القوى الاجتماعية والدول والنظم العالمية: ما وراء نظرية العلاقات الدولية ***
الملخّص
This seminal article is one of the founding texts of Critical Theory in International Relations. In this article, Robert Cox advances a critical alternative to traditional International Relations theory by foregrounding the dialectical relationship between social forces, forms of state, and structures of world order, rather than limiting analysis to interactions among states as isolated units. Cox further distinguishes between problem-solving theory, which takes the existing order as a given and seeks to preserve and improve its functioning, and critical theory, which questions the historical conditions that produced that order, exposes its underlying power relations, and illuminates the possibilities for its transformation. He develops the concept of historical structures as continually evolving configurations composed of material capabilities, ideas, and institutions, and reconceptualizes hegemony as a congruence between power, ideology, and institutions, rather than as the mere material preponderance of a single state. Keywords: International Relations Critical Theory, Critical Theory, Problem-Solving Theory, Social Forces, Historical Structures, Pax Americana.
Social Forces, States and World Orders: Beyond International Relations Theory
مقدمة
تقسّم الأعراف الأكاديمية النسيَجَ الُمُحَكَم الذي يربط العالم الاجتماعي الواقعي، بعضه ببعض، مجالاٍتٍ منفصلةً، لكل منها تنظير خاص به؛ وهي طريقة ضرورية وعملية لتيسير الفهم. وقد يفضي التأمل في الكلّية غير المجزّأة إلى أفكار تجريدية عميقة أو اكتشافات صوفية1، لكن المعرفة العملية (تلك التي يمكن تسخيرها في العمل) تكون دائمًا جزئية أو متشظّية في أصلها. وسواء أبقيت الأجزاء موضوعاتٍ محدودةً ومنفصلةً للمعرفة، أم أضحت الأساس الذي يُستند إليه في بناء رؤية مهيكلة ودينامية لكلّيات أكبر، فإنها تُعدّ إحدى المسائل الرئيسة التي تتعلق بالمنهج والغاية. وفي كلتا الحالتين، تتمثل نقطة البداية في التقسيم الأّولّي للواقع، الذي عادةً ما يمليه العرف الأكاديمي. ومن الحكمة أن نضع في حسباننا أن هذا التقطيع التقليدي للواقع لا يتجاوز، في أحسن الأحوال، كونه وسيلة لإراحة العقل. بيد أن المقاطع أو الأجزاء الناتجة من ذلك تُستمدّ بصورة غير مباشرة من الواقع نفسه، بقدر ما تكون ناجمة عن ممارسات؛ أي إنها استجابات الوعي لضغوط الواقع. وعلى هذا النحو، تكاد تتوافق تقسيمات المعرفة الاجتماعية مع الطرائق التي يمكن بوساطتها تنظيم الشؤون البشرية في أزمنة وأمكنة بعينها. وبناءً على ذلك، قد تبدو هذه التقسيمات اعتباطية على نحو مطّرد، كلما تغيرت الممارسات. يُعدّ حقل العلاقات الدولية مث لًايقع في صميم هذا الموضوع. إنه مجال للدراسة، يُعنى بالعلاقات المتبادلة بين الدول، في حقبة تكون فيها الدول، والدول القومية في غالبية الحالات، بمنزلة التجمّعات الرئيسة للسلطة السياسية. إنه ذلك المجال المعنيّ بمخرجات الحرب والسلام؛ ومن ثم، يتّسم بأهمية عملية واضحة. ومع ذلك، فقد أدّى تغّي رالممارسة إلى إحداث قدر من الالتباس في ما يتّصل بطبيعة الفاعلين المعنيين بها (أنواع مختلفة من الدول، والكيانات غير الدول)، ووَّسَع نطاق المخاطر (السياسة الدنيا وكذلك السياسة العليا)، وأدخل مزيدًا من التنوّع في الأهداف التي يسعى الفاعلون لتحقيقها، وأفضى إلى تعقيد أكبر في أنماط التفاعل، وفي الأطر المؤسسية التي يجري ضمنها الفعل. يُعدّ التمييز بين الدولة والمجتمع المدني أحد التقاليد الفكرية القديمة التي ساهمت في تعريف حقل العلاقات الدولية. وأصبح هذا التمييز مفهومًا من الناحية العملية في القرن الثامن عشر والشطر الأول من القرن التاسع عشر، حين كان متوافقًا مع مجاَليَن مميَزَين إلى حٍدٍ ما من النشاط أو الممارسة البشرية: مجتمع ناشئ من الأفراد، يقوم على أساس علاقات التعاقد والسوق، ويحلّ محلّ مجتمع قائم على أساس المكانة، من ناحية، ودولة تقتصر وظائفها على صون السلم الداخلي والدفاع الخارجي والشروط اللازم توافرها لعمل الأسواق، من ناحية أخرى. وتحافظ نظرية العلاقات الدولية التقليدية على الفصل بين هذين المجالين، حيث تبدو السياسة الخارجية التعبير الخالص عن مصالح الدولة. ومع ذلك، فإن الدولة والمجتمع المدني اليوم متداخلان للغاية، إلى درجة أن المفاهيم تكاد تكون ذات طابع تحليلي محض (في إشارة إلى جوانب من الواقع المعقّد التي من العسير تحديدها)، ولا تعدو أن تكون مؤشرًا على مجالات نشاط مميزة على نحو غامض وُمُبَهَم للغاية. وقد قوّض أحد الاتجاهات النظرية الحديثة الوحدة المفهومية للدولة عبر حسبانها ساحةً للكيانات البيروقراطية المتنافسة، بينما حدّ اتجاٌهٌ نظري آخر من الأهمية النسبية للدولة، من خلال إقحام طائفة من الأنشطة عبر القومية الخاصة وشبكات العلاقات عبر الحكومية بين أجزاء من بيروقراطيات الدولة. وما زالت الدولة التي بقيت بؤرة تركيز تفكير العلاقات الدولية، مفهومًا متفردًا؛ إذ لطالما كانت الدولة هي الدولة. لكن لم تُبذل محاولة تُذَكَر ضمن حدود نظرية العلاقات الدولية للتعامل مع مركّب الدولة/ المجتمع بوصفه الكيان الأساسي للعلاقات الدولية. ونتيجة لذلك، فإن احتمال تعدّد الأشكال التي تتّخذها الدولة، ما يعّب رعن أشكال شتى من مركّبات الدولة/ المجتمع، لا يزال غير مستكشف إلى حٍّدّ بعيد، في ما يتعلق بدراسة العلاقات الدولية على الأقل. ربما كان من المتوقع أن يساعد إحياء الاهتمام الماركسي بالدولة في سد هذه الفجوة عن طريق توسيع نطاق مفهوم الدولة وتنويعه، وعلى وجه الخصوص، عبر تضخيم أبعاده الاجتماعية. ومع ذلك، فإن بعضًا من أهم النواتج التي تمخض عنها هذا الإحياء، كانت إما ذات طابع تجريدي محض، حيث عُِّفرِت الدولة بوصفها "أحد مجالات" نمط الإنتاج الرأسمالي الذي جرى تصوّره بصورة متفرّدة (على غرار ما فعل ألتوسير Althusser وبولانتزاس Poulantzas)، أو تم صرف الانتباه بعيدًا عن الدولة والصراع الطبقي نحو أزمة دافعيةٍ في الثقافة والأيديولوجيا2 (مثلما فعل يورغن هابرماس Habermas.)Jürgen ولا يقطع أيّ منهما أشواطًا بعيدة في سبيل استكشاف أوجه الاختلاف الفعلية أو التاريخية القائمة بين أشكال الدولة، أو النظر في الآثار المترتبة على التباينات في ما يتعلق بالسلوك الدولي.
ساهم في سد هذه الفجوة، بصورة عملية، بعُضُ المؤرخين، من الماركسيين وغير الماركسيين، على نحو مستقل كل الاستقلالية عن التنظير، سواء في العلاقات الدولية أو في الدولة. وقد راعى إدوارد كار وإريك هوبزباوم الاستمرارية القائمة بين القوى الاجتماعية والطابع المتغير للدولة والعلاقات العالمية. وصوّر فرناند بروديل هذه العلاقات المتبادلة في القرنين السادس عشر والسابع عشر في فرنسا، كما لو أنه يرسم لوحة عريضة تمثّل العالم بأسره3. واقترحت مجموعة، بقيادة إيمانويل فالرشتاين، ومستلِهِمة أعمال بروديل، نظرية النظم-العالم4 المحددة أساسًا من ناحية العلاقات الاجتماعية. وتتوافق علاقات التبادل القائمة على الاستغلال بين مركز متطور وأطراف متخلّفة مع أشكال مختلفة من ضبط العمالة (مثل العمل الحر في مناطق المركز، والعمل القسرري في مناطق الأطراف، مع أشكال وسطية في ما يسمّى أشباه الأطراف)5. وعلى الرغم من أن مقاربة النظام-العالم تقدّم البديل الأكثر راديكالية من نظرية العلاقات الدولية التقليدية، أولهما فإنها كانت موضع نقٍدٍ لسببين رئيسين:، بسبب نزعتها إلى الانتقاص من قيمة الدولة عبر اعتبار الدولة مشتقةً، فحسب، من موقعها في النظام-العالم (الدول القوية في المركز، والدول الضعيفة في ثانيهما، بسبب تحيّزها المزعوم، وإن كان غير المقصود الأطراف)؛ و، لصون المنظومة والمحافظة عليها. وإن هذه المقاربة، شأنها شأن علم الاجتماع البنيوي-الوظيفي، أكثر براعة في تبيان القوى التي تحافظ على توازن النظام أو تستعيده، مقارنةً بتحديد أوجه التناقض التي يمكن أن تؤدي إلى إحداث تحوّل في النظام6. مع ذلك، فإن الملاحظات المذكورة آنفًا ليست محور التركيز الرئيس لهذه الدراسة، بل هي تحذيرات قبل المحاولة التالية لتصوير منهج يسمح بفهم علاقات القوة على الصعيد العالمي: لُنُلِقِ نظرة على مشكلة النظام العالمي برمته، لكن لنحتِرِْسْ من تشيئة نظام-عالم7. ولُنُحذّر من الاستهانة بسلطة الدولة؛ إضافة إلى ذلك، لنوِلِ القوى والسيرورات الاجتماعية الاهتمام الملائم، ولنَرَ مدى ارتباطها بتطوّر الدول والنظم العالمية. وعلاوة على ذلك، يتعّي نعلينا أّل انبني نظرية على أساس نظرية أخرى، بل على أساس تغيير الممارسة المتّبعة والدراسة التاريخية التجريبية، التي تُعدّ أرضية اختبار للمفاهيم والفرضيات.
أولًا: في المنظورات والأغراض منها
النظرية دائمًا هي من أجل شخٍصٍ ما، و من أجل غرٍضٍ ما. وكل النظريات لها منظوراتها الخاصة بها. وُتُستمد المنظورات من موقعٍ بعينه في الزمان والمكان، وتحديدًا الزمان والمكان الاجتماعَييَن والسياسَييَن. وُيُرى العالم من خلال وجهة نظر قابلة للتحديد في ما يتعلق بالأمة أو الطبقة الاجتماعية، وبالسيطرة أو التبعية، وبالقوة الصاعدة أو التي تشهد تراجعًا، وبالشعور بالجمود أو الأزمة الراهنة، وبالتجارب السابقة، وبالآمال والتوقعات إزاء المستقبل. ولا يمكن أن تكون النظرية المتقدمة Sophisticated، بالطبع، تجسيدًا للمنظور لا غير. وكلما كانت النظرية أكثر تقدّمًا، انعكست على المنظور
الخاص بها وتجاوزته؛ بيد أن المنظور الأّولّي يرد دومًا في طيّات إحدى النظريات، ويكون ذا صلة وثيقة بشرحها. وبناءً على ذلك، ليس ثمة ما يُدعى نظرية في حد ذاتها، بمعزل عن موقعها في الزمان والمكان. وحينما تقدّم أيّ نظرية نفسها على هذا النحو، تتعاظم أهمية دراستها بوصفها أيديولوجيا، بغية إماطة اللثام عن منظورها المخفي. يثير العالم الذي يحيط بنا عددًا من القضايا إزاء كل منظور من هذا القبيل؛ إذ تقدّم ضغوط الواقع الاجتماعي نفسها للوعي على أنها مشكلات. وتتمثل إحدى المهمات الأساسية للنظرية في إدراك هذه المشكلات بوضوح، لتمكين العقل من التعامل مع الواقع الذي يواجهه. ومع تغّي رالواقع، بناءً على ذلك، ينبغي تعديل المفاهيم القديمة أو رفضها، وصوغ مفاهيم جديدة في حوار أّولّي بين المنظّر والعالم الخاص الذي يحاول فهمه. ويتعلّق هذا الحوار الأّولّي بالإشكالية الملائمة لمنظورٍ معّين. وترتبط النظرية الاجتماعية والسياسية في أصلها ارتباطًا وثيق العرى، لا انفصام له، بالتاريخ؛ إذ يمكن إرجاع مصدرها على الدوام إلى وعي مشروط تاريخيًا بمشكلات وقضايا بعينها، ما يطرح إشكالية، بينما تحاول في الوقت ذاته تجاوز خصوصية مصادرها التاريخية من أجل وضعها في إطار بعض الفرضيات أو القوانين العامة. يمكن النظرية، ابتداءً من إشكاليتها، أن تخدم غرَضَ ين متميَزَين. أحدهما يتمثل في استجابة بسيطة ومباشرة: أن تكون بمنزلة دليل يُسترَشَد به للمساعدة في حلّ المشكلات المطروحة في نطاق شروط الآخر المنظور الخاص الذي شكّل نقطة انطلاقها. أما، فينطوي على قدر أكبر من إعمال الفكر في عملية التنظير ذاتها: أن تصبح على دراية واضحة بالمنظور الذي يفضي إلى التنظير وعلاقته بالمنظورات الأخرى (للحصول على منظور بشأن المنظورات on Perspective A Perspectives)؛ وإفساح المجال أمام إمكانية اختيار منظور صحيح مختلف، تصبح المشكلة بوساطته منظورًا لإيجاد عالم بديل. ويسفر كل غرض من هذين الغرضين عن ظهور نوع مختلف من النظرية. يفضي الغرض الأول إلى نظرية حل المشكلات Problem-Solving Tehory التي تتعامل مع العالم كما تتبيّنه، مع أخذ العلاقات الاجتماعية والسلطوية السائدة والمؤسسات التي يجري تنظيمها فيها، في الحسبان، بوصفها إطار الفعل الخاص بالفعل. ويتمثّل الهدف العام لحل المشكلات في جعل هذه العلاقات والمؤسسات تعمل بسلاسة عن طريق التعامل بفاعلية مع مصادر معيّنة للمشكلة. ونظرًا إلى أن النمط العام للمؤسسات والعلاقات ليس موضع تساؤل وتشكيك، فيمكن البحث في مشكلات بعينها في سياق علاقتها بمجالات النشاط المتخصصة التي تنشأ فيها. ومن ثمّ، تُجَّزَأ نظريات حل المشكلات بين مجالات الفعل المتعددة أو جوانبه، التي يفترض كل منها قدرًا معيّنًا من الاستقرار في المجالات الأخرى (على نحو يتيح تجاهلها من ناحية الممارسة) حينما تواجه مشكلة ناشئة ضمن نطاقها. وتكمن قوة مقاربة حل المشكلات في قدرتها على وضع الحدود أو المعايير لنطاق المشكلة، وتقليص بيان مشكلة بعينها إلى عدد محدود من المتغّي رات القابلة للتفحص الوثيق والدقيق نسبيًا. ويتيح افتراض ثبات باقي العوامل Ceteris Paribus الذي