تآكل الدولة العربية في السياقات العالمية والإقليمية **
الملخّص
بعثت الانتفاضات العربية التي اندلعت عام 2011 آمالًا في إحداث تغيير إيجابي في السياسة الإقليمية في المنطقة العربية. ولم تشّك ل هذه الانتفاضات تحدّيًا لسلطة الدول على الصعيد الداخلي فحسب، بل بدت أيض ا عازمة على زعزعة الجيوسياسة الإقليمية، وتغيير موقع المنطقة العربية في النظام الدولي. ومع اندلاع الحروب الأهلية في سورية وليبيا والسودان، والتدّخ لات العسكرية في البحرين واليمن، والانتشار غير المسبوق لفاعلين مسلّحين من غير الدول في المنطقة، أحدثت الانتفاضات تحولات مهمة في طبيعة الدولة ودورها على المستويين الإقليمي والدولي. وعلى الرغم من النشأة المصطنعة للدولة العربية وبقائها المحِّيِر طوال القرن العشرين، فإنها واجهت، في مرحلة ما بعد عام 2011، تحدّيات متزايدة، وبدأت نقاط ضعفها البنيوية في الظهور إلى الواجهة. وفي حين أن الانتفاضات ربما أسهمت في إضعاف الدول العربية داخليًا، فإن التحولات على المستويين الإقليمي والدولي أوجدت، في الوقت نفسه، ظروف ا مواتية لتقويض نظام الدول في المنطقة. تتناول هذه الدراسة الظروف البنيوية، الدولية والإقليمية، التي ساهمت في إعادة صياغة مفهوم الدولة في المنطقة العربية في مرحلة ما بعد انتفاضات عام 2011، وتبيّن كيف أدّت استجابات الدول العربية لهذه الظروف، إلى جانب التداعيات الإقليمية للانتفاضات، إلى تعميق مظاهر التفّك ك في بنية الدولة العربية. وفي خضمّ عملية طوفان الأقصى، في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، وحرب الإبادة الإسرائيلية التي تلتها في المنطقة، تفاقمت عملية تآكل الدولة، مع تعزيز الديناميات التي أفرزتها مرحلة ما بعد عام 2011. كلمات مفتاحية: العلاقات الدولية، الفاعلون غير الدول، السياسة الخارجية، السيادة، تآكل الدولة.
The Erosion of the Arab State in Global and Regional Contexts
The 2011 Arab uprisings sparked hopes for positive change in the regional politics of the Middle East. The uprisings not only challenged the authority of states at the domestic level but seemed poised to disrupt regional geopolitics and alter the position of the Middle East in the international system. With the outbreak of civil wars in Syria, Libya, and Sudan, military interventions in Bahrain and Yemen, and the unprecedented proliferation of armed non- state actors in the region, the uprisings seem to drive important changes in the nature of the state and its regional and international role. Despite its artificial inception and its puzzling survival throughout the 20 th century, the Arab State faces challenges in the post- 2011 era and its vulnerabilities have been exposed. While the uprisings may have weakened Arab states, changes at regional and international levels created permissive conditions to challenge the regional state system. Hamas's 7 October 2023 operation and Israel's ensuing wars in the region have further exacerbated state erosion and reinvigorated post- 2011 regional dynamics. This paper examines how structural international and regional conditions have reshaped statehood and agency in the region post- 2011. It also explores how the responses of Arab states to international conditions and the regional reverberations of the uprisings have further generated disintegrative effects for the Arab state. Keywords: International Relations, Non-state Actors, Foreign Policy, Sovereignty, State Erosion.
مقدمة
في عام 2011، خرج ملايين المواطنين في أرجاء العالم العربي يهتفون: "االشعب يريد إسقاط النظام"؛ وقد شكلت مطالبهم منعطفًا حاسم بالنسبة إلى دولة عربية لطالما اتّسمت بالهشاشة. وإذا ما تفحّصنا التاريخ المترسب لتشكّل الدولة في المنطقة العربية، بما يتضمّنه من موروثات استعمارية، نجد أن الدولة العربية في مرحلة ما بعد الاستقلال كانت عرضة لتهديدات أيديولوجية عابرة للحدود، بسبب التعارض بين تاريخ تشُّكُلها بهويات متنوّعة من جهة، ونموذج الدولة المفروض عليها من جهة أخرى1. وخلال خمسينيات القرن العشرين وستينياته، كانت "الحرب الباردة العربية" مث لًاعلى كيفية استغلال القادة لهذا الضعف، كما في حالة جمال عبد الناصر الذي استخدمه لتعزيز المصالح الجيوسياسية لمصر في المنطقة. وعلى مدى العقود التالية، حاولت الدول العربية الحدّ مّم اسّم اه ركس برينان2 "النفاذية" Permeability، من خلال بذل جهود لبناء الدولة بما يضمن فرض السيطرة على المجتمعات. ولطالما اعتبر الباحثون الدولة العربية "ضعيفة" و"هشّة"، على عكس مظهرها "الشرس" و"الصلب"3. فعلى الرغم من لجوء الدول إلى استخدام بيروقراطيات ضخمة، وإعداد جيوش قوية، وممارسة القمع، فإنّها كانت تفتقر إلى القدرة على فرض القوانين وبسط هيمنتها الفعلية على مجتمعاتها4. ومع وجود هذه الدول العربية التي يُزعم أنّها معتلّة، احتفظت النخب المعنية ببناء الدول في المنطقة بالوضع القانوني والإقليمي الذي حظي بالاعتراف الدولي منذ تصفية الاستعمار. وقد أثبتت الأنظمة قدرتها على صون السيادة القانونية والفعلية للدولة، من خلال إحكام سيطرتها على المساحات المحدّدة لها، واحتكار علاقاتها الخارجية والدبلوماسية. وعلى الرغم من تحدّي القومية العربية، تمكّنت الدول العربية من ترسيخ وجودها من دون الاندماج، أو الانفصال، أو التفكّك، إّل افي حالات محدودة، كما هو الحال في السودان. وفي عام 2011، ما بدأ بمطالبات بتغيير الأنظمة السلطوية في العالم العربي تدهور لاحقًا لينتج حروبًا أهلية مزّقت دولًاكانت، في الأصل، هشّة. ولئن شملت هذه الحروب الأهلية بعض الأنظمة، وليس جميعها، فإنّ أنظمة أخرى شهدت تآكلًافي سيادتها، إمّا بفعل التدّخلّات الخارجية أو نتيجة الاعتماد على آليات الضغط القسرري. وقد أدّى ذلك إلى إضعاف هيمنتها على مجتمعاتها، وإنهاك صورة الدولة وخطابها، وهو ما تصفه ليزا أندرسون5 ب "تهالك واجهة نظام الدولة." وكثيرًا ما لاحظ الباحثون في حقل العلاقات الدولية، الذين ينظرون إلى الدولة على نحو مختلف عن نظرائهم في السياسة المقارنة، هذا الضعف، والنفاذية، والهشاشة التي تعانيها الدولة العربية. ففي حين يدرس باحثو السياسة المقارنة الدولة من خلال بنيتها وأدائها وطبيعتها، بالتركيز على علاقاتها مع النخب والمواطنين والحركات الاجتماعية وغيرها من الفاعلين المحليين، ينظر باحثو العلاقات الدولية إلى الدولة بوصفها وحدة تُشكّل النظام الدولي الحديث6. ومهما يكن النقاش والجدال حول هذه الطبيعة الوحدوية للدولة، فإنّها تُفهم، من المنظور الدولي، من خلال تفاعلاتها مع فاعلين آخرين على المستويين الإقليمي والدولي. تتناول هذه الدراسة الدولة من خلال عدسة حقل العلاقات الدولية، معتمدةً خصائصها الأساسية، مثل بسط سيطرتها على أرض وسكان محدّدين، وانتهاج سياسات خارجية مستقلّة على المستوى الدولي، بما يفترض الحصول على قدر من الاعتراف من الآخرين. وتعتمد الدراسة مقاربة من الخارج إلى الداخل، لبيان كيف تعرّضت الدولة العربية، من خلال تفاعلاتها مع فاعلين إقليميين آخرين، لتآكٍلٍ في وظائفها الأساسية ومكانتها في النظام الدولي. ركّزت الدراسات السابقة حول متانة الدولة العربية واستمراريتها على العوامل الداخلية المؤدّية إلى ضعفها، وانهيار بنيتها المؤسسية، وتآكل التصوّرات الخاصة بها. وشملت هذه العوامل الاقتصاد السياسي للدول العربية، الذي أفرز ضعفًا طويل الأمد7، وعدم
