مقدمة الدولة العربية بعد الانتفاضات

Bassel F. Salloukh | باسل صلّوخ ** May Darwich مي درويش |

Introduction The Arab State after the Uprisings

بعد مرور عقٍدٍ ونصف العقد على انتفاضات عاَمَي 2010 و 2011 الشعبية، لم تعد الدولة العربية (أو، بالأحرى، الدول العربية) كما كانت من قبُلُ. فهذه الانتفاضات، وما خلّفته من تداعيات محلية وإقليمية - جيوسياسية، ما زالت تطرح أسئلة نظرية وإمبريقية، بعضها قديم وبعضها الآخر جديد، بشأن ماهية الدول العربية، وتطور ملامح علاقتها بمجتمعاتها. لقد أفضى تفكك الأنظمة أو انهيارها، بسبب الانتفاضات الشعبية، إلى بروز ديناميات جديدة من أنواع شتى، داخل الدولة وخارجها. وأسهمت عسكرة الأجهزة الحكومية، والمستويات غير المسبوقة من العنف، المادي والرمزي، ضد المواطنين في كثير من الحالات، في إعادة تشكيل البنية المؤسسية، والاقتصاد السياسي، والطبقات الاجتماعية، بل الارتباطات الوجدانية، في هذه الدول. وشكّلت هذه التحولات (أو أعادت تشكيل) الطريقة التي صار المواطنون يتصوّرون من خلالها دولهم وأنظمتها، وطبيعة علاقتهم بها. خلال العقد الماضي، تراكمت العديد من الأدبيات التي وضعت الانتفاضات العربية الشعبية في صميم التحليل، وسعت لفهم أسبابها ودينامياتها وسيروراتها المتنوعة ونتائجها، نجاحًا أو فشلًا، فضلًاعن فهم الفاعلين المشاركين فيها وأشكال التفاعل بينهم1. غير أنّ هذا التراكم المعرفي نفسه يطرح سؤلًامهمًا: هل ثمة حاجة إلى مساهمة جديدة في هذا الحقل من خلال ربطه بالدولة العربية؟ الإجابة، في تقديرنا، هي "نعم"؛ إننا، نحن العرب، نعيش اليوم لحظة الدولة بامتياز. فالحديث عن الدولة، وعن أشكال

  1. ينظر على سبيل المثال: أحمد أبوشوك، تجربة الانتقال الديمقراطي في السودان 2021-2019(:) مشكلات الراهن وتحديات المستقبل (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث يمن الثورة والديمقراطية والحرب: التحولات السياسية وآمال بناء الدولة ودراسة السياسات، 2024)؛، بكيل الزنداني وعبده موسى البرماوي (محرران) (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2023)؛ حراك 22 فبرراير 2019 في الجزائر: انتفاضة واحدة ومقاربات شَّتَى، محمد حمشي (محرر) (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2023)؛ أحمد أبوشوك، الثورة السودانية 2019-2018(:) مقاربة توثيقية - تحليلية لدوافعها ومراحلها وتحدياتها (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2021)؛ تجربة الانتقال الديمقراطي في تونس 2020-2010: معضلات التوافق والاستقطاب، مهدي مبروك (محرر) (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة ما بعد الثورات العربية: فض مركزية نظرية التحول الديمقراطي السياسات، 2021)؛، عبد الوهاب الأفندي وخليل العناني (محرران) (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث الشباب والانتقال الديمقراطي في البلدان العربية ودراسة السياسات، 2021)؛، عبد الفتاح ماضي وعبده موسى البرماوي (محرران) (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2019)؛ الثورات العربية: عسر التحول الديمقراطي ومآلاته، محمد جمال باروت (محرر) (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2018)؛ عزمي الجيش والسياسة: إشكاليات نظرية ونماذج عربية بشارة، (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2017)؛ عزمي بشارة، ثورة مصر: ج 1، من جمهورية يوليو إلى ثورة يناير (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2016)؛ عزمي بشارة، ثورة مصر: ج 2، من الثورة إلى الانقلاب (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث سورية: درب الآلام نحو الحرية، محاولة في التاريخ الراهن ودراسة السياسات، 2016)؛ عزمي بشارة، (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2013)؛ عزمي الثورة التونسية المجيدة: بنية ثورة وصيرورتها من خلال يومياتها بشارة، (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2012)؛ 20 فبرراير ومآلات التحول الديمقراطي في المغرب، مراد دياني (محرر) (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2019)؛ Jason Brownlee, Tarek Masoud & Andrew Reynolds,  The Arab Spring: Pathways of Repression and Reform (Oxford: Oxford University Press, 2015); John Chalcraft,   Popular Politics in the Making of the Modern Middle East (Cambridge: Cambridge University Press, 2016); Marc Lynch (ed.),  The Arab Uprisings Explained: New Contentious Politics in the Middle East (New York: Columbia University Press, 2014); Shamiran Mako & Valentine M. Moghadam,  After the Arab Uprisings: Progress and Stagnation in the Middle East and North Africa (Cambridge: Cambridge University Press, 2021); Charles Tripp,  The Power and the People: Paths of Resistance in the Middle East (Cambridge: Cambridge University Press, 2013); Jamie Allinson,  The Age of Counter-Revolution: States and Revolutions in the Middle East (Cambridge: Cambridge University Press, 2022). * أستاذ، وعميد كلية العلوم الاجتماعية والإنسانية، معهد الدوحة للدراسات العليا. Professor, Dean of the School of Social Sciences and Humanities, Doha Institute for Graduate Studies. Email: bassel.salloukh@dohainstitute.edu.qa ** أستاذة مشاركة في العلاقات الدولية للشرق الأوسط، جامعة برمنغهام، المملكة المتحدة. Associate Professor of International Relations of the Middle East, University of Birmingham, UK. Email: m.darwich@bham.ac.uk