يقوم عليه هذا التنظير، إمكانية التوصل إلى مقولات في شكل قوانين أو قواعد تنظيمية، يبدو أنها تتّسم بالصحة بوجه عام، لكنها تحمل في طيّاتها، بطبيعة الحال، المعايير المؤسسية والعلائقية المفترضة في مقاربة حل المشكلات. يقود الغرض الثاني إلى النظرية النقدية Tehory Critical؛ وهي نقدية من ناحية أنها تنأى بنفسها عن النظام السائد في العالم وتطرح تساؤلات عن كيفية نشوء هذا النظام. وعلى النقيض من نظرية حل المشكلات، لا تنظر النظرية النقدية إلى المؤسسات والعلاقات الاجتماعية والسلطوية باعتبارها أمرًا مسلّمًابه، لكنها تنال من صدقيتها عن طريق تركيز اهتمامها على مصادرها، وعلى ما إذا كانت هذه المصادر تمر بسيرورة تغّي ر، وكيفية حدوث ذلك. وهي تتّجه نحو تثمين إطار الفعل أو الإشكالية، اللَذَين تقبلهما نظرية حل المشكلات بوصفهما معيارًا لعملها. وتتّجه النظرية النقدية أيضًا إلى فهم المركّب الاجتماعي ةلصفنلام هئازجأ بعر هتبراقم نم لادًااب، اطبًاتمر لاّكًاا هفصوب ساييسلاو. ومن ناحية الممارسة، تتّخذ النظرية النقدية، شأنها شأن نظرية حل المشكلات، من بعض أوجه النشاط البشري أو من مجال بعينه من مجالاته، نقطَةَ البداية. ففي حين تفضي مقاربة حل المشكلات إلى مزيد منن التقسيم الفرعي التحليلي وفرض قيود على المسألة التي يتعّي معالجتها، تقود المقاربة النقدية إلى بناء صورة أوسع للكلّ، الذي لا يمثّل سوى عنصر واحد من العناصر المتوخّاة بدايةً، وتسعى لفهم سيرورات التغير التي يشارك فيها الجزء والكلّ معًا. إن النظرية النقدية هي نظرية التاريخ، بمعنى أنها لا تُعنى بالماضي فحسب، بل تُعنى أيضًا باستمرار سيرورة التغير التاريخي. وأما نظرية حل المشكلات، فغير تاريخية Non-historical، أو لاتاريخية Ahistorical، لأنها في الواقع تفترض وجود حاضر مستمر (استدامة المؤسسات وعلاقات القوة التي تشكّل معايير عملها.) وتمثّل قوة إحداهما ضعفًا للأخرى. ونظرًا إلى أنها تتعامل مع واقع متغّي ر، ينبغي للنظرية النقدية أن تواظب باستمرار على تكييف مفاهيمها مع الموضوع المتغير الذي تسعى لفهمه وتفسيره8. ويبدو أن هذه المفاهيم وما يصاحبها من
مناهج متّبعة في إجراء الأبحاث، تفتقر إلى الدقة التي يمكن بلوغها بوساطة نظرية حل المشكلات، التي تفترض وجود نظام ثابت بوصفه نقطتها المرجعية. ومع ذلك، فإن هذه القوة النسبية التي تتصف بها نظرية حل المشكلات تعتمد على فرضية خاطئة، نظرًا إلى أن النظام الاجتماعي والسياسي لا يتّسم بالثبات، بل هو (من منظور بعيد المدى في الأقل) في حالة تغّي ردائم. وعلاوة على ذلك، فإن افتراض الثبات ليس منهجًا يبعث على الارتياح فحسب، بل ينطوي على تحيّز أيديولوجي أيضًا. ويمكن تمثيل نظريات حل المشكلات، عن طريق المنظور الأوسع نطاقًا للنظرية النقدية، بوصفها تخدم مصالح قومية أو قطاعية أو طبقية بعينها، تكون مبعثًا على الارتياح في النظام المعطى. والواقع أن الغرض الذي تتوخّاه نظرية حل المشكلات يتّسم بأنه محافظ، نظرًا إلى أنه يهدف إلى حل المشكلات الناشئة في أجزاء مختلفة من كل مركب من أجل سلاسة عمل الكل. ويتعارض هذا الهدف مع الادّعاء المتكرر بأن نظرية حل المشكلات متحررة من القيم Value-free؛ إذ إنها متحررة من أي قيمة من الناحية المنهجية، بقدر ما تعالج المتغيرات التي تعدّها موضوعات لها (تمامًا كما يعالج عالم الكيمياء الجزئيات، أو كما يعالج عالم الفيزياء القوى والحركة)؛ غير أنها مقيّدة بالقيم Value-bound بما أنها تقبل ضمنًا المنظومة السائدة بوصفها إطارًا خاصًا بها. وتحمل النظرية النقدية في طيّاتها نظريات حل المشكلات، لكنها تتضمنها في شكل أيديولوجيات يمكن تحديدها، ما يشير إلى العواقب المترتبة عليها التي تجعلها محافظة، لا إلى فائدتها بوصفها دليلًاُيُسترشد به في الفعل. وتنزع نظرية حل المشكلات إلى تجاهل هذا الضرب من النقد بوصفه غير ذي صلة بأغراضها، وفي أي حال من الأحوال، بوصفه لا يتعارض مع إمكانية تطبيقها عمليًا. وتتمسك نظرية حل المشكلات بادعائها امتلاك قدر أكبر من الدقة، وإلى الحد الذي تُسلّم فيه بالنظرية النقدية تقريبًا، وتتحدّى إمكانية بلوغ أيّ معرفة علمية بالسيرورات التاريخية. ليست النظرية النقدية، بطبيعة الحال، غير معنية بمشكلات العالم الواقعي. وتتّسم أهدافها بالقدر نفسه من الطبيعة العملية Practical التي تتّسم بها نظرية حل المشكلات، لكنها تتعامل مع الممارسة من منظور يتجاوز إطار النظام القائم، الذي تنطلق منه نظرية حل المشكلات. وتتيح النظرية النقدية اتّخاَذَ خيار معياري لمصلحة نظام اجتماعي وسياسي مختلف عن النظام السائد، لكنها تقصر نطاق الخيارات المتاحة على النظم البديلة التي تُعدّ تحّولّات قابلة للتحقيق في العالم القائم. لذلك، يتمثل الهدف الرئيس للنظرية النقدية في توضيح هذه الطائفة الواسعة من البدائل الممكنة. وهكذا، تنطوي النظرية النقدية على عنصر من عناصر النزعة الطوباوية، من ناحية أنها يمكن أن تمثل صورة متماسكة لنظام بديل، لكن نزعتها الطوباوية مقيدة بفهمها للسيرورات التاريخية. ويتعّي نعليها أن ترفض البدائل غير المحتملة، بقدر ما ترفض ديمومة النظام القائم. ويمكن على هذا النحو أن تكون النظرية النقدية دليلًاُيُسترَشَد به في العمل الاستراتيجي لإيجاد نظام بديل، في حين تُعدّ نظرية حل المشكلات دليلًاُيُسترَشَد به في الإجراءات التكتيكية التي، سواء أكانت مقصودة أم غير مقصودة، تدعم النظام القائم. تحبّذ منظورات الحقب التاريخية المختلفة هذا النوع من النظرية، أو ذاك. وُتُْؤْثر حقب الاستقرار أو الثبات الظاهري في علاقات القوة مقاربَةَ حل المشكلات. وكانت الحرب الباردة إحدى تلك الحقب. فقد عززت التركيز، في حقل العلاقات الدولية، على المشكلات المتمثلة في كيفية التعامل مع ما يبدو أنه علاقة مستمرة بين قوتين عظميين. ومع ذلك، فإن حالةً من انعدام اليقين في علاقات القوة، تشير إلى النظرية النقدية في وقت يسعى فيه الناس لفهم الفرص المتعلقة بالتغيير ومخاطره. وهكذا، أفضت أحداث سبعينيات القرن العشرين إلى إحساس بقدر أكبر من السيولة في علاقات القوة، وأزمة متعددة الأوجه، متخطّيةً عتبة انعدام اليقين، ومتيحةًالفرصة أمام إحداث تطوير جديد في النظرية النقدية موجّه نحو مشكلات النظام العالمي. بيد أن التفكير في إمكانية إقامة نُظم عالمية في المستقبل، يتطلب الآن توسيع نطاق بحثنا ليتخطّى حقل العلاقات الدولية التقليدي على نحو يشمل السيرورات الأساسية الجارية الخاصة بتطور القوى الاجتماعية وأشكال الدولة، وفي بنية الاقتصاد السياسي العالمي. وتلكم هي، في الحدّ الأدنى، الحجة الرئيسة لهذه الدراسة.
ثانيًا: الواقعية والماركسية ومقاربة النظرية النقدية للنظام العالمي
غالبًا ما تشترك التيارات النظرية، التي تتضمن أعمالًامتقدمة، في بعض سمات نظرية حل المشكلات والنظرية النقدية، لكنها تنزع إلى التأكيد على إحدى هاتين المقاربتين دون الأخرى. وبرز تياران كان لهما ما يُقال بشأن العلاقات بين الدول والنظم العالمية، هما الواقعية والماركسية، وُيُعدّان هنا بمنزلة خطوة تمهيدية نحو محاولة تطوير المقاربة النقدية. ترجع أصول النظرية الواقعية في العلاقات الدولية إلى نموذج التفكير التاريخي. وقد تعقّب فريدريش ماينيكه في دراسته التي تناول فيها مسوّغ وجود الدولة d'état Raison، ذلك، وصولًاإلى نظرية مكيافيلي السياسية ودبلوماسية الدول-المدن الإيطالية في عصر النهضة، التي كانت إيذانًا ببزوغ معنى للمصالح المحددة لدول بعينها، مختلٍفٍ أشد الاختلاف عن المعايير العامة التي كانت تروّج لها المؤسسة المهيمنة أيديولوجيًا في مجتمع العصور الوسطى، ألا وهي
الكنيسة المسيحية9. ولدى إدراك العقائد والمبادئ التي يقوم عليها سلوك الدول بوصفه ردة فعل على ظروف تاريخية محددة، فإن تفسير ماينيكه لمسوّغ وجود الدولة، يُعدّ إسهامًا في النظرية النقدية. وقد واصل باحثون آخرون مرتبطون بالتقاليد الواقعية، من أمثال كار ولودفيغ ديهيو Dehio Ludwig، أسلوب التفكير التاريخي هذا، وحدّدوا تكوينات من القوى المعيّنة التي وضعت الإطار للسلوك الدولي في حقب مختلفة، وحاولوا فهم المؤسسات والنظريات والأحداث ضمن سياقاتها التاريخية. حوّل بعض الباحثين الأميركيين، ولا سيما هانس مورغنثاو Hans Morgenthau وكينيث والتز، منذ الحرب العالمية الثانية، الواقعية إلى شكل من أشكال نظرية حل المشكلات. وعلى الرغم من أنهم كانوا يحظون بنصيب وافر من الاّطلّاع على التاريخ، فإنهم كانوا ينحون إلى تبنّي النظرة اللاتاريخية الثابتة لإطار الفعل الذي يُعدّ إحدى سمات نظرية حل المشكلات، عوضًا عن تجنب هذا الإطار، على غرار كار، والتعامل معه على أنه مشروط تاريخيًا، ومن ثمّ، عرضة للتغير. وليس من المصادفة أن يتزامن هذا الاتجاه من الناحية النظرية مع الحرب الباردة التي فرضت فئة القطبية الثنائية على حقل العلاقات الدولية، وإيلاء اهتمام بالغ بالدفاع عن القوة الأميركية بوصفها حصنًا منيعًا للحفاظ على النظام10. يتّسم شكل إطار الفعل، الذي جرى تعميمه، والذي افترضته الواقعية الأميركية الجديدة هذه (التي سنطلق عليها من الآن فصاعدًا تسمية الواقعية الجديدة، وهي الشكل الأيديولوجي المجرد من الإطار التاريخي الواقعي الذي فرضته الحرب الباردة) بثلاثة مستويات، يمكن فهم كل منها عبر ما يسميه الفلاسفة الكلاسيكيون الجوهر أو الماهيات، بمعنى الركائز الأساسية والثابتة للمظاهر أو الظواهر المتغيرة والعرضية. وُيُنَظَر إلى هذه الوقائع الأساسية باعتبارها: 1) الطبيعة البشرية التي تُفَهَم من منظور الخطيئة الأصلية الأوغسطينية Augustinian أو الهوبزية Hobbesian بوصفها "رغبة دائمة لا تهدأ في القوة، رغبة بعد رغبة، لا تنتهي إّل ابالموت"11؛ و)2 طبيعة الدول التي تتباين من ناحية دساتيرها المحلية وقدراتها على تعبئة القوة، لكنها متشابهة في تركيزها على مفهوم بعينه للمصلحة القومية (الذرات الروحية "المونادولوجيا" عند لايبنتز Leibnizian Monad) الذي تتّخذه دليلًاتسترشد به في أفعالها؛ و 3) طبيعة منظومة الدولة، التي تفرض قيودًا عقلانية على السعي الجامح وراء المصالح القومية المتنافسة عن طريق آلية ميزان القوى. بعد الوصول إلى وجهة النظر هذه بشأن الجوهر الأساسي، يصبح التاريخ لدى الواقعيين الجدد بمنزلة منجم يوفر مواد لتوضيح أشكال متنوعة من الموضوعات المتكررة دومًا. ويتوقف أسلوب التفكير عن أن يكون ذا طابع تاريخي، على الرغم من أن المواد المستخَدَمة مستمدّة من التاريخ. علاوة على ذلك، يملي أسلوب التفكير هذا، في ما يتعلق بالماهيات، أن المستقبل سيكون دائمًا شبيهًا بالماضي12. إضافة إلى ذلك، اتّسع نطاق جوهر النظرية الواقعية الجديدة هذا ليشمل مجالات مثل نظرية الألعاب التي يجري فيها تقديم فكرة الجوهر على مستوى الطبيعة البشرية بوصفها عقلانية، يُفترض أن تكون مشتركة بين الفاعلين المتنافسين الذين يقيّمون المخاطر، والاستراتيجيات البديلة، والعوائد ذات الصلة، بطريقة مماثلة. وتعزّز فكرة العقلانية المشتركة Common Rationality هذه أسلوب التفكير غير التاريخي. وثمة أنماط أخرى من التفكير يجب أن توجّه إليها انتقادات لاذعة بوصفها غير ملائمة وعصيّة على الفهم، وفق طريقتها الخاصة (ما يجعل من العسير تفسير اقتحام ظاهرة من قبيل النزعة التكاملية الإسلامية Islamic Integralism 13 مجال الشؤون الدولية، على سبيل المثال.) تنشأ "العقلانية المشتركة" في الواقعية الجديدة من جدالها مع النزعة الأممية الليبرالية Internationalism Liberal؛ فهذه العقلانية، بالنسبة إلى الواقعية الجديدة، هي الاستجابة المناسبة الوحيدة لنظام الدول الفوضوي المفترض. ولن تكون الأخلاق فعالة إّل اإذا فُرضت من خلال القوة المادية. وقد أضفى ذلك على الواقعية الجديدة مظهرًا باتت فيه أشبه بنظرية غير معيارية. فهي "متحررة من القيم" عبر إقصائها الأهداف الأخلاقية (حيث ترى ضعف النزعة الأممية الليبرالية)، وعن طريق اختزالها المشكلات إلى علاقات قوّتها المادية. ومع ذلك، فإن هذه السمة غير المعيارية ظاهرية فحسب. وثمة عنصر معياري كامن، نابع من افتراضات النظرية الواقعية الجديدة؛ إذ يعتمد الأمن في إطار نظام الدول المفترض على فهم كل فاعل من الفاعلين الرئيسين في هذا النظام بالطريقة ذاتها؛ بعبارة أخرى، إنه يتوقف على اعتماد كل منهم عقلانية دليلًاإرشاديًا بشأن ما ينبغي اتخاذه من الواقعية الجديدة بوصفها
