التنظير للدولة العربية: مسارات وزمنيات وتصوّرات بديلة **

Bassel F. Salloukh باسل صلّوخ |

الملخّص

تقدم هذه الدراسة مقاربة جديدة متعلقة بالتنظير للدولة العربية بعد الانتفاضات الشعبية عبر خطوتين. ففي خطوة أولى، وعبر تعليق نموذج تشُّك ل الدولة في أوروبا الغربية، ووضع تجربة العالم العربي في حواٍرٍ مع تجارب مناطق أخرى من الجنوب الكبير، تفحص الدراسة تسلسلاٍتٍ ومسارات وزمنيات بديلة لسيرورَت ي تشُّك ل الدولة العربية وبنائها. وبذلك تؤرّخ لعمليتي تشُّك ل الدولة وبنائها في العالم العربي مقارنة بالنموذج الأوروبي الغربي وبمناطق أخرى في الجنوب الكبير. وتحرّرنا هذه الخطوة الأولى من المقارنات الصريحة والضمنية مع النموذج الأوروبي لتشُّك ل الدولة. أمّا الخطوة الثانية، فتستعرض الدراسة تنظيراٍتٍ بديلة للدولة العربية بعد الانتفاضات الشعبية. وُيُظهر تتبّع الافتراضات السببية الكامنة في هذه النظريات مدى اعتمادها على النموذج الأوروبي لتشُّك ل الدولة وبنائها نقطَة انطلاٍقٍ تحليلية ومعيارًا ضمنيًا للمقارنة النقدية. وتعمل هذه المراجعة على تفكيك الافتراضات التي تضعها هذه النظريات حول الدولة، والتمييز بين الدول والأنظمة، وبين الفاعلين الدولتيين وغير الدولتيين، وبين المجاَل ين الخاص والعمومي، وكذلك بين القطاَعَين الرسمي وغير الرسمي. ولا يتمثل هدف هذه الدراسة في نزع الطابع الاستثنائي عن دول العالم العربي فحسب، بل أيضًا، والأهم من ذلك، في الاستفادة من أعمال غورميندر بهامبرا، في "تفكيك" فهمنا لعمليتي تشُّك ل الدولة وبنائها في العالم العربي، ومن ثم الإسهام، اقتداءً بوالتر منيولو، في إنتاج معرفة تخدم كلًا من "إعادة التأسيس الإبستيمي" لمسارات تاريخية وإمكانات بديلة ش. كلمات مفتاحية: الانتفاضات العربية، الدولة العربية، تشُّك ل الدولة، بناء الدولة، الإمبراطورية العثمانية، الاستعمار، ما بعد استعماري، الجنوب الكبير، الإمبريالية. This study advances a new approach to theorizing the Arab state after the popular uprisings. It does this in two steps. Suspending the western European model of state formation and bringing the Arab world's experience in conversation with other parts of the Global South, it examines alternative state formation and state building sequences, trajectories, and temporalities in the making of Arab states. It thus historicizes the process of state formation and state building in the Arab world as compared to the western European one and other regions in the Global South. This first step liberates us from explicit and implicit comparisons with the European model of state formation. The second step surveys alternative theorizations of the Arab state after the uprisings. Tracing the causal assumptions embedded in these theories reveals how much they rely on the European model of state formation and state building as an implicit point of analytic departure and critical comparison. This survey unpacks the assumptions these theories make about the state, the difference between states and regimes, state and non-state actors, the private and public realms, and the formal and informal sectors. The objective of this study is to not only de-exceptionalize states in the Arab world, but, more importantly, borrowing from Gurminder Bhambra, 'unmake' our understandings of state formation and state building in the Arab world and thus contribute, following Walter Mignolo, to a knowledge production that serves a form of 'epistemic reconstitution' of alternative historical trajectories and possibilities. Keywords: Arab Uprisings, Arab State, State Formation, State Building, Ottoman Empire, Colonialism, Postcolonial, Global South, Imperialism.

Theorising the Arab State: Alternative Trajectories, Temporalities, and Conceptions

مقدمة

في الوقت الراهن، غالبًا ما يُطلق على هذه الدول التابعة اسم "الدول الفاشلة"؛ وهذا الوضع يبرر المزيد من التدخّل العسكري غير الرسمي والتكيّف الاقتصادي مع الاقتصاد العالمي. لا يشير سوى عدد ضئيل جدًا من الإمبرياليين الليبراليين الجدد إلى أنّ "الدولة الفاشلة" هي ذاتها نتاج موجات من "الَّنَسخ" الإمبراطوري الرسمي وغير الرسمي لبناء الدولة الوطنية من جانب، وكفاح الشعوب المقاومة التي تحلم بابتداع أشكالها الخاصة من الروابط السياسية وحكم نفسها بطرائقها الخاصة من جانب آخر.

جيمس تالي1 يذكّرنا جيمس تالي، في هذا الاقتباس، بأنّ المشروع الإمبراطوري يقع في القلب من سيرورة نشوء نظام الدول في الجنوب الكبير وتطوره. غير أّن دور الاستعمار الذي يتعدّى دوره المعترف به في إنشاء دول جديدة، ورسم حدودها الترابية، والتأثير في قدراتها، ليمتد إلى صوغ أشكال الدولة التي برزت في النهاية، لا يزال قيد التنظير2. وهذا هو الحال خصوصًا في دراسات الدولة العربية، حيث تفترض موجات الأبحاث السابقة، بصفة ضمنية أو صريحة، تصورًا مؤسسيًا فيبريًا جديدًا للدولة وقدراتها3؛ أي دولة متماسكة تستطيع التغلغل في المجتمع وضبطه من خلال بيروقراطية منركزية مستقلة وقادرة على احتكار العنف في إقليم ترابي معّي4؛ وتأثير هذا التصوّر، كما يؤكّد توبي دودج، "لا يأتيي من تكرار توظيفه الصريح فحسب، بل أيضًا، وهو الأهم، من الدور الذي يؤدّيه في توفير نقطة انطلاق للمقارنة، الضمنية غالبًا، من أجل تصنيف دول تفتقر إلى تراتبيات الإدارة والسيطرة المؤسسية الهرمية التي يرسم فيبر معالمها"5.ر ولقد فُرِّس الانحراف عن هذا النموذج العالمي، العقلاني - القانوني، من خلال سردية الغياب؛ أي غياب الشرعية6، أو غياب "أي حياة سياسية"7، أو غياب سلطات سياسية قابلة للحياة خارج معايير البنى البيروقراطية المتطورة الحديثة8، أو غياب "هيمنة أيديولوجية (بالمعنى الغرامشي) تمكّنها من إقامة كتلة اجتماعية 'تاريخية' تقبل بشرعية الطبقة الحاكمة"9. وتفترض المقاربات الماركسية10 أيضًا نموذجًا غربيًا معياريًا للعلاقة بين الدولة والطبقات الاجتماعية، وتحاول أن تلائم معه الدولة العربية11.

ثمة أدبيات متزايدة تتحدى هذه القراءة لماكس فيبر، وتعترض على نشر مفهوم الدولة البيروقراطية المثالية واستخدامه في الجنوب الكبير12. فعلى المستوى النظري، تقوم هذه الصورة المؤسساتية الفيبرية الجديدة للدولة على قراءة انتقائية له، تتسم ب "التركيز على قدرات الدولة"13. ولكي نقتبس من فيليب لوت ثولتز ونيكولا ليِمِ إيبير بشيء من الإسهاب، ينصبّ التركيز هنا على "مؤسسات الدولة وقدراتها، خصوصًا من خلال الإشارة إلى 'الكادر الإداري' والحكومة. وتشِّكِل الأبعاُدُ المادية[...]مثل توفير الأمن ومجموعة من الخدمات العامة الأخرى، وكل ذلك على أساس احتكار الدولة للعنف، المعايير التي يمكن على أساسها تقييم كل دولة. في هذا السياق، يُفهم جهاز الدولة بوصفه كيانًا منفصلًايمكن تمييزه بوضوح من المجتمع"14. والنتيجة هي صورة أو مفهوم للدولة الحديثة مع مجموعة من الافتراضات الأساسية لا مفّر منها، أوجزها ستاين سوندستال إريكسن بقوله: "تحتكر الدولة العنف، وتسيطر على أرضها وقدرتها على توفير الخدمات، كما تفترض الفصل بين الدولة والمجتمع من ناحية وبين الداخلي والخارجي من ناحيةٍ أرخرى. وتفترض، علاوةً على ذلك، وحدة الحاكم والمحكومين، حيث تعّب أفعال الدولة عن الإرادة الجماعية ل 'الشعب"'15. أمّا على المستوى الإمبريقي، فنجد أنّ الشكل المسيطر للتنظيم السياسي الذي ساد أولًا في أوروبا الغربية على جميع المنافسين االتاريخيين الآخرين، سواء أكانوا دول -مدنًا أم إمبراطوريات أو لورديات  Lordships 16، وُعُِّرَِفَ لاحقًا بأنّه "كيان سياسي مركزي متمايز يحظى باحتكار العنف على إقليم ترابي محدد"17. وكان فيبر أول من أسماه "الدولة الحديثة"، ثم دعاه تشارلز تيلي "الدولة الوطنية"، ليعيد راينهارد بنديكس تسميته "الدولة-الأمة"18، ثم أطلق عليه مؤخرًا اسم "الدولة الترابية ذات السيادة"19. إنّ هذا الشكل السائد من التنظيم السياسي، الذي انتشر أبعد من أوروبا مع الاستعمار والاستيطان الأوروبَييَن في القرنين السادس عشر والسابع عشر، وُصُِّدِر لاحقًا إلى بقية العالم بدءًا من القرن التاسع عشر20، لا يمكن فصله عن تشُّكُل الدولة الخاص به وتاريخ بنائها، ومساره، وزمنيته. إنه تاريخ كانت فيه الحروب والاستعدادات للحرب - في بيئة جيوسياسية تنافسية سادت أوروبا الغربية في بدايات العصر الحديث - العوامَلَ الأساسية التي جعلت الدولة الوطنية الشكَلَ المهيمن للتنظيم السياسي، والتي دفعت إلى توسّع قدراتها البيروقراطية وترشيدها21. ولذلك، فإنّ افتراض أنّ هذا النموذج من التنظيم السياسي يمكن فرضه بلا أي إشكاليات على أجزاء أخرى من العالم هو ضرب من المركزية الأوروبية على الأقل. وكما يؤكد وائل حلاق، فإنّ نموذج الدولة الحديثة هذا أو صورتها المستمدة من تاريخية التجربة الأوروبية في تشُّكُل الدولة وبنائها لا يمكن أن "يتملص من الزمنية"، لأنّ هذه الدولة "نتاج تاريخي خاص لموقع ثقافي معّين: أوروبا الوسطى والأطلسية، وليس أميركا اللاتينية، ولا أفريقيا، أو آسيا"، لها "أركيولوجيتها وهندستها وبنيتها وتنظيمها وتكوينها العام"22.

أخيرًا، وعلى المستوى الفكري، يأخذ نموذُجُ الدولة الحديثة، كمسلماتٍ، مجموعةً من الظروف التي تقف في الخلفية، وأعني "المخيال الاجتماعي الحديث" الغربي بفهمه الخاص للنظام الأخلاقي للمجتمع على أساس ثلاثة تحولات كبيرة حددها تشارلز تايلور23: مجتمٌعٌ منظم خارج السياسة في اقتصاد (السوق)، ومجتمٌعٌ بوصفه "شعبًا" أو دولة المواطنة، ونشوء المجال العمومي مج لًاعلمانيًا خارج السياسة. وكما جادل عزمي بشارة في كتابه مسألة الدولة24، وهو مسح شامل بشأن نشوء الدولة الحديثة، وفي كتابه الدولة العربية: بحٌثٌ في المنشأ والمسار25، فهذا الطرح ليس جد لًاحول اختلاف أنطولوجي بين مجتمعات تعاقدية، تقوم على فكرة العقد الاجتماعي، وغيرها من المجتمعات القبلية أو الجماعتية ما قبل الحداثية. أضف إلى ذلك أنّ هذا ليس طرحًا حول "تعدديات غير قابلة للمقايسة" Incommensurables والمستندة إلى دعوات أصلانية ونسبية26، بل إنّ الأمر يتعلق بهذا التباين الكبير في مسار تشُّكُل الدولة بين الغرب والعالم العربي. تنطلق عمليتا تشكّل الدولة في كلتا الحالتين من الأصول العنيفة نفسها المتمثّلة في مركزة السلطة، وما تولّده من أشكال متنوّعة من المقاومة. غير أنّ مسار التباين يبدأ في القرن السابع عشر، حين اتخذ طريق بناء الدولة في ظلّ الإمبراطورية العثمانية مسارًا مختلفًا عن ذلك الذي سلكته أوروبا الغربية. وقد حدّدت ليزا بليدز ثلاثة اختلافات رئيسة ذات آثار عميقة، ففي الإمبراطورية العثمانية: 1. كانت السلطة المطلقة للسلطان تعني عدم وجود "هيئة تمثيلية، كما في أوروبا الغربية، يُطلب منها التداول في السياسات أو إقرار أفعال الدولة"، 2. أدّى التجنيد القسرري للجنود الذكور إلى نشوء نخبة عسكرية تفتقر إلى "قاعدة مستقلة من السلطة أو الثروة"، 3. استخدام نظام منح الأراضي على غرار نظام الإقطاع حيث تسيطر الدولة على الأرض الزراعية وحيث يؤدي تناوب الموظفين المسؤولين عن الأرض إلى غياب طبقة النبلاء27. الدولة العربية ويتتبّع بشارة، في كتاب، كيف أثّرت هذه السمات البنيوية للإمبراطورية العثمانية في إرث تشكّل الدولة لاحقًا، على نحوٍ انحرف بها عن مسار تجربة أوروبا الغربية. لقد خلق حقّ النخب الالتزام مراكز سلطة المحلية في تحصيل الضرائب من خلال نظام محلية متعددة - استخدمت عائدات الضرائب لتمويل سلطتها الخاصة - ولم تتحول أبدًا إلى "طبقة أرستقراطية عثمانية" يمكنها أن تحاسب السلطان وتوازن سلطته، كما كان الحال مع الأرستقراطية الإنكليزية، على سبيل المثال28الالتزام. كما أنّ نظام لم يجِرِ "دمجه في كيان أكبر يمكن عندها أن تستولي عليه الدولة"29. وبالمثل، فإن ظهور الأوليغارشية الزراعية (أو مّل اك الأراضي) المقيمين في المدن، بدءًا من القرن الثامن عشر، ورغبة هذه الأخيرة في حماية المناطق الريفية والسيطرة عليها، جعلها تعتمد على السلطات المركزية. وقد حال ذلك بدوره دون نشوء "مدن حرة كتلك التي عرفتها أوروبا، والتي كانت قادرة على الدفاع عن نفسها بنفسها، أو بالتحالف مع الملك أو أحد الأمراء الأقوياء، وشَّكَلت مصدرًا لتقاليد المواطنة بوصفها واجبًا، بل امتيازًا متمثلًافي المشاركة في الشأن العمومي قبل أن تكون حقًا"30. بخلاف ذلك، فإنّ جميع التحولات المادية والفكرية، المتمثّلة في تطور الَمَلَكيات السلالية في الغرب، وظهور طبقة من نبلاء الأرض مقيمة في المناطق الريفية، وظهور نوع من الفكر السياسي انعكس في "نظريات" العقد الاجتماعي التي عملت أيديولوجيًا على تأسيس شرعية الدولة وسيادتها31، والثورات العلمية والصناعية وما صاحبها من ظهور نمط رأسمالي للإنتاج والاستهلاك32، جميعها عوامل أدت إلى بروز "المخيال الاجتماعي الحديث" المذكور أعلاه، الذي تناوله تايلور33، وساهمت لاحقًا في تحرير السلطة المركزية ودمقرطتها وتوطيد مؤسسات الدولة والسلطة في الغرب. وقد ساهمت نظريات العقد الاجتماعي، ونشوء اقتصاد السوق الرأسمالي، وظهور الطبقة الوسطى في المدن، في تعميم الفكرة التي مفادها أنّ الأفراد الأحرار قادرون على إطاعة القوانين التي ساهموا في تشريعها أو اختيار من شرّعها، وفي ترسيخ فكرة أنّ على الدولة واجبات تجاه الشعب لأنها نتاج تعاقد34.

يمكن، بالعودة إلى تاريخ التجربة الأوروبية في نشوء الدولة، أن نحدد مصدرًا آخر لهذا الاختلاف الكبير. تؤكد غورميندر بهامبرا أنّ النمط المثالي للدولة الحديثة المثالية "الذي قامت عليه دول ما بعد الاستعمار"35، والتي تقاس عليه جميع الاستنساخات إمبرريالية اللاحقة، هو في الواقع دولة؛ ف "الفترة التي ينظر إليها على أنّها تؤدي إلى نشوء الدولة الحديثة هي بالتحديد فترة التوسع التي شهدت هذه الدول وهي توطد سيطرتها على أجزاء أخرى من العالم. لكن هذه السيطرة 'الخارجية' لا يَُنَّظَر لها على أنّها جانب تأسيسي للدولة التي تَُقَّدَم بمصطلحات 'وطنية'، بدلًامن فهمها على أنّها دولة إمبريالية"36. في الواقع، يرتكز انتصار الدولة الحديثة المطلقة والميكانيكية واللاشخصية Impersonal، بوكالتها المصطنعة - "أول آلية حديثة بالأسلوب العظيم"37، التي يمتد التنظير لها حتى فكر توماس هوبز - على جميع الأشكال الأخرى، ويضرب بجذوره في انتمائها المزدوج إلى الإمبريالية وتراكم رأس المال38. ومن هذا المنطلق، فإنّ هذا التمرين في تأريخ تجربة أوروبا في نشوء الدولة يسلّط الضوء على الطابع الطارئ لشكل الدولة الحديثة المفروض على مجتمعات الجنوب الكبير. ويتيح لنا الكشف عن العنف الذي واجهته هذه السيرورة، بسبب "تعدد الأشكال المحلية للاقتصاد والسياسة وقانون 'العرف' والتحضر" التي سبقت التجربة الاستعمارية39؛ وهو عنف سلب ما يقارب "ثلثي سكان العالم[…]تاريخهم، ومعه طرائق وجودهم"40. ومن شأن هذا التركيز على "سيرورات مختلفة لنشوء الدولة والظروف التاريخية المكوّنة لمختلف دول ما بعد الاستعمار" أن يسمح لنا بالنظر في أشكال مختلفة للدولة، وما يترتب عليها من تداعيات عالى إمكانيات بناء الدولة مستقبل41. ويفتح هذا التأريخ لتجربة أوروبا في تشكيل الدولة فضاءً معرفيًا لتحدي "الافتراضات الأوروبية المركزية للمقاربات السائدة في بناء الدولة وصناعة الأمة التي اعتبرت الدول القومية Nation-states الأوروبية نماذج عالمية"42. وهذا موقف "نقدي حيال الطريقة التي اتخذت بها معظم نظريات الدولة الدوَلَ في 'البلدان الرأسمالية المتقدمة' نموذجًا عامًا للدولة الرأسمالية، بينما جرى تصوير الدول في 'المجتمعات الرأسمالية الطرفية' بوصفها نسخًا ناقصةً من هذا النموذج"43؛ وهو كذلك موقف نقدي حيال الهيمنة التي تمارسها "النماذج الغربية لتشُّكُل الدولة"، والتي تفترض أنّ "الدولة القومية هي الطريقة الوحيدة والخيار الحتمي، وليست مجرد محاولة واحدة من بين عدة محاولات لبناء الدولة"44، و"أنه لم يكن هناك أي احتمال لوجود شيء آخر، وأنّ السياسة كانت إلى الأبد مرادفة لهذه الدولة القومية"45؛ أو، وعلى نحو مماثل، أنّ "الدولة القومية هي بطريقة ما الغاية القصوى للدول"46. وُيُعدّ هذا موقفًا نقديًا لأن "الدولة القومية الحديثة، على الرغم من أنها قد تظل الشكل السائد للسلطة السياسية والخيال السياسي في العصر المعاصر، فإنها اتخذت

أشك لًامحددة متعددة في أنحاء العالم، من دون أن تلغي أو تتجاوز تمامًا لغات السلطة والهيمنة العامة الأقدم"47. وبناءً على وجهة النظر هذه، فإنّ الإشكاليات التي تعانيها دول ما بعد الاستعمار ليست متجذرة في إخفاقاٍتٍ أو في انحرافاٍتٍ عن نموذج أوروبي للدولة القومية، تُقاس عليه دول الجنوب الكبير48. ومن الأحرى القول إنّ هذه الإشكاليات والأزمات، كما تقترح لبنى الأمين، مقتبسةً من عائشة زاراكول49، هي نتيجة "تبنّي ترتيبات السيادة الوستفالية في عالم شهد 'ترتيبات سيادة بديلة'[...]في معظم تاريخه"50، ونتيجةً لاعتناق هذه الدول "سبيلًاآخر لإقامة الدولة"، كما تؤكّد ليزا بلايديس51. فدراسة كارين باركي لأسلوب الإمبراطورية العثمانية الخاص "الذي انتهجته نحو مركزية الدولة"52، وكيف أنّ إدارتها للتنوع قبل بدء التنظيمات كانت أشبه "بمعجزِةِ تحكٍمٍ مرٍنٍ في التعقد"53، لهي أمثلة حساسة لهذه المسارات والترتيبات البديلة الأخرى. إذا ما أخذنا في الحسبان وجهة النظر النقدية هذه، فإنّ السؤال المطروح هو: كيف ننظّر لمسارات نشوء الدولة وبنائها وزمنياتها في العالم العربي، على نحو يتحاشى، عن قصد، اتخاذ النموذج الأوروبي نقطة انطلاق تحليلية ومقاِرِنة نقدية؟54 وكيف يمكن تصوّر شكل مختلف للدولة بوقائعه وإمكاناته السياسية المختلفة بعد الاستقلال؟ أقدّم هنا تمييزين تحليليين يتيحان مثل هذا النوع من التنظير البديل. يتمثل الأول في تمييزي بين ما يسميه جورج سورينسن "الشكل المؤسسي للدولة ذات السيادة" و"جوهر" هذه الدولة55؛ ذلك أنّه على الرغم من أنّ "الشكل المؤسسي للدولة ذات السيادة كان الشكل المسيطر تمامًا للتنظيم السياسي منذ سيرورة تصفية الاستعمار"56، فإنّ هذه السيطرة "هي سيطرة ذات شكل مؤسسي، لا جوهر مؤسسي"57. وفي المقابل، "ُتُظهر الدول في الواقع قدرًا كبيرًا من التنوّع من حيث الجوهر الاجتماعي والاقتصادي والسياسي المحلي وأي جوهر آخر"58. وأستخدُمُ هذا التمييز المفهومي لُأ بّي نكيف أّن التنوّع في مسارات تشُّكُل الدولة وزمنيات بنائها يتيح التنظير لشكل دولةٍ مختلف عن ذلك الذي أنتجته التجربة الأوروبية، وذلك بالتركيز على جوهر الدولة العربية القائمة بعد الاستعمار بغضّ النظر عن الهندسة العالمية لحالة الدولة ذات السيادة Statehood.Sovereign وأمّا التمييز الثاني، فهو تمييزي بين سيرورتين؛ هما تشُّكُل الدولة، وبناؤها. اعتمادًا على تقاليد علم الاجتماع التاريخي، يعرّف سيباستيان مازوكا تشُّكُل الدولة بأنه "السيرورة التي يجري من خلالها توطيد الإقليم الترابي واحتكار وسائل الإكراه في داخله"، بينما يشير بناء الدولة إلى "تطوير قدرة الإدارة المركزية على توفير السلع العمومية بكفاءة متزايدة وبطريقة عادلة إقليميًا"59. يتيح هذا التمييز لمازوكا تطوير نظرية عامة في تشُّكُل الدولة وبنائها، من خلال مقارنة أوروبا الغربية بأميركا اللاتينية. ففي أوروبا الغربية، تشُّكُل الدولة عن طريق الحروب هو "السيرورة المشتركة لتوطيد الإقليم واحتكار العنف حين لم تكن قد نشأت بعد أي دولة حديثة أخرى، وحين كانت الإقطاعية هي نمط الإنتاج السائد وكانت الماركنتيلية هي السياسة الاقتصادية الخارجية النمطية"60. في هذه الحالة، "تطور تشُّكُل الدولة وبناؤها يدًا في يد"61؛ إذ سعى المحاربون لزيادة المساحة الواقعة تحت سيطرتهم؛ لأنهم كانوا يحّضر ون للحرب على الدوام. لقد كانوا، إذًا، صنّاع حرب62. بخلاف ذلك، يجري في أميركا اللاتينية "تشُّكٌُلٌ متأخٌرٌ للدولة"، تقوده التجارة "تحت رعاية القوى العظمى العالمية ورأسمالية السوق"، وفي "عالم تسكنه دستة على الأقل من الدول الحديثة"63. وفي هذه الحالة المختلفة، جرى "فصل" تشكّل الدولة عن مسار بناء الدولة64. واتخذ الساسة قرارات "لدمج وحدات دون وطنية مستقبلية أو استبعادها على أساس نتائج التحالفات المتوقعة من تضافر مناطق مختلفة"؛ لأن هدفها الرئيس كان توليد نمو يقوده التصدير. لقد كانوا في هذه الحالة "صنّاع سوق"65. علاوة على ذلك، يقلل مازوكا جازمًا من أهمية تأثير

  1. International Relations (London: Palgrave, 2001), pp. 341 - 342.
  2. Ibid., p. 8.

الإرث الاستعماري في سيرورة تشُّكُل الدولة في أميركا اللاتينية، بحجة أنّه "ضعيف ويقتصر على حالتين (المكسيك وكولومبيا")66. وعلى منوال ذلك، يعرف فرانشسكو غارفياز وإميلي سيلارز، القادمان من حقل الاقتصاد السياسي التاريخي، بناَءَ الدولة بأنّه "وضع القوة والإيرادات تحت سيطرة سلطة مركزية في دولة قائمة، بدلًامن ظهور دول جديدة"؛ بما "يشمل المركزية السياسية وزيادة موارد الحكومة المركزية وقوتها"67. وفي كلا التعريفين، يجري تشكيل الدولة وبناؤها "ضمن دولة قائمة." وخلافًا للمقاربات السابقة، أستخدم في هذه الدراسة فهمًاأكثر مرونة للعلاقة بين تشُّكُل الدولة وبنائها. وأقترح أنّ ما يقدّمه العالم العربي هو مساٌرٌ لتشُّكُل الدولة وبنائها مغايٌرٌ لما تبلور في كل من "دول الجيل الأول الحديثة" في أوروبا الغربية ودول "الجيل الثاني" في أميركا اللاتينية68. وفي المقابل، فإن ما نلحظه في العالم العربي هو علاقة موزعة زمنيًا وغير خطية بين تشُّكُل الدولة وبنائها. وفي وسعنا أن نطلق على هذه العملية - وفقًا لمازوكا - نشوء الجيل الثالث من الدول الحديثة. وبكلمات أكثر دقة، فإنّ عناصر تشُّكُل الدولة (احتكار العنف) وبناء الدولة (المركزة) تتداخل بدءًا من التنظيمات العثمانية في عام 1839، قبل إنشاء الدول الحديثة بفترة طويلة، مع فجوة زمنية تفصل هذه الديناميات عن عملية توحيد الإقليم الترابي التي جرت بمشيئة استعمارية. تتفادى هذه المقاربة التنظير لسيرورة تشُّكُل الدولة وبنائها في العالم العربي انطلاقًا من التجربة الأوروبية69. وعلاوة على ذلك، فإنّ افتراض سيرورة نشوءٍ للدولة أكثر مرونة70 تسمح بالتمييز المفهومي بين تشُّكُل الدولة وبنائها، بدلًامن افتراض أنّ "الدولة العربية لا تزال في سيرورة نشوء باكر، وهي سيرورة يمكن أن تأخذ الدولة إمّا في اتجاه التوطيد وإضفاء الشرعية وإما في اتجاه التشويه"71. تمضي الدراسة عبر خطوتين. تتمثّل الخطوة الأولى في تأريخ عملية تشُّكُل الدولة وبنائها في العالم العربي، وذلك مقارنةً بتجربة أوروبا الغربية ومناطق أخرى من الجنوب الكبير. ويشمل ذلك دراسة تأثير الإصلاحات العثمانية والحكم الاستعماري في سيروريَت يتشُّكُل الدولة وبنائها في العالم العربي. وتحرّرنا هذه الخطوة الأولى من المقارنات الصريحة والضمنية مع النموذج الأوروبي لتشُّكُل الدولة. أمّا الخطوة الثانية، فتستطلع التنظيرات البديلة للدولة العربية بعد الانتفاضات الشعبية؛ إذ يكشف تتبع الافتراضات السببية المتضَّمَنة في هذه النظريات إلى أي حدّ تأخذ النموذج الأوروبي لتشُّكُل الدولة وبنائها نقطةً ضمنيةً لانطلاق التحليل والمقارنة النقدية72. ويكشف ذلك الصور التي تحملها هذه النظريات عن الدولة، وتاليًا الافتراضات التي تطرحها عن الدولة، والفرق بين الدول والأنظمة، وبين الفاعلين التابعين للدولة وغير التابعين لها، والمجاَليَن الخاص والعمومي، والقطاَعيَن الرسمي وغير الرسمي. ولا تهدف هذه الدراسة إلى نزع الطابع الاستثنائي عن الدول في العالم العربي فحسب، بل أيضًا، وهو الأهم، إلى "تفكيك" فهمنا لتشكّل الدولة وبنائها فيه، وذلك استعانةً بغورميندر بهامبرا. وبذلك، تسهم الدراسة، اقتداءً بوالتر منيولو، في إنتاج معرفة تخدم شكلًامن "إعادة التأسيس الإبستيمي" لمسارات تاريخية وإمكانات بديلة.

أولًا: التنظير لمسارات وزمنيات بديلة

إنّ نقطة البداية في تعقّب تأثير نشوء الدولة الاستعمارية في ديناميات بناء الدولة اللاحق، في العالم العربي، هي أن نستعيد في سرديتنا ما يصفه تالي في الاقتباس الافتتاحي، في هذه الدراسة، بأنه "كفاح الشعوب المقاومة التي تحلم بخلق أشكالها الخاصة من الروابط السياسية وحكم نفسها بطرائقها الخاصة." ويشمل ذلك أيضًا أن نستعيد "فاعلية الفاعلين الأصليين الذين صاغوا بأنفسهم مساعيهم نحو إقامة الدولة، وحاولوا في الوقت نفسه الاستفادة من التوسع الاستعماري ومقاومته"73. ومن هذا المنظور، فإن تشُّكُل الدولة في العالم العربي صاغته أطوار زمنية وديناميات متعددة لكنها متداخلة. لقد صاغت تشُّكَُلَ الدولة، في جزء منه، التحولاُتُ الاجتماعيُة والاقتصاديُةُ والعسكريُةُ والقانونيُةُ التي شهدها القرن التاسع عشر، وكانت مدفوعة بالإصلاحات العثمانية وبالسياسات الاستعمارية اللاحقة74. وفي الواقع، صنعت التنظيمات العثمانية

  1. Ibid., p. 400.
  2. Francisco Garfias & Emily A. Sellars, "State-Building in Historical Political Economy," in: Jeffery A. Jenkins & Jared Rubin (eds.), The Oxford Handbook of Historical Political Economy (Oxford: Oxford University Press, 2024), p. 211.
  3. Mazzuca, p. 388.
  4. Dietrich Jung, "War and State in the Middle East: Reassessing Charles Tilly in a Regional Context," in: Lars Bo Kaspersen & Jeppe Strandsbjerg (eds.), Does War Make States? Investigations of Charles Tilly's Historical Sociology (Cambridge: Cambridge University Press, 2017), pp. 221 - 242.
  5. Blaydes.
  6. Adham Saouli, "States and State-Building in the Middle East," in: Raymond Hinnebusch & Jasmine Gani (eds.), The Routledge Handbook to the Middle East and North African State and States System , (London: Routledge, 2019), p. 45; Saouli, The Arab State.
  7. Dodge, p. 87.
  8. Saouli, "States and State-Building in the Middle East," p. 3.
  9. الدولة العربية بشارة،؛ عزيز العظمة العلمانية من منظور مختلف، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1992)؛ Lisa Anderson, The State and Social Transformation in Tunisia and Libya: 1830–1980 (Princeton: Princeton University Press, 1986); Lisa Anderson, "The State in the Middle East and North Africa," Comparative Politics, vol. 20, no. 1 (October 1987), pp. 1-18; Selim Deringil, Conversion and Apostasy in the Late Ottoman Empire (Cambridge: Cambridge University Press, 2012).