تطابق بين الهويات والمؤسسات السيادية8، فضلًاعن تاريخ من بناء الدولة على أسس تَِعِد بضعف مستمر9. وبالنظر إلى النتائج الإقليمية بوصفها جزءًا من سياق عالمي أوسع، لم يدرس سوى عدد قليل جدًا من الباحثين ضعف الدولة العربية من خلال مقاربة من الخارج إلى الداخل، حيث تداخلت الظروف الدولية مع العوامل الداخلية، وأسهمت معًا في إضعاف الدولة10. وقد تناول بعض الباحثين كيف أنّ الحرب والتنافس الإقليمي في حقبة ما قبل عام 2011 جعلا دولًافي المنطقة قابلة للاختراق11 على عكس تأثيرات الحروب الأوروبية التي أسهمت في دعم مركزية الدولة12. وخلال العقد المنصرم، اهتمّ الباحثون بكيفية تأثير الانتفاضات العربية وتداعياتها، ليس في زعزعة استقرار أنظمة طويلة الأمد فحسب، بل كذلك في بلورة قضايا نقاش مثيرة للجدل لدى الرأي العام تتعلّق ببنية الدولة ودورها. غير أنّ هذه الأبحاث، التي ركّزت على البنى التاريخية والداخلية، نادرًا ما ناقشت العوامل العالمية والإقليمية. تتناول هذه الدراسة كيف تركت الظروف الدولية والإقليمية، في أعقاب الانتفاضات العربية عام 2011، تأثيرات مدمّرة في الدول العربية. ومن خلال النظر إلى المنطقة من الخارج إلى الداخل، تناقش الدراسة أنّ الانتفاضات العربية وقعت في سياق عالمي أوسع، تغّي رت فيه مفاهيم الدولة والسيادة منذ انتهاء الحرب الباردة. وفي حين قد تكون الصراعات الداخلية قد أدّت إلى تفكّك بعض الدول العربية وتآكل مؤسسات دول أخرى، فإنّ التحّولّات الدولية والإقليمية الأوسع نطاقًا هي التي خلقت ظروفًا مواتية لتقويض الدولة العربية من الخارج. ولم تقتصر هذه التحولات البنيوية على زعزعة استقرار الدولة في مختلف أنحاء العالم العربي، بل أثّرت أيضًا إلى حد بعيد في كيفية استجابة الأنظمة العربية للأزمات الداخلية. وفي كثير من الحالات، أدّت طبيعة هذه الاستجابات إلى تفاقم تفكّك الدولة، ومضاعفة تآكل سلطتها وتماسكها. تنقسم الدراسة إلى ثلاثة مباحث. يتناول المبحث الأول الظروف العالمية في حقبة ما بعد الحرب الباردة، حيث أفرزت التدّخلّات الدولية معايير جديدة للسيادة في المنطقة العربية، وهيّأت أرضًا خصبة للنزعات الانفصالية مع انتقال استخدام العنف إلى فاعلين غير الدول. وقد أدّت هذه التطوّرات إلى نشأة ما يُسمّى النظام العالمي "المتعدّد الروابط" Multiplex، الذي يتّسم بغياب الهيمنة، وانتشار فاعلين غير الدول يتحدون سيادة الدولة وتنوّعها الثقافي والأيديولوجي13. ويناقش المبحث الثاني التأثير الُمُحِّفِز للانتفاضات العربية، التي أعادت ترتيب العلاقة بين الظروف الإقليمية والدولية، ويوضّ ح كيف أدّت استجابات الدول العربية إلى توليد مزيد من الآثار التفكّكية في الدولة العربية، وحوّلت المنطقة إلى ساحة تتسم بتعدّد أشكال التنوع السياسي والأيديولوجي. ويتناول المبحث الثالث كيف أسهمت هذه الظروف الإقليمية والدولية في تآكل الدولة من الخارج، حيث يتنافس الفاعلون من الدول وغير الدول بصورة نشطة على تشكيل النظام الإقليمي. ومنذ عام 2023، فاقمت الحروب الإسرائيلية في المنطقة تعدّدية الروابط Multiplexity في المنطقة العربية، وتطوّر الفاعلون غير الدول ليتحولوا إلى كيانات هجينة، تمتلك سياسات خارجية معقّدة وقدرات دبلوماسية، إلى جانب قدراتها العسكرية. وفي الوقت الذي تضعف فيه الدولة العربية ما بعد الاستعمار وتتفكّك على نحو مطّرد، يبرز فاعلون جدد لملء هذا الشغور، ليس على الساحات الداخلية فحسب، بل كذلك على الصعيد الإقليمي.
أولًا: الدولة في حقبة ما بعد الحرب الباردة: من السلام الأميركي إلى تعددية الروابط
على عكس ما افترضه دارسو سياسة المنطقة العربية (أو ما يسمى سياسة الشرق الأوسط)، لم تكن الانتفاضات العربية التي أحدثت تأثير الدومينو في المنطقة، وأدّت إلى تقويض استقرار أنظمة مستبدّة دامت فترات طويلة، فريدةً من نوعها14. ولم يكن اندلاع هذه الانتفاضات وتأثيرها في الدولة منفصَليَن عن السياق العالمي؛ إذ أفرزت ديناميات ما بعد الحرب الباردة ظروفًا مواتية للتطوّرات الإقليمية في المنطقة العربية بعد عام 2011. وعلى الرغم من أّن المظالم الداخلية شكّلت الدافع المباشر للانتفاضات العربية التي تمظهرت في ثورات ضد الاستبداد، فإنّ تطوّرها جاء متماشيًا مع الظروف البنيوية العالمية، بما أسهم في إضعاف الدولة. يناقش هذا المبحث حقبة ما بعد الحرب الباردة، وكيف اتّسمت بصراعات عنيفة جعلت الرابط بين "الدولة" و"الأمّة" موضع شك في العديد من دول العالم، من خلال مراجعة معايير السيادة، وإفساح المجال أمام الحركات الانفصالية للمطالبة باستقلال دول لها، أو على الأقل التطلّع إلى ذلك. وقد أدّت هذه التطوّرات إلى بروز نظام عالمي مختلف، يتّصف في كثير من الأحيان ب "تعدّدية الروابط." ويتّسم هذا النظام بتراجع قوة الهيمنة الأميركية، وظهور طيف واسع من الفاعلين غير الدول، المتنوّعين أيديولوجيًا وثقافيًا وسياسيًا، والذين يعملون وفق أجندات محلية ودولية متباينة. انطلقت الانتفاضات العربية ضمن هذا السياق العالمي الذي شهد تحّولّات عميقة في مفهوَمَي الدولة والسيادة. وعلى الرغم من أنّ الصراعات الداخلية أدّت إلى انهيار دول عربية معيّنة، فإنّ حقبة ما بعد الحرب الباردة هيّأت ظروفًا ملائمة للحركات الانفصالية لتقويض استقرار الأنظمة القائمة، ومواصلة تحدّي نظام الدول العربية. وبهذا المعنى، أضاف النظام العالمي الأحادي القطب والهيمنة الأميركية، اللذان أعقبا انهيار الاتحاد السوفياتيي، مزيدًا من التعقيدات إلى مفهوم السيادة، ولا سّيمّا من خلال التدّخلّات العسكرية التي جرت تحت شعار "الحرب على الإرهاب." وقد أضعفت هذه التحّولّات البنيوية العالمية الدولة العربية، من دون قصد، وأثّرت في كيفية استجابة الأنظمة العربية للتحدّيات الداخلية. تمكّنت دول ضعيفة، خلال الحرب الباردة، في مناطق مختلفة من الجنوب الكبير من البقاء؛ إذ توافقت القوّتان العظميان ضمنيًا على ضرورة الحفاظ على الحدود القائمة. ففي أفريقيا، على سبيل المثال، جرى الحفاظ على التكامل السياسي الضعيف لدول ما بعد الاستعمار، لأن القوى العظمى كانت مستعدة للتدخّل دعمًالحلفائها15. غير أّن انهيار الاتحاد السوفياتيي أدّى إلى بروز أنماط جديدة من السياسات والصراعات، ولا سّيمّا حول القضايا الحدودية16. وفي أواخر ثمانينيات القرن العشرين وأوائل تسعينياته، أعقب انهيار الاتحاد السوفياتيي ونهاية الحرب الباردة تأجج صراعات في أوروبا الشرقية، وآسيا الوسطى، وأفريقيا، ومناطق أخرى؛ ما أثار تساؤلات جوهرية حول العلاقة بين "الدولة" و"الأمّة." ولم يُعُد مصطلح "الحرب الأهلية" كافيًا لوصف العنف الجماعي وتفكّك العديد من الدول القومية، فظهرت تسميات جديدة، مثل "حروب من النوع الثالث"17 و"الحروب الجديدة"18، بل ذهب بعضهم إلى وصف هذه التحّولّات ب "الفوضى المقبلة"، في إشارة إلى إعادة تشكيل النسيج الاجتماعي للنظام الدولي19. ومع انهيار الاتحاد السوفياتيي، تفكّكت دول قديمة، وأصبحت السيادة إرثًا اسميًا للدول الوارثة؛ ما أتاح للحركات الانفصالية، كما في يوغوسلافيا السابقة، فرصة إعادة تشكيل بعض الدول القائمة. ولم يقتصر هذا الانهيار الداخلي على المجال السوفياتيي؛ إذ بدا مفهوم السيادة نفسه آخذًا في التآكل. فقد دعم المجتمع الدولي حركات تعرّضت للقمع وأبدت رغبتها في الحكم الذاتيي، كما في تيمور الشرقية والبوسنة وكوسوفو، حيث عانت الدول الحديثة النشأة ضعفًا بنيويًا، وكانت عرضةً للحروب الأهلية؛ ما جعلها تعتمد على المجتمع الدولي لضمان بقائها. وفي الوقت نفسه، انتهزت حركات انفصالية أخرى حول العالم الفرصة لإعلان الاستقلال، والحفاظ على كيانات انفصالية بحكم الأمر الواقع، من دون اعتراف دولي، كما هو الحال في صوماليلاند Somaliland في أفريقيا، وأبخازيا في آسيا الوسطى، وغيرهما. وقد نجحت هذه الدول بحكم الأمر الواقع في الاستمرار، على الرغم من غياب الاعتراف الدولي، مثيرةً بذلك تساؤلات إضافية حول جدوى