إجراءات. وتستمدّ النظرية الواقعية الجديدة من ركائزها التنُّبُؤ بأن الفاعلين، انطلاقًا من تجاربهم ضمن النظام، سيتوجهون نحو التفكير بهذه الطريقة؛ لكن النظرية تؤدي أيضًا وظيفة ذات طابع تبشيري، بوصفها المنافح عن هذا الشكل من أشكال العقلانية. وأما بالنسبة إلى المنِّرظِ الواقعي الجديد، فُتُعدّ هذه الوظيفة ذات الطابع التبشيري (حيث يكمن الدور المعياري الذي تضطلع به الواقعية الجديدة) مسألةً ملحّة، خاصةً في الدول التي بلغت شأوًا من القوّة يفوق تلك القوة اللازمة لتحقيق التوازن مع منافسيها، نظرًا إلى أن هذه الدول قد تنزع إلى تجاهل عقلانية الواقعية الجديدة، وتسعى لفرض منطقها الأخلاقي الخاص بالنظام، ولا سيما، كما هي الحال في الولايات المتحدة الأميركية، إذا شجّع التقليد الثقافي الرؤى البديلة الأكثر تفاؤلًاوأخلاقية بشأن الطبيعة البشرية وطبيعة الدولة وطبيعة النظام العالمي14. يعيد النقاش بين الواقعيين الجدد والأمميين الليبراليين إنتاج التحدي الذي فرضته فلسفة هوبز المدنية في القرن السابع عشر على نظرية القانون الطبيعي لدى غروتيوس Grotius، لكن بمواد معاصرة. وترتكز كل حجة من الحجج على وجهات نظر مختلفة بشأن جوهر الإنسان والدولة ونظام الدول. وقد أشار مفكر عصر التنوير النابولي، جيامباتيستا فيكو، في القرن الثامن عشر، إلى أحد البدائل التي أتاحت إمكانية تجاوز هذا التضارب بين المفاهيم التي يستبعد بعضها بعضًا؛ إذ يرى أن الطبيعة والمؤسسات البشرية (التي يجب أن تشمل الدولة ونظام الدول) لا ينبغي أن يُنَظَر إليها بوصفها ماهيات ثابتة، بل بوصفها عملية مستمرة لخلق أشكال جديدة. وفي ما يتصل بثنائية الاستمرارية والتغير، حيث تؤكد الواقعية الجديدة الاستمرارية، يشدد المنظور الفيكوي على التغير؛ كما كتب فيكو قائلًا: "من المؤكد أن عالم الأمم هذا من صنع الإنسان؛ وبناءً على ذلك، سيكون من الممكن إيجاد مبادئه ضمن ما تجريه عقولنا البشرية من تغييرات"15. لا ينبغي أن يؤخذ ذلك بوصفه مقولة من مقولات النزعة المثالية الراديكالية (التي ترى أن العالم هو من صنع العقل.) بالنسبة إلى فيكو، كانت أشكال العقل الآخذة في التغير باستمرار تتشكل عن طريق مركّب العلاقات الاجتماعية الذي يتفرد باضطلاع الصراع الطبقي بالدور الرئيس في نشأتها، كما كانت عليه الحال مع كارل ماركس لاحقًا. غير أن العقل يبقى الرابطة الأساسية التي تصل الحاضر بالماضي، ووسيلة للوصول إلى معرفة هذه الأنماط المتغيرة للواقع الاجتماعي. وتتطابق الطبيعة البشرية (ما يجريه العقل من تغييرات) والمؤسسات البشرية مع تاريخ البشرية؛ إذ ينبغي فهمها من الناحية الجينية، وليس من الناحية الجوهرانية (كما هي الحال في الواقعية الجديدة)، أو من الناحية الغائية (كما هي الحال في الوظيفية.) ولا يمكن، انطلاقًا من هذا المنظور الفيكوي، تجريد الإنسان والدولة من سياقهما التاريخي بغية تحديد مضامينهما أو جاوهرهما باعتبارهما سابَقيَن للتاريخ، وأن التاريخ لا يُعدّ سجًّل للتفاعلات بين تجليات أشكال هذا الجوهر. وينبغي أن تكون أّي دراسة رصينة للشؤون البشرية قادرة على الكشف عن الاتّساق بين العقول والمؤسسات التي تميز عصورًا تاريخية مختلفة، وعن السيرورة التي يتعاقب فيها أحد تلك الأنماط المتّسقة - ويمكن أن نسميها بنية تاريخية - في إثر نمط آخر. وكان مشروع فيكو، الذي نطلق عليه في يومنا هذا تسمية علم الاجتماع، يرمي إلى التوصل إلى "قاموس ذهني"، أو إلى مجموعة من المفاهيم المشتركة، يمكن المرء من خلالها أن يكون قادرًا على فهم سيرورة "التاريخ الأبدي المثالي"، أي ما هو أشد عمومية وشيوعًا في سلسلة التغيرات التي طرأت على الطبيعة والمؤسسات البشرية16. ويتمثل الخطأ الذي انتقده فيكو بوصفه "غرور العلماء"، أي زعمهم أن "ما يعلمونه قديم قَِدَم العالم"، في اتخاذه شكلًامن أشكال التفكير المستمدّ من مرحلة بعينها من التاريخ (ومن ثمّ، من بنية بعينها من العلاقات الاجتماعية)، وافتراض أنه صالح على نحو كوني17. وهذا خطأ تقع فيه الواقعية الجديدة، وبصفة أعم، الأساس الواهي الذي تقوم عليه نظرية حل المشكلات برمّتها. ولا ينفي ذلك، بطبيعة الحال، الفائدة العملية من الواقعية الجديدة ونظريات حل المشكلات ضمن حدودها الأيديولوجية. وأما المقاربة الفيكوية، فهي، على النقيض من ذلك، مقاربة النظرية النقدية. كيف ترتبط الماركسية بهذا المنهج، أو بهذه المقاربة في بناء نظرية للنظام العالمي؟ إنه لمن المستحيل، في المقام الأول، حسبان الماركسية تيارًا فكريًا واحدًا من دون المخاطرة بالوقوع في التباس. ومن الضروري، بغية تحقيق الغرض الذي نسعى له، التمييز بين تياَرَين ماركسَييَن متبايَنيَن، مماثَليَن للتشعب بين الواقعية القديمة والجديدة. فثمة ماركسية تعلّل
من الناحية التاريخية التغيرات التي طرأت على العلاقات الاجتماعية، وتسعى لتفسيرها وتعزيزها أيضًا؛ وثمة أيضًا ماركسية مصَّمَمة لتكون إطارًا لتحليل الدولة والمجتمع الرأسمالَييَن، وهي تولي ظهرها للمعرفة التاريخية لمصلحة وضع تصور مفهومي أشد ثباتًا وتجريدًا لنمط الإنتاج. ولعلّنا نطلق على الأولى التسمية التي يمكننا أن ندرك بها ماهيتها: المادية التاريخية. ويتضح ذلك في الأعمال التاريخية التي أنجزها ماركس، وفي أعمال المؤرخين الماركسيين المعاصرين مثل هوبزباوم، وفي فكر أنطونيو غرامشي. كما أثّرت في بعض مَن لا يُعدّون (أو يَعدّون أنفسهم) ماركسيين بالمعنى الدقيق للكلمة، كما هي حال العديد من المؤرخين الفرنسيين المرتبطين بمدرسة الحوليات Annales.The وتمثّل الثانية ما يسمّى الماركسية البنيوية عند لوي ألتوسير ونيكولاس بولانتزاس (أقول "ما يسمّى" من أجل التمييز بين استخدامهما "البنية" Structure ومفهوم البنية التاريخية Historical Structure في هذه الدراسة) التي غالبًا ما تتّخذ شكل شروح تأويلية لكتاب رأس المال Capital، وسواه من النصوص المقدسة. وتتقاسم الماركسية البنيوية بعض سمات المقاربة الواقعية الجديدة لحل المشكلات، مثل الإبستيمولوجيا اللاتاريخية والجوهرانية، وإن كانت لا تتّسم بالدقة في التعامل مع البيانات، ولا مدى قابليتها للتطبيق من الناحية العملية على المشكلات الملموسة، نظرًا إلى أنها بقيت إلى حد بعيد دراسة تتناول أفكارًا مجردة. ومن ثم، فهي لا تعنينا في هذا السياق. ومع ذلك، تمثّل المادية التاريخية أهم مصدر للنظرية النقدية، وهي تصحح الواقعية الجديدة من أربعة جوانب مهمة. أولها يتعلق بالجدلية أو الديالكتيك، وهو مصطلح خُِّصِص، شأنه شأن الماركسية، للتعبير عن طائفة متنوعة من المعاني التي لا تتطابق دومًا، لذلك يتطلّب استخدامه قدرًا بعينه من التحديد. وهو يُستخَدَم هنا على مستوَييَن: مستوى المنطق، ومستوى التاريخ الواقعي. ويعني، على مستوى المنطق، حوارًا يسعى لبيان الحقيقة عن طريق استكشاف التناقضات18. ويتمثل أحد جوانب ذلك في المواجهة المتواصلة بين المفاهيم والواقع الذي من المفترض أنها تمثّله، وتكييفها مع هذا الواقع الذي يتغّي ربصورة مستمرة. أما الجانب الآخر، الذي يُعدّ جزءًا من منهج تكييف المفاهيم، فيتمثل في إدراك أن كل تأكيد يتعلق بالواقع، ينطوي ضمنيًا على نقيضه، وأن كلًامن التأكيد والنقيض لا يستبعد أحدهما الآخر، بل يتقاسمان قدرًا من الحقيقة المنشودة؛ وتلك حقيقة دائمًا ما تكون قيد الحركة، ولا ينبغي أن تتجسّد في شكل نهائي على الإطلاق. وُيُعدّ الديالكتيك، على صعيد التاريخ الواقعي، بمنزلة إمكانية لتوفير أشكال بديلة للتطور، تنشأ من مواجهة القوى الاجتماعية المتعارضة في أيّ حالة تاريخية ملموسة. تشدّ الواقعية والمادية التاريخية الانتباه نحو الصراع. وترى الواقعية الجديدة أن الصراع عنصر متأصل في الوضع البشري، وهو أحد العوامل الثابتة الناجمة، على نحو مباشر، عن جوهر السعي للقوة في الطبيعة البشرية، ويتّخذ شكلًا سياسيًا لإعادة توزيع القوة باستمرار بين اللاعبين في لعبة حصيلتها صفرية، دائمًا ما تجري ممارستها وفقًا للقواعد الفطرية المتأصلة فيها. بينما ترى المادية التاريخية في الصراع سيرورة لإعادة تشكيل الطبيعة البشرية براستمرار، وإنتاج أنماط جديدة من العلاقات الاجتماعية التي تغّي قواعد اللعبة، وقد يكون من المتوقع، إذا ما بقيت المادية التاريخية وفيةً لمنطقها ومنهجها، أن تنبثق منها أشكال جديدة من الصراع في نهاية المطاف. بعبارة أخرى، ترى الواقعية الجديدة في الصراع نتيجة متكررة لبنية مستمرة، في حين ترى المادية التاريخية الصراع بوصفه سببًا محتملًاللتغير البنيوي. ثانيًا، تضيف المادية التاريخية، من خلال تركيزها على الإمبريالية، بعدًا رأسيًا للقوة إلى البعد الأفقي للتنافس بين الدول الأقوى، ما يجتذب اهتمام الواقعية الجديدة على نحو شبه كّلي. ويتمثّل هذا البعد في هيمنة الحواضر الكبيرة على المناطق النائية، وسيطرة المركز على الأطراف، وتبعية المناطق النائية والأطراف في سياق اقتصاد سياسي عالمي. ثالثًا، توِّسِ ع المادية التاريخية نطاق المنظور الواقعي عبر اهتمامها بالعلاقة بين الدولة والمجتمع المدني. وينقسم الماركسيون، شأنهم شأن غير الماركسيين، بين أولئك الذين يرون في الدولة تعبيرًا عن المصالح الخاصة في المجتمع المدني، وأولئك الذين يعدّون الدولة قوة مستقلة تعّب رعن نوع ما من أنواع المصلحة العامة. وسيشكل هذا، بالنسبة إلى الماركسيين، المصلحة العامة للرأسمالية بوصفها متميزة من مصالح الرأسماليين الخاصة. وقد عقد غرامشي مقارنة بين المادية التاريخية التي تعترف بفاعلية المصادر الأخلاقية والثقافية للفعل السياسي (على الرغم من ربطها دومًا بالمجال الاقتصادي)، وما سّم اه الاقتصادوية التاريخية Historical Economism أو اختزال كل شيء إلى المصالح التكنولوجية والمادية19. وعادت النظرية الواقعية الجديدة في
الولايات المتحدة إلى العلاقة القائمة بين الدولة والمجتمع المدني، على الرغم من حسبانها المجتمع المدني عائقًا أمام الدولة، وقيدًا تفرضه مصالح بعينها على مسوّغ وجود الدولة، الذي يُنَظَر إليه وُيُعَّرَف باعتباره مستقلًا عن المجتمع المدني20. وينطوي معنى العلاقة المتبادلة بين البنية التحتية (العلاقات الاقتصادية) والبنية العلوية Superstructure (المجال الأخلاقي السياسي) في فكر غرامشي على إمكانية حسبان مركّبات الدولة/ المجتمع الكيانات المكِّوِنة لنظام عالمي ولاستكشاف الأشكال التاريخية الخاصة التي تتّخذها هذه المركّبات. رابعًا، تركز المادية التاريخية على عملية الإنتاج بوصفها عنصرًا حاسمًافي تفسير الشكل التاريخي المحدد الذي يتّخذه مركّب الدولة/ المجتمع. ويجري إنتاج السلع والخدمات التي تصنع ثروة المجتمع، وتمثل الأساس الذي تستند إليه قدرة الدولة على تعبئة القوة وراء سياستها الخارجية، عن طريق علاقة القوة القائمة بين أولئك الذين يملكون السيطرة وأولئك الذين ينفّذون مهمات الإنتاج. وإن من شأن الصراع السياسي وفعل الدولة إما الحفاظ على علاقات القوة في الإنتاج، وإما إحداث تغييرات فيها. وتتناول المادية التاريخية الروابط بين القوة في الإنتاج، والقوة في الدولة، والقوة في العلاقات بين الدول. وعلى النقيض من ذلك، تجاهلت الواقعية الجديدة، إلى حٍدٍ بعيد، عملية الإنتاج نفسها. وهذه هي النقطة التي يجب التمييز فيها بجلاء بين تحيّز الواقعية الجديدة لحل المشكلات والمقاربة النقدية للمادية التاريخية. وَتَُعُّدُ الواقعية الجديدة ضمنيًا عمليَةَ الإنتاج وعلاقات القوة الكامنة فيها عنصرًا من عناصر المصلحة القومية، ومن ثمّ، جزءًا من معاييرها. وتدرك المادية التاريخية إمكانات التغير الجدلية في مجال الإنتاج، وهي تغيرات يمكن أن تؤثر في المجالات الأخرى، مثل مجاَل يالدولة والنظام العالمي. لقد ميّزت هذه المناقشة بين نوعين من التنظير؛ وُيُعدّ هذا التمييز تمهيدًا من أجل اقتراح مقاربة نقدية نظرية للنظام العالمي. ويمكن الآن إعادة صوغ بعض المنطلقات الأساسية لمثل هذه النظرية النقدية على النحو التالي: 1. إدراك أن الفعل ليس حرًا على نحو مطلق، بل يجري ضمن إطار للفعل يشكّل إشكاليته. وستبدأ النظرية النقدية في هذا الإطار، ما يعني الشروع في التمحيص التاريخي أو تقدير التجربة البشرية التي تبرز الحاجة إلى النظرية21. 2. إدراك أن الإشكالية لا تحدد شكل الفعل فحسب، بل تحدد النظرية أيضًا. وتعي النظرية النقدية نسبيتها الخاصة بها، وعن طريق هذا الوعي الذاتيي يمكنها أن تحقق منظورًا للزمن أوسع نطاقًا، وأن تصبح أقل نسبية من نظرية حل المشكلات. وهي تعلم أن مهمة التنظير لا يمكن أن تنتهي أبدًا في نظام مغلق، بل يجب عليها دائمًا أن تبدأ من جديد. 3. يتغير إطار الفعل مع مرور الوقت، ويتمثل الهدف الرئيس من النظرية النقدية في فهم هذه التغيرات. 4. يتّخذ هذا الإطار شكل البنية التاريخية، وهي توليفة خاصة من أنماط التفكير، والشروط المادية، والمؤسسات البشرية التي تتسم بقدر من الاتساق بين عناصرها. ولا تحدد هذه البنى أفعال الناس بأّي معنى ميكانيكي، لكنها تشكّل سياق العادات والضغوط والتوقعات والقيود، التي يجري في إطارها الفعل. 5. يتعّي نأّل اُيُنظر إلى الإطار أو البنية التي يجري فيها الفعل من أعلى من ناحية الشروط اللازمة لتوازنه أو إعادة إنتاجه (ما يؤدي سريعًا إلى العودة إلى حل المشكلات)، بل من أسفل أو من الخارج، من ناحية النزاعات التي تنشأ داخله وتفسح المجال أمام إمكانية إحداث تحّولّات فيه22.
