عن الترابط الرقمي المفرط وخيباته

Wajd Beshara وجد بشارة |

. Hyperconnectivity and its Discontents عنوان الكتاب في لغته: المؤلف: روجرز بروبيكر Brubaker.Rogers سنة النشر:.2022.Hoboken, NJ: John Wiley & Sons الناشر: عدد الصفحات:.288

On Hyperconnectivity and its Discontents

مقدمة

لطالما حفلت النقاشات حول كيفية تغيير الوسائط الرقمية لمجتمعاتنا بالتناقضات. فهي تدعم الديمقراطية، لكنها تقوض المؤسسات الديمقراطية في آٍنٍ واحد. وتساهم في تمكين صحافة المواطن، وتساهم أيضًا في زيادة انتشار الأخبار الزائفة. وهي تسهل الوصول إلى المعلومات وتداولها، وفي مقابل ذلك تغذي التشظي المعرفي. وهي بنية تسمح لحوكمة موضوعية تتجاوز التحيزات المجتمعية، وتعيد أيضًا إنتاج اللامساواة الناجمة عن تلك التحيزات. وتعيد تنظيم العمل حول معايير المرونة والاستقلالية، لكنها في الوقت نفسه تفرض أساليب أكثر تدخلًافي إدارة العمل وتعرّضه لمزيد من المخاطر والتقلب Precarious. وهي تدعُم طرائق العيش المستدامة و"الصديقة للبيئة"، إّل ا أنّ بنيتها على نقيض ذلك تعتمد على مراكز بيانات ضخمة تستهلك كميات هائلة من الموارد الطبيعية. في خضم هذه النقاشات، يتصدى روجرز الترابط المفرط وخيباته بروبيكر، في كتابه، لهذه الطبيعة المتناقضة الكامنة في التحّولّات التي أحدثها ما أسماه "الترابط الرقمي المفرط" في شتى المجالات. يُعرّف بروبيكر "الترابط الرقمي المفرط" بأنه بنية تحتية- فوقية Meta-infrastructure "تعتمد عليها جلّ البنى التحتية الاجتماعية والتقنية الأخرى، بما في ذلك البنى التحتية المالية والصناعية وتلك الخاصة بالمواصلات، إضافة إلى المرافق العامة، على سبيل المثال" (ص. 6) وهذه السمة البنيوية تميّز ثورة الاتصالات الرقمية من ثورات الاتصال السابقة التي أحدثها التلغراف والهاتف والتلفزيون. ويوضح المؤلّف عمق التغيير الذي أحدثه الترابط الرقمي المفرط، بوصفه "حقيقةً فارقةً في عصرنا" (ص. 1)، متطرقًا إلى التحّولّات التي أحدثها في مفهومنا للذات والهوية (الفصل الأول)، وفي تفاعلاتنا الاجتماعية (الفصل الثاني)، وفي الثقافة (الفصل الثالث)، وفي كيفية تنظيمنا العمَلَ والاقتصاد (الفصل الرابع)، وفي السياسة والادعاءات المعرفية (الفصل الخامس.) وعلى مدار الكتاب، يتتبع ببراعة تآكل "اليوتوبيا" التي صاحبت بدايات الإنترنت فيما يتعلق بهذه المجالات الخمسة جميعها. فهو يقارن بين رؤى التجرد من الجسد واللامركزية والازدهار الثقافي وتمكين المجال العام، وبين واقع عصر الويب 2.0، الذي يشهد هيمنة الشركات الخاصة على الوساطة بيننا وبين معظم مجالات المجتمع. وعلى الرغم من أنّ بروبيكر يتجنب تقديم نظرية شمولية لفهم الترابط الرقمي المفرط، فإنه يركز على المنطق الاقتصادي الكامن الذي يشكّل طبيعة التحّولّات التي يجلبها هذا الترابط. ولا يقتصر، في كتابه، على طرح ادعاءات حول التحّولّات الاجتماعية التي أحدثها، بل يتناول أيضًا كيفية تأثيرها في سيكولوجيتنا وميولنا أو استعداداتنا لتصرّف ما. ويجادل بأن هذا الترابط المفرط قد أعاد على الأرجح تشكيل أدمغتنا. فهو يمنحنا القدرة على التحرك عبر المكان والزمان بسرعة وسهولة، ولكنه من خلال ذلك يقودنا أيضًا إلى العيش في حالة من قابلية مستمرة للانقطاع عن التواصل (ص. 55)، بحيث نسعى جاهدين للبقاء على اتصال وعدم التخلف عن الركب، في عالمٍ مبني بصفة متزايدة حول توقعات تفرضها أنظمة الترابط الرقمي المفرط الاجتماعية - التقنية. ويشير بروبيكر إلى المخاطر التي يشكّلها ذلك على قدرتنا على التركيز، ويتبنى مفهوم "اقتصاد جذب الانتباه" Attention Economy1 الذي تعتمده منصات التواصل الرقمية في خوارزمياتها المصممة لإبقاء المستخدم على المنصات، وهي تهدف إلى استغلاله في تجميع بيانات أكثر، ومن ثمّ توليد توقعات أنواع المحتوى التي يمكن أن تبقيه على المنصات فتراٍتٍ أطول. وتتغلغل المنصات فعليًا في كل جوانب حياتنا وُتُقِحُمُنا، بوصفنا "هدفًا ضعيف الحماية، مبرمجًا بيولوجيًا للاستجابة للمحفزات البارزة في مجالاتنا البصرية والسمعية"، في "صراع دائم وعالي المخاطر وغير متكافئ، إلى حد بعيد، على جذب الانتباه" ضد "جيش ممول من المصممين والمهندسين" (ص. 167) توضح هذه التأملات الكيفية المتميزة التي يقدم بها الكتاب العلاقة بين المنطق الذي يشكّل بنية الترابط الرقمي المفرط وإعادة إنتاجه، من خلال تجارب الأفراد وممارساتهم في حياة تتشكل باستمرار على البنية التحتية للمنصات الرقمية. وهكذا يطوّر الكاتب ويوسّع مفهوم "الإتاحات" Affordances 2؛ إذ يستخدمه نقطة انطلاق لتأسيس إطار العلاقة بين الترابط الرقمي المفرط وأي مجال يناقشه

  1. Vikram R. Bhargava & Manuel Velasquez, "Ethics of the Attention Economy: The Problem of Social Media Addiction,"  Business Ethics Quarterly , vol. 31, no. 3 (2021), pp. 321 - 359.
  2. طوّر جيمز غيبسون مفهوم الإتاحات، في نطاق علم النفس البيئي، ليشير إلى العلاقة بين الحيوان وبيئته، بوصفها سمة علائقية Property Relational. وفي دراسات التصميم، استخدم دونالد نورمان هذا المفهوم لفهم التفاعل مع الحاسوب، في كتابه، تصميم الأشياء اليومية، الذي يناقش كيفية تصميم الأشياء لتشجيع أفعال معينة أو تقييدها. أما عالم الاجتماع إيان هتشبي، فاعتبر المفهوم وسيلة لتجاوز النزعة الحتمية التقنية والبنائية الاجتماعية الصارمة، من خلال التركيز على الإتاحات التواصلية التي تعّب رعن إمكانيات الفعل التي تنبثق من خصائص تقنيات معينة. ولهذا السبب، غالبًا ما يجري تناول تحليل شبكات التواصل الاجتماعي والإعلام الرقمي من خلال ثنائية الإتاحات والقيود. ينظر: James J. Gibson, "The Theory of Affordances (1979)," in: James J. Gibson et al. (eds.), The People, Place, and Space Reader (London/ New York: Routledge, 2014), pp. 56-60; Ian Hutchby, "Technologies, Texts and Affordances,"  Sociology , vol. 35, no. 2 (2001), pp. 441-456; Donald A. Norman, The Design of Everyday Things (New York: Basic Books, 2013); Taina Bucher & Anne Helmond, "The Affordances of Social Media Platforms," in: Jean Burgess, Thomas Poell & Alice Marwick (eds.), The SAGE Handbook of Social Media (London/ New York: SAGE Publications, 2018), pp. 233 - 253.