"ثورة قانونية حقيقية"، تجلت في محاولة تحويل الإمبراطورية مفهومًا ومؤسسيًا، من شكل "الدولة السلطانية" إلى شكل "الدولة المركزية الحديثة"75. لكن هذه كانت "صيرورة تتضمن تناقضًا بين البنية الإمبراطورية المتعددة القوميات، وغير المركزية، وبنية الدولة المركزية القومية الطابع" الحديثة، وهو الأمر الذي كان متاحًا للمصلحين في حقبة التنظيمات، أو "التنظيماتيين"، كما يصفهم بشارة76. ومَّثَل فشُلُ إصلاحات التنظيمات، بسبب الصدام بين هذين النموذَجيَن المختلفين للدولة، فرصة ضائعة حقيقية لمسارات سياسية مستقبلية في العالم العربي. وصاغت أيضًا تشُّكَُلَ الدولة في العالم العربي الجدالاُتُ الفكريُةُ في سنوات النهضة حول نوع الدول التي تحتاج إليها المجتمعات العربية الإسلامية، كي تخرج من موقعها المأزوم في مواجهة الغرب77. مع ذلك، ستكون قصة تشُّكُل الدولة في العالم العربي غير مكتملة، إذا لم نُدرج في تحليلنا "نتيجة المواجهة الاستعمارية" أو "الصراع بين القوى الاستعمارية والحركات المحلية" في السنوات التي تلت مباشرة نهاية الدولة العثمانية. ذلك أنّه "هنا"، كما تلحظ علا الحريري، "في الدينامية بين الصراعات المناهضة للاستعمار والردود القمعية للسلطة الاستعمارية، يمكن أن نتتبع أثر المواجهة الاستعمارية التغييري في العلاقات بين الدولة والمجتمع"78، وفي أشكال الدولة ما بعد الاستعمارية التي ظهرت في وقت لاحق، وتاليًا في إمكانات بناء الدولة بعد الاستقلال. إنّ كون العديد من الشخصيات العربية الرئيسة في هذه الدراما، كانت نتاج إصلاحات التنظيمات، يؤكد الاستمرارية بين هذه الأطوار الزمنية والديناميات المختلفة79. وفي الواقع، كان الضباط العرب العثمانيون الخيط الواصل بين التنظيمات العثمانية وتأسيس الدول العربية الحديثة80، وبنائها لاحقًا. وكما هو الحال حيث تتفحّص بهامبرا كيف كان الاستعمار – سواء في الأراضي البعيدة أو حتى في أوروبا، كما كان الحال مع أ لَمَنَة المقاطعات الشرقية لألمانيا – جزءًا أساسيًا منGermanification تكوين الدولة الحديثة في أوروبا، فإن العالم العربي شهد ديناميتين متلازمتين: الفرض الاستعماري للإقليم الترابي واحتكار العنف من جهة، والمقاومة المحلية للمشروع الاستعماري من جهة أخرى. وقد شكّلت هاتان الديناميتان عملية تشُّكُل الدولة، ومسارات بناء الدولة لاحقًا، وإمكانات الدول الجديدة التي تشكّلت بعد انهيار الدولة العثمانية. لم تكن هناك نتائج محددة سلفًا أو حتمية لهذه المواجهة، وكانت أشكال الدولة التي نشأت لاحقًا في العالم العربي مرتبطة بهاتين الديناميتين وبالخيارات والفرص التي أنتجتهما81، ولم تمثّل قطيعة كاملة مع النظام العثماني السابق، بل كانت استمرارية وإعادة توظيف لمؤسساته وممارساته في عملية إقامة الدول الجديدة82. لطالما شدد وجيه كوثراني83 على الدور الحاسم الذي أدّته القوى المحلية في صوغ ديناميات نشوء الدولة الاستعمارية ما بعد العثمانية وبنائها في العالم العربي. ولقد اتخذت شكَليَن رئيسين. الأول هو ردود الفعل الأيديولوجية المحلية المتنافسة إزاء إلغاء مصطفى كمال (أتاتورك) الخلافة في عام 1924، وصوغ نموذج الحكم التركي الوليد على شكل الدولة القومية الغربية؛ مما يعكس بحث النخبة عن بدائل من الإمبراطورية العثمانية والتحديات التي تواجه جمع دول جديدة84. لم تكن ردود الفعل الأيديولوجية هذه من غير أنسابها الفكرية؛ إذ كانت استمرارًا لجهود سابقة رمت إلى الإفصاح عن تصورات جديدة للتمثيل الشعبي على أساس أفكار "المواطنية" العابرة للانقسامات الدينية، بدلًا من "الرعوية"، بدءًا من قانون التنظيمات المتعلق بقوانين المواطنة عام 1869، ثم مع القانون الأساسي (أو الدستور) المولود ميتًا عام 1876 85. أمّا الدينامية الثانية، التي أدّت دورًا مهمًافي صقل أشكال الدولة ما بعد الاستعمارية الناشئة، فقد اشتملت على سحق عدد لا يحصى من المقاومات الشعبية المحلية لمشروع ما أسماه تالي '"الَّنَسخ' الإمبراطوري لبناء الدولة القومية" الذي تبلور طوال عشرينيات القرن العشرين

  1. الدولة العربية بشارة،، ص.59
  2. المرجع نفسه.
  3. Albert Hourani, Arabic Thought in the Liberal Age, 1798–1939 (Cambridge: Cambridge University Press, 1983); Jens Hanssen & Max Weiss, Arabic Thought beyond the Liberal Age: Towards an Intellectual History of the Nahda (New York: Cambridge University Press, 2016).
  4. Hariri, p. 849.
  5. الدولة العربية بشارة،، ص.93 - 82
  6. المرجع نفسه، ص.127
  7. Elizabeth F. Thompson, How the West Stole Democracy from the Arabs: The Arab Congress of 1920, the Destruction of the Syrian State, and the Rise of Anti-Liberal Islamism (New York: Atlantic Monthly Press, 2020).
  8. الدولة العربية بشارة،؛ Adam Mestyan, Modern Arab Kingship: Remaking the Ottoman Political Order in the Interwar Middle East (Princeton: Princeton University Press, 2023); Adom Getachew & Karuna Mantena, "Anticolonialism and the Decolonization of Political Theory," Critical Times , vol. 4, no. 3 (December 2021), pp. 359 - 388.
  9. المسألة العربية: الدولة والمجتمع في التاريخ العربي وجيه كوثراني، (بيروت: منتدى المعارف، 2019)، ص.47
  10. وجيه كوثراني، الدولة والخلافة في الخطاب العربي إبّان الثورة الكمالية في تركيا (بيروت: دار الطليعة، 1996)، ص 26؛ وجيه كوثراني، مختارات سياسية من مجلة "المنار" لرشيد رضا (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2019
  11. الدولة العربية بشارة،؛ وجيه كوثراني، "بواكير الفكر الدستوري: التنظيمات العثمانية والدستور (بين الرعوية والمواطنة")، تنبّي، مج 1، العدد 3 (شتاء 2013)، ص 7 - .22

وحتى أوائل ثلاثينياته في أرجاء الأرض العربية86. وسواء في مصر أو المغرب أو ليبيا أو فلسطين أو العراق أو سورية أو اليمن، تمردت المجتمعات المحلية ضد الفرض العنيف لدولة سعت لتوحيد أشكال الحياة ما قبل الاستعمار، وتحويلها إلى أشكال أكثر قابلية للفهم وأشد ألفة بالنسبة إلى النظرة الاستعمارية الأوروبية87. وفي جميع هذه الأماكن تقريبًا، كان ما يسميه كوثراني "الإسلام الشعبي التاريخي" هو الطريقة الرئيسة للتعبير الأيديولوجي والتنظيمي والسياسي عن حركات المقاومة الشعبية هذه88. في شمال المغرب، كانت جمهورية الريف التي قادها محمد بن عبد الكريم الخطابي، بين عاَمَي 1923 و 1926، استثناءً نادرًا وإن كان مقتضبًا لموجة متواصلة من الهزائم89، سواء في ثورة العشرين العراقية أو الثورة السورية الكبرى -1925(1927.) ولقد صاغت المعارك الضائعة والخيارات التي اتخذت خلال هذه السنوات التكوينية من أوائل القرن العشرين ديناميات النخبة الممسكة بزمام الدولة، والعلاقات بين الدولة والمجتمع، و"الشكل المؤسسي للتحالفات السياسية"90 بين الدولة والمجتمع الذي حدد بدرجة كبيرة السياسات ما بعد الاستعمارية اللاحقة وإمكانات بناء الدولة. غير أنّ هذه المنعطفات الحرجة Junctures Critical ما بعد العثمانية وتأثيرها في أنساق سيطرة الدولة على المجتمع ومسارات بناء الدولة جرت بطرائق مختلفة، كما تبّي نالأمثلة التالية. في العراق، صاغت الهزيمة البريطانية لثورة العشرين المناهضة للاستعمار "المعالم القسررية والسياسية للدولة الوليدة"، وعرقلت "قدرة الدولة العراقية على ترسيخ سلطتها على نحٍوٍ شامل في جميع أنحاء المجتمع"91. وفي لبنان، صاغت خيارات النخبة، عند منعطفات حرجة من نشوء الدولة الاستعمارية، العلاقات بين الدولة والمجتمع، كما صاغت لاحقًا إمكانات بناء الدولة. وقد لجأت النخبة السياسية إلى التوافقية في منعطف حرج من نشوء الدولة الاستعمارية، لتبرر الاستيلاء على مناصب الدولة ومواردها. وأدّى ذلك إلى عرقلة بناء الدولة، وأنتج نظامًا طائفيًا في لبنان ما بعد الاستعمار، أعيد إنتاجه لاحقًا في حقبة ما بعد الحرب92. وفي البحرين، صاغت السياسات الاستعمارية في أوائل القرن العشرين النظام السياسي وطبيعة الدولة: "جرى تأطير الاختلافات الإثنية الطائفية على أنّها جوانب أساسية واضحة للهوية التي حددت من ثم الدور السياسي والفاعلية السياسية لكل شخص. وقد شحذتها، بدورها، وجعلتها توفّر أساسًا قانونيًا رسميًا، مؤسسات الدولة الحديثة وتصنيفاتها، لا سيما في ظّل ديناميات فرق تسد"93. ولقد جرت سيرورة مماثلة من صنع الهوية الوطنية الاستعمارية عن طريق القانون والجيش في الأردن94. وصاغت ممارسات صغرى للعنف الاستعماري في عشرينيات القرن العشرين سيرورة تشُّكُل الدولة في سورية95. وبالمثل، ورثت الدولة المستقلة في المغرب عنف الدولة الاستعمارية96. وفي الكويت وإيران والأردن، يحدد تدخل القوى الاستعمارية المهيمنة المبكر خيارات التحالفات والبنى المؤسسية للدول الجديدة، كما يحدد أنظمتها، فيصوغ بذلك مسارات بناء الدولة ما بعد الاستعمارية. فهي "تترك إرثًا عميقًا عندما تحوّل الصراعات الاجتماعية قبل أن يقوم القادة بوضع القواعد الاقتصادية والروتينات السياسية التي تحكم دولتهم"97. وبالمثل، كان التنظيم الاقتصادي الحربي، في مصر وسورية المتّحدتين، منعطفًا حاسمًاليس في الانتقال من ليبرالية السوق قبل الحرب إلى الدولتية فحسب، بل الأهم من ذلك في الشكل الذي اتخذته مقارنة بتجارب أخرى في الجنوب الكبير؛ إذ ساعدت على صوغ "قواعد الإدارة الاقتصادية التي ساعدت في شرعنة اقتصاد سورية ومصر الشعبوي، القائم على إعادة التوزيع، وتديره الدولة بعدوانية، في العقود اللاحقة بعد الحرب وجعله ممكنًا"98. وأخيرًا، أدّت مواريث بناء الدولة في أوائل القرن العشرين ومنتصفه، في منطقة الشرق

  1. كوثراني، المسألة العربية، ص.47
  2. الأحمر؛ Jonathan Wyrtzen, Worldmaking in the Long Great War: How Local and Colonial Struggles Shaped the Modern Middle East (New York: Columbia University Press, 2022).
  3. المسألة العربية كوثراني،، ص.48
  4. Ariel I. Ahram, Break All the Borders: Separatism and the Reshaping of the Middle East (Oxford: Oxford University Press, 2019), pp. 26 - 27.
  5. Andreas Wimmer, Nation Building: Why Some Countries Come Together While Others Fall Apart (Princeton: Princeton University Press, 2018), p. 8.
  6. Hariri, p. 849.
  7. Bassel F. Salloukh, "The State of Consociationalism in Lebanon," Nationalism and Ethnic Politics , vol. 30, no. 1 (2024), pp. 8 - 27.
  8. Omar H. AlShehabi, Contested Modernity: Sectarianism, Nationalism, and Colonialism in Bahrain (London: OneWorld Academic, 2019), p. 9; Tariq Tell, "State Formation and Underdevelopment in the Arab World," Lancet , vol. 383 (February 2014), pp. 480 - 482.
  9. Joseph A. Massad, Colonial Effects: The Making of National Identity in Jordan (New York: Columbia University Press, 2001).
  10. Neep.
  11. عبد العزيز الطاهري، "الدولة المعاصرة وإشكاليات العنف السياسي في المغرب"، في: الدولة العربية المعاصرة: بحوث نظرية ودراسات حالة، محمد حمشي ومراد دياني (محرران) (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2023)، ص 319 - .354
  12. Yom, p. 17.
  13. Robert Vitalis & Steven Heydemann, "War, Keynesianism, and Colonialism: Explaining State-Market Relations in the Postwar Middle East," in: Steven Heydemann (ed.), War, Institutions, and Social Change in the Middle East (California: University of California Press, 2000), pp. 106 - 107.

الأوسط وشمال أفريقيا، دورًا رئيسًا في تعزيز الصراعات الانفصالية وتقييدها بعد انتفاضات عام 2011 99. يمكن استخلاص عدد من الاستنتاجات من المناقشة السابقة. الأول مفاده، خلافًا للتجارب الأوروبية واللاتينية الأميركية، أنّ مسار تشُّكُل الدولة وبناء الدولة في العالم العربي تعرّض للتشويه بفعل تأثيَرَين متلازمين: الجهود الحديثة ما قبل الاستعمارية التي قام بها الحكام الاستبداديون الإصلاحيون - ما يسميه بشارة "التحديث السلطاني" - وبفعل الاستعمار100. وهذا المسار البديل والعلاقة المفككة زمنيًا بين تشُّكُل الدولة وبنائها، وليس ضروب الغياب أو الإخفاقات المزعومة، هما اللذان وضعا الدول العربية على مسار صاغ أشكالها أو مضامينها ما بعد الاستعمارية. ولم يكن هذا المسار البديل متماثلًافي جميع الدول العربية. بل كان أكثر قصديةً واستدامةً في بعض دول الجيل الثالث قياسًا على غيرها. أدّت سياسات التحديث من أعلى إلى أسفل، التي اتبعتها التنظيمات في ظل البنية الاستبدادية للدولة العثمانية ووسط التدخلات الاستعمارية، حيث كان لدى الإصلاحيين نموذج للدولة متاح بالفعل، إلى ديناميات لتشُّكُل الدولة وبنائها مختلفة عن تلك التي لوِح ظت في التجارب الأوروبية والأميركية اللاتينية. ففي بعض الأماكن، سارت عناصر تشُّكُل الدولة جنبًا إلى جنب بدلًامن أن تتعاقب على نحو تسلسلي. وُتَُعَدّ مصر المثال الأوضح لدولة عربية خضعت لتوطيد الإقليم الترابي واحتكار العنف والتحول البيروقراطي - في شكل تركيز السلطة واحتكار التشريع - قبل الاستعمار. وبدمج عناصر الاستبداد الشخصي الساعي للريع مع أساليب جديدة في إدارة مؤسسات الدولة وتنظيم النظام التعليمي101، فقد مهّد محمد علي باشا لبناء الدولة المصرية، ووضع الشروط المسبقة لإنشاء دولة حديثة102. وكانت سياساته "سياساٍتٍ سلطانيةً بأدوات حديثة، وقادت إلى بناء مؤسسات دولة"103. وبالمثل، وتحت تأثير التنظيمات وإصلاحات محمد علي، إضافة إلى زيادة حجم العلاقات مع أوروبا، أدّى البايات الحسينيون دورًا حاسمًافي نشوء الأسس الترابية للدولة التونسية، لا سيما فيما يتعلق بتوحيد الأرض، واحتكار العنف، والإصلاحات التعليمية، والمركزية المالية والإدارية والتشريعية104. ولقد بدأت سيرورة تشُّكُل الدولة والمركزية البيروقراطية هذه، قبل فترة طويلة من ظهور الاستعمار في عام 1881، واكتملت خلال الحكم الاستعماري105. وكانت مث لًا آخر على التحديث السلطاني الذي يضع الأسس لدولة حديثة. لكن بشارة حريص على أن يؤكّد أنّ هذه السيرورة لم تكن قريبة من السيرورة الأوروبية التي أعادت التفاوض على العلاقة بين الحاكم والمحكوم في اتجاه تطوير معايير جديدة للمواطنة. وفي المقابل، فإنّ المغرب الذي لم يخضع للسيطرة العثمانية وتمتع بقدر كبير من الوحدة الترابية، وحكمته سلالة ذات أصول محلية لكنها واجهت مقاومة قوية من الجماعات القبلية، وكانت الزوايا الصوفية تجدد البيعة للحاكم سنويًا، لم يكتمل فيه احتكار العنف والتحول البيروقراطي قبل مجيء الحكم الاستعماري106. وبخلاف ذلك، لم يكن ثمة نشوء للدولة في شكل توحيد الإقليم الترابي واحتكاٍرٍ للعنف قبل الاستعمار في سورية (وكذلك في جميع أنحاء الشرق العربي) والجزائر107. وفي كلتا الحالتين، وكذلك أيضًا في الأردن والعراق ولبنان، كان توحيد الأرض وافدًا متأخرًا جًّدًا. من نتائج هذا التشويه في تسلسل تشُّكُل الدولة وبنائها أن امتد إلى دولة ما بعد الاستقلال العديد من الفاعلين والبنى الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي كانت موجودة قبل الاستعمار، لكنها جُِّدرِت من وظائفها الأصلية. يسمّي كوثراني هذه البنى "وسائط السلطة"108، أو "أشكال التنظيم الاجتماعي والسياسي"109 التي عملت بصفتها وسطاء بين الجماعات المحلية والسلطة الحاكمة في إسطنبول أو ممثليها المحليين، سواء كانت من العلماء، أو الزوايا الصوفية، أو الجمعيات الحرفية، أو وجهاء الحضر والريف، أو زعماء القبائل. والنتيجة الفعلية لهذا المسار هي دول ومجتمعات عربية لديها ذلك المزيج الهجين من الأنظمة المشخصنة ومؤسسات الدولة (الحديثة)، وأنماط الإنتاج السابقة على الرأسمالية، والرأسمالية، وأخيرًا التشكيلات الاجتماعية ما قبل الحديثة، والحديثة110. أمّا الاستنتاج الأخير فيتعلق بالكيفية التي شكّلت بها المرحلة الاستعمارية بعد انهيار الدولة العثمانية، ليس فقط حدود الدول التي نشأت لاحقًا، من خلال توطيد الإقليم الترابي واحتكار العنف

  1. Ahram, p. 4.
  2. الدولة العربية بشارة،، ص.229
  3. العظمة، ص.77
  4. الدولة العربية بشارة،، ص.199
  5. المرجع نفسه، ص 281 - .282
  6. المرجع نفسه، ص 215، 220 - 221،.282
  7. الدولة العربية بشارة،؛ Anderson, The State and Social Transformation in Tunisia and Libya.
  8. الدولة العربية بشارة،، ص.283-282
  9. المرجع نفسه، ص.354-287
  10. وجيه كوثراني، السلطة والمجتمع والعمل السياسي العربي أواخر العهد العثماني: وسائط السلطة في بلاد الشام (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،
  11. المرجع نفسه، ص.70
  12. عبد الإله بلقزيز، "الدولة في الوطن العربي وأزمة الشرعية"، في أزمة الدولة في الوطن العربي (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2011)، ص 342-303؛ الأحمر.

(أو عدمه)، بل شكلت أيضًا جوهرها، أو مضمونها، من خلال تشكيل علاقات الدولة بالمجتمع بطرائق متجذرة وصعبة التغيير: أي بالكيفية التي شكّلت بها هذه المنعطفات الحرجة الطريقة التي "توسطت بها الدولة علاقاتها مع المجتمع"111 و"الشكل المؤسسي" الذي افترضته "التحالفات السياسية" بين الدولة والمجتمع في تكوينات تفترق كثيرًا عن تجارب أوروبا الغربية وحتى أميركا اللاتينية. وكان هذا هو الحال، على الرغم من أنّ نموذج الدولة الذي استوردته القوى الاستعمارية متاح بالفعل112. فقد "واصلت المشاريع الإمبراطورية الفرنسية والبريطانية المتجددة علاقة متدرجة وعمودية مع الحكومات المحتلة والمفوضة والموقعة على المعاهدات بين الشعوب المهزومة"113. وهو ما ورثته لاحقًا أنظمة ما بعد الاستقلال، ومنع بذلك ظهور أشكال التحالفات السياسية الأفقية بين الدولة والمجتمع لصالح أشكال المحسوبية، أو ما يسميه كوثراني، مستخدمًا مصطلحات ابن خلدون، "أزمة الانتقال من الاجتماع السلطاني إلى الاجتماع الوطني"114. وهذا أيضًا صاغ العلاقة بين الفرد (الواحد من الرعية وليس المواطن) والدولة بطرائق دائمة. وكانت النتيجة دولة ما بعد استقلال من دون ذلك "المركّب من الحقوق والواجبات الذي يشكّل قاسمًامشتركًا بين الحكام والمحكومين بوصفه عضوية في الدولة"، وُيُسمّى مواطنة115. وغرس بذور التباعد الكبير بين الدول والأنظمة في المنطقة116. لكنّ هذه الاختلافات ليست انحرافات عن معيار كوني غربي117، بل النتيجة المباشرة لمسارات وزمنيات بديلة في تشُّكُل الدولة وبنائها، ومنعطفاتهما الحرجة، وما يترتب على ذلك من أشكال الدولة. يتحرّى المبحث التالي استكشاف فائدة التنظيرات البديلة للدولة العربية بعد الانتفاضات الشعبية وحدودها. ويصنّف هذه التنظيرات إلى: 1. تلك التي تأخذ المسار الأوروبي الغربي في تشُّكُل الدولة وبنائها نقطةً للانطلاق والمقارنة النقدية، صراحةً أو ضمنًا؛ 2. تلك التي تستخدم صورةً لدولة متحررة من الثنائية النيوفيبرية؛ 3. تلك التي تستدعي تنظيرًا أدائيًا للدولة بعد الانتفاضات الشعبية.

ثانيًا: التنظير للدولة العربية بعد الانتفاضات

تجادل ليزا أندرسون في مقالة منشورة بعد انتفاضات عام 2011 الشعبية، بأن قصة العقود الماضية تتمثل في "تراجع قوة الدولة وسلطتها" في العالم العربي؛ وهي قوة وسلطة تُعَّرَفان من حيث قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها تجاه الرفاه العام، والسيطرة على أراضيها، ومكانتها بوصفها الفكرة الوطنية المهيمنة118. ولقد أطلق هذا العناَنَ لقدٍرٍ من الاستخفاف والخوف والبحث عن إحساس جديد بالجماعة خارج الدولة؛ فأدى إلى تآكل الأخيرة وتراجعها إزاء منافسيها؛ أي مجموعة الهويات والشبكات الدينية والقبلية والإثنية، والفاعلين من غير الدول. وهكذا، نجد أنفسنا، بعد الانتفاضات، أمام "دول آيلة إلى الذبول في العالم العربي"119. غير أننا، إذا ابتعدنا عن المسار الأوروبي لتشُّكُل الدولة وبنائها بصفته نقطة مرجعية، واستحضرنا في تحليلنا أشكال الدولة البديلة، نجد أنّ الدولة العربية لا "تنحسرر" ولا "تذبل." تبدأ خريطة التنظيرات المختلفة للدولة العربية، التي أقدمها في ما يلي، من تلك التي تتخذ التصور الفيبري منطلقًا لا محطةً نهائيةً للتحليل. مسألة الدولة يبرز بشارة، في كتابه، تصورًا مشتركًا للمواطنة، وهو يطور نظرية جديدة في الدولة الحديثة. انطلاقًا من فيبر، يميز بشارة بين الدولة بصفتها تنظيمًاسياسيًا والدولة الحديثة؛ فالأولى هي علاقة بين حكام ومحكومين عبر الزمن، في حين أنّ الثانية هي عرلاقة بين مواطنين ودولة تحكمها مبادئ مواطنة مشتركة لا تعّب عن ماهية الدولة فحسب، بل أيضًا عما يتوقعه المواطنون منها أن تكون عليه120. والمسار التاريخي الذي يتطور من خلاله هذا الشعور بالاعتراف المتبادل بين الحكام والمحكومين هو على النحو التالي: في البداية يعتبر الحاكم الشعب رعايا، ثم يطور الرعايا، الذين يعيشون في إقليم ترابي محدد، هوية وطنية. "لكن آخر تجليات المشترك، الذي لم يعد من الممكن فهم الدولة الحديثة من دونه، هو المواطنة. الحكام والمحكومون هم مواطنو الدولة"121. وحدها الحقوق والواجبات المتأصلة في المواطنة يمكن أن تحول السلطة إلى دولة، لأنّه "في العصر الحديث لا دولة من دون مواطنة"122.

  1. Hariri, p. 849.
  2. الدولة العربية بشارة،، ص.120
  3. Mestyan, p. 2.
  4. وجيه كوثراني، مشروع النهضة العربية: أو أزمة الانتقال من الاجتماع السلطاني إلى الاجتماع الوطني (بيروت: دار الطليعة،.)1995
  5. الدولة العربية بشارة،، ص.115
  6. الاستثناء هو دول الخليج الغنية بالنفط، حيث تسمح عائدات الريع للدولة بقدر كبير من الاستقلال عن المجتمع، فلا تتمايز الدولة من نظام الحكم. ينظر: المرجع نفسه،
  7. 122 المرجع نفسه، ص.17
  8. Lisa Anderson, "Bread, Dignity and Social Justice: Populism in the Arab World," Philosophy and Social Criticism , vol. 44, no. 4 (May 2018), p. 479.
  9. Ibid.
  10. مسألة الدولة بشارة،، ص 93 - 135،.334 121 المرجع نفسه، ص.425
  11. ص.431
  12. 117  Getachew & Mantena, pp. 374 - 375.

إنّ ما يميز الدولة الحديثة من أشكال التنظيم السياسي الأخرى هو طبيعة مؤسساتها ووظائفها، واستقلالها عن شخص الحكام؛ أي احتكارها العنف التشريعي والشرعي، وسلطتها على إقليم ترابي معّي نوشعب معّين، وجهازها البيروقراطي المستقل، وعلاقتها بالمحكومين من خلال مبدأ المواطنة، وفي هذا الأخير خروج عن تعريف فيبر الكلاسيكي123. ومن دون هذا الفهم المشترك للحقوق والواجبات بين المواطنين، وبينهم وبين مؤسسات الدولة، لا يمكن أن تكون هناك دولة حديثة. ولذلك، يَُعَُّدُ احتكار العنف شرطًا ضروريًا، لكنه غير كاٍفٍ للدولة الحديثة124. و"مثلما استخلص فيبر مفهومه للدولة من الدول المتطورة في عصره، لا يجوز أن يتلخص الجهد الحالي [لتعريف الدولة الحديثة] بتأبيد تعريفات فيبر أو غيره"125. وبفعل ذلك، وعلى غرار رؤية بارينغتون مور126 أنّه لا ديمقراطية من دون برجوازية، يضيف بشارة سببية أخرى لنظريات الدولة: لا دولة حديثة من دون مواطنة. ووفقًا لهذه الرؤية ما بعد الانتفاضات، فإنّ كل الدول العربية تخفق في بلوغ مكانة الدولة الحديثة. وبناءً عليه، يمكن اعتبار "نمط التنظير المتموضع" لدى بشارة أحد السبل لصوغ "فئات مفهومية من خصوصية المآزق ما بعد الاستعمارية"، من أجل "تحديد الآفاق المعيارية والسياسية الكامنة في سياسات ما بعد الاستعمار"127. قد يكون تنظير بشارة الجديد للدولة مرتبطًا عضويًا بالواقع السياسي في العالم العربي، غير أنه يتناول تحديًا أوسع نطاقًا؛ ففي زمننا هذا، يظل التعريف المؤسسي للدولة تعريفًا ناقصًا، ما لم يقترن بُمُُثُل المواطنة في تحققها الكامل. يقدّم أدهم صولي ورايموند هينبوش128 تنظيرًا آخر للدولة العربية، يفّس رإمكانية أن تتفسخ الدول حتى بعد فترة طويلة من بناء الدولة. ومن هذا المنظور الذي يتخذ شكل الجرس، من الأفضل أن يجري تصوّر بناء الدولة في العالم العربي، على أنّه "سيرورة" تعكس ديناميات الصراعات الاجتماعية السياسية بين مختلف متعهدي المشاريع السياسية Entrepreneurs Political في "الميادين الاجتماعية التي تتشكل فيها الدول ويتشوه شكلها Deform and Form"؛ تلك الميادين التي تتحدد من الناحية الجيوسياسية129. عندما تتمكن مجموعة سياسية من تحقيق احتكار العنف والسيطرة على وسائل الإنتاج الأيديولوجي وعلى الموارد الاقتصادية، يمكن فقط أن ينشأ نظام، وإن يكن ذلك النظام الذي يتعايش مع خصوم آخرين "يطمحون إلى السيطرة على السلطة وصوغ السياسة في ميدان اجتماعي"130. لكن الدولة، في هذه المرحلة من التشكل، تشير إلى "نظام - كوكبة من القوى الاجتماعية - يسيطر على الفصائل الأخرى داخل الميدان الاجتماعي: لا إلى تنظيم عمومي 'فوق المجتمع"'131. وتقاس قوة الدولة في هذا السياق ب "مدى قدرة مؤسسات الدولة على إدماج قوى اجتماعية مختلفة" بصرف النظر عن قدرات بنيتها التحتية132. وبناءً على هذا، فإنّ الدولة القوية هي الدولة التي توفر فيها المؤسسات "أساسًا قانونيًا لإدماج القوى الاجتماعية المختلفة" و"تؤدي دورًا مستقلًاعن القوى السياسية المتنافسة داخل الميدان الاجتماعي"133. فالدولة القوية، هي التي انتقلت "من نظام سلطوي، تقوده قوة اجتماعية أو أكثر، إلى مؤسسات ديمقراطية تسمو فوق جميع القوى الاجتماعية في مجال اجتماعي معّين "؛ وُتُعتبر "تمثيلية وشرعية في نظر ناخبيها"134. وفقًا لهذا التنظير، ليس لدينا أيّ دولة عربية قوية، بل دول ضعيفة أو منهارة على طيف تشُّكُل الدولة/ تشُّوّهها يمتد من تشوه الدولة/ اللادولة (إلى يسار الطيف) إلى تشُّكُل الدولة/ الدولة القوية (إلى اليمين) مع وجود دول ضعيفة في المنتصف. وإذا ما كان ثمة أي تنوّع بين هذه الدول العربية الضعيفة فهو من حيث قدرة النظام على صوغ المجتمع؛ فالسعودية والمغرب وسورية والأردن، ومصر وتونس قبل الثورة، جميعها أمثلة على دول ضعيفة يتمتع نظامها بقدرات قوية. أمّا لبنان، من جهة أخرى، فهو مثال لدولة ضعيفة مع ضعف قدرات النظام. يشير صولي وهينبوش أيضًا إلى أنه على الرغم من أنّ صلابة النظام شرط مسبق لبناء الدولة، فإن السيرورة الأخيرة ليست خطّية. وهما يريان في الواقع، وفي سببية أخرى نتجت من دراسة الدولة العربية، أنه في سياق الدول المتأخرة التشكّل، والتي تعرضت لتهديدات داخلية وخارجية، كلما زادت صلابة النظام، قلّ بناء الدولة. ومن ثّم،ّ في حين يفّس رمازوكا التنوّع في اقتران أو عدم اقتران تشُّكُل الدولة وبنائها في أوروبا الغربية وأميركا اللاتينية بالاختلاف بين أولويات صنّاع الحرب وصنّاع السوق، فإنّ ديناميات تشُّكُل الدولة المتأخر

  1. المرجع نفسه، ص.403
  2. المرجع نفسه، ص.333
  3. المرجع نفسه.
  4. Barrington Moore Jr., Social Origins of Dictatorship and Democracy: Lord and Peasant in the Making of the Modern World (Boston: Beacon Press, 1966).
  5. Getachew & Mantena, p. 362.
  6. أدهم صولي، ورايموند هينبوش، "الدولة العربية: مقاربة سوسيولوجية تاريخية"، عمران، مج  10، العدد 37 (صيف 2021)، ص .36-7
  7. Saouli, The Arab State , p. 136; Adham Saouli, "Back to the Future: The Arab Uprisings and State (Re)formation in the Arab World," Democratization ,
  8. Saouli, The Arab State , p. 13l ينظر أيضًا.Saouli & Hinnebusch, pp. 49 - 50:
  9. Saouli, The Arab State , p. 13.
  10. Ibid., p. 14.
  11. Ibid. 134  Ibid.
  12. vol. 22, no. 2 (2015), pp. 315 - 334.