التنظيم السياسي المختلفة فيما دونها أو فوقها، حاضر في كل مكان في العالم العربي. وُتُظهر الأبحاث المسحية انشغال المواطنين العرب بأسئلة الدولة والمواطنة، وتصوراتهم لالتزامات دولهم تجاههم، ولشرعية الأنظمة التي تحكمهم. فبإلقاء نظرة سريعة على نتائج المؤشر العربي، الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، يتكشف الكثير عن آراء المواطنين العرب ومشاعرهم تجاه القضايا ذات الصلة بالدولة. لكنّ المواطنين العرب ليسوا وحدهم هم الذين يطرحون/ يُْحْيون أسئلة الدولة في العالم العربي؛ فالإنتاج الأكاديمي حول الدولة العربية بلغ أيضًا ذروةً غير مسبوقة، سواء داخل العالم العربي أو خارجه. ومُيّ ثّل كتاب عزمي بشارة، مسألة الدولة: أطروحة في الفلسفة والنظرية والسياقات2، الجامع بين الفلسفة والنظرية السياسية والعلوم الاجتماعية، إضافة إلى رصده التاريخي الموسع لمسارات تشكّل الدولة وبنائها في العالم العربي، في كتاب الدولة العربية: بحث في المنشأ والمسار3، نموذجًا لنمط مغاير من الأبحاث النظرية والإمبريقية عن الدولة يصدر من داخل العالم العربي، ويشكّل جزءًا من حوار عالمي أوسع يعيد التفكير في موضوع الدولة عامةً، وبالأخص الجنوب الكبير4؛ والعالم العربي منه5. والكتابان ينبغي قراءتهما بوصفهما قريَنيَن، فيهما تقترن نظرية الدولة بحالة (أو حالات) الدولة العربية. تعكس هذا الاهتماَمَ الأكاديمَّيَ بالدولة العربية الدورُةُ الثامنُةُ من مؤتمر العلوم الاجتماعية والإنسانية، الذي عقده المركز العربي في عام 2021، حول "الدولة العربية المعاصرة: التصور، النشأة، الأزمة"6، ا فضل عن المؤتمر الثالث للمجلس العربي للعلوم الاجتماعية في عام 2017، وهو بعنوان "العطش للدولة والريبة منها"7، ا اهتمامًا أكاديميًا مماثل بالدولة في العالم العربي. ويعكسه أيضًا تأسيس المركز العربي "وحدة دراسات الدولة والنظم السياسية"، تلبيةً لحاجة "الاعتناء البحثي بأسئلة الدولة والنظم السياسية وبنيتها الاجتماعية - الاقتصادية، والقانونية - الدستورية، وسياساتها المختلفة، وعلاقاتها بمجتمعاتها"، من خلال "مشاريع بحثية ودراسات تخصّ بنية الدولة العربية، وما طرأ عليها من تغييرات وتحولات، وما تواجهه من تحديات، بما يعنيه ذلك من دراسة السلطة وطرائق عمل الحكومات في البلدان العربية، وما يتصل بذلك من قضايا دستورية وقانونية وتشريعية وتنظيمية على المستويين الوطني والمحلي"8. من ناحية أخرى، نجد انشغ لًا أكاديميًا متجددًا ومكثفًا بالدولة العربية من خارج المنطقة أيضًا، وذلك بوصفها سؤلًانظريًا وإمبريقيًا في آٍنٍ واحد؛ وُيُعدّ الكتاب الجماعي، الذي حرره مارك لينتش وستيفن هايدمن، فهم الدولة العربية9، والذي يجمع مداخلات نظرية ودراسات حالة، مث لًاللموجة الأحدث من الاهتمام الأكاديمي العالمي بالدولة العربية. ولا يمكن إغفال أنّ هذا الاهتمام العمومي والأكاديمي بأسئلة الدولة هو نتيجة مباشرة للتحولات التي أنتجتها الانتفاضات العربية وتداعياتها منذ نهاية عام 2010 وبداية عام 2011. لم تكن هذه الانتفاضات أحداثًا احتجاجية فحسب، بل شكلت لحظة ممتدة كشفت عن بنى الدولة العربية وحدودها وأزماتها؛ ودفعت أيضًا أنظمة الحكم السلطوية، حين نميزها من الدولة نفسها، إلى إعادة تاشكيل أدوات الحكم وأشكال الضبط وعلاقة الدولة بالمجتمع، فضل عن سرديات الشرعية. لا يبدو أنّ هذا الانشغال، العربي والعالمي، بمسألة الدولة العربية (ومن خلالها الدولة في الجنوب الكبير) سيكون اتجاهًا بحثيًا عابرًا، بل إنه يمثّل محاولة معرفية لتلبية الحاجة إلى فهم الدولة بإعادة التجربة التاريخية والسوسيولوجية في المنطقة العربية إلى صلب التحليل، وعبر مساءلة الفرضيات المقارنة السائدة، بما يساهم في إعادة بناء نظرية الدولة انطلاقًا من التجربة العربية ذاتها. من المؤكد أنّ آثار الانتفاضات الشعبية في الدول والمجتمعات العربية لم تكن متجانسة أو حتى متشابهة كلًّيًا. فبعض الدول تمكّنت من اجتيازها، واجتياز موجتها المضادة، من دون المساس بأمن النظام أو وحدة أراضي الدولة، بينما انهارت الأنظمة في دول أخرى، مثل اليمن وليبيا. وأصاب مثل هذا الانهيار العراق منذ الغزو الأميركي في عام 2003، وحديثًا السودان في أعقاب نشوب حرب نيسان/ أبريل.2023

  1. مسألة الدولة: أطروحة في الفلسفة والنظرية والسياقات عزمي بشارة، (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2023
  2. الدولة العربية: بحث في المنشأ والمسار عزمي بشارة، (الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2024
  3. ينظر، في هذا السياق: محمد حمشي، "المجتمع المدني والدولة في الجنوب الكبير"، مج 12، العدد 38 (خريف.)2021
  4. Adham Saouli, The Arab State: Dilemmas of Late Formation (Routledge: Oxon, 2012); الدولة العربية ومعضلات التشكل المتأخر وينظر الترجمة العربية، في: أدهم صولي،، ترجمة مجد أبو عامر ويارا نصار (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2024
  5. أثمر هذا المؤتمر كتابًا جماعيًا محررًا عن الدولة العربية المعاصرة، ينظر: الدولة العربية
  6. العربي للعلوم الاجتماعية المجلس، العطش للدولة والريبة منها:(بيروت نيسان/ أبريل 2019)، شوهد في 2025/12/22، في: https://acr.ps/1L9F2Hf " 8 وحدة دراسات الدولة والنظم السياسية"، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، شوهد في 2025/12/22، في https://acr.ps/1L9F2yq:
  7. المعاصرة: بحوث نظرية ودراسات حالة، محمد حمشي ومراد دياني (محرران) (الدوحة / بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2023
  8. Steven Heydemann & Marc Lynch (eds.),  Making Sense of the Arab State (Ann Arbor, MI: University of Michigan Press, 2024).

