مراجعة كتاب الدولة العربية: بحث في المنشأ والمسار

Ahmed Qasem Hussein أحمد قاسم حسين |

عنوان الكتاب: الدولة العربية: بحث في المنشأ والمسار. المؤلف: عزمي بشارة. الناشر: الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. سنة النشر:.2024 عدد الصفحات:.536

Book Review The Arab State: Origins and Trajectory

مقدمة

تتسم أعمال عزمي بشارة بأنها مشاريع بحثية ممتدّة ومتصلة. واعلى الرغم من تعدّد موضوعاتها وتنوّع حقولها، فإنّ خيطًا ناظم يجمع بينها جميعًا، على مستوى الإشكاليات التي تمسّ هموم المجتمعات العربية وتحدّياتها. وقد عالج هذه الإشكاليات من خلال إعادة صياغة الأسئلة الكبرى التي تواجه الفكر العربي المعاصر. وتبرز في هذا المسار منهجيته القائمة على تداخل التخصصات، وهو يرى أن هذا التداخل ليس تقنيًا أو تجميعيًا بين حقول معرفية مختلفة، بل يراه بوصفه تداخلًاللمناهج والمقاربات التفسيرية التي تنتجها زوايا النظر المتعددة. فالمنهج العلمي الحقيقي، كما يحدّده، هو "مقاربة تحليلية تنجم عن نظريةٍ ما" تُطَّبَق على الموضوع المدروس، ولا يقتصر على تجميع أدوات إجرائية منفصلة عن إطارها النظري1. وفضلًاعن ذلك، يتميّز نتاج بشارة بحّس نقدي راسخ مكّنه من مواجهة السائد في التيارات الفكرية العربية والغربية، ودفع النقاش إلى مستويات جديدة من الفهم والتحليل. فمن خلال قراءاته ومقارباته النقدية، ينقل القارئ إلى أفق فكري أوسع في تناول الظواهر السياسية والاجتماعية العربية. وقد بدأت هذه السلسلة من الجهود البحثية المنهجية مع كتابه المجتمع المدني المبكر، حيث تناول قضايا تتعلّق بالأمّة العربية، في المسألة العربية: مقدّمة لبيان ديمقراطي عربي و، مع التركيز على القضية الفلسطينية (وكان أحدث هذه المشاريع كتاب قضية فلسطينن: أسئلة الحقيقة والعدالة.) ثم استكمل مشروعه في بحث الدين والعلمانية، وتفكيك مفاهيم الطائفة والطائفية. ومع اندلاع الثورات العربية عام 2011، كان إسهامه الفكري استكمالًاومعالجة لقضايا المنطقة العربية من منظور الحدث الفارق القادح للتغيير والديمقراطية، فعكف على التنظير لقضايا الديمقراطية والانتقال الديمقراطي، عبر سلسلة من أعمال توثيقية للثورات العربية في تونس ومصر وسورية. ثم تابع ذلك بدراسة الانتقال الديمقراطي والاشتباك النقدي مع النظريات التي عالجت هذا الموضوع، وقد كانت الدولة العربية هي الوحدة الرئيسة في مشروعه البحثي، والتي ربطها بثنائية المواطنة والديمقراطية شرطًا لاستمرارها وقدرتها على مواجهة الأزمات الداخلية والخارجية2. وقد توّج بشارة جهده البحثي بالتوسّع في دراسة موضوع الدولة والدولة العربية، عندما انبرى للتنظير لمسألة الدولة، ولم يشرع مباشرة في استعراض تاريخ الدولة العربية، سواء كان ذلك في مرحلة ما قبل الاستعمار أو ما بعدها؛ بل، كدأبه في بحوثه، يحفر في عمق جذور الظاهرة التاريخية التي يدرسها، ويفكك المفاهيم المرتبطة بها، ويدرس تطور دلالاتها وتأثير السياقات التاريخية والاجتماعية فيها. وذهب أبعد من ذلك، فبحث في نظرية الدولة في مؤَّلَف أول عنوانه: مسألة الدولة: أطروحة في الفلسفة والنظرية والسياقات3، عارضًا فيه نقديًا نظريات الدولة المختلفة، ومستعرضًا السياقات التاريخية لنشوء الدول، ومميّزًا بين نظريات الدولة وفلسفة الدولة والأيديولوجيا4. ثم انتقل من التنظير إلى دراسة تاريخ نشأة الدولة العربية ومسار تشكّلها في الدولة العربية: بحث في المنشأ والمسار، موضوع هذه المراجعة، ويصرّح في مقدّمته بأنّه نتاج سنوات من البحث، سعى فيها لتقديم طرٍحٍ جديد نظريًا ومنهجيًا في دراسة الدولة والمجتمع، جامعًا بين التأصيل النظري والتحليل التاريخي التطبيقي في السياق العربي (ص. 13) وُيُعدّ هذا الكتاب مع سابقه مرجَعيَن مهَّميَن على مستوى التفكير النظري والبحث العلمي في الدولة العربية والمجتمع. ويمثّل إضافة نوعية إلى الأدبيات العربية المعاصرة في قضية الدولة. انشغل الفكر العربي، منذ عقود، بقضية الدولة الحديثة، من منظور نقد الاستبداد السياسي وضعف مؤسسات الحكم، أو من