في العالم العربي تشوّه بناء الدولة لأن (ما يمكن أن نسميهم) صنّاع النظام يقدّمون بقاءهم على بناء الدولة. ويبرز عبد الوهاب الأفندي التناقضات التي أشار إليها صولي وهينبوش بين صلابة النظام وبناء الدولة. وهو ينظر إلى الدولة العربية على أنّها "دولة الثقب الأسود" State Hole Black The؛ وهو مفهوم قُِّدِم أول مرة في تقرير التنمية البشرية العربية لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي لعام 2004 135. إنها نظام هجين وفريد يجمع بين عناصر من السلطانية والشمولية، ويقع عند نقطة التقاء الاستبداد والإرهاب، و"يتميز بتوسع مستمر في نطاق نفوذ الدولة، ويرتبط بمركز للسلطة سريع التقلص. ويميل النظام، الذي تسيطر عليه اسميّا سلالة حاكمة أو حزب حاكم، إلى تركيز السلطة تدريجيًا في أيدي عصبة صغيرة من المقربين تحيط بالحاكم الفرد وأسرته القريبة"136. إنّ توصيف هذه الدول، باعتبارها أنظمة باتريمونيالية، لا يُنصفها بوصفها نمطًا للحكم، وذلك بسبب الطابع "المهني" لمؤسساتها الأمنية؛ إذ إنها "مؤسسات دولة متماسكة موجودة بالفعل، تتمثل في جهاز قمعي بالغ الكفاءة، ممول تمويلًاجيدًا، وُممُأسس نسبيًا"137. على الرغم من أنّ هذا الشكل من أشكال الدولة يشبه كثيرًا طور السلطوية ما بعد الشعبوية لدى صولي وهينبوش، لا سيما في بعده الرأسمالي المحاسيبي (أو المتعلق برأسمالية المحاسيب)، فإنّه صنف فريد من السلطوية، لأنه يعاني حساسية حيال أيّ نوع من المأسسة خارج الجهاز الأمني138؛ فهو لا يحول دون مأسسة المجالين الاقتصادي والأمني فحسب، بل يغرّب المجتمع أيضًا: "إن 'دولة الثقب الأسود' نموذج عربي [للدول] فريد من حيث إنّ نظامه لا يتوقف عن شن الحرب على الدولة والشعب في آن معًا"139. فالأنظمة الحاكمة "تفرغ الدولة بخصخصة وظائفها [العامة]، وحتى وظائفها الأمنية، في حين تُحَّوَل مؤسساتها إلى إقطاعات شخصية أو عائلية أو طائفية"140. وبتحويل المجتمع كلّه إلى معارضة، تتسبب دولة الثقب الأسود في اندلاع الانتفاضات الشعبية. وعلى الرغم من الانتكاسات المضادة للثورة، فمن المحتم لذلك النظام أن يزول. يجمع مصطفى كامل السيد141 بين القدرة المؤسسية والتجانس الاجتماعي، من أجل التمييز بين دول قوية/ قديمة وهشة/ جديدة في العالم العربي. فالدول القوية، مثل مصر وتونس والمغرب142، تتمتع بالتجانس الاجتماعي وباستمرارية تاريخية في حدودها منذ عصور ما قبل الاستعمار. وهي تتميّز بوجود بيروقراطية متخصصة في الحكم ومستقلة عن الانقسامات الاجتماعية، فتحفظ الفصل بين الدولة والمجتمع. وخلافًا لذلك، فإن الدول الهشّة جديدة وموطن لسكان غير متجانسين. واستقرار حدودها وظيفة من وظائف الحماية الخارجية. يقدّم ستيفن هايدمان143 تنظيرًا آخر للدولة العربية بعد الانتفاضات، يستند إلى تنوع الجدال المؤسسي في شكل نظرية حالة الدولة المحدودة Statehood Limited؛ وهو إذ يضع نفسه في مواجهة نماذج ضعف الدولة القائمة على الهشاشة، يستعرض مسارات الدولة المحدودة في المنطقة العربية قبل الانتفاضات وبعدها، ليوضح كيف عبّأت نخب الدولة تاريخيًا أشكال الدولة المحدودة التي تعطي بقاء النظام الأولوية على الأهداف التنموية. ولقد "أسفرت جهودها عن ترسيخ الدول المبنية حول المواطنة المجزأة ونماذج الحكم التفاعلية التي جمعت بين المنطق المزدوج، حيث محاسيبية الدوائر الانتخابية بالنسبة إلى القلة المتميزة والمساومات السلطوية بالنسبة إلى الكثيرين. هكذا أنتجت مسارات بناء الدولة في [المنطقة العربية] دولًاليست ضعيفة ولا هشة بل شرسة وغير متناظرة، حيث تعكس حالة الدولة والحوكمة ضرورات بقاء النظام"144. والاستثناءات البارزة لهذا الاتجاه العام في المنطقة هي ليبيا واليمن ولبنان، حيث "تحتجز الأنظمة تطور الدولة وتحد من قدرتها، في حين يطالب الفاعلون الاجتماعيون بتوسّع الدولة"145. وهكذا، خلقت سيرورات تطور الدولة المدفوع بالنخب حالة دولة محدودة بقدرة انتقائية أصلًا؛ إذ يجري السعي لبناء قدرات أكبر في القطاعات الأمنية، وفي المؤسسات التي تشرف على استخدام الموارد الطبيعية، وفي البنية التحتية للمراقبة. ويصّر هايدمان أيضًا على أنّ الانتفاضات، بعيدًا عن انهيار الدولة، زادت من

  1. Nader Fergany et al., Arab Human Development Report 2004: Towards Freedom in the Arab World (New York: UNDP, 2005), p. 15, accessed on 22/12/2025, at: https://acr.ps/1L9F2Hv
  2. Abdelwahab El-Affendi, "The Moderation of Insecurity: Standing the Eurocentric Democratic Transition Paradigm on Its Head," in: Abdelwahab El-
  3. Ibid., p. 75.
  4. عبد الوهاب الأفندي، عن المثقف الإسلامي والأمراض العربية: تأملات في المحنة المعاصرة (الدوحة: منتدى العلاقات العربية الدولية، 2022)، ص 175 - .208
  5. المرجع نفسه، ص.205
  6. 145  Ibid., p. 33.
  7. Affendi & Khalil Al Anani (eds.), After the Arab Revolutions: Decentring Democratic Transition Theory (Edinburgh: Edinburgh University Press, 2021), p. 74.
  8. يضيف أيضًا إيران وتركيا من الشرق الأوسط.
  9. Steven Heydemann, "Seeing the State or Why Arab States Look the Way They Do," in: Heydemann & Lynch (eds.), pp. 25 - 54.
  10. Ibid., p. 47.
  11. 140 المرجع نفسه. 141 مصطفى كامل السيد، "الدولة وإشكالياتها النظرية والعملية في الوطن العربي"، في: العطش للدولة والريبة منها (بيروت: المجلس العربي للعلوم الاجتماعية، 2019)، ص 3 - .20

كثافة اتجاه الدولة المحدودة هذا وقدرتها غير المتناظرة، لا سيما في قطاعات ووظائف الإكراه والمراقبة التي تتولاها الدولة. تتخذ جميع تنظيرات الدولة العربية بعد الانتفاضات، التي قدّمها صولي وهينبوش والأفندي والسيد، المسار الأوروبي لتشُّكُل الدولة وبنائها منطلقًا للتحليل والمقارنة النقدية. بذلك، تعيد إنتاج التجربة الأوروبية في تشُّكُل الدولة، مرجعًا لجميع التجارب الأخرى، ومعه "سيطرته الإبستيمية"146 على التصورات البديلة للدولة147، كما أنها تتقاسم الاهتمام بالقدرات المؤسسية للدولة؛ أي مقدار المأسسة التي تمتلكها الدولة148. وعلى الرغم من أنّ صولي وهينبوش يبتعدان عن فهم فيبر الخطي لتشُّكُل الدولة، ويؤكدان عامل الشرعية في مناقشتهما للإدماج Incorporation، فإن تمييزهما بين الدول الضعيفة والقوية مؤسسي؛ أي إن كانت المؤسسات "تؤدّي دورًا مستقلًاعن القوى السياسية المتنافسة داخل الميدان الاجتماعي" أم لا. وأخيرًا، يستخدم كلّ من صولي والسيد حجة التجانس الاجتماعي التي تهدد بالانزلاق إلى شكل من الحتمية الاجتماعية. فنجد في صيغة صولي أنّ "البنية الثقافية"، التي تشكّل إحدى "الُبُنى التكوينية" للحقل الاجتماعي149، تُعدّ هي "الأساس الذي تتشكّل عليه السياسة"؛ إذ إنها تصوغ عملية تشُّكُل الدولة، وسلوك مختلف الفاعلين الاجتماعيين، ومصالحهم السياسية150. يتقاسم جميع الكتّاب السابقين أيضًا صورة الدولة القائمة على استقلال البيروقراطية والفصل بين الدولة والمجتمع، أو على الأقل يرون أنّ هذا ما ينبغي لدولة حديثة (في استخدام بشارة) أو قوية (في استخدام صولي وهينبوش) أن تمتلكه. ويبتعد رأي هايدمان بشأن الدولة المحدودة عن هذه الصورة، لكنّه يفترض أنّ الأنظمة "فوضت السلطة على نحو انتقائي إلى فاعلين من غير الدول" في مجالات "تعتبر أقلّ تهديدًا أو أقل أهمية لبقائها واستقرارها"؛ وبذلك يحافظ على الفصل بين الدولة والمجتمع151. غير أنّ تنظيرًا بديلًاللدولة، يستند إلى النظريات السياسية لأنطونيو غرامشي ونيكوس بولانتزاس Nikos Poulantzas، يتيح لنا تعليق النموذج الأوروبي لتشُّكُل الدولة وبنائها، بوصفه نقطة انطلاق تحليلية، ومعيارًا للمقارنة النقدية في آٍنٍ معًا؛ فهو يُذيب كليًا الثنائية بين الدولة والمجتمع الموروثة من التجربة الأوروبية، سعيًا لالتقاط الديناميات القائمة بعد الانتفاضات في عدد من الدول العربية. يقول غرامشي: "الدولة هي المجموع المركّب Complex من الأنشطة العملية والنظرية التي تمارسها الطبقة الحاكمة، والتي لا تقتصر على تبرير هيمنتها والحفاظ عليها فحسب، بل تمكّنها أيضًا من حيازة قبولٍ نَِشٍِطٍ لدى أولئك الذين تحكمهم "152. وحين نوسّع مفهوم غرامشي المفتاحي عن "الدولة المتكاملة" State Integral خارج سياقه الأصلي، يمكن توظيفه لالتقاط تكامل الأبعاد المادي والتنظيمي والأيديولوجي في إنتاج نظام اجتماعي وشكل الدولة الملازم له؛ شكل خاٍلٍ من الثنائيات المفروضة مثل المجتمع المدني/ المجتمع السياسي، والرضا/ الإكراه، والدولة الضعيفة/ القوية، والمجال الخاص/ العمومي، والفاعلين من الدول/ من غير الدول، والقطاعات الرسمية/ غير الرسمية. وبعيدًا عن تشييء الدولة وتحويلها إلى مجرد كيان جامد، أو التقليل من شأنها، أو تجريدها، فإن هذا المنظور الغرامشي يسلط الضوء على الدولة بوصفها جزءًا من شبكة معقدة من "العلاقات الاجتماعية والمصالح المادية التي تشكّل[...]نظامًا اجتماعيًا"153. لقد استخدمُتُ في أبحاثي أدوات غرامشي النظرية لتحليل كيف وضعت النخبة السياسية والاقتصادية في لبنان بعد الحرب سياسات الدولة المالية والنقدية في خدمة تراكم رأس المال، وكذلك لدمج فئات اجتماعية كبيرة في نظام ما بعد الحرب، عبر حوافز زبائنية طائفية صارمة154. وقد أدى هذا إلى تفكيك المصالح الطبقية العابرة للطوائف، وتوفير الشروط المادية اللازمة لضمان مستوى من القبول الأيديولوجي الطائفي، الذي حال دون ظهور بدائل سياسية قابلة للحياة في مرحلة ما بعد الحرب. وبينما استخدم غرامشي هذا المفهوم للتنظير للدولة

  1. Getachew & Mantena, p. 372.
  2. الدولة العربية يقدّم بشارة رأيًا مماثلًافي كتابه، فيلحظ أنّ قسمًاكبيرًا من التفسيرات لضعف الدولة في العالم العربي "يركز على ما يغيب لا على ما يحضر؛ أي إنها تفترض أسبابًا معيّنة لنشوء الدولة وقوتها في الغرب، والمجادلة بأن غيابها في الشرق يفّس رضعف الدولة." الدولة العربية ينظر: بشارة،، ص 425. ويقدّم غسان سلامة الرأي ذاته في نقده كًّل امن تحليل حَّنَا بطاطو 1978() وعصام الخفاجي 1983() الطبقي للسياسة العراقية وكيف أنها لا تتماشى مع الديناميات الأوروبية: "هل النسق 'الشرقي' هو بالضرورة نسخة سنظل نتعجب من عدم مطابقتها لأصل موجود تاريخيًا خارج زماننا، وجغرافيًا خارج منطقتنا، وثقافًّيًا خارج حضارتنا؟." ينظر: سلامة، ص 201 - 202. وللاطلاع على تحل ل يبطاطو والخفاجي، ينظر: الخفاجي؛.Batatu
  3. من الأمثلة الأخرى لأدبيات ما بعد الانتفاضات في العالم العربي التي تطرح افتراضات فيبرية جديدة مماثلة، ينظر: مروان قبلان، "لماذا انهارت ’دولة البعث‘ في سورية؟"، سياسات عربية، مج 9، العدد؛ 53 (تشرين الثاني/ نوفمبر 2021)، ص 34-7 غسان سلامة؛ سلامة،
  4. Saouli, The Arab State , p. 16 - 17.
  5. Ibid., p. 18.
  6. Heydemann & Lynch (eds.), p. 49. 152  Antonio Gramsci, Selections from the Prison Notebooks , Quintin Hoare & Geoffrey Nowell Smith (eds. & trans.) (New York: International Publishers, 1971), p. 244.
  7. العطش للدولة والريبة منها "العطش للدولة والريبة منها"، في:، ص 20-3؛ حارث حسن، "تشريح دولة المحاصصة: النيوباتريمونالية والمكونات ومركز السلطة في العراق"، في: الدولة العربية المعاصرة: بحوث نظرية ودراسات حالة، ص 354-319؛ Mehran Kamrava, Inside the Arab State (London: Hurst & Company, 2018).
  8. Bilgin & Morton, p. 69.
  9. Bassel F. Salloukh, "What We Talk about when We Talk about the State in Postwar Lebanon," in: Heydemann & Lynch (eds.), pp. 141-168.

الليبرالية في أوروبا الغربية في القرن التاسع عشر وتحولات هذه الدول بالنسبة إلى البنى الطبقية الناضجة ونمو المجتمع المدني في سياقات رأسمالية متقدمة، فإنني أستخدم أدواته النظرية لتنظير الدولة في لبنان بعد الحرب باعتبارها نوعًا مختلفًا من الدولة المتكاملة، بكيان مختلف للدولة يعكس مسارًا بديلًالتشُّكُل الدولة ومسارًا تاريخيًا مختلفًا في دول الجنوب الكبير؛ ما يؤدي إلى إنتاج أشكال دولة وفئات طبقية وتكوينات اجتماعية مختلفة عن تلك الموجودة في أوروبا155. في هذه الحالة، تعمل مصالح النخب الخاصة، التي تعّب رعن فئات طبقية مختلفة، ليس من خلال تحديد المحتوى الأخلاقي للدولة ضمن المجتمع المدني، ولا عبر تنظيم القبول Consent على المستوى الثقافي للمجتمع المدني، بل تتداخل مباشرة مع بنى الدولة. علاوة على ذلك، حدّت عمليات الدولة المتكاملة في مرحلة ما بعد الحرب من مجال المجتمع المدني الذي كان يمكن أن تنظّم فيه التشكيلات البديلة، سواء النقابات العمالية، أو النقابات المهنية، أو الأحزاب غير الطائفية ذات القواعد الشعبية الكبيرة، في حرب طويلة المدى لإضعاف السيطرة الأيديولوجية للنظام الطائفي. وبتعليق النموذج الأوروبي لتشُّكُل الدولة وبنائها، يُنظر إلى هذه الدولة ما بعد الحرب على أنها حرة من الثنائيات المفروضة، مثل المجتمع المدني/ المجتمع السياسي، والرضا/ الإكراه، والدولة الضعيفة/ القوية، والمجال الخاص/ العمومي، والفاعلين من الدول/ من غير الدول، والقطاعات الرسمية/ غير الرسمية، والتي ترتبط غالبًا بصورة الدولة الفيبرية الجديدة. من شأن هذا التنظير للدولة ما بعد الحرب أن يفّس رليس أسباب الانهيار المالي والنقدي والاجتماعي والاقتصادي في لبنان بعد 17 تشرين الأول/ أكتوبر 2019 فحسب، فضلًاعن كيفية إدارة النخبة السياسية والاقتصادية والمالية الحاكمة لهذا الانهيار، بل إنه يفّس رأيضًا الاستجابة التنظيمية والأيديولوجية المحدودة والمفككة على هذا الانهيار من أولئك الذين يعانون أشد المعاناة عواقبه الاجتماعية والاقتصادية والمالية. في المقابل، نجد أنّ تنظير بولانتزاس للدولة (الرأسمالية)، بوصفها "تكثيفًا لعلاقة القوى بين الطبقات والفئات الطبقية، في شكل محدد بالضرورة، داخل الدولة ذاتها"156، يؤكد دورها في إعادة إنتاج الطبقات والتشكيلات الاجتماعية157. فهو ينقل التحليل بعيدًا عن صورة الدولة، بوصفها "كتلةً متراصة"، إلى اعتبارها "حقلًااستراتيجيًا" تُدار فيه التناقضات بين الشرائح الطبقية المختلفة أو بين أعضاء النخبة الحاكمة، أو الكتلة المهيمنة158. إن تفوّق صورة الدولة هذه على صورة فيبر في وصف عدد من الدول العربية، كما هي موجودة بعد الانتفاضات، يمكن استخلاصه من الاقتباس التالي: "بدلًا من مواجهة مجموعة من موظفي الدولة وكادرها متحدين ومتآزرين حول إرادة سياسية موحدة، فإننا نتعامل مع إقطاعات وعشائر وشرائح: مجموعة متعددة من الميكروسياسات المختلفة"159. ويستخدم توبي دودج160 نظرية بولانتزاس السياسية، لا سيما التركيز على الصراعات بين فئات النخبة الحاكمة أو الكتلة المهيمنة، ليشرح واقع الدولة العراقية بعد عام 2003 وتناقضاتها. فبدلًامن تفسير الانحرافات عن مفاهيم سياسية يُفترض أنها كونية ومستمَّدَة من المسار الأوروبي لتشكّل الدولة، ينظر إلى الصراعات بين مختلف الفاعلين الاجتماعيين - السياسيين في لحظة معيّنة، وكيف تُسهم هذه الصراعات في تشكيل مؤسسات الدولة وعلاقات الدولة بالمجتمع. وبناءً على ذلك، فإن "النظر إلى الدولة بوصفها حقلًاتنافسيًا يعني أّن شكلها ومضمونها قد تشّكلّا، تاريخيًا وفي السياسة المعاصرة، من خلال 'تكثيف' الصراعات السابقة والجارية"161. إنّ الطبيعة المتناقضة للدولة العراقية بعد عام 2003 تعكس التنافس بين الفئات السياسية الاجتماعية المختلفة التي تحركت للسيطرة على الدولة. وتصوغ هذه الصراعات الشكل الذي اتخذته الدولة، والعلاقة المترابطة بين مؤسسات الدولة ومختلف فئات النخبة الاجتماعية. إنّ التأريخ لأشكال الدولة بهدف التحرّر من النموذج الأوروبي لتشُّكُل الدولة وبنائها، والتنظير للدولة بما يتجاوز الثنائيات من قبيل دولة/ مجتمع، أو قطاع رسمي/ غير رسمي، أو فاعلين من الدول/ من غير الدول، أو بوصفها "تكثيفًا لعلاقة قوى بين الطبقات وشرائحها"، يتيح لنا أن نجمع طيفًا آخر غير تشُّكُل/ تشوّه الدولة الذي اقترحه صولي. نستطيع بدلًامن ذلك أن نجمع الدول العربية على طيف يمتد من دولة متكاملة (في أقصى اليسار) إلى دولة بشارة الحديثة (في أقصى اليمين)، مع جمع دول عربية مختلفة على طول الطيف بحسب قربها من الدولة المتكاملة الخالية من الثنائيات (كما في لبنان بعد الحرب) وقربها من إعادة صوغ بشارة ما تعنيه الدولة الحديثة في عصرنا (حيث لا نجد أي دولة عربية.)

  1. Bassel F. Salloukh, "The Anatomy of Lebanon's Postwar Integral State: The Political Economy of Cartels and Consent," Interventions: International Journal of Postcolonial Studies (2025).
  2. Nikos Poulantzas, State, Power, Socialism (London: Verso, 2014),
  3. مسألة الدولة بشارة،، ص.200 - 199
  4. Poulantzas, p. 138.
  5. Ibid., p. 135.
  6. p. 132. Dodge.
  7. Ibid.

وعلى خلاف التنظيرات السابقة للدولة العربية التي تتخذ النموذج الأوروبي مرجعًا تحليليًا ومقارنًا أو التي تركّز على القدرات المؤسسية للدولة (أو غيابها)، فإن مقاربة الدولة بوصفها تشابكًا بين أبعادها المادية والتنظيمية والأيديولوجية في شكل "الدولة المتكاملة"، أو بوصفها "تكثيفًا لعلاقة قوى بين الطبقات وشرائحها"، من شأنها أن تقدم لنا مقاربة أدائية للدولة العربية بعد الانتفاضات تبُرز أّن ممارساتها الرمزية اليومية والقوة الإنجازية لخطابها "ُتُنِتِج وُتُعيد إنتاج الدولة بوصفها الفكرة المهيمنة وبوصفها الإطار المؤسسي النهائي في زماٍنٍ ومكان محددين"162. وفقًا لهذا الرأي، وما سبقه منذ أمد طويل163، يُنَظَر إلى الدولة "على أنّها أداء غير مكتمل دائمًا"164. تفّس ررباب المهدي165 مستوى قمع النظام المصري في 14 آب/ أغسطس 2013 في ميدان رابعة العدوية، والمظاهرات الحاشدة التي دعا إليها وزير الدفاع، حينها، عبد الفتاح السيسي في 26 تموز/ يوليو 2013 في ميدان التحرير، في ما أ طلق عليه جمعة التفويض، على أنّها مشاهد تضفي الشرعية على نفسها بنفسها، صادرة من دولة كانت في حاجة إلى الشرعية في لحظة أزمة. وبالمثل، فإن الإشارات المتواصلة إلى هيبة الدولة هي فعل أدائي "يرمي إلى إنتاج طرائق للوجود والتخيل والتفكير بين رعايا الدولة، وهي أبعد كثيرًا من مجرد تقييد أفعال أو سلوكيات معينة أو تعزيزها"166. هذه المشاهد والعنف الذي تريد أن تشرعنه، والخطاب الذي يستحضر شخص الدولة، هي مؤشر داٌلٌ على ما تعانيه الدولة من أزمة سيطرة (غرامشية)، وجهودها لإعادة إرساء هيمنتها. وفي مقاربة مماثلة، تستخدم لوري براند مفهوم الهيمنة عند غرامشي، لاستكشاف كيف يعمل خطاب الدولة، في شكل "سرديات رسمية"167، أداةً سياسيةً لصوغ سلطة الدولة والحفاظ على السلطة السياسية. ويشمل هذا تفحّص "أشكال كتابة وإعادة كتابة عناصر القصة الوطنية والهوية، والطريقة التي اسُتُخدمت في بناء أو تعزيز الشرعية، والوحدة الوطنية، والاستقرار في الدول العربية بعد الاستقلال"168. من ناحية أخرى، تُعلي ليزا ويدين أيضًا169 "أنماط السيطرة الرمزية" على المطالب المادية والآليات القسررية، في شرح "العلاقات الأيديولوجية المعقدة الأساسية للحفاظ على السلطة السلطوية"170. ويستعمل جميل معوض مقاربة أدائية لدراسة كيف يستخدم اللبنانيون المهمشون الرياضة ل "تخيل" لبنان موَّحَد، ليس قوًّيًا ومقدامًا فحسب، بل يمكنه أيضًا أن ينافس تلك البلدان التي تتدخل في سياسته الداخلية171. وبذلك يجري تخيّل الدولة في الممارسات اليومية على أنّها "آخر" بالنسبة إلى النظام الضعيف المختَرَق الذي يفتقر إلى الوحدة الوطنية بسبب الانتماءات الطائفية"172. وفي المقابل، فإنّ بناء خطاب مرن حول دولة لبنانية ضعيفة ليس أكثر من مجاز نخبوي طائفي لتعزيز سيطرة النظام الطائفي173. وهنا يعمل اهفعض نع ةلودلا لائًاااسم؛ ةمواقلام لاكشأ نم لاكًااش هفصوب ءادلاأ وغيابها، في حين يتبنى خطاب مواطنة ينتج مخيلة جماعية لما يمكن أن يكون وما يجب أن يكون، فقط لو حكمت النخب السياسية كما يجب أن تحكم. وبالمثل، يستخدم معوض وهانس باومان مقاربة ما بعد حداثية لتوضيح كيف يمكن أثر الدولة Effect State، عند تيموثي ميتشل174، أن "يظهر من الأسفل"، وينتج بذلك الدولة بصفتها بناءً أيديولوجيًا175. وفي المقابل، يمكن تصوّر الدولة كتخيل Fantasy من خلال تجارب السخرية اليومية. ويقترح سامي هرمز أنّ "تخيلات الناس بشأن ما ينبغي أن تكون عليه الدولة تعزز قوة الدولة ووجودها"176. وأخيرًا، كشفت دراسة خوسيه مارتينيز177، حول دور دعم الخبز في إدماج الدولة في الحياة اليومية للمواطنين

  1. Charles Tripp, "The State as an Always-Unfinished Performance: Improvisation and Performativity in the Face of Crisis," International Journal of Middle East Studies , vol. 50, no. 2 (May 2018), p. 337.
  2. Clifford Geertz, Negara: The Theatre State in Nineteenth-Century Bali (Princeton: Princeton University Press, 1980).
  3. Tripp, p. 337.
  4. Rabab El-Mahdi, "The Failure of the Regime or the Demise of the State?" International Journal of Middle East Studies , vol. 50, no. 2 (May 2018), pp. 328 - 332.
  5. Ibid., p. 329.
  6. Laurie A. Brand, Official Stories: Politics and National Narratives in Egypt and Algeria (Stanford: Stanford University Press, 2014), p. 6.
  7. Ibid., p. 2.
  8. Lisa Wedeen, Authoritarian Apprehensions: Ideology, Judgment, and Mourning in Syria (Chicago: University of Chicago Press, 2019), p. x.
  9. Ibid., p. 17.
  10. Jamil Mouawad, "Lebanese Football: Imagining a Defiant and United Lebanon?" Middle East Critique , vol. 27, no. 3 (2018), p. 290.
  11. Ibid., p. 291.
  12. Jamil Mouawad, "Unpacking Lebanon's Resilience: Undermining State Institutions and Consolidating the System?" IAI Working Papers , vol. 17 (October 2017), pp. 4 - 5.
  13. Timothy Mitchell, "Society, Economy, and the State Effect," in: Aradhana Sharma & Akhil Gupta (eds.), The Anthropology of the State: A Reader (Malden, MA: Blackwell Publishing, 2006), pp. 169 - 186.
  14. Jamil Mouawad & Hannes Baumann, "Wayna al-Dawla?: Locating the Lebanese State in Social Theory," Arab Studies Journal , vol. 25, no. 1 (Spring 2017), p. 79.
  15. Sami Hermez, "When the State Is (N)ever Present: On Cynicism and Political Mobilization in Lebanon," Journal of the Royal Anthropological Institute , vol. 21, no. 3 (September 2015), p. 512.
  16. José Ciro Martínez, States of Subsistence: The Politics of Bread in Contemporary Jordan (Stanford: Stanford University Press, 2022), p. 8.

الأردنيين، كيف أنّ الدولة تتشكل أداءً من خلال الموقع العادي واليومي للمخبز، كاشفةً أنّ "تكرار الممارسات التنظيمية في شكل الرعاية الاجتماعية يؤدي إلى تجسيد الدولة في الحياة اليومية"، ومن ثمّ يُنتج "وهم حالة المعطى" Given-ness of Illusion The 178. لم يحلّ أٌّيٌ من التنظيرات الآنفة للدولة العربية بعد الانتفاضات العلاقَةَ الإشكالية بين المقاربتين الأدائية والسببية. فعلى سبيل المثال، هل توقع السيسي أن يكون لأدائية المظاهرات تأثير دائم في السكان االذين كان يقمعهم؟ هل كان لخطاب هيبة الدولة آثار سببية، فضل عن إنتاج طرائق مستدامة للوجود والتخيل والفعل؟ تعترف براند بهذا القصور، واصفةًالنتائج المستخلصة من المقاربة الأدائية بأنها "استدلالية، لكنها قد لا تكون حاسمة دائًا"179. وبالمثل، تعمل تصورات الدولة التي جرى إنتاجها في أمثلة معوّض وهرمز في اتجاهات متضادة: نحو مقاومة سلطة النخبة الطائفية في المثال الأول، ونحو "إعادة تأسيس دولة الزعيم"180 في المثال الثاني. وأخيرًا، كيف يمكننا التوفيق بين "وهم حالة المعطى" في حالة الدولة الأردنية، الذي ينتج أداءً، وبين ما قد يبدو، من منظور أكثر مادية، دولةً فشلت في خدمة شعبها من حيث الخطاب والسلطة؟ على الرغم من هذا القصور، تقدّم الدراسات الأدائية للدولة العربية بديلًامن التنظيرات المرتكزة على النموذج الأوروبي لتشُّكُل الدولة وبنائها وثباتها المؤسسي الملازم لها. فهي تكشف جوانب من الديناميات السياسية بعد الانتفاضات، لم تتمكن التنظيرات التقليدية للدولة العربية من التقاطها، سواء تلك التي تعيد إنتاج الصورة الثنائية لعلاقات الدولة - المجتمع المستوردة من التجربة الأوروبية، أو البدائل المادية التي تتجنب هذه الثنائية.

خاتمة

مع تعليق النموذج الغربي الأوروبي المهيمن لتشُّكُل الدولة وإدخال تجربة العالم العربي في حوار مع مناطق أخرى من الجنوب الكبير، تناولت هذه الدراسة تسلسلات ومسارات وزمنيات بديلة لنشوء الدول العربية وبنائها. وقد ركّز هذا "التفكيك" الضروري أيضًا على تلك اللحظات المفصلية بعد العهد العثماني في عشرينيات القرن العشرين وثلاثينياته المبكرة، التي صاغت علاقات الدولة - المجتمع بطرائق دائمة مع آثار مباشرة في وقائع فترة بعد الاستقلال وإمكاناتها السياسية. وقد جادلت بأن نموذج الدولة الذي استوردته القوى الاستعمارية إلى العالم العربي، على الرغم من أنه كان متاحًا من الناحية المؤسسية، فإن جوهر الدولة أو الشكل الذي اتخذته الدول العربية تشكّل إلى حد بعيد بفعل هذه المسارات والزمنيات البديلة لتشكل الدولة وبنائها، وبفضل اللحظات المفصلية الحرجة. لقد مهّدت هذه الخطوة الأولى لاستطلاع التنظيرات البديلة للدولة في العالم العربي بعد الانتفاضات الشعبية. وكشف هذا التمرين النظري عن عدد من التصورات والصور المختلفة للدولة في المنطقة، لكلّ منها افتراضاته المنهجية وإمكاناته وحدوده التفسيرية. ففي حين أنّ بعضًا منها يواصل اتخاذ نموذج الدولة الأوروبية الغربية نقطَةَ انطلاق للتحليل والمقارنة النقديين، يحيد بعضها الآخر عن هذا النموذج في ماحاولة للتنظير للدولة في العالم العربي كما هي موجودة فعل. وبالنسبة إلى المجموعة الأخيرة، ينبع ربط أشكال الدولة بمسار مختلف عن النموذج الأوروبي من الاقتناع، كما يقول أدوم غيتاشو وكارونا مانتينا، بأن "مفاهيم الفكر الاجتماعي والسياسي الحديث كانت مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالمسار التاريخي للحداثة في الغرب، فهي من ثم تصل إلى حدود واضحة عند تطبيقها من دون نقد على المجتمعات التي جرى إدماجها في التاريخ العالمي للحداثة بشروط مختلفة جدًا، وفق زمنيات مختلفة، وتحت ضغوط مختلفة"181. وبالنسبة إلى أولئك الواقفين على هذا الجانب من الانقسام المفهومي، فإنّ إعادة التنظير للدولة في العالم العربي توفّر سبيلًاللهروب من تفسير "التشكيلات السياسية في هذه المجتمعات على أنها مجرد تعبير عن غيابات وإخفاقات متعددة"182. وهي جزء من الاجتهاد الواجب على أي "إعادة تأسيس إبستيمي" تأخذ على محمل الجد مسؤولية التعبير عن مسارات وإمكانات تاريخية بديلة. يمكن اعتبار إعادة تأطير عزمي بشارة للدولة الحديثة نوعًا مختلفًا يموهفم ءايحإ ةداعإ" انيتنامو وشاتيغ هيمسي ال م لا ااثمو، امًات"م Conceptual Reanimation183 يمكن أن يمارسه المفكرون من الجنوب الكبير على مفاهيم تمتلك مدى عالميًا، بهدف إعادة بنائها بدلًامن رفضها، بصفتها جزءًا من جهد جماعي ل "نزع الاستعمار عن النظرية السياسية"، من أجل توليد معرفة نظرية من الجنوب الكبير. مع تجربة بشارة، بوصفها موقعًا للإنتاج الفكري، فإن الابتكار مسألة الدولة يضع العالم العربي في حوار نظري المفهومي في كتاب عالمي حقيقي. ففي هذه الحالة، تُبِرِز نظرية الدولة الحديثة المنطلقة من منظور العالم العربي خصائص غائبة عن التنظير الأصلي، لكن لا بّد منها في زمننا؛ فأصولها قد تكون محلية، لكن أهميتها عالمية. هذا

  1. Ibid., pp. 231, 233.
  2. Brand, p. 25.
  3. Hermez, p. 520.
  4. Getachew & Mantena, p. 374.
  5. Ibid., p. 373.
  6. Ibid., p. 372.

الإنتاج لنظرية جديدة للدولة الحديثة هو نتيجة "مواجهة نقدية مع الحداثة الاستعمارية والفكر السياسي الغربي"، وهي مواجهة "تفسح مج لًالتحرّي الوعي الذاتيي والابتكار، وذلك على وجه التحديد لأّن المفكرين غير الغربيين يمكن أن يروا المفاهيم الغربية من مسافة نقدية، وأحيانًا من وجهة نظر وافدين جدد للمجال، لكنهم على الدوام قادمون من داخله ومن خارجه في آن معًا"184. ويعّب رذلك، إلى جانب الإسهامات الأخرى، التي استعرضتها هذه الدراسة، عن نمط من الإنتاج المعرفي المفكك للاستعمار، يظهر إلى أي حدّ أصبح االبحث العلمي عن العالم العربي ومنه موقعًا لتطوير النظرية بدل من الاستهلاك غير النقدي لها.