لاحقًا: "إن التقنيات الرقمية الشبكية لا تحدد استخداماتنا لها، لكنها تمتلك 'إتاحات' معيّنة تفتح آفاقًا جديدة وتغلق أخرى؛ ما يجعل بعض الإجراءات أسهل، وبعضها الآخر أصعب" (ص. 7) أستعرض في الأقسام التالية ثلاثة جوانب رئيسة لإتاحات الترابط الرقمي المفرط يناقشها بروبيكر في تحليله: 1. سمة الغزارة التي يعدّها أساسية في تمييز هذا الترابط المفرط من ناحية كمية المحتوى وتبادله المتواصل، وهي تؤثر في كيفية تعاملنا مع المعلومات والمعرفة، 2. فرض آليات تحكم من خلال المراقبة المنزوعة السياق والأنظمة التقنية للتنبؤ المستمر، 3. تعزيزها أيديولوجيا "شعبويةً تكنوقراطية."

أولًا: وفيرة، مسطحة، مصّغ رة: أعراف التواصل في ظل الترابط الرقمي المفرط

يرى بروبيكر أن تدفقات المحتوى، المستمرة والوفيرة بإفراط، "سمة عامة وحتمية للاتصال المفرط" (ص. 132) ولم يكن من الممكن أو الطبيعي، في أي وقت مضى، استهلاك كمية المحتوى التي نستهلكها اليوم. فبالنسبة إلى معظم الناس، أصبح التمرير اللامتناهي عبر صفحاتهم الرئيسة، والتنقل بسهولة بين تطبيقات وسائط التواصل الاجتماعي، والقفز من تغريدة إلى صورة أو مقطع فيديو أو منشور أو مقال، جزءًا روتينيًا لاإراديًا ومن الصعب الاستغناء عنه في الحياة اليومية. إن أجهزتنا "المتصلة دائمًا والموجودة معنا دائًا" Always-on-you Always-on/ 3تدفعنا إلى ممارسة هذه السلوكيات على نحٍوٍ متكرر، من خلال الإشعارات واللافتات والاهتزازات والأصوات، بينما نسعى جاهدين للبقاء على اّطلّاع على االكمية المتزايدة باستمرار من المحتوى المتاح لنا لاستهلاكه. فبدل من أن نعرف المزيد، يتضح لنا أننا نعرف "أقل وأقل عن أكثر فأكثر" (ص. 79) ويشير بروبيكر إلى أنه في حين نُظر إلى الوفرة الرقمية في البداية بإيجابية، حيث احتفت الرؤى المثالية بصفة خاصة بدمقرطة المعرفة وتحرير المجال الثقافي من حراس البوابة المؤسسيين عبر تمكين النسخ والمشاركة اللانهائية، فإنه اتضح أن الوفرة التي تتسم بها بيئتنا الاتصالية الرقمية لا تعكس هذه الصورة المثالية لمجتمع أكثر تفاعلًاووعيًا، بل تعكس صورة مجتمع أكثر عرضة للتلاعب والتفتت، أو بعبارة أبسط، يعيش حالة من الضياع وسط كٍّمٍ هائٍلٍ ومتزايٍدٍ من المعلومات المتداولة بحرية وبلا قيود. فإلى جانب استفادة منصات التواصل الاجتماعي من الوفرة الرقمية، واستغلالها لجذب المستخدمين بصفة متكررة، من خلال استغلال الهشاشة النفسية لديهم، وبهذا تؤدي إلى زيادة مستويات التوتر وتقصير مدى الانتباه، كما أظهرت دراسات عديدة4، تعمل الوفرة أيضًا أداةً للتلاعب السياسي. ففي عصر المحتوى اللامتناهي، أصبحت موجات السخط الأخلاقي Outrage Moral أكثر تواترًا. وعلى الرغم من أنّ انتشار الأخبار الكاذبة بسهولة قد كان له أثرٌ في تأجيج ذلك، فإن بروبيكر يسلّط الضوء على فكرة أن "مروّجي السخط الأخلاقي لا يحتاجون إلى اللجوء للتلفيق" في هذه البيئة الإعلامية (ص. 139)؛ لأن حجم المواد الحقيقية الهائل والتداول، المنزوع السياق، يعني أنه من الممكن العثور على مثال لأي حكاية تجدها شرائح من السكان شائنة، لدعم أٍّيٍ من الادعاءات، وخلق شعور بأن الأعراف والقيم المجتمعية التي لا تزال تؤمن بها أغلبية أو على الأقل شريحة كبيرة من السكان هي تحت التهديد. فيساهم ذلك في تبني الأغلبية عقلية أقلية مهددة؛ ما يثير الخوف والذعر الأخلاقي ويفاقم الاستقطاب. يستخدم أيضًا الفاعلون السياسيون الوفرة استراتيجيًا لتبديد الغضب العام وانعدام الثقة، ولتوليد الفوضى والارتباك. ويتمثّل هذا في مقولة شهيرة لستيف بانون، الاستراتيجي الرئيس في حملة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي صرح قائلًا: "المعارضة الحقيقية هي الإعلام. وطريقة التعامل [المثلى] هي إغراق الساحة بالهراء" (ص. 132) ومنذئٍذٍ، أصبحت حملات ترمب على منوال واحد؛ إذ تؤكد دراسات عديدة في السنوات الأخيرة، حول نشاط الروبوتات (البوتات) التي ينسقها فاعلون حكوميون وسياسيون، هذه الاستراتيجية5. وفي حين أن استخدام وسائل الإعلام في حملات التضليل ليس بالأمر الجديد، فإن النظام البيئي الإعلامي للاتصال المفرط يكثف هذا

  1. Sherry Turkle, "Always-on/ Always-on-you: The Tethered Self," in: Sherry Turkle,  Social Theory Re-Wired (London/ New York: Routledge, 2023), pp. 485 - 495.
  2. Lara N. Wolfers & Sonja Utz, "Social Media Use, Stress, and Coping,"  Current Opinion in Psychology , vol. 45 (June 2022); Hosam Al- Samarraie et al., "Young Users' Social Media Addiction: Causes, Consequences and Preventions,"  Information Technology & People , vol. 35, no. 7 (2022), pp. 2314 - 2343; Vikram R. Bhargava & Manuel Velasquez, "Ethics of the Attention Economy: The Problem of Social Media Addiction,"  Business Ethics Quarterly , vol. 31, no. 3 (2021), pp. 321 - 359.
  3. Samuel Woolley & Philip Howard, "Computational Propaganda Worldwide: Executive Summary," (2017); Denis Stukal et al., "Why Botter: How Pro-government Bots Fight Opposition in Russia,"  American Political Science Review , vol. 116, no. 3 (2022), pp. 843-857; D. Arnaudo, "Computational Propaganda in Brazil: Social Bots during Elections," Working Paper , no. 8, Oxford University Research Archive, 2017, accessed on 18/10/2025, at: https://acr.ps/1L9F2gp; M. Forelle et al., "Political Bots and the Manipulation of Public Opinion in Venezuela,"  arXiv , 2015, accessed on 18/10/2025, at: https://acr.ps/1L9F2d4

