ناحية أخرى، يرى الشباب أن المسار الثاني ينطوي على عدد من الإشكاليات، أبرزها أن منظمات المجتمع المدني لا تعي تقسيم المسارات والدور المفترض ضمن كل مسار، وأنه محصور في كيانات محدودة لا تسمح للشباب بالانخراط في المسار الأول على الرغم من أنها تتحدث باسمهم. وقد قال أحد أفراد العينة: "بسبب عدم وضوح الدور المحدد لهذا المسار، فهو يفتقر إلى وجود منهجية موحدة للعمل على إشراك الشباب، مما يجعل جميع الجهود المبذولة دون مخرج حقيقي للشباب"56. يُضاف إلى ذلك عدٌدٌ من الإشكاليات التي تعكس مدى اختلاف رؤية الشباب الذين جرت مقابلتهم؛ فهم يرون أن عملية بناء السلام تغيرت، إلى حدّ بعيد، بداية الحرب حتى لحظة إجراء المقابلات، بسبب المتغيرات الاقتصادية والسياسية والعسكرية محلًّيًا وإقليمًّيًا. وهذا التغير يؤثر في وضع تعريف محدّد لعملية بناء السلام، وتصميم خريطة لها، ويقول أحدهم: "حين حددت الأمم المتحدة المسارات، حددتها على نحو خاطئ؛ لذلك تقوم بالتعديل عليها بشكل مستمر بما يتلاءم مع متطلبات الوضع"57. وُيُنظر إلى التركيز على إنهاء الصراع المسلح من دون إشراك الفئات الأخرى على أنه تمهيد لإقصائهم بصفة مستمرة إلى ما بعد عملية بناء السلام. وإذا
لم يكن للشباب دور أساسي من البداية، فلن يكون لهم دور فيما بعد. ويعبر الشباب عن شعور بالإحباط من العملية ويعدّونها فاشلة لم تحقق أي إنجازات، وهذا ينعكس على الفشل في إشراكهم. وأخيرًا، تجري عملية بناء السلام بعيدًا عن الأطراف المحلية المتصارعة التي جرى تهميشها أساسًا، ثمّ إنّ المتحكمين في العملية أصبحوا أطرافًا إقليمية ودولية؛ ومن ثم لا توجد رؤية حقيقية لبناء السلام في اليمن، وما هو موجود لا يلبّي احتياجات اليمنيين، وإنما يلبّي احتياجات المنطقة والمجتمع الدولي.
ب. الاختلاف في الأدوار المتوقعة ضمن عملية بناء السلام
تركز المنظمات التي جرت مقابلتها على التمييز بين الدور الذي يجب أن تؤدّيه والدور الذي يُفترض أن تؤدّيه المكونات والأحزاب السياسية؛ إذ يقول أحد ممثلي المنظمات: "أدوار منظمات المجتمع المدني هي المساهمة في عملية بناء السلام وليس عملية بناء السلام نفسها، والمساهمة في تعزيز قدرات الشباب وزيادة فرص وصولهم لصنع القرار"58. ومن ثم، فهي تركز على التدريب والتمكين على نحو أكبر، في حين يكمن دور الأحزاب والمكونات السياسية في تحمل مسؤولية المشاركة والعمل لإيصال الشباب إلى مراكز صنع القرار؛ فوجودهم في هذه المراكز يتطلب دعمًا عن طريق الأحزاب السياسية؛ فعندما يجري تشكيل حكومة، مثلًا، يُدفعون بصفتهم مشاركين من الأحزاب. وفي مقابل ذلك، يعتبر الشباب أن الدور المتوقع من المنظمات أكبر وأوسع، فقدرتها على الوصول إلى المسار الثاني أو السماح لها بالانخراط في المسار الأول يفرضان عليها إيصالهم إلى الفرص نفسها. وتزيد الاختلافات حين يتعلق الأمر بتحديد أدوار الشباب ضمن عملية بناء السلام، فلا يوجد اتفاق حول هذه الأدوار بين الطرَفيَن ضمن عينة الدراسة. إن "المشاركة في جميع المسارات" هي تعبير مشترك، لكن المقصود به متباين كما أشرنا إلى ذلك سابقًا. فثمة مَن يرى أن وجود الشباب في المساَرَين الثاني والثالث غير كاٍفٍ، وأنه يجب إشراكهم ضمن المسار الأول. وفي المقابل، ثمة من يرى ضرورة مشاركتهم في المسار الأول، مع الإشارة إلى أنه لا يمكنهم المشاركة في المفاوضات، فهم ليسوا من الأطراف المباشرة في النزاع. ويمكن أن تكون مشاركتهم من خلال الاضطلاع بدور مراقبين في عملية التفاوض، أو فرق استشارية تقدم معلومات وتساند الأطراف المتفاوضة. وفي هذا السياق، ثمة من يركز على أهمية دور الضغط الدولي والأمم المتحدة لفرض وجود الشباب وإشراكهم في المسار الأول، وإن لم تكن مشاركة مباشرة في المفاوضات. وثمة رأي آخر يقول إن وجود شاب أو أكثر في المفاوضات لا يمكن اعتباره مشاركة حقيقية، ولكن الأهم هو إشراك رؤاهم وقضاياهم؛ بحسب أحد أفراد العينة: "تعني المشاركة وجود أفكار الشباب ورؤاهم في المسارات المختلفة وفي عمليات وآليات بناء السلام، لأن هذه العملية سيبنى عليها تشكيل فرق مبادرات وأنشطة ومجموعات عمل سيشارك فيها الشباب، لذا من المهم أن تكون آراؤهم حاضرة في تحديد وتخطيط هذه العمليات والفرق"59. وبناء على هذا الرأي، ربما لا يكون وجودهم الفعلي في المفاوضات مهًّم ا، لكن وجودهم في مناصب ضمن السلطة المحلية والأحزاب يُعّد مهًّم ا، ويضمن وجودهم في العملية السياسية القادمة.