المراجع

العربية

الأحمر، المولدي. الجذور الاجتماعية للدولة الحديثة في ليبيا: الفرد والمجموعة والبناء الزعامي للظاهرة السياسية. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2009 أزمة الدولة في الوطن العربي. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2011 الأفندي، عبد الوهاب. عن المثقف الإسلامي والأمراض العربية: تأملات في المحنة المعاصرة. الدوحة: منتدى العلاقات العربية الدولية،.2022 بشارة، عزمي. مسألة الدولة: أطروحة في الفلسفة والنظرية والسياقات. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2023._______ الدولة العربية: بحث في المنشأ والمسار. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2024 الخفاجي، عصام. الدولة والتطور الرأسمالي في العراق: 1968 - .1978 القاهرة: دار المستقبل العربي،.1983 الدولة العربية المعاصرة: بحوث نظرية ودراسات حالة. محمد حمشي ومراد دياني (محرران.) الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2023 سلامة، غسان. المجتمع والدولة في المشرق العربي. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2019.]1987[صولي، أدهم ورايموند هينبوش. "الدولة العربية: مقاربة سوسيولوجية عمران تاريخية.". مج  10، العدد 37 (صيف.)2021 العطش للدولة والريبة منها. بيروت: المجلس العربي للعلوم الاجتماعية،.2019 العظمة، عزيز. العلمانية من منظور مختلف. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.1992 قبلان، مروان. "لماذا انهارت ’دولة البعث‘ في سورية؟." سياسات عربية. مج 9، العدد 53 (تشرين الثاني/ نوفمبر.)2021 كوثراني، وجيه. مشروع النهضة العربية: أو أزمة الانتقال من الاجتماع السلطاني إلى الاجتماع الوطني. بيروت: دار الطليعة،.1995

  1. Ibid., p. 374.

._______ الدولة والخلافة في الخطاب العربي إبّان الثورة الكمالية في تركيا. بيروت: دار الطليعة،.1996 _________. "بواكير الفكر الدستوري: التنظيمات العثمانية والدستور (بين الرعوية والمواطنة.") تنبّي. مج 1، العدد 3 (شتاء.)2013._______ السلطة والمجتمع والعمل السياسي العربي أواخر العهد العثماني: وسائط السلطة في بلاد الشام. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2017.]1988[._______ مختارات سياسية من مجلة "المنار" لرشيد رضا. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2019._______ المسألة العربية: الدولة والمجتمع في التاريخ العربي. بيروت: منتدى المعارف،.2019 الناهي، هيثم غالب. الدولة وخفايا إخفاق مؤسساتها في المنطقة العربية. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2016

الأجنبية

Ahmida, Ali Abdullatif. "Colonialism, State Formation and Civil Society in North Africa." International Journal of Islamic and Arabic Studies. vol. 11, no. 1

Ahram, Ariel I. Break All the Borders: Separatism and the Reshaping of the Middle East. Oxford: Oxford University Press, 2019. Al-Azmeh, Aziz. "Secularism and Its Enemies." Working Paper. no. 15. Leipzig University. 2020. Al-Khafaji, Isam. Tormented Births. London: I.B. Tauris, 2013. Anderson, Lisa. The State and Social Transformation in Tunisia and Libya. Princeton: Princeton University Press, 1986. Ayoob, Mohammed. The Third World Security Predicament. Boulder, CO: Lynne Rienner, 1995. Ayubi, Nazih N. Over-stating the Arab State. London: I.B. Tauris, 1995. Barkey, Karen. Bandits and Bureaucrats. Ithaca, NY: Cornell University Press, 1994. ________. Empire of Difference. Cambridge: Cambridge University Press, 2008. Batatu, Hanna. The Old Social Classes and the Revolutionary Movements of Iraq. Princeton: Princeton University Press, 1978. Blaydes, Lisa. "State Building in the Middle East." Annual Review of Political Science. vol. 20 (2017). Chakrabarty, Dipesh. Provincializing Europe. Princeton: Princeton University Press, 2000. Charrad, Mounira M. States and Women's Rights. Berkeley: University of California Press, 2001. Coronil, Fernando. The Magical State. Chicago: University of Chicago Press, 1997. El-Affendi, Abdelwahab & Khalil Al-Anani (eds.). After the Arab Revolutions: Decentring Democratic Edinburgh Edinburgh: Theory. Transition University Press, 2021. Eriksen, Stein Sundstøl. "'State Failure' in Theory and Practice: The Idea of the State and the Contradictions of State Formation." Review of International Studies. vol. 37, no. 1 (January 2011). Ertman, Thomas. Birth of the Leviathan: Building States and Regimes in Medieval and Early Modern Europe. Cambridge: Cambridge University Press, 1997. Geertz, Clifford. Negara: The Theatre State in Nineteenth- Century Bali. Princeton: Princeton University Press, 1980. Getachew, Adom & Karuna Mantena. Worldmaking after Empire: The Rise and Fall of Self-Determination. Princeton, NJ: Princeton University Press, 2019. __________. "Anticolonialism and the Decolonization of Political Theory." Critical Times. vol. 4, no. 3

Gramsci, Antonio. Selections from the Prison Notebooks. Quintin Hoare & Geoffrey Nowell Smith (eds. & trans.). New York: International Publishers, 1971. Hallaq, Wael B. An Introduction to Islamic Law. Cambridge: Cambridge University Press, 2009. _______. The Impossible State. New York: Columbia University Press, 2013. Hariri, Aula. "State Formation as an Outcome of the Imperial Encounter." Review of International Studies. vol. 45, no. 5 (2019). Hourani, Albert. Arabic Thought in the Liberal Age, 1798–1939. Cambridge: Cambridge University Press, 1983. Huang, Chin-Hao & David C. Kang. State Formation through Emulation. Cambridge: Cambridge University Press, 2022. Hudson, Michael. Arab Politics: The Search for Legitimacy. New Haven: Yale University Press, 1977. Kamrava, Mehran. Inside the Arab State. London: Hurst, 2018. Mamdani, Mahmood. Citizen and Subject. Princeton: Princeton University Press, 1996. ________. Neither Settler nor Native. Cambridge, MA: Belknap Press, 2020. Martínez, José Ciro. States of Subsistence. Stanford: Stanford University Press, 2022. Massad, Joseph A. Colonial Effects. New York: Columbia University Press, 2001. Mazzuca, Sebastián. Latecomer State Formation: Political Geography and Capacity Failure in Latin America. New Haven: Yale University Press, 2021. Mestyan, Adam. Modern Arab Kingship: Remaking the Ottoman Political Order in the Interwar Middle East. Princeton: Princeton University Press, 2023. Migdal, Joel S. Strong Societies and Weak States. Princeton: Princeton University Press, 1988. _________. State in Society. Cambridge: Cambridge University Press, 2001. Moore, Barrington Jr. Social Origins of Dictatorship and Democracy. Boston: Beacon Press, 1966. Neep, Daniel. Occupying Syria under the French Mandate. Cambridge: Cambridge University Press, 2012. Niang, Amy. The Postcolonial African State in Transition: Stateness and Modes of Sovereignty. London: Rowman & Littlefield International, 2018. Nicholls, Esteban. "Studying the State." Third World Thematics. vol. 3, no. 4 (2018). Nugent, David. Modernity at the Edge of Empire. Stanford, CA: Stanford University Press, 1997. Runciman, David. The Handover. London: Profile Books, 2023. Said, Edward W. Culture and Imperialism. New York: Vintage Books, 1994. Salloukh, Bassel F. "The State of Consociationalism in Lebanon." Nationalism and Ethnic Politics. vol. 30, no. 1 (2024). __________. "The Anatomy of Lebanon's Postwar Integral State." Interventions (2025). Saouli, Adham. The Arab State: Dilemmas of Late Formation. Oxon: Routledge, 2012. Sørensen, Georg. Changes in Statehood: The Transformation of International Relations. London: Palgrave, 2001. Taylor, Charles. Modern Social Imaginaries. Durham: Duke University Press, 2004. Thompson, Elizabeth F. How the West Stole Democracy from the Arabs. New York: Atlantic Monthly Press, 2020.

Tilly, Charles (ed.). The Formation of National States in Western Europe. Princeton: Princeton University Press, 1975. Tripp, Charles. "The State as an Always-Unfinished Performance." International Journal of Middle East Studies. vol. 50, no. 2 (2018). Tully, James. Public Philosophy in a New Key, vol. 2: Imperialism and Civic Freedom. Cambridge: Cambridge University Press, 2008. Waterbury, John. The Egypt of Nasser and Sadat. Princeton: Princeton University Press, 1983. Wedeen, Lisa. Authoritarian Apprehensions. Chicago: University of Chicago Press, 2019. Wimmer, Andreas. Nation Building: Why Some Countries Come Together While Others Fall Apart. Princeton: Princeton University Press, 2018. Wyrtzen, Jonathan. Worldmaking in the Long Great War. New York: Columbia University Press, 2022. Zarakol, Ay ş e. Before the West. Cambridge: Cambridge University Press, 2022.

تـأليف: . تود لاندمان
تـرجمة: باسم سرحان - وائل سلامة.

* Abdelkarim Amengay عبد الكريم أمنكاي |

الدولة العربية في أعين مواطنيها: تحليل للاتجاهات الفردية

The Arab State Through the Eyes of its Citizens: An Individual-Level Analysis

إذا كانت الدولة من أكثر المواضيع التي حظيت باهتمام المفكرين والمثقفين العرب منذ القرن التاسع عشر، فإن دراسة اتجاهات المواطنين الفردية نحو الدولة في العالم العربي بوساطة المسوح الاجتماعية ظّل ت، في المقابل، أمرًا هامشيًا، سواء في الأبحاث العربية أو الغربية. فنحن لا نعرف الكثير عن مواقف المواطنين العرب بشأن العديد من الجدالات التي هيمنت على نقاشات النخب العربية حول "الدولة العربية"، المتعلقة بالطبيعة الأنطولوجية للدول القائمة في الواقع، أو ذات الطابع الأيديولوجي المرتبطة بشكل الدولة الذي يجب أن تتخذه. تسعى هذه الدراسة للمساهمة في ردم هذه الفجوة المعرفية من خلال التركيز على فترة ما بعد عام 2011، حيث تحّل ل طريقة فهم المواطنين العرب للدولة ومدى تمييزهم بينها (بوصفها كيانًا سياسيًا) وبين الأنظمة الحاكمة، إضافة إلى طبيعة تطلعاتهم نحوها وتوجهاتهم بشأن الجدالات الأيديولوجية المتعلقة بالدولة في العالم العربي، خصوصً ا النقاش بشأن الدولة الوحدوية القومية العربية مقابل الدولة الُق طرية الوطنية، والدولة الدينية الإسلامية مقابل الدولة المدنية، وطبيعة المحددات الفردية الممكنة لمواقف الأشخاص تجاه هذه القضايا. كلمات مفتاحية: الدولة الوطنية، القومية العربية، الدولة المدنية، التوجهات الفردية، العالم العربي.

مقدمة

يلاحظ المتتبّع للإنتاج العلمي حول الدولة في العالم العربي (سواء قبل ما اصُطُلح عليه ب "الربيع العربي" أو بعده)، غلبة الدراسات النظرية أو المعيارية التي لا تخلو في معظمها من بعد أيديولوجي واضح، في مقابل غياب، أو ندرة، الأبحاث الإمبريقية التي اهتمت بقياس آراء المواطنين العرب ومواقفهم نحو الدولة وتحليلها. فعلى الرغم من أن الدولة من أكثر المواضيع التي حظيت باهتمام المفكرين والمثقفين العرب منذ القرن التاسع عشر، فإن دراسة اتجاهات المواطنين الفردية نحو الدولة في العالم العربي ظلت، في المقابل، أمرًا هامشيًا، سواء في الأبحاث العربية أو الغربية. فنحن لا نعرف كثيرًا عن مواقف المواطنين العرب تجاه العديد من الجدالات التي هيمنت على نقاشات النخب العربية حول "الدولة العربية"، والمتعلقة بالطبيعة الأنطولوجية للدول القائمة في الواقع، أو تلك ذات الطابع الأيديولوجي حول الشكل الذي يجب أن تتخذه. ويزداد هذا الوضع إشكاليةً إذا أخذنا في الحسبان أن موجات الانتفاضات الشعبية (التي شهدها العالم العربي على جولتين: الأولى انطلاقًا من أواخر عام 2010، والثانية عام 2019) أعطت إشارات عن الطبيعة المعقدة المحتملة للعلاقة التي تربط المواطنين العرب بالكيان السياسي المسمى الدولة. وظهر ذلك سواء في الشعارات التي رُفعت في المظاهرات والمطالب التي نادى بها المحتجّون، أو في طبيعة السجالات، بل حتى الصراعات المحتدمة التي سادت البلدان التي اتجهت نحو كتابة دساتير جديدة أو إدخال تعديلات عليها في إطار انتقال ديمقراطي حقيقي كالذي عرفته تونس، أو لبرلة نسبية للنظام السياسي كالتي شهدها المغرب. من جهة، تظاهر المواطنون، خصوصًا الشباب، ضد الأنظمة السلطوية (الجمهورية والملكية) التي ظلت عقودًا طويلة تمثّل بالنسبة إلى فئات عريضة من المواطنين مرادفًا لأجهزة أمنية قمعية دولتية لا تتردد في استعمال أدوات الترهيب لإخضاع الأفراد والجماعات من أجل ضمان بقائها في السلطة ووأد أيّ صوت معارض لها؛ ومرادفًا أيضًا لنخب مفترسة فاسدة جعلت من الدولة أداةً لتحقيق مصالحها الشخصية أو الفئوية أو الطائفية والاستحواذ على مقدّراتها. وتتمظهر الدولة، في هذا الإطار، بوصفها مجموعة من الأجهزة تمسك بزمامها الأنظمة السلطوية القائمة، إلى درجة يغدو معها رفض النظام الحاكم مكافئًا لرفض الدولة بعينها. ومن جهة أخرى، كانت جل المطالب التي رفعها المتظاهرون موجّهة إلى الدولة بوصفها القادرة على تحقيق الآمال الكبيرة في التغيير لتحسين ظروف المواطنين السوسيو-اقتصادية وتمكينهم من عناصر الحياة الكريمة، أو حتى التعويل على الجيش (بوصفه المؤسسة الوطنية التي تشكّل عماد الدولة بامتياز والضامن لاستمراريتها) للوقوف إلى جانب الشعب في وجه الأنظمة السلطوية، في نوع من التمجيد للدولة بوصفها كيانًا مرتبطًا بالوطن يتجاوز الزمرة الماسكة بالحكم. فالدولة هنا تتجسد في مجموعة من المؤسسات المختلفة والمتعالية على النظام السياسي القائم. وإزاء هذه الإشارات المتناقضة، تبدو الحاجة ملحّة، أكثر من أيّ وقت مضى، لدراسة اتجاهات المواطنين الفردية في العالم العربي نحو الدولة. من هذا المنطلق، وبالتركيز على فترة ما بعد عام 2011، تسعى الدراسة للإجابة عن الأسئلة التالية: إلى أيّ مدى يعتبر المواطنون في العالم العربي الدولة كائنًا سياسيًا مختلفًا عن الأنظمة السياسية الحاكمة؟ وما توقعاتهم من الدولة؟ أي، ما تصوراتهم نحو وظائف الدولة وما يتعّي نعليها القيام به وتقديمه؟ أ تصَّوَر الدولة بوصفها جهازًا أمنيًا فحسب تتمثل مسؤوليته الرئيسة في توفير الأمن والحماية، أم هي أيضًا دولة خدماتية تقع عليها مسؤولية ضمان الرفاهية الاجتماعية؟ هل حقًا الدول العربية في شكلها الحالي تفتقد المشروعية في أعين مواطنيها، كما يدّعي بعض أنصار التيارين القومي العربي والإسلامي، على اعتبار أن القبول بشرعية الدولة من السمات الرئيسة للدولة المعاصرة؟ بعبارة أخرى، ما اتجاهات المواطنين في العالم العربي نحو الجدالات الأيديولوجية المتعلقة بالدولة الوحدوية القومية العربية في مقابل الدولة الُقُطرية الوطنية، والدولة الدينية الإسلامية في مقابل الدولة المدنية؟ وإلى أيّ حد توجد اختلافات بين شعوب المنطقة على مستوى هذه القضايا؟ وأخيرًا، ما العوامل الفردية التي ترتبط بمواقف المواطنين تجاه هذه النقاشات الكبرى؟ تنقسم الدراسة إلى ثلاثة مباحث. يتناول المبحث الأول الأبعاد التي بُنيت عليها الجدالات الفكرية والسياسية العربية حول الدولة. أما المبحث الثاني فيقدّم الإطار المنهجي الموَّظَف للإجابة عن الأسئلة البحثية المحَّدَدة من خلال الوقوف على مصدر البيانات المستخدمة وتركيبتها ووصف المتغيرات المختارة والتقنيات الإحصائية المعتمدة في التحليل المقارن بين البلدان أو على المستوى الفردي، ويعرض أيضًا بعض الفرضيات حول العلاقة المحتملة بين عدد من الاتجاهات والسلوكات الفردية (الأبوية، وتقييم الديمقراطية، والرضا عن الوضعين السياسي والاقتصادي) من جهة، وفهم الدولة وتفضيل شكل أيديولوجي لها من جهة أخرى. في حين يستعرض المبحث الثالث النتائج ويناقشها.

أولًا: نقاشات النخب حول طبيعة الدولة

تعدّ الدولة، كما تقدّم، من أكثر المواضيع نقاشًا في الإنتاج الفكري العربي منذ أواسط القرن التاسع عشر، أو ما يُعَرَف في العالم العربي بعصر النهضة. وبرز هذا الاهتمام بالدولة المعاصرة نتيجةً طبيعية للسؤال المركزي الذي شغل النخب العربية على مدى أكثر من قرن ونصف القرن حول أسباب ما اعُتبُر "تخلّفًا" عربيًا - إسلاميًا في مقابل ما اعُتبُر "تقدّمًا حضاريًا" للغرب، أو كما لخّص ذلك النقاش عنواُنُ الكتاب الشهير للأمير شكيب أرسلان، لماذا تأخر المسلمون؟ ولماذا تقدم غيرهم؟؛ فمنذ الرعيل الأول من المفكرين ورجال الدولة الإصلاحيين (أمثال رفاعة الطهطاوي وخير الدين التونسي، وبعدهما أمثال محمد عبده وعبد الرحمن الكواكبي وفرح أنطون) اعُتبُر شكل الدولة السلطانية التقليدية السائدة في المنطقة سببًا رئيسًا للتأخر العربي. وشاع اعتقاد مفاده أن بناء الدولة المؤسساتية على نمط الدولة الفيبرية السائدة في أوروبا هو الشرط المسبق لنجاح المشروع النهضوي، والأداة لبلوغ "التحضر" المبتغى أو "المدنية" وفق المصطلح الرائج آنذاك، بل أيضًا الأداة لحماية بلدان المنطقة من خطر الاستعمار الذي بدأ يدقّ أبوابها منذ الحروب النابليونية، فلا غرابة إذًا أن يشكّل في هذا السياق هدف "بناء دولة وطنية حديثة على نمط دول أوروبا التي ألحقت عساكرها هزائم بجيوش العرب والمسلمين" هاجسًا حقيقيًا. لم يرحّب كثيرون بهذا الطرح، رافضين تبنّي نموذج الدولة الوطنية على النمط الأوروبي اللاديني، خصوصًا في أعقاب سقوط الخلافة العثمانية في عشرينيات القرن العشرين، وهو الموقف الذي تبنّاه محمد رشيد رضا بدايةً، وتأثر به مؤسس جماعة الإخوان المسلمين لاحقًا، حسن البنا. فبالنسبة إلى كثيرين، "ظل ارتباط الإسلام بالدولة موضع اتفاق [غير قابل للنقاش أو المراجعة] بين المسلمين جميعًا - على اختلاف مذاهبهم - إلى القرن التاسع عشر...[وبذلك] شكّل قيام الدولة القومية الحديثة بطابعها العلماني الجذري مأزقًا حقيقيًا أثار الخلاف حول صلة الإسلام بالسياسة بين مؤيد لهذه الصلة[...]ومشكك فيها". ولم يكن من النتائج المباشرة لهذا الخلاف نشأة جماعة الإخوان المسلمين، بوصفها أول تنظيم سياسي إسلامي مهيكل في مصر، في أواخر العشرينيات، التي تجاوز تأثير فكرها معقلها ليشمل جل بلدان المنطقة فحسب، بل الأهم بالنسبة إلينا في هذا السياق هو أنه نجم عنها منذ ذلك الحين أحد أهم خطوط الاصطفاف الأيديولوجي عند النخب العربية حول الدولة، بين أنصار الدولة الدينية الإسلامية (وإن اخُتُلف كثيرًا في ملامحها من تيار إسلامي إلى آخر) في مقابل الدولة المدنية (وإن اخُتُلف في مدى علمانيتها أو علاقتها بالدين.) وإلى جانب هذا السجال، برز سجال آخر في أعقاب الحرب العالمية الثانية، نتيجةً للتبلور الفكري للتيار القومي العروبي ووصوله إلى الحكم في عدد من البلدان، بداية من مصر جمال عبد الناصر، ثم سورية وعراق البعث، فليبيا معمر القذافي لاحقًا، والذين نادوا كلهم بدولة الوحدة التي تجمع العرب من "المحيط إلى الخليج" باعتبارهم "أمة قومية واحدة"، قادحين في شرعية الدولة الُقُطرية الوطنية، وواصفين إياها بالإرث الاستعماري الذي تدافع عنه الأنظمة "الرجعية"، خصوصًا الملكية. غلب الطابع الأيديولوجي الخطابي على النقاش الفكري (النخبوي في كثير منه) حول هاتين الثنائيتين: 1. الدولة الدينية في مقابل الدولة المدنية؛ 2. دولة الوحدة العربية في مقابل الدولة الُقُطرية. وهو نقاش ظلّ في مجمله غير قادر على إنتاج نظرية عربية أصيلة حول الدولة، إلى درجة أن يوسف الصواني اعتبر أن "إحدى الخصائص المميزة للكتابات السياسية العربية[...]الفضاء المحدود الذي يحتله البحث [العلمي الرصين غير المؤدلج أيديولوجيًا] أو التنظير في مفهوم وظاهرة الدولة". ويلخص شمس الدين الكيلاني هذا الوضع بقوله: "نظر الفكر العربي الحديث السائد إلى الدولة القائمة باعتبارها أداة أو وسيلة لهدف أكبر يتخطاها، ونظر إليها الماركسي كحاملة لأهداف الطبقة المسيطرة[...]وتعامل معها المثقف القومي بازدراء واستخفاف، وباعتبارها جسرًا مؤقتًا لبناء الدولة القومية العتيدة الجامعة. كما أن الإسلامي لم ينظر إلى الدولة القائمة إلا باعتبارها عقبة أمام الدولة الإسلامية أو دولة تطبيق الشريعة". سعى عدد من المفكرين والباحثين العرب المعاصرين، أمام هذه الحصيلة التي اعُتبُرت غير مُرضية، لتجاوز هذا الوضع من خلال تبنّي مقاربة أكثر علمية لدراسة الدولة في العالم العربي بتوظيف الأدوات النظرية والمنهجية للعلوم الاجتماعية. وأنتج هؤلاء (وإن اختلفت مقارباتهم ودوافعهم) مساهمات قيّمة اتفقت من جهة مع سابقاتها حول مركزية الدولة في كل تحليل للظواهر السياسية والاجتماعية في العالم العربي. فمثلًا، اعتبر برهان غليون أن "البحث

في الدولة وفهم مشكلاتها[...][هو] المدخل الرئيسي لتحليل وفهم الأزمة الشاملة، الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية، التي تعيشها المجتمعات العربية"، إلى درجة اعتقاده أَّنَ "الأزمة العامة التي يعيشها المجتمع العربي اليوم كليًا [تكاد] تتركز على الدولة". لكن الإنتاج الفكري العربي المعاصر المتجذّر في العلوم الاجتماعية، في المقابل، تميّز في دراسته الدولة في العالم العربي بتخصيصه كثيرًا من الجهد للبحث في ما يمكن وصفه ب "أنطولوجيا" الدولة، وخصوصًا ما اعُتبُر اللبس المفهومي الناتج من عدم التمييز بين الدولة State والنظام الحاكم Regime في المنطقة. فمثلًا، يشدّد عزمي بشارة على ضرورة التمييز بين الدولة بوصفها مجموعة من المؤسسات التي تخترق المجتمع وتؤدي وظائف فيه وله، والتي تستدعي وفاء المواطنين لها بوصفها رمزًا يتعالى على الأفراد والمجتمع من جهة، والنظام الحاكم من جهة أخرى. وتبنّى هذا الموقف أيضًا أدهم صولي ورايموند هينبوش في دراستهما السوسيولوجية التاريخية لتشكّل "الدولة العربية" من خلال تأكيدهما أنه عند "محاولة مفهمة مسار تشكّل الدولة في العالم العربي، فإن من المهم التمييز بين النظام والدولة مفاهيميًا". بعبارة أخرى، ثمة في هذا الجزء من العالم، المسمى العالم العربي، أو على الأقل في قسط منه، جنوح للخلط بين الدولة من جهة، والنظام الحاكم بصفته جماعة حاكمة مهيمنة. وتبنّى هذه الأطروحة باحثون عرب كثر. فمثلًا، يشير محمد جابر الأنصاري، في معرض حديثه عن مجتمعات الخليج العربي، إلى أن لفظة الدولة "باللغة العامية الدارجة تحمل تداعيات مفادها أن الدولة هي السلطة الحاكمة". وقد دفع هذا الأمر الكثير من هؤلاء الباحثين إلى تبنّي أطروحة غياب الدولة في العالم العربي، أو على الأقل اعتبارها كائنًا سياسيًا جوهره أو أنطولوجيته ذات خصوصية تختلف عن الدولة المتعارف عليها في أدبيات العلوم السياسية (على الأقل في التقليد الفيبري منها.) ولا عجب إذًا من كثرة النعوت التي تُلحق بالدولة عند الحديث عنها في العالم العربي، والتي تستمر في التأكيد على طبيعتها الخاصة في المنطقة، إن لم تكن الشاذة. بدءًا بالإصرار على نعت "العربية" في مصطلح "الدولة العربية" نفسه، مرورًا بالدولة المتضخمة، والدولة المستوردة، والدولة التقليدانية، والدولة النيوباتريمونيالية، والدولة الريعية، والدولة النيوبطريركية، والدولة التحديثية التي ليست مرادفًا للحديثة، فالدولة الضارية، وانتهاء بدولة الثقب الأسود. وانطلاقًا من هذا، يمكن التمييز بين بعدين رئيسين في نقاشات نخب العالم العربي المتعلقة بالدولة؛ البعد الأنطولوجي المرتبط بطبيعة الدولة، والذي غلب عليه تبنّي أطروحة الاستثنائية Exceptionalism والخصوصية Particularism، والبعد الأيديولوجي الذي يتمحور حول مشروعية الدولة في شكلها القائم، تبعًا لثنائية الدولة الدينية مقابل الدولة المدنية، وثنائية الدولة القومية مقابل الدولة الُقُطرية. لكن السؤال الذي يطرح نفسه في هذا الصدد هو: أين المواطن العربي من كل هذه النقاشات؟ أي، ما تصور المواطنين العرب للدولة وللشكل الذي يجب أن تكون عليه؟ هذا ما سنحاول الوقوف عليه في ما تبقّى من الدراسة.

ثانيًا: البيانات والمقاربة المنهجية

للإجابة عن التساؤلات السابقة، نوظّف بيانات "المؤشر العربي"، وهو مسح اجتماعي يعدّ أسئلته وينفذه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات منذ الموجة الأولى للانتفاضات الشعبية التي عرفتها المنطقة والتي تأججت شرارتها في كانون الأول/ ديسمبر 2010 في

تونس. وقد أجرى المركز تسع دورات اعتمدت عينات تمثيلية على المستوى الوطني في كل بلد من البلدان التي يغطيها الاستطلاع، وكانت أولاها عام 2011، وآخرها عام 2025. ويوظف هذا التحليل البيانات الخاصة بالدورات الثانية 2013-2012() والرابعة 2015() والخامسة 2016() والثامنة 2022-2021()، حيث يقتصر على الدورات التي تحتوي على أسئلة تسمح بقياس الاتجاهات موضوع الدراسة في أكبر عدد ممكن من بلدان العالم العربي، وبتتبع التغييرات التي تطرأ عليها عبر الزمن كلما سمحت البيانات المتوافرة بذلك. ويعرض الجدول 1() لائحة الأسئلة موضوع التحليل ورمزها في دليل أسئلة الاستبيان Codebook، ودورة المؤشر التي ترد فيها، إضافة إلى الظاهرة التي تسمح بقياسها. أْولْى المؤشر في دورته الثامنة عناية خاصة بموضوع الدولة. ومن بين الأسئلة التي تضمّنها الاستبيان والتي لها علاقة مباشرة بموضوع بحثنا سؤال وُجّه إلى المشاركين لاستقصاء تمييزهم إذا ما كانوا يعتبرون أن الدولة والنظام السياسي/ الحكومة مفهومان أو شيئان مختلفان أم لا. وُعُرض على المستجيبين ثلاثة اختيارات، هي: 1. الدولة والنظام السياسي/ الحكومة هما الشيء نفسه، 2. الدولة والنظام السياسي/ الحكومة مختلفان إلى حد ما، 3. الدولة والنظام السياسي/ الحكومة مختلفان تمامًا. وتضمنت الدورة الثامنة لائحة من الأسئلة تهدف إلى قياس تصورات المستجيبين بشأن مدى اعتبارهم عددًا من الوظائف من ضمن المهمات المنوطة بالدول. وسنقتصر على تحليل النتائج المتعلقة بثلاث منها، هي: توفير الأمن، وتوفير الرعاية الصحية والعلاج المجاني، والاستثمار المباشر في الاقتصاد، على اعتبار أن هذه المجالات تعكس ثلاثة أبعاد من الأدوار الأكثر ارتباطًا بالدولة في الأدبيات والنقاشات السياسية والأيديولوجية الدائرة حولها، وهي: 1. الدولة بوصفها المحتكرة لاستعمال العنف الشرعي؛ 2. الدولة الراعية أو دولة الرفاه الاجتماعي؛ 3. الدولة بوصفها فاعلًااقتصاديًا. أما بخصوص تفضيلات المواطنين تجاه الشكل الأمثل للدولة، وفي سياق الجدل الفكري والسياسي القائم حول الدولة الدينية/ الإسلامية مقابل الدولة المدنية، فقد اعُتُمد سؤال ورد في الدورتين الرابعة 2015() والخامسة 2016() من المؤشر، وصيغته: "بصفة عامة، هل تفضّ ل أن يكون بلدك دولة مدنية أو دينية؟"، وقد:ُطُرحت على المستجيبين ثلاثة اختيارات 1. دولة مدنية؛ 2. دولة دينية؛ 3 لا فرق لديّ. في حين جرى قياس مواقف المشاركين من ثنائية الدولة القومية مقابل الدولة الُقُطرية من خلال سؤال ورد في الدورة الثانية من المؤشر 2013-2012()، طُلب فيه من المستجيبين التعبير عن مدى تأييدهم الاقتراح التالي أو معارضتهم له: "إقامة وحدة اندماجية كاملة بحيث تكون هناك حكومة مركزية واحدة لجميع الدول العربية؟." إضافة إلى بعض عناصر التحليل الإحصائي الوصفي التي سيجري عرضها، تتضمن الدراسة أيضًا تقديم نتائج ثلاثة اختبارات انحدار لوجستي في نماذج بتأثيرات ثابتة Models Fixed-Effects مع حساب متين للأخطاء المعيارية مجمّعة بحسب البلدان Cluster- robust Standard Errors؛ اثنان من هذه النماذج ثنائيان Binary، وواحد اسمي متعدد Multinomial. وتتيح الوقوف على العوامل السوسيوديموغرافية والاتجاهات السياسية والفردية التي قد تكون لها علاقة على المستوى الفردي ب: 1. عدم التمييز بين الدولة والنظام السياسي/ الحكومة؛ 2. تفضيل دولة الوحدة العربية على الدولة الُقُطرية؛ 3. تفضيل الدولة الدينية على الدولة المدنية. وتشكّل هذه الاختيارات المتغيرات التابعة في معادلة تحليل الانحدار اللوجستي. وفي ما يلي وصف المتغيرات التابعة: طبيعة الدولة: متغير ثنائي يأخذ إحدى القيمتين الممكنتين:)1(الدولة والنظام السياسي مختلفان، 0() الدولة والنظام السياسي الشيء نفسه. وقد أعيد ترميز السؤال Q2022_7 المقدّم في الجدول 1() من ثلاث فئات إلى فئتين من خلال تجميع الأفراد الذي صرّحوا بأن "الدولة والنظام السياسي مختلفان إلى حد ما" و"الدولة والنظام السياسي مختلفان تمامًا" في الفئة نفسها. دولة الوحدة: متغير ثنائي يأخذ إحدى القيمتين الممكنتين:)1(إذا أبدى المستجيب تأييده "إقامة وحدة اندماجية كاملة بحيث تكون هناك حكومة مركزية واحدة لجميع الدول العربية"،)0(إذا عبّ عن معارضته هذا الاختيار. الدولة الدينية: متغير فئوي يمكن أن يأخذ ثلاث قيم: 1() الأفراد الذين يفضلون الدولة المدنية، 2() الأفراد الذين لا يفاضلون بين الدولة المدنية والدينية، 3() الأفراد الذي يفضلون الدولة الدينية. أما في ما يخص المتغيرات المستقلة المضمّنة في معادلة تحليل الانحدار اللوجستي فهي كالتالي: الأبوية: تعتبر أطروحة "الدولة الأبوية الجديدة"، التي صاغها هشام شرابي في توصيفه الدولة المعاصرة في العالم العربي، من أكثر الأطروحات جدلية ونفوذًا في النظرة الخصوصية Particularistic