السيادة20. وتمكّنت هذه الكيانات من ترسيخ سيطرتها الإقليمية والإدارية على أراٍضٍ محدّدة، في حين اعتمدت على رعاية خارجية لتأمين الدعم الاقتصادي والعسكري. وقد أصبحت المسافة بين عناصر السيادة الفعلية وتلك القانونية أشد وضوحًا في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، وبدأ معيار السيادة يواجه تحديًا غير مسبوق21. وأسهم ذلك في بروز فاعلين جدد يتحدّون الدول الضعيفة من داخل حدودها. منذ نهاية الحرب الباردة، تغّي رت معايير السيادة والدولة تغرّي ا كبيرًا؛ ما أفرز ظروفًا ملائمة لتآكل الدول وظهور فاعلين يتحدّون الدولة، ولا سّيمّا في الجنوب الكبير. وعلى الرغم من أنّ انتهاء الحرب الباردة لم يُفِضِ إلى عنف، أو تفكّك، أو حروب أهلية في المنطقة العربية كما حدث في مناطق أخرى، فإنّ تأثيراتها بدت جليّة خلال مرحلة ما بعد الانتفاضات العربية، حين تحوّلت المنطقة العربية إلى بؤر من الاضطرابات وسفك الدماء، مع اندلاع حروب بالوكالة ونشأة حركات انفصالية شكّلت تحدّيًا لحدود الدولة. وفي مرحلة ما بعد الانتفاضات، ومع انهيار بعض الدول، أصبح واضحًا أنّ لكل دولة عربية قائمة، على الأقل، دولة مضادّة تتحدّى وضعها القائم. ففي حين عارض بعض هؤلاء الفاعلين الأنظمة القائمة، وسعوا للاستيلاء على السلطة من دون المساس بسيادة الدولة، كما في حالة المجلس الوطني السوري، سعت مجموعات انفصالية أخرى للانفصال عنها. وطالبت مجموعات انفصالية بإجراء تعديلات إقليمية، مستندة إلى مفهوم تقرير المصير بوصفه معيارًا تأسيسيًا في مرحلة ما بعد الحرب الباردة. واستفادت مجموعات انفصالية، عازمة على كسرر سيادة الدولة، من الفراغ الذي خلّفته الانتفاضات، فأسّست مناطق ذات حكم ذاتيي، مثل جنوب اليمن، وإقليم برقة في ليبيا، وُرُوج آفا في سورية، وإقليم كردستان في العراق.22. وسلّط هؤلاء الفاعلون الطموحون الضوء على التباين بين نظام الدولة الحديثة في العالم العربي ونموذج الدولة–الأمّة المفروض، وزعموا أنّ الأخطاء التاريخية قابلة للتصحيح، واعدين بأشكال أكثر استقرارًا للدولة، استنادًا إلى تصوّرات الشعوب للأمّة والدولة. وقد مارست هذه المجموعات الانفصالية اللعبة نفسها التي اعتمدتها حركات انفصالية أخرى في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، ساعية للحصول على اعتراف دولي قائم على ادّعاءات المظالم التاريخية وقمع الهوية، في مقابل التعهّد بقبول القانون الدولي والديمقراطية وحقوق الإنسان. وعمدت إلى حشد رعاة خارجيين لدعم قضاياها، من خلال تأمين الدعم الاقتصادي والعسكري. وخلال حقبة الحرب الباردة، نجا نظام الدولة العربية من ضعفه البنيوي وتمكن من الصمود. وحينما نشبت أزمات هدّدت تماسكه، تدخّلت قوى إقليمية وعظمى، إمّا عبر تقديم الدعم الخارجي للأنظمة القائمة، أو من خلال التدّخلّات العسكرية المباشرة. فعلى سبيل المثال، عقب نيل الكويت استقلالها عام 1961، والخطابات العنيفة التي ألقاها عبد الكريم قاسم، حاكم العراق آنذاك، معلنًا نيّته ضمّ الكويت، نشرت بريطانيا قوات عسكرية عام 1961، أعقبها دعم من قوى إقليمية عبر قوّة حفظ سلام تابعة لجامعة الدول العربية23. وحينما تعّثتر سلطة الدولة في الأردن خلال أحداث "أيلول الأسود" عاَمَي 1970 و 1971، دعمت الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل الملك حسين في مواجهة معارضيه الفلسطينيين24. وكذلك، حينما بلغت القومية العربية ذروة الانقسام وهدّدت باندلاع حروب أهلية، تدخّلت قوى عظمى تدخّلًاعسكريًا مباشرًا، كما حدث في لبنان والأردن عام 1958 25. وبذلك، ظلّ انهيار الدولة في العالم العربي أمرًا نادر الحدوث، باستثناء حالة جنوب السودان، إلى حين اندلاع الانتفاضات العربية. وحتى في نهاية الحرب الباردة، أ لغي ضمّ صدام حسين للكويت عام 1990 عبر تحالف دولي قادته الولايات المتحدة، وضمّ دولًاعربية، لإعادة السيادة إلى نظام الدول العربية26. وقد جعلت هذه التدّخلّات تكلفة تقويض النظام الدولي مرتفعة جًّدًا بالنسبة إلى الفاعلين المحليين؛ ما أسهم في الحفاظ على الوضع القائم لحدود ما بعد الاستعمار في المنطقة27، ورسّخ في الوقت نفسه الإرث القائل إّن التغيير في العالم العربي لا يحدث إّل اعبر تدخّل جهات خارجية28. وخلال العقود اللاحقة، تخلّت القوى العظمى تدريجيًا عن الحفاظ على هذه السيادة "الوهمية"29؛ ما أدّى إلى انكشاف ضعف الدول العربية. وقد فشل الغزو الأميركي للعراق عام 2003 في تحقيق السلام والديمقراطية في المنطقة العربية، خلافًا لما وعدت به وزيرة الخارجية
الأميركية حينئذ كوندوليزا رايس Rice Condoleezza. وفي حين وُصف التدخّل الأميركي بأنّه يهدف إلى حفظ السلام والاستقرار، مثّل الغزو خرقًا واضحًا لقواعد السيادة ومعاييرها. وشكّل فشل الولايات المتحدة في تحقيق مشروعها المتمثّل في "إقامة شرق أوسط جديد" بداية تراجع هيمنتها في المنطقة30. وبذلك، أ تيحت الفرصة لقوى إقليمية للسعي لتحقيق طموحاتها للهيمنة، عبر إعادة تنظيم الأدوار الإقليمية بما يخدم مصالحها31. وفي المقابل، امتنعت قوى إقليمية وكبرى أخرى عن انتهاج نهج التدّخلّات العسكرية المباشرة، نظرًا إلى التكلفة الباهظة المترتّبة عليها. ومع اندلاع الانتفاضات العربية، غدت الحروب بالوكالة ورعاية الفاعلين المسلحين من غير الدول بدائل أقل تكلفة وأدنى مخاطرة بالنسبة إلى الفاعلين الإقليميين والدوليين لتحقيق أهدافهم في المنطقة. وُتُظهر هذه الصراعات بالوكالة، التي اندلعت في النظام الإقليمي بعد عام 2011، كيف باتت المنطقة منسجمة مع أنماط الحروب التي سادت في مرحلة ما بعد الحرب الباردة ضمن النظام الدولي. تغّي رت طبيعة النظام العالمي منذ العقد الأول من عام 2010؛ إذ تراجعت هيمنة الولايات المتحدة32. وقد وصف بعض الباحثين هذا التحوّل بأنّه انتقال في بنية النظام العالمي، إمّا نحو "الثنائية القطبية" Bipolarity، استنادًا إلى صعود الصين، أو نحو "التعددية القطبية" Multipolarity، مع الأخذ في الحسبان بروز أقطاب أخرى، من بينها أوروبا وروسيا والصين33. في المقابل، اعتمد باحثون آخرون مفهوم "تعددية الروابط" لوصف هذا التراجع الأميركي وظهور فاعلين بارزين في النظام العالمي34. وتتميّز تعددية الروابط بعدد من السمات الرئيسة، من بينها: 1. غياب الهيمنة العالمية من جانب دولة منفردة، 2. انتشار فاعلين مؤثّرين، يشملون فاعلين من غير الدول، 3. نمط أوسع من الاعتماد المتبادل، يشمل التجارة وسلاسل الإمداد العالمية، 4. بنى حوكمة هجينة على المستويات العالمية والإقليمية ودون الوطنية، 5. تنوّع ثقافي وأيديولوجي35. ويقابل هذه التعدّدية على المستوى العالمي تعدّدية موازية على المستوى الإقليمي في المنطقة العربية، حيث تعرّضت سيطرة الولايات المتحدة لتحدّيات متزايدة، ولا سّيمّا مع تصاعد القوة الاقتصادية الصينية وتعاظم نفوذها التجاري في المنطقة36. وقد أدى انتشار فاعلين مسلّحين من غير الدول إلى ظهور أنواع أخرى من الفاعلين المؤثرين في تشكيل النظام الإقليمي. وأخيرًا، تتميز المنطقة العربية بتنوع أيديولوجي وثقافي مع غياب أيّ مشروع أيديولوجي شامل. وفي هذا الصدد، كان العالم العربي بعد عام 2011 متناغمًامع البنية العالمية في العلاقات الدولية.