ج. الاختلاف في الدوافع والأهداف
تنطلق المنظمات في تنفيذ البرامج من مجموعة من الأهداف التي تسعى لتحقيقها؛ فهي ترى أن الشباب هم الفئة الأكبر في المجتمع اليمني، وأنهم في حاجة ملحّة إلى تقديم برامج خاصة بهم، بوصفهم الأساس في بناء المستقبل. وُتَُعَدّ الحرب وآثارها من أبرز العوامل التي تدفع إلى التركيز عليهم، فهم أكثر فئة معرضة للعنف والانخراط في الجماعات المسلحة والصراع المسلح، إضافة إلى ضرورة بناء الوعي لديها، وتزويدها بأدوات تمكّنها من إيصال صوتها والتعبير عن قضاياها، لمنع استغلالها أداةً في الحرب. في مقابل ذلك، تكون دوافع مشاركة الشباب في هذه البرامج مختلفة؛ إذ يهتم كثير منهم ببرامج بناء السلام، فالحرب وتأثيراتها في حياتهم فرضت عليهم اهتمامات مختلفة، منها الجانب السياسي. يقول أحدهم: "أصبحت حياتنا متعلقة بالسياسة. وللعمل على أي مستوى، يجب أن تكون لديك خلفية في المجال السياسي وأن تكون مدركًا للوضع الذي تعيش فيه"60. وتمثل هذه البرامج فرصتهم الوحيدة للانخراط في عملية بناء السلام في ظل الحرب وانعدام الفرص؛ لذلك يسعون لأي فرصة أو برنامج. يقول أحد أفراد العينة: "أنا أعمل منذ عام 2016 في المجتمع المدني، ولدي دائمًا رغبة في الاستفادة من أي فرصة، وأسعى إلى أن أكون حاضرًا في أي برنامج قد يؤهلني أو يساعدني على بناء قدراتي ضمن أي مجال"61. وثمة أيضًا العامل الاقتصادي؛ فالحرب عطّلت معظم مجالات الحركة والنشاط، لذلك كان البديل بالنسبة إلى الشباب هو منظمات المجتمع المدني؛ إذ يرون أن الوصول إلى البعثات الدبلوماسية والجهات الخارجية هدف أساسي، ويسعون من خلال البرامج لتكوين شبكة علاقات تربطهم بجهات وفاعلين دوليين؛ ما قد يضمن لهم فرص عمل مستقبلًامع هذه الجهات. يقول أحدهم: "تعد
العلاقات أحد الأسباب التي جعلت كثيرًا من الشباب يتوجه إلى البرامج التدريبية كبداية للدخول في إطار المجتمع المدني ومنظماته، ومن ثم التدرج والوصول إلى فرص أكبر"62. لكن هذا ليس حال جميع الشباب المشاركين في هذه البرامج، فبعضهم مشتتون وليس لديهم هدف واضح. وُيُرجع كل من الشباب والمنظمات سبب ذلك إلى مراحل الشباب العمرية والتجارب التي مُّرُوا بها؛ إذ تختلف دوافع الإقبال بالنسبة إلى حديثي التخرج، فيكون هدفهم الحصول على المعرفة والمشاركة في الأنشطة الميدانية وتكوين علاقات. في المقابل، يكتفي الشباب من ذوي الخبرة في العمل الميداني بالتدريبات، ويسعون للبرامج التي تقدم لهم مهارات جديدة أو توصلهم إلى مراكز وفرص أعلى، مثل المشاركة في المفاوضات أو الانضمام إلى منظمات دولية. وُتُعّد نوعية البرامج عاملًاأساسيًا في المشاركة؛ فالشباب ينجذبون إلى البرامج النوعية التي تستمر مدة طويلة، وتقدم معرفة شاملة حول المواضيع التي يجري التدريب عليها، ويقدمها مدربون متمكنون ولديهم خبرة عملية كبيرة. وثمة اهتمام بمدى وجود مجاٍلٍ للتطبيق العملي؛ فسابقًا، كانت البرامج تقتصر على التدريب ونقل المعرفة، لكن برامج الوساطة المحلية، على سبيل المثال، يحتكّ فيها الشباب بالوسطاء الأساسيين في أثناء عملهم؛ ما يكسبهم خبرة عملية لما جرى التدريب عليه. وقد ينسحب الشباب من البرامج إْنْ لم تقدّم إليهم شيئًا جديدًا أو في حال وجود انطباع لديهم مفاده أن كل ما يقومون به غير مُجٍدٍ وغير مؤثّر.