أما في دول أخرى، كما هو الشأن في سورية حتى كانون الأول/ ديسمبر 2024، فقد نجا نظام بشار الأسد من الانتفاضة الشعبية، بوجهها السلمي المبكر ثم المسلح، ولكن بثمن باهظ، تمثّل في تفريغ سيادة الدولة من محتواها لمصلحة قوى خارجية وفاعلين من غير الدول، مع التنازل عن السيطرة على أجزاء واسعة من البلاد، وإقصاء قطاعات كبيرة من السكان. ويطرح إعادة بناء دولة "ما بعد البعث" في سورية تحديات خاصة، أبرزها كيفية التوفيق بين مطالب المجموعات التي جرى حشدها وتجنيدها خلال فترة العقد ونصف العقد الماضية على أسس أيديولوجية أو إثنية - طائفية أو جهوية من جهة، ونزعة النظام الجديد إلى المركزية السياسية والهوية الأحادية من جهة أخرى. غير أنّ تجاهل مشاعر فئات واسعة من المواطنين وطموحاتهم السياسية المحلية لن يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الأخطاء الأصلية للدولة العربية المركزية في مرحلة ما بعد الاستقلال10. وليست سورية وحدها هي التي تكابد هذه التحديات. وعلى أيّ حال، أثّرت الانتفاضات الشعبية وتداعياتها في جميع الدول العربية، على نحو مباشر أو غير مباشر، وهو ما يسوّغ إعادة تركيز الاهتمام على الدولة العربية في وقت تمرّ فيه المنطقة، والنظام العالمي برمته، بتحولات عميقة يعوزها اليقين. في هذا السياق، أنجزت وحدة دراسات الدولة والنظم السياسية، في المركز العربي، مشروَعَ بحث جماعي، بين عاَمَي 2022 و 2023، عن "الدولة العربية بعد انتفاضات الربيع العربي." جمع هذا المشروع نخبة من الباحثين ذوي المعرفة العميقة بالأدبيات والنقاشات النظرية بشأن الدولة وما اتصل بها، فضلًاعن خبرتهم بالمنطقة العربية، سواء أكانوا عربًا من أهل المنطقة أم غير عرب من خارجها لكنهم اشتغلوا طويلًابها. ويعالج المشروع موضوع الدولة العربية بعد عقد ونصف العقد من انتفاضات الربيع العربي عبر مقاربات نظرية متنوعة وحقول معرفية متعددة ومستويات تحليل متباينة؛ انطلاقًا من حسبان الانتفاضات لحظةً حاسمةً لإعادة التنظير للدولة العربية، وفحص أزماتها المتعددة وتحدياتها الممتدة، واستكشاف كيف أنّ المواطنين العرب قد صاروا يتصوّرونها ويتعاملون معها. وتمخّض المشروع عن كتاب جماعي حرره باسل صلّوخ ومي درويش وعمار الشمايلة، سيصدر في طبعة إنكليزية عن دار نشر جامعة مانشستر، وطبعة عربية عن المركز العربي، بعنوان الدولة العربية بعد الانتفاضات11. يتناول هذا الكتاب الأسئلة النظرية والإمبريقية، ذات الصلة الوثيقة بالدولة، التي أفرزتها الانتفاضات العربية وتداعياتها. ويتعلق بعض هذه الأسئلة بكيفية تصورنا للدولة العربية وللأنظمة التي تحكمها. هل الدول العربية ضعيفة إلى الحد الذي يُفترض غالبًا، ولا سيما في ضوء التحديات المستمرة لأمنها الإقليمي، وتنامي الفاعلين المسلحين من غير الدول، وطبيعة النظام الإقليمي الذي أسهم في بعض الحالات في تفكك الدول؟ وإذا كانت هذه الدول ضعيفة إلى هذا الحد، فكيف يمكن تفسير استمرار قدرتها على (إعادة) تشكيل المشهد السياسي - الاقتصادي والاجتماعي الداخلي؟ أم لعلنا في حاجة إلى إعادة ضبط عدساتنا التحليلية عند مقاربة موضوع الدولة من زوايا حقول واختصاصات معرفية مختلفة. فمن منظور حقل العلاقات الدولية، قد تبدو الدولة العربية في حالة تآكل متزايد: إذ يُناَزَع احتكاُرُها للعنف، وُتُقيُّدُ سياساتها الخارجية، ويتراجع دورها الإقليمي. غير أنّ صورة مختلفة تتكشف عند النظر إلى الدولة من منظوَرَي الاقتصاد السياسي أو علاقات الدولة بالمجتمع؛ صورة تُظهر قدرة على صياغة هويات إثنية وجندرية، والتأثير في السياسات المالية والنقدية، وقمع المعارضة، وتفكيك الحركات الاحتجاجية، ومقاومة المطالب الاجتماعية التي تعود إلى فترة ما بعد الاستقلال مباشرة. وأين ينبغي لنا أن نرسم الحدود التحليلية بين الدولة والنظام؟ وما القيمة التفسيرية المضافة التي نكتسبها لفهم بنية السلطة السياسية في الدول العربية حين ننتقل تحليليًا إلى تصور جديد للأنظمة بوصفها شبكاٍتٍ للحكم، وهو تصور يشمل العلاقات غير الرسمية التي تشكّل توزيع السلطة داخل الدولة؟12 وكيف تسهم عسكرة الدولة وتسييس الجيوش في العالم العربي13 في تعزيز هذا التصور للأنظمة بوصفها شبكاٍتٍ للحكم؟ وتتناول أسئلة أخرى يثيرها الكتاب كيفية إدارة الدول العربية لمجموعة التحديات التي أطلقتها الانتفاضات الشعبية، وكيفية ةلودلل ساييسلا داصتقلاا لعى، لاثًاام، اهتايعادت نع لاضًااف، اهل اهتباجتسا العربية: كيف تباينت أنماط علاقات الدولة بالمجتمع بين الدول العربية منذ الانتفاضات؟ وكيف أسهمت هذه التباينات في تشكيل سياسات الرعاية الاجتماعية ومعالجة المظالم التي غذّت الانتفاضات في المقام الأول؟ وكيف نفهم العلاقة بين الفساد والانتفاضات العربية؟ من اللافت للانتباه أنّ الانتفاضات، التي تأججت إلى حٍّدٍ بعيد بسبب