ثانيًا: تراجع مركزية العنف وتحولات السياسة الخارجية
منذ اندلاع الانتفاضات العربية عام 2011، تقلّصت الحروب التقليدية بين الدول37، وأصبحت الحروب بالوكالة، في الدول التي مزّقتها
الصراعات وأضعفتها، السمة الأساسية للصراع في المنطقة، حيث تتصادم قوى إقليمية عبر وكلاء محليين يجري حشدهم، أحيانًا، حول هويات قائمة على الدين أو الطائفة أو العرق أو القبيلة. وغدا العراق وسورية وليبيا واليمن ساحاٍتٍ للصراعات الجيوسياسية بالوكالة، ولمواجهات عسكرية غير مباشرة. وغالبًا ما يُعزى تصاعد هذه الصراعات بالوكالة، وتراجع الحروب بين الدول في المنطقة العربية، إلى فشل الدولة في المنطقة38. غير أنّ ظهور الوكلاء وانتشار الفاعلين المسلّحين غير الدول بعد عام 2011 لا يُفهم، بالضرورة، بوصفه نتيجة مباشرة لضعف الدولة، فضلًاعن أنّ هؤلاء الفاعلين لم يتحَّدَوا، في جميع الحالات، مبادئ سيادة الدولة، بل إنّ السياسات القصيرة المدى، التي حّّركّتها غريزة البقاء لدى الأنظمة العربية، والمدعومة من القوى الكبرى، كانت العامل الأبرز في الإضرار بإمكان الحفاظ على التزام فعلي بالسيادة39.ا وتشكّل هذه السياسات خروجًا مهم عن الأعراف الراسخة في المنطقة. فمنذ قيام الدولة العربية الحديثة، كما أ قرّ في ميثاق جامعة الدول العربية، حافظت الأنظمة العربية على مبدأ السيادة، على الرغم من التحدّيات التي فرضتها القومية العربية40. وفي حين اتّفقت هذه الأنظمة ضمنيًا، في مرحلة ما بعد الاستعمار، على احترام حدود الدولة العربية، فإنّ هذا الالتزام بقاعدة السيادة شهد تحوّلًاملحوظًا في العالم العربي بعد عام 2011. وفي هذا السياق، تناغمت الأنظمة العربية مع الديناميات العالمية للنظام الدولي، التي انعكست في استجاباتها للانتفاضات العربية، ولا سّيمّا من خلال الدعم السرّي لفصائل وميليشيات منخرطة في الحروب الأهلية. وقد أسهمت هذه السياسات في إطالة أمد الحروب الأهلية، وتعميق الصراعات بالوكالة، ومواصلة إضعاف الدولة العربية على نحو متزايد. ومع امتداد الانتفاضات إلى مختلف أنحاء المنطقة، تدخّلت أنظمة عربية وجهات راعية دولية متعدّدة، مستخدمة وسائل مختلفة لدعم الأنظمة القائمة أو تحدّيها؛ ما أدّى إلى تصاعد العنف واندلاع الحروب في أرجاء المنطقة. وعلى الرغم من أنّ هذه "الحروب العربية" رسمت ملامح المشهد الإقليمي في مرحلة ما بعد عام 2011 41، فإنّها نادرًا ما اتّخذت شكل اقتتال مباشر بين الدول42. ومع أنّ الفاعلين الدوليين استخدموا القوة فعلًا، وعلى نحو مباشر ضد نظام معمر القذافي عشية الحرب الأهلية الليبية عام 2011، فإنّ ذلك شكّل الحالة الوحيدة التي شهدتها المنطقة من "عنف دولة ضد دولة." كما استخدمت المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة القوة استخدامًا مباشرًا في اليمن، غير أنّ هذا الاستخدام لم يكن موجّهًا ضد "الدولة" اليمنية نفسها، إن جاز القول بوجودها آنذاك. وبذلك، أصبحت الحرب ضد الفاعلين غير الدول العابرين للحدود هي القاعدة، في حين غدت الحرب الفعلية بين الدول استثناءً. وفي هذا السياق، برز الفاعلون غير الدول بوصفهم أطرافًا فاعلة مستقلة، وأحيانًا بوصفهم أطرافًا راعية داخل المنطقة. وُيُعدّ النظام الإقليمي في المنطقة العربية بعد عام 2011 أبرز بؤر الصراعات بالوكالة. ففي سورية، تأثّرت الحرب الأهلية على نحو أساسي بحجم التمويل والدعم اللذين تلقّتهما الفصائل المتمرّدة المسلّحة من دول عربية من جهة، وبالدور الذي أدّته روسيا وإيران وحزب الله في دعم نظام بشار الأسد ومساندته من جهة أخرى43. وكان بقاء نظام الأسد نفسه، إلى حدّ بعيد، نتيجة مباشرة لتدّخلّات جهات خارجية. أمّا ليبيا، فقد تحوّلت إلى ساحة صراع بالوكالة بين أطراف فاعلة متعدّدة، حيث دعمت السعودية والإمارات ومصر، بدعم من فرنسا وروسيا، خليفة حفتر في مواجهة ميليشيات مصراتة المموّلة من قطر وتركيا (مدعومة سياسيًا من الجزائر وتونس وإيطاليا.) وفي اليمن، الذي بدأ الصراع فيه بتدخّل مباشر من التحالف الذي قادته السعودية، تحوّل النزاع لاحقًا إلى ساحة صراع بالوكالة مع إيران44. وفي السودان، سرعان ما أدّى اندلاع العنف والحرب الأهلية بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السرريع، المدعومة من فاعلين إقليميين ودوليين، إلى حرب أهلية شاملة ذات تشابكات خارجية45. وقد أسهم الدعم الخارجي الذي قدّمته أطراف إقليمية في تعقيد الصراعات في ليبيا وسورية واليمن والسودان، وأطال أمد التحّولّات السياسية الهشّة أصلًا، وزادها تعقيدًا. وفي حين أنّ الدول العربية لطالما دعمت الحفاظ على السيادة، وإن كانت سيادة وهمية، ورفضت إعادة ترسيم الحدود في مرحلة ما بعد
الاستعمار، فإنّ سياساتها بعد عام 2011 حوّلت السيادة إلى "أسطورة جرى تجاهلها وتشويهها من كل طرف في القتال"46. وقد أبدى الفاعلون الإقليميون، والدوليون على حدّ سواء، في سعيهم للتحكّم في مآلات الانتفاضات، ترحيبًا متزايدًا بالحركات الانفصالية بوصفها وكلاء في حملاتها من أجل الهيمنة الإقليمية. ووجد الطامحون إلى إقامة دولة فرصًا غير مسبوقة للمطالبة بالاستقلال أو الحكم الذاتيي، مستفيدين من دعم إقليمي ودولي لقضاياهم، وهو دعم اسُتُخدم، في كثير من الأحيان، لتحقيق أجندات جيوسياسية معيّنة. وقد دعمت الإمارات عددًا من الحركات الانفصالية، بهدف توظيف النفوذ السلبي في بؤر الصراع47، ولا سّيمّا الحركة الانفصالية في اليمن، وانفصاليي برقة في ليبيا، والأكراد في سورية. وتصدرت الولايات المتحدة قائمة الرعاة الخارجيين للأكراد. غير أنّ الفاعلين الإقليميين والدوليين امتنعوا عن تقديم دعم كامل لاستقلال هذه الحركات، وتخلّوا عنها في لحظات حاسمة، وحرمتهم من الاعتراف الدولي. وقد كان لهذه الاستراتيجيات أثر طويل الأمد في استقرار المنطقة، كما كان تأثيرها في الدولة العربية مروّعًا. وقد دفعت الانتفاضاُتُ الأنظمَةَ العربية إلى إعادة تشكيل شبكاتها داخل مجتمعاتها، من خلال بناء تحالفات جديدة مع فاعلين محليين وخارجيين، وابتكار آليات مستحدثة للسيطرة على الدولة. وأسهمت السياسات التي انتهجتها الدول العربية وحلفاؤها الدوليون في تفويض العنف إلى مجموعات مسلّحة غير دولتية؛ ما أفرز تحدّيات إضافية للدولة وسيادتها. وإضافة إلى ذلك، فإنّ الحاجة إلى الدعم في مواجهة متحدّي الدولة الداخليين أجبرت الأنظمة على تقليص اعتمادها على قدراتها الاستخراجية داخل مجتمعاتها، وزيادة ارتهانها للرعاة الأجانب48. وفي ظلّ هذه الظروف الدولية والإقليمية المواتية، ومع تراجع التنافس الخارجي المباشر وتهديد الحروب بين الدول، باتت الدول العربية أكثر استعدادًا للتخّل يعن المؤسسات القسررية المركزية؛ أي القوات العسكرية النظامية، مفضّ لةً نقل العنف عبر أشكال مختلفة من الكيانات القسررية، مثل الميليشيات الموالية للحكومات القائمة، والميليشيات المتمرّدة، والحركات الانفصالية، بهدف احتواء التهديدات