3. العوامل المؤثرة في فعالية البرامج
أ. دور الأمم المتحدة بين التوقعات والواقع
الأمم المتحدة هي الراعي الرئيس لعملية السلام في اليمن؛ لذلك فإن مختلف الأطراف لها الكثير من التوقعات من الدور المفترض أن تقوم به ضمن العملية، إلا أن هذه التوقعات، في كثير من الأحيان، ربما لا تتطابق مع ما تقدّمه الأمم المتحدة. فالشباب الذين جرت مقابلتهم يرون أن الإشكالية الأساسية هي رفض مكتب مبعوث الأمم المتحدة إشراكهم في عملية بناء السلام، بحجة أنهم ليسوا مكونًا سياسيًا وأنهم ليسوا من أطراف النزاع؛ ومن ثم، فإن منظمات المجتمع المدني هي الوحيدة التي تتولى جهود إشراكهم. يقول أحد الذين جرت مقابلتهم: "لقد صرح مبعوث الأمم المتحدة الحالي بأن المرحلة الحالية هي مرحلة عسكرية ولا يستطيع إدراج الشباب فيها، لكن هذا الاتفاق إذا تّم دون إشراك الشباب، فهو يمهد للمرحلة القادمة التي سيكون الشباب مهمشًا فيها"63. غير أن المنظمات ترى أن هذه الإشكالية حديثة؛ فالأمم المتحدة حتى عام 2018 كانت مهتمة بإشراكهم، وساندت جهود المنظمات. ففي عام 2014، طلب مكتب مبعوث الأمم المتحدة أن يكونوا جزءًا من المفاوضات. وأسس جمال بن عمر ملتقى الشباب والنساء في عام 2013، الذي استمر في قيادته إسماعيل ولد الشيخ، لكن الإشكالية بدأت مع غريفيث الذي ألغى هذا الملتقى بحجة ضرورة التركيز على إنهاء الصراع المسلح. وترى المنظمات أن مكتب المبعوث يتحمل مسؤولية كبيرة عن إهمال مشاركة الشباب. و ثمة مَن يرى أن الإشكالية الأهم تكمن في ضعف تأثير الأمم المتحدة في العملية، وتحديدًا في المسار الأول، وهذا يرتبط بالاختلاف في مفهوم عملية بناء السلام الذي ناقشناه سابقًا؛ إذ توجد إشكالية في تخصيص المسار الأول لأطراف النزاع لم تستطع الأمم المتحدة حلّها، أو التوفيق بين الأطراف المتنازعة. وأشار أحد أفراد العينة قائلًا: "كلما ناقشنا مكتب المبعوث حول إشراك الشباب، يجري تذكيرنا بمشكلات المسار الأول وصعوبة جمع الأطراف، مما يعكس حقيقة أن عملية بناء السلام في اليمن لا تسير وفق ما يجب أن تكون عليه، وأن الأمم المتحدة غير قادرة على القيام بالدور المفترض أن تقوم به"64. تُرجع المنظمات الإشكالية الرئيسة في هذه الجزئية إلى رفض أطراف النزاع إشراَكَ الشباب أو أي فئات أخرى في عملية المفاوضات، وأن مكتب المبعوث قدّم العديد من المحاولات لإشراكهم. ففي مشاورات الكويت في عام 2018، مثلًا، كان ثمّة رفض لوجود الشباب والنساء في المفاوضات، وكان إسماعيل ولد الشيخ هو الذي فرض مشاركة النساء في ذلك الوقت. وخلال مشاورات فتح الطرقات في تعز، في عام 2022، حاول مكتب مبعوث الأمم المتحدة أن يستخدم صلاحيته في إشراك المجتمع المدني والشباب والوسطاء المحليين في هذه المفاوضات، لكن أطراف النزاع رفضوا وجودهم، وثمّة وفود انسحبت اعتراضًا على وجودهم؛ ما اضطر مكتب المبعوث إلى حصر أدوارهم في جلسات مغلقة خارج الجلسة التفاوضية الأساسية. وقد وُجدت محاولات ومقترحات أخرى كان المبعوث يحاول تطبيقها ليقحم الشباب في المفاوضات، بوصفهم هيئة استشارية أو مساعدين أو مراقبين، ولكنها محاولات لم تحقق نتائج واقعية في ظل رفض أطراف النزاع إشراَكَهم. سعت المنظمات لطلب تشكيل لجنة استشارية شبابية لمكتب مبعوث الأمم المتحدة في سياق اللجنة الاستشارية النسوية والملتقى الشبابي الذي كان موجودًا في عام 2013، لكن هذه المطالبات لم تحقق أي نتائج. وفي المقابل، ثمة شبكة نسائية تضم ما يقارب 300 امرأة تعقد لقاءات مستمرة لبحث كيفية إشراك النساء في المفاوضات. وفي تفسير
هذا الاختلاف في التعامل مع الشباب، ترى المنظمات أن تشتت رؤية الشباب ومطالبهم هي السبب؛ فعلى خلاف مطالب الحركات النسوية التي تُعد مطالب واضحة، مثل المطالبة بحصة (كوتا) وتمثيل أوسع في الحكومة وفي الحقائب الوزارية، لا تزال المطالب الشبابية مشتتة، وهو ما يتيح فرصة أكبر للمكونات السياسية وصناع القرار بشأن تجاهل مطالب إشراك الشباب وعدم اعتبارهم عنصرًا أساسيًا في أي أجندات أو عمليات سلام. ويرجع السبب في هذا التشتت إلى عدد من الأسباب؛ أبرزها أن قرار الأمم المتحدة فيما يتعلق بدعم مشاركة الشباب لا يزال حديث العهد، إضافة إلى أن صناع القرار على مختلف المستويات ومسارات السلام لا يعدّون إشراك الشباب من أولوياتهم. لذلك، ينظر إلى تجربة النساء على أنها أهم؛ إذ توجد مؤسسات كثيرة تعمل على هذا الجانب يجمعها مكوّن واحد هو التوافق النسوي الذي جرى تشكيله قبل سنوات كثيرة، وأصبح ينظر إليه بوصفه جهة أساسية ورسمية.