ا: أطر العمل من أجل الفعل ثالث: البنى التاريخية
تُعدّ فكرة إطار العمل من أجل الفعل أو البنية التاريخية، في أبسط أشكالها، صورة لتكويٍنٍ بعينه من القوى. ولا يحدد هذا التكوين الفعل بأيّ طريقة آلية مباشرة، لكنه يفرض ضغوطًا وقيودًا. وقد
يتحرك الأفراد والجماعات بفعل الضغوط، أو يقاومونها ويعارضونها، لكنهم لا يستطيعون تجاهلها. وبقدر ما ينجحون في مقاومة بنية تاريخية سائدة، فإنهم يدعمون أفعالهم بتكوين بديٍلٍ ناشئ من القوى، يُعدّ بنيةً منافسة. تتفاعل ثلاث فئات من القوى (يجري التعبير عنها بوصفها إمكانات) في بنيةٍ ما: القدرات المادية والأفكار والمؤسسات. وليس ثمة حاجة إلى افتراض حتمية أحادية الاتجاه ضمن هذه الفئات الثلاث؛ إذ يمكن افتراض أن العلاقات تبادلية Reciprocal. وأما سؤال الاتجاه الذي يتّخذه مسار القوة، فهو دومًا سؤال تاريخي تتعّي نالإجابة عنه عبر دراسة الحالة الخاصة بعينها. الشكل)1(
ا فكار
القدرات االية ا ؤسسات
تُعدّ القدرات المادية قدرات كامنة، ذات طابع مُنِتِجProductive، أو ذات طابع تدميري Destructive. وتوجد، في صورتها الدينامية، بوصفها قدرات تكنولوجية وتنظيمية، وفي صورتها المتراكمة بوصفها موارد طبيعية يمكن التكنولوجيا أن تحوّلها، ومخزونات من التجهيزات (مثل الصناعات والتسلح)، وبوصفها الثروة التي يمكن أن تسيطر على تلك العناصر وتتحكم فيها. ثمة، عمومًا، نوعان من الأفكار. يتكوّن أحدهما من المعاني البينذاتية Intersubjective، أو من تلك المفاهيم المتشاركة Shared لطبيعة العلاقات الاجتماعية التي تنحو إلى إدامة العادات والتوقعات المتعلقة بالسلوك23. ومن الأمثلة على المعاني البينذاتية في السياسة العالمية المعاصرة المفاهيم القائلة إن الناس تنظّمهم وتقودهم الدول التي لديها سلطة على أقاليم ترابية محددة، وإن الدول يتصل بعضها ببعض عن طريق الموظفين الدبلوماسيين، وإن قواعد بعينها تُطَّبَق من أجل حماية هؤلاء الموظفين، وفي ذلك مصلحة مشتركة بين كل الدول، وإن أنواعًا بعينها من السلوك ينبغي توقّعها عند نشوب الصراع بين الدول، مثل التفاوض أو المواجهة أو الحرب. ولئن كانت هذه المفاهيم تتسم بالديمومة على مدى فترات طويلة من الزمن، فإنها مشروطة تاريخيًا. ولم يجِرِ تمثيل واقع السياسة العالمية يومًا بهذه الطريقة على وجه التحديد، ولربما لن يجري ذلك في المستقبل. ومن الممكن تتبّع مصادر هذه الأفكار والكشف أيضًا عن مؤشرات دالة على إضعاف بعضها24. أما النوع الآخر من الأفكار ذات الصلة بالبنية التاريخية، فهو الصور الجماعية للنظام الاجتماعي التي تحتفظ بها مجموعات مختلفة من الناس. وتلك آراء متباينة في ما يتعلق بطبيعة علاقات القوة السائدة وشرعيتها ومعاني العدالة والمنفعة العامة، وما إلى ذلك. وفي حين أن المعاني البينذاتية شائعة على نطاق واسع في أنحاء بنية تاريخية بعينها، وتشكّل الأرضية المشتركة للخطاب الاجتماعي (بما في ذلك النزاعات)، فقد تكون الصور الجماعية متعددة ومتعارضة25. ويقدّم صدام الصور الجماعية المتنافسة دليلًاعلى إمكانية إيجاد مسارات بديلة للتطور، ويثير تساؤلات بشأن الأساس المادي والمؤسسي الممكن لظهور بنية بديلة. تُعدّ المأسسة، أو إضفاء الطابع المؤسسي Institutionalization، وسيلة لتحقيق استقرار نظام بعينه وإطالة أمده. وتعكس المؤسسات علاقات القوة السائدة في نقطة منشئها، وتنزع، في البداية على الأقل، إلى تشجيع الصور الجماعية المتّسقة مع علاقات القوة. وتنتهج هذه المؤسسات، في نهاية المطاف، مساَرَ حياة خاصًا بها؛ إذ يمكن أن تصبح ساحة معركة لاتجاهات متعارضة أو محفزًا لإنشاء مؤسسات متنافسة تعكس اتجاهات مختلفة. وتعدّ المؤسسات توليفاٍتٍ خاصةً من الأفكار والقوة المادية التي تؤثر في تطوير الأفكار والقدرات المادية. ثمة صلة وثيقة بين المأسسة وما سماه غرامشي الهيمنة.Hegemony وتتيح المؤسسات سبلًا لمعالجة النزاعات الداخلية بغية خفض استخدام القوة إلى أدنى حد ممكن (كما يمكنها، بطبيعة الحال، أن تزيد إلى الحد الأقصى القدرة على استخدام القوة في الصراعات الخارجية، لكننا سنقتصر هنا على دراسة الصراعات الداخلية التي تغطيها مؤسسة ما.) وثمة إمكانية لوضع علاقات القوة المادية الكامنة وراء أيّ بنية موضع التطبيق، بمعنى أن الأقوياء يستطيعون
إالحاق الأذى بالضعفاء إذا ما رأوا ذلك ضروريًا. لكن القوة يتعين أّل تُستخَدَم من أجل ضمان سيطرة الأقوياء إلى الحد الذي يقبل معه الضعفاء علاقات القوة السائدة بوصفها مشروعة. وبوسع الضعفاء أن يفعلوا ذلك إذا نظر الأقوياء إلى مهمتهم بوصفها مرتبطة بالهيمنة، وليست مرتبطة بالسيطرة أو بالاستبداد؛ بمعنى إذا كانوا مستعدّين لتقديم تنازلات تكفل قبول الضعفاء بقيادتهم، وإذا كان بإمكانهم التعبير عن هذه القيادة بوصفها معرّبةً عن مصالح عامة أو كونية، لا مصالح خاصة بهم26. وبناء عليه، يمكن أن تصبح المؤسسات محور ارتكاز لاستراتيجية الهيمنة هذه، نظرًا إلى أنها تتلاءم مع تمثيلات مصالح مختلفة، وتضفي صبغة كونية على السياسات. إنه لمن الملائم أن نكون قادرين على التمييز بين البنى المهيمنة وغير المهيمنة، بمعنى التمييز بين تلك التي تميل فيها قاعدة القوة التي تقوم عليها البنية إلى التراجع إلى خلفية الوعي، وتلك التي تكون فيها إدارة علاقات القوة دومًا في الصدارة. بيد أن الهيمنة لا يمكن اختزالها في بعد مؤسسي فحسب؛ إذ لا بد للمرء من أن يتوخّى الحذر من أن يسمح التركيز على المؤسسات، إما بحجب التغيرات التي تطرأ على علاقة القوى المادية، وإما بظهور تحٍّدٍ أيديولوجي لنظام سائد سابق. وقد تكون المؤسسات خارج نطاق هذه الجوانب الأخرى من الواقع، الأمر الذي يقوّض فاعليتها بوصفها وسيلةً لتنظيم الصراع (فيقوّض من ثمّ وظيفتها المهيمنة.) وقد تكون المؤسسات تعبيرًا عن الهيمنة، إّل اأنه لا يمكن عدّها متطابقة معها. يُعدّ منهج البنى التاريخية تمثيلًالما يمكن تسميته الكليات المحدودة Totalities Limited. ولا تمثّل البنية التاريخية العالم بأسره، بل تمثّل مج لًاخاصًا للنشاط البشري في كليةٍ متموضعةٍ تاريخيًا. وأما مشكلة ثبات العوامل الأخرى كلها، التي تزيّف نظرية حل المشكلات بما تؤدي إليه من افتراض السكون التام، فيمكن تجنّبها عن طريق إدماج البنى التاريخية وربطها، بعضها ببعض، ضمن مجالات الفعل ذات الصلة. ويجري تقديم الديالكتيك، أاول، عبر استنباط تعريف بنيةٍ بعينها، ليس من نموذج تجريدي لنظام اجتماعي أو نمط إنتاج، بل من دراسة الحالة التاريخية ذات الصلة بها؛ و ثانيًا، عن طريق البحث عن انبثاق بنى منافسة تعّب رعن إمكانات بديلة للتطور. وتعدّ مجموعات القوى الثلاث المبينة في الشكل 1() بمنزلة أداة استكشافية Heuristic، وليست فئات ذات تراتبية محددة مسبقًا للعلاقات. والبنى التاريخية هي نماذج متقابلة؛ إذ توفر، شأنها شأن النماذج المثالية، على نحو متّسق منطقيًا، تمثيلًامبسطًا لواقع معقد، وتعبيرًا عن نزعات واتجاهات، وتتسم بمحدودية إمكانية تطبيقها عبر الزمان والمكان؛ وليست تطورات متحققة بالكامل. ومن أجل تحقيق الغرض من هذه المناقشة، سنطبق منهج البنى على المستويات أو مجالات النشاط الثلاثة التالية التاريخية: القوى الاجتماعية 1) تنظيم الإنتاج، وبالأخص في الناتجة من عملية أشكال الدولة الإنتاج؛)2 على نحو ما يمكن اشتقاقه من دراسة النظم العالمية مركّبات الدولة/ المجتمع؛ و)3، أي التكوينات الخاصة من القوى التي تحدد تباعًا إشكالية الحرب أو السلام لمجموٍعٍ من الدول. ويمكن دراسة كل مستوى من هذه المستويات بوصفه سلسلة من البنى المتنافسة المهيمنة والناشئة. هذه المستويات الثلاثة مترابطة Interrelated. وتولّد التغيرات في تنظيم الإنتاج قوى اجتماعية جديدة، تعمل على إحداث تغييرات في بنية الدول؛ ويبدّل تعميم التغيرات في بنية الدول إشكالية النظام العالمي. وكما حاجّ كار، على سبيل المثال، فإن إدماج العمال الصناعيين (وهم قوة اجتماعية جديدة)، بوصفهم مشاركين ضمن الدول الغربية منذ أواخر القرن التاسع عشر، زاد من تحرك هذه الدول نحو القومية الاقتصادية والإمبريالية (وهو شكل جديد من أشكال الدولة)، ما أسفر عن تشظية الاقتصاد العالمي، وعن مرحلة من العلاقات الدولية أشد نزوعًا إلى الصراع (وهو البنية الجديدة للنظام العالمي)27. ومع ذلك، فإن العلاقة بين المستويات الثلاثة ليست علاقة خطّية أحادية الاتجاه Unilinear. فقد أثّرت القوى الاجتماعية العابرة للحدود القومية في الدول عبر بنية النظام العالمي، كما يتضح من تأثير الرأسمالية التوسعية التي شهدها القرن التاسع عشر28، في تطور بنى الدولة في المركز والأطراف على حد سواء. وتمارس بنى بعينها من بنى النظام العالمي تأثيرًا في الأشكال التي تتّخذها الدول؛ إذ كانت الستالينية، جزئيًا على الأقل، ردًا على الشعور بخطر يهدد وجود الدولة السوفياتية، صادرًا من نظام عالمي يناصبها العداء؛ ويبرر المركّب الصناعي - العسكري، في بلدان المركز، نفوذه اليوم بالإشارة إلى حالة الصراع التي يتّسم بها النظام العالمي؛ ويمكن تفسير انتشار النزعة العسكراتية القمعية Repressive Militarism في البلدان
الطرفية من خلال الدعم الخارجي للإمبريالية، فضلًا عن اقتران معّي نبين قوى داخلية. وتؤثّر أشكال الدولة أيضًا في تطور القوى الاجتماعية من خلال أنواع الهيمنة التي تمارسها، على سبيل المثال، عبر تعزيز مصلحِةِ طبقةٍ بعينها وإحباط مصالح طبقات أخرى29. وإذا ما نظرنا إلى القوى الاجتماعية، وأشكال الدولة، والنظم العالمية، على نحو منفصل، لأمكن تمثيلها، على نحو تقريبي أّولّي، بوصفها تكوينات معيّنة من القدرات المادية والأفكار والمؤسسات (كما يوضح الشكل 1.) وإذا ما نظرنا إلى علاقاتها، وهو ما يمثل خطوة نحو تحقيق تمثيل أوسع للسيرورة التاريخية، لأمكننا النظر إلى كل منها لعى(ىرخلاأب رثأتت اهنم لاكًاا نأ نع لاضًااف، ىرخلاأ نمضتت اهنأ لعى نحو ما يوضحه الشكل)230. الشكل)2(
القوى اجت عية
النظم العا ية أشكال الدول
رابعًا: الهيمنة والنظم العالمية
كيف ينبغي قراءة العلاقات التبادلية هذه في سياق الظرف التاريخي الراهن؟ وأيّ من العلاقات المتعددة ستنبئنا أكثر من غيرها؟ يوحي الإحساس بتاريخية المفاهيم أن العلاقات الحاسمة قد لا تكون هي نفسها في حقب تاريخية متتالية، حتى ضمن الحقبة ما بعد الويستفالية التي قد يتّسم فيها مصطلح "نظام الدول" System State بدلالة خاصة. وأما مقاربة النظرية النقدية للنظام العالمي، المشار إليها ههنا، فتتخذ شكل سلسلة مترابطة من الفرضيات التاريخية. تشدد الواقعية الجديدة على الدول، مختَزَلَةً في بُعد قوّتها المادية، كما تختزل على نحو مماثل بنية النظام العالمي في ميزان القوى، بوصفه مكَّوَنًا من القوى المادية. ولا تُعنى الواقعية الجديدة التي ترفض عمومًا القوى الاجتماعية بوصفها غير ذات صلة، بالتمييز بين أشكال الدولة (إّل ابقدر ما قد تعوق "المجتمعات القوية" في أنظمة الحكم الليبرالي الديمقراطي استخدام الدولة للقوة، أو تغليب المصالح الخاصة على المصلحة القومية)، وعادةً ما تولي الجوانَبَ المعياريَة والمؤسسيَةَ للنظام العالمي قيمة ضئيلة. ومن الجهود الرامية إلى توسيع نطاق المنظور الواقعي، ليشمل التباينات في سلطة المعايير والمؤسسات الدولية، نظرية "الاستقرار من خلال الهيمنة" Stability Hegemonic، كما صاغها روبرت كيوهان، التي "ترى أن بنى القوة، القائمة على الهيمنة، التي يسيطر عليها بلد واحد، هي الأشد ملاءمة لتطوير أنظمة دولية قوية، تتّسم قواعدها بقدر نسبي من الدقة، ويجري الامتثال لها على نحو جيد"31. وُتُعدّ حقبة السلام البريطاني Britannica Pax في منتصف القرن التاسع عشر، وحقبة السلام الأميركي Americana Pax في السنوات التي تلت الحرب العالمية الثانية، مث لًاتقليديًا للنظرية التي ناقشها كيوهان. ويبدو أن هذه النظرية قد تأكدت من خلال التراجع في التقيّد بمعايير النظام السائد في القرن التاسع عشر الذي صاحب التدهور النسبي لقوّة الدولة في بريطانيا منذ أواخر القرن التاسع عشر. ويرى أنصار هذه النظرية تدهورًا مماثلًا، منذ أوائل سبعينيات القرن العشرين، في الامتثال لمعايير النظام السائد ما بعد الحرب العالمية الثانية، ويربطون ذلك بالتدهور النسبي لقوّة الولايات المتحدة. وقد اختبر كيوهان هذه النظرية في مجالات قضايا