  1. تبنُّين عزمي بشارة، "في أولوية الفهم على المنهج"،، مج  8، العدد 30 (صيف)2019،
  2. للاطلاع على الأعمال التي يُشار إليها في النص، ينظر كتب بشارة التالية: المجتمع المدني: دراسة نقدية، ط 9 (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2017)؛ الدين والعلمانية في سياق تاريخي، الجزء الأول: الدين والتدين (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2012)؛ سورية: درب الآلام نحو الحرية، محاولة في التاريخ الراهن (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2013)؛ الثورة التونسية المجيدة: بنية ثورة وصيرورتها من خلال يومياتها (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2012)؛ ثورة مصر، الجزء الأول: من جمهورية يوليو إلى ثورة يناير (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2016)؛ ثورة مصر، الجزء الثاني: من الثورة إلى الانقلاب (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2016)؛ في المسألة العربية: مقدمة لبيان ديمقراطي عربي (الدوحة/ بيروت: المركز العربي الطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيلة للأبحاث ودراسة السياسات، 2018)؛ (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2018)؛ الانتقال الديمقراطي وإشكالياته: دراسة نظرية وتطبيقية مقارنة (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2020)؛ قضية فلسطينن: أسئلة الحقيقة والعدالة (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2024
  3. مسألة الدولة: أطروحة في الفلسفة والنظرية والسياقات عزمي بشارة، (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2023 4 المرجع نفسه.
  4. ص 7 - .30

منظور العلاقة بين الدولة والدين والقومية. وفي هذا السياق، يحتّل الكتاب محلّ هذه المراجعة موقعًا فريدًا؛ إذ إنه يتميّز بشمولية معالجته وتكامله، فهو يجمع بين تحليل نظري معمّق لمفهوم الدولة الحديثة وخصائصها، ودراسة تاريخية مقارنة لمسارات تشكّل الدولة في المشرق والمغرب العربَّييَن، منذ العهد العثماني، مرورًا بالاستعمار، ووصولًاإلى مرحلة بناء الدولة الوطنية ما بعد الاستقلال. ويستعين بشارة بمعطيات إمبريقية وبيانات كمّية (مؤشرات كمية على مستوى مسح الرأي العام العربي) لتدعيم تحليلاته (ص. 459)؛ ما يعكس منهجه الذي يقوم على تبنّي مقاربة متعددة الأبعاد. فهو ينطلق من نقده لنظريات الدولة الغربية، في الكتاب الأول، ويرسم إطارًا نظريًا وفلسفيًا ثريًا لمفهوم الدولة الحديثة، يجمع فيه بين مفاهيم علم الاجتماع السياسي وتجارب التاريخ المقارن، ويناقش نقديًا مختلف النظريات الغربية عن الدولة، ويميّز بين نظرية الدولة وفلسفة الدولة وأيديولوجيا الدولة. ثم يطبّق هذا الإطار على الحالة العربية في الكتاب الثاني، ساعيًا لإبراز الخصوصيات، من دون إغفال الجوانب المشتركة مع ظواهر بناء الدولة في العالم. وبهذه الطريقة، يتجاوز الأطروحات الاختزالية Reductionism، سواء تلك التي تعزو أزمات الدولة العربية إلى "خصوصية ثقافية" ثابتة، أو التي تنكر فرادتها تاريخيًا؛ ليقدّم تحليلًامركّبًا يجمع بين العام النظري والخاص التاريخي. وبذلك، يمكن القول إنّ الكتاب يحتل موقعًا مركزيًا في الأدبيات العربية الراهنة المتعلقة بموضوع الدولة، ثمّ إنّه يجمع بين ما هو فكري تأصيلي وما هو تاريخي إمبريقي.