ب. التعاون بين المنظمات وتشكيل التحالفات
من بين العوامل المؤثرة في البرامج التعاون بين منظمات المجتمع المدني في إطار إشراك الشباب. وبناء على رؤية الأمم المتحدة التي ترسم خطوطًا عريضة لطبيعة المجالات التي تركز عليها، تصمم المنظمات التي جرت مقابلتها برامجها وتركز على جزئيات محددة، ويسعى عدد منها للتنسيق مع المنظمات الأخرى العاملة في المجال نفسه، وقد يأتي هذا التعاون في سبيل تجنب تكرار البرامج وإيجاد شراكات لتوحيد الجهود، أو التنسيق في تصميم البرامج المقدمة لتخدم هدفًا واحدًا مشتركًا. لكن هذا التنسيق لا يُنظر إليه على أنه في المستوى المطلوب، ذلك أنّ منظمات كثيرة تهتم بخصوصية عمله وعدم مشاركة خططه؛ ما يجعل من الصعب جمع كل المنظمات في إطار واحد. لذلك، تؤكد المنظمات الحاجة إلى المزيد من التنسيق في طبيعة العمل، ووجود أهداف مشتركة، والاتفاق على استراتيجية محددة لتنفيذ مشاريع إشراك الشباب، وتقسيم الأدوار بين المنظمات، بحيث يعمل كل منها على الجزئية التي تتخصص فيها. ومن أشكال التنسيق التي ظهرت حديثًا تكوين تكتلات تجمع عددًا من المنظمات، وذلك انطلاقًا من رؤية أن الجهات الدولية أصبحت لا تتعامل مع المنظمات على نحو منفرد وصارت تفضل العمل مع التكتلات، وأن ذلك وسيلة أفضل لتشكيل الضغط على المجتمع الدولي وأطراف النزاع من أجل الاستجابة للمطالب. وُتَُعَُّدُ هذه التكتلات من مخرجات البرامج السابقة التي نفذتها المنظمات لإيصال أصوات الشباب إلى صناع القرار، وهي تركز أساسًا على توحيد الجهود والمطالب في مستوى المسار الثاني. فقد تعمل كل منظمة على أنشطتها المنفصلة ضمن المسار الثالث، لكنها عند العمل ضمن المسار الثاني تشترك في محاولة الضغط على مكتب مبعوث الأمم المتحدة لتشكيل لجنة استشارية شبابية، والضغط لإشراك الشباب في المساَرَين الأول والثاني. وبحسب إحدى المنظمات، فإنّ "الشيء الوحيد الذي يمكن أن نتوحد فيه هو هذا الجانب. قد تفشل التحالفات الخاصة بالتمويل أو التوطين لأنها أمور خلافية متعلقة بالتوجهات والجوانب المادية. لكن عندما نتحدث عن المطالبة بالمشاركة، فتلك فرصة أمام كافة المنظمات للوصول إلى مخرجات حقيقية"65. وتواجه هذه التكتلات الإشكالية نفسها المتعلقة بتنسيق الجهود نم لادًااب اديدج لاتًااكت لكّشت تمظانلام تحبصأ دقف، اهديحوتو الانضمام إلى التكتلات الموجودة مسبقًا، وقد يرجع ذلك إلى مجموعة من التفسيرات منها: ضعف التنسيق بصورة عامة بين المنظمات في المسار الثاني، أو رغبة بعض الجهات في أن تكون هي الأبرز في قيادة التكتلات، فتنشئ تكتلات جديدة، وقد يكون ذلك مرتبطًا بالرغبة في الحصول على التمويل أساسًا، وهذا ما يظهر من خلال وجود منظمات في أكثر من تكتل واحد. لكن نتيجة كل ذلك هي زيادة عدد المكونات، وتشتت الجهود والمطالب الشبابية وضعف المخرجات، إضافة إلى فقدان هذه التكتلات الشرعيَةَ بصفتها مكونًا يمثل الشباب ومطالبهم أمام الأطراف الأخرى.
ج. تأثير التمويل
يُعُّدُ التمويل من بين أبرز العوامل المؤثرة في البرامج، فهو يتحكم في طبيعة برامج المنظمات، إلى حد بعيد، لكونها تعمل وفق أجندة الجهات المانحة. وقد ظهرت هذه الإشكالية في عام 2015؛ فمع بداية الحرب، ركزت الأمم المتحدة والجهات المانحة توجهها على الإغاثة والاستجابة الإنسانية، وتبعتها في ذلك الكثير من منظمات المجتمع المدني، وجرى رفض أي مشروع متعلق بالتمكين أو المشاركة. وخلال الأعوام الثلاثة اللاحقة، تحولت توجهات الأمم المتحدة والمانحين إلى مواضيع التنمية والمشاركة، وتحولت المنظمات من العمل على الاستجابة الإنسانية إلى العمل على مواضيع الشباب والتنمية. وفي عام 2020، ظهرت مشاريع بناء السلام والمشاركة والوساطة المحلية بسبب تراجع وتيرة الحرب واتجاه التمويل نحو مشاريع بناء السلام، وغّي رت منظمات المجتمع المدني توجهات مشاريعها. ويشير العاملون في المنظمات إلى أن الإشكالية لا تزال مستمرة، فقد ظهر توجّه من المانحين نحو مشاريع المناخ، وأصبح جزٌءٌ مهم من التمويل العالمي مخصصًا لمشاريع المناخ، والجزء الآخر لبقية الأنشطة مثل الإغاثة والسلام وإعادة الإعمار والمشاركة وغيرها. لكن الشباب يرون أن
هذه إشكالية المنظمات؛ لأنه من غير المنطقي أن تعمل بنظام "اللحاق بركب الموجة"، فهذا يسبب تشتت الشباب، ويضعف تمكينهم. أمّا المنظمات، فترى أنها غير قادرة على العمل على برامج لا توائم توجهات المانحين، فهي تواجه أساسًا تحديات في كيفية إيجاد تمويلات لتنفيذ المشاريع التي تستهدف الشباب.