محددة (منها الطاقة والمال والتجارة)، انطلاقًا من فرضية أن القوّة ليست سلعة قابلة للتحويل Fungible، بل لا بد من تمييزها بحسب السياقات التي تحاول فيها الدولة أن تمارس النفوذ. ويخلص كيوهان إلى أن التغيرات التي طرأت على قوّة الولايات المتحدة، ولا سيما في مجاَل يالتجارة والمال، غير كافية لتفسير التحولات التي حدثت، وينبغي أن تُستكَمَل عن طريق إقحام عوامل سياسية واقتصادية وثقافية داخلية. قد تبدأ مقاربةٌ بديلةٌ ما بإعادة تحديد ماهية ما ينبغي تفسيره، أي الاستقرار النسبي للنظم العالمية المتعاقبة. ويمكن ذلك عبر المساواة بين الاستقرار ومفهوم الهيمنة الذي يقوم على تلازٍمٍ منسجم، أو مواءمة، بين تكوين القوة المادية، والصورة الجماعية السائدة للنظام العالمي (بما في ذلك معايير معينة) ومجموعة من المؤسسات التي تدير النظام بقدر معّي نمن السمة الكونية Universality (أي ليس بوصفها أدوات صريحة لسيطرة دولة بعينها.) وفي هذه الصيغة، تكفّ سلطة الدولة عن كونها العامل المفسرر الوحيد، وتصبح جزءًا مما ينبغي تفسيره. وتعالج إعادة صوغ السؤال هذه إحدى الصعوبات الرئيسة في النسخة الواقعية التي أشار إليها كيوهان وآخرون، ألا وهي كيفية تفسير إخفاق الولايات المتحدة في إقامة نظام عالمي مستقر في حقبة ما بين الحربين، على الرغم من تفوّقها الواضح في القوة. فإذا تصادفت سيطرة دولة واحدة مع نظام مستقر في بعض الأحيان، وليس في أحايين أخرى، عندئذ قد يكون من الجدير إمعان النظر على نحو أقرب في ما يعنيه الاستقرار، وعلى نطاق أوسع في ما قد يشكّل شروطًا كافيةً لتحقيقه. وقد تكون سيطرة دولة قوية شرطًا ضروريًا للهيمنة، لكنها ليست شرطًا كافيًا لها. تستوفي حقبة السلام البريطاني وحقبة السلام الأميركي أيضًا تعريف الهيمنة المعاد صوغه. ففي منتصف القرن التاسع عشر، قامت الهيمنة البريطانية على العالم على قوّتها البحرية التي بقيت بمنأى عن أي تحٍّدٍ من دولة قارية، وذلك نتيجة قدرة بريطانيا على الاضطلاع بدور الموازن ضمن توازن القوى الأوروبي الذي اتّسم بسيولة نسبية. وقد حظيت معايير الاقتصاد الليبرالي (التجارة الحرة، ومعيار الذهب، وحرية حركة رأس المال والأشخاص) بقبول واسع مع انتشار هيبة بريطانيا، ما وفّر أيديولوجيا ذات سمة كونية تمثّل هذه المعايير بوصفها أساسًا لتناغم المصالح. وعلى الرغم من غياب مؤسسات دولية رسمية، فإن الفصل الأيديولوجي بين الاقتصاد والسياسة يعني أنّ المدينة City 32 يمكن أن تظهر بمظهر المدير والمنِّظِم وفقًا لهذه القواعد الكونية، في حين بقيت قوة بريطانيا البحرية في الخلفية، بوصفها قوَةَ إنفاٍذٍ محتَمَلة. وقد طرأ تحوّل على هذه البنية التاريخية في أبعادها الثلاثة إبان الحقبة الممتدة بين الربع الأخير من القرن التاسع عشر والحرب العالمية الثانية. وتراجعت القوة البريطانية تراجعًا نسبيًا خلال هذه الحقبة، وفقدت تفوّقها البحري الذي كان بلا منازع، مع التحدي الذي راح يمثّله الألمان أولًا، ثم مع صعود القوة الأميركية؛ فتعثرت الليبرالية الاقتصادية من جراء صعود النزعة الحمائية Protectionism، والإمبريالية الجديدة، وفي خاتمة المطاف مع نهاية غطاء الذهب؛ وانهارت المحاولة المتأخرة والفاشلة للمأسسة الدولية عبر عصبة الأمم، التي لم تسندها قوة مهيمنة أو أيديولوجيا تحظى بقبول واسع، في عالم ينتظم على نحو متزايد في تكتلاِتِ قوى متنافسة. لقد اتّسم تكوين القوة في حقبة السلام الأميركي بقدر أكبر من الصلابة، مقارنة بما كانت عليه حال الهيمنة في الحقبة السابقة؛ إذ اتخذ شكل تحالفات (تعتمد كلها على قوة الولايات المتحدة) أ نشئت بغرض احتواء الاتحاد السوفياتيي. وهيّأ تحقيق الاستقرار في تكوين القوة هذا الشروط المواتية لانبثاق اقتصاد عالمي، تؤدي فيه الولايات المتحدة دورًا مماثلًالذلك الذي اضطلعت به بريطانيا في منتصف القرن التاسع عشر. ونادرًا ما كانت الولايات المتحدة في حاجة إلى التدخل مباشرةً دعمًالمصالح قومية محددة؛ وذلك عن طريق الحفاظ على قواعد النظام الاقتصادي الدولي وفقًا لليبرالية بريتون وودز المنقحة. وكانت قوة الشركات الأميركية المنخرطة في السعي لتحقيق الأرباح كافية لضمان استمرار القوّة القومية. وقد أنتجت حقبة السلام الأميركي عددًا أكبر من المؤسسات الدولية الرسمية، مقارنة بما أنتجته حقبة الهيمنة السابقة. وتلاشى الفصل بين السياسة والاقتصاد الذي شهده القرن التاسع عشر بفعل تجربة الكساد الكبير وصعود المبادئ الكينزية. ولمّا باتت الدول تضطلع الآن بدور علني مشروع وضروري في إدارة الاقتصادات القومية، فقد أصبح لزامًا إضفاء الطابع المتعدد الأطراف على التسيير الإداري للاقتصاد الدولي، ومنحه سمة ما بين حكوماتية.Intergovernmental يمكّن تصوّر فكرة الهيمنة، بوصفها تحقق المواءمة بين القوّة والأفكار والمؤسسات، من معالجة بعض المشكلات القائمة في نظرية سيطرة الدولة بوصفها الشرط الضروري لقيام نظام دولي مستقر؛ إذ يتيح ذلك فْهَْمَ حالات التقدّم والتأخّر Leads and Lags في الهيمنة. وعلى سبيل المثال، كان الحنين إلى هيمنة القرن التاسع عشر جذابًا جدًا، إلى درجة أن البعد الأيديولوجي لحقبة السلام البريطاني ازدهر مدة طويلة بعد تلاشي تكوين القوّة الذي كان يسنده. وقد بُِذِلت، خلال حقبة ما بين الحربين، جهود متواصلة، لكنها لم تكن مجدية في نهاية المطاف، لإنعاش اقتصاد عالمي ليبرالي مقترن بمعيار الذهب. واستمرت السياسة البريطانية، حتى في حقبة ما بعد الحرب، في منح مشكلات ميزان المدفوعات أولوية على اعتبارات التنمية الصناعية
الوطنية والتوظيف33. ويتجلى أحد الأمثلة الرئيسة على ذلك في حالة الولايات المتحدة؛ إذ كانت مؤشرات نموّ القوّة المادية إبان حقبة ما بين الحربين غير كافية للتنبؤ بظهور هيمنة جديدة. وكان من الضروري أن يرى قادة الولايات المتحدة أنفسهم، على المستوى الأيديولوجي، بوصفهم الضامنين الضروريين لنظام عالمي جديد. وقد حقق عهد فرانكلين روزفلت هذا التحول، بما في ذلك القطيعة الواعية مع الهيمنة القديمة (مثلًامن خلال إحباط المؤتمر الاقتصادي العالمي عام 1933 والتخّل يعن معيار الذهب) والإدماج التدرجي لمبادئ الصفقة الجديدة Deal New في الأساس الأيديولوجي للنظام العالمي الجديد. وتبع ذلك المبادرات الأميركية الرامية إلى إنشاء مؤسسات لإدارة هذا النظام34. ويحذّر المركنتيليون الجدد في الولايات المتحدة الآن من خطر تكرار الخطأ البريطاني، ويحثّون صنّاع السياسات الأميركيين على عدم الاستمرار في العمل وفق عقائد ملائمة لحقبة السلام الأميركي، في وقت لم تعد الولايات المتحدة قادرة على الاضطلاع بدور الضامن لنظام عالمي كوني. وتؤكد جهودهم المقنعة نقطة مفادها أن الأيديولوجيا في هذه المسائل هي مجال حاسم للفعل، ينبغي فهمه عبر ترابطه مع علاقات القوة المادية.
خامسًا: القوى الاجتماعية والهيمنة والإمبريالية
حين ثَل الهيمنة بوصفها تلازمًا بين القوى المادية والأيديولوجيا والمؤسسات، فإنها تبدو كأنها تفسح المجال أمام نظرية دورية للتاريخ؛ إذ تتلاءم الأبعاد الثلاثة معًا في أزمنة وأمكنة بعينها، وتتفكك في أزمنة وأمكنة أخرى. ويذكّر هذا بتصورات أقدم عن الفضيلة، أو روح العصر، التي ترتحل من شعب إلى آخر. ويشير هذا القياس إلى أمر لا يزال عصيّا على التفسير. فما ينقص هنا هو نظرية تبّي نكيفية تشكيل هذا التلازم وانفصامه، وتوضح أسباب ذلك. وأزعم أن تفسير ذلك يمكن البحث عنه في حيّز القوى الاجتماعية التي تتشكل بفعل علاقات الإنتاج. ينبغي عدم التفكير في القوى الاجتماعية بوصفها قائمة على وجه الحصر في نطاق الدول. فقد تتخطى قوى اجتماعية بعينها حدود الدول، ويمكن وصف البنى العالمية من حيث القوى الاجتماعية، بقدر ما يمكن وصفها بأنها تكوينات من سلطة الدولة. ويمكن تمثيل العالم على أنه نمط من أنماط القوى الاجتماعية المتفاعلة التي تضطلع فيها الدول بدور الوسيط، وإن كان مستقلًانسبيًا، بين البنية العالمية للقوى الاجتماعية والتكوينات المحلية من القوى الاجتماعية داخل بلدان بعينها. ويمكن تسمية ذلك منظور ناشئة الاقتصاد السياسي للعالم؛ إذ يجري فهم القوة بوصفها من العمليات الاجتماعية، لا بوصفها معطى ناجزًا في شكل قدرات مادية متراكمة، أي بوصفها نتيجة لتلك السيرورات (وبإعادة صوغ عبارة ماركس، يمكن المرء أن يصف هذه الأخيرة بما يعدّه المنظور الواقعي الجديد "نزعة لتشيئة القوة"، أو "نزعة لتحويل القوة إلى صنم" Power of)Fetishism35. ومن أجل بلوغ منظور الاقتصاد السياسي، ننتقل من تحديد الخصائص البنيوية للنظم العالمية، بوصفها تكوينات من القدرات المادية والأفكار والمؤسسات (الشكل 1)، إلى تفسير أصولها وتطوّرها وانحلالها بالعودة إلى علاقات الترابط بين المستويات الثلاثة للبنى (الشكل.)2 ما من اكتشاف عظيم، بطبيعة الحال، في أن نخلص، من منظور الاقتصاد السياسي، إلى أن حقبة السلام البريطاني استندت إلى صعود رأسمالية التصنيع في اقتصاد التبادل الدولي، الذي كانت بريطانيا مركزه؛ وإلى القوة الاجتماعية والأيديولوجية، في بريطانيا، وفي أجزاء أخرى في شمال غرب أوروبا، التي ميّزت الطبقة التي استمدت ثروتها من التصنيع. ولم تكن البرجوازية الجديدة في حاجة إلى
السيطرة المباشرة على الدول؛ إذ أضحت قوّتها الاجتماعية بمنزلة المقدّمة المنطقية التي قامت عليها سياسة الدولة36. ويمكن أيضًا تفسير زوال هذا النظام القائم على الهيمنة من خلال تطور القوى الاجتماعية. فقد عبّأت الرأسمالية قوة عاملة صناعية في البلدان الأكثر تقدّمًا، وكان العمال الصناعيون يؤثّرون منذ الربع الأخير من القرن التاسع عشر في بنية الدولة في تلك الدول. وكان إدماج هؤلاء العمال في الأمة، وهم القوة الاجتماعية الجديدة التي برزت إلى حيز الوجود بفعل الرأسمالية الصناعية، ينطوي على توسيع نطاق فعل الدولة في شكل تدخّل اقتصادي وسياسة اجتماعية. وأقحم هذا عامل الرفاه المحلي (أي الحد الأدنى الاجتماعي المطلوب بغية الحفاظ على ولاء العمال) في مجال السياسة الخارجية. وتنافست الادعاءات بشأن الرفاه مع متطلبات الأممية الليبرالية في إدارة الدول؛ ففي حين أن الأولى قد ترسخت بوصفها ذات طابع حمائي، فإن الإمبريالية الجديدة ونهاية معيار الذهب في خاتمة المطاف مَّثَلتا التراجع الطويل الأمد للأممية الليبرالية37. واسُتُبدل، على نحو بطيء، شكُلُ الدولة الليبرالي بشكل دولة الرفاه القومية. لم يغّي رانتشار التصنيع، وتعبئة الطبقات الاجتماعية التي أنشأها، من طبيعة الدولة فحسب، بل أحدث أيضًا تغيرًا في التكوين الدولي لقوّة الدولة، مع تجاوز منافسين جدد ريادة بريطانيا. وكانت النزعة الحمائية، بوصفها وسيلةً لبناء قوّة اقتصادية مماثلة لقوة بريطانيا، بالنسبة إلى هذه الدول الصناعية الجديدة أكثر إقناعًا من النظرية الليبرالية للميزة النسبية. وكانت الإمبرياليات الجديدة للقوى الصناعية الكبرى بمنزلة إسقاط خارجي للإجماع القومي بشأن الرفاهية الذي تشَّكَل بين قوى اجتماعية داخل الدول أو تحقق فيها. ومع تراجع التفوق المادي للاقتصاد البريطاني وجاذبية أيديولوجيا الهيمنة على حد سواء، أفسح النظام العالمي القائم على الهيمنة، الذي شهده منتصف القرن التاسع عشر، المجال أمام تكوين من كتل قوى متنافسة غير قائم على الهيمنة. بناءً عليه، تُعدّ الإمبريالية مفهومًا فضفاضًا إلى حٍدٍ ما، ويتعّي نفي الممارسة تعريفه في ضوء كل حقبة تاريخية على حدة. ولا طائل البتة من البحث عن أيّ "جوهر" للإمبريالية يتجاوز الأشكال التي تتّخذها علاقات السيطرة والتبعية في مختلف بنى النظام العالمي المتعاقبة. وأما الشكل الفعلي للإمبريالية، سواء أجرى تفعيله بوساطة الدول، أم بوساطة قوى اجتماعية (مثل إدارات الشركات المتعددة الجنسيات)، أم عبر توليفة من الاثنتين معًا، وسواء أكانت الهيمنة سياسية في المقام الأول أم اقتصادية، فهي مسألة ينبغي تحديدها من خلال التحليل التاريخي، لا من خلال منطق الاستدلال الاستنباطي. لقد دمجت الرأسمالية التوسعية التي شهدها منتصف القرن التاسع عشر، معظم أنحاء العالم في اقتصاد دولي قائم على علاقات التبادل، وكانت لندن مركزًا له. وكانت الإمبريالية الليبرالية في هذه المرحلة، إلى حٍدٍ بعيد، غير آبهة بمسألة ما إذا كانت البلدان الطرفية مستقلة رسميًا أم خاضعة للسيطرة السياسية والإدارية لسلطة استعمارية ما، ما دامت ممتثلة لقواعد الاقتصاد الدولي38. واتّخذت كندا والأرجنتين، على سبيل المثال، مواقف مماثلة من ناحية القيمة الحقيقية، على الرغم من أن إحداهما كانت في وضع المستعمرة، بينما كانت الأخرى مستقلة. وفي مرحلة الإمبريالية الليبرالية، أبقت السلطات المحلية التي غالبًا ما كانت ما قبل رأسمالية في علاقتها بعملية الإنتاج (مثل الحكام التقليديين القائمين على الزراعة)، بلدانها ضمن النظام التجاري. وبدأت إبان المرحلة الثانية، أو ما يسمّى الإمبريالية الجديدة في أعقاب سبعينيات القرن التاسع عشر، سيطرُة الدولِةِ المباشرة تحلّ محل الأنماط الأقل رسمية، التي ميّزت الحقبة التجارية السابقة. وتحت هذه المظلة السياسية، اخترقت علاقاُت الإنتاج الرأسماليُةُ المناطَقَ الطرفية على نحو أشمل، ولا سيما في مجال استخراج المواد الخام وتشييد البنى التحتية (من طرق وسكك حديد وموانئ وإدارات تجارية وحكومية)، اللازمة لربط المستعمرات على نحو أوثق بالمتروبول. لقد أدت علاقات الإنتاج الرأسمالي إلى ظهور قوى اجتماعية جديدة في المناطق الطرفية. وقيّض للقادمين من الخارج أن يضطلعوا بأدوار مهمة في المجتمعات المحلية، فعمل بعضهم وكيلًاللإدارة الاستعمارية ولرأس المال الضخم القادم من المتروبول، وزاول بعضهم الآخر أعمالًاتجارية أصغر، فملؤوا الفراغات القائمة بين رأس المال الضخم والإنتاج المحلي التقليدي (على سبيل المثال، الصينيون في جنوب شرق آسيا، أو الهنود في شرق أفريقيا، أو اللبنانيون في غرب