للدولة في المنطقة. وفي رأيه، "في إطار التقاليد الاجتماعية [في العالم العربي]، فإن سلطة الأب وشيخ القبيلة والزعيم الديني (وليس الأمة أو الطبقة) هي التي تحدد وجهة ولاء الفرد وموضوعه[...]وفي سياق الولاء القائم على العجز والخضوع، يبدو جليًا أنه لا يمكن تصور فكرة العقد الاجتماعي". ويقيس المؤشر لعام 2022 هذا البعد من خلال سؤال يسمح بقياس مستوى تفضيل الأفراد لعلاقة أبوية للدولة مع المواطنين، حيث طُلب من المستجيبين أن يحددوا أيّ العبارتين التاليتين هي الأقرب إلى وجهة نظرهم: "علاقة الدولة بالمواطنين يجب أن تكون مثل علاقة رب الأسرة ببقية أفراد الأسرة"، أو "يجب ألا تكون العلاقة بين الدولة والمواطنين كالعلاقة بين رب الأسرة ببقية أفراد الأسرة، بل يجب أن تكون علاقة قائمة على الحقوق والواجبات." بتعبير آخر، تعدّ "الأبوية" متغيرًا ثنائيًا يمكن أن يأخذ قيمتين عدديتين، هما: 1() نظرة أبوية لعلاقة الدولة بالمواطنين، 0() نظرة غير أبوية لعلاقة الدولة بالمواطنين. وتفترض الدراسة أن تبنّي رؤية أبوية لعلاقة الدولة بالمواطنين يرفع احتمال عدم التمييز بين النظام السياسي/ الحكومة والدولة، على اعتبار أن الأبوية المرتفعة قد تؤدي إلى تشخيص الدولة في الحكام الذين يتمثلون في صورة الأب الراعي للمواطنين. تقييم الديمقراطية في البلد: هو متغير مستمر يأخذ قيمة عددية تراوح بين 1 و 10، حيث القيمة 1() تشير إلى اعتبار المستجيب أن بلده "غير ديمقراطي على الإطلاق"، في حين أن القيمة 10() تشير إلى أن المستجيب يعتبر أن بلده "ديمقراطي تمامًا." وكما أ شيرَ إلى ذلك سابقًا، يُعتبر إنكار وجود دولة في العالم العربي في مقابل وجود أنظمة سلطوية إحدى الأطروحات الرائجة بين المفكرين العرب المعاصرين. ويعتبر بشارة مثلً أن "التمايز بين الدولة، بوصفها مؤسسة، والحكام هو تمايز سابق على الديمقراطية"، بمعنى أن أحد العوامل التي قد تفّس رغياب الديمقراطية في المنطقة هو غياب التمايز المذكور، أي في غياب الدولة في مقابل وجود أنظمة سلطوية فحسب. وقد يعني هذا الأمر أن الأفراد الذين يقيّمون وضع الديمقراطية في بلدهم سلبيًا قد يكونون أكثر ميلًاإلى اعتبار أنه لا وجود لاختلاف بين النظام السياسي/ الحكومة والدولة في بلدهم، وذلك في الحالة التي قد يُفهم فيها السؤال حول التمييز بين المفهومين بوصفه متعلقًا ببلدهم. أما إذا فُهم السؤال عمومًا؛ أي غير منحصر في بلد المستجيب، فمن الممكن أن نتوقع أن الأشخاص الذين يقيّمون مستوى الديمقراطية في بلدهم سلبيًا هم الأكثر ميلًاإلى التمييز بين النظام السياسي/ الحكومة والدولة، على اعتبار أنهم قد يكونون الأكثر وعيًا بالطبيعة السلطوية للأنظمة القائمة، ولديهم معرفة أعمق بطبيعة النظرية الديمقراطية التي تقتضي تغيير الحكومات واستمرارية الدولة. الاهتمام السياسي: هو متغير مستمر يقيس مدى اهتمام الفرد "بالشؤون السياسية" لبلده على سلّم أربع درجات: 4() مهتم جدًا، 3() مهتم، 2() مهتم قليل، 1() غير مهتم على الإطلاق. ونفترض أن الاهتمام بالشأن السياسي في البلد من شأنه أن يرفع من احتمال تمييز المستجيب بين النظام السياسي/ الحكومة والدولة، وعدم اعتبارهما الشيء نفسه، انطلاقًا من أن الاهتمام بالسياسة ومتابعتها قد يعنيان معرفة سياسية أفضل Political Knowledge، كالتي يتطلبها فهم المفاهيم السياسية المعاصرة من قبيل الفرق بين النظام السياسي والدولة. النشاط السياسي: هو متغير ثنائي يأخذ القيمتين: 1() إذا كان المستجيب "منتسبًا إلى حزب/ تجمع/ تيار سياسي/ أو مجموعة سياسية"، أو 0() إذا كان غير منتسب إلى أي منها. ونفترض أن الانخراط في العمل السياسي التنظيمي من شأنه أن يزيد من احتمال تمييز المستجيب بين النظام السياسي/ الحكومة والدولة، وألّ يعتبرهما الشيء نفسه، على اعتبار أن النشاط السياسي الحزبي قد يساعد في تطوير الثقافة والمعرفة السياسية للفرد. الوضع الاقتصادي والوضع السياسي: هما متغيران مستمران يحددان تقييم الأفراد للوضعين الاقتصادي والسياسي في البلد على السلّم التالي: 4() جيد جدًا، 3() جيد، 2() سيئ، 1() سيئ جدًا. ونفترض وجود علاقة إيجابية بين التقييم السلبي للمستجيب للوضع الاقتصادي أو السياسي في بلده وتفضيله دولة الوحدة أو الدولة الدينية، استنادًا إلى أن الفرد غير الراضي عن الوضع القائم في البلد حاليًا، سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي، والمرتبط بشكل الدولة الموجودة حاليًا (دولة قُطرية ولادينية) سيجنح إلى تفضيل شكل بديل للدولة غير قائم حاليًا قد يبدو أحسن من بقاء شكلها كما هو عليه.

ي السؤالرقم السؤال في الدليلالدورةالظاهرة المقيسة
هنالك وجهات نظر حول الدولة والنظام السياسي؛ البعض يقول إن الدولة والنظام
السياسي/ الحكومة هما نفس الشيء، والبعض الآخر يقول إنهما مختلفان عن بعضهما
البعض، برأيك، هل تعتقد أن الدولة والنظام السياسي/ الحكومة هما: 1. نفس الشيء،
2. مختلفان إلى حد ما، 3. مختلفان تمامًا؟)30(
Q2022_72022التمييز بين الدولة والنظام
السياسي
هنالك نقاش حول وظائف الدولة الرئيسة، هل تعتقد أن: 1. من وظائف الدولة
توفير الأمن والأمان للناس، 2. توفير الرعاية الصحية والعلاج المجاني للمواطنين،
3. الاستثمار المباشر في الاقتصاد؟)31(
Q2022_9 (3)
Q2022_9 (6)
Q2022_9 (7)
2022وظائف الدولة
هنالك نقاش في العالم العربي حول الدولة المدنية والدولة الدينية، بصفة عامة، هل
تنمفضل أن يكون بلدك دولة مدنية أو دينية؟
Q4112015
و2016
تفضيل الدولة الإسلامية
مقابل الدولة المدنية
هناك العديد من أشكال التعاون الممكنة بين الدول العربية، هل تؤيد/ تعارض إقامة
وحدة اندماجية كاملة بحيث تكون هناك حكومة مركزية واحدة لجميع الدول
العربية؟)32(
Q708_1-2012
2013
تفضيل الدولة القومية مقابل
الدولة الُقُطرية

العربية؟  

الثقة بالحكومة: متغير مستمر يقيس مستوى ثقة الفرد بالحكومة على سلّم من أربع درجات: 4() ثقة كبيرة، 3() ثقة إلى حد ما، 2() غياب الثقة إلى حد ما، 1() غياب الثقة على الإطلاق. ونفترض أن الأشخاص الذين لديهم مستوى ثقة منخفض جدًا بالحكومة يكونون الأكثر ميلًاإلى تفضيل نظام سياسي بديل من شكل الدولة القائم في الواقع؛ أي دولة الوحدة أو الدولة الدينية. الشعور القومي: متغير من ثلاث فئات يعكس مدى تبنّي الأفراد للأيدولوجيا القومية العربية انطلاقًا من السؤال التالي: هناك ثلاثة تصورات في ما يتعلق بمواطني العالم العربي، وأود أن أعرف أًّيًا منها أقرب إلى رأيك؟ من بين الاختيارات الثلاثة التالية الممكنة: 1() هم أمة واحدة ذات سمات واحدة وإن كانت تفصل بينهم حدود مصطنعة؛ 2() هم أمة واحدة، لكن كل شعب من شعوبها يتميّز بسمات خاصة مختلفة؛ 3() هم أمم وشعوب مختلفة لا تربطها سوى روابط ضعيفة. ونفترض وجود علاقة إيجابية بين ارتفاع مستوى الشعور القومي وتفضيل الدولة القومية مقابل الجدول)1(أسئلة المؤشر العربي المستخدمة

الدولة الُقُطرية، وعلاقة سلبية بين هذا الشعور وتفضيل الدولة الدينية، على اعتبار أن الفكر القومي العربي تبنّى تاريخيًا مشروعًا علمانيًا لم يْخُْلُ من صراع مع التيارات الإسلامية، وحتى المواجهة الدموية أحيانًا، سواء مع التيار القومي العروبي الناصري في مصر، أو التيار القومي العروبي البعثي في سورية والعراق. التديّن: متغير مستمر يقيس مستوى تديّن الفرد على سلّم يتضمن أربع قيم: 1() غير مؤمن، 2() غير متديّن، 3() متديّن إلى حد ما، 4() متديّن جدًا. ونفترض أن الأشخاص الذين لدهم مستوى تديّن عالٍ يفضّ لون الدولة الدينية على الدولة المدنية، في حين لا تبدو هناك فرضية منطقية يمكن الدفع بها حول وجود علاقة بين مستوى التديّن والتمييز بين الدولة والنظام السياسي. المتغيرات السوسيوديموغرافية: على غرار ما هو متعارف عليه في دراسة السلوكات والاتجاهات السياسية، ستُدرَج المتغيرات التالية في كل معادلات تحليل الانحدار: الجنس متغير ثنائي بفئتين: 0() إناث، 1(.) ذكور السن متغير بخمس فئات عمرية: 1() الفئة)24-18(، 2() الفئة)34-25(، 3() الفئة)44-35(، 4() الفئة)54-45(، 5() الفئة 55(سنة فما فوق.)

المستوى التعليمي متغير بأربع فئات: 1() غير متعلم، 2() أقل من التعليم الثانوي، 3() حاصل على الشهادة الثانوية، 4() تعليم ما بعد الثانوي.

النسبة
المئوية)%(
عمدد الإجابات
43.111594الدولة والنظام السياسي/ الحكومة
هما الشيء نفسه
56.915301الدولة والنظام السياسي/ الحكومة
مختلفان
10026895المجموع

ثالثًا: تحليل النتائج

تبعًا لما تقدّم في المبحثين الأول والثاني، تُعرض نتائج تحليل البيانات وفق الترتيب التالي. أولًا، الوقوف على مَت ثُل المواطنين في العالم العربي للدولة من خلال مدى تمييزهم بين مفهوم الدولة والنظام السياسي ونظرتهم إلى مسؤولية الدولة عن توفير الأمن والرعاية الصحية والاستثمار في الاقتصاد. ثانيًا، اختبار الفرضيات المقدّمة حول طبيعة المتغيرات الفردية المرتبطة بجنوح الأفراد إلى التمييز بين النظام السياسي والدولة من عدمه، وكذا تلك المتعلقة بالتفضيلات حول الثنائيتين المهيكلتين للنقاشات الأيديولوجية في العالم العربي: الدولة المدنية مقابل الدولة الدينية (الإسلامية)، والدولة الوحدوية العربية مقابل الدولة الُقُطرية.

1. الدولة عند المواطنين العرب: مقارنة على المستوى الكلي

أ. الدولة مقابل النظام السياسي

يقدّم الجدول 2() النتائج الإجمالية الخاصة بجميع البلدان العربية وموريتانيا، والمغرب، ومصر، وليبيا، ولبنان، والكويت (قطر،، والعراق، والسودان، والسعودية، والجزائر، وتونس وفلسطين،، والأردن) التي غطّتها الدورة الثامنة من المؤشر، والمتعلقة بسؤال التمييز بين الدولة والنظام السياسي/ الحكومة. وتظهر النتائج أن غالبية المستجيبين يعتبرون أن الدولة والنظام السياسي/ الحكومة هما كيانان أو مفهومان مختلفان، بما يناهز 56.9 في المئة من الإجابات، في مقابل 43.1 في المئة يعتبرون أنه لا يوجد اختلاف بينهما. ولا يبرز هذا الفارق، ما يعني وجود شبه انقسام بين الأفراد حول الموضوع على المستوى الكلي (الماكرو.).ُتُخفي هذه الأرقام الإجمالية لجميع البلدان العربية تباينات مهمة فوفقًا للنتائج في الشكل 1()، الذي يمثل نسب المستجيبين في كل بلد، الذين يعتبرون أن الدولة والنظام السياسي/ الحكومة هما الشيء نفسه، توجد اختلافات بيّنة بين البلدان العربية على مستوى توزيع نسب الإجابة عن كلا الاختيارين المقدّمين، تراوح مثلًابين 72 في المئة في قطر بوصفها أعلى نسبة و 26 في المئة في تونس بوصفها أقل نسبة في الموافقة على المقولة السابقة. الجدول)2(توزيع إجابات المستجيبينن من جميع البلدان حول علاقة الدولة بالنظام السياسي

المجموع 26895

إذا حاولنا تحديد نمط معّي نتتبعه هذه النتائج في الشكل 1()، فإنه يمكن التمييز بين أربع مجموعات. تتشكّل الأولى من قطر ولبنان، وهما البلدان الوحيدان اللذان يشكّل فيهما المواطنون، الذين يعتبرون أن الدولة والنظام السياسي/ الحكومة هما الشيء نفسه، غالبية عظمى بأكثر من 60 في المئة؛ أي تقريبًا أكثر من الثلثين 72(في المئة في قطر، و 61 في المئة في لبنان.) وهذا أمر لافت للانتباه، لأن البلدين على النقيض في ما يخص طبيعة الدولة والنظام السياسي وتاريخهما والتركيبة المجتمعية، لكنهما يلتقيان في أن الغالبية العريضة من مواطنيهما لا يعتبرون الدولة والنظام السياسي/ الحكومة كيانين سياسيين مختلفين. فمؤسسات الدولة المعاصرة تعود نشأتها إلى عشرينيات القرن العشرين في لبنان (أحد أول البلدان التي عرفت نشأة الدولة الوطنية الحديثة في العالم العربي)، مع ديمقراطية انتخابية عريقة على الرغم من عيوبها، في حين أن إنشاء مؤسسات الدولة الحديثة لا يتجاوز في أحسن الأحوال في قطر خمسين عامًا. تُوافق حالة قطر أطروحة محمد جابر الأنصاري حول علاقة الدولة بالمجتمع في بلدان الخليج العربي (التي أشرنا إليها في المبحث الأول) وارتباط نشأة الدولة المعاصرة فيها بالأسر الحاكمة؛ ما قد يجعلها تبدو مرادفًا لهذه الأسر؛ أي مرادفًا للنظام السياسي/ الحكومة، خصوصًا أنه في كثير من الحالات، وطوال عقود، بقيت المناصب الحكومية، أو على الأقل المحورية منها، محصورة في أبناء الأسرة الحاكمة. في المقابل، لا يظهر أن أطروحة الأنصاري صائبة في حالَتَي السعودية والكويت، اللتين على الرغم من أنهما دولتان خليجيتان تتقاطعان في حيثيات ارتباط نشأة الدولة بالأسرة الحاكمة، فإن نسبة المواطنين الذين لا يميزون فيهما بين الدولة والنظام السياسي هي نصف النسبة في قطر. وينبه هذا الأمر إلى أنه ينبغي مراجعة التعميم عند الحديث عن الدولة العربية، أو على الأقل لم يعد هذا التعميم قائمًا كما كان في الماضي، خصوصًا عند الحديث عن تصورات المواطنين في العالم العربي للدولة.

المجموعة الثانية التي يمكن تمييزها في الشكل 1() هي تلك المكوّنة من موريتانيا والأردن والجزائر وفلسطين، والتي تبلغ فيها نسبة المواطنين الذين لا يرون فرقًا بين الدولة والنظام السياسي ما بين 40 و 50 في المئة. تليها المجموعة الثالثة المكوّنة من المغرب وليبيا والسودان والكويت والسعودية ومصر، والتي تراوح فيها نسبة المواطنين الذين يعتبرون أن المفهومين هما الشيء نفسه ما بين 30 و 40 في المئة، أو بعبارة أخرى هي بلدان تفوق فيها نسبة المواطنين الذين يعتبرون أن الدولة والنظام السياسي هما شيئان مختلفان 60 في المئة من الإجابات؛ أي نحو الثلثين تقريبًا. إن النظر في توزيع النسب بحسب البلدان، وإن لم يُتح تحديد نمط جغرافي معّين، يُظهر استثناءً لافتًا يتمثل في أن البلدان الثلاث التي تسجّل أعلى نسب من التمييز بين الدولة والنظام السياسي هي كلها بلدان مغاربية. أما المجموعة الرابعة، فهي تلك التي لا تتعدى فيها نسبة

مإن وظائف الدولة...؟اإلإجابة بنعمالإجابة بلا
توفير الأمن والأمان للناس93.16.9
توفير الرعاية الصحية والعلاج المجاني
للمواطنين
937
الاستثمار المباشر في الاقتصاد87.312.7

المستجيبين الذين لا يميزون بين الدولة والنظام السياسي 30 في المئة، وتقتصر على بلد واحد هو تونس بنسبة 26 في المئة؛ أي إن 74 في المئة من التونسيين يعتبرون أن النظام السياسي/ الحكومة لا يرادف الدولة؛ أي إن الأخيرة مختلفة في جوهرها عن الأول. وهذا في الحقيقة ليس أمرًا غريبًا، لأن تونس هي البلد العربي الوحيد الذي شهد مرحلة ديمقراطية حقيقية، على الأقل الشكل)1(نسبة المستجيبينن الذين يعتبررون الدولة والنظام السياسي/ الحكومة هما الشيء نفسه بحسب البلدان)2022(

في الفترة 2011 - 2019، التي تميزت بتناوب سياسي على رئاسة الجمهورية والحكومة، ما يكون قد عزز فكرة أن الحكومة تتغير والدولة تبقى. السؤال الثاني الذي يرتبط في نظرنا بمسألة ماهية الدولة في أعين مواطني العالم العربي هو المتمحور حول الكيفية التي يتصور بها المواطنون في المنطقة مسؤولية الدول عن عدد من الوظائف التقليدية المرتبطة بها. وفي هذا الصدد، يتضمن استبيان الدورة الثامنة من المؤشر ثلاثة أسئلة متعلقة بموضوع اهتمامنا، والتي يعرضها الجدول 3()، إضافة إلى التوزيع الإجمالي للإجابة عنها. الجدول)3(نسب إجابات المستجيبينن حول وظائف الدول 2022() (في المئة)

الشكل)2(نسبة المستجيبينن الذين يعتبررون أن الاستثمار المباشر في الاقتصاد من مسؤوليات الدولة بحسب البلدان)2022(

يظهر جليًا أن هناك ما يقارب الإجماع بين المستجيبين على اعتبار أن من وظائف الدولة توفير الأمن والرعاية الصحية والاستثمار في الاقتصاد؛ حيث تبلغ نسبة الموافقة على كل صيغة من الصيغ المطروحة على المستجيبين 93.1 في المئة (من وظائف الدولة توفير الأمن والأمان للناس)، و 93 في المئة (من وظائف الدولة توفير الرعاية الصحية والعلاج المجاني للمواطنين)، و 87.3 في المئة (من وظائف الدولة الاستثمار المباشر في الاقتصاد.) وعلى الرغم من وجود بعض الاختلافات في هذه النسب بين البلدان، فإنها تبقى في جميع الحالات مرتفعة بالنسبة إلى وظيفَتَي توفير الأمن والحماية الصحية؛ حيث إن نسبة المستجيبين الذين يعتبرون أن توفير الأمن هو من وظائف الدولة تراوح بين 80.7 في المئة في المغرب و 100 في المئة في قطر والجزائر، بل تساوي هذه النسبة أو تفوق 90 في المئة في عشرة بلدان من أصل أربعة عشر بلدًا تغطيها دورة المؤشر الثامنة، وهي تونس وموريتانيا والسعودية وفلسطين ولبنان والأردن والعراق وليبيا وقطر والجزائر. ويتأكد الأمر نفسه بالنسبة إلى اعتبار الدولة مسؤولة عن توفير الرعاية الصحية للمواطنين، حيث تراوح نسب الموافقة بين 82.2 في المئة في المغرب و 99.8 في المئة في الجزائر، مع تجاوز النسبة عتبة 90 في المئة في لائحة البلدان نفسها التي سُجّلت فيها نسب مرتفعة أيضًا في السؤال السابق المتعلق بالأمن. أما في ما يخص الاختلافات بين البلدان على مستوى نسب الموافقة على اعتبار الاستثمار المباشر في الاقتصاد من وظائف الدولة (الشكل 2)، نلحظ أنها في تسعة بلدان تفوق 90 في المئة (تونس، الأردن، موريتانيا، فلسطين، العراق، لبنان، السعودية، قطر، ليبيا)، في حين لا تتعدى 66.3 في المئة في الجزائر، وهي البلد الذي كان في مرحلة معيّنة من تاريخه المعاصر يتبنّى نوعًا من نموذج الاقتصاد الاشتراكي الموجّه، وهذا ربما ما يفّس رتوجّس جزء مهمّ من الجزائريين من فكرة الدولة بوصفها فاعلًااقتصاديًا. في الحصيلة، يبدو أنه على الرغم من وجود اختلافات جليّة بين بلدان العالم العربي في نسبة المواطنين الذين يميزون بين الدولة والنظام السياسي، وما يعكسه ذلك من اختلافات في التمّثلّات المرتبطة بالطبيعة "الأنطولوجية" للدولة، فإن هذه الاختلافات، عندما يتعلق الأمر بما هو مطلوب من الدولة القيام به (بغضّ النظر إذا ما كانت والنظام السياسي شيئًا واحدًا)، تكاد تختفي على المستوى الإجمالي، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بمسؤولية الدولة عن توفير الأمن، أو بالمصطلح الفيبري، المحتكرة لاستعمال العنف الشرعي، أو مسؤوليتها عن توفير الخدمات الاجتماعية، أو بمصطلح الاقتصاد السياسي، دولة الرعاية الاجتماعية.

ب. الدولة القومية والدولة الدينية

ولاها المؤشر اهتمامًا في ثاني دوراته عام من المسائل التي أ 2012 (وذلك في أوج الموجة الأولى من الحراكات الشعبية) هي قياس اتجاهات المواطنين في العالم العربي نحو فكرة دولة الوحدة العربية.

وهذا الاهتمام في الحقيقة انعكاس طبيعي لمحورية هذه القضية في النقاشات الفكرية والسياسية في المنطقة على مدى عقود طويلة كما تاقدّم في المبحث الأول. في هذا الصدد، تضمّنت الدورة الثانية سؤل يطلب من المستجيبين تحديد موقفهم (المؤيد أو المعارض) "لإقامة وحدة اندماجية كاملة بحيث تكون هناك حكومة مركزية واحدة لجميع الدول العربية." يعرض الشكل 3() نسب المستجيبين المؤيدين والمعارضين بحسب البلدان، وُيُظهر وجود اختلافات ملحوظة في النسب الإجمالية لتأييد المستجيبين لقيام دولة الوحدة العربية الاندماجية بين بلدان المنطقة في أوج الموجة الأولى من الحراكات الشعبية؛ فقد سُجلت أعلى نسبة تأييد في الكويت والأردن وفلسطين على نحو متقارب جدًا: 78.6 في المئة و 78 في المئة و 77.8 في المئة، على التوالي، في حين سُجلت أدنى نسبة تأييد في لبنان وليبيا والسعودية بأقل من 50 في المئة: 42.1 في المئة و 43 في المئة و 44.5 في المئة، على التوالي. وفي الحقيقة، قد تجد نسبة التأييد المنخفضة لدولة الوحدة العربية في هذه البلدان الثلاث (على الأقل مقارنة بباقي البلدان) تفسيرًا في عوامل تاريخية مرتبطة بالسياقات الخاصة بها. ففي لبنان، لطالما شكّلت القومية، أو على نحو أدق الانتماء العربي، إحدى القضايا التي ينقسم حولها المجتمع اللبناني سياسيًا وفق خطوط طائفية، فالمسلمون أقرب إلى الطرح القومي مقابل المسيحيين، خصوصًا الموارنة، الأكثر معارضة لهذا الطرح. وبناء عليه، يمكن اعتبار انقسام المجتمع اللبناني حول قضية الوحدة امتدادًا للانقسامات الطائفية المسيّسة على مدى أكثر من قرن من الزمن. أما في ليبيا، فمن المحتمل أن ارتباط فكرة الوحدة العربية بنظام القذافي، والذي اتسم بأنه من أكثر الأنظمة العربية قمعًا لأي تعبير معارض، قد يكون ترك إرثًا سلبيًا تجاه الأطروحة الأساسية التي دافع عنها عقودًا من كان يقدّم نفسه "أمينًا للوحدة العربية"، وأدخل ليبيا في تجارب وحدة صورية كان مآلها كلها الفشل. في المقابل، يلاحظ أنه باستثناء السعودية 44.5(في المئة)، فإن دولة الوحدة العربية، بخلاف ما يمكن توقّعه، تحظى بدعم مرتفع في أغلب البلدان التي تحكمها أنظمة مََلَكية (مثل الأردن والكويت)، وكذا في تلك المتنوعة لغويًا، كالمغرب والسودان، والتي ليست بالضرورة عربية "خالصة" من الناحية "الإثنية." وللأسف، لم يستمر السؤال عن الموقف من دولة الوحدة العربية في الدورات الموالية؛ لذلك لا يمكننا تتبّع التغييرات المحتملة التي قد تكون طرأت على مواقف المستجيبين في البلدان العربية في السنوات اللاحقة، خصوصًا لمعرفة إذا ما كانت النسب المسجّلة مرتبطة بالسياق الخاص الذي جُمّعت فيه بيانات الدورة الثانية، أو أنها في الحقيقة تعكس تجذرًا عميقًا ضد دولة الوحدة. أما بخصوص مسألة الدولة الإسلامية مقابل الدولة العلمانية، التي تُعتبر هي أيضًا إحدى القضايا المهيكلة للنقاشات السياسية - الأيديولوجية للنخب العربية حول الدولة، فقد تضمّنت الدورتان الرابعة والخامسة سؤلًاعن مدى تفضيل المواطنين العرب ل "دولة دينية" مقابل "دولة مدنية." ويعرض الشكل 4() نسبة المستجيبين الذين عّب روا عن تفضيلهم لدولة دينية. وقد سُجّلت أدنى نسبة تأييد لهذه الدولة عام 2015 في لبنان 11(في المئة)، تليها مصر 21(في المئة)، فتونس 25(في المئة)، فالعراق 32(في المئة)، فالجزائر 33(في المئة.) وشهدت الأخيرة انخفاضًا ملحوظًا في السنة الموالية إلى 17 في المئة؛ وهي أدنى ثاني نسبة على الإطلاق في البيانات للسنتين بعد لبنان. في المقابل، كانت نسب التأييد في موريتانيا 61(في المئة) والسودان 54(في المئة) والسعودية 52(في المئة) والأردن 43(في المئة)، وهي بلدان تبقى فيها نسبة تفضيل الدولة الإسلامية الدينية نحو 50 في المئة فما فوق. وإذا كان يصعب تقديم تفسير مدعوم إمبريقيًا للتغييرات التي شهدتها هذه النسب، نظرًا إلى أنّها جُمعت خلال سنتين متتاليتين لم تشهدا أحداثًا مفصلية يمكن ربطها بها، فإن المثير للاهتمام هو أن الحالات الثلاث التي سُجّلت فيها أعلى نسب تفضيل للدولة الدينية تشترك جميعها في حضور بارز للدين الإسلامي في هوية الدولة أو في بنية النظام السياسي. فموريتانيا تُعرف رسميًا بالجمهورية "الإسلامية" الموريتانية، والسودان كان خلال فترة جمع البيانات تحت حكم ذي توجه إسلامي في عهد الرئيس السابق عمر حسن البشير، أما في السعودية فشرعية النظام السياسي كانت تعتمد على التحالف مع المؤسسة الدينية قبل إعادة تعريف دورها مع تنامي نفوذ ولي العهد الأمير محمد بن سلمان. وفي المقابل، يغيب هذا البعد الديني في أغلب البلدان التي تسَّجَل فيها نسب رفض مرتفعة لفكرة الدولة الدينية. بعد أن وقفنا في هذا الجزء على الاختلافات على المستوى الكلي بين بلدان العالم العربي في ما يتعلق بتصور المواطنين لمفهوم الدولة والاتجاهات العامة المتعلقة بشكلها الأيديولوجي المفضل (دولة دينية أو دولة الوحدة)، يُطرح سؤال بخصوص العوامل التي يمكن أن تفسرر، على المستوى الفردي، التباين في اعتبار الدولة والنظام السياسي كيانين سياسيين مختلفين أو هما الشيء نفسه.