د. معوقات الحرب والسياق اليمني
ثمة تحديات مرتبطة بالبيئة التي تعمل فيها المنظمات في اليمن؛ إذ ترى المنظمات أن التضييق من الأطراف السياسية تسبب في قلة عدد برامج التمكين السياسي بالنسبة إلى الشباب، وينعكس تأثير هذا التضييق في عدة جوانب؛ منها: صعوبة استهداف الشباب في عدة مناطق ولا سيما بالنسبة إلى الفتيات، والقيود التي تُفرض على إجراءات السفر الداخلي، وطول ساعات السفر التي قد تصل إلى أربع وعشرين ساعة، فضلًاعن التشديدات والمضايقات الأمنية. إضافة إلى أن الحصول على تصاريح لإقامة هذه البرامج وجمع الشباب يحتاج إلى وقت طويل، ولا يجري الحصول على الموافقة في كل الحالات. وأشارت بعض المنظمات إلى أنها لا تستطيع نشر كل أنشطتها بسبب الخوف من المضايقات والتهديدات التي يتعرض لها الشباب في مختلف المناطق من الأطراف السياسية. فقد جاء في إحدى المقابلات ما يلي: "ثمة تهديدات تصل إلى الشباب المشاركين معنا بسبب نشاط شباب آخرين في مناطق أخرى، لذلك نحاول حماية الشباب وعدم نشر أعمالنا"66. و يشكّل العامل الاقتصادي عائقًا يحول دون وجود الشباب في هذه البرامج؛ فبسبب ظروف الحرب أصبح تأمين مصدر الدخل أهم من المشاركة في بناء السلام، والشباب هم أكثر المتأثرين في هذا الشأن بسبب التزاماتهم المختلفة مثل التعليم والعمل وإعالة أسرهم. وفي الوقت الذي يجري فيه استهدافهم ببرامج وورش للمشاركة في بناء السلام، يسعون لتوفير الاحتياجات الأساسية، كالأكل والشرب، خاصة في سياق وجود برامج لا تقدّم مقابلًاماديّا؛ لهذا، لا يمكن أن يلتزم بها الشباب. وتؤاخذ المنظمات باستمرار الكثير منها في تقديم المساعدات إلى الأفراد، من دون العمل على تمكينهم، وهذا من الأسباب التي جعلت كل فئات المجتمع في حالة اعتماد دائم على المساعدات. وقد أشار أحد أفراد العينة إلى أن "المساعدات يفترض أن تستمر ما بين ستة أشهر إلى سنة، ومن بعدها تتحول إلى مشاريع مستدامة تولد دخلًاللأفراد، لكن سنوات مرت ولا يزال الشعب اليمني مستمرًا في الاعتماد على مساعدات المنظمات، وهذا انعكس بشكل كبير على حياة الشباب ومشاركتهم السياسية"67. لا يمكن اعتبار المنظمات المسؤول الوحيد عن المشاركة في بناء السلام في اليمن؛ فلأطراف النزاع وتأثيرات الحرب تأثير في ذلك أيضًا. ولا تكمن الصعوبة في تنفيذ البرامج، بل في الإيمان بأهمية دور الشباب وتقبّل أطراف النزاع لانخراطهم في بناء السلام. فالمنظمات تعاني ضعف الوعي بأهمية مشاركتهم والتخوف منها وقلة خبرتهم ووعيهم بمختلف القضايا؛ إذ لا يزال يُنظر إليهم على أنهم غير مؤهلين، وأنهم يفتقرون إلى رؤية كاملة. ثم إن انعدام فرص التجربة لديهم يؤثر في مستوى تأهيلهم؛ إذ قيل في إحدى المقابلات: "وصل صناع القرار الحاليون إلى مراكز صناعة القرار عن طريق فتح المجال أمامهم للتجربة خلال مرحلة شبابهم وتمكينهم من الوصول لهذه المناصب. لكن الفرص غير متاحة أمام بقية الشباب"68. وتواجه المنظمات صعوبات عدة؛ فالسياسات والقوانين لا تستوعب الشباب وتمتنع عن إشراكهم؛ إذ لا توجد أطر قانونية تسمح بمشاركتهم أو موجهات تدعم انخراطهم، بسبب تزايد تعقد الوضع السياسي وتوقف العملية السياسية منذ بداية الحرب. ويشمل ذلك الأحزاب السياسية التي لا تزال متمسكة بقياداتها السابقة وتهمش الشباب وتعوّق تمكينهم من أداء دورهم؛ ما تسبب في نفور الكثير منهم من الأحزاب على الرغم من طموحهم السياسي ورغبتهم في أن يكونوا جزءًا من عملية السلام وصناعة القرار. ويقول أحدهم: "الوضع السياسي في اليمن مرتبط بالأحزاب وأي سلطة سياسية قادمة سيجري تشكيلها عن طريق المحاصصة بين الأحزاب والأطراف السياسية، لكن المشكلة تكمن في أن هذه الأحزاب تهمش الشباب"69.