أفريقيا.) وغالبًا ما كانت القوى العاملة المحلية قليلة العدد، وفي وضع أفضل ماديًا من غالبية السكان، وجرى استيعابها في الإنتاج الرأسمالي. وكانت هذه المجموعة الاستراتيجية من الناحية السياسية تعارض رأس المال في القضايا المتعلقة بالأجور والعمالة، لكنها تتواءم معه في ما يتعلق بتطوير قطاع الإنتاج الرأسمالي. وفي الوقت نفسه، نشأت برجوازية صغيرة من السكان الأصليين، فراحت تشغل وظائف ثانوية في الإدارة الاستعمارية والمشروعات القائمة في المتروبول، فضلًاعن أعمال تجارية صغيرة محلية. وانبثق جهاز حكومي محلي في سياق الوصاية الاستعمارية، يشجع علاقات الإنتاج الجديدة باستخدام طرائق تراوح بين فرض العمل القسرري، أو ضريبة الرأس بوصفها وسيلةً لتوليد القوة العاملة، وصولًاإلى استنساخ بعض مؤسسات وإجراءات علاقات العمل الصناعية في المتروبول في سياق استعماري. إن وجود هذه القوى الاجتماعية الجديدة، أي العمال والبرجوازية الصغيرة، في الأقاليم المستعمرة، التي يمكن أن تتوافق بشأن برنامج سياسي قومي، إضافة إلى إدخال الإدارة الاستعمارية عناصَرَ جهاز الدولة الحديث (كان التحكم فيه يمكن أن يكون هدفًا لهذا البرنامج)، وضعا الأساس للثورة المناهضة للاستعمار، التي اجتاحت العالم الاستعماري بعد الحرب العالمية الثانية. وقد ناهضت هذه الحركة السيطرة الإدارية الصادرة من المتروبول، لكنها لم تعارض الاندماج المستمر في علاقات الإنتاج والتبادل الرأسمالية. وحجب وسم "المناهض للإمبريالية" الذي أ لِصِ ق بالقوى التي حلّت محل البنى التي أنشأتها المرحلة الثانية، أو ما يسمّى الإمبريالية الجديدة، دوَرَها في تعبيد الطريق نحو حلول مرحلة ثالثة من الإمبريالية. لقد طرح جيمس بيتراس، عبر استخدامه مفهوم نظام الدولة الإمبريالية، عددًا من الأسئلة المتعلقة بالخصائص البنيوية للدول في النظام العالمي الراهن. وتتباين الدولة الإمبريالية المهيمنة والدول التابعة المتعاونة معها من ناحية البنية، وتضطلع بمهمات يكمل بعضها بعضًا في النظام الإمبريالي؛ فهي ليست وحدات من النوع نفسه، بل متفاوتة في القوة، كما يجري تصويره في نموذج مبسّ ط يستند إلى الواقعية الجديدة. وتتمثل السمة البارزة في إطار بيتراس التحليلي في أن الدولة الإمبريالية التي يتناولها ليست الحكومة الأميركية بأسرها؛ بل إنها "تلك الهيئات التنفيذية داخل 'الحكومة' المكَّلَفة بتعزيز توسّع نطاق رأس المال عبر حدود الدول وحمايته"39. وهكذا، يعدّ النظام الإمبريالي أكثر من الدولة، وأقل منها في آن واحد. إنها أكثر من الدولة من ناحية أنها بنية عبر قومية، أو عابرة للحدود، ولديها مركز مهيمن وأطراف تابعة. ويشكّل هذا الجزء من الحكومة الأميركية قلب النظام، جنبًا إلى جنب مع (وقد نفترض هنا التوسع في مؤشرات بيتراس) مؤسسات بين دولية، مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، مرتبطة ارتباطًا عضويًا برأس المال التوسعي، فضلًاعن حكومات متعاونة (أو على الأقل أجزاء منها مرتبطة بالنظام) في أطرافه. وهي أقل من الدولة، بمعنى أن قوى غير إمبريالية، بل حتى مناهضة للإمبريالية، قد تكون حاضرة في أجزاء أخرى من دول المركز والأطراف على حد سواء. وبذلك، تتفكك وحدة الدولة التي تفترضها الواقعية الجديدة، في هذه الصورة؛ وقد يتواصل الصراع من أجل النظام الإمبريالي وضدّه داخل بنى الدولة في المركز والأطراف، وكذلك في ما بين القوى الاجتماعية التي تصطف لدعم النظام أو معارضته. ومن ثمّ، تمثّل الدولة فئة ضرورية، لكنها غير كافية لتفسير النظام الإمبريالي. ويصبح هذا النظام نفسه نقطة الانطلاق في البحث والتحليل. يُعدّ النظام الإمبريالي بمنزلة بنية نظام عالمي تستمد الدعم من تكوين بعينه من القوى الاجتماعية، القومية منها وعبر القومية، ودول المركز ودول الأطراف. ويتعّي نالحذر من الانزلاق إلى لغة التشييء Reification عند الحديث عن البنى؛ فهي قيود تعوق الفعل، وليست فاعلين في حد ذاتهم. ويشتمل النظام الإمبريالي على بعض المنظمات الرسمية وشبه الرسمية على مستوى النظام، التي يمكن بوساطتها ممارسة الضغوط على الدول من دون أن تستولي هذه المنظمات فعلًاعلى سلطة الدولة. ومع ذلك، فإن سلوك دول بعينها أو مصالح اقتصادية واجتماعية منظمة، لا يجد معناه إّل اداخل الكلية الأوسع للنظام الإمبريالي. وتتشكّل الأفعال إمّا مباشرةً بفعل ضغوط تُسِقِطها البنية عبر النظام، وإما على نحو غير مباشر عبر وعي الفاعل الذاتيي بالقيود التي يفرضها النظام. ومن هنا، لا يمكن المرء أن يروم فهم النظام الإمبريالي عن طريق اختزال الإمبريالية في الفاعلين، سواء أكانوا دولًاأم شركات متعددة الجنسيات؛ فكلتاهما عنصر مهيمن في النظام، لكن النظام بوصفه بنية، هو أكثر من مجموعهما. وعلاوة على ذلك، لا بد للمرء من أن يحترس من إغفال مبدأ الديالكتيك من خلال المغالاة في التشديد على قوة إحدى البنى واتّساقها، حتى وإن بلغت درجة عالية من السيطرة. وحينما تكون إحدى البنى قائمة على الهيمنة، فإن النظرية النقدية تدفع المرء إلى البحث عن بنية مضادة Counter- structure، حتى لو كانت كامنة، من خلال تقّص يقواعد دعمها المحتَمَلة وعناصر تماسكها. من الأفضل، في هذه المرحلة، العودة إلى المصطلحات السابقة التي كانت تشير إلى بنى النظام العالمي، القائمة وغير القائمة على الهيمنة. وينطوي استخدام مصطلح "إمبريالي"، عند الحديث عن حقبة السلام الأميركي، على مخاطر حجب الفارق المهم بين الأنظمة العالمية القائمة وغير القائمة على الهيمنة من ناحية، والخلط بين أنواع الإمبريالية
المتباينة من الناحية البنيوية من ناحية أخرى (مثل الإمبريالية الليبرالية، والإمبريالية الجديدة أو الاستعمارية، والنظام الإمبريالي الذي عرضناه آنفًا.) والحجة المطروحة هنا هي أن حقبة السلام الأميركي كانت قائمة على الهيمنة؛ إذ حظيت بقدر واسع من القبول بين الدول الواقعة خارج المجال السوفياتيي، وكانت قادرة على توفير منافع كافية للعناصر المرتبطة بها والتابعة لها بغية الحفاظ على امتثالها الضمني. وبطبيعة الحال، بدأ هذا القبول يضعف تدريجًا كلما اقتربنا من الأطراف، حيث بقي عنصر القوة باديًا للعيان على الدوام؛ وفي هذه الأطراف في حد ذاتها، أصبح التحدي الإمبريالي الماثل أمام النظام الإمبريالي جلًّيًا أول مرة. وقد أشرنا إلى الكيفية التي تشكّل بها التلازم الخاص بين القوة والأيديولوجيا والمؤسسات التي قامت عليها حقبة السلام الأميركي. وبما أنّ المسألة العملية المطروحة اليوم تتمثل في معرفة ما إذا كانت حقبة السلام هذه قد تفككت إلى غير رجعة أم لا. وإذا كان الأمر كذلك، فما الذي يمكن أن يحلّ محلها؟ ثمة سؤالان يستحقان الاهتمام: 1) ما آليات الحفاظ على الهيمنة في هذه البنية التاريخية بعينها؟ و 2) ما القوى الاجتماعية و/ أو أشكال الدولة التي تولّدت داخلها، والتي يمكن أن تناهضها وتفضي في نهاية المطاف إلى إحداث تحوّل فيها؟
سادسًا: تدويل الدولة
ثمة إجابة جزئية عن السؤال الأول، تتعلق بتدويل الدولة. فقد كانت المبادئ الأساسية لحقبة السلام الأميركي مماثلة لتلك التي قامت عليها حقبة السلام البريطاني، من حرية نسبية في حركة السلع ورأس المال والتكنولوجيا، ومستوى معقول من قابلية أسعار الصرف للتنبؤ. ويمكن حسبان قناعة كورديل هال Hull Cordell، بأنّ عالمًا تجاريًا مفتوحًا كان شرطًا ضروريًا للسلام، بمنزلة النص الأيديولوجي لهذا التصور، مدعومًا بالثقة بالنمو الاقتصادي وزيادة مستويات الإنتاجية إلى ما لا نهاية، بوصفهما يمّثلّان الأساس لتخفيف حدّة الصراع والسيطرة عليه. ومع ذلك، فقد جرت مأسسة الهيمنة في مرحلة ما بعد الحرب على نحو أشمل مما كانت عليه الحال في حقبة السلام البريطاني، وتتمثل الوظيفة الرئيسة لمؤسساتها في التوفيق بين الضغوط الاجتماعية المحلية ومتطلّبات الاقتصاد العالمي؛ إذ أ نشئ صندوق النقد الدولي لتقديم قروض إلى البلدان التي تعاني عجزًا في ميزان المدفوعات من أجل إتاحة الوقت أمامها لإجراء التعديلات اللازمة، وتجنّب آثار الانكماش الحادة الناجمة عن معيار الذهب الذي يتّسم بالآلية. وأما البنك الدولي، فقد أنيط به أن يكون أداةً لتقديم المساعدات المالية الطويلة الأجل. وكان من المفترض أن يتوّل ىالنظام بنفسه تقديم المساعدة إلى البلدان الضعيفة اقتصاديًا، إما مباشرة بوساطة مؤسسات النظام، وإما عن طريق دول أخرى معتَمَدة اسميًا من خلال مؤسسات النظام. وقد ضمّت هذه المؤسسات آليات للإشراف على تطبيق معايير النظام، ولجعل المساعدة المالية مشروطة فعليًا بتوافر قرائن معقولة على نيّة التقيّد بالمعايير. اسُتُكِمِلت آلية المراقبة هذه، في حالة الحلفاء الغربيين في البدء، لتشمل لاحقًا البلدان الرأسمالية الصناعية كلها، بآلية مفصّلة لمواءمة السياسات الوطنية. واسُتُهلّت هذه الإجراءات بالنقد المتبادل لخطط إعادة الإعمار في بلدان أوروبا الغربية (الشرط الذي فرضته الولايات المتحدة على صناديق المعونة بموجب خطة مارشال)، واستمرت في تطوير إجراءات المراجعة السنوية في منظمة حلف شمال الأطلسي "الناتو" (التي تناولت برامج الدفاع ودعم الدفاع)، وأصبحت لاحقًا ممارسةً مكتسبةً من خلال المشاورات المتبادلة والمراجعة المتبادلة للسياسات الوطنية (عبر منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD وغيرها من الوكالات الأخرى.) لقد تجاوز مفهوم الالتزام الدولي نطاق عدد ضئيل من التعهدات الأساسية، مثل مراعاة مبدأ الدولة الَأ ولْى بالرعاية أو الحفاظ على سعر صرف متفق عليه، ليغدو إقرارًا عامًا بأن تدابير السياسات الاقتصادية الوطنية تؤثّر في بلدان أخرى، وأن هذه العواقب ينبغي أن تؤخذ في الحسبان قبل اعتماد السياسات الوطنية. وفي المقابل، ينبغي لبلدان أخرى أن تتفهم على نحو كاٍفٍ الصعوبات التي تواجه أحد البلدان، بما يسمح بالقبول بحالات استثنائية قصيرة الأجل. وهكذا، بات يُنظر إلى التعديلات بوصفها استجابة لاحتياجات النظام ككل، لا رضوخًا لإرادة البلدان المسيطرة عليه. وبهذا المعنى، جرى تدويل الضغوط الخارجية المفروضة على السياسات الوطنية. وبطبيعة الحال، كان مثل هذا المسار الُمُدَّوَل لصنع السياسات يفترض مسبقًا وجود بنيةٍ للقوة تحتل فيها الوكالات المركزية للحكومة الأميركية موقعًا مسيطرًا. لكن هذه البنية لم تكن بالضرورة هرمية على نحو كامل، تعمل فيه مسارات السلطة من أعلى إلى أسفل فحسب، كما لم تتشكل وحدات التفاعل فيه من دول قومية كاملة. لقد كانت بنيةً للقوة، تسعى للحفاظ على التوافق عبر التفاوض، وكانت وحدات التفاوض فيها أجزاء من الدول. وقد أخذت الأطراف في الحسبان ضمنًا القوة الكامنة وراء المفاوضات. أضحت ممارسة مواءمة السياسات عادة راسخة، إلى درجة أنه عندما لم تعد المعايير الأساسية للسلوك الاقتصادي الدولي تبدو صالحة، كما حدث في سبعينيات القرن العشرين، جرى تعزيز إجراءات التكيّف
المتبادل للسياسات الاقتصادية الوطنية، إن جاز القول. وفي سياق غياب معايير واضحة، بدت الحاجة إلى التكيّف المتبادل آخذة في التعاظم40. يمكن مقارنة بنى الدولة الملائمة لعملية مواءمة السياسات هذه ببنية دولة الرفاه القومية التي شهدتها الحقبة السابقة. وقد اتخذت قومية الرفاه شكل التخطيط الاقتصادي على المستوى الوطني، وسعت للتحكم في الآثار الاقتصادية الخارجية في الاقتصاد الوطني. وبغية جعل التخطيط الوطني فع لًا، نشأت بنى تشاركية Corporative في معظم الدول الصناعية المتقدمة بغرض إدخال الصناعة، وكذلك العمالة المنظمة، في المشاورات مع الحكومة خلال صوغ السياسات وتنفيذها. ويمكن البنى التشاركية الوطنية والصناعية وَْضْ ع عوائق حمائية أو تقييدية أمام إجراءات التكيّف التي تتطلبها ملاءمة الاقتصادات الوطنية مع الاقتصاد العالمي في سياق نظام قائم على الهيمنة. ومثّلت النزعة الكوربوراتية Corporatism على المستوى الوطني استجابة للظروف التي كانت سائدة في فترة ما بين الحربين؛ فأصبحت موَّحَدة من الناحية المؤسسية في أوروبا الغربية، بينما كانت البنية العالمية آخذة في التحول نحو نمط غير ملائم للنزعة الكوربوراتية القومية. تمنح عملية تدويل الدولة الأسبقيَةَ لوكالات حكومية بعينها، ولا سيما وزارات المالية ومكاتب رؤساء الوزراء، وتلك نقاط محورية في مواءمة السياسات الاقتصادية المحلية مع السياسة الاقتصادية الدولية. وتنحو وزارات الصناعات ووزارات العمل ومكاتب التخطيط، التي أ نشئت في سياق النزعة الكوربوراتية القومية، إلى أن تكون خاضعة للأجهزة المركزية للسياسات العامة المدَّوَلة. ومع تزايد اندماج الاقتصادات الوطنية في الاقتصاد العالمي، كانت المشروعات الأكبر حجمًاوالأكثر تقدمًا من الناحية التكنولوجية هي الأقدر على التكيّف على أكمل وجه مع الفرص الجديدة. وقد نشأ محور جديد للنفوذ، يربط الشبكات الدولية المعنية بالسياسات، بالوكالات الحكومية المركزية الرئيسة، وبالشركات الكبرى. وقد طغت هذه البنية التشاركية غير الرسمية الجديدة على النزعة الكوربوراتية القومية الأقدم التي يغلب عليها الطابع الرسمي، وعكست سيطرة القطاع الموجّه نحو الاقتصاد العالمي على حساب القطاع الأكثر توجّهًا نحو المستوى الوطني في اقتصاد أيّ بلد41.