  1. 12 يانظر مثل: Ammar Shamaileh, "The Transformation of Ruling Networks after 2011," in: Salloukh, Darwich & Shamaileh (eds.). 13 يانظر مثل: Abdelfatah Madi, "Hollowing Out the Arab State: The Impact of Military Politicisation and Militarisation," in: Salloukh, Darwich & Shamaileh (eds.).
  2. Bassel F. Salloukh, May Darwich & Ammar Shamaileh (eds.), The Arab
  3. 10  Bassel F. Salloukh, "The End of the Arab Affair," The New Arab ,
  4. State after the Uprisings: Theoretical and Empirical Reverberations  (Manchester: Manchester University Press [forthcoming]). وستصدر نسخة عربية منه عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.

التصورات الشعبية لفساد الأنظمة، أفرزت أشك لًا جديدة من الفساد. وعلاوة على ذلك، نجحت جهود مكافحة الفساد في بعض السياقات، بينما فشلت في أخرى؛ فكيف يمكن فهم هذا "اللغز" في ضوء المنطق الانتقائي لمكافحة الفساد في سياقات سلطوية؟ أي كيف تختار الأنظمة بعناية أشكال الفساد التي تحاربها والأشكال التي تتسامح معها؟14 من ناحية أخرى، كيف استجابت الأنظمة العربية المختلفة لموجات الاحتجاج الشبابي المتعددة التي أعقبت موجة عام 2011، ولا سيما تلك التي اندلعت في عام 2019؟ وكيف تؤثر هذه الموجات، واستراتيجيات تفكيك التعبئة التي انتهجتها الأنظمة، وإن اختلفت من سياق إلى آخر، في مؤسسات الدولة وفي علاقات الدولة بالمجتمع؟15 وفيما يتعلق بالآثار العاطفية والنفسية التي خلّفتها الانتفاضات16، يبحث الكتاب فيما يفكر فيه المواطنون العرب فعليًا تجاه دولهم. هل يميزون، كما يفعل الأكاديميون، بين الدولة والنظام؟ وإذا كانوا يفعلون ذلك، فلماذا يُجُرُون هذا التمييز في بعض الدول دون غيرها؟ وهل ينشغلون بأسئلة تتعلق بشرعية الدولة العربية (والشرعية، كما نعلم، من المتغيرات الملتبسة في أدبيات العلوم السياسية) مثلما يريد المنظّرون القوميون العرب والإسلاميون أن نعتقد؟ وأيّ نوع من الدول يريدون: دولًاوطنية قائمة على حدود إقليم ترابي، أم يسرفت نكي مفيكو؟ةعماج ةيملساإ لاوًااد مأ، ةيبرع ةيموق لاوًااد رغبتهم في إسقاط النظام ونفورهم من أجهزته القمعية، في الوقت الذي يطالبون فيه بدولة ويصرّون على التزاماتها الاجتماعية؟ فبينما تعبّأ المواطنون لإسقاط النظام وأبدوا عداءً عميقًا لأجهزته القمعية، صاغوا أيضًا مطالب ببناء دولة وأصروا على دورها في تحقيق الرفاه وإعادة التوزيع. وأخيرًا، كيف يتصور المواطنون العرب، على تنوعهم الوطني والإثني والطبقي والجهوي، حقوقهم وفرصهم السياسية بوصفهم مواطنين ومواطنات في هذه الدول؟ وفي المقابل، كيف يتمثّلون واجبات هذه الدول تجاههم؟ يحذر بشارة، في تقديمه هذا الكتاب، أي الدولة العربية بعد الانتفاضات، من مغبة فهم الدولة الحديثة على نحو ما يفعله بعض من يسميهم "الأيديولوجيين" الذين يميلون إلى اختزال الظواهر الاجتماعية في مبدأ واحد واستنباط المفاهيم منه؛ ثم يعقب قائلًاإن فلسفة الدولة قد تقع في هذ المأزق إذا لم تتوَّخَ الحذر، أمّا العلوم الاجتماعية فُيُفترض أن تنأى بنفسها عنه أبعد ما يمكنها؛ لأنها لا تكتفي باشتقاق المفهوم، بل تفحص الظاهرة في حد ذاتها، ثم يمكن أن تطبّق نظريات ومناهج متعددة لتفسير نشأتها وإعادة إنتاجها وتطورها17. هذه خطوة أولى، تليها خطوة أخرى أشار إليها في مسألة الدولة مقدمة كتاب، حينما شدد على أنّ مفهوم الدولة الذي طوره هو "مفهوم نقدي، يستفيد مما صيغ حتى الآن ويتجاوزه؛ كما أنّ نقديته تتمثّل أيضًا في صياغته الواعية للتوتر بينه وبين الواقع، ولا سيما الواقع في البلدان العربية"18. وحذو هاتين الخطوتين حذونا سياسات عربية حين طرحنا مشروع مع الزملاء في هيئة تحرير دورية انتقاء أربعة فصول من كتاب الدولة العربية بعد الانتفاضات وتحريرها ضمن عدد خاص. الخطوة الأولى هي تحرير دراسة الدولة من الأيديولوجيا، ووضعها في قلب العلوم الاجتماعية بوصفها ظاهرة اجتماعية، وإن تعددت أبعادها السياسية والمؤسسية والقانونية والاقتصادية، الوطنية والإقليمية والدولية، وغير ذلك. ولا يعني هذا، بطبيعة الحال، الزهد في تأمّلها فلسفيًا، بل يعني وضع فلسفة الدولة في نقاش نقدي مع التحليل السياسي والسوسيولوجي والاقتصادي - السياسي والنفساني وغيره19. أمّا الخطوة الثانية، فهي الإفادة من المنجز النظري العالمي في فهم الدولة، ولكن من منظور نقدي واٍعٍ بالتوتر القائم بين المفهوم/ النظرية والواقع، لا سيما الواقع العربي؛ أي التعامل مع مفهوم الدولة ونظريتها في ضوء التجربة التاريخية العينية، لا بوصفها قالبًا تحليليًا ناجزًا يجري إسقاطه على التجربة العينية. وبناءً على ذلك، نسعى، من خلال هذا العدد الخاص، للمساهمة في الجهد العلمي الأوسع الذي يروم إعادة النظر في الكيفية التي تشكّلت بها الدولة العربية وتطورت إلى صورتها الراهنة، وتحليل بنيتها التشريحية ودينامياتها الداخلية انطلاقًا من شروطها وسياقاتها الخاصة. وتهدف الدراسات الواردة فيه إلى تجاوز المقاربات التفسيرية الجاهزة الناجزة، عبر التعامل مع الدولة العربية بوصفها كيانًا تاريخيًا وسياسيًا واجتماعيًا له منطقه الداخلي ومسارات تطوره المتميزة، بدلًامن اختزاله في نماذج تفسيرية مستوردة أو إسقاطات معيارية خارجية. وفي هذا السياق، ترفض هذه الدراسات مقاربة