الأمر، ويجعله حتميًا أكثر؛ لكون منصات التواصل الاجتماعي وسيطًا متعدد الأغراض. ولذلك، بينما كان في إمكان المرء في السابق إطفاء القنوات التلفزية، فإنه على وسائط التواصل الاجتماعي من الصعب تجنّب المحتوى المشحون سياسيًا أو المتلاعب به، والذي يمكن أن يكون موجهًا ومخصصًا بحسب الاستخدام الشخصي.Personalized فمنصات التواصل الاجتماعي الرقمية تزيد من قابلية مصادفة مثل هذا المحتوى، نتيجة لسمة رئيسة للوفرة الهائلة في عصر الاتصال المفرط؛ تتمثّل في تسطيح جميع المعلومات على المستوى نفسه، ووجودها على منصات متوحدة متعددة الأغراض. لا يمكّن الاتصال المفرط الرقمي وفرة المعلومات فحسب، بل يُسِّحطِها Flatten وُيُجِّدرِها من سياقها. وينتج هذا التسطيح جزئيًا من إلغاء وسائط التواصل الاجتماعي للتمايز بين مجالات حياتنا. أضف إلى ذلك أننا نستهلك جميع أنواع المحتوى في الشكل الموحد الذي تحدده إتاحات شبكات التواصل الاجتماعي؛ فجماهيرنا وعلاقاتنا جميعها تقتصر على فئة واحدة: "أصدقاء" أو "متابعون." يتواصل معنا أشخاص نعرفهم من جميع مناحي حياتنا عبر منصة واحدة، أو على الأقل جهاز واحد؛ ما يؤثر في مفهومنا للمكان، ومن ثمّ في إحساسنا وفهمنا وممارستنا للذات من خلال تفاعلاتنا الاجتماعية. يتطلب هذا التجرُدُ العام من السياق أن نبذل جهدًا أكثر فأكثر في التنسيق والتفاوض بين جوانب حياتنا التي كانت في السابق منفصلة ومتمايزة مؤسسيًا. ولا يؤثر هذا التسطيح في كيفية تصورنا وتجربتنا للذات الأدائية المرتبطة بمكان أو سياق معّي نفحسب، بل يؤثر أيضًا في كيفية وصولنا إلى ما نعرفه وكيفية تقديمنا ادعاءات معرفته. ارتباطًا بهذه النقطة، يعني التسطيح هنا أيضًا تجريد المحتوى من تراتبية الصدقية. في هذا السياق، يقول بروبيكر: "إن انفتاح البيئة الرقمية يعني أن جميع الادعاءات المعرفية، إلى جانب كل المحتوى الرقمي الآخر، تتدفق عبر القنوات نفسها وتنتشر بطريقة مجردة من السياق، مما يفرض تأثيرًا تجنيسيًا وُمُسِّطِحًا. إنه يضع الادعاءات الأكثر شططًا وغير المعقولة على المستوى نفسه وفي الإطار نفسه مع تلك التي تولدها المؤسسات السائدة المنتجة للمعرفة والناشرة لها" (ص. 131) يؤثر التسطيح، في بيئة إعلامية ذات تدفقات وفيرة من المحتوى، في "أنظمة المعرفة." ويجادل بروبيكر بأن أحد أعراض ذلك هو انتشار نظريات المؤامرة والزخم المتزايد منذ ظهور منصات التواصل الاجتماعي؛ ما يسمح لها بالمنافسة على قدم المساواة، وأحيانًا التفوق، مع المعرفة ذات الشرعية المؤسسية. لكن هذا الطرح لا يعني أن المستخدمين في بيئة إعلامية مسطحة ليسوا بالضرورة أكثر عرضة لتصديق المعلومات الكاذبة. توضح أِلِيس مارويك6 بأن مثل هذه الافتراضات تعكس نظرية "الرصاصة السحرية" Tehory Bullet Magic التي تعرضت لانتقادات طويلة، وهي تفترض أن الأفراد يستوعبون أي محتوى إعلامي يواجهونه من دون تمحيص. في المقابل، تجادل بأن المعتقد والمشاركة في الحوارات العامة على وسائط التواصل الاجتماعي يتشّكلّان بفعل ديناميات أخرى؛ وفي ذلك تقول إن المستخدمين لا "ُيُخدعون" ببساطة بالمعلومات المضللة، بل إن فعل مشاركة المعلومات غالبًا ما يرتبط بعمليات بناء الهوية وتقديم الذات. فعلى منصات التواصل الاجتماعي، حيث تسود ثقافة تشاركية، لا يستخدم الفرد المحتوى لإعلام الآخرين فحسب، بل للإشارة إلى انتماءاته وصياغة هوية تلائم تصوّره لهويةٍ جماعية معيّنة أيضًا. ليست هذه الظاهرة جديدة تمامًا، بطبيعة الحال؛ إذ لطالما دمجت المؤسساُتُ الإعلامية المعلوماِتِ بإشارات هوياتية لجذب جماهير محددة، وهو منطق يشير إليه ريس بيك في تحليله لقناة فوكس نيوز Fox News باسم "الشعبوية الثقافية"7. لكن وسائط التواصل الاجتماعي تكثف هذا المنطق: فالمستخدمون لا يستهلكون المحتوى المرتبط بالهوية سلبيًا Passive، بل يعيدون تداوله بفاعلية بصفته طاريقة لتأكيد هويتهم. فتصبح مشاركة المعلومات الإخبارية فعل أدائيًا. إن تداول محتوى من منفذ إخباري، مرتبط بفصيل سياسي معارض أو حتى تتبعه، يمكن أن يبدو بمنزلة تهديد للاصطفاف الاجتماعي ولهوية المستخدم. ففي بيئة إعلامية مسطحة، حيث يتدفق المحتوى من دون علامات أو تصفية مؤسسية، تنتشر الادعاءات المعرفية على نحٍوٍ متزايد ضمن إطار سياسة الهوية، وتصبح الحقيقة ثانوية بالنسبة إلى الاصطفاف الاجتماعي. ومن ثّم،ّ القول إن المقولة الشهيرة التي اتسمت بها ما لُقّب ب "الموجة الثانية" من الحركة النسوية بأن "الشخصي هو سياسي" is Personal The Political تنقلب على رأسها وتصبح "السياسي هو شخصي" The في كيفيةPersonalized " أو "مشخصنPolitical Is Personal تشكّل الحوار والمشاركة السياسية على منصات التواصل الاجتماعي. وهذا ما يساهم بمرور الوقت في التفتت المعرفي؛ حيث يعيش الناس في عوالم معرفية متمايزة وغالبًا ما تكون غير متوافقة. إضافة إلى تسطيح المعلومات، يشير بروبيكر إلى أن وفرتها في حالة الترابط الرقمي المفرط تفرض سمة ثالثة للبيئة الإعلامية بشأن الاتصال

  1. Alice E. Marwick, "Why do People Share Fake News? A Sociotechnical Model of Media Effects,"  Georgetown Law Technology Review , vol. 2, no. 2 (2018), pp. 474 - 512.
  2. Reece Peck,  Fox Populism: Branding Conservatism as Working Class (Cambridge: Cambridge University Press, 2019).