الداخلية49. وقد أضعفت هذه الآليات الدولة العربية، وقوّضت الجهود السابقة لبنائها، في الوقت الذي عزّزت فيه قدرة الأنظمة على البقاء. كان سلوك الدول العربية وسياساتها بعد انتفاضات عام 2011 موجّهًا، بدرجة متزايدة، نحو مصالح الأنظمة أكثر من توجّهه نحو تعزيز المؤسسات. وأصبحت السياسة الخارجية امتيازًا شبه حصري للنظام، تُدار بوصفها أداة للبقاء، من خلال توطيد العلاقات مع الرعاة الأجانب، والسعي لنيل دعمهم، مع التماهي مع أجنداتهم الإقليمية والدولية. فقد سمح نظام الأسد لإيران وحزب الله بالتوغّل في مزيد من الأراضي السورية، مفرّطًا في سيادة الدولة مقابل الحصول على دعم عسكري في مواجهة قوى المعارضة. وغالبًا ما اعتمد النظام السوري وحلفاؤه على حشد مجموعات مسلّحة على أسس طائفية. كما أسهمت الأنظمة، عبر حشد فاعلين من غير الدول، وفصائل مسلّحة، وجيوش داخل حدود الدولة وخارجها، في نشأة حركات عابرة للحدود، وانتشار فاعلين من غير الدول ينشطون عبر الحدود50. وفي السودان، أدّى سقوط نظام عمر حسن البشير، الذي دام طويلًا، إلى تشكيل حكومة انتقالية، غير أنّ التدخّل الخارجي من فاعلين إقليميين ودوليين مكّن فصائل مسلّحة متعدّدة؛ ما أسهم في اندلاع الحرب الأهلية عام 2023 51. ومن خلال تعريض السياسة الإقليمية لتنافسات وتدّخلّات جيوسياسية مكثّفة، فاقمت الأنظمة العربية تآكل سياساتها الخارجية. وقد تجّل ىهذا التآكل في اعتماد استراتيجيات غذّت الانقسامات الطائفية والعرقية، وأحيانًا الطبقية، كما في الحالة المصرية، في إطار سعيها لتحقيق أهدافها الخارجية. ولم تخدم هذه السياسات سوى نخب محدودة، في حين ازدادت عزلة الأنظمة عن قواعدها المجتمعية الأوسع. وافتقرت هذه السياسات الخارجية، التي غالبًا ما جرت شخصنتها لضمان استمرار النظام، إلى ارتباط متين بهوية الدور الوطني، أو بتاريخ الدولة، أو بثقافتها، أو حتى بالتصوّرات الشعبية والجماعية السائدة. ورافق انتقال العنف تحوٌّلٌ مواٍزٍ في صناعة السياسة الخارجية، حيث انخرط الفاعلون غير الدول، ولا سّيمّا أولئك التي سعوا للاستيلاء على الدولة، في أنشطة السياسة الخارجية؛ ما أدّى إلى تعدّد السياسات
الخارجية داخل الدولة الواحدة. وقد حظيت سياسات هؤلاء الفاعلين بدعم شعبي أوسع؛ ما جعلهم أشد التصاقًا بشرائح مختلفة من المجتمع. وتفاقم هذا المسار نتيجة عجز الأنظمة العربية عن ضبط ميليشياتها ووكلائها والسيطرة عليهم؛ إذ ما لبث كثير منهم أن تحوّلوا إلى قوى عسكرية شبه مستقلة، بل إلى أطراف تهدّد حتى حلفاءها الدوليين السابقين. وفي الحصيلة، خرجت الدول العربية من الانتفاضات أضعف من أيّ وقت مضى.
ثالثًا: الحروب الإسرائيلية وحصار الدولة العربية
، بدت القضية الفلسطينية كأنها أ بعد عام 2011 زيحت إلى هامش الأولويات الإقليمية في المنطقة العربية، خاصة في إثر صعود الثورات المضادة بعد عام 2013، وتحوّلت، في الخطاب السياسي السائد، إلى مسألة من الماضي. وفي الوقت نفسه، اعتقد القادة الإسرائيليون أنّهم تمكّنوا من إدارة الوضع في غزة عبر الإبقاء على الحصار المفروض عليها أكثر من ستة عشر عامًا. غير أنّ هذا الوضع الراهن انكسرر في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، مع تنفيذ حركة المقاومة الإسلامية "حماس" عملية "طوفان الأقصى"، التي أسفرت عن مقتل نحو 1139 شخصًا واحتجاز أكثر من 250 رهينة. ورًّدًا على ذلك، تعهّدت إسرائيل، بدعم من الولايات المتحدة وبعض الحكومات الأوروبية، بتفكيكها. ولم يقتصر ردّها على شنّ حرب مدمّرة على قطاع غزة، بل توسّع ليأخذ طابعًا إقليميًا، ساعيًا لإعادة تشكيل توازنات المنطقة العربية، ومعلنًا، عمليًا، نهاية العقد الذي تلا الانتفاضات العربية. وفي هذا السياق، استهدفت إسرائيل ما يُعرف بمحور المقاومة، بما يشمل إيران وحلفاءها في المنطقة، ولا سّيمّا حماس، وحزب الله، ونظام الأسد، والحوثيين في اليمن، وقوات الحشد الشعبي في العراق. وكشفت هذه الحروب عن ديناميات إقليمية كانت قد برزت بعد عام 2011، وأعادت إحياءها، كما سلّطت الضوء، على نحو خاص، على تآكل الدولة العربية، والدور المتنامي للفاعلين المسلحين من غير الدول في إعادة تشكيل المنطقة. وخلال العام الأول من حرب غزة، بدا محور المقاومة كأنّه يكتسب زخمًامتجدّدًا52. فقبل عام 2011، شكّل التحالف بين إيران وسورية وحزب الله وحماس تحدّيًا فعليًا للنظام الإقليمي المدعوم من الغرب، والمساند من مصر والأردن والسعودية. وقد حافظ هذا المحور على تماسكه عبر معارضة مشتركة للولايات المتحدة وإسرائيل. غير أنّه ضُعُف بعد الانتفاضات العربية، ولا سّيمّا حين عارضت حماس، مؤقّتًا، نظام الأسد بعد اندلاع الثورة السورية. وأدّت عملية طوفان الأقصى والردّ الإسرائيلي عليها إلى إعادة تموضع هذه المجموعات، بما أشار إلى تجدّد الانقسام بين قوى المقاومة من جهة، والأنظمة العربية المدعومة من الولايات المتحدة من جهة أخرى. وسلّطت الحرب في غزة الضوء على ديناميات جديدة، في حين تقلّص دور سورية، الخاضعة لحكم استبدادي ومثقلة بمخاوف بقاء النظام، بعد سنوات طويلة من الصراع. ولم يعد حزب الله يتمتّع بالشرعية نفسها التي حظي بها عام 2006. وفي المقابل، برز فاعلون جدد؛ إذ شّن الحوثيون في اليمن هجمات على سفن في البحر الأحمر، أحدثت اضطرابات في حركة التجارة العالمية53، في حين استهدفت قوى عسكرية موالية لإيران في العراق قواعد عسكرية أميركية، متسبّبة في خسائر بشرية في صفوف قواتها. غير أنّ محور المقاومة تعرّض، لاحقًا، لسلسلة ضربات كبيرة خلال الحرب. فقد اسُتُهدفت مواقع إيرانية، وتعرّضت بنيته السياسية واللوجستية للتدمير، وواجه حملة اغتيالات غير مسبوقة استهدفت قياداته، وأسفرت عن مقتل عدد من كبار قادة الحرس الثوري الإيراني، والأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله، وقادة من حركة حماس، ولا سّيمّا إسماعيل هنية ويحيى السنوار. وخلال عام 2024، أظهر الفاعلون من الدول، سواء ضمن محور المقاومة أو ما يُسمّى الأنظمة المعتدلة، مستويات غير مسبوقة من الضعف، وكشفت حرب غزة عن نقاط ضعفهم الداخلية والإقليمية. فقد بدت إيران، على سبيل المثال، فاعلًاإقليميًا غير قادر، أو غير راغب في كثير من الأحيان، في حماية حلفائه في المنطقة. وأظهرت استراتيجيتها القائمة على بناء شبكة تحالفات إقليمية، والتي استمرّت عقودًا، تراجعًا متزايدًا في الجدوى، مع تصاعد الشكوك بشأن قدرتها على حماية حلفائها ودعمهم54. وفي الوقت نفسه، تواصلت الاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي السورية وسط صمت لافت من نظام الأسد، إلى حين سقوطه في نهاية عام 2024 55. وبعد هذا السقوط، استغلّت إسرائيل الفرصة لتوسيع احتلالها العسكري إلى المنطقة