ه. إشكاليات عامة في برامج بناء السلام
لا يمكن الحديث عن العوامل المؤثرة من دون التطرق إلى البرامج والإشكاليات المرتبطة بواقع تنفيذها. وعلى الرغم من أن الشباب الذين جرت مقابلتهم يعولون كثيرًا على المنظمات، فإنهم يرون أان غالبية برامج التمكين هي برامج شكلية، ولا تقدّم لهم حلول حقيقية، إضافة إلى أنها مكررة ولا تناسب احتياجاتهم، فهي لا تواكب المتغيرات التي يشهدها اليمني، وغالبًا ما تكون قصيرة المدى وامشتتة المساعي. وتكمن مشكلتها في عدم منح الشباب مج ل لتحديد طبيعة البرامج التي تناسب احتياجاتهم، وهو ما ينتج منه أن تكون المخرجات غير ملبّية لتوقعاتهم. وثمة برامج تستمر مدة طويلة وتهدف إلى بناء قيادات شبابية متمكنة، لكن مخرجاتها لا تكون كذلك. وثمة مَن يفّس رضعف تصميم مخرجات التدريبات بأنها
مصممة في الأصل لمصلحة المنظمات، فكلما استمر احتياج الشباب إالى التدريب والتأهيل، استمر عمل المنظمات. ويقول أحدهم قائل: "بسبب التزامي بالبرنامج تخليت عن فرص أخرى، وفي النهاية شعرت بإحباط كبير. لا أستطيع القول إنني تمكنت من أي من مجالات التدريب بصورة تامة، والسبب في ذلك أن التدريب على أي موضوع ضمن البرنامج يجري لمدة يوم أو يومين فقط، فلا يتمكن الشباب من أن يصبحوا متمكنين من خلال تدريب قصير كهذا"70. في المقابل، تتفق منظمات عينة الدراسة على أن البرامج تختلف في مرحلة التخطيط عما يجري تطبيقه في الواقع؛ بسبب ظروف الحرب والتحديات المرتبطة بها. وترى أن المشكلة تكمن في عدم البناء على مخرجات المشاريع السابقة، وأن كل منظمة تبدأ من الصفر ومن برامج التدريب على المفاهيم والتعريف بعملية السلام. ومن ثم، فإن مستوى التأثير لا يتغير البتة. وتتأثر المنظمات بضعف اهتمام الجهات المانحة ببرامج تمكين الشباب وعدم اعتبارها أولوية لها؛ ما يؤثر في قدرة عمل هذه المنظمات خاصة المستمرة في العمل على إشراك الشباب منذ بداية الحرب في الوقت الذي انصب فيه التركيز الأكبر على مشاريع الإغاثة والاستجابة الإنسانية. وقد اكتسب بعض هذه المنظمات خبرة عملية وأصبح يعمل على نحو استراتيجي. وتوجد منظمات جديدة انتقلت من العمل على الاستجابة الإنسانية والإغاثة إلى مواضيع الشباب والتنمية، لكنها تعمل دون نهج واضح أو تفكير استراتيجي بعيد المدى؛ لذلك تواجه المنظمات ذات الخبرة في إشراك الشباب مشكلة مع المنظمات الحديثة العهد في طبيعة عملها والتنسيق فيما بينها لتحقيق الأهداف العامة. ولمواجهة هذه التحديات، ترى المنظمات أنه يجب توحيد جهود المنظمات العاملة كلّها في مجال إشراك الشباب وبناء السلام، وأن تجتمع تحت مكوّن واحد يضع قواعد وُأ طرًا عامّة تعمل على أساسها المنظمات ويساعدها في التنسيق وتقسيم الأدوار، وأن تكون هناك عملية تقييم وتعديل مستمرة على البرامج. وقد ورد في إحدى المقابلات ما يلي: "لا يجب أن تقاس مخرجات هذه المشاريع كما يجري قياس مشاريع توزيع المساعدات أو مشاريع الإغاثة، فمشاريع تمكين الشباب يجب أن تخضع لمتابعة وتقييم مستمرين. فإذا حدث اختلال في البرنامج أو طارئ، فإنّ الاستجابة له تكون سريعة"71. وتشير إحدى المنظمات إلى ضرورة التنسيق بين المنظمات والجهات الأخرى، مثل المكونات السياسية والسلطة المحلية، في تحديد طبيعة البرامج وكيف أنه يمكن التشارك في تنفيذها، فضلًاعن ضرورة إنشاء مراصد شبابية تقدّم رصدًا لمختلف النزاعات والقضايا من منظور شبابي؛ ومن ثم تقديم هذه المعلومات إلى الفاعلين في المسار الأول، وتقديمها أيضًا إلى الأمم المتحدة. وتكمن أهمية هذه الجزئية في أن أصوات الشباب لا تصل إلى صناع القرار والأطراف الرئيسة في عملية بناء السلام؛ ولذلك، فإن تفعيل هذه المراصد سيعمل على تكوين تصورات واضحة عن قدراتهم وما يمكنهم تقديمه.