المفرط، وهي "التصغير" Miniaturization؛ إذ إن إتاحات المنصات مثل القدرة على التنقل scroll to اللانهائي عبر صفحاتنا، التي تُغذى بمحتوى جديد على مدار اليوم، تشجع إنتاج محتوى أقصر وسريع الاستهلاك. ولا يقتصر التصغير على كيفية تعاملنا مع المعلومات الإخبارية، بل ينعكس أيضًا في تطور نوع من التفاعلات الاجتماعية الصغرى Micro-sociality وتمحور الاجتماعيات حول الالتزامات الصغرى Micro-obligations، وتحوّل الوظائف إلى مهّم ات صغرى Micro-tasks، والثقافة إلى أشكال ثقافية مُصَّغَرة Micro-culture؛ ما يؤدي إلى تقسيم وقتنا إلى وحدات أصغر فأصغر لتمتلئ بكل هذه الجوانب الُمُصَّغَرة. ويجادل بروبيكر بأننا، في مثل هذا المشهد الإعلامي، "نصبح معالجين أكفاء، قادرين على استيعاب نطاق هائل من المحفزات الثقافية ومواكبة التشكيلات المتغيرة بالنسبة إلى المرجعيات؛ وهذا يساعدنا على إظهار نوع من الإلمام الثقافي بالعصر الرقمي، الذي يُبنى على الدراية أكثر مما يُبنى على المعرفة العميقة" (ص 84.) ومن ثمّ، فإن وفرة المعلومات لا تعني بالضرورة دمقرطة المعرفة، حيث يتغير مفهومنا وتعاملنا مع المعرفة عندما نكتفي بمجرد "الدراية" بشيء ما من غير اكتساب المعرفة في جهد طويل ومتواصل، حتى نشعر بأننا قادرون على المساهمة عبر النشر على منصات ت منح للجميع.

ثانيًا: نزع السياق والإحاطة والتنبؤ: آليات السيطرة في عصر الترابط الرقمي المفرط

عالى الرغم من أن بروبيكر لا يتناول "السيطرة" موضوعًا مستقل، فإنه يتكرر باستمرار في فصول الكتاب. ففيما يتعلق بفكرة "التسطيح" التي يطورها، يصف "نزع السياق" بأنه آلية سيطرة قوية في المشهد الإعلامي الذي غّي ره الاتصال الرقمي المفرط. فالاتصال الرقمي المفرط يجعل من الصعب على الأفراد معرفة من يرى ماذا، ولأي غرض، وبأي نتيجة. ففي بيئته الإعلامية، تصبح المعلومات أكثر بقاءً ودوامًا، وُيُرَّجَح أن تستمر في الوجود على ملفات المستخدمين الشخصية، وُتُحَّوَل إلى بيانات، وُتُخَّزَن في مكان ما بعد أن يكونوا قد نسوها منذ زمن. ولذلك، يوسع الاتصال المفرط من نطاق المساءلة. ويمكن توجيه هذه المساءلة إلى الأعلى؛ إذ لا يمكّن هذا الاتصال من زيادة المراقبة فحسب، بل إنه يمكّن أيضًا من المراقبة العكسية Sousveillance 8؛ وذلك لأن الأفراد في أسفل التسلسل الهرمي يمكن أن يراقبوا أولئك الموجودين في القمة؛ وكان لهذه الديناميكية تداعيات أخرى ساهمت في زيادة التركيز على سياسة الفضائح وما يشار إليه ب "ثقافة الإلغاء" Culture Cancel. ولكنّ الاتصال الرقمي المفرط ساهم أيضًا، إلى حٍّدٍ بعيد، في تعزيز قدرة المؤسسات على تمحيص سلوك الأفراد، في سياقات كانت خارج نطاق صلاحياتها من قبُلُ. وكان ذلك جزئيًا بوساطة "ثقافة الظهور" التي تطبّع مشاركة البيانات، وتجعل حياتنا الاجتماعية تتمحور حول مدى كشفنا لذواتنا؛ أي إننا نشعر بأننا أكثر ارتباطًا بالعالم وأكثر تفاعلًااجتماعيًا مع متابعينا الذين يتمثلون لنا بأنهم دائرتنا الاجتماعية، كلما نشرنا المزيد عن حياتنا ليروها ويعجبوا بها ويعلقوا عليها9. ولا يوسّع هذا حلقة المراقبة الأفقية فحسب، بل الرأسية أيضًا. فمن ناحيةٍ، وخلافًا للتفاعلات وجهًا لوجه، نجد أن التفاعلات التي تحدث عبر الوسائط الرقمية "ليس لها حدود واضحة ولا مجموعة محددة من المشاركين" (ص. 152) إنها باقية من خلال الآثار الُمُشَّيَأة التي تخلفها وراءها؛ ما يجعلها عرضة لنزع السياق وإعادة الإحياء في أوقات لاحقة. ونشهد، على نحو متزايد، أمثلة على استخدام هذه البيانات لفحص الأفراد والتحقق منهم، سواء كان ذلك من سلطات الهجرة والحدود أو جزءًا من التدقيق في خلفية المتقدمين لوظيفةٍ ما10. ومن ناحية أخرى، تصبح المراقبة الأفقية أكثر تشاركية؛ إذ يُبلغ الأفراد عن الآخرين ويفضحونهم ويشهّرون بهم؛ ما يؤدي إلى إقصائهم المحتمل من جوانب مختلفة من المجالات العامة. وتتجلى أشكال التمحيص التشاركي بوضوح، من خلال انتشار منصات التشهير الإلكتروني Doxing، حيث تتحوّل المراقبة التي تمارسها الجماعات ذات النفوذ السياسي إلى نشاط تشاركي، يمكن أن ينخرط فيه أعضاء "المجتمع الدائم الانتشار" في عصر الاتصال المفرط. فعلى سبيل المثال، تفضح صفحات مثل "كناري ميشين" Canary Mission الأفراد وُتُبلغ عنهم علنًا حتى بسبب أبسط الأنشطة المؤيدة للقضية الفلسطينية، وتستغلها المؤسسات الخاصة والحكومية التي تحاول

  1. Steve Mann & Joseph Ferenbok, "New Media and the Power Politics of Sousveillance in a Surveillance-Dominated World,"  Surveillance & Society , vol. 11, no. 1 - 2 (2013), pp. 18 - 34.
  2. ينظر أيضًا في السياق نفسه: K. N. Hampton, "Persistent and Pervasive Community: New Communication Technologies and the Future of Community,"  American Behavioral Scientist , vol. 60, no. 1 (2016), pp. 101-124.
  3. Faiza Patel et al., "Social Media Monitoring,"  Research Report , Brennan Center for Justice (22/5/2019), pp. 1-57; Btihaj Ajana, "Augmented Borders: Big Data and the Ethics of Immigration Control,"  Journal of Information , Communication and Ethics in Society , vol. 13, no. 1 (2015), pp. 58 - 78; Brenda L. Berkelaar & Millie A. Harrison, "Cybervetting,"  The International Encyclopedia of Organizational Communication , Wiley Online Library , 2017, pp. 1-7, accessed on 18/10/2025, at: https://acr.ps/1L9F2I9