الشكل)3(نسب المستجيبينن المؤيدين لقيام دولة الوحدة العربية بحسب البلدان)2013-2012(

الشكل)4(تفضيل الدولة الدينية بحسب البلدان 2015(و)2016

2. المحددات الفردية لاتجاهات المستجيبين نحو الدولة

يعرض الجدول 4() نتائج ثلاثة تحليلات انحدار استنادًا إلى بيانات المؤشر. وللتذكير الانحداران الأول والثاني هما انحدار لوجستي ثنائي، المتغيران التابعان فيهما هما متغيران ثنائيان "طبيعة الدولة" و"دولة الوحدة"، يأخذان على التوالي قيمتين ممكنتين لكل متغير:)0(

"الدولة والنظام السياسي/ الحكومة هما الشيء نفسه، 1() "الدولة والنظام السياسي/ الحكومة مختلفان، بالنسبة إلى المتغير الأول. أما المتغير الثاني الخاص ب "إقامة وحدة اندماجية كاملة بحيث تكون هناك حكومة مركزية واحدة لجميع البلدان العربية:" 0() أعارض، 1() أوافق. والانحدار الثالث هو انحدار لوجستي اسمي متعدد Multinomial Regression، يمكن أن يأخذ فيه المتغير التابع ثلاث قيم، هي: 1() تفضيل الدولة المدنية، 3() تفضيل الدولة الدينية،)2(كلاهما سيّان. في هذا التحليل، تمثّل فئة "تفضيل الدولة المدنية)1(الفئة المرجعية التي تُقارن نتائج المعاملات بها (نقتصر في الجدول 4 على عرض النتائج الخاصة بفئة تفضيل الدولة الدينية مقابل الدولة المدنية.) تُظهر نتائج تحليل الانحدار اللوجستي أن متغيرًا مستقلًاواحدًا فقط من بين التي يحتويها النموذج 1() له علاقة ذات دلالة إحصائية بتمييز الأفراد بين الدولة ومفهوم النظام السياسي/ الحكومة، وهو: الأبوية،

النموذج 3
الدولة الدينية
RRR
النموذج 2
دولة الوحدة
Odds Ratio
النموذج 1
طبيعة الدولة
Odds Ratio
لائحة المتغيرات المستقلة
2015 و20162013-20122022دورة المؤشر
*0.91الأبوية
1.011.000.99تقييم الديمقراطية
*1.110.99الوضع الاقتصادي
0.971.03الوضع السياسي
1.021.10الثقة بالحكومة
95.00.960.99الاهتمام السياسي
0.930.901.17النشاط السياسي
1.06***1.48الشعور القومي
***1.32*1.160.95التدّيّن

حيث إن تناسب احتمالاته Ratio Odds يساوي 0.91؛ بمعنى أن المستجيب إذا كان من بين الأفراد الذين يعتبرون أنه "يجب أن تكون علاقة الدولة بالمواطنين مثل علاقة رئيس العائلة مع بقية أفرادها" فإن ذلك يرفع من احتمال أن يعتبر الدولة والنظام السياسي/ الحكومة كيانين سياسيين مختلفين. بعبارة أخرى، يُظهر الأفراد الذين يتبنون نظرة أبوية إلى الدولة احتمالًاأعلى أن يعتبروا أن الدولة والنظام السياسي/ الحكومة غير مختلفين مقارنة بأولئك الذين لا يتبنّون هذه النظرة، عندما تكون باقي المتغيرات المستقلة الأخرى ثابتة. في المقابل، لا تظهر أيّ علاقة ذات دلالة إحصائية بين عوامل مثل الجنس والسن والمستوى التعليمي وتقييم مستوى الديمقراطية في البلد والاهتمام والنشاط السياسّييّن والتدين من جهة، وتمييز الأفراد بين المفهومين من جهة أخرى؛ ما يؤكد فرضيتنا حول وجود علاقة إيجابية بين النظرة الأبوية لعلاقة الدولة بالمواطنين وعدم التمييز بين الدولة والنظام السياسي، في حين لا تتأكد الفرضية المتعلقة بتقييم مستوى الديمقراطية في البلد والتمييز بين المفهومين، ولا تلك المتعلقة بالاهتمام السياسي. الجدول)4(نتائج تحليل الانحدار اللوجستي حول المحددات الفردية لتمثّل الدولة وشكلها المفضل

السّنّ
0.951.031.0724-18
0.970.971.0934-25
0.941.010.9054-45
0.880.950.8555 فما فوق
***1.191.061.03الجنس (إناث)
التعليم
1.211.0430.96أّمّي أو تعليم محدود
**1.191.070.94أقل من الثانوي
**0.85*0.801.04التعليم ما بعد الثانوي
0.91سنة 2016
**0.260.921.42المعامل الثابت
297821358519084حجم العينة)N(

أما في ما يخص المتغيرات المستقلة التي يتضمّنها تحليل الانحدار اللوجستي الثنائي الخاص بسؤال دولة الوحدة (النموذج 2 في الجدول 4)، فإن ثلاثة منها لها علاقة ذات دلالة إحصائية بمسألة تأييد قيام دولة عربية بحكومة مركزية أو معارضة ذلك، وهي على التوالي: الشعور القومي، والتدين، والتعليم ما بعد الثانوي. وُيُظهر المتغيران الأولان علاقة إيجابية مع احتمال تأييد قيام دولة الوحدة باحتمال أكبر من واحد، هي 1.48 و 1.16 على التوالي. ولا يبدو مفاجئًا أن يُظهر التحليل وجود ترابط إيجابي قوي بين الشعور القومي العربي (اعتبار أن مواطني العالم العربي "هم أمة واحدة ذات سمات واحدة وإن كانت تفصل بينهم حدود مصطنعة)" وتأييد قيام دولة الوحدة، وهي العلاقة التي تبدو الأقوى من بين جميع المتغيرات الأخرى الدالة إحصائيًا في النموذج 2(.) في المقابل، وعلى عكس التوقعات، لمستوى التدين علاقة إيجابية أيضًا مع تأييد دولة الوحدة العربية، حيث إنه كلما ارتفع مستوى تديّن الفرد ارتفع احتمال أن يكون من بين المؤيدين لقيام هذه الدولة. وفي مقابل ذلك، يظهر أن ارتفاع مستوى التعليم يخفّض احتمال تفضيل دولة الوحدة العربية، كما يعكس ذلك تناسب الاحتمالات الخاصة بفئة الحاصلين على التعليم ما بعد الثانوي والتي تساوي 0.80. فاحتمال أن يوافق الأشخاص الحاصلون على التعليم ما بعد الثانوي (سواء الجامعي أو غيره) هو أقل مقارنة بالأشخاص المنتمين إلى الفئة المرجعية (الحاصلون على التعليم الثانوي)، عندما تكون باقي المتغيرات المستقلة الأخرى ثابتة. بعبارة أخرى، كلما ارتفع المستوى التعليمي للأفراد في العالم العربي ارتفعت نسبة معارضة قيام دولة الوحدة العربية. وفي رأيي، تحتمل هذه العلاقة تأويَليَن على الأقل: أولهما أن ارتفاع المستوى التعليمي للفرد يجعله ينظر إلى قيام دولة الوحدة العربية باعتبارها فكرة طوباوية بينت التجارب التاريخية المتعددة، التي مرت بها المنطقة، كالجمهورية العربية المتحدة بين مصر وسورية، صعوبة قيامها على أرض الواقع. أما التأويل الثاني فيكمن في احتمال أن يكون الأفراد الأكثر تعلمًا، الذين قضوا أطول مدة في النظام التعليمي لدولهم، أكثر عرضة للتأثر بسياسات غرس الهوية الُقُطرية على حساب الشعور القومي العربي. ولا تسمح البيانات المتوافرة لدينا باختبار هذين الاحتمالين، ولكنهما يبقيان افتراضين يحتاجان إلى دراسات إضافية للحسم في مدى صحتهما. أخيرًا، يقدّم النموذج 3() في الجدول 4() نتائج تحليل الانحدار اللوجستي الاسمي الخاص بنتائج المقارنة بين الفئة التي تفضل "الدولة الدينية" مقابل "الدولة المدنية" (باعتبارها فئة مرجعية في التحليل.) وإجمالًا، تحقق متغيرات الوضع الاقتصادي والتديّن والجنس ومستويات التعليم دلالة إحصائية تختلف في قوتها

واتجاهها. ففي خانة العلاقات السلبية، نجد المستوى التعليمي ما بعد الثانوي بقيمة تناسب الخطر النسبي Relative Risk Ratio RRR()، وتساوي 0.85. وتساعد التنبؤات المعدلة Adjusted Probablities (الشكل 5) في تأويل أسهل لهذه العلاقة بين فئة التعليم الحاصل عليه الفرد واحتمال أن يفضّ ل قيام دولة دينية في مقابل دولة مدنية عند وضع باقي المتغيرات المستقلة في قيمة تساوي المتوسط. ويعكس المنحى المتعلق بتغير احتمالات تفضيل الدولة الدينية في مقابل الدولة المدنية جليًا أن ارتفاع المستوى التعليمي للشخص يرتبط بانخفاض احتمال تفضيله الدولة الدينية مقابل الدولة المدنية عند وضع باقي المتغيرات المستقلة في قيمة تساوي المتوسط. فإذا كان ذلك الاحتمال مثلًايتجاوز 35 في المئة بالنسبة إلى من لم يتلقوا تعليمًافإنه ينخفض إلى نحو 30 في المئة بالنسبة إلى الذين تلقوا تعليمًاما بعد ثانوي. أما في ما يخص المتغيرات التي لها علاقة إيجابية ذات دلالة إحصائية بتفضيل الدولة الدينية فهي: الوضع الاقتصادي والتدين والجنس بقيٍمٍ تناسب الخطر النسبي، وهي: 1.11 و 1.32 و 1.19، على التوالي. ووفقًا للفرضية المقدّمة، تؤكد نتائج النموذج الثالث أنه كلما زاد مستوى تدين الفرد زاد احتمال تفضيله الدولة الدينية على الدولة

بحسب مستوى التدين

المدنية. وتبرز الهوامش التنبئية Margins Predicted في الشكل)5(أن احتمال تفضيل الفرد لقيام دولة دينية مقابل دولة مدنية عند مستويات التدين الأربعة من 1 (غير مؤمن) إلى 4 (متدين جدًا) ينتقل من 25 في المئة عند الأفراد غير المؤمنين إلى 40 في المئة لدى المتدينين جدًا. وُتُظهر نتائج النموذج الثالث أيضًا أنه إذا كان الفرد أنثى فإن هذا يرفع كذلك من احتمال تفضيل الدولة الدينية على الدولة المدنية، في حين، وعلى عكس الفرضية المقدمة، أنه كلما ارتفع تقييم الفرد الإيجابي للوضع الاقتصادي، ارتفع احتمال تفضيله الدولة الدينية على الدولة المدنية. بعبارة أخرى، إذا كان الشخص أنثى، أو متدينًا، أو ذا مستوى تعليمي محدود، أو من الراضين عن الوضع الاقتصادي، فإن ذلك يرفع من احتمال تفضيله الدولة الدينية مقابل الدولة المدنية عند ثبات باقي المتغيرات؛ أي إنه باستثناء الفرضية المتعلقة بعلاقة التدين بتفضيل الدولة الدينية، والتي تجد دعمًافي نتائج النموذج، فإن الفرضيات المتعلقة بوجود علاقة إيجابية بين الشعور القومي والتقييم السلبي للوضع الاقتصادي والسياسي للبلد من جهة، وتفضيل الدولة الدينية من جهة أخرى، لا تحظى بدعم إمبريقي في هذا التحليل. الشكل)5(تأييد قيام الدولة الدينية مقابل الدولة المدنية بحسب مستوى التعليم والتدين

بحسب مستوى التعليم

Pr () الدولة الدينية Pr () الدولة الدينية

خاتمة

تُظهر نتائج التحليل الذي قدّمناه أنه إذا كان تمييز المواطنين بين الدولة والنظام الحاكم في الفترة التي أعقبت الانتفاضات الشعبية بعد عام 2010 يعكس تفاوتات مهمة بين البلدان العربية ويمكن أن تجد تفسيرًا لها في السياقات الخاصة بكل بلد، فإنها في المقابل قد لا تكون بالضرورة مرتبطة بالطبيعة السلطوية للنظام الحاكم، كما تبّي نسواء من خلال الاختلافات الكبيرة في النسب التي تظهر بين قطر والسعودية مثلًا(وهي نماذج لبلدان الخليج العربي التي كثيرًا ما قُدّمت فيها الدولة على أنها مرادف للأسرة الحاكمة) أو التقارب في نسب التمييز بين بلد، كتونس ذات النظام الجمهوري والتجربة الديمقراطية، والمغرب، مثلًا، ذي النظام الَمَلكي الهجين الجامع بين عناصر الحكم التقليدي المتمركز حول شخص الملك ومؤسساتية دولتية بيروقراطية تؤدي فيها الانتخابات التنافسية دورًا في تحديد النخب المشاركة في الحكم. في مقابل ذلك، عندما يتعلق الأمر الملحق)1(لائحة البلدان وعدد المشاركينن في كل دورة من دورات المؤشر العربي المستخَدَمة في الدراسة

الدورةالعاملائحة البلدان المعتمدة في التحليلعدد المستجيبينن
الثانية2013-2012الأردن، الجزائر، السعودية، السودان، العراق، المغرب، اليمن، تونس، لبنان، فلسطين، مصر،
موريتانيا، الكويت، ليبيا
19421
الرابعة2015الأردن، الجزائر، السعودية، السودان، العراق، المغرب، تونس، لبنان، فلسطين، مصر، موريتانيا،
الكويت
18311
الخامسة2016الأردن، تونس، الجزائر، السعودية، السودان، العراق، فلسطين، الكويت، لبنان، مصر، المغرب،
موريتانيا
18311
الثامنة2022-2021الأردن، الجزائر، السعودية، السودان، العراق، المغرب، تونس، لبنان، فلسطين، مصر، موريتانيا، ليبيا،
قطر
33690

الثامنة 2022-2021 قطر

الملحق)2(الإحصائيات الوصفية للمتغيرات بتوقعات الأفراد من دولهم على مستوى ما يجب أن تقدّمه إليهم، نكاد نجد إجماعًا، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بتوفير الأمن والرعاية الاجتماعية وهو ما في مجمله لا يخالف مفهمة الدولة الفيبرية والدولة الخدماتية. إذا كانت النتائج التي توصّلنا إليها لا تكفي لنفي فكرة "خصوصية" الدولة العربية في المنطقة، فإنها على الأقل تدلّ على أنه عندما يتعلق الأمر بتوقعات المواطنين في العالم العربي من الدولة، فإنها لا تختلف في جوهرها عّم ايمكن أن نجده في دول ذات تقليد دولتي عريق من خارج المنطقة يُعتبر فيه الفصل بين كيان الدولة المستمر والحكام الذين يتغيرون تبعًا للمنطق الديمقراطي أمرًا راسخًا في الثقافة والممارسة السياسيَتيَن. وبناء عليه، لا يبدو أن المواطنين في العالم العربي ينظرون إلى الدول القائمة في الواقع على أنها أنظمة سلطوية لا يمكن أن تقدّم إّل االقمع، وهو ما يبدو مخالفًا في جوهره لكثير من كتابات المفكرين من المنطقة وخارجها حول الدولة العربية.

القيمة القصوىالقيمة الدنياالانحراف المعياريالمعدلعدد الملاحظاتالمتغير
بيانات الدورة الثامنة من المؤشر العربي)2022(
100.490.5824316طبيعة الدولة
100.490.4427936الأبوية
411.042.0730046الاهتمام السياسي
100.330.1225687النشاط السياسي
1003.025.3129252تقييم الديمقراطية
511.402.7533197السن (الفئات)
100.500.0533690الجنس (ذكر)
411.042.5531525التعليم
410.633.1130745التدّيّن
بيانات الدورة الثانية من المؤشر العربي)2013-2012(
100.480.6416534دولة الوحدة
410.902.2619000الوضع الاقتصادي
410.912.2418004الوضع السياسي
411.062.5618656الثقة بالحكومة
411.002.5018744الاهتمام السياسي
100.290.0918702النشاط السياسي
1012.394.9918084تقييم الديمقراطية
310.722.3018111الشعور القومي
511.302.7619421السن (الفئات)
100.500.5019421الجنس (ذكر)
411.022.5719396التعليم
410.543.1318554التدّيّن
بيانات الدورتين الرابعة 2015() والخامسة 2016() من المؤشر العربي مجتمعتين
310.901.8835198الدولة الدينية
410.932.2636141الوضع الاقتصادي
410.972.2634876الوضع السياسي
411.072.5535973الثقة بالحكومة
410.962.2936365الاهتمام السياسي
100.310.1135456النشاط السياسي
1002.375.3535359تقييم الديمقراطية
310.732.2035227الشعور القومي
511.362.7136621السن (الفئات)
100.500.5036622الجنس (ذكر)
411.012.4136622التعليم
410.593.1035293التدّيّن

المراجع

العربية

إبراهيم، سعد الدين. اتجاهات الرأي العام العربي نحو مسألة الوحدة (دراسة ميدانية). بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.1980 لماذا تأخر المسلمون؟ ولماذا تقدم غيرهم أرسلان، شكيب.؟ وندسور، المملكة المتحدة: مؤسسة هنداوي سي آي سي، 2018.]1930[الأيوبي، نزيه. تضخيم الدولة العربية: السياسة والمجتمع في الشرق الأوسط. ترجمة أمجد حسين. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2010 الدولة المستوردة: تغريب النظام السياسي بادي، برتران.. ترجمة لطيف فرج. القاهرة: مدارات للأبحاث والنشر،.2017 بشارة، عزمي. الدين والعلمانية في سياق تاريخي، الجزء الثاني، المجلد الثاني: العلمانية ونظريات العلمنة. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2015 ________. في المسألة العربية: مقدمة لبيان ديمقراطي عربي. ط 4. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2018._________ الانتقال الديمقراطي وإشكالياته: دراسة نظرية وتطبيقية مقارنة. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2020 حراك 22 فبرراير 2019 في الجزائر: انتفاضة واحدة ومقاربات شتى. محمد حمشي (محرر.) الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2023 درازيك، جون س. وباتريك دنلفي. نظريات الدولة الديمقراطية. ترجمة هاشم أحمد محمد. القاهرة: المركز القومي للترجمة،.2013 الدولة العربية المعاصرة: بحوث نظرية ودراسات حالة. محمد حمشي ومراد دياني (محرران.) الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2023 السيد، رضوان وعبد الإله بلقزيز. أزمة الفكر السياسي العربي. دمشق: دار الفكر،.2006 شرابي، هشام. النظام الأبوي وإشكالية تخلف المجتمع العربي. ترجمة محمود شريح. ط 4. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2021 الصواني، يوسف محمد جمعة. اتجاهات الرأي العام العربي نحو مسألة الوحدة (تحليل نتائج الدراسة الميدانية). بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2014 صولي، أدهم ورايموند هينبوش. "الدولة العربية، مقاربة سوسيو- عمران تاريخية.". مج  10، العدد 37.)2021(المحنة العربية: الدولة ضد الأمة غليون، برهان.. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.1993 كوثراني، وجيه. في المسألة اللبنانية: الطائفية والزبونية السياسية وأزمة الديمقراطية. بيروت: منتدى المعارف،.2019 الكيلاني، شمس الدين. مفكرون عرب معاصرون: قراءة في تجربة بناء الدولة وحقوق الإنسان. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2016 لابيدس، أيرا م. الفصل بينن الدين والدولة: من الإسلام المبكر إلى الإسلام الحديث. ترجمة أحمد محمود إبراهيم. القاهرة: مدارات للأبحاث والنشر،.2023

الأجنبية

Beblawi, Hazem & Giacomo Luciani. The Rentier State. London/ New York: Routledge, 1987. Brynen, Rex et al. Beyond the Arab Spring: Authoritarianism & Democratization in the Arab World. Boulder: Lynne Rienner Publishers, 2012. El-Affendi, Abdelwahab. Turabi's Revolution: Islam and Power in the Sudan. London: Grey Seal, 1991. Frisch, Hillel. "Modern Absolutist or Neopatriarchal State Building? Customary Law, Extended Families, and the Palestinian Authority." International Journal of Middle East Studies. vol. 29, no. 3 (1997). Galston, William A. "Political Knowledge, Political Engagement, and Civic Education." Annual Review of Political Science. vol. 4, no. 1 (2001).

صـدر حديـث ًا
تـأليف: . مجموعة باحثين
مروان قبلان.
تحرير:
تـأليف: . مجموعة باحثين
مروان قبلان.
تحرير:
استجابة دول الخليج العربي لجائحة كوفيد 19
صدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات كتاب استجابة دول الخليج العربي لجائحة
كوفيد 19، وهو من تأليف مجموعة من الباحثين، ومن تحرير مروان قبلان. ويقع في 239 صفحة.
أ
ثأ
يضم هذا الكتاب مجموعة من الأوراق البحثية التي أعدها متخصصون، ويسّلط الضوء على
ت
نا ال
ك
ائ ة ف
ة للت ا ل
ال
ل الخل
اتخذت ا
الت
ا ا
ال
الت ا
التدابير والسياسات التي اتخذتها دول الخليج العربية للتعامل مع جائحة فيروس كورونا المستجد
(كوفيد- 19)، التي شغلت العالم خلال الفترة (2019 - 2021)، باعتبارها أزمة غير مسبوقة تركت
آثارها على الصعد كافة. ويناقش الكتاب الموضوعات والقضايا المتصلة بها على صعيد تأثير
انهيار أسعار النفط في دول الخليج، واستجابة حكوماتها في قطاعات الصحة والاقتصاد، والحماية
الاجتماعية محليًا، والتعاون الإنمائي دوليًا. كما يتطرق إلى التدابير التحفيزية للتعافي من الجائحة،
ي ن ج
يزي
بير
رقإ ى
م ي
ون لإ م ي و ي
ي و
جا م ي
والحد من تأثيرها السلبي في الاقتصاد، والذي امتّدّ إلى قطاعات أخرى، بدراسة حالات بعينها،
مقدمًا معالجة للتجارب الُعُ مانية، والعراقية، واليمنية، والكويتية، إلى جانب إضاءات حول التعافي
الشامل، والدروس المستفادة من معالجة الأزمات، لتعزيز نقاط القوة وتجاوز أوجه القصور،
وللمضي جّدّيًا في مسارات التنويع الاقتصادي والابتكار، والمتطلبات التنموية لدول المنطقة.

* Melani Cammett ميلاني كاِمِت |

الاقتصاد السياسي للدولة العربية **

The Political Economy of the Arab State

تهتم هذه الدراسة بتطوّر علاقات الدولة - المجتمع وتحولاتها في المنطقة العربية، من منظور المواثيق الاجتماعية وأنظمة الرعاية الاجتماعية. وتسعى للإجابة عن سؤاَل ين رئيسين: كيف استجابت حكومات المنطقة للحراك الشعبي خلال الانتفاضات العربية وما بعدها؟ وماذا تكشف هذه الاستجابات عن طبيعة الدولة العربية، أو بالأحرى عن الأشكال المتعددة من الدول العربية في المنطقة؟ وتضع الدراسة تطوّرات ما بعد الانتفاضات في سياق مسارات تاريخية تعود إلى مرحلة ما بعد الاستقلال، وتنطلق من هذه الخلفية لتتبّع مساراٍتٍ متباينة على نحو واضح منذ عام 2010. وُت ظهر هذه الاستجابات المتمايزة غياب نموذج واحد لما يمكن تسميته "الدولة العربية"؛ إذ تعكس أنظمة الرعاية الاجتماعية والمواثيق الاجتماعية، في ظل أنماط مختلفة من الاقتصادات السياسية، ما لا يقل عن ثلاثة نماذج متميزة للدولة في المنطقة. ففي الخليج العربي الغني بالنفط، تتيح الفوائض المالية الحفاظ على أنظمة رعاية اجتماعية سخية واستراتيجيات تنموية طموحة، في مقابل ترويج حذر لتعزيز دور القطاع الخاص تحت سيطرة محكمة. أمّا في الدول المتوسطة الدخل، فسرعان ما آلت التنازلات الأولية التي أعقبت الانتفاضات، ولا سيما توسيع الإنفاق الاجتماعي والتوظيف، إلى سياسات تقشفية، وأزمات دَين، وبرامج مساعدات موجّهة، وتزايد في القمع؛ ما أسفر عن تراجع الرعاية الاجتماعية وتآكل فرص الطبقة الوسطى. وفي البلدان المنخفضة الدخل والمتأثرة بالنزاعات، أدّت الحروب الممتدة وتفكك الدولة إلى تدمير البنى التحتية لأنظمة الرعاية للفاعلين في المجال الإنساني مهمة سدّ الفراغات التي خّل فتها الدولة الاجتماعية، تاركة. كلمات مفتاحية: الاقتصاد السياسي، الدولة العربية، الرعاية الاجتماعية، رأس المال البشري، الدولة الريعية، الزبونية. This study traces the evolution and divergence of state–society relations in the Middle East and North Africa through the lens of social pacts and welfare regimes. It asks how governments across the region have responded to popular mobilization during and after the Arab uprisings, and what these responses reveal about the nature of the Arab state – or, more accurately, Arab states – in the region. By situating post-uprising developments within longer post-independence trajectories, the study traces sharply divergent paths since 2010. These varied responses underscore the absence of a single "Arab state" model. Instead, welfare regimes and social pacts across different types of political economies in the region reflect at least three distinct models of Arab statehood. In the oil-rich Gulf monarchies, fiscal surpluses sustain generous welfare systems and ambitious development strategies, while rulers cautiously promote expanded roles for the private sector under tight control. In middle-income states, initial post-uprising concessions, such as expanded social spending and employment, quickly gave way to austerity, debt crises, targeted assistance, and rising repression, resulting in declining welfare provision and shrinking opportunities for the middle class. In low-income and conflict-affected countries, protracted wars and state fragmentation have devastated welfare infrastructures, leaving humanitarian actors to fill governance vacuums. Keywords: Political Economy, Arab State, Social Welfare, Human Capital, Rentier State, Clientelism.

مقدمة

غالبًا ما ينطلق تشخيص علاقات الدولة - المجتمع في العالم العربي من افتراض أنّ "الصفقة السلطوية" شكّلت جوهر"المواثيق الاجتماعية" Social Pacts بين الحكّام والمحكومين في المنطقة، خلال مرحلة ما بعد الاستقلال. غير أنّ الأسس الضمنية لهذه الصفقة بدأت تتآكل في أواخر سبعينيات القرن العشرين وخلال ثمانينياته، حينما واجهت حكومات المنطقة أزمات مالية متفاقمة، أدّت إلى تراجع ملحوظ في مستويات الاستثمار العمومي وتدهور الآفاق الاجتماعية - الاقتصادية. ويشكّل ذلك خلفية مهمة لفهم الانتفاضات العربية؛ إذ تمحورت خلالها المطالب الشعبية حول قضايا جوهرية ذات صلة بالاقتصاد السياسي، غير أنها، في الوقت نفسه، تميل إلى حجب التنوع القائم في طبيعة الدولة وفي أنماط علاقات الدولة – المجتمع عبر أنحاء العالم العربي. ويتيح تتبّع تطوّر المواثيق الاجتماعية في المنطقة مج لًالفهم هذا التباين. ومن هنا تبرز الأسئلة التالية: كيف استجابت حكومات المنطقة للحراك الجماهيري أثناء الانتفاضات العربية وما بعدها؟ وماذا تكشف هذه الاستجابات عن الاختلافات البنيوية الواضحة في طبيعة الدولة في أنحاء العالم العربي؟ يمكن تحليل الدول العربية، باستخدام عدسة الاقتصاد السياسي، من زوايا متمايزة. تركز إحدى هذه المقاربات على طبيعة رأسمالية المحاسيب، بما يسلّط الضوء على المواثيق القائمة بين الحكّام والنخب الاقتصادية المرتبطة بهم. أستكشف في هذه الدراسة التغير في ملامح أنظمة الرعاية الاجتماعية، بوصفه مدخلًالفهم طبيعة ما يُعرف بالصفقة الاستبدادية مع شرائح واسعة من السكان في أنحاء المنطقة. وأستعرض أولًا، في إيجاز، مسار صعود الاستثمار الاجتماعي العمومي وتراجعه في المنطقة قبل الانتفاضات العربية، وهي مسألة موثّقة جيدًا في الأدبيات المتخصصة، بما يوفّر خلفية أساسية لفهم التباين المتزايد بين الدول العربية في أعقاب تلك الانتفاضات. ويركّز المبحث الثاني من الدراسة على استجابات الدول منذ اندلاع الانتفاضات العربية؛ من أجل تتبّع المسارات المتمايزة لتنمية الدولة في العالم العربي على نحو أوضح. وُيُظهر هذا التحليل اتساع الفجوة بين دول الخليج الغنية بالنفط وبقية دول المنطقة. ففي البلدان العربية المتوسطة الدخل، سواء تلك التي تمتلك عائدات نفطية أو التي تفتقر إليها، اتجهت أنماط الحماية الاجتماعية في أعقاب الانتفاضات، في مرحلتها الأولى، إلى استرضاء المطالب الشعبية عبر زيادة الإنفاق الاجتماعي وزيادة التوظيف في القطاع العمومي. غير أنّ مسار التنمية الاقتصادية ظل متعثرًا؛ ما أسهم في نشوء أزمات دَين أو تفاقمها، ودفع الحكومات إلى إعادة ترتيب أولوياتها في اتجاه خدمة الَّدَين على حساب الاستثمار في القطاعات الاجتماعية. وأعقب ذلك طور جديد من تبنّي سياسات تقشفية، تزامنت مع تركيز متزايد على برامج المساعدة الاجتماعية الموجّهة؛ وهو الأمر الذي أفضى إلى مزيد من إضعاف الحراك الاجتماعي وأسهم في تفاقم معدلات الفقر. وفي المقابل، شهدت مجموعة أخرى من بلدان المنطقة أزمات إنسانية ممتدة، ناجمة أساسًا عن الحروب والصراعات. وفي مثل هذه السياقات، لا تمارس الدول سوى قدر محدود من السلطة في أحسن الأحوال، بينما يتولى فاعلون بدلاء، مدعومون محليًا وخارجيًا، السيطرة على أجزاء من أقاليمها الترابية الوطنية. باختصار، تكشف هذه النظرة العامة إلى الاقتصادات السياسية العربية عن تعدد أشكال الدولة وأنماط علاقات الدولة - المجتمع وتباينها في أنحاء العالم العربي؛ وهو اتجاه ازداد حدّة خلال العقد الذي تلا نشوب الانتفاضات العربية منذ عام 2010. ففي حين تسعى دول الخليج لدفع مسارات التنمية وترسيخ موقعها، بوصفها فاعلًارئيسًا في السياسة الإقليمية، بل العالمية أيضًا، أصبحت العديد من الدول متوسطة ومنخفضة الدخل أشد انكشافًا أمام الانهيار الاقتصادي والتفكك السياسي.

أولًا: المواثيق الاجتماعية في المنطقة العربية من الاستقلال إلى عشيّة الانتفاضات العربية

كما هو الحال في العديد من البلدان النامية، تبدو دول الرعاية الاجتماعية في المنطقة العربية، باستثناء بلدان الخليج (وهي نقطة سأتناولها لاحقًا)، أقل وضوحًا وتبلورًا مما هي عليه في معظم البلدان الصناعية المتقدمة، حيث يضطلع القطاع العمومي بدور أكبر في توفير الحماية الاجتماعية وتأمين سبل العيش. ففي هذه البلدان، تحمي

  1. أستخدم هنا، على غرار ستيفن هايدمان، مصطلح "الميثاق الاجتماعي" بدلًامن "العقد الاجتماعي" Contract Social الأكثر شيوعًا؛ فالأول الذي يشير إلى اتفاٍقٍ بين النخب يتعلّق بواجبات الدولة تجاه المواطنين، وهو يعكس واقع علاقات الدولة - المجتمع على نحو أدق من الثاني الذي يفترض اتفاقًا أكثر توافقية ومساواةً بين الدولة ومجموعاٍتٍ مجتمعية بشأن طبيعة الحقوق والواجبات الاجتماعية. للاطلاع على استخدام هايدمان لمصطلح "الميثاق الاجتماعي"، ينظر: Steven Heydemann, "Rethinking Social Contracts in the MENA Region: Economic Governance, Contingent Citizenship, and State-Society Relations after the Arab Uprisings," World Development , vol. 135 (November 2020), Art. 105019, p. 2.
  2. Ragui Assaad & Ghada Barsoum, "Public Employment in the Middle East and North Africa," IZA World of Labor (August 2019); Raj M. Desai, Anders Olofsgård & Tarik M. Yousef, "The Logic of Authoritarian Bargains," Economics & Politics , vol. 21, no. 1 (2009), pp. 93-125; Ahmed Galal & Hoda Selim, "The Elusive Quest for Economic Development in the Arab Countries," Middle East Development Journal , vol. 5, no. 1 (2013).
  3. Melani Cammett & Ishac Diwan, "The Roll-Back of the State and the Rise of Crony Capitalism," in: Ishac Diwan & Ahmed Galal (eds.), The
  4. Middle East Economies in Times of Transition (London: Palgrave Macmillan, 2016), pp. 63 - 98. 4  Melani Cammett et al., A Political Economy of the Middle East (Boulder, CO: Westview Press, 2015).

الدول المواطنين، وغالبًا المقيمين من غير المواطنين أيضًا، من مخاطر تبادلات السوق، بدرجات متفاوتة، من خلال سياسات عامة تشمل أنظمة التأمين الاجتماعي، وآليات المساعدة الاجتماعية غير القائمة عالى الاشتراكات، وما توفره من حماية في حالات الفقر المختلفة، فضل عن تقديم الخدمات الاجتماعية العامة. أما الدول في المناطق النامية، فتجعلها محدودية قدراتها الإدارية والمالية أكثر ميلًاإلى الاعتماد على وسائل غير مباشرة في توفير شبكات الأمان الاجتماعي، كما تجعلها أقل قدرة على امتصاص الصدمات الاقتصادية، إضافةً إلى قدرتها المحدودة على تعزيز الحراك الاجتماعي. في حالة المنطقة العربية، شكّلت العمالة في القطاع العمومي والاستثمار في البنية التحتية والبرامج الأساسية في مجاَل يالصحة والتعليم، إلى جانب دعم الغذاء والوقود، الركائز الرئيسة التي قامت عليها أنظمة الرعاية الاجتماعية في مرحلة ما بعد الاستقلال. وقد حظي عّم ال القطاع الرسمي، على الرغم من أنهم لم يشكّلوا في معظم البلدان العربية غالبية قوة العمل، بامتياز القدرة على الوصول إلى هذه المنافع. وفي ظل قطاعات خاصة محدودة التطور، كانت الوظائف الحكومية، ولا تزال، من أكثر أنواع العمل جاذبية؛ الأمر الذي أسهم في نشوء أسواق عمل مزدوجة، تتسم بحصول من كانوا داخلها على امتيازات في مقابل تهميش من كانوا خارجها. وقد تفاوت مدى إسهام هذه الترتيبات في إحداث تحسينات ملموسة في حياة سكان المنطقة، باختلاف المكان والزمان. ومع ذلك، شهد سكان المنطقة العربية حراكًا اجتماعيًا صاعدًا ذا أهمية، في العقود الأولى التي أعقبت نيل عدد من بلدان المنطقة استقلالها عن القوى الاستعمارية الأوروبية. وما إن أ رسيت هذه البرامج حتى اكتسبت طابعًا راسخًا، وأصبح التراجع عنها ينطوي على تكلفة سياسية عالية بالنسبة إلى القادة.

1. استقلال المواثيق الاجتماعية في العالم العربي وبناؤها الأوّلي

في السنوات الأولى التي أعقبت الاستقلال عن القوى الاستعمارية الأوروبية، استثمر الحكّام الجدد في كٍّلٍ من الجمهوريات والموناركيات العربية استثمارًا واسعًا في بناء الدولة. واستلزم ذلك إنشاء بيروقراطيات محلية، وبناء أجهزة قسررية، وإقامة بنى تحتية توفر الخدمات الأساسية لشرائح واسعة من السكان. وخلال هذه المرحلة، تميّزت المنطقة العربية بمستويات مرتفعة جدًا من الاستثمار في القطاعات الاجتماعية ونمو العمالة، وفق منظور عالمٍّيٍ مقارن يتجاوز جميع مناطق العالم خارج البلدان الشيوعية. وقد أسهم هذا السياق في تحقيق معدلات مرتفعة نسبيًا من الحراك الاجتماعي، وربما عزّز في الوقت ذاته جملة من التوقعات التي بموجبها تخّل ىالمواطنون عن صوتهم السياسي مقابل توزيع شعبوي للمنافع الاجتماعية؛ وهو ما يشكّل جوهر ما يُشار إليه هنا بالصفقة الاستبدادية. وعلى الرغم من التباين الكبير في مستويات الأداء بين البلدان، حققت المنطقة عمومًا تقدمًا ملحوظًا خلال العقود الأولى التي أعقبت الاستقلال. وبما أنّ معدلات وفيات الرضع تعكس إلى حٍّد بعيد مستوى الاستثمار في البنية التحتية الأساسية للصحة وأنظمة الرعاية الاجتماعية، فإنّ هذا المؤشر يُعدّ مقياسًا رئيسًا لتحسّن رفاه السكان (ينظر الشكل.)1 ويبّي ن الشكل 1()، من منظور مقارن، انخفاض المعدل الإجمالي لوفيات الرضع في المنطقة، أو عدد الوفيات في السنة الأولى من الحياة لكّل 1000 شخص، بمعدل أسرع من أي منطقة أخرى في العالم باستثناء جنوب آسيا، وكان هذا المعدّل أدنى من المعدلات المسجّلة في معظم المناطق النامية الأخرى. وإلى جانب التحسن في قطاع الصحة، حققت الدول العربية كذلك تقدمًا كبيرًا في مجال التعليم خلال السنوات الأولى التي أعقبت الاستقلال؛ ما أسهم في القضاء نسبيًا على أمّية الشباب والحدّ من الفجوة التعليمية بين الذكور والإناث بصفة ملحوظة. مع انسحاب القوى الاستعمارية من المنطقة، عمل حكّام مرحلة ما بعد الاستقلال كذلك على بناء أجهزة الدولة، عبر توسيع البيروقراطيات، وتعزيز قوات الأمن. وأدّى النمو الملحوظ في حجم القطاع العمومي إلى نشوء ما يُعرف ب "برجوازية الدولة"؛ أي طبقة وسطى تعتمد أساسًا على التوظيف الحكومي. وقد ظل التوظيف في القطاع العمومي مرتفعًا جدًا في معظم الدول العربية على مدى عقدين على الأقل، ابتداءً من ستينيات القرن العشرين، بل إنّ بعض البلدان، مثل مصر، كرّست في تشريعاتها الحق في الحصول على وظيفة حكومية لخريجي الجامعات. وفي مرحلته الأولى، ضمن هذا التوجه وظائف لخريجي الجامعات في القطاع العمومي، قبل أن يُوَّسَع نطاقه ليشمل خريجي المدارس الثانوية المهنية والمعاهد التقنية عام 1964 .