لا يقتصر تدويل الدولة، بطبيعة الحال، على بلدان المركز الرأسمالية المتقدمة؛ إذ لن يكون من العسير وضع لائحة بحالات حديثة في البلدان الطرفية، حيث تملي مؤسسات الاقتصاد العالمي، غالبًا بوصف ذلك شرطًا لتجديد الديون، سياساٍتٍ لا يمكن أن تستمر إّل اعن طريق تحالف من القوى المحافظة. وُتُعدّ تركيا وبيرو والبرتغال من بين تلك الدول التي تضررت جراء ذلك في الآونة الأخيرة. وأما في حالة زائير، فقد اشترط مؤتمر للدائنين تعيين مسؤولين من صندوق النقد الدولي داخل الوزارات الرئيسة في الدولة للإشراف على الوفاء بشروط تجديد الديون42.
سابعًا: تدويل الإنتاج
يرتبط تدويل الدولة بتوسع نطاق الإنتاج الدولي. ويدل ذلك على تكامل عمليات الإنتاج على نطاق عابر للحدود؛ إذ يُصار إلى تنفيذ مراحل مختلفة من عملية إنتاج واحدة في دول مختلفة. ويضطلع الإنتاج الدولي اليوم بدور مَُشَِّكِل Formative لبنية الدول والنظام العالمي، وهو دور سبق أن اضطلع به رأس المال الصناعي والتجاري الوطني في منتصف القرن التاسع عشر. ويتوسع نطاق الإنتاج الدولي عبر الاستثمار المباشر، في حين أن الإمبريالية الريعية التي كتب عنها هوبسون Hobson ولينين Lenin، كانت تتخذ أساسًا شكل الاستثمار في المحافظ المالية Investment Portfolio. وفي سياق الاستثمار في المحافظ، كانت السيطرة على الموارد الإنتاجية المموّلة من عقد الصفقات تنتقل، ومعها ملكيتها، إلى المقترض. وأما عند الاستثمار المباشر، فتكون السيطرة متأصلة في عملية الإنتاج نفسها، وتبقى في يد صاحب الاستثمار. ولا تكمن السمة الأساسية للاستثمار المباشر في حيازة المال، بل في امتلاك المعرفة، وذلك على شكل تكنولوجيا، خاصة القدرة على مواصلة تطوير تكنولوجيا جديدة. وقد تتفاوت الترتيبات المالية المتعلقة بالاستثمار المباشر تفاوتًا كبيرًا، لكن تخضع كلها لذلك العامل الحاسم، المتمثل في التحكم التقني. وقد تتخذ الترتيبات شكل شركات تابعة مملوكة بالكامل، أو مشروعاٍتٍ مشتركة مع رأس مال محلي تقدّمه الحكومة أحيانًا في الدول المضيفة، أو عقود إدارةٍ للمشروعات المملوكة للدولة، أو اتفاقياٍتٍ للتعويض مع المشروعات الاشتراكية، تقضي في المقابل بتوفير التكنولوجيا، فتصبح مؤسسات الأعمال هذه بمنزلة المورد للعناصر في عملية إنتاج منظمة على الصعيد الدولي، يجري التخطيط لها وإدارتها من خلال مصدر التكنولوجيا. وُتُعّد الملكية الرسمية أقل أهمية من الطريقة التي يجري بها دمج مختلف العناصر في نظام الإنتاج. يشير الاستثمار المباشر في ما يبدو إلى سيطرة رأس المال الصناعي على المالي. وُتُعدّ الشركات الكبرى المتعددة الجنسيات التي تتوسع من خلال الاستثمار المباشر، ذاتية التمويل إلى حٍدٍ ما؛ وبقدر ما تعجز عن ذلك، فإنها تبدو قادرة على تعبئة رأس المال بطرائق عديدة، وذلك عبر أسواق رأس المال المحلية (حيث تكون جدارتها الائتمانية أفضل من جدارة روّاد الأعمال الوطنيين)، أو عن طريق أسواق العملة الأوروبية الموحدة، أو عبر ضخّ رؤوس الأموال من الشركات المتعددة الجنسيات الأخرى المرتبطة باتفاقيات التكنولوجيا والإنتاج، أو بفضل الإعانات الحكومية، وما إلى ذلك. وعلى الرغم من هذا، فإن رأس المال المالي، ولا سيما منذ سبعينيات القرن العشرين، يبدو أنه آخذ في العودة إلى الصدارة من خلال عمليات البنوك المتعددة الجنسيات، من دون أن يقتصر ذلك على الشكل القديم للإمبريالية الريعية التي تدير القروض المقَّدَمة للدول الطرفية، بل أيضًا بوصفه شبكة للضبط والتخطيط الخاص للاقتصاد العالمي القائم على الإنتاج الدولي. وتعمل هذه الشبكة على تقييم مخاطر الاستثمار وتجميعها، وتوزيع فرص الاستثمار بين المشاركين في توسيع نطاق الإنتاج الدولي، أي إنها تؤدي وظيفة ما سّم اه لينين "الرأسمالي الجماعي" Collective Capitalist، في سياق الشروط التي حكمت علاقات الإنتاج في أواخر القرن العشرين.
ثامنًا: الإنتاج الدولي والبنية الطبقية
يعمل الإنتاج الدولي على تعبئة القوى الاجتماعية، ويمكن عن طريق هذه القوى توقّع آثاره السياسية الرئيسة في ما يتصل بطبيعة الدول والنظم العالمية المستقبلية. وثمة مؤشرات، حتى وقت قريب، على وجود طبقات اجتماعية تنضوي ضمن تشكيلات اجتماعية محددة على الصعيد الوطني، على الرغم من المناشدات الخطابية الداعية إلى التضامن الدولي بين العمال. وأما اليوم، فنتيجة للإنتاج الدولي، أصبح من الوجاهة أكثر فأكثر التفكير في بنية طبقية عالمية، جنبًا إلى جنب مع البنى الطبقية الوطنية، أو في حالة تراكب. تتربع الطبقة الإدارية العابرة للحدود القومية على رأس البنية الطبقية العالمية الناشئة؛ وإذ تمتلك هذه الطبقة أيديولوجيتها واستراتيجيتها ومؤسساتها الخاصة بالعمل الجماعي، فإنها تُعدّ طبقة قائمة في حد ذاتها ولذاتها. وتشكّل نقاط ارتكازها
التنظيمية، المتمثلة في اللجنة الثلاثية Committee Trilateral والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، إطارها الفكري وما يتصل به من مبادئ توجيهية متعلقة بالسياسات. ويتغلغل الفعل الطبقي، انطلاقًا من هذه النقاط، في البلدان عبر سيرورة تدويل الدولة. ولا تقتصر عضوية هذه الطبقة العابرة للحدود القومية على أولئك الذين يضطلعون بمهمات على المستوى العالمي، مثل المديرين التنفيذيين للشركات المتعددة الجنسيات، أو كبار مسؤولي الوكالات الدولية، بل تشمل أيضًا أولئك الذين يتولون إدارة القطاعات ذات التوجه الدولي داخل البلدان، ومسؤولي وزارات المالية، والمديرين المحليين للمؤسسات المرتبطة بنظم الإنتاج الدولية، وما إلى ذلك43. لا بد من تمييز الرأسماليين الوطنيين من أولئك المنتمين إلى الطبقة العابرة للحدود القومية. وُتُعدّ النزعة الحمائية الاستجابة الطبيعية لرأس المال الوطني الذي يواجه تحدي الإنتاج الدولي. فهو ممزق ما بين الرغبة في اتخاذ الدولة درعًا لاقتصاد وطني مستقل، واغتنام الفرصة السانحة التي يتيحها الإنتاج الدولي عبر سدّ الثغرات التي يخلّفها، في علاقة تعاضدية تبعية معه. كما عانى العمال الصناعيون تفككًا مزدوجًا. ويكمن أحد مساري الانقسام في التمييز بين العمالة المستقرة والعمالة غير المستقرة. وأما العمال المستقرون، فهم أولئك الذين بلغوا مرحلة من الأمان والاستقرار النسبَييَن في وظائفهم، وتتوافر لديهم بعض فرص الترقي الوظيفي. وهم في الغالب نسبيًا أعلى مهارة، ويعملون لدى مؤسسات أكبر، ولديهم نقابات عمالية فعالة. وعلى النقيض من ذلك، يعاني العمال غير المستقرين انعدام الأمان الوظيفي، ولا يحظون بأي فرصة للارتقاء الوظيفي، وهم أقل مهارة نسبيًا، ويواجهون عقبات كبيرة في إنشاء نقابات عمالية فعالة. وكثيرًا ما يُصار إلى انتقاء العمال غير المستقرين على نحو غير متناسب من الأقليات الإثنية والمهاجرين والنساء الأدنى منزلة. وتنحاز المؤسسات التي تؤطر فعل الطبقة العمالية إلى العمالة المستقرة. ولا تسعى التنظيمات التي يسيطر عليها العمال المستقرون (من نقابات وأحزاب سياسية) لحشد القوى والفعل من أجل العمال غير المستقرين إّل احين تكون أيديولوجيا التضامن الطبقي راسخة، ما يعني عادة أن ذلك لا يمكن أن يجري إّل ا في ظروف يسودها الاستقطاب الأيديولوجي الحادّ والصراع الاجتماعي والسياسي. أما خط الانقسام الثاني بين العمال الصناعيين، فناجم عن الانقسام القائم بين رأس المال الوطني والدولي (أي رأس المال المنخرط في الإنتاج الدولي)؛ إذ يُعدّ العمال المستقرون في قطاع الإنتاج الدولي حلفاء محتملين لرأس المال الدولي. ولا يعني هذا أن هؤلاء العمال ليسوا في صراع مع رأس المال الدولي، بل يعني أن رأس المال الأخير لديه من الموارد ما يمكّنه من حل هذه الصراعات وعزلها عن الصراعات التي تشارك فيها جماعات عمالية أخرى، وذلك عبر إنشاء كوربوراتية على مستوى الشركات Enterprise Corporatism ترى الأطراف المعنية أن مصلحتها المشتركة تكمن في استمرار توسّع نطاق الإنتاج الدولي. يُعدّ العمال المستقرون في قطاع رأس المال الوطني أكثر عرضة لإغراء النزعة الحمائية والكوربوراتية الوطنية (بدلًامن الكوربوراتية المؤسسية) التي يُنظر فيها إلى الدفاع عن رأس المال الوطني والوظائف والمكانة، التي اكتسبها العمال في مؤسسات العلاقات الصناعية، بوصفها منظومة مترابطة44. اكتسبت العمالة غير المستقرة أهمية خاصة في توسيع نطاق الإنتاج الدولي. ويجري تصميم أنظمة الإنتاج على نحو يمِّكِن من الاستفادة من نسبة متزايدة من اليد العاملة شبه الماهرة (التي غالبًا ما تكون غير مستقرة ومؤقتة)، مقارنةً باليد العاملة الماهرة (والمستقرة)45.
وتتيح هذه النزعة في تنظيم الإنتاج للمركز إضفاء طابع لامركزي على الإنتاج المادي الفعلي للسلع، ونقله إلى مواقع طرفية تتوافر فيها إمدادات واسعة من اليد العاملة غير المستقرة والرخيصة نسبيًا، مع الاحتفاظ بسيطرته على العملية الإنتاجية نفسها، وعلى البحث والتطوير اللَذَين يتوقف عليهما مستقبلها. ولما كان الإنتاج الدولي يتوّل ىتعبئة قوى عاملة غير مستقرة في دول العالم الثالث، فقد سعت حكومات تلك الدول مرارًا لإجهاض إمكانية تطوير هذه القوة الاجتماعية الجديدة تنظيمات خاصة بها، ذات وعي طبقي، وذلك من خلال فرض بنى قائمة على كوربوراتية الدولة Corporatism State، في الغالب في صورة نقابات تُنشئها الحكومة أو الحزب السياسي المهيمن وإخضاعها لسيطرتها. ويوفر ذلك أيضًا للحكومات المحلية، عبر سيطرتها على العمالة المحلية، أوراَقَ ضغٍطٍ إضافيةً في تعاملها مع رأس المال الدولي في ما يتّصل بشروط الاستثمار المباشر. وإذا كان العمال الصناعيون في دول العالم الثالث قد أ كرهوا أحيانًا على البقاء في حالة من الخضوع الاجتماعي والسياسي، فقد يثبت ذلك أن كوربوراتية الدولة هي مرحلة تؤَّجَل، تُشِّكِل وعيًا ذاتيًا طبقيًا أشد وضوحًا وتنظيمًا، لكنها لا تحِّيّده على المدى الطويل46. وحتى في حال انتقلت الصناعة بسررعة إلى العالم الثالث وتمكّنت الحكومات المحلية، بصفة عامة، من الإبقاء على سيطرتها على قواها العاملة الصناعية، فإن أوضاع معظم سكان هذه الدول قد لا تشهد أيّ تحسّن يُذَكَر، بل قد تشهد تدهورًا. ويبقى عدد الوظائف الصناعية الجديدة متدنيًا جدًا مقارنة بما تقتضيه الزيادات الطارئة في حجم القوة العاملة، في حين تتسبب التغيرات التي يشهدها مجال الزراعة في تجريد العديد من السكان الريفيين من ممتلكاتهم. وبصرف النظر عن مدى سرعة انتشار الإنتاج الدولي، سيبقى جزء كبير جدًا من سكان العالم في المناطق الأفقر مهمّشًا في الاقتصاد العالمي، من دون عمل أو دخل أو قوة شرائية يستمدونها منها. وتكمن إحدى المشكلات الرئيسة التي تواجه رأس المال الدولي، خلال تطلّعه إلى فرض الهيمنة، في كيفية تحييد أثر هذا التهميش الذي يشمل أعدادًا من البشر تقَّدَر بثلث سكان العالم للحيلولة دون نشوب ثورة يؤججها فقرهم47.