إسكات النقد الموجه إلى إسرائيل والإبادة الجماعية التي ترتكبها في غزة معتمدة الترحيل والاستبعاد11. ومن ثمّ، فإن الحملة القمعية ضد الناشطين في هذه البيئة الإعلامية، لا تقتصر على أشكال السلطة القهرية التقليدية - مثل مهاجمة شرطة الدولة للاحتجاجات في الساحات العامة أو إجبار الجامعات الطلاب على تفكيك مخيمات اعتصاماتهم، وهي ممارسات أشد تقليدية في استبداديتها تستهدف فيها المؤسسات أعمال المعارضة ضمن حدودها - بل تمتدّ لتشمل أيضًا إجراءات عقابية على أعمال تضامنية خارج حدود المؤسسات الرسمية التي تتخذ هذه الإجراءات. وتعتمد المنصات الرقمية أساسًا على مشاركة واسعة للبيانات مع أطراف ثالثة. وفي هذا السياق، اكتسب مفهوم هيلين نيسنباوم المتمثل في الخصوصية بوصفها "نزاهة سياقية" Integrity Contextual أهمية متجددة؛ إذ إنه يؤكد أن الخصوصية تتعلق بتقييد تدفق المعلومات إلى المؤسسات المناسبة وبين الأطراف المعنية ذات الصلة مؤسسيًا. وعلى الرغم من أن بروبيكر لا يستشهد بهذا المفهوم، فإنه يتعمق في مفهوم "انهيار السياق" Collapse Context 12 الذي يوضح كيف أن الاتصال الرقمي المفرط يمحو الحدوَدَ السياقية؛ ذلك أنّ مشاركة البيانات عبر مختلف المجالات تُعدّ جزءًا لا يتجزأ من بنيته التحتية. وفي وقت تُحطم فيه المنصات هذه الحدود السياقية، تصبح جوانب من حياتنا منجذبة على نحٍوٍ متزايد ومحاصرة داخل "ُمُسَّوَراتها" الخاصة؛ ما يوسع من سلطتها على مختلف مجالات حياتنا. ويؤكد بروبيكر أن "طبيعتها البنيوية التحتية العميقة هي التي تمنح الاتصال المفرط امتداده الشامل وقوته التحويلية" (ص. 6) إن الوساطة الرقمية المرتبطة بمختلف جوانب حياتنا الاجتماعية تعني أنها أصبحت مقيدة على نحو متزايد بمجموعة معيّنة من الإمكانيات، وخاضعة لجمع منصات التواصل الاجتماعي للبيانات وفرزها. ولذلك، فإن المنصات تحكم بصفتها مؤسسات مهيمنة. ولهذا السبب، يجادل بروبيكر بأن التباين الذي عادة ما يُرسم بين ما يسمى مجتمع الانضباط الذي يفترض وجوده في المجتمع الحديث قبل ظهور الوسائط الرقمية، ومجتمع السيطرة الذي طرحه دولوز13، والذي يشير إلى التحّولّات التي تحصل مع إقدام الوسائط في كيفية ممارسة السلطة على الأفراد، هو تباين مرسوم بحدة أكثر من اللازم؛ فيقول: "لا تحلّ أنواع السيطرة 'التعديلية' Modulatory التي تمكّنها الرقمنة محلّ الانضباط، بل توسّعه وتعمّقه بجعله أشد مرونة وشمولية. وتعمل 'المسَّوَرات الرقمية' Digital Enclosures بصفتها مساحات للانضباط تمامًا كما فعلت المسَّوَرات المادية. ويمكن النظر إلى 'المنصنة' Platformization في كل مجال من مجالات الحياة[...]بصفتها حركة نحو 'المسَّوَرات الرقمية:' حركة لتطويق المزيد والمزيد من الحياة الاجتماعية في أحضان المنصة المراقبة والتعديلية" (ص. 166) إن سيطرة "المسَّوَرات الرقمية" الشاملة تحوّل مجالات الحياة بجعلها أكثر انسجامًا مع منطق المنصات. ويوضح بروبيكر نوع هذه التحّولّات في كل فصوله؛ ففي فصل خصصه للذات، يسلط الضوء على الكيفية التي جعلت بها "المنصنة" تكوين الذات أكثر عرضة "للنظرة التكميمية" Quantification التي تحوّل الذات إلى كيان مناسب للتسويق. فنحن نُوكل لآليات هذه المنصات الخوارزمية مهمّة إنتاج ذاٍتٍ أصيلة فريدة "تساعدنا على أن نظل الذوات التي كشفنا عن أنفسنا بها" (ص. 40) ولا يتأثر تكويننا الذاتي وتمثيلنا بمنطق المنصات فحسب، بل تتأثر به أيضًا تفاعلاتنا الاجتماعية التي تصبح كذلك قابلة لسيطرة المنصات. وتعيد المنصات تركيز التفاعلات حول الاستجابة ل "تسويق الذات." فأنت تتواصل مع المستخدمين الآخرين، من خلال المشاركة في النظرة التكميمية التي يعرضون أنفسهم لها. وتتوّل ىالمنصات التوفيق بينك وبين الآخرين في توجيه تفاعلاتك نحو أشخاص تعتقد أنهم أكثر ميلًاإلى جذب اهتمامك وتفاعلات منك. ويتجلى هذا خاصةً في تطبيقات المواعدة عبر الإنترنت، على سبيل المثال، ولكنه حاضر دائمًا في خلفية التفاعلات اليومية الرتيبة التي تجري عبر الوسائط الرقمية. تتجلى السيطرة أيضًا في كيفية إعادة هيكلة المنصات وتنظيمها لعلاقات العمل، بطريقة تجعل العمالة أكثر عرضة للاستغلال والمراقبة. فالمنصات، مثل "أوبر" Uber و"أمازون ميكانيكال تورك" Turk Mechanical Amazon وخدمات التوصيل خاصةً، تحوّل تنسيق العمل وتوجيهه واستغلاله من خلال السيطرة الخوارزمية. ولا تقتصر المنصة على التوسط في العمل، بل إنها تفككه وتعيد تركيبه إلى وحدات يمكن مراقبتها وتسعيرها واستخلاصها بكفاءة أيضًا. وفي هذا السياق، تصبح صفة "المرونة" الممكنة التسويق تعبيرًا ملطّفًا عن عمل متجزئ ومتاح دائمًا. وفي مناقشة بروبيكر للتحولات التي تجري في المجال الثقافي، يرى أّن سيطرة المنصات تتحقق من خلال تكريس قياس الشعبية. ويشير

  1. Ali Harb, "Canary Mission: How US Uses a Hate Group to Target Palestine Advocates," 11/7/2025, Al Jazeera , accessed on 11/10/2025, at: https://acr.ps/1L9F3bx
  2. Alice E. Marwick & Danah Boyd, "I Tweet Honestly, I Tweet Passionately: Twitter Users, Context Collapse, and the Imagined Audience,"  New Media & Society , vol. 13, no. 1 (2011), pp. 114 - 133.
  3. G. Deleuze, "Postscript on the Societies of Control," in: Dean Wilson & Clive Norris (eds.),  Surveillance, Crime and Social Control   (London/ New York: Routledge, 2017), pp. 35 - 39.