  1. يانظر مثل: Ayhab Saad, "The State of Corruption in the Arab World," in: Salloukh, Darwich & Shamaileh (eds.).
  2. يانظر مثل: Nadine Sika, "Youth and the Arab State: The Interplay between Resistance and Repression," in: Salloukh, Darwich & Shamaileh (eds.).
  3. يانظر مثل:
  4. Azmi Bishara, "Foreword," in: Salloukh, Darwich & Shamaileh (eds.).
  5. مسألة الدولة بشارة،، ص.9 19 للاستفاضة في مناقشة بشارة التمييَزَ بين النظرية السياسية بوصفها علمًااجتماعيًا، والفلسفة السياسية بوصفها فلسفة، ينظر: المرجع نفسه، ص 61 - .69
  6. Nermine Allam, "Afterlives of the Uprisings: Emotions and Anti-Sexual Violence Groups," in: Salloukh, Darwich & Shamaileh (eds.).

الدولة العربية عبر مقارنتها المستمرة بنماذج خارجية لنشوء الدولة أو باعتماد سرديات خطية تفترض مسارًا واحدًا وبدهيًا لبناء الدولة الحديثة؛ وتتحدى الأطروحات التي غالبًا ما تصِّوِر الدولة العربية انطلاقًا من منطق "النقص" أو "الغياب"، أو بوصفها حالة استثنائية شاذة ومنفصلة عن السياق العالمي. وبدلًامن ذلك، تعمل هذه الدراسات على إعادة إدراج الدولة العربية ضمن أنماط عالمية أوسع لنشوء الدولة وترسيخها ومنازعتها، مع الاعتراف في الوقت نفسه بخصوصياتها التاريخية20. أولًا، يدعونا باسل صلّوخ، في دراسته "التنظير للدولة العربية: مسارات وزمنيات وتصوّرات بديلة"21، إلى التحرر من الفهم الغربي الجازم لمفهوم الدولة، ومن افتراضاته الخلفية المسبقة، ومن التصورات التقليدية التي تحكم العلاقة بين الدولة والمجتمع أيضًا، وذلك أثناء فحصنا الجماعي لتجلّيات الدولة في العالم العربي. وينطلق من نقد المقاربات التي تتعامل مع الدولة بوصفها نموذجًا واحدًا قابلًاللتعميم، مشددًا على ضرورة الانتباه إلى السياقات التاريخية والسياسية التي تشكّل فيها كل نمط من أنماط الدولة. وتولي الدراسة أيهمية خاصة مسألَةَ "التتابع"، أو "التسلسل الزمني"، في سيروريَت نشوء الدولة وبنائها، مُبِّيِنةً كيف أنّ اختلاف ترتيب الأحداث التاريخية والمسارات السياسية يؤثر بعمق في طبيعة المؤسسات، وفي أنماط السلطة، وفي علاقة الدولة بمجتمعها. ومن هذا المنطلق، يعتمد صلّوخ على فكرة المسارات التاريخية بوصفها نقطة ارتكاز تحليلية لفهم التنوع في أشكال الدول، واضعًا مداخلته ضمن نقاش أكاديمي أوسع بشأن نشوء الدولة في بلدان الجنوب الكبير، حيث لا تنطبق بالضرورة النماذج الأوروبية الكلاسيكية لنشوء الدولة وتطورها. وتقدم هذه الدراسة نقاشًا نقديًا معمّقًا مع الأدبيات الأوسع التي تناولت الدولة العربية في مرحلة ما بعد الانتفاضات، مع إبراز تعدد الزوايا التحليلية التي اسُتُخدمت لدراسة الدولة في المنطقة. وتقدّم أيضًا تقييمًادقيقًا للتصورات الأوروبية لمفهوم الدولة، مع كشف حدودها التحليلية عند تطبيقها على السياق العربي. وتسلّط، في الوقت نفسه، الضوء على الكيفية التي صاغ بها باحثو المنطقة مقاربات بديلة لفهم الدولة، وهي مقاربات تستند إلى تجاربهم التاريخية والاجتماعية والسياسية الخاصة. وبهذا، تسعى الدراسة للمساهمة في توسيع أفق النقاش بشأن الدولة العربية، والدفع في اتجاه فهٍمٍ أكثر تاريخية وتعددية، يتجاوز القوالب الجاهزة الناجزة ويأخذ بجدية تعقيدات الواقع العربي وتحولاته. ومن دون تفضيل أيّ تصور مفهومي بعينه، يعمل صلّوخ على تنظيم أدبيات الدولة العربية ضمن ثلاثة مسارات تحليلية كبرى، يقدّم كٌّل منها تفسيرًا متميزًا لطبيعة الدولة في العالم العربي، ويبتعد بدرجات متفاوتة عن النموذج الأوروبي. يتمثّل المسار الأول في نماذج تنطلق من التجربة الأوروبية، بوصفها نقطة مرجعية أو إطارًا ابتدائيًا للتحليل. أمّا المسار الثاني، فيضم نماذج ترفض صراحة نموذج الدولة الفيبري22، بوصفه أداة تحليلية صالحة لفهم الواقع العربي، وتعتبر أنّ افتراضاته بشأن العقلنة والبيروقراطية واحتكار العنف لا تعكس بدقة المسارات الفعلية لتشكّل الدولة في المنطقة. في حين يركّز المسار الثالث على مقاربات غير مادية وأدائية للدولة، تنظر فيها بوصفها مجموعة من الممارسات والتمّثلّات والخطابات التي يجري إنتاجها وإعادة إنتاجها في الحياة اليومية، وليس بوصفها مجرّد كيان مؤسسي ثابت. وعلى الرغم من أنّ هذه المسارات غالبًا ما تتقاطع في نقاط خلافية حادة (ولا يتردد صلّوخ في توجيه نقد واضح إلى النظريات أو المقاربات المستلهمة من ماكس فيبر)، فإنها تلتقي عند نقطة جوهرية واحدة، تتمثّل في إقرارها بأنّ العلاقة الإمبريقية بين الدولة والمجتمع في العالم العربي لا تتطابق مع النموذج الأوروبي. ومن خلال تحرير التحليل من ثنائية الدولة – المجتمع من دون فرض إطار نظري واحد أو مقاربة تفسيرية مغلقة، لا تكتفي هذه الدراسة بالتمهيد لدراسات أكثر ثراءً وإنتاجية للدولة في المنطقة، بل تدفع ضمنيًا إلى تصور الدولة بوصفها كائنًا ديناميًا ومتغيرًا يتطور وُيُعاد تشكيله؛ استجابةً للأحداث المفصلية واللحظات التاريخية الحرجة، مثل انتفاضات الربيع العربي. وبهذا المعنى، يدعو صلّوخ إلى إعادة التفكير في الدولة العربية، لا بوصفها كيانًا جامدًا أو استثنائيًا، بل بوصفها سيرورة مستمرة من التشكّل، تتأثر بالصراعات والأزمات والتحولات الاجتماعية والسياسية العميقة. ثانيًا، على الرغم من كثرة الأدبيات التي أنتجها الباحثون حول الدول العربية وأنظمتها السياسية، فإنّ عددًا محدودًا منها – وهذا من المفارقة – سعى لإلقاء الضوء على الدولة من خلال منظور الشعوب التي تحكمها تلك الدول. فغالبًا ما انصبّ التركيز على بنية الدولة، أو طبيعة النظام، أو آليات الحكم والسيطرة، مع إغفال تصورات المواطنين أنفسهم وتوقعاتهم حيال الدولة ودورها ووظائفها. وتنطلق الدراسة الثانية، في هذا العدد الخاص، '"الدولة العربية' في أعين مواطنيها: تحليل للاتجاهات الفردية"23، من ذلك القصور، لُتُحدث