تاسعًا: القوى الاجتماعية وبنى الدولة وآفاق النظام العالمي مستقبلًا
بطبيعة الحال، سيكون من غير الجائز منطقيًا، بل ليس من الحصافة أيضًا، أن تستند التنبؤات بالنظام العالمي المستقبلي إلى الاعتبارات السالفة الذكر. إن فائدتها تكمن بالأحرى في شد الانتباه إلى العوامل التي قد تجعل نظامًا عالميًا آخذًا في التشكّل، يميل في هذا الاتجاه أو ذاك. وُتُعدّ القوى الاجتماعية التي تولّدها تحّولّات عمليات الإنتاج نقطة الانطلاق للتفكير في مستقِبلِات ممكنة. ويمكن أن تتجمع هذه القوى في تكوينات مختلفة، ويمكن المرء على سبيل التمرين أن يأخذ في الحسبان التكوينات الافتراضية التي من المرجّح أن تؤدي إلى ثلاثة مخرجات متباينة في ما يتعلق بمستقبل نظام الدولة. ولا يعني التركيز على هذه المخرجات الثلاثة، بطبيعة الحال، أنّ مخرجاٍتٍ أو تكوينات أخرى من القوى الاجتماعية غير ممكنة. ثمة احتمال أول يتمثل في نشوء هيمنة جديدة تقوم على البنية العالمية للقوة الاجتماعية التي يولّدها تدويل الإنتاج. ويتطلب ذلك توحيد اتجاهين قوَّييَن ومترابَطيَن في الوقت الحالي: استمرار سيطرة رأس المال الدولي على الوطني في الدول الكبرى، واستمرار تدويل الدولة. وتنطوي هذه النتيجة على استمرار النزعة النقدوية Monetarism 48 بوصفها العقيدة السائدة التي تستند إليها السياسات الاقتصادية، مع التأكيد على استقرار الاقتصاد العالمي (بانتهاج سياسات لمكافحة التضخم وتحافظ على استقرار أسعار الصرف)، عوضًا عن تلبية المتطلّبات الاجتماعية والسياسية المحلية (المتمثلة في الحدّ من البطالة، والحفاظ على مستويات الأجور الحقيقية.) إن تكوين القوة ما بين الدول، الذي يمكن أن يحافظ على مثل هذا النظام العالمي، شرط أن تلتزم الدول الأعضاء بهذا النموذج، هو تحالف محوره الولايات المتحدة وجمهورية ألمانيا الاتحادية واليابان، ويحظى بدعم دول أخرى في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، مع استيعاب عدد من دول العالم الثالث الأكثر تصنيعًا، مثل البرازيل، فضلًاعن دول المحافظة الرئيسة والأعضاء في منظمة الدول المصدرة للنفط "أوبك" OPEC، مع إمكانية إحياء سياسة الانفراج Détente، ما يفسح المجال أمام إقامة المزيد من الروابط بين مجال النفوذ السوفياتيي والاقتصاد العالمي القائم على الإنتاج الدولي. وإن التقسيم الدولي الجديد للعمل، الذي نشأ من خلال
التوسع التدرجي للامركزية الصناعة التحويلية في العالم الثالث، بوساطة رأس المال الدولي، يلبّي المطالب المتعلقة بالتصنيع في تلك الدول. وستجري مواجهة الصراع الاجتماعي في دول المركز من خلال النزعة الكوربوراتية المؤسسية، على الرغم من أن هذه المقاربة لن تضمن الحماية للعديد من العمال، ولا سيما غير المستقرين منهم. وأما في الدول الطرفية، فسيجري احتواء الصراع الاجتماعي من خلال مزيج من كوربوراتية الدولة والقمع. لقد أشرنا إلى القوى الاجتماعية المناوئة لهذا التكوين. فرأس المال الوطني، وتلك الشرائح من العمال المستقرين المرتبطة به، والعمال غير المستقرين الذين جرت تعبئتهم حديثًا في العالم الثالث، والمهمشون اجتماعيًا في الدول الفقيرة، جميعها تمثّل قوى مناوئة لرأس المال الدولي وبنى الدولة والنظام العالمي الأكثر انسجامًا مع رأس المال الدولي. بيد أن هذه القوى لا تحظى بأيّ قدر من التماسك الطبيعي في ما بينها، وقد يجري التعامل معها كل على ح دَة، أو تحييدها عبر هيمنةٍ فعالة. وإذا ما اجتمعت في سياق ظروف معيّنة في دولة بعينها، بما يفضي إلى إحداث تغيير في النظام، فإن ذلك البلد قد يجري التعامل معه، عندئذ، بمعزل عن غيره من خلال البنية العالمية. بعبارة أخرى، حين ت منى الهيمنة بالإخفاق داخل دولة بعينها، يمكنها أن تعيد تأكيد نفسها من خلال البنية العالمية. ويتمثل المآل المحتمل الثاني في نشوء بنية عالمية غير قائمة على الهيمنة، مكَّوَنة من مراكز قوى متضاربة. وربما تكون الطريقة الأرجح لتطور هذا المآل هي صعود تحالفات ماركنتالية جديدة Neo-mercantilist تربط بين رأس المال الوطني والعمالة المستقرة في العديد من دول المركز، وعازمة على الانسحاب من الترتيبات التي تستهدف تعزيز رأس المال الدولي وتنظيم السلطة الخاصة بها ورفاهها على أساس وطني، أو ضمن مجال نفوذ خاص بها. وقد يكون الاستمرار في السعي لانتهاج سياسات نقدوية Monetarist السبب الوحيد الأكثر رجحانًا لتطور ردة فعل قائمة على الماركنتالية الجديدة. لقد كان يُنظر إلى هذه السياسات، التي جرى إضفاء الشرعية عليها بوصفها مضادة للتضخم، على أنها تعوق رأس المال الوطني (بسبب ارتفاع أسعار الفائدة)، وتولّد البطالة (عن طريق الركود المخطط له)، وتؤثّر سلبيًا في الفئات الاجتماعية المحرومة نسبيًا والمناطق التي تعتمد على الخدمات الحكومية والمدفوعات التحويلية (جراء خفض النفقات الحكومية لتحقيق توازن في الميزانية.) وسوف يهاجم التحالف المناوئ النزعة النقدوية، لأنها تُخضع الرفاه الاجتماعي الوطني لقوى خارجية، وُتُظهر ثقة واهمة بالأسواق (التي يُنظر إليها على أنها عرضة للتلاعب عبر تحديد الأسعار الذي تتوّل ىالشركات إدارته.) وسيتمثل الشكل البنيوي المرجّح للماركنتالية الجديدة داخل دول المركز في النزعة الكوربوراتية على مستوى الصناعة، وعلى المستوى الوطني، ما سُيُدِخ ل رأس المال الوطني والعمالة المنظمة في علاقة مع الحكومة بغية وضع السياسات الحكومية وتنفيذها. وأما الدول الطرفية، فستحتفظ ببنية مماثلة إلى حٍدٍ بعيد للبنية الواردة في المآل الأول، لكنها ستكون أوثق صلة باقتصاد بلد المركز هذا أو ذاك. أما المآل الثالث، وهو أبعد احتمالًا، فيتمثل في تطوير هيمنة مضادة تستند إلى تحالف من دول العالم الثالث في مواجهة سيطرة دول المركز، وتهدف إلى تحقيق التنمية الذاتية للدول الطرفية وإنهاء العلاقة المبنية على وجود دوِلِ مركٍزٍ ودوِلِ أطراف. وستتشكل هذه الهيمنة المضادة على رؤية متماسكة لنظام عالمي بديل، يدعمه تركيز كاٍفٍ للقوة من أجل الحفاظ على تحٍّدٍ فعلي لدول المركز. ولئن كانت المطالبة بنظام اقتصادي دولي جديد تنبئ بهذا المآل، فإنّ الإجماع السائد على هذا المطلب يفتقر إلى رؤية واضحة بصورة كافية لاقتصاد سياسي عالمي بديل يشكّل هيمنة مضادة. وترتبط الآفاق المستقبلية للهيمنة المضادة إلى حٍدٍ بعيد بالتطور المستقبلي لبنى الدولة في العالم الثالث. إن القوة الاجتماعية المسيطرة في هذه الدول هي التي تُسَّمَى، في العادة، "الطبقة الدولتية" Class State 49، وهي توليفة من المنتمين إلى أحزاب، والبيروقراطيين، والعسكر وقادة النقابات، ومعظمهم من البرجوازية الصغيرة في الأصل، ممن يسيطرون على جهاز الدولة ويسعون من خلاله لزيادة السيطرة على الجهاز الإنتاجي في البلد. ويمكن فهم الطبقة الدولتية بوصفها استجابة محلية للقوى الناتجة من تدويل الإنتاج، ومحاولة ترمي إلى حيازة قدر من السيطرة المحلية على هذه القوى. وأما توجّه الطبقة الدولتية، فغير محدد؛ إذ يمكن أن يكون إما محافظًا وإما راديكاليًا. وقد تساوم على صفقة أفضل داخل الاقتصاد العالمي للإنتاج الدولي، أو قد تسعى لتجاوز التنمية الداخلية غير المتكافئة التي يولّدها رأس المال الدولي. تُعدّ الطبقات الدولتية ذات التوجّه الأول عرضة للإدماج في اقتصاد عالمي جديد قائم على الهيمنة، وللحفاظ على بنى كوربوراتية الدولة بوصفها النظير المحلي لرأس المال الدولي. ويمكن أن يوفر التوجه الثاني الأساس لهيمنة مضادة. ومع ذلك، لا تحافظ الطبقة الدولتية على التوجه الثاني، الأكثر راديكالية، إّل اإذا حظيت بالدعم من أسفل،
في شكل شعبوية Populism حقيقية (لا شعبوية يتلاعب بها القادة السياسيون.) وقد يتكهن المرء بأن هذا التحول يمكن أن يتحقق بفعل تَكَُّشُف الآثار الاجتماعية المترتبة على الإنتاج الدولي، التي تتوالى فصولها، مثل تعبئة قوة عاملة جديدة غير مستقرة، إلى جانب تهميش جزء متزايد من السكان في المناطق الحضرية. ويمكن أن يتخذ البديل الراديكالي شكلًامن أشكال الاستجابة لرأس المال الدولي في دول العالم الثالث، كما يمكن أن تمثّل الماركنتالية الجديدة استجابة مماثلة في الدول الأشد ثراءً. ويبرز كل منهما بنيَةَ دولةٍ ورؤيةً محددة للنظام العالمي.
المراجع
Beloff, Max. New Dimensions in Foreign Policy. London: Allen & Unwin, 1961. Braudel, Fernand. "Histoire et sciences sociales. La longue dureé." Annales. Histoire, Sciences Sociales. vol. 13, no. 4 (Octobre-Decembre 1958). ________. Ecrits sur l'histoire. Paris: Flammarion, 1969. ________. Civilisation matérielle, économie et capitalisme, XVe–XVIIIe siècle. Paris: Armand Colin, 1979. Braverman, Harry. Labor and Monopoly Capital. New York: Monthly Review Press, 1974. Brenner, Robert. "The Origins of Capitalist Development: A Critique of Neo-Smithian Marxism." New Left Review. no. 104 (July-August 1977). Carr, E. H. Nationalism and After. London: Macmillan, 1945. ________. The Twenty Years' Crisis, 1919 - 19 39. London: Macmillan, 1946. Collingwood, R. G. The New Leviathan. Oxford: Oxford University Press, 1942. Connerton, Paul (ed.). Critical Sociology. Harmondsworth: Penguin Books, 1965. Cox, Robert W. "Pour une étude prospective des relations de production." Sociologie du Travail. vol. 2 (1977). Cox, Robert W. & Harold K. Jacobson. The Anatomy of Influence: Decision Making in International Organization. New Haven: Yale University Press, 1972. Diebold, William Jr. Industrial Policy as an International Issue. New York: McGraw-Hill for the Council on Foreign Relations, 1980. Elsenhans, Hartmut. "The State Class in the Third World: For a New Conceptualisation of Periphery Modes of Production." Unpublished manuscript.
Feis, Herbert. Europe the World's Banker, 1870 - 1914. New York: Kelly for the Council on Foreign Relations, 1961. Galbraith, John Kenneth. Economics and the Public Purpose. London: André Deutsch, 1974. Gardner, Richard. Sterling-Dollar Diplomacy: Anglo- American Collaboration in the Reconstruction of Multilateral Trade. Oxford: Clarendon Press, 1956. Gourevitch, Peter A. "The Second Image Reversed." no. 4 vol. 32, Organization. International (Autumn 1978). Gramsci, Antonio. Selections from the Prison Notebooks. Quintin Hoare & Geoffrey Nowell Smith (eds. and trans.). New York: International Publishers, 1971. Harrod, R. F. The Life of John Maynard Keynes. London: Macmillan, 1951. Hobbes, Thomas. Leviathan. Oxford: Clarendon Press,
Hobsbawm, Eric J. The Age of Capital, 1848 - 18 75. London: Sphere Books, 1977. Hoffmann, Stanley. "An American Social Science: International Relations." Daedalus (Summer 1977). Holsti, Ole, Randolph Siverson & Alexander George. Change in the International System. Boulder, CO: Westview Press, 1981. Katzenstein, Peter J. (ed.). Beyond Power and Plenty. Madison: University of Wisconsin Press, 1978. Keohane, Robert O. & Joseph S. Nye. "Transgovernmental Relations and International Organizations." World Politics. vol. 27 (October 1974). ________. Power and Interdependence. Boston: Little Brown, 1977. Krasner, Stephen D. Defending the National Interest: Raw Materials Investments and U.S. Foreign Policy. Princeton: Princeton University Press, 1978. Lichtheim, George. Imperialism. New York: Praeger, 1971. Luckmann, Thomas & Peter L. Berger. The Social Harmondsworth: Reality. of Construction Penguin, 1971. Macdonald, R. St. J. et al. (eds.). The International Law and Policy of Human Welfare. Leiden: Sijthoff & Noordhoff, 1978. Machiavelli, Niccolò. The Discourses. Bernard Crick (ed.). Harmondsworth: Penguin Books, 1970. _______. The Prince. Robert M. Adams (ed.). Norton Critical Edition, 2 nd ed. New York: W. W. Norton, 1977. Mallet, Serge. La nouvelle classe ouvrière. Paris: Seuil, 1963. Mattingly, Garrett. Renaissance Diplomacy. London: Cape, 1955. Meinecke, Friedrich. Machiavellism: The Doctrine of Raison d'État and its Place in Modern History. Douglas Scott (trans.). London: Routledge & Kegan Paul, 1957. Morazé, Charles. Les bourgeois conquérants. Paris: Armand Colin, 1957. Myrdal, Gunnar. Beyond the Welfare State. New Haven: Yale University Press, 1960. Palloix, Christian. L'internationalisation du capital. Paris: Maspero, 1975. Petras, James. "The Imperial State System." Paper presented at the American Political Science Association. Washington, DC, August 1980. Planification et société. Pierre-A. Bélanger & Nizard Lucien (dir.). Grenoble: Presses Universitaires de Grenoble, 1974.
Polanyi, Karl. The Great Transformation. Boston: Beacon Press, 1957. Schlesinger, Arthur M. Jr. The Age of Roosevelt. vol. 2: The Coming of the New Deal. London: Heinemann, 1960. Shonfield, Andrew. Modern Capitalism. London: Oxford University Press, 1965. Skocpol, Theda. "Wallerstein's World Capitalist System: A Theoretical and Historical Critique." American Journal of Sociology. vol. 82, no. 5 (March 1977). ________. States and Social Revolutions. Cambridge: Cambridge University Press, 1979. Thompson, E. P. The Poverty of Theory and Other Essays. London/ New York: Merlin Press, 1978. Vico, Giambattista. The New Science of Giambattista Vico. Thomas Goddard Bergin & Max Harold Fisch (trans.). Ithaca, NY: Cornell University Press, 1970. Wallerstein, Immanuel. "The Rise and Future Demise of the World Capitalist System." Comparative Studies in Society and History. vol. 16, no. 4 (September 1974). ________. The Modern World-System. New York: Academic Press, 1974. ________. World-Systems Analysis: An Introduction. 4 th ed. Durham, NC: Duke University Press, 2004. Waltz, Kenneth N. Man, the State, and War. New York: Columbia University Press, 1959.