العازلة في مرتفعات الجولان، عبر عملية استيلاء غير مسبوقة على أراٍضٍ سورية56. وفي خضمّ هذه الأزمة، بدت الأنظمة العربية السلطوية عاجزة عن صياغة سياسات خارجية فعّالة. فأصبحت الأنظمة التي نجت من الانتفاضات، بدعم من رعاة خارجيين، أقلّ قدرة على بلورة سياسة خارجية مستقلة، في ظل ضغوط شعبية واقتصادية داخلية متزايدة. وكشفت قمم جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي عن مستوى غير مسبوق من الضعف، تجّل ىفي خطابات لا تواكبها أفعال. فقد واجهت مصر والأردن، على سبيل المثال، ضغوطًا مباشرة من الرعاة الأميركيين والأوروبيين الذين تعتمد عليهم الدولتان في الدعم والمساندة، بما دفع سياساتهما الخارجية إلى التماهي مع الأجندة الأميركية الداعمة لإسرائيل في حربها. وبدت هذه السياسات بعيدة عن تمثيل الرأي العام الشعبي، حيث أظهرت مواقف الغالبية الساحقة من شعوب المنطقة دعمًاواضحًا للقضية الفلسطينية. وقد أدّى هذا التناقض إلى اتساع الفجوة بين الأنظمة وشعوبها؛ إذ تحرّكت الأخيرة، أو حاولت التحرك، دعمًا للقضية الفلسطينية، فقوبلت بالقمع والمنع من التعبير57. وتؤكّد ذلك نتائج استطلاع أجراه مؤشر الرأي العام العربي في 10 كانون الثاني/ يناير 2024 في خمس عشرة دولة عربية، أظهرت أّن 92 في المئة من المستجيبين يرون أنّ "القضية الفلسطينية هي قضية كل العرب وليس الشعب الفلسطيني وحده"، مقارنة بنسبة 76 في المئة عام 2022 58. وفي استطلاع آخر، أفاد نحو 96 في المئة من المستجيبين في السعودية أنّه يجب على الدول العربية إلغاء كل الاتصالات الدبلوماسية والسياسية والاقتصادية وغيرها مع إسرائيل احتجاجًا على عملياتها العسكرية في غزة59. وتكشف هذه النتائج بوضوح عن الهوّة المتزايدة بين الأنظمة العربية وشعوبها في ما يتعلّق بالسياسة الخارجية تجاه القضية الفلسطينية. ظهر الفاعلون من غير الدول بوصفهم فاعلين مرنين، قادرين على المناورة، والتعلّم، والتكيّف. فعلى الرغم من العدوان الإسرائيلي المدمّر على قطاع غزة، وما رافقه من إخلاء واسع للسكان وتسوية أجزاء كبيرة منه بالأرض، تبّي نأنّ الاستراتيجية الإسرائيلية لم تكن فعّالة في القضاء على حركة حماس كليًا60. أمّا في لبنان، فعلى الرغم من تحقيق إسرائيل عدّة انتصارات تكتيكية على حزب الله، شملت اغتيال أمينه العام وعدد من القياديين الأساسيين، إلى جانب هجوم أجهزة البايجر Pager، فقد أثبت الحزب قدرته على الصمود من خلال هجمات المسَّي رات، والهجمات الصاروخية التي استهدفت شمال إسرائيل ومدنًا رئيسة أخرى، مثل حيفا وتل أبيب، إضافة إلى تصدّيه للعملية البرية الإسرائيلية. ومع التوصّل إلى وقف إطلاق النار في لبنان، بدا جليًا أنّ الجيش الإسرائيلي عجز عن تحقيق هدفه الرئيس، المتمثّل في دفع حزب الله إلى شمال نهر الليطاني لتأمين عودة النازحين الإسرائيليين إلى ديارهم في شمال إسرائيل. وأدى بعض الفاعلين من غير الدول، الذين كانوا على هامش الصراع الأوسع في المنطقة العربية، مثل الحوثيين في اليمن وكتائب حزب الله في العراق، أدوارًا متنامية. فقد عطّل الحوثيون حركة السفن المرتبطة بإسرائيل العابرة للبحر الأحمر، وأجبروها على تغيير مساراتها نحو الإبحار حول القارّة الأفريقية؛ ما زاد الضغط على سلاسل الإمداد المتّجهة إلى إسرائيل. وبدا أنّ الهجوم الذي شنّته الولايات المتحدة والمملكة المتحدة على اليمن لم ينجح في ترهيب الحوثيين، ولم يؤ إلى تحقيق استقرار فعلي في الممرّ البحري في البحر الأحمر61. ولم يُظهر الفاعلون غير الدول قدرة استثنائية على التأثير في الديناميات الإقليمية فحسب، بل تمكّنوا أيضًا من الحفاظ على قوّتهم التنظيمية بعد اغتيال قياداتهم، وإعادة تجميع صفوفهم عقب النكسات؛ إذ إنّ بعض هؤلاء الفاعلين، ولا سّيمّا حماس وحزب الله، متجذّرون بعمق في مجتمعاتهم، ويتيح لهم هذا الدعم الشعبي تجنيد أعضاء جدد، وإعادة بناء مواردهم الحيوية. والأهمّ من ذلك أنّ الفاعلين غير الدول الذين اتّخذوا إجراءات ضد إسرائيل منذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر استطاعوا الاستحواذ على "قلوب وعقول" جمهورهم المحلي والإقليمي على حدّ سواء، وبرزوا بوصفهم رموزًا للدفاع عن حقوق الفلسطينيين والكرامة العربية. أما حركة حماس، التي كانت قد شهدت تراجعًا في شعبيتها قبل 7 تشرين الأول/ أكتوبر، فقد أعادت بناء صورتها الإقليمية، وعزّزت مكانتها الأيديولوجية والسياسية. ووفقًا لعدد من الاستطلاعات التي أجراها المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية في الضفة الغربية وقطاع غزة بين كانون الأول/ ديسمبر 2023 وأيلول/ سبتمبر 2024، ظلّت أغلبية من المستجيبين
ترى أنّ قرار حماس تنفيذ هجومها كان "صائبًا"، على الرغم من أنّ هذه الأغلبية تحوّلت إلى أقلية في قطاع غزة، بحسب استطلاع جري في أيلول/ سبتمبر أ 2024 62. أما على المستوى الإقليمي، فبرز أبو عبيدة، المتحدث فترة طويلة باسم كتائب الشهيد عز الدين القسّام، الجناح العسكري لحركة حماس – وكان قبل استشهاده في آب/ أغسطس 2025 شخصية غامضة، يظهر ملثّمًابالكوفية دائمًا، ويعرف باسم الملثّم - أيقونةً ثقافيةً وسياسيةً على وسائط التواصل الاجتماعي، وفي رسوم الغرافيتي، وعلى اللافتات63. وتمكّن حزب الله الذي كانت شعبيته في العالم العربي قد تراجعت، نتيجة دوره في الحرب الأهلية السورية، من استعادة بعض صورته السابقة بوصفه مدافعًا عن القضية العربية على المستويين الداخلي والإقليمي، على الرغم من احتمال تراجع شعبيته الداخلية بعد الحرب في لبنان64. واكتسب الحوثيون أيضًا تأييدًا من مختلف أنحاء العالم العربي، وتجاوزت شعبيتهم المتزايدة الانقسامات الطائفية65، وحظي متحدّثهم العسكري، يحيى سريع، بحضور واسع في المجال العام العربي. وأظهرت استطلاعات المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية أنّ سكّان قطاع غزة والضفة الغربية المحتلّة عدّوا رّد الحوثيين على الحرب بين إسرائيل وحماس الأكثر إرضاءً لهم مقارنة بمواقف فاعلين إقليميين آخرين. وبهذا، أعادت هذه المجموعة المسلحة بناء صورتها داخليًا وإقليميًا، لتغدو من أشد الفاعلين تأثيرًا في الرأي العام العربي، مع بقاء السؤال مفتوحًا حول قدرتها على الحفاظ على هذه الشعبية في ظل التكلفة الباهظة والعبء الإنساني للحرب على الفلسطينيين واللبنانيين واليمنيين. وبذلك، أظهرت الحروب الإسرائيلية في المنطقة، بوضوح، مظاهر ضعف الدولة العربية بعد عام 2011. ففي حين اعتمدت الأنظمة العربية على الدعم الخارجي والإكراه للبقاء في مواجهة موجة الانتفاضات، أسهمت هذه الاستراتيجيات في تآكل الدولة العربية وسيادتها، وفي إضعاف العامل الحاسم في سياساتها الخارجية. ومع تزايد ارتهانها للرعاة الأجانب، أصبحت الأنظمة العربية أكثر تصلّبًا، وأقلّ قدرة على الاستقلال في إدارة سياساتها الخارجية، أو على كسب تأييد شعوبها. وفي المقابل، برز الفاعلون غير الدول بوصفهم قوى منافسة تسعى لملء هذا الفراغ، ويتحدّون التدّخلّات الخارجية في المنطقة، بينما يبنون قواعد مجتمعية أوسع، وينفّذون سياسات خارجية مستقلّة.