  1. الدولة العربية بشارة،؛.Heydemann & Lynch (eds.)
  2. ينظر في هذا العدد: باسل صلّوخ، "التنظير للدولة العربية: مسارات وزمنيات سياسات عربية وتصوّرات بديلة"،، العدد  79 (كانون الثاني/ يناير 2026)، ص.17
  3. العلم والسياسة بوصفهما حرفة ينظر: ماكس فيبر،، ترجمة جورج كتورة (بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.)2011
  4. ينظر في هذا العدد: عبد الكريم أمنكاي، '"الدولة العربية، في أعين مواطنيها: تحليل سياسات عربية للاتجاهات الفردية"،، العدد  79 (كانون الثاني/ يناير 2026)، ص.39

نقلة تحليلية مهمّة؛ إذ تحوّل بؤرة الاهتمام من التنظير المجرّد للدولة والنظام إلى فهم تصورات المواطنين العرب للدولة وتوقعاتهم منها. وفي ما يُعد مسحًا مقارنًا على مستوى إقليمي لتفضيلات المواطنين المتعلقة بالدولة، يكشف عبد الكريم أمنكاي عن وجود طلب واسع النطاق بين المواطنين العرب على اضطلاع الدولة بالتزويد بالخدمات والوظائف التي ترتبط عادةً بنموذج الدولة الفيبري، مثل الأمن والنظام والتزويد بالخدمات العامة والقدرة الإدارية الفعّالة. وعلى الرغم من أنّ هذه النتائج لا تعني بالضرورة وجود توافق معياري أو إمبريقي بين الدولة العربية القائمة والنموذج الفيبري، فإنها تُظهر مدى رسوخ هذا النموذج في المخيال السياسي العمومي لدى الجمهور العربي، بوصفه تصورًا مرجعيًا لما "ينبغي" أن تكون عليه الدولة. إلى جانب ذلك، يتناول أمنكاي مجموعة من المعتقدات والتفضيلات المرتبطة بطبيعة العلاقة بين الدولة والنظام الحاكم، مسلطًا الضوء على الكيفية التي يميّز بها المواطنون (أو لا يميّزون) بين هذين المفهومين. ويفحص أيضًا مستويات دعم فكرة الدولة القومية االعربية الجامعة، ودعم فكرة الدولة الإسلامية الدينية، مقدّمًا تحليل موجزًا للعوامل المحِّدِدة لهذه المواقف والتصورات. وباعتماد هذه المقاربة، لا تكتفي الدراسة بتوسيع فهمنا لتصورات المواطنين العرب للدولة، بل تضيف بعدًا اجتماعيًا ومعياريًا أساسيًا إلى النقاش بشأن الدولة العربية، يربط بين البنى المؤسسية من جهة، والتوقعات الشعبية من جهة أخرى. ثالثًا، أعادت الانتفاضات العربية إلى الواجهة نقاشاٍتٍ واسعةً بشأن تراجع أدوار الدولة في توفير الحماية الاجتماعية وخدمات الرفاه في عدد كبير من دول المنطقة، وهو نقاش تناولته أدبيات متعددة ركزت على التحولات البنيوية في العقد الاجتماعي بين الدولة والمجتمع24. وفي هذا السياق، تنطلق ميلاني كاِمِت في دراستها، "الاقتصاد السياسي للدولة العربية"25، من هذا المسار البحثي لُتُوسَّعَه وتعزَّزَه، من خلال تحليلها للتباين الواضح في مسارات تطور الدول العربية، مع إيلاء الاختلافات المتزايدة اهتمامًا خاًّصًا في أنماط الرفاه الاجتماعي وأنظمته بين الدول ذات الدخل المرتفع من جهة، والدول المتوسطة الدخل، أو المنخفضة، من جهة أخرى. وُتُظهر كاِمِت أنّ الدول العربية لم تسلك مسارًا تنمويًا واحدًا أو متجانسًا، بل شهدت تباعدًا متزايدًا في نماذج تدخّل الدولة الاجتماعي والاقتصادي. ففي حين تمكّنت مجموعة من الدول الغنية، ولا سيما تلك التي تمتلك موارد مالية كبيرة، من الحفاظ على مستويات مرتفعة نسبيًا من الإنفاق