إلى أن المنصات "ُتُكرّس الشعبية بوصفها المقياس الوحيد للقيمة الثقافية"؛ ما يقوض المفاهيم التقليدية للإنتاج الثقافي ويشجع على تقليص المهارات. فُتُجري المنصات فلترة السلع الثقافية وتشكيلها، وهي دومًا ما تحسب وتتنبأ بأي محتوى يمكّن من جذب مستخدمين أكثر وعند أي جمهور. وهذا يحفز المبدعين على تكييف المحتوى، ليتوافق مع الأفكار التي تقبل الرواج Virality؛ وهنا، ليس من الضروري أن يكون هذا المحتوى هو ذلك المحتوى الذي قد يثير مشاركة فكرية أو يعكس المهارة، وعادة لا يتطلب وقتًا للاستهلاك والتقدير. ويعترف بروبيكر بأن هذا النقد لإفساد منطق السوق لإنتاج ثقافي إبداعي ليس جديدًا، وقد جرت الإشارة إليه كلما أ حدثت تغييرات تكنولوجية سمحت لعدد أكبر من الناس بالانخراط الثقافي. ولكن مع منصات التواصل الاجتماعي ثمة بعد جديد؛ فهي تملك "سلطة فوقية"، لا تحدد من له الحق في أن تكون له منصة، ولكن تاحدد من خلال تصميمها شكل السلع الثقافية على نحٍوٍ أكثر تطفل مما كانت صناعة الثقافة التقليدية قادرة عليه. فيضطر الفنانون مثلًاإلى نشر أعمالهم على شكل "ريلز" Reels تليق باقتصاد جذب الانتباه الذي يفرضه الاتصال الرقمي المفرط. وتتحكّم المنصات أيضًا، بحيثArchitectures of Visibility "في "أنماط هندسة الظهور يكتسب الأفراد العاديون القدرة على النشر، إلا أنها هي التي تتحكم في مدى ظهور المحتوى للآخرين. وتنعكس هذه السيطرة على المجال الثقافي أيضًا في السيطرة التي تمارسها المنصات في تقويض الخطاب السياسي. فبدلًامن أن تكون مجرد وسيط محايد، يجب أن تحاسب على أنها جهات منِّمظِة للتعبير، تشكّل ما نقوله وكيف نقوله، ومن ثمّ تمارس السيطرة في المجال السياسي؛ حيث يكون تنظيم التعبير أحيانًا واضحًا مثل الرقابة الخوارزمية على محتوى معّين. وهنا، كثيرًا ما تلتقي مصالح المنصات مع مصالح السلطات السياسية لتقرير ما يمكن قوله وكيف يمكن قوله. ولكن بصفة أكثر خفاءً، تتحكم المنصات في كيفية تفاعلنا مع الخطاب السياسي. وكما رأينا في أقسام سابقة، تعزز إمكانيات المنصات التفتت المعرفي وموجات السخط الأخلاقي. ثمّ إنها، كما هو الحال مع الثقافة، تعيد تركيز القيمة في الخطاب السياسي حول الشعبية؛ مما يولد الشعبوية. ومن المفارقة أْنْ تشجع إمكانيات منصات التواصل الاجتماعي السياسة الشعبوية، في حين تفرض حوكمة المنصات حكَمَ تكنوقراطيِةِ نخِبِ وادي السيليكون الذين لم ينتخبهم أحد، حتى يكونوا مديرين لمنصاٍتٍ أصبحت رئيسة ومهيمنة بالنسبة إلى انتشار المعلومات، وتكوين الآراء والمواقف السياسية، وتشكيل المجموعات السياسية والحركات الاجتماعية، وأنماط التواصل بين السياسيين والناخبين ومحتواه. ت مارس المنصات السيطرة بناءً على التقييم والتنبؤ الخوارزمي، الذي "يعتمد على المراقبة الرقمية الشاملة" (ص. 118) ويجادل كتاب بروبيكر بأن السلطة التي تمارسها البنى التحتية للاتصال الرقمي المفرط ليست "تنظيمية" Regulative فحسب، بل هي أيضًا "توليدية" Generative 14. ويجري التحكم في السلوك أو توجيهه، مثل القطيع، من خلال أنظمة التنبؤ والتوصية الكامنة في الاتصال المفرط. ويجري "بناء الذات كموضوع للمعرفة والتنبؤ والسيطرة" (ص. 46) ويكون هدف المنصة هو جعل تنبئها هذا حقيقة واقعة. فمثلًا، يُدَفَع شاب نحو سلوك ماٍلّيٍ محفوف بالمخاطر، مثل الاستثمار في العملات المشفرة، استنادًا إلى سيٍلٍ من الإعلانات الموجهة إليه التي تتشكل بناءً على عمره وجنسه وتاريخ بحثه وعاداته الرقمية. وُتُبنى سلطة هذه الأنظمة على علاقات غير تعاقدية؛ أي إنها لا تحتاج إلى عقود اجتماعية تعتمد على اتفاٍقٍ وثقة متبادلة لاحترامه15. فهي ببساطة تحاول استباق السلوك وتشكيله، من خلال جمع بيانات المستخدم وتحليلها والتصرف بناءً عليها باستمرار. فلا حاجة إلى التفاوض أو الموافقة عندما تنطوي إمكانيات هذه المنصات على توقع السلوك وتوجيهه. ومُيّ كّن التنبؤ من السيطرة على السلوك، بحيث لا يُحكم الأخير بناءً على التفاوض مع الجهات المهتمة عن مدى شرعية تطبيق القواعد في الحالة المعنية، بل يُساق عبر بنية الأنظمة الرقمية. والأمثلة الملموسة على ذلك كثيرة. ففي مجال العمل، يجب أن يحافظ عامل التوصيل على تقييمات عالية وأوقات استجابةٍ سريعة لتجنب إلغاء تفعيله تلقائيًا. وهنا، لا مجال للتفاوض مع مدير الشركة؛ فالأنظمة الخوارزمية هي الُمُوكلة باستنتاج عدم موثوقية العامل نتيجة التقلبات في مقاييس الأداء. وينتشر هذا المنطق من الحكم، كلما زاد حضور الأجهزة الذكية في الحيز العام والخاص.

ثالثًا: من الدمقرطة إلى "الشعبوية التكنوقراطية:" أيديولوجيا الاتصال المفرط الرقمي

في كل فصل من فصول الكتاب، يتأمل بروبيكر كيف أنّ التفاؤل المبكر الذي أحاط بظهور الاتصال الرقمي المفرط متجذرًا في إمكاناته

  1. Scott Lash, "Power after Hegemony: Cultural Studies in Mutation?"  Theory, Culture & Society , vol. 24, no. 3 (2007), pp. 55 - 78.
  2. Shoshana Zuboff, "Big Other: Surveillance Capitalism and the Prospects of an Information Civilization,"  Journal of Information Technology , vol. 30, no. 1 (2015), pp. 75 - 89.