  1. Melani Cammett & Aytug Sasmaz, "Social Policy in Developing Countries," in: Orfeo Fioretos, Tulia G. Falleti & Adam Sheingate (eds.), The Oxford Handbook of Historical Institutionalism (Oxford: Oxford University Press, 2016).
  2. Ibid., pp. 3 - 4.
  3. John Waterbury, The Egypt of Nasser and Sadat: The Political Economy of Two Regimes (Princeton, NJ: Princeton University Press, 1983).
  4. Ragui Assaad, "The Effects of Public Sector Hiring and Compensation Policies on the Egyptian Labor Market," The World Bank Economic Review , vol. 11, no. 1 (1997), pp. 86-87; Yusuke Kawamura, "Public Sector Employment as a Social Welfare Policy: The 'Social Contract' and Failed Job Creation for Youth in Egypt," Contemporary Review of the Middle East , vol. 9, no. 1 (2022), p. 36. أوروبا وآسيا الوسطى أمŽكا ال‹تينية والكاريبي ال–ق ا•وسط وش“ل أفريقيا أمŽكا الش“لية جنوب آسيا أفريقيا جنوب الصحراء الك›ى ق آسيا وا حيط الهادئ 170 المصدر: The World Bank, World Development Indicators , accessed on 22/12/2025, at: https://cutt.ly/9tTs3lQ4

باختصار، أسفرت الاستثمارات العمومية الضخمة في الخدمات الأساسية والتوظيف الحكومي عن تحقيق تحسّن ملموس في رفاه السكان خلال ستينيات القرن العشرين وسبعينياته في معظم أنحاء المنطقة، كما أسهمت في ترسيخ توقعات مستقرة من الدولة، ولا سيما لدى الفئات المنخرطة في سوق العمل.

2. نكوص الدولة العربية

في أواخر سبعينيات القرن العشرين وخلال ثمانينياته، بدأ انهيار أ سس المواثيق الاجتماعية الضمنية، مع مواجهة حكومات المنطقة العربية أزماٍتٍ ماليةً متفاقمة. وإلى جانب ذلك، أخفى التقدم الإجمالي في مؤشرات التنمية البشرية فجواٍتٍ وطنيةً ومناطقية وجندرية وطبقية كبيرة في إمكانية الوصول إلى الخدمات الصحية والتعليمية. وقد تفاقمت هذه الفجوات، مع نكوص دور الدولة منذ أواخر السبعينيات فصاعدًا، لتنكشف بوضوح أكبر بعد عقود، ولا سيما خلال الانتفاضات العربية. وأدّت أزمات الَّدَين وبرامج التقشف، التي اعُتُِمِدت في إطار سياسات الاستقرار والتكيّف الهيكلي لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، إلى تراجع ملحوظ في الاستثمار العمومي في القطاعات الاجتماعية، الشكل)1(معدلات وفيات الرضع عبرر الأقاليم من منظور عالمي مقارن

معد ت وفيات الرضع

السنة

وانخفاض عام في مستويات الإنفاق الحكومي، وإْنْ بدرجات متفاوتة بين البلدان. فباستثناء دول الخليج، التي حافظت على الإنفاق الحكومي أو عمدت إلى زيادته، تطوّرت المواثيق الاجتماعية في بقية أنحاء المنطقة على نحو يقدّم دعمًااجتماعيًا أقل؛ ما أسهم في تفاقم انعدام الأمن الاجتماعي - الاقتصادي، وزيادة الاعتماد على أدوات القمع التي تمارسها الدولة لاحتواء السخط الشعبي أو إحباطه. تجّل ىنكوص دور الدولة في عدد من القطاعات، من بينها خفض العمالة الحكومية، وتقليل الاستثمار في القطاعات الاجتماعية، وتراجع إعانات الغذاء والوقود، وغيرها من المجالات. وقد دعت برامج التقشف، على وجه الخصوص، إلى تخفيضات كبيرة في العمالة الحكومية ضمن حزمة أوسع من إجراءات خفض الإنفاق. وعلى الرغم من أنّ وتيرة تراجع الوظائف في القطاع العمومي تفاوتت بدرجة ملحوظة بين بلدان المنطقة، ولم يُنَّفَذ ذلك في كثير من الأحيان بالقدر الموعود نظرًا إلى المخاوف من تداعياته السياسية، فإنّ الاتجاه العام اتسم بانخفاض ملموس في مستويات التوظيف الحكومي. فمنذ سبعينيات القرن العشرين، على سبيل المثال، تراجعت نسبة الوظائف الحكومية التي حصل عليها القادمون الجدد المتعلمون

إلى سوق العمل من نحو 80–75 في المئة في منتصف السبعينيات إلى ما يقارب 35–25 في المئة بحلول عام 2010 في كٍّلٍ من مصر وتونس. أمّا في الجزائر والأردن، فقد بدأ تراجع العمالة في القطاع العمومي في مرحلة متأخرة نسبيًا، وكان أقل حدّة في الجزائر على وجه الخصوص، نظرًا إلى استفادتها من عائدات النفط والغاز. وفي المحصلة، لم تتمكن الحكومات من الحفاظ على الوتيرة السابقة للتوظيف في القطاع العمومي؛ ما أدى إلى نشوء شريحة كبيرة ومتزايدة من المتعلمين العاطلين عن العمل. وفي الوقت نفسه، لم تنجح الوظائف التي وفرها القطاع الخاص في تعويض الانخفاض في العمالة الحكومية، وظل المواطنون في مختلف أنحاء المنطقة يبدون تفضيلًاقويًا للوظائف في القطاع العمومي. وعلى الرغم من أنّ أنماطًا مشابهة يمكن ملاحظتها في العديد من البلدان النامية، فإنّ ستيفن هرتوغ يشير إلى أنّ انتشار هذه الظواهر وحدّتها كانا أشدّ وضوحًا في المنطقة العربية على نحو خاص. خلال مرحلة نكوص الدولة، شهدت الخدمات العامة تدهورًا ملحوظًا، ولا سيما في البلدان متوسطة الدخل في المنطقة؛ ما ترتّبت عليه آثار جسيمة شملت الفئات الفقيرة على نحو خاص. وكان لانحسار المكاسب المالية التي تحققت خلال حقبة الطفرة النفطية في سبعينيات القرن العشرين أثر متفاوت؛ إذ تباينت اتجاهات الإنفاق الحكومي على الصحة والتعليم بين دول المنطقة العربية. وعلى المنوال ذاته، ازدادت النتائج الاجتماعية تباينًا عبر الحدود الوطنية. يبدو أنّ تجميد ميزانيات الصحة والتعليم أسهم في تباطؤ التقدم في التنمية البشرية وتدهور نوعية الخدمات المقَّدَمة، ولا سيما بالنسبة إلى الفئات الفقيرة التي لا تملك القدرة على الحصول على هذه الخدمات من القطاع الخاص الآخذ في التوسع. وعلى مستوى المنطقة عمومًا، شهد معدل الزيادة في مؤشر التنمية البشرية، الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، تباطؤًا ملحوظًا في معظم البلدان بعد الزخم الذي حققه خلال سبعينيات القرن العشرين. ولا شك في أنّ التحسينات المبكرة كانت أسهل؛ إذ انطلقت من مستويات متدنية نسبيًا، وتزامنت مع تشييد البنى التحتية العامة والطفرة النفطية الأولى في تلك الحقبة، فضلًاعن ارتفاع الإنفاق على القطاعات الاجتماعية. غير أنّ مرحلة نكوص الدولة شهدت تراجعًا متزايدًا في وتيرة التقدم؛ وُيُعزى ذلك جزئيًا إلى تصاعد القيود المالية. تُبّي ن الأدبيات المتعلقة بمحددات الصحة اجتماعيًا أنّ الإنفاق على القطاعات الاجتماعية لا مُيّ ثّل سوى جزء من المعادلة الخاصة بالصحة وغيرها من المخرجات الاجتماعية؛ إذ إنّ طريقة إنفاق الموارد لا تقُّلُ أهمية عن حجمها، كما أنّ للسياق المالي أثرًا مباشرًا في الرفاه العام، ولا سيما لدى الفئات الفقيرة. وُيُعدّ النفاذ إلى خدمات الصحة العامة والتعليم المساَرَ الرئيس، الذي يمكّن الفقراء من الإفلات من "مصيدة الفقر" عبر الأجيال، ويؤدي دورًا محوريًا، أيضًا، في الحد من أوجه اللامساواة الصحية. ونتيجة لذلك، لم يعد ملايين السكان في المنطقة قادرين على تحقيق التقدم الاجتماعي بالوتيرة نفسها التي عرفتها الأجيال السابقة من خلال العمل الشاق والتعليم، ويبدو أّن نكوص دور الدولة في تقديم الخدمات الأساسية دفع أعدادًا متزايدة منهم إلى براثن الفقر. منذ ثمانينيات القرن العشرين، شهدت المنطقة العربية، على غرار مناطق نامية أخرى، تحولًامتزايدًا عن الخدمات الاجتماعية العامة في اتجاه الخدمات التي تقدمها مؤسسات القطاع الخاص والمنظمات غير الحكومية. يتجّل ىهذا الاتجاه في كلّ من قطاَعَي الصحة والتعليم. وبوجه عام، فإنّ خصخصة الخدمات الصحية أكثر انتشارًا في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل؛ حيث تضعف قدرة الحكومات المالية، وربما إرادتها السياسية، على دعم البنية التحتية للصحة العامة. ومع ذلك، شهد قطاع الرعاية الصحية الخاص توسّعًا ملحوظًا في بعضٍ من أعلى بلدان المنطقة دخلًا، ولا سيما المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة. أمّا في البلدان المنخفضة الدخل، حيث أدّت الحروب والأزمات الاقتصادية إلى تقويض الخدمات الحكومية والبنية التحتية العامة، فيظلّ الإنفاق الخاص على الرعاية الصحية مرتفعًا نسبيًا؛ وُيُعزى ذلك جزئيًا إلى عبء كبير في النفقات التي يتحمّلها الأفراد من أموالهم الخاصة في ظلّ غياب آليات المساعدة الاجتماعية. ويتنوّع الأمر على نحو واسع في البلدان المتوسطة الدخل. ففي كٍّلٍ من الأردن ومصر، تشهد النفقات الخاصة على الرعاية الصحية ارتفاعًا ملحوظًا، وإن كانت قد انطلقت من مستوى أعلى

  1. Assaad & Barsoum, p. 1.
  2. Steffen Hertog, Locked Out of Development (Cambridge: Cambridge University Press, 2023).
  3. Michael Marmot & Richard Wilkinson, Social Determinants of Health (Oxford: Oxford University Press, 2005).
  4. Khushbu Chelak & Swarupa Chakole, "The Role of Social Determinants of Health in Promoting Health Equality: A Narrative Review," Cureus , vol. 15, no. 1 (2023).
  5. Steven Brooke, Winning Hearts and Votes: Social Services and the Islamist Political Advantage (Ithaca, NY: Cornell University Press, 2019); Melani Cammett, Compassionate Communalism: Welfare and Sectarianism in Lebanon (Ithaca, NY: Cornell University Press, 2014); Melani Cammett & Lauren M. MacLean, The Politics of Non-State Social Welfare (Ithaca, NY: Cornell University Press, 2014).

في الحالة المصرية. وفي المقابل، أسهم تنفيذ إصلاح صحّي وطني في المغرب في الحدّ من حجم الإنفاق الخاص على الرعاية الصحية. وعلى الرغم من التزام معظم الحكومات العربية في مرحلة ما بعد الاستقلال بتوفير التعليم المجاني للجميع، فإنّ خصخصة التعليم أسهمت في تعزيز التحيّز الطبقي داخل النظام التعليمي وزيادة حدّته، كما زاد الَّنَفاذ إلى التعليم الخاص في زيادة أوجه اللامساواة الاجتماعية. ففي مصر وعدد من بلدان المنطقة، يخضع الطلاب لامتحاٍنٍ عام في نهاية المرحلة الثانوية يحدد مسار قبولهم في الكليات الجامعية (مؤسسات التعليم العالي.) وقد أسهم ازدهار صناعة التعليم الخاص في دعم هذا النظام، مدفوعًا من جهة بالمعلمين ذوي الأجور المتدنية الساعين لتعويض دخولهم المحدودة من خلال ما يُعرف ب "العمل الإضافي"، ومن جهة أخرى بالآباء القلقين القادرين على شراء خدمات هؤلاء المعلمين. ونتيجة لذلك، نشأ نظام تعليمي مواز غير رسمي، قائم على الأقساط أو الأتعاب، وهو نظام يحابي الأغنياء ويعاقب الفقراء. تمثّل شبكات العلاقات السياسية والاجتماعية، القائمة على "الواسطة"، بُعدًا إضافيًا من أبعاد اللامساواة في الوصول إلى الخدمات العامة، لا سيما في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل في المنطقة. ففي بلدان مثل مصر والأردن ولبنان واليمن، تتوسط الزبونية والمحاباة إمكانية الوصول إلى وظائف القطاع العمومي، فضلًاعن الخدمات الاجتماعية التي يفترض أن تكون من استحقاقات المواطنة أو الإقامة. ثمّ إنّ ازدياد انتشار مقدّمي الخدمات من غير الدولة قد يضيف مصدرًا آخر إلى عدم التكافؤ في جودة الخدمات، ولا سيما في ظل محدودية قدرة الدولة على التنظيم والرقابة. شكلت إعانات الغذاء والوقود خلال فترة طويلة ركيزةً أساسية أخرى في نظام الخدمات الاجتماعية العربي؛ إذ وفّرت شبكة أمان مهمة للفقراء. غير أنّ هذه الإعانات تُعدّ عبئًا كبيرًا على موازنات الدول، وغالبًا ما تنطوي على آثار عكسية؛ ما دفع المؤسسات المالية الدولية إلى الضغط في اتجاه خفضها واستبدالها ببرامج أكثر استهدافًا للتخفيف من حدة الفقر. وعلى الرغم من الصعوبات السياسية التي تكتنف الحد من الدعم، فقد شرعت بعض الحكومات في تنفيذ إصلاحات في هذا المجال، وإن اختلفت مقارباتها وأساليبها. ومع تراجع الاستثمار في القطاع العمومي، وتدهور أشكال شبكات الأمان الاجتماعي التي أ رسيت في مرحلة ما بعد الاستقلال، وتزايد عدم تكافؤ الوصول إلى الخدمات الأساسية، ارتفعت نسبة سكان المنطقة الذين يعيشون في فقر ملحوظ، كما أصبح الحراك الاجتماعي بعيد المنال على نحو متزايد بالنسبة إلى الطبقات الوسطى في أنحاء المنطقة.

ثانيًا: تطوّر المواثيق الاجتماعية وتباُيُن استجابات الدول بعد الانتفاضات

تُقِّدِم هذه النظرة العامة إلى صعود الدولة في المنطقة العربية، بعد الاستقلال ثم تراجعها لاحقًا، خلفيةً لفهم طبيعة دعم الدولة للسكان، في مختلف أنحاء المنطقة، عشية الانتفاضات العربية. فكيف تطوّرت المواثيق الاجتماعية في أعقاب هذه الانتفاضات؟ تتطلب الإجابة عن هذا السؤال إيلاَءَ أنماط الاقتصاد السياسي المتباينة عبر المنطقة اهتمامًا؛ إذ اتّسمت تاريخيًا بتنوّع أشكال الدول وأنماط علاقات الدولة - المجتمع، غير أنّ هذا التباين ازداد حدّةً ووضوحًا في السنوات التي أعقبت الموجات الأولى من الانتفاضات في عاَمَي 2010 و 2011. وعلى نحو أولي، تختلف بلدان المنطقة العربية اختلافًا كبيرًا في ملامحها الاقتصادية. وُيُظهر الجدول 1() أنّ نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي يتباين على نحو واسع عبر المنطقة؛ إذ يراوح بين نحو 520 دولارًا أميركيًا في سورية وأكثر من 66 ألف دولار في قطر.

  1. Asmaa Elbadawy, "Education in Egypt: Improvements in Attainment, Problems with Quality and Inequality," in: Ragui Assaad & Caroline Krafft (eds.), The Egyptian Labor Market in an Era of Revolution (Oxford: Oxford University Press, 2015), p. 127; Hania Sobhy, "The De-Facto Privatization of Secondary Education in Egypt: A Study of Private Tutoring in Technical and General Schools," Compare: A Journal of Comparative and International Education , vol. 42, no. 1 (2012), pp. 47-67; Mariz Tadros, "State Welfare in Egypt since Adjustment: Hegemonic Control with a Minimalist Role," Review of African Political Economy , vol. 33, no. 108 (2006), pp. 237-254, accessed on 22/12/2025, at: https://acr.ps/1L9F39r
  2. Bradley Chen & Melani Cammett, "Informal Politics and Inequity of Access to Health Care in Lebanon," International Journal for Equity in Health , vol. 11, no. 23 (May 2012), pp. 1 - 8.
  3. Lisa Blaydes, Elections and Distributive Politics in Mubarak's Egypt (Cambridge: Cambridge University Press, 2010); Melani Cammett, Compassionate Communalism: Welfare and Sectarianism in Lebanon (Ithaca, NY: Cornell University Press, 2014); Daniel Corstange, The Price of a Vote in the Middle East: Clientelism and Communal Politics in Lebanon
  4. Carlo A. Sdralevich et al., Subsidy Reform in the Middle East and North Africa: Recent Progress and Challenges Ahead (Washington, DC: International Monetary Fund, 2014), p. 1. 18  Georgeta Vidican Auktor & Markus Loewe, "Subsidy Reforms in the Middle East and North Africa: Strategic Options and Their Consequences for the Social Contract," Discussion Paper (2021). المصدر: The World Bank, World Development Indicators, accessed on 22/12/2025, at: https://cutt.ly/9tTs3lQ4
  5. and Yemen (Cambridge: Cambridge University Press, 2016); Ellen Lust, "Democratization by Elections? Competitive Clientelism in the Middle East," Journal of Democracy , vol. 20, no. 3 (2009), pp. 122 - 135.

الجدول)1(نظرة عامة: اقتصادات البلدان العربية

الريع النفطي (بوصفه نسبة
من الناتج الإجمالي المحلي)
الناتج الإجمالي المحلي للفرد
دولار)(
الناتج الإجمالي المحلي (مليار
دولار)
تعداد السكان
(مليون)
الفئة الاقتصادية
20.728445.21661.258.4البلدان ذات الدخل المرتفع
10.92656738.81.5البحرين
23.723186833.536السعودية
23.51951188.24.5عمان
15.366794179.72.7قطر
15.7442934159.4الإمارات
27.6249321064.3الكويت
13.73983.31094.2274.7البلدان ذات الدخل المتوسط
33.14382.4413.794.4البلدان المصّدّرة للنفط ذات
الدخل المتوسط
14.5369116344.2الجزائر
42.84775207.943.5العراق
56.4635742.86.7ليبيا
1.93774.3680.50180.3البلدان المستوردة للنفط ذات
الدخل المتوسط
03853142.937.1المغرب
1.5380846.712.3تونس
33699404.1109.3مصر
0410345.711.1الأردن
0413623.15.6لبنان
03664184.9فلسطين
3.967067100البلدان ذات الدخل المنخفض
3.375234.345.7السودان
4.566521.633اليمن
452011.121.3سورية
17.66516.72822.4433.1إجمالي العالم العربي

إجمالي العالم العربي 433.1

تسهم عوامل عديدة في هذا التباين. فمن الطرف الأقصى الأول، مكّنت العوائد الريعية الناتجة من موارد النفط والغاز الحكّاَمَ في العديد من بلدان الخليج العربي من توفير مزايا اجتماعية سخية للمواطنين، ولا سيما في الدول ذات الكثافة السكانية المحلية المنخفضة. وتوفّر الموازنات السخية هوامش مالية كافية، تتيح للحكّام قيادة برامج طموحة لتنويع الاقتصادات، على الرغم من وجود تساؤلات جدّية عن آفاق نجاحها على المدى الطويل. من الطرف الأقصى الآخر، لم تُسفر الحروب والنزاعات الممتدّة عن أضرار جسيمة بحياة البشر ورفاههم فحسب، بل خلّفت أيضًا آثارًا اقتصادية مدمّرة. فبدرجات متفاوتة، يواجه العراق ولبنان وليبيا

وفلسطين وسورية واليمن تحديات اقتصادية وخسائر اجتماعية وديموغرافية كبيرة، بسبب الصراعات العنيفة والاحتلال. وفي بعض الحالات، سيستغرق الأمر عقودًا طويلة ومبالغ طائلة قد يكون من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، حشدها، لاستعادة مستويات التنمية التي كانت قائمة قبل الحرب. وبين هذين القطبين، تقع البلدان المتوسطة الدخل، التي يواجه معظمها آفاقًا متزايدة الركود في النمو وأزمات مديونية مقلقة، حتى بالنسبة إلى البلدان التي تتمتع بوفرة في الموارد الطبيعية. ليست الأوضاع الاقتصادية قدرًا محتومًا؛ ذلك أنّ الطريقة التي تحكم بها النخب السياسية، وطبيعة علاقات الدولة - قطاع الأعمال، ومدى شمولية الفرص الاقتصادية، جميعها عوامل تُسهم في رسم مسارات التنمية. وهذه العوامل كلّها ذات طابع سياسي في جوهرها. ومع ذلك، فإنّ توافر الموارد، أو على العكس شُحّها، يحدّد قدرة الحكّام العرب وإرادتهم السياسية، وكذلك قدرة أجهزتهم الحكومية، على توفير المنافع الاجتماعية لمواطنيهم. في أعقاب الانتفاضات العربية، أبدت الدول اتجاهات متباينة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية. ففي حين استفادت البلدان الغنية بالنفط من أرباح استثنائية ناجمة عن استغلال قطاَعَي النفط والغاز، واجهت معظم بلدان المنطقة الأخرى بيئة خارجية مختلفة تمامًا. ومنذ انتفاضات عام 2010، بدأت الاتجاهات المتعلقة بالتوظيف في القطاع العمومي، والاستثمار الاجتماعي ومخرجاته، وغيرها من أبعاد أنظمة الرعاية الاجتماعية العربية، تتباين بين أنماط الاقتصادات السياسية المختلفة في المنطقة على نحو أشد وضوحًا مما كان عليه سابقًا. ونتيجة لذلك، بات دور الدولة في الاقتصاد وفي دعم رفاه السكان يُعاش وُيُخَتبَر بطرائق متفاوتة، إلى حدّ بعيد، في مختلف أنحاء المنطقة العربية.

1. التوظيف في القطاع العمومي

خلال الانتفاضات العربية، أدرك الحكام معنى سخط الجماهير حيال الظروف الاجتماعية الاقتصادية. وظلت العمالة في القطاع العمومي مطلبًا رئيسًا، ولا سيما بالنسبة إلى السكان من الطبقة الوسطى الذين وجدوا أنفسهم في أوضاع محفوفة بمخاطر متزايدة. ورًّدًا على الانتفاضات، حاولت بعض الحكومات في البداية استرضاء المظالم الشعبية، من خلال زيادة الأجور والإعانات وتوسيع العمالة في القطاع العمومي. وتؤكد الجهود الهادفة إلى توسيع العمالة الحكومية، على الرغم من عقوٍدٍ من الضغط لخفض الإنفاق الحكومي، الطبيعة السياسية للتوظيف في القطاع العمومي في أعقاب الانتفاضات. وقد زادت بعض البلدان، مثل الجزائر ومصر والأردن والمغرب والإمارات، حصة القطاع العمومي من العمالة. وحتى الدول التي شهدت اضطرابات سياسية أقل، دفعها خوفها من "أثر عدوى المعارضة" إلى تبنّي سياسات مماثلة. فقدّمت دول الخليج، بالنظر إلى ما تتميز به من قطاعات عمومية متضخمة، رواتب ومنافع مُحسّ نة للمواطنين، وهي سياسة تبنتها دول فقيرة مثل مصر والمغرب والأردن على نطاق أقل. لكنّ الحكومات في دول الخليج أيضًا أخذت تؤكّد الحاجة إلى الحّد من فرص العمل في القطاع العمومي، على الرغم من أنها توفّر للمواطنين الأمان الطويل الأمد. فعلى سبيل المثال، زادت الإمارات، في أعقاب الانتفاضات العربية، دوَرَ القطاع العمومي في مجال التدريب والحوافز الأخرى التي تعزز العمالة في القطاع الخاص. وأطلقت الحكومة القطرية في عام 2018 الاستراتيجية الوطنية الثانية للتنمية 2022-2018()، من أجل تطوير البنية التحتية الاقتصادية وتنويع الاقتصاد وتطوير القطاع الخاص وتحسين إدارة الموارد الطبيعية وتحسين التنمية البشرية. أمّا خارج دول النفط الخليجية، فسررعان ما واجهت جهود توسيع فرص العمل في القطاع العمومي، بقصد تهدئة الاضطرابات الشعبية، قيودًا مالية. وبدأت الحكومات ذات الدخل المتوسط في مختلف أنحاء المنطقة بالحدّ من مثل هذه المبادرات وزيادة قمع الحقوق المدنية والسياسية. ففي مصر، خفضت الحكومة العمالة الحكومية والإعانات وردعت الاضطرابات باستخدام القمع أو التهديد به. وكانت الانخفاضات في الوظائف الحكومية من بين أشدّها وضوحًا في المنطقة؛ إذ انخفضت من 35 في المئة من حصة مجموع العمالة في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين إلى 21 في المئة في عام 2017 . ونظرًا إلى وجود عدد قليل نسبيًا من بدائل القطاع الخاص الجذابة، لا يزال المواطنون يفضلون العمالة الحكومية على عمالة القطاع الخاص في البلدان العربية، بما في ذلك مصر والأردن وتونس واليمن. ومع أنّ فرص العمل في القطاع العمومي لم تُعُد جذابة كما كانت من قبل،

  1. Carlo Sdralevich, Ishac Diwan & Tarik Akin, "Fifty Years of Fiscal Policy in the Arab Region," Working Papers 914 , Economic Research Forum,
  2. Assaad & Barsoum, pp. 3 - 4.
  3. Ibid., p. 4.
  4. Ibid.
  5. Ibid. 24  Hertog.
  6. May 2015, accessed on 22/12/2025, at: https://acr.ps/1L9F38K

فإنهم لا يزالون يفضلونها على الخيارات الأخرى. وفي الموجة الأخيرة من استبيانات الباروميتر العربي التي عادةً ما تشهد مشاركة واسعة، ذكر ما يزيد على 60 إلى 70 في المئة من المستجيبين أنهم يفضلون الحصول على وظيفة حكومية. أمّا في البلدان الفقيرة والمتأثرة بالصراعات، حيث يُنَظَر إلى مؤسسات الدول على أنها أقل موثوقية، مثل لبنان والمغرب والسودان، فإنّ الرقم أقل كثيرًا، لكنه لا يزال يتردّد حول 40 في المئة.

2. الاستثمار في القطاع الاجتماعي

بعد الانتفاضات العربية، أخذ الاستثمار العمومي في الخدمات الاجتماعية وتوفيرها - وهي ركيزة أساسية للمواثيق الاجتماعية في مرحلة ما بعد الاستقلال - يتباعد على نحو ملحوظ في مختلف أنحاء المنطقة. فبلدان الخليج المرتفعة الدخل تزيد من الإنفاق على المنافع الاجتماعية للمواطنين، لكن النفقات تتفاوت على نحو ملحوظ حتى داخل هذه المجموعة، ويعتمد ذلك جزئيًا على مستويات الموارد من النفط والغاز. ففي البحرين، حيث احتياطيات النفط منخفضة، استهدفت خطة العمل الحكومية 2019 - 2022 خفض النفقات الحكومية مع الحفاظ على برامج التعليم والصحة الحكومية. وتتميز البحرين بنظام رعاية صحية شامل، يوفر الرعاية المجانية للمواطنين، ويدعم الرعاية للمقيمين. وفي عمُان، التي من المتوقع أن تنفد منها احتياطيات النفط والغاز في غضون عقَدَين من الزمان، حاولت الحكومة أيضًا خفض الإنفاق من خلال إعادة هيكلة أنظمة معاشات التقاعد والحماية الاجتماعية. وتقع قطر والإمارات، مع ارتفاع احتياطيات النفط والغاز وانخفاض عدد السكان، على الطرف الآخر من الطيف، الأمر الذي يمكّنهما من الحفاظ على منافع اجتماعية سخية نسبيًا للمواطنين، مثل الدخل المعفى من الضرائب، والرعاية الصحية المجانية، وخطط التقاعد السخية. أمّا السعودية فتحتل مكانًا أوسط من ناحية احتياطاتها النفطية المرتفعة، لكن مع تعداد كبير ومتزايد للسكان المواطنين. وبفضل الثروة النفطية، يتمتع البلد بتاريخ طويل من توفير الحماية الاجتماعية السخية للمواطنين. لكن شبكة الأمان الاجتماعي الموسعة تعاني سوء التوجيه؛ فحينما انخفضت أسعار النفط في عام 2014، سعت الحكومة لكبح الإنفاق الاجتماعي وخفض العجز. وفي عام 2016، أطلقت الحكومة برنامج التوازن المالي الذي يهدف إلى موازنة الميزانية بحلول عام 2020، لكن العجز ظل مرتفعًا مع انخفاض عائدات النفط وزيادة الإنفاق. وفي إطار خطة رؤية عام 2030، أطلقت الحكومة برنامج "حساب المواطن الموحد"، الذي يدمج برامج الحماية الاجتماعية لتحسين التوجيه، كما أطلقت استراتيجية متعددة المراحل للنمو والحد من الفقر. وأمّا البلدان ذات الدخل المتوسط، فلديها حيز مالي أصغر كثيرًا من أن يفي بالتزام الدولة بتوفير المنافع الاجتماعية. ونتيجة لهذا، جرى إصلاح برامج الحماية الاجتماعية العامة في البلدان ذات الدخل المتوسط لكي تصبح وجهتها أدق. وفي عام 2015، استبدلت الحكومة المصرية خطة المعاشات الاجتماعية القديمة ببرنامَجيَن جديدين، يُدعى أولهما "تكافل"، ويستهدف الأسر التي لديها أطفال، وُيُدعى الثاني "كرامة"، ويركز على المسّنيّن وذوي الاحتياجات الخاصة. وفي إجراء تكميلي، أطلقت الحكومة بعد ذلك برنامج "فرصة"، وهو يعمل بصفته آخر ملاٍذٍ للعامل. يحظى الأردن، بين البلدان المتوسطة الدخل في المنطقة العربية، بمتوسط مستويات أعلى للاستثمار الاجتماعي. فإنفاق الحكومة على الصحة مرتفع نسبيًا؛ إذ بلغ نحو 8.9 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2020. ومع ذلك، لا يغطي التأمين الصحي العمومي والخاص معًا سوى 55 في المئة من السكان. وبسبب الافتقار إلى الموارد النفطية، أولى الأردن التعليَمَ الأولويَةَ. ويميل من يستطيعون تحمّل التكاليف إلى إرسال أطفالهم إلى المدارس الخاصة التي تستوعب حوالى ربع إجمالي الطلاب. تمتعت تونس تاريخيًا بنظام حماية اجتماعية كبير ومتطور مع العديد من خطط التأمين الاجتماعي، والإعانات، والتحويلات النقدية، والتأمين الصحي. ومع ذلك، وكما هو الحال في البلدان العربية الأخرى، فإنّ إعانات الغذاء والطاقة سيئة التوجيه وغير فعّالة؛ ماما يحمّل الميزانية العامة عبئًا ثقيل ولا يعالج نظام الحماية الاجتماعية على النحو الملائم ارتفاع البطالة بين الشباب والعمل غير

  1. Arab Barometer , Wave 7.
  2. Yasmina Abouzzohour, "Oman, Ten Years after the Arab Spring: The
  3. Rafael Guerreiro Osorio & Fábio Veras Soares, "Social Protection after the Arab Spring," Policy in Focus (2017).
  4. Economic and Social Commission for Western Asia (ESCWA), Social Protection Country Profile: Tunisia (Beirut: 2016), accessed on 22/12/2025, at: https://acr.ps/1L9F2EQ
  5. Reem Al-Ajlouni & Abeer Al Rabayah, "Will Jordan Be Closer to UHC after the COVID-19 Pandemic?" Journal of Global Health , vol. 10, no. 2
  6. Carolyn Barnett, Workforce Development in Tunisia and Jordan: Changing Attitudes under New and Old Systems , Center for Strategic and International Studies (Washington, DC: 2015), accessed on 22/12/2025, at: https://acr.ps/1L9F2B7 31  Osorio & Soares.
  7. Evolution of State-Society Relations," Arab Reform Initiative , vol. 9 (2021).