خاتمة
سعت هذه الدراسة لفحص دور منظمات المجتمع المدني في دعم مشاركة الشباب في جهود بناء السلام في اليمن، مُركّزة على كيفية تأثير برامج المنظمات في طبيعة مشاركة الشباب. وقد أظهر التحليل أنّ لهذه المنظمات دورًا في تمكين الشباب ودعم مشاركتهم، لكن ذلك لا يتُرَجَم إلى مشاركة فعلية لهم في مفاوضات السلام أو صنع القرار. فقد أ تيحت لهم من خلال البرامج فرص المشاركة والوصول إلى مناصب وعلاقات متعددة، لكن تغيب عنهم المشاركة الحقيقية والمباشرة في عمليات بناء السلام. من ناحية أخرى، أكد التحليل أن منظمات المجتمع المدني تميز بين دورها ودور الأحزاب السياسية؛ فهي تركز على التمكين وبناء المهارات والمطالبة بإشراك الشباب سياسيًا، لكنها لا تتحمل مسؤولية ضمان مشاركتهم السياسية الفعلية. وقد ظهرت الثقة بين الشباب والمنظمات في الدراسة بوصفها تحديًا رئيسًا، إذ يرى الشباب أن معظم البرامج شكلية وأنها لا تساهم في تحقيق نتائج ملموسة. وقد انعكس ذلك في قناعاتهم بأن المنظمات تركز على التدريب والتأهيل دون السعي الجاد لإشراكهم فعليًا. وبينت الدراسة أن المنظمات جهات تسعى لتمكين الشباب في المجتمع المدني أساسًا، وليس بالضرورة في العمل السياسي أو بناء السلام؛ وأنها تحاول التكيف مع الظروف السياسية والبيئية في اليمن، وتعيد توجيه برامجها تبعًا لذلك. وكشف التحليل عن أن المشاركين في البرامج ينقسمون إلى فئتين: فئة تسعى للمشاركة السياسية على نحو أساسي، وترى في البرامج وسيلة للضغط على الأحزاب والسياسيين لإشراكهم. وفئة تهدف إلى الاستفادة من البرامج لتعزيز مهاراتهم والوصول إلى فرص العمل في المجتمع المدني. فالشباب في هذه البرامج يتمكنون من بناء شبكات علاقات والوصول إلى جهات دولية؛ ما يجعل المنظمات حلقة وصل بينهم وبين فرص لا يستطيعون الوصول إليها بمفردهم. أخيرًا، يبرز التمويل بوصفه عاملًاحاسمًافي توجيه برامج منظمات المجتمع المدني؛ إذ تعتمد المنظمات على التمويل الخارجي وتوجهاته المتغيرة التي تحدّد أولويات المنظمات في البرامج التي يمكنها العمل عليها. ومع تقلب أولويات المانحين، تتكيف المنظمات لتبقى قادرة على العمل.
المراجع
العربية
الأغبري، علا. "المسار المفقود: إشراك الشباب اليمني في المسار الأول من بناء السلام." ورقة تحليلية. منصة شباب لبناء السلام 2021(في https://acr.ps/1L9F2P0:). البنك الدولي. منظمات المجتمع المدني باليمن في مرحلة التحول. واشنطن:.2013 الصلاحي، فؤاد عبد الجليل. الدولة والمجتمع المدني في اليمن: تحليل سوسيولوجي لأنماط العلاقات والتفاعلات في مرحلتي التشطير والوحدة. تعز: مركز المعلومات والتأهيل لحقوق الإنسان،.2001 "مبادرة من الأمم المتحدة لإبرام هدنة مدتها شهران." مكتب المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة لليمن..2022/4/2 فh يttps://tinyurl.com/e6snbjev:
الأجنبية
Aall, Pamela. "NGOs, Conflict Management and Peacekeeping." International Peacekeeping. vol. 7, no. 1 (2000). Al-Jeddawy, Yazeed. "The Impact of the Yemen War on the Priorities and Needs of Youth." Sana'a Center for Strategic Studies. 2022. Al-Kholidy, Maged, Yazeed Al-Jeddawy & Kate Nevens. "The Role of Youth in Peacebuilding in Yemen." Centre for Applied Research in Partnership with the Orient, CARPO Brief. no. 17. 2020. Altiok, Ali & Irena Grizelj. "We Are Here: An Integrated Approach to Youth-Inclusive Peace Processes." Background Paper for the First International Symposium on Youth Participation in Peace Processes. Helsinki, 5–6 March 2019. United Nations Office of the Secretary-General's Envoy on Youth, 2019. Barnes, Catherine. "Civil Society and Peacebuilding: Mapping Functions in Working for Peace." The International Spectator. vol. 44, no. 1 (2009). Clarke, Gerard. "Non-Governmental Organizations (NGOs) and Politics in the Developing World." Political Studies. vol. 46, no. 1 (1998). Del Felice, Celina & Andria Wisler. "The Unexplored Power and Potential of Youth as Peace-Builders." Journal of Peace, Conflict & Development. no. 11 (November 2007). Doug Magnuson & Michael Baizerman (eds). Work with Youth in Divided and Contested Societies. Leiden: Brill, 2007. Drummond-Mundal, Lori & Guy Cave. "Young Peacebuilders: Exploring Youth Engagement with Conflict and Social Change." Journal of Peacebuilding & Development. vol. 3, no. 3 (2007). Farthing, Rys. "The Politics of Youthful Antipolitics: Representing the 'Issue' of Youth Participation in Politics." Journal of Youth Studies. no. 2 (2010). Fisher, Simon & Lada Zimina. "Just Wasting Our Time? Provocative Thoughts for Peacebuilders." Berlin: Berghof Research Center for Constructive Conflict Management. 2009. Hart, Jason et al. Children Changing Their World: Children's Evaluating and Understanding Participation in Development. London: Plan UK/ Plan International, 2004. Lahrach, Saddik. "Constitutional Guidelines on Youth in Yemen as per NDC Outcomes Document." Women and Youth Forum - Office of the Special Advisor to the Secretary. 2014. Lederach, John Paul. Sustainable Reconciliation in Divided Societies. Washington, DC: United States Institute of Peace, 1997. Magill, Clare & Brandon Hamber. "If They Don't Start Listening to Us, the Future is Going to Look the Same as the Past: Young People and Reconciliation