الديمقراطية المتخيّلة. فقد تصوّر المتفائلون التكنوقراط Techno- optimist الذين كتبوا، في أواخر القرن العشرين وأوائل القرن الحادي والعشرين، عن الشبكة بوصفها فضاءً يجعل الثقافة في متناول الجميع؛ ما يسمح للمستخدمين بتجاوز حراس البوابة من الشركات، ومن ثمّ دمقرطة الإنتاج والاستهلاك الإبداعي من خلال روح "المشاركة" التي يتبناها. وقيل إن الحيز الرقمي يفتح إمكانية الحوار والتضامن العابر للحدود الوطنية. وجرت الإشارة مرارًا إلى أبعاد تحررية أخرى، مثل إعادِةِ تنظيٍمٍ للعمل تتمحور حول المرونة والاستقلالية، وإحداث تغيير في النظرة إلى العلامات الإثنية والطبقة والجنس التي تصبح سائلة على نحو أكثر، ويمكن أن تكون مجهولة في المجال الرقمي؛ وبذلك تحدّ من تأثير التحيزات الاجتماعية في التفاعلات عامةً. وفي كل هذه الموضوعات، من الهوية والتفاعل الاجتماعي والثقافة والاقتصاد والعمل إلى السياسة، قدّمت المنصات الرقمية نفسها بصفتها أدواٍتٍ لتمكين إلغاء الوساطة، واحُتُفي بها بوصفها قوة للامركزية والانفتاح والتمكين. غير أن بروبيكر يشير إلى تكاليف استبدال الوسطاء التقليديين بمنصات تكرّس إتاحاتها أيديولوجيتان أساسيتان تشكلان خطرًا على الديمقراطية: الشعبوية، والتكنوقراطية. يساهم الاتصال الرقمي المفرط في زيادة المشاركة الشعبية Popularization، من خلال تمكين وصوٍلٍ أكبر وأوسع إلى المشاركة السياسية والثقافية؛ فهو يسمح بتجاوز الوسطاء الحاليين وإضعافهم، وإقامة اتصالات مباشرة وفورية على نحو متزايد. ويلاحظ بروبيكر كيف أن هذا التركيز على زيادة المشاركة الشعبية لا يشجع بالضرورة على الدمقرطة، بل على سياسات أكثر شعبوية. وهكذا، يصبح الاتصال المفرط، الذي يمكّن من التواصل بين السياسيين والمواطنين، أقل فلترة ووساطة مؤسسية مما كان عليه الحال سابقًا، وأكثر عرضة للتقييم بناء على درجة شعبيته وإمكانية توسّ عه. وإذا كان لاستطلاعات الرأي العام، تقليديًا، تأثير مهمّ في توجيه الحملات والسياسات، فإنّ وسائط التواصل الاجتماعي تُتيح للسياسيين قياس مواقف الجمهور في الوقت الفعلي والتأثير في الرأي العام والتلاعب به على نحو مباشر أكثر فأكثر. وفي هاذا السياق، يصبح التتبع والحساب المستمر للشعبية عاملًاحاسم في الخطاب السياسي وذا أهمية قصوى تفوق اعتبارات أخرى، مثل الصدقية والسياق وإمكانية إلحاق الضرر. ومن ثمّ، لا يدفع الاتصال الرقمي المفرط إلى زيادة المشاركة الشعبية - بمعنى إتاحة وصول أوسع فحسب - بل أيضًا بمعنى إعادة تركيز الشعبية باعتبارها قيمةً عليا. لا يجري تسطيح المعلومات ببساطة من جانب منصات التواصل الاجتماعي، كما رأينا سابقًا، بل يلفت بروبيكر الانتباه إلى إعادة ترتيبها الهرمي على أساس التتبع والقياس المستمر للشعبية. وهي مقاييس تعكس وتخدم منطق السوق لدى الشركات التي تدير هذه المنصات. ف "ِزُِّرُ الإعجاب" المرقم، ومقاييس مثل "الأكثر رواجًا" Trending، تجذبنا نحو المحتوى الشعبي. ومع تكليف هذه المنصات، أيضًا، بمهمّة استبدال نشرة الأخبار، التي كانت تنسق لنا أهم قصص اليوم، فإنها تحوّل الطريقة التي نقيّم بها ما يُعتبر مهّمًا. إن أولوية جذب أكبر قدر من المستخدمين والاحتفاظ بهم على المنصة، هي التي تحدد الأجندة Agenda-setting. وتتطلب الشعبية على وسائط التواصل الاجتماعي أن يكون المحتوى سهل الاستهلاك وجذابًا، من خلال شحنته العاطفية - الانفعالية. وهي خصائص ملائمة على نحو جيّد مع الخطاب الشعبوي، الذي يتجاوز التعقيد والفروق الدقيقة في رسم حدود حادة بين من ينتمي إلى تمثيٍلٍ اختزالي للشعب ومن لا ينتمي إليه. ومع أن إتاحات المنصات تشجّع على الشعبوية، فإن مهندسيها ومصمميها يحكمون من خلال كونهم تكنوقراطيين. وتعزّز هذه التكنوقراطية التفكير القائم على الحلول Solutionist Thinking (ص. 151)، الذي يعيد تأطير القضايا الاجتماعية على أنها مشكلات تقنية لها حلولها، تقتصر على بناء نماذج خوارزمية أكثر دقة في فهمها للعالم. فمن خلال تزايد دمج الأنظمة الخوارزمية في عمليات الإدارة والحوكمة، تعزّز حالة الاتصال الرقمي المفرط سلطة علماء البيانات والمهندسين، الذين كثيرًا ما تشكّل أحكامهم البنى التحتية التي نتواصل ونتفاعل من خلالها. وُتُقدّم هذه الأنظمة بدائل فعّالة من "فوضى" المداولات العامة حول قضايا العدالة والشرعية والصالح العام، وتعزّز ما وصفه إفجني موروزوف16 بأنه يوتوبيا تكنوقراطية ذات "سياسة من دون سياسة." ويحدد بروبيكر هذا بصفته جزءًا من منطق أوسع، قائٍمٍ على إيجاد حلول لمشكلات تقنية، منطق "يسعى لتحويل المشكلات الاجتماعية والسياسية والإدارية والقضائية إلى مشكلات تقنية لها حلول عقلانية تقنيًا" (ص. 152) النقاشاُتُ المعاصرة المتعلقة بحظر خطاب الكراهية،ُتبُرز والجماعات التي تروّج له على وسائط التواصل الاجتماعي، عواقَب هذا التحوّل. فالقرارات، بشأن ما يُعتبر تعبيرًا بغيضًا أو ضارًا، تتخذها على نحو متزايد مجموعة صغيرة من نخب الشركات. وغالبًا ما تُبرّر هذه القرارات باللجوء إلى الحياد والموضوعية، لكنها في الممارسة العملية تنطوي على تحيزات أولئك الذين يصممونها. والنتيجة هي أحد أشكال الحوكمة التي تنزع الصبغة الشعبية عن الخطاب العام، وتزيل الأسئلة المعيارية من نطاق النقاش العام، وتضعها في أيدي منصات مملوكة للقطاع الخاص. وهنا، كان من

  1. Evgeny Morozov, "The Rise of Data and the Death of Politics," The Guardian , 14/7/2014, accessed on 14/10/2025, at: https://acr.ps/1L9F2EM

الممكن أن ينظر بروبيكر إلى الكيفية التي تخضع بها أحكام هؤلاء التكنوقراط وقراراتهم للمصالح الجيوسياسية الحاكمة. فمصالحهم الاقتصادية تعني أنهم يريدون تجنّب الصراع مع الدول والجهات السياسية الفاعلة القوية. فمثلًا، تعترف منصة "إكس" (تويتر سابقًا) علنًا بأنها تتعاون مع الحكومة الهندية لتقييد المحتوى الذي ينتقد حكومة رئيس الوزراء ناريندرا مودي17. وقد تعاونت منصة "ميتا" مع الحكومة الإسرائيلية، ووافقت على طلباتها لإزالة المحتوى المتعلق بفلسطين18. ومنذ بداية حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة (بعد عملية طوفان الأقصى في 7 تشرين الأول/ أكتوبر)2023، شهدنا توثيقًا واسعًا لكيفية قمع المحتوى المتعلق بالحرب على غزة، أو تعرضه للحظر الخفي Shadow-banning أو إزالته كليّا، بينما بقي المحتوى الذي يحرّض على العنف ضد الفلسطينيين أو يبرّره من دون مساس19. وعلى الرغم من أن كتاب بروبيكر نشُر قبل الاستخدام الواسع لأنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي، مثل "شات جي بي تي" ChatGPT وغيره، في الحياة اليومية، فإنها تؤكد أهمية تشبيهه لعصر الاتصال المفرط بالتكنوقراطية. وتكشف، على وجه الخصوص، النقاشات الأخيرة، حول تطوير نماذج لغوية ضخمة Large Language Models تأخذ في الحسبان "الاختلاف الثقافي" أو "القيم الثقافية"، وكيف أّن المهندسين أنفسهم أصبحوا مكلفين بمهمّة تعريف الثقافة، على أساس تمثيلات اختزالية أو نمطية في أغلب الأحيان20. ولا تتجاهل هذه الجهود الطبيعة الخلافية والدينامية ل "الثقافة" و"القيم" فحسب، فضلًاعن الأبعاد الأيديولوجية المتضمنة في تعريفها، بل تسعى أيضًا لتعزيز المعايير السائدة بذريعة الحياد التقني. إن التفكير من خلال منطق حلول المشكلات لا ينزع الطابع السياسي فحسب، كما يجادل بروبيكر، بل يقاوم أيضًا من يسعى للتغيير بفاعلية. فمن خلال التنبؤ بما هو مرجّح أو مرغوب فيه أو مناسب في سياق معّين، إنما يرسّخ الوضع الراهن وُيُغلق إمكانية التغيير.