الاجتماعي وتوفير خدمات الرفاه، فإنها نجحت، في الوقت نفسه، في تطوير قطاعاتها الخاصة وتعزيز دور السوق من دون التخلي الكامل عن التزاماتها الاجتماعية تجاه المواطنين. ويعكس هذا النموذج قدرة هذه الدول على إعادة صياغة دور الدولة بطرائق تضمن الاستقرار الاجتماعي وتعزز الشرعية السياسية. وفي المقابل، تكابد دول أخرى، خاصةًالدول التي تعاني محدودية الموارد أو ضغوطًا مالية وهيكلية حادة، تحديات جسامًا، دفعتها إلى الحدّ من الإنفاق على الرفاه الاجتماعي، وتقويض برامج الدعم والحماية الاجتماعية، من دون أن تنجح بالقدر نفسه في بناء أسواق خاصة قوية أو دينامية قادرة على خَْفْض هذا التراجع. وقد أسفر هذا الوضع عن تعميق الهشاشة الاجتماعية، وزيادة التوترات بين الدولة والمجتمع، وإضعاف قدرة الدولة على الحفاظ على شرعيتها. وفي المحصلة، أفضت هذه الاختلافات إلى أشكال متباينة من الدولة ومسارات مختلفة بوضوحٍ في علاقات الدولة بالمجتمع عبر العالم العربي، تتحدد ملامحها في تفاعل معقد بين الموارد الاقتصادية، وسياسات الرفاه، وقدرة الدولة على إدارة التحول الاقتصادي والاجتماعي في مرحلة ما بعد انتفاضات الربيع العربي. وفي حين تركز الدراسات الثلاث السابقة على الديناميات التي تعمل داخل الحدود الترابية للدولة، وعلى أنماط التفاعل بين الدولة والمجتمع، فإنّ كثيرًا من الحجج المطروحة فيها تنطوي ضمنيًا على فكرة أساسية مفادها أنّ فهم الدول والأنظمة في المنطقة لا يكتمل من دون أخذ العلاقات العابرة للحدود في الحسبان. فالدولة العربية لا تعمل في فراغ، بل تتشكّل سياساتها وقدراتها وحدود أدوارها من خلال تفاعلات إقليمية ودولية معقدة تؤثر في بنيتها الداخلية بقدر ما تتأثر بها. في هذا السياق، تأتيي دراسة مي درويش، "تآكل الدولة العربية في السياقات الإقليمية والعالمية"26، لتضع هذا البعد العابر للحدود في صلب التحليل. وتحاجّ بأنّ انتفاضات الربيع العربي خلقت فرصًا لإعادة الاصطفاف السياسي، ألحقت في النهاية ضررًا بالدولة؛ إذ أدّت إلى نقل كثير من وظائفها التقليدية إلى فاعلين من غير الدول. وتؤكد درويش أنّ هؤلاء الفاعلين لا يعملون بوصفهم مجرّد أدوات تابعة للدول أو وكلاء لها، بل يتحركون ضمن نسيج أوسع من الفاعلين السياسيين الإقليميين؛ يتحركون بوصفهم منافسين فعليين للدول على النفوذ والشرعية والتأثير. ومن هذا المنظور، يصبح وجودهم عنصرًا

  1. يانظر مثل: Raymond Hinnebusch, "The Rise and Decline of the Populist Social Contract in the Arab World," World Development , vol. 129, no. 12 (May 2020); Melani Cammett & Ishac Diwan, "The Roll-Back of the State and the Rise of Crony Capitalism," in: Ishac Diwan & Ahmad Galal (eds.), The Middle East Economies in Times of Transition (London: Palgrave Macmillan, 2016).
  2. ينظر في هذا العدد: ميلاني كاِمِت، "الاقتصاد السياسي للدولة العربية"، سياسات عربية، العدد  79 (كانون الثاني/ يناير 2026)، ص.58
  3. ينظر في هذا العدد: مي درويش، "تآكل الدولة العربية في السياقات الإقليمية سياسات عربية والعالمية"،، العدد  79 (كانون الثاني/ يناير 2026)، ص.78