الرسمي. ويكرّس دستور عام 2014، في تونس، الحق في المساعدة الاجتماعية، بما في ذلك الحق في الرعاية الصحية. وبناءً على ذلك، دعت أول خطة إنمائية خمسية للحكومة بعد الثورة، في الفترة 2016 - 2020، إلى سياسات للحد من معدل الفقر المدقع من 4.6 في المئة في عام 2010 إلى 2 في المئة بحلول عام 2020، وهو هدف حقق بعض النجاح. ولمعالجة الَّدَين العام المتزايد، رفعت الحكومة ضريبة القيمة المضافة في إطار قانون المالية 2018 . قد أثارت هذه وغيرها من تدابير التقشف احتجاجات، استجابت لها الحكومة بمجموعة من الإصلاحات الاجتماعية، بما في ذلك المساعدات الطبية المجانية للشباب العاطلين عن العمل، وزيادة معاشات التقاعد الحكومية، والمساعدة المالية للأسر الفقيرة، وإنشاء صندوق الإسكان. وعلى الرغم من هذا، فإنّ القمع في تصاعد مع عودة البلاد إلى السلطوية في عهد الرئيس قيس سعيّد. وأمّا في الجزائر، فقد ساعدت عائدات النفط والغاز الحكومة في الحفاظ على منافع صحية مرتفعة نسبيًا؛ حيث يشمل نظام الرعاية الصحية، الممول من القطاع العمومي، المرضى الذين يعانون أمراضًا مزمنة برعاية مجانية. وفي الوقت نفسه، وطوال أكثر من عقد من الزمن، ظل عمال القطاع الصحي ينظمون احتجاجات للمطالبة بتحسين ظروف العمل، وتحسين المعدات والبنى التحتية الصحية. نجد، في المقابل، أنّ العراق، في مرحلة ما بعد سقوط نظام صدّام حسين، لم يستثمر إلا أقل قدر ممكن في البرامج الاجتماعية العامة، على الرغم من احتياطاته النفطية الضخمة. فلا يزال الإنفاق الحكومي على الصحة منخفضًا؛ إذ بلغ 4 في المئة فقط من الميزانية في عام 2019. وبالمثل، أدى انخفاض الاستثمار العمومي والصراعات المتعاقبة إلى تدهور النظام التعليمي. ومن المتوقع لأطفال العراق أن يكملوا 6.9 سنوات فقط من الدراسة، مقارنة ب 11.3 سنة في عموم المنطقة العربية. وعلى الرغم من سجّل الأداء الرديء، فإنّ نظام الحماية الاجتماعية في العراق يفرض عبئًا ثقيلًا على ميزانية الدولة: في الفترة 2005 - 2012، شكلت المعاشات التقاعدية والإعانات والمنافع الاجتماعية نحو 20 في المئة من النفقات العامة. ونظرًا إلى أنّ هذه البرامج ممولةٌ عمومًا من عائدات النفط، وهي عائدات شديدة التأثر بتقلبات الأسعار العالمية، وليست من عائدات الضرائب المحلية، فإنها لا تحظى بالاستدامة المالية. في المتوسط، توفر البلدان العربية، المنخفضة الدخل والمتأثرة بالصراعات، أدنى مستويات الحماية الاجتماعية لمواطنيها، وتظهر في بعض الحالات انتكاسات كبرى في الظروف الاجتماعية. وتشكّل الحروب والصراعات العنيفة في المنطقة عاملًا رئيسًا، يقِّوّض الاتجاهات نحو تحسين التنمية البشرية في هذه البلدان. فقبل الانتفاضات العربية، عملت سنوات الحرب والعقوبات الاقتصادية على عكس التقدم الذي أحرزه العراق في وقت سابق. وتسببت الأزمة السياسية المطولة في ليبيا، بعد ثورة 17 فبراير 2011، مع صراع حكومتين متنافستين من أجل السيطرة على البلاد، في دفعها إلى حالة من الفوضى، وتقييد قدرة السلطات العامة على ضمان النفاذ إلى الخدمات الاجتماعية الأساسية. وعوّق فراغ الحكم هذا الاستجابة الطارئة للدمار الواسع الذي أحدثته الفيضانات، حيث أ وانفجار سَّدَين في أيلول/ سبتمبر 2023 بلغ عن وفاة أكثر من 11300 شخص وفقدان أكثر من 10000 في مدينة درنة وما حولها. وأدت الحروب في سورية واليمن إلى أزمات إنسانية كبرى في المنطقة. ففي سورية، دمّرت الحرب البنية التحتية للصحة والتعليم. وعلى الرغم من الحماية التي يوفرها القانون الدولي، ظلت المرافق الصحية هدفًا للعنف، وُدُِّمِر أكثر من نصف البنية التحتية الصحية بسبب الهجمات على المرافق الطبية. وقد بات نظام الرعاية الصحية يعتمد في تمويله اعتمادًا واسعًا على الأمم المتحدة والوكالات الأخرى، مع أنّ المنظمات التي تخدم في سورية بدأت تشهد انخفاضًا في التمويل؛ إذ تركز الدول المانحة على أولويات محلية ودولية أخرى. لقد دمرت الحرب الأهلية نظام التعليم؛ إذ اسُتُخدمت المباني المدرسية لأغراض عسكرية. وأدى التعرض للعنف إلى تضاعف عدد الأطفال الذين تظهر عليهم

  1. ESCWA.
  2. World Bank, Unlocking Sustainable Private Sector Growth in the Middle East and North Africa: Evidence from the Enterprise Survey (Washington, DC: 2022), accessed on 22/12/2025, at: https://acr.ps/1L9F36F
  3. Thomas Serres, "The Algerian Healthcare System in the Time of COVID-19," Jadaliyya , 20/8/2020, pp. 1-2, accessed on 22/12/2025, at: https://acr.ps/1L9F302
  4. World Bank.
  5. Sibel Kulaksiz, Over the Horizon: A New Levant , World Bank (Washington DC: 2014), accessed on 22/12/2025, at: https://acr.ps/1L9F2KF
  6. Talajeh Livani & Carol Graham, "Do Social Protection Programs Improve Life Satisfaction? Evidence from Iraq," World Development Perspectives , vol. 16 (2019).
  7. Assessment Capacities Project (ACAPS), Update on the Impact of Storm Daniel in Derna District , Thematic Report (15/9/2023).
  8. Sharmila Devi, "Health in Syria: A Decade of Conflict," The Lancet. vol. 397, no. 10278 (2021), pp. 955 - 956.

أعراض الاضطراب النفسي في عام 2020. وبلغ عدد الأطفال غير الملتحقين بالمدارس في سورية 2.45 مليون طفل في عام 2021، في حين بلغ عدد الأطفال اللاجئين غير الملتحقين بالمدارس في البلدان المجاورة 750000 طفل. وفي اليمن أيضًا، دُِّمَِرَت البنية التحتية للرعاية الاجتماعية، على الرغم من أنّ البرامج الاجتماعية الحكومية قبل الحرب كانت أقل تطورًا كثيرًا مما كانت عليه في معظم البلدان العربية الأخرى. ومنذ بداية الصراع في آذار/ مارس 2015، دمرت الهجمات والاشتباكات المسلحة النظام التعليمي. وبسبب عجز الحكومة عن دفع رواتب موظفي الخدمة المدنية، لم يحصل قرابة 75 في المئة من معلمي المدارس الحكومية في حوالى نصف محافظات البلاد على رواتب طوال أكثر من عامين، وهو الوضع الذي تفاقم مع تفشي جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19-.) وأدى الصراع في اليمن إلى تدهور نظام الرعاية الصحية الذي أفضى، حينما اقترن بانعدام الأمن الغذائي وزيادة التعرض للأمراض، إلى أسوأ أزمة إنسانية في العالم. فلا يعمل سوى أقل من نصف المرافق الصحية، ثمّ إنّ الأمراض المعدية عادت إلى الظهور. وكانت الحكومة قد سبق أن قدمّت سلسلة من الخطط لإنشاء الحد الأدنى من شبكات الأمان الاجتماعي، لكن الحرب عطلت هذه الخطط. وعلى سبيل المثال، فإنّ صندوق الرعاية الاجتماعية، وهو البرنامج الوطني الرائد للحماية الاجتماعية الذي قدم تحويلات نقدية فصلية إلى 1.5 مليون مستفيد، قد أوقف عملياته في خضم الصراع المتواصل. عمومًا، كان لجائحة فيروس كورونا آثار مدمرة في نظم الرعاية الاجتماعية وخطط الحماية والمساعدة الاجتماعية في جميع أنحاء المنطقة العربية؛ ما أدى إلى تفاقم عدم المساواة الموجودة من قبل بين بلدان المنطقة وضمن البلد الواحد على حد سواء. اعتمدت حكومات الدول العربية أكثر من 195 تدبيرًا للحماية الاجتماعية، ركزت على نحو كبير على التحويلات النقدية والعينية، لكنها استهدفت أيضًا دعم الُّنُظم الصحية، واستحقاقات الإجازات، وحماية البطالة. وتفاوت مدى تبنّي الحكومات مثل هذه المبادرات وفقًا للحيز المالي. وكشفت الجائحة أيضًا عن الحاجة إلى تقديم المساعدة الاجتماعية إلى فئات أبعد من الفقراء، وإلى معالجة ظروف الضعف التي تواجه القطاع غير الرسمي والعمال المهاجرين غير المؤهلين للاستفادة من برامج الحماية الاجتماعية الوطنية. ترتبط الظروف الاجتماعية الاقتصادية والسياسية المتنوعة في الاقتصادات السياسية المختلفة في المنطقة بنتائج اجتماعية مختلفة؛ إذ تكون البلدان الأكثر ثراءً أقدر على دفع التحسينات المتعلقة برفاه الإنسان واستدامتها. ووفق مقياس غير مباشر، تشير معدلات التلقيح إلى قدرة الدولة على توفير الخدمات الأساسية، على الرغم من أنها تعكس أيضًا دعم المانحين في البلدان الفقيرة. يبّي نالشكل 2() أنّ النسبة المئوية للأطفال الذين تلقوا لقاحات أساسية تتفاوت تفاوتًا ملحوظًا بين بلدان المنطقة؛ إذ تتمتع البلدان المرتفعة الدخل بمعدلات تلقيٍحٍ مرتفعة، ويتزايد انخفاض هذه المعدلات في البلدان المتوسطة والمنخفضة الدخل. وقد تباينت المعدلات على نحو أكثر حدة في أعقاب الانتفاضات العربية؛ إذ سجّلت الدول ذات الدخل المنخفض انخفاضًا شديدًا في تلقيح الأطفال، ويرجع ذلك في جزء كبير منه إلى سنوات الحرب والعنف الممتدة. وُتُظهر البلدان المتوسطة الدخل، أيضًا، انخفاضًا في معدلات التلقيح، لا سيما في العقد الذي تلا الانتفاضات العربية. وفي الوقت نفسه، ومنذ ثمانينيات القرن العشرين، حافظت الاقتصادات ذات الدخل المرتفع واقتصادات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية على معدلات تلقيٍحٍ للأطفال مرتفعة نسبيًا. على الرغم من نكوص الدولة، منذ أواخر سبعينيات القرن العشرين فصاعدًا في العديد من البلدان العربية، لا سيما البلدان المتوسطة الدخل في المنطقة، ما يزال المواطنون يتوقعون أن تفي الدول بتعهداتها الضمنية والصريحة المتعلقة بضمان الرفاه الأساسي لسكانها. واستنادًا إلى بيانات حديثة من الباروميتر العربي، يورد الشكل 3() النسبة المئوية للمستجيبين الذين يعتقدون أنّ الصحة والتعليم ينبغي أن يكونا في مقدمة الأولويات بالنسبة إلى نفقات القطاع العمومي في بلدانهم.

  1. Nisreen Al Sakbani & Juline Beaujouan, "Education in Syria: Hidden Victim of the Conflict or Weapon of War?" Journal of Peace Education (2024), pp. 1 - 21.
  2. Khaled Al-Surimi, "Yemen: Improvement of Basic Health Services in Yemen: A Successful Donor-Driven Improvement Initiative," in: Jeffrey Braithwaite et al. (eds.), Health Systems Improvement Across the Globe: Success Stories from 60 Countries (London: CRC Press, 2017), pp. 361 - 368.
  3. Stephen Devereux, "Social Protection and Safety Nets in the Middle East and North Africa," Report , Institute of Development Studies and partner Organisations (2016), accessed on 22/12/2025, at: https://acr.ps/1L9F374
  4. UNICEF, Vaccination in Yemen: Saving Lives, Protecting the Economy (Yemen: 2024), accessed on 22/12/2025, at: https://acr.ps/1L9F2Jr
  5. International Labour Organisation, ILO, World Social Protection Report: Regional Companion Report for the Middle East and North Africa (MENA) Region (Geneva: 2022), p. 2.
  6. Roberto Cardarelli, Mercedes Vera-Martín & Subir Lall, Promoting Inclusive Growth in the Middle East and North Africa: Challenges and Opportunities in a Post-Pandemic World (Washington, DC: International Monetary Fund, 2022); International Labour Organization, ILO, World Social Protection Report 2020–22: Regional Companion Report for the Middle East and North Africa (MENA) Region (Geneva: 2021), p. 23. دول مرتفعة الدخل دول منخفضة الدخل دول متوسطة الدخل دول منظمة التعاون اš قتصادي والتنمية ليبيا ا‘ غرب تونس فلسط’ السودان - دول منخفضة الدخل التغطية ا­ج لية للتطعيم الث (DPT) من ا %)طفال بعمر 23–12 شهرًا(حسب النمط/ التصنيف السنوات المصدر: The World Bank, World Development Indicators , accessed on 22/12/2025, at: https://cutt.ly/9tTs3lQ4 نسبة اشخاص الذين يرون أن الصحة والتعليم يجب أن يكونا أولوية انفاق ا و (%) نسبة من السكان م‡ الجزائر الكويت - دول مرتفعة الدخل اردن العراق لبنان - دول متوسطة الدخل البلد المصدر: Arab Barometer, “Arab Barometer Wave VII, 2021-2022,” The Arab Council for the Social Sciences (2022).

الشكل)2(معّدلّات التلقيح بحسب مجموعات الدخل في بلدان المنطقة العربية)2020-1980(

رً(التطعيم الثDPT) (% ا شه 23–12) من ا  طفال بعمر

السنة

الشكل)3(تفضيلات المواط ينن لاستثمارات الحكومة في القطاعات الاجتماعية

يبّي نالشكل 3() تباينًا كبيرًا بين البلدان، لكن الإنفاق الاجتماعي مهم بالنسبة إلى معظم الناس في معظم البلدان، على اختلاف مستويات الدخل. فعلى سبيل المثال، في مصر وفلسطين والكويت، يؤيد أكثر من نصف المستجيبين زيادة الإنفاق على الصحة والتعليم. وهذا الرقم هو الأدنى في لبنان، حيث الخدمات الاجتماعية رديئة وتفتقر إلى المساواة في التوزيع، ومع ذلك واجه البلد العديد من الكوارث الطارئة في السنوات الأخيرة؛ ومن ثمّ، فإنّ المواطنين اللبنانيين لديهم كثير من الأولويات التي تتنافس على سلّم اهتمامهم. والأرجح أنّ تفضيلات الاستثمار في القطاع العمومي المتنوعة تعكس أنماطًا تاريخية، مع إنفاق حكومي مكثف وتوفير الخدمات الاجتماعية في معظم بلدان المنطقة، ولكن ذلك ليس في جميعها. مع تراجع الأشكال العمومية للمساعدة والحماية الاجتماعية، تطورت نُظم الرعاية الاجتماعية لتشتمل على مقاربات موَّجَهة أكثر فأكثر. وُتَُعَدّ برامج التحويلات النقدية مقاربة سياسية متزايدة الشعبية، تقدمها المؤسسات المالية ووكالات المعونة الدولية التي ترى أنها وسيلة أشدّ فاعلية لدعم الأسر ذات الدخل المنخفض. وتتحول بلدان في مختلف أنحاء المنطقة، بما في ذلك العراق والأردن ولبنان والمغرب وفلسطين وتونس، إلى برامج التحويلات النقدية من أجل تخفيف حدّة الفقر. ولمخططات هذه التحويلات النقدية تنويعات مميزة؛ إذ توفر برامج التحويل النقدي المشروط النقد للأشخاص دون عتبة فقر معينة، في مقابل المشاركة في برنامج أو إنجاز سلوك معّين؛ مثل تسجيل الأطفال في المدرسة، أو حضور الفحوصات الطبية المنتظمة، أو البحث عن وظيفة. ولا تتطلب برامج التحويل النقدي غير المشروط مثل هذه الالتزامات لتلقّي المدفوعات. وتشبه مثل هذه البرامج مخططات الدخل الأساسي الشامل Universal Basic UBI Income, لكنها غير موجّهة، ولذلك فهي شبه شاملة. وتعتمد وكالات المعونة الإنسانية على نحو متزايد برامج التحويلات النقدية. فعلى سبيل المثال، نفّذت المفوضية السامية لشؤون برنامج تحويل نقدي لُأ اللاجئين في عام 2013 سر اللاجئين السوريين في لبنان، استهدف الأسر في المناخات الباردة خلال أشهر الشتاء، إضافة إلى مساعدة اللاجئين في تلبية احتياجاتهم الأساسية. ووجد كريستيان ليهمان ودانيال ماسترسون أنّ البرنامج قلّل من التوترات الاجتماعية بين المواطنين اللبنانيين واللاجئين السوريين. وفي اليمن، ثمة من يرى أنّ برامج التحويلات النقدية كانت أشد فعالية في تقديم المساعدة للفقراء، وسهولة تجاوز المجموعات المسلحة التي كانت تجمع المساعدات الغذائية لدعم سيطرتها على السكان. تشير الأدلّة إلى أنّ برامج التحويلات النقدية فعّالة في تخفيف آثار الفقر، إلا أنها ليست دواءً لكل داء. وتتعرض هذه البرامج للنقد على أساس أنّ معايير التوجيه الخاصة بها قد تكون مَعيبة أو متلاعبًا بها. فعلى سبيل المثال، في تحليٍلٍ لبرنامج "تكافل" الأردني للتحويل النقدي، يسلط تقرير منظمة هيومن رايتس ووتش الضوء على حدود هذه المقاربة؛ ذلك أنّ الاعتماد على تكنولوجيا البيانات المكثفة لتحديد الأهلية وتقديم الأموال يظلّ عرضة ل "الخطأ وسوء الإدارة والفساد"، ويخفق في الوصول إلى المستفيدين المؤهلين. وعلاوة على ذلك، يخلق النفاذ المتنوّع إلى البرنامج "توترات اجتماعية وتصورات عن الظلم". والأهمّ من ذلك أنّ برامج التحويلات النقدية لا تعالج جذور الفقر البنيوية، وقد تحلّ محلّ مقارباٍتٍ للضمان الاجتماعي أشدّ ارتكازًا على الحقوق.

3. الإعانات

شكّلت إعانات الدعم للسلع الاستهلاكية الأساسية بندًا رئيسًا في أنظمة الرعاية الاجتماعية العربية في مرحلة ما بعد الاستقلال، في سياق أنظمة الحماية الاجتماعية الرسمية الُمُتخِّفلِة. وتخلق هذه الإعانات، ما إن يتمّ إقرارها، فئات مستهدفة متينة ويصعب تفكيكها. غير أنّ الإعانات الشاملة تفرض أعباءً ثقيلة على ميزانيات الدول، ولها آثار انتكاسية؛ لأنّها تُطَّبَق بالتساوي على جميع فئات الدخل، في حين أنّ فئات الدخل الأعلى هي الأكثر استهلاكًا للغذاء، والوقود خصوصًا، مما يجعلها تجني منهما منافع أكبر. شهدت البلدان العربية المرتفعة الدخل، في عقد ما بعد الانتفاضات، انخفاضًا أوليًا في إعانات الوقود بلغ نحو 5 في المئة، ثم حافظت تلك الإعانات منذ ذلك الحين على مستويات ثابتة نسبيًا. وفي البلدان المتوسطة الدخل، انخفضت إعانات الوقود انخفاضًا حاًّدًا، على الرغم من ارتفاع مستويات الاعتماد على هذه الإعانات لدى سكانها. وفي البلدان المنخفضة الدخل، حيث يكون الحيز المالي مقيدًا إلى أقصى حد، كانت مستويات إعانات الوقود أقل كثيرًا في الأصل وزادت بنسبة طفيفة على مدى عقد ما بعد الانتفاضات العربية.

  1. Ugo Gentilini et al., Exploring Universal Basic Income: A Guide to Navigating Concepts, Evidence, and Practices (Washington, DC: World Bank Publications, 2019).
  2. M. Christian Lehmann & Daniel T. R. Masterson, "Does Aid Reduce Anti-Refugee Violence? Evidence from Syrian Refugees in Lebanon," American Political Science Review , vol.  114, no. 4 (2020), pp. 1335 - 1342.
  3. Moosa Elayah, Qais Gaber & Matilda Fenttiman, "From Food to Cash Assistance: Rethinking Humanitarian Aid in Yemen," Journal of International Humanitarian Action , vol. 7, no. 1 (2022), p. 11.
  4. Human Rights Watch, Automated Neglect: How the World Bank's Push to Allocate Cash Assistance Using Algorithms Threatens Rights (2023), pp. 1-2, accessed on 22/12/2025, at: https://acr.ps/1L9F2T0 دول مرتفعة الدخل دول منخفضة الدخل دول متوسطة الدخل دول منظمة التعاون اŒ قتصادي والتنمية

لقد دأبت دول الخليج المرتفعة الدخل والغنية بالنفط، بقدراتها المالية الهائلة، في دعم الوقود للمواطنين والمقيمين. غير أنّ حكوماتها، مع هبوط أسعار النفط والغاز الدولية، أخذت تبحث عن سُبلٍ لتوفير المال. وفي عام 2016، سمحت الحكومة القطرية لأسعار الغاز والديزل المحلية بالتذبذب مع الأسواق الدولية. ومع ذلك، تُعدّ قطر، إلى غاية كتابة هذه الدراسة، آخر دولة خليجية حيث الكهرباء والمياه مجانية للمواطنين. وحاولت الحكومة الإماراتية وقف بعض المنافع الاجتماعية السخية الممنوحة للمواطنين. ففي عام 2008، اعتمدت دبي إصلاحات تسعير الكهرباء والمياه، ورفعت الأسعار مرة أخرى في عام 2011. وفعلت. وفي جميع أنحاء الإمارات، أ أبوظبي الأمر نفسه في عام 2015 لغي دعم الوقود، مع تحديد الأسعار شهريًا على أساس الأسواق العالمية، وخلافًا لدول الخليج الأخرى، فإنّ الأسعار متعادلة للمواطنين والمغتربين. ومع فرض مزيد من القيود المالية، مقارنةً بغيرها من بلدان الخليج الغنية بالنفط؛ نظرًا إلى ارتفاع عدد سكانها نسبيًا، سعت الشكل)4(إجمالي إعانات الوقود بوصفه نسبة مئوية من الناتج الإجمالي المحلي في مجموعات دخول البلدان العربية

الحكومة السعودية أيضًا لخفض إعانات الدعم وزيادة الضرائب. وفي عام 2015، أعلن ولي العهد، الأمير محمد بن سلمان، عن خطة لرفع أسعار الطاقة إلى المستويات الدولية بحلول عام 2020، مع أنّ الحكومة حددت في عام 2021 سقفًا لسعر البنزين المحلي من أجل تخفيف العبء على السكان. وأدخلت الحكومة في السنوات الأخيرة ضريبة القيمة المضافة، وأزالت بدل تكلفة المعيشة؛ ما ضاعف ضريبة القيمة المضافة ثلاث مرات، من 5 في المئة إلى 15 في المئة، لتعويض أثر انخفاض أسعار النفط في إيرادات الدولة. من أجل زيادة الإيرادات من دون خفض النفقات، أدخلت البحرين ضريبة القيمة المضافة في عام 2019. ومن أجل الحدّ من العجز في الميزانية الناجم عن انخفاض أسعار النفط، سعت الحكومة البحرينية للحدّ من العمالة في القطاع العمومي، وخفض دعم المياه والطاقة، وتحسين توجيه المساعدات الاجتماعية، وزيادة العائدات

  1. Jim Krane & Francisco Monaldi, "Oil Prices, Political Instability, and Energy Subsidy Reform in MENA Oil Exporters," Center for Energy Studies, Baker III Institute for Public Policy, Rice University, 2017.
  2. Tim Boersma & Steve Griffiths, "Reforming Energy Subsidies," in: International Monetary Fund, Economic Prospects and Policy Challenges for the GCC Countries (Washington, DC: 2016). ( من الناتج اح ا ج٪) دعم الوقود السنة المصدر: The World Bank, World Development Indicators , accessed on 22/12/2025, at: https://cutt.ly/9tTs3lQ4
  3. Krane & Monaldi.
  4. International Monetary Fund (IMF), "Saudi Arabia – Staff Concluding Statement of the 2021 Article IV Mission," 3/5/2021, accessed on 22/12/2025, at: https://acr.ps/1L9F2O1
  5. Saudi Arabia Could Review VAT Increase after Pandemic Ends, Minister," Reuters , 19/11/2020, accessed on 22/12/2025, at: https://acr. ps/1L9F2R5

غير النفطية. وبين عاَمَي 2015 و 2017، خفضت هذه الجهود العجز في الميزانية من 13- في المئة إلى 10.1- في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. وفي عمُان، خفضت الحكومة أيضًا الدعم، وفي عام 2021، أصبحت أول دولة خليجية تعلن عن خطط لفرض ضريبة على أصحاب الدخول الأعلى. من بين البلدان العربية المتوسطة الدخل، تتميز بلداٌنٌ بقدرة مالية متفاوتة على الحفاظ على الإعانات؛ فعلى الرغم من ثروة العراق النفطية، أنتج الفساد وسوء الإدارة مشكلات اقتصادية مزمنة في البلد. ونتيجة لهذا، حاول صناع القرار خفض إعانات الدعم. وفي عام 2016، أصلحت الحكومة العراقية نظام التوزيع العام، وهو أكبر برنامج دعم عام في العالم لتوزيع الغذاء، من أجل قصَر الوصول على ذوي الدخل المنخفض، لكن الحكومة كانت مترددة في إصلاح النظام نظرًا إلى عدم وجود شبكات أمان فعّالة أخرى. وفي العام نفسه، قدمت الحكومة مشروع قانون التأمين الاجتماعي الجديد الذي يهدف إلى تحسين استدامة البرنامج مع توسيع التغطية والإنصاف، لكن هذه الإصلاحات لم تعالج احتياجات السكان على نحٍوٍ كاٍفٍ. وفي تشرين الأول/ أكتوبر 2019، احتج مواطنون على الفساد والبطالة وضعف الخدمات العامة، وهذه الاحتجاجات هي جزء من انتفاضة تشرين. واستجابةً لذلك، عرضت الحكومة تنازلات جزئية إلى جانب القمع. هدأت الانتفاضة مع القيود المفروضة على التجمعات الشعبية خلال تفشي جائحة فيروس كورونا؛ ما شكّل نهاية أكبر وأطول حركة احتجاجية منذ عام 2003 . واتّبعت مصر، في شأن الإعانات، اتجاهًا إقليميًا لزيادة الأسعار بين الحين والآخر، مع إيلاء خفض إعانات الطاقة الأولوية، مع تجنب إجراء تخفيضات كبيرة في إعانات الغذاء. غير أنّ الحكومة اعتمدت في عام 2019، مع تزايد عدد المستفيدين من الإعانات الغذائية، إصلاحات لاستبعاد أكثر المستفيدين ثراء. وقبل ذلك، في عام 2016، أعلنت عن ضريبة للقيمة المضافة بنسبة 13 في المئة وارتفعت إلى 14 في المئة في عام 2017؛ ما أثقل كاهل الفقراء على نحو غير متناسب. وكانت تدفقات كبيرة من المساعدات الخارجية، في المقام الأول من الخليج الذي أفادت تقارير أنّه قدّم حوالى 92 مليار دولار من المساعدات إلى مصر بين عامي 2011 و 2019، قد وفرت الدعم لميزانية الدولة. وتجنبت الدولة احتجاجات جماهيرية من خلال مزيج من "الجزرة والعصا"، بما في ذلك الوعود باستعادة الدعم أو التهديد بالعنف. وعمل الأردن على خفض دعم الغذاء والطاقة، وراوحت سياساته في السنوات الأخيرة بين رفع الأسعار وإعادة تقديم الدعم. وفي عام 2008، بدأت الحكومة خطة لإصلاح أسعار الطاقة المحلية، لكنها عكست خططها بعد اندلاع الاحتجاجات خلال الانتفاضات العربية. وفي عام 2012، اضطرت الحكومة مرة أخرى إلى الحد من الإنفاق العام، بما في ذلك إعانات دعم الوقود، في إطار اتفاق صندوق النقد الدولي الذي يهدف إلى معالجة التوترات الاقتصادية المرتبطة بأزمة اللاجئين السوريين. وقد قوبل هذا الإصلاح أيضًا باحتجاجات، استجابت لها الحكومة بإنشاء برنامج التحويلات النقدية المباشرة للأسر الفقيرة. وفي عام 2018، أدت الإصلاحات الحكومية مرة أخرى إلى المعارضة، وكانت هذه المرة متعلقة بقانون الضرائب الصارم الجديد الذي أقره صندوق النقد الدولي. ومع استمرار الحكومة في خفض الإنفاق، لم يتمكن القطاع الخاص من معالجة الركود؛ ما ترك الاقتصاد في أزمة مستمرة. وفي عام 2014، حينما شرعت الحكومة اليمنية في استيراد الوقود لتعويض النقص في الإنتاج المحلي، أجبرها العبء المالي على رفع أسعار الطاقة المحلية. لكنها سرعان ما عكست المسار؛ إذ كانت أضعف من أن تتحمل ضغوط الاحتجاجات، لا سيما من المعارضة الحوثية، وأعادت سياسة الدعم.

4. القمع

إذا كانت المنافع الاجتماعية هي "الجزرة"، فإنّ القمع - أو التهديد بالقمع - هو "العصا" في عدة أدوات السلطوية. ومع تراجع دول المنطقة العربية عن عناصر رئيسة في المواثيق الاجتماعية لما بعد

  1. Fatema Alaali, "The Reform in Government Expenditure and the Standard of Living in Bahrain," in: Ryan Merlin Yonk (ed.), Improving Quality of Life: Exploring Standard of Living, Wellbeing, and Community Development (IntechOpen, 2021).
  2. Abouzzohour.
  3. Osorio & Soares.
  4. International Crisis Group, Iraq: Staving Off Instability in the Near and Distant Futures , 31/1/2023, accessed on 22/12/2025, at: https://acr.ps/1L9F2Cr
  5. Economic and Social Commission for Western Asia (ESCWA), Targeted Social Protection in Arab Countries before and During the COVID-19
  6. Kira D. Jumet, Contesting the Repressive State: Why Ordinary Egyptians Protested During the Arab Spring (Oxford: Oxford University Press, 2018).
  7. Bassam Fattouh & Laura El-Katiri, "A Brief Political Economy of Energy Subsidies in the Middle East and North Africa," in: Giacom Luciani (ed.), Combining Economic and Political Development: The Experience of MENA , International Development Policy series 7 (Geneva: Graduate Institute Publications; Boston: Brill-Nijhoff, 2017), pp. 58 - 87.
  8. World Bank. 63  Fattouh & El-Katiri. المصدر: Michael Coppedge et al., "V-Dem Codebook v14," Varieties of Democracy (V-Dem) Project, 2024.
  9. Crisis (2021), accessed on 22/12/2025, at: https://acr.ps/1L9F2Tr

الاستقلال، زاد بعضها من القمع لكبح الاحتجاجات القائمة أو المتوقعة. ويبّي نالشكل 5() مستويات عنف الدولة ضد المدنيين من عشية الانتفاضات العربية إلى عام 2023 في بلدان عربية مختارة، حيث تشير القيم الأعلى على مقياس من 0 إلى 1 إلى مزيد من القمع. كما يشير الشكل 5()، يقع القمع الحكومي في بلدان من جميع فئات الدخل في المنطقة. ففي البلدان الصغيرة في منطقة الخليج الغنية، يحصل المواطنون على مجموعات سخية نسبيًا من المنافع؛ ما يمنحهم سببًا أقل إلحاحًا للسخط، ومعظم المقيمين هم من غير المواطنين الذين لا يتمتعون بالحقوق المدنية والسياسية، فلا يمكنهم الاحتجاج على سياسات الدولة. والأمر الأشدّ جوهرية هو أنّ دول الخليج تمارس رقابة محكمة على سكانها، فتتجنب الحاجة إلى تطبيق عمليات قمع صريحة لردع الاضطراب الاجتماعي. يختلف الأمر في البلدان المتوسطة والمنخفضة الدخل في المنطقة، حيث وقعت أغلب الاحتجاجات خلال موجات الانتفاضات العربية.

دول مرتفعة الدخل اغرب الكويت

وفي هذه البلدان، يعاني الجميع باستثناء الأغنياء ظروفًا معيشية محفوفة بالمخاطر على نحو متزايد، ويتصاعد السخط تصاعدًا مطّردًا. ففي مصر، حيث نفّذت حكومة عبد الفتاح السيسي بعض أكبر تخفيضات الإنفاق الاجتماعي في المنطقة، ارتفع عنف الدولة ارتفاعًا حادّا، ولكن خفّت حدّته بعد ذلك، ويرجع هذا جزئيًا إلى أنّ القمع كان سببًا في ردع التعبير الصريح عن السخط بين السكان. ومن بين البلدان المتوسطة الدخل، شهدت الجزائر ارتفاعًا في القمع ضد المعارضين. وفي البلدان ذات الدخل المنخفض، لا سيما السودان وسورية واليمن، كان عنف الدولة مرتفعًا على نحو خاص في سياق الصراعات المستمرة، ولكنّ عنفها انخفض في السنوات الأخيرة. ويبقى أن نرى كيف سيتطور هذا المزيج المعروف من "الجزرة والعصا" في سورية الجديدة تحت قيادة الأمر الواقع في فترة ما بعد سقوط نظام آل الأسد. الشكل)5(عنف الدولة في بلداٍنٍ مختارة من المنطقة العربية)2023-2008(

اتجاهات عنف الحكومات كˆ تعكسه مؤ„ات حقوق الس­مة الجسدية)تش القيم اع إ انتهاكات أشد (

دول متوسطة الدخل دول منخفضة الدخل تونس ا ردن

لبنانو سا ردن
عُˆ ن
ا ماراتالعربية ا تحدةالجزائرالسسوداناليمن
البحرين
البحرينالع
م¤
عراقو ن
السعوديةةليبياسورية

القيمة

سورية

السنوات