خاتمة
غالبًا ما يُنظر إلى الصراع في المنطقة العربية، في الأدبيات السائدة، بوصفه نتاج اشتباكات بين عشائر، وقبائل، ومذاهب قديمة، تُخفي وراءها دولًاضعيفة كانت خاضعة للاستعمار سابقًا. وقد عّب رالرئيس الأميركي الأسبق، باراك أوباما، عن هذا التصوّر حين قال إنّ تحّولّات ما بعد عام 2011 في المنطقة "متجذّرة في صراعات تعود إلى آلاف السنين"66. غير أنّه، وعلى الرغم من هذا التصوّر الشائع حول تفرّع الهويات وغياب التوافق مع الأقاليم والمؤسسات السياسية، شهدت المنطقة تاريخًا طويلًامن تشكّل الدول وبنائها؛ ما أفضى إلى حالة متزايدة من التماهي بين الشعوب العربية ورموز دولها وصورها. إّل اأنّ تطوّرات ما بعد عام 2011 عرقلت مسارات بناء هذه الدول. ففي حين سعت معظم الاحتجاجات والحركات التمرّدية خلال انتفاضات عام 2011 لإسقاط الحكّام والأنظمة الفردية، من دون المساس بسلامة أراضي الدول، أدّت الديناميات الدولية، بالتزامن مع استراتيجيات البقاء التي انتهجتها الأنظمة العربية، إلى خلق ظروف مواتية أسهمت، على نحو حاسم، في تآكل بنية الدولة في مختلف أنحاء العالم العربي. أظهرت هذه الدراسة أنّ اعتماد منظور العلاقات الدولية في دراسة الدولة العربية يتيح إضاءة ديناميات تتجاوز طبيعة الدولة ووظيفتها على المستوى الداخلي. ويبّي نهذا المنظور كيف أنّ الدولة العربية، من خلال تفاعلاتها مع فاعلين إقليميين ودوليين، تعرّضت لتآكل جعل بعض وظائفها الأساسية موضع تساؤل. فالأنظمة العربية التي كانت تُعدّ، في مرحلة سابقة، رائدة في عمليات بناء الدول، أصبحت يا للمفارقة! رائدة في تقويض هذه الجهود نفسها. وقد جاءت انتفاضات عام 2011 في سياق إقليمي ودولي كانت فيه ملامح الحرب تتشكّل على نحو متزايد، ولم تُعُد الجيوش النظامية الأداة الرئيسة لبسط سيطرة الدولة. فتماهت الأنظمة العربية مع التوجّهات العالمية في الانخراط في حروب بالوكالة، واستخدام ميليشيات
موالية للدولة، فضلًاعن مساندة حركات انفصالية. ولجأت الأنظمة الساعية للبقاء إلى التحالف مع رعاة خارجيين في مواجهة المعارضة الداخلية، وسمحت لهم بالنفاذ إلى أراضيها، والتدخّل في سياساتها السياسية والاقتصادية. وقد أسفرت هذه السياسات عن تآكل سيادة الدولة العربية، على الرغم من أنّها ضمنت، في بعض الحالات، بقاء الأنظمة، وإن كان بقاء قصير الأمد، كما في الحالة السورية. وجرى توظيف السياسة الخارجية لخدمة مصالح الرعاة الخارجيين، الذين يفتقرون، في الغالب، إلى الشرعية والمكانة على المستوى الشعبي. وبذلك، مهّدت الأنظمة العربية الطريق أمام بروز الفاعلين من غير الدول وانتشارهم، والذين تجاوزوا في كثير من الأحيان علاقة الوكالة مع الأنظمة، وأفصحوا عن سياسات خارجية مستقلة. وظهر هؤلاء الفاعلون بوصفهم فاعلين مستقّليّن، قادرين على المناورة والمشاركة في تشكيل السياسة الإقليمية. ففي حين أعادت التداعيات الداخلية للانتفاضات ترتيب موقع الدولة العربية، وعلاقتها بالأنظمة والشبكات الحاكمة، وبالمواطنين، ووظائفها الداخلية، تحوّلت الدولة أيضًا من خلال تفاعلاتها مع الآخرين على المستويين الإقليمي والعالمي.
المراجع
العربية
بشارة، عزمي. مسألة الدولة: أطروحة في الفلسفة والنظرية والسياقات. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2023 "اتجاهات الرأي العام العربي نحو الحرب الإسرائيلية على غزة." المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. 2024/1/10:. في https://acr.ps/1L9F2Vh الدولة العربية ومعضلات التشكل المتأخر صولي، أدهم.. ترجمة مجد أبو عامر ويارا نصار. مراجعة محمد حمشي. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2024 كلانتاري، محمد. "معضلة أمن النفوذ: العقيدة الشيعية العابرة للحدود الوطنية وحدود السياسة الخارجية الإيرانية." سياسات عربية. مج 13، العدد 77 (تشرين الثاني/ نوفمبر.)2025 لينتش، مارك وجيليان شويدلر وشون يوم (محررون.) علم سياسة الشرق الأوسط: مسح للنظريات والأبحاث منذ الانتفاضات العربية. ترجمة محمد حمشي. القاهرة: سيصدر عن جسور للترجمة والنشر،.2026 المرسل، عبد الله راشد. "حرب غزة 2023 والتنافس الأميركي – الصيني في البحر الأحمر ومضيق باب المندب." سياسات عربية. مج 13، العدد 77 (تشرين الثاني/ نوفمبر.)2025 "نتائج استطلاع الرأي العام رقم 93(:) البيان الصحفي." المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية. 2024/9/17:. في https://acr.ps/1L9F2ZC الأيوبي، نزيه. تضخيم الدولة العربية: السياسة والمجتمع في الشرق الأوسط. ترجمة أمجد حسين. مراجعة فالح عبد الجبار. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2010
الأجنبية
Acharya, Amitav. The End of American World Order. Cambridge: Polity Press, 2014. ________. "After Liberal Hegemony: The Advent of a Multiplex World Order." Ethics & International Affairs. vol. 31, no. 3 (2017).