بنيويًا في النظام الإقليمي، لا مجرد ظاهرة هامشية أو استثنائية. وُتُبين درويش كيف أنّ صعود هؤلاء الفاعلين يرتبط ارتباطًا وثيقًا بتراجع قدرة الدول على احتكار أدوات العنف، وعلى بلورة استجابات جماعية وفعّالة للأزمات الإقليمية الكبرى. وتتجلى أهمية هؤلاء الفاعلين من غير الدول بوضوح في تحليلها سلوَكَ الفاعلين الإقليميين منذ شنّ إسرائيل حربها الإبادية على غزة، في أعقاب عملية "طوفان الأقصى" في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023. ففي ظل عجز الفاعلين الدولتيين، سواء المنضوين إلى ما يُعرف بمحور المقاومة أو خارجه، عن صياغة ردّ فعّال ومؤثر في السياسات الإسرائيلية، برز دور الفاعلين من غير الدول بوصفهم الفاعلين الأساسيين الذين شكّلوا أنماط المقاومة ووجّهوا مساراتها. غير أنّ هذا الدور، على الرغم من مركزيته، جاء مصحوبًا بتكاليف بشرية وسياسية وأمنية باهظة. تقدّم هذه الدراسات الأربع، مجتمعةً، طرائق جديدة لفهم الدولة في العالم العربي بعد الانتفاضات الشعبية، سواء من حيث إعادة تصوّر الدولة نفسها، أو من حيث فهم مشاعر المواطنين وتصوراتهم لها وللأنظمة الحاكمة في المنطقة. وتسلّط كذلك الضوء على الكيفية التي تتباين بها استجابات الدول لتحديات سياسية واقتصادية داخلية متشابهة، وعلى أثر الانتفاضات الشعبية والصراعات الجيوسياسية العنيفة التي أعقبتها في توازن الوظائف بين الدولة والفاعلين من غير الدول. يحدونا الأمل في أن يشكّل هذا العدد الخاص، والمشروع الأوسع الدولة العربية بعد الانتفاضات الذي يندرج فيه، كتاب الذي أشرنا إليه أعلاه، مساهمة مجزية "تلقي الضوء على تعقيدات الدولة في العالم العربي، وتنير الطريق أمام مزيد من الأبحاث في هذا الموضوع المهم والراهن"27، وتدفع نحو تعميق النقاشات النظرية والإمبريقية بشأن الدولة بوصفها "ُعُقَدَة الُعَُقَد" في شبكةٍ من المفاهيم/ الظواهر المتعددة الأبعاد التي لا يقوم الاجتماع السياسي الحديث إلا بها؛ فعندها تنعقد خيوط المجتمع والديمقراطية والمواطنة والهوية والأمّة والتنمية والأمن وهلم جرّا، ومنها تستمد هذه المفاهيم معناها وحدودها وإمكانات تحققها. فإذا اختلّت عُقَدَة الُعَُقَد هذه، انفرطت سائر الُعُقد الفرعية وتناثرت خيوطها.

المراجع

العربية

20 فبرراير ومآلات التحول الديمقراطي في المغرب. مراد دياني (محرر.) الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2019 أبوشوك، أحمد. الثورة السودانية:)2019-2018(مقاربة توثيقية - تحليلية لدوافعها ومراحلها وتحدياتها. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2021._______ تجربة الانتقال الديمقراطي في السودان:)2021-2019(مشكلات الراهن وتحديات المستقبل. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2024 أمنكاي، عبد الكريم. '"الدولة العربية' في أعين مواطنيها: تحليل سياسات عربية للاتجاهات الفردية.". العدد  79 (كانون الثاني/ يناير.)2026 بشارة، عزمي. الثورة التونسية المجيدة: بنية ثورة وصيرورتها من خلال يومياتها. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2012._______ سورية: درب الآلام نحو الحرية، محاولة في التاريخ الراهن. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2013._______ ثورة مصر: ج 1، من جمهورية يوليو إلى ثورة يناير. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2016._______ ثورة مصر: ج 2، من الثورة إلى الانقلاب. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2016._______ مسألة الدولة: أطروحة في الفلسفة والنظرية والسياقات. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2023._______ الدولة العربية: بحث في المنشأ والمسار. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2024 تجربة الانتقال الديمقراطي في تونس 2020-2010: معضلات التوافق والاستقطاب. مهدي مبروك (محرر.) الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2021

  1. Bishara.

الثورات العربية: عسر التحول الديمقراطي ومآلاته. محمد جمال باروت (محرر.) الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2018 حراك 22 فبرراير 2019 في الجزائر: انتفاضة واحدة ومقاربات شَّتَى. محمد حمشي (محرر.) الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2023 حمشي، محمد. "المجتمع المدني والدولة في الجنوب الكبير." تبنُّين. مج 12، العدد 38 (خريف.)2021 درويش، مي. "تآكل الدولة العربية في السياقات الإقليمية والعالمية." سياسات عربية. العدد  79 (كانون الثاني/ يناير.)2026 الدولة العربية المعاصرة: بحوث نظرية ودراسات حالة. محمد حمشي ومراد دياني (محرران.) الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2023 الشباب والانتقال الديمقراطي في البلدان العربية. عبد الفتاح ماضي وعبده موسى البرماوي (محرران.) الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2019 صلّوخ، باسل. "التنظير للدولة العربية: مسارات وزمنيات وتصوّرات سياسات عربية بديلة.". العدد  79 (كانون الثاني/ يناير.)2026 الدولة العربية ومعضلات التشكل المتأخر صولي، أدهم.. ترجمة مجد أبو عامر ويارا نصار. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2024 العلم والسياسة بوصفهما حرفة فيبر، ماكس.. ترجمة جورج كتورة. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2011 كاِمِت، ميلاني. "الاقتصاد السياسي للدولة العربية." سياسات عربية. العدد 79 (كانون الثاني/ يناير.)2026 ما بعد الثورات العربية: فض مركزية نظرية التحول الديمقراطي. عبد الوهاب الأفندي وخليل العناني (محرران.) الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2021 يمن الثورة والديمقراطية والحرب: التحولات السياسية وآمال بناء الدولة. بكيل الزنداني وعبده موسى البرماوي (محرران.) الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2023

الأجنبية

Allinson, Jamie.  The Age of Counter-Revolution: States and Revolutions in the Middle East. Cambridge: Cambridge University Press, 2022. Brownlee, Jason, Tarek Masoud & Andrew Reynolds.  The Arab Spring: Pathways of Repression and Reform. Oxford: Oxford University Press, 2015. Chalcraft, John.  Popular Politics in the Making of the Modern Middle East. Cambridge: Cambridge University Press, 2016. Diwan, Ishac & Ahmad Galal (eds.). The Middle East Economies in Times of Transition. London: Palgrave Macmillan, 2016. Heydemann, Steven & Marc Lynch (eds.)  Making Sense of the Arab State. Ann Arbor, MI: University of Michigan Press, 2024. Hinnebusch, Raymond."The Rise and Decline of the Populist Social Contract in the Arab World."  World Development. vol. 129, no. 12 (May 2020). Lynch, Marc (ed.)  The Arab Uprisings Explained: New Contentious Politics in the Middle East. New York: Columbia University Press, 2014. Mako, Shamiran & Valentine M. Moghadam.  After the Arab Uprisings: Progress and Stagnation in the Middle East and North Africa. Cambridge: Cambridge University Press, 2021. Saouli, Adham. The Arab State: Dilemmas of Late Formation. Oxon: Routledge, 2012. Tripp, Charles. The Power and the People: Paths of Resistance in the Middle East. Cambridge: Cambridge University Press, 2013.