in Northern Ireland and Bosnia and Herzegovina." Youth & Society. vol. 43, no. 2 (2011). McEvoy-Levy, Siobhán. "Youth as Social and Political Agents: Issues in Post-Settlement Peace Building." Kroc Institute Occasional Paper. no. 21. Joan B. Kroc Institute for International Peace Studies. 2001. McIntyre, Angela & Thokozani Thusi. "Children and Youth in Sierra Leone's Peace-Building Process." African Security Studies. vol. 12, no. 2 (2003). Norris, Pippa. "Young People and Political Activism." Harvard University, John F. Kennedy School of Government, 2004. Obaje, Timothy Aduojo & Nwabufo Okeke-Uzodike. "The Question of Youth Participation in Peacebuilding Processes in Jos, Plateau State, Nigeria." Accord -The African Center for Constructive Resolution of Disputes. Conference Paper. no. 2. 2013. Office of the Special Envoy of the Secretary-General for Yemen, OSESGY. "A Year after the Stockholm Agreement: Where are We Now?" 2019. Paffenholz, Thania. "Civil Society and Peace Negotiations: Beyond the Inclusion–Exclusion Dichotomy." Negotiation Journal. vol. 30, no. 1 (2014). Qassim, Abdulkarim et al. "The Role of Civil Society in Peacebuilding in Yemen." Centre for Applied Research and Partnership with the Orient. CARPO Brief. no. 18. 2020. Quintelier, Ellen. "Differences in Political Participation Between Young and Old People." Contemporary Politics. vol. 13, no. 2 (2007). Sharp, Jeremy M. Yemen: Civil War and Regional Intervention. Congressional Research Service Report no. R43960. Washington, DC, 23 November 2021. UNESCO. Empowering Yemeni Youth towards Peace: Ensuring Access to Information and Participation. Paris: United Nations Educational, Scientific and Cultural Organization, 2022. Weiss, Julia. "What Is Youth Political Participation? Literature Review on Youth Political Participation and Political Attitudes." Frontiers in Political Science. vol. 2 (2020). World Bank. Yemen Civil Society Organizations in Transition: A Mapping and Capacity Assessment of Development-Oriented Civil Society Organizations in Five Governorates. Washington, DC: 2013/ 2014. Zartman, Jonathan. "Negotiation, Exclusion and Durable Peace: Dialogue and Peacebuilding in Tajikistan." International Negotiation. vol. 13, no. 1 (2008).
الملاحق
الجدول)1(منظمات المجتمع المدني التي جرت مقابلتها
| رمز المقابلة | الجنس | تاريخ المقابلة | طبيعة الجهة | المنطقة |
|---|---|---|---|---|
| منظمات المجتمع المدني # 1 | ذكر | 17 كانون الأول/ ديسمبر 2023 | منظمة محلية | الجنوب |
| منظمات المجتمع المدني # 2 | أنثى | 18 كانون الأول/ ديسمبر 2023 | منظمة دولية | الشمال + الجنوب |
| منظمات المجتمع المدني # 3 | أنثى | 23 كانون الأول/ ديسمبر 2023 | مؤسسة محلية | الجنوب |
| منظمات المجتمع المدني # 4 | ذكر | 31 كانون الأول/ ديسمبر 2023 | مؤسسة محلية | الجنوب |
| منظمات المجتمع المدني # 5 | أنثى | 7 كانون الثاني/ يناير 2024 | مركز بحثي | الشمال + الجنوب |
| منظمات المجتمع المدني # 6 | ذكر | 6 كانون الثاني/ يناير 2024 | تكتل شبابي | الشمال + الجنوب |
الجدول)2(الشباب الذين جرت مقابلتهم
| رمز المقابلة | الجنس | العمر | المستوى التعليمي | تاريخ المقابلة | تاريخ بدء المشاركة في البررامج | المنطقة |
|---|---|---|---|---|---|---|
| شباب # 1 | ذكر | 27 | دراسات عليا | 26 كانون الأول/ ديسمبر 2023 | 2013 | الجنوب |
| شباب # 2 | أنثى | 23 | جامعي | 4 كانون الثاني/ يناير 2024 | 2021 | الجنوب |
| شباب # 3 | ذكر | 29 | دراسات عليا | 23 كانون الأول/ ديسمبر 2023 | 2012 | الجنوب |
| شباب # 4 | أنثى | 26 | جامعي | 3 كانون الثاني/ يناير 2024 | 2015 | الجنوب |
| شباب # 5 | ذكر | 25 | جامعي | 27 كانون الأول/ ديسمبر 2023 | 2017 | الشمال |
| شباب # 6 | ذكر | 30 | جامعي | 13 كانون الثاني/ يناير 2024 | 2012 | الشمال |
| شباب # 7 | ذكر | 25 | جامعي | 27 كانون الثاني/ يناير 2024 | 2017 | الجنوب |
| شباب # 8 | أنثى | 29 | جامعي | 28 كانون الثاني/ يناير 2024 | 2021 | الشمال |