Acharya, Amitav, Antoni Estevadeordal & Louis W. Goodman. "Multipolar or Multiplex? Interaction Capacity, Global Cooperation and World Order." International Affairs. vol. 99, no. 6 (2023). Agathocleous, Sophia & Erwin van Veen. "Hamas 'From the Heart of Battle': Analyzing Abu Obaida's Discourse.," The Cairo Review of Global Affairs. 17/10/2024. at: https://acr.ps/1L9F2OB Ahram, Ariel I. Break All the Borders: Separatism and the Reshaping of the Middle East. Oxford: Oxford University Press, 2019. Ahram, Ariel I. & Ellen Lust. "The Decline and Fall of the Arab State." Survival. vol. 58, no. 2 (2016). Ahram, Ariel I. & Ranj Alaaldin. "Separatists and Spoilers: The UAE's Way of Proxy Warfare." Orbis. vol. 66, no. 3 (2022). Alaaldin, Ranj. "Devising a Consensus-Driven Security Architecture for the MENA Region." Report. Istituto Affari Internazionali (IAI) (2020). at: https://acr.ps/1L9F3c1 Anderson, Lisa. "The State and its Competitors." International Journal of Middle East Studies. vol. 50, no. 2 (2018). Ashton, Nigel John. "A Microcosm of Decline: British Loss of Nerve and Military Intervention in Jordan and Kuwait, 1958 and 1961." The Historical Journal. vol. 40, no. 4 (1997). Ayubi, Nazih. Over-Stating the Arab State: Politics and Society in the Middle East. London: I.B. Tauris, 1996. Bajoghli, Narges & Vali Nasr. "How the War in Gaza Revived the Axis of Resistance." Foreign Affairs. 17/1/2024. at: https://acr.ps/1L9F2px Barnett, Michael. "Sovereignty, Nationalism, and Regional Order in the Arab States System." International Organization. vol. 49, no. 3 (1995). ________. Dialogues in Arab Politics: Negotiations in Regional Order. New York: Columbia University Press, 1998. Beckley, Michael. "China's Century? Why America's Edge will Endure." International Security. vol. 36, no. 3 (2012). ________. Unrivaled: Why America will Remain the World's Sole Superpower. Unabridged ed. Ithaca, NY: Cornell University Press, 2018. Bismarck, Helen von. "The Kuwait Crisis of 1961 and its Consequences for Great Britain's Persian Gulf Policy." British Scholar. vol. 2, no. 1 (2009). Brooks, Stephen G. & William C. Wohlforth. World out of Balance: International Relations and the Challenge of American Primacy. Princeton, NJ: Princeton University Press, 2008. ________. America Abroad: The United States' Global Role in the 21st Century. Oxford: Oxford University Press, 2016. Brynen, Rex. "Palestine and the Arab State System: Permeability, State Consolidation and the Intifada." Canadian Journal of Political Science/ Revue canadienne de science politique. vol. 24, no. 3
Cleveland, Catherine. "In the Shadow of Hezbollah–Israel Escalation, Poll Shows Slim Majority of Lebanese still Want Focus on Domestic Reforms over 'Foreign Wars'." Fikra Forum. The Washington Institute for Near East Policy. 8/1/2024. at: https://acr.ps/1L9F2vd Cleveland, Catherine & David Pollock. "New Poll Sheds Light on Saudi Views of Israel-Hamas War." Fikra Forum. The Washington Institute for Near East Policy. 21/12/2023. at: https://acr.ps/1L9F2gX Darwich, May. "Sudan: The Longer the Conflict Lasts, the Higher the Risk of a Regional War." The Conversation. 4/5/2023. at: https://acr.ps/1L9F2kq
Fakir, Intissar & Sarah Yerkes. "Governance and the Future of the Arab World." Article. Carnegie Endowment for International Peace. 16/10/2018. at: https://acr.ps/1L9F2sR Feng, Chaoling. "Embracing Interdependence: The Dynamics of China and the Middle East." Working Paper. Brookings Doha Center (March 2015). at: https://acr.ps/1L9F2xH Fulton, Jonathan (ed.). Routledge Handbook on China- Middle East Relations. Abingdon: Routledge, 2022. Gause, F. Gregory. "Sovereignty, Statecraft and Stability in the Middle East." Journal of International Affairs. vol. 45, no. 2 (1992). ________. "Balancing What? Threat Perception and Alliance Choice in the Gulf." Security Studies. vol. 13, no. 2 (2003). ________. "Beyond Sectarianism: The New Middle East Cold War." Analysis Paper. no. 11. Brookings Doha Center (2014). at: https://acr.ps/1L9F2Ol Gongora, Thierry. "War Making and State Power in the Contemporary Middle East." International Journal of Middle East Studies. vol. 29, no. 3 (1997). Grzybowski, Janis. "The Paradox of State Identification: De Facto States, Recognition, and the (Re-) Production of the International." International Theory. vol. 11, no. 3 (2019). Hassan, Hassan. "Assad's Plan to Keep Syria Out of the War in Gaza." New Lines Magazine. 27/9/2024. at: https://acr.ps/1L9F37k Herbst, Jeffrey. "War and the State in Africa." International Security. vol. 14, no. 4 (1990). ________. "Responding to State Failure in Africa." International Security. vol. 21, no. 3 (1996). Heydemann, Steven (ed.). War, Institutions, and Social Change in the Middle East. Berkeley, CA: University of California Press, 2000. Holsti, Kalevi J. The State, War, and the State of War. Cambridge Studies in International Relations. Cambridge: Cambridge University Press, 1996. Hughes, Geraint. "Syria and the Perils of Proxy Warfare." Small Wars & Insurgencies. vol. 25, no. 3 (2014). ________. "Militias in Internal Warfare: From the Colonial Era to the Contemporary Middle East." Small Wars & Insurgencies. vol. 27, no. 2 (2016). Ikenberry, G. John. "The End of Liberal International Order?" International Affairs. vol. 94, no. 1 (2018). Ikenberry, G. John, Michael Mastanduno & William C. Wohlforth (eds.). International Relations Theory and the Consequences of Unipolarity. Cambridge: Cambridge University Press, 2011. Joffe, Josef. The Myth of America's Decline: Politics, Economics, and a Half Century of False Prophecies. New York, NY: Liveright, 2015. Juneau, Thomas. "Iran's Policy towards the Houthis in Yemen: A Limited Return on a Modest Investment." International Affairs. vol. 92, no. 3 (2016). Kaldor, Mary. New and Old Wars: Organized Violence in a Global Era. Stanford, CA: Stanford University Press, 1999. Kaplan, Robert D. "The Coming Anarchy." The Atlantic (February 1994). at: https://acr.ps/1L9F2ly Karda ş , Ş aban & Bülent Aras (eds.). Geopolitics of the New Middle East. London: Routledge, 2023. Krause, Keith. "State-Making and Region-Building: The Interplay of Domestic and Regional Security in the Middle East." Journal of Strategic Studies. vol. 26, no. 3 (2003). Layne, Christopher. "This Time it's Real: The End of Unipolarity and the Pax Americana." International Studies Quarterly. vol. 56, no. 1 (2012).
Luciani, Giacomo (ed.). The Arab State. Berkeley, CA: University of California Press, 1990. Lustick, Ian S. "The Absence of Middle Eastern Great Powers: Political 'Backwardness' in Historical Perspective." International Organization. vol. 51, no. 4 (1997). Lynch, Marc. The New Arab Wars: Uprisings and Anarchy in the Middle East. New York: PublicAffairs, 2016. Lynch, Marc, Jillian Schwedler & Sean Yom (eds.). The Political Science of the Middle East: Theory and Research Since the Arab Uprisings. Oxford: Oxford University Press, 2022. Migdal, Joel S. Strong Societies and Weak States: State- Society Relations and State Capabilities in the Third World. Princeton, NJ: Princeton University Press, 1988. Ovendale, Ritchie. "Great Britain and the Anglo- American Invasion of Jordan and Lebanon in 1958." The International History Review. vol. 16, no. 2 (1994). Patel, David & Valerie J. Bunce. "Turning Points and the Cross-National Diffusion of Popular Protest." APSA Comparative Democratization. vol. 10, no. 1 (January 2012). Posen, Barry R. "Emerging Multipolarity: Why Should We Care?" Current History. vol. 108, no. 721
Rubin, Barnett R. & Jack L. Snyder. Post-Soviet Political Order: Conflict and State Building. London: Psychology Press, 1998. Rubin, Lawrence. Islam in the Balance: Ideational Threats in Arab Politics. Stanford, CA: Stanford University Press, 2014. Rubinovitz, Ziv. "Blue and White 'Black September:' Israel's Role in the Jordan Crisis of 1970." The International History Review. vol. 32, no. 4 (2010). Rueschemeyer, Dietrich, Peter B. Evans & Theda Skocpol (eds.). Bringing the State Back In. Cambridge: Cambridge University Press, 1985. Salloukh, Bassel F. "Overlapping Contests and Middle East International Relations: The Return of the Weak Arab State." PS: Political Science & Politics. vol. 50, no. 3 (2017). Sandal, Nukhet (ed.). Oxford Research Encyclopedia of International Studies. Oxford: Oxford University Press, 2010. Saouli, Adham. The Arab State: Dilemmas of Late Formation. New York: Routledge, 2012. ________. "Back to the Future: The Arab Uprisings and State (Re)Formation in the Arab World." Democratization. vol. 22, no. 2 (2015). Schwarz, Rolf (ed.). War and State Building in the Middle East. Gainesville: University Press of Florida, 2012. Ş eker, Burak Ş akir. "Don't Forget about the Red Sea." The Cairo Review of Global Affairs (2024). at: https://acr.ps/1L9F33E Shifting Global Politics and the Middle East. POMEPS Studies 34. Washington, DC: POMEPS, 2019. at: https://acr.ps/1L9F2pk Thies, Cameron G. "State Building, Interstate and Intrastate Rivalry: A Study of Post-Colonial Efforts, Extractive Country Developing 1975 - 2000." International Studies Quarterly. vol. 48, no. 1 (2004). Valbjørn, Morten, André Bank & May Darwich. "Forward to the Past? Regional Repercussions of the Gaza War." Middle East Policy. vol. 31, no. 3
Voller, Yaniv. "Militias as a Tool for Encouraging Ethnic Defection: Evidence from Iraq and Sudan." Terrorism and Political Violence. vol. 35, no. 1
Walt, Stephen M. "The End of the American Era." The National Interest. 25/10/2011. at: https://acr.ps/1L9F2Tv Wermenbol, Grace. "Why Hamas Cannot Be Destroyed." The Cairo Review of Global Affairs (2024). at: https://acr.ps/1L9F2VV Weyland, Kurt. "The Arab Spring: Why the Surprising Similarities with the Revolutionary Wave of 1848?" Perspectives on Politics. vol. 10, no. 4 (2012). Wyss, Michel D. "Iranian Proxy Warfare in Iraq and Yemen." Report. International Institute for Counter-Terrorism (2016). Yom, Sean L. From Resilience to Revolution: How Foreign Interventions Destabilize the Middle East. Columbia Studies in Middle East Politics. New York: Columbia University Press, 2016.