خاتمة

الترابط المفرط وخيباته يقدم كتاب بروبيكر،، طرحًا شاملًابشأن كيفية إعادة البنى التحتية الرقمية لتشكيل مجالات المجتمع. ويلتقط تحليله المفارقات التي تكمن في صميم بيئتنا الإعلامية الحالية. فمن ناحية، تقدم المنصات نفسها بصفتها أدواٍتٍ لتمكين الحرية، حيث إنها تربطنا بالفعل بأشخاص وفرص وسلع ثقافية ومجتمعات سياسية تتجاوز بيئاتنا المباشرة، والتي ربما لم نكن لنتصورها لولا وجودها. ومع ذلك، فإنها تطبق أيضًا آليات سيطرة جديدة أكثر اقتحامًا، تستبق استعداد المستخدمين لتوجهات فكرية أو سلوكية معيّنة، ومن خلال تنبؤاتها توجه السلوك؛ مما يحدّ من مجال الحكم الذاتي في اتخاذ القرارات، ويجعلنا أكثر عرضة لتلاعب الشركات التي تهدف إلى تحقيق أرباح. من ناحية أخرى، فإن الإمكانات الديمقراطية التي يتيحها الاتصال المفرط الرقمي، من خلال تمكين المواطنين عبر تسهيل الوصول إلى المعلومات والمشاركة السياسية والثقافية، يقابلها التركيز على الشعبية على حساب اعتبارات أخرى، وتسطيح المعلومات وتجريدها من مقاييس شرعيتها ومن نطاقها، وتوسيع الوظائف التي تؤدّيها الشركات الخاصة في تقييد التعبير والخطاب وقدرة المؤسسات على مراقبة الأفراد وقمع الخطاب المعارض. وقد أضافت هذه المراجعة النقدية إلى الكتاب إشارة إلى كيفية التقاء مصالح شركات المنصات مع المصالح السياسية للدول التي تحتضنها، أو كيفية خضوعها لضغوط الحكومات التي تهدد بحظرها وتكبيدها خسائر مالية فادحة. فمع استمرار تطور الاتصال المفرط الرقمي، على نحو لا يتطلب فهمه الانتباه إلى إمكانيات المنصات فحسب، بل الانتباه إلى البنى السياسية التي تُستوَعَب ضمنها، والتفاوتات التي تعيد إنتاجها أيضًا. فمن خلال دراسة تقاطع الإمكانيات التي تتيحها البنى التحتية الرقمية مع القوة الجيوسياسية، يمكننا أن نفهم التحوّل الذي يفرضه ذلك الاتصال المفرط الرقمي على حياتنا.

  1. Ali.
  2. ميتا' تحذف 90 ألف منشور بطلب من الحكومة الإسرائيلية"، الجزيرة نت، 2025/4/12، شوهد في 2025/10/10، في https://tinyurl.com/ytwyyh85:
  3. Meta's Broken Promises Systemic Censorship of Palestine Content on Instagram and Facebook," Human Rights Watch, 20/12/2023, accessed on 10/10/2025, at: https://tinyurl.com/yuvxkp9h
  4. Julia Kharchenko et al., "How Well do LLMs Represent Values across Cultures? Empirical Analysis of LLM Responses based on Hofstede Cultural Dimensions," Cornell University, arXiv Preprint, arXiv:2406.14805, 2024, accessed on 10/10/2025, at: https://acr.ps/1L9F3d8; Cheng Li et al., "CultureLLM: Incorporating Cultural Differences into Large Language Models,"  Advances in Neural Information Processing Systems , vol. 37 (2024), pp. 84799 - 84838.

المراجع

Ajana, Btihaj. "Augmented Borders: Big Data and the Ethics of Immigration Control."  Journal of Information, Communication and Ethics in Society. vol. 13, no. 1 (2015). Al-Samarraie, Hosam et al. "Young Users' Social Media Addiction: Causes, Consequences and Preventions."  Information Technology & People. vol. 35, no. 7 (2022). Arnaudo, D. "Computational Propaganda in Brazil: Social Bots during Elections." Working Paper. no. 8. Oxford University Research Archive. 2017. at: https://acr.ps/1L9F2gp Berkelaar, Brenda L. & Millie A. Harrison. "Cybervetting."  The International Encyclopedia of Organizational Communication. Wiley Online Library. 2017. at: https://acr.ps/1L9F2I9 Bhargava, Vikram R. & Manuel Velasquez. "Ethics of the Attention Economy: The Problem of Social Media Addiction."  Business Ethics Quarterly. vol. 31, no. 3

Bucher, Taina & Anne Helmond. "The Affordances of Social Media Platforms."  The SAGE Handbook of Social Media. vol. 1, no. 1 (2018). Forelle, M. et al. "Political Bots and the Manipulation of Public Opinion in Venezuela."  arXiv. 2015. at: https://acr.ps/1L9F2d4 Gibson, James J. et al. (eds.). The People, Place, and Space Reader. London/ New York: Routledge, 2014. Hampton, K. N. "Persistent and Pervasive Community: New Communication Technologies and the Future of Community."  American Behavioral Scientist. vol. 60 , no.1 (2016). Hutchby, Ian. "Technologies, Texts and Affordances." Sociology. vol. 35, no. 2 (2001). Kharchenko, Julia et al. "How Well do LLMs Represent Values across Cultures? Empirical Analysis of LLM Responses Based on Hofstede Cultural Dimensions." arXiv Preprint. arXiv:2406.14805. 2024. at: https://acr.ps/1L9F3d8 Lash, Scott. "Power after Hegemony: Cultural Studies in Mutation?" Theory, Culture & Society. vol. 24, no. 3

Li, Cheng et al. "CultureLLM: Incorporating Cultural Differences into Large Language Models."  Advances in Neural Information Processing Systems. vol. 37

Mann, Steve & Joseph Ferenbok. "New Media and the Power Politics of Sousveillance in a Surveillance- dominated World." Surveillance & Society. vol. 11, no. 1 - 2 (2013). Marwick, Alice E. "Why do People Share Fake News? A Sociotechnical Model of Media Effects."  Georgetown Law Technology Review. vol. 2, no. 2 (2018). Marwick, Alice E. & Danah Boyd. "I Tweet Honestly, I Tweet Passionately: Twitter Users, Context Collapse, and the Imagined Audience."  New Media & Society. vol. 13, no. 1 (2011). Norman, Donald A.  The Design of Everyday Things. New York: Basic Books, 2013. Patel, Faiza et al. "Social Media Monitoring."  Brennan Center for Justice. vol. 22 (2019). Peck, Reece.  Fox Populism: Branding Conservatism as Working Class. Cambridge: Cambridge University Press, 2019. Stukal, Denis et al. "Why Botter: How Pro-government Bots Fight Opposition in Russia."  American Political Science Review. vol. 116, no. 3 (2022). Turkle, Sherry. Social Theory Re-Wired. New York/ London: Routledge, 2023.

Wilson, Dean & Clive Norris (eds.). Surveillance, Crime and Social Control. London/ New York: Routledge,

Wolfers, Lara N. & Sonja Utz. "Social Media Use, Stress, and Coping."  Current Opinion in Psychology. vol. 45 (2022). Woolley, Samuel & Philip Howard. "Computational Propaganda Worldwide: Executive Summary."

Surveillance other: "Big Shoshana. Zuboff, Capitalism and the Prospects of an Information Civilization."  Journal Of Information Technology. vol. 30, no. 1 (2015).