أولًا: الإسهام النظري والمنهجي بكتاب "مسألة الدولة مقارنة"

الدولة العربية ينتقل بشارة في إلى تطبيق الأطروحات، التي اشتبك مسألة الدولة معها في، في السياق التاريخي العربي الخاص. ويوضح أنه اضطر إلى حذف فصلين عن الدولة العربية من الكتاب الأول ليطوّرهما لاحقًا في كتاب منفصل؛ وها هو الكتاب الجديد يأتيي ليسّد تلك الثغرة، مرتكزًا على المنهجية والقاعدة النظرية التي أرساها العمل السابق. تتمثل الأطروحة النظرية الأساسية، التي ورثها هذا الكتاب عن سابقه، في تحديد الخصائص المميزة للدولة الحديثة. ويذكّر بشارة بجملة من الأطروحات المفتاحية التي توصّل إليها في مسألة الدولة، من أبرزها أن نشوء الدولة الحديثة هو صيرورة تمايز المجال السياسي من غيره من المجالات، وتمركزه، ثم إخضاع سائر المجالات، بما فيها المجال الديني، للمجال السياسي بمعناه الواسع، وأن تكوين الدولة الحديثة في أوروبا اقترن تاريخيًا بعملية طويلة، من توحيٍدٍ لجهاز العنف في يد سلطة مركزية وبناءٍ لبيروقراطية فعّالة ونظاٍمٍ لضرائب منتظم وترسيٍمٍ للحدود الترابية بناءً على المعطيات التاريخية ونتائج الحروب (ص. 16)–15 وشدّد بشارة على أنّ الدول الحديثة خارج أوروبا لم تمرّ بتلك المراحل العضوية، بل نشأت وفق نموذٍجٍ للدولة جاهٍزٍ، بغضّ النظر عن السياق التاريخي الخاص بكل بلد؛ وهو ما ولّد تناقضات وتفاوتات ثقافية وسياسية. وهذه مسألة منهجية جديدة يقدّمها بشارة مقارنة بعمله السابق؛ إذ يعتبر أن فرض نموذج الدولة الأوروبية الجاهز على المجتمعات العربية أحد أهم محددات مسار نشوء الدولة العربية الحديثة. ويدرج ذلك في سمات دول الجنوب الكبير عمومًا؛ إذ تتشابه التجربة العربية مع تجارب آسيوية وأفريقية في استيراد شكل الدولة الحديثة من دون المرور بمراحل تطور نموذج الدولة في أوروبا (ص. 17) ومن الإضافات المهمة كذلك تمييزه بين نوعين من الدول العربية: دول تمتعت بنواة دولانية تاريخية مبكرة (مثل مصر والمغرب)، وأخرى نشأت حدودها السياسية كلّها تقريبًا في حقبة الاستعمار (مثل معظم دول المشرق العربي.) ويخلص إلى أن الفارق بين النوعين ليس بنيويًا عميقًا في طبيعة الدولة، بل يقتصر على متانة شرعيتها تاريخيًا؛ إذ إن الدول ذات الجذور التاريخية العريقة حظيت بقبول أوسع لوجودها من جانب مجتمعها منذ البداية. ومع ذلك، يؤكد أن الشرعية التاريخية ليست المصدر الوحيد لشرعية الدولة. فجميع الدول العربية، قديمها وحديثها، تشترك اليوم في خصائص بنيوية واحدة، وتواجه التحديات ذاتها. وقد يكون من أبرز ما يؤكده الكتاب في هذا الصدد هو أطروحة مفادها أن شرعية الدولة العربية القائمة لم تعد موضع تساؤل جوهري، كما كانت الحال في العقود الوسطى من القرن العشرين؛ إذ أصبحت فكرة الدولة الوطنية القائمة على إقليم ترابي محدد راسخة ومقبولة على المستوَييَن الإقليمي والدولي، ولم يعد الخلاف الأيديولوجي (القومي/ الإسلامي) حول مفهوم الأمة ووحدتها يطعن في شرعية الدولة الوطنية. وإضافة إلى ذلك، غاب عن الواقع العربي وجود حركات سياسية مركزية تتحدّى فعليًا سيادة الدولة العربية أو لا تعترف بها (ص. 22) ويرى بشارة أن ما يبدو ظاهريًا "أزمة شرعية للدولة" ليس في الحقيقة سوى أزمة شرعية للنظام السياسي الحاكم؛ حيث يكمن تهديد الدولة العربية فعليًا في فشل بعض الدول في سياسات الاندماج الاجتماعي، على مستوى الخدمات والتنمية، أو مستوى تغليب الولاء للدولة

على الولاءات الفئوية. فحين يضعف النظام، وتفشل نخبه في إدماج المجتمع ضمن مشروع دولة المواطنة، وحين يُختَزَل ولاء المواطنين في شبكات زبونية أو عصبيات ما قبل وطنية، وفق ما سماه بشارة ب "الجماعاتية الجديدة" (ص. 23)، تنعكس أزمة النظام حينها على الدولة ذاتها، في صورة انهيار أو فوضى. وبناءً عليه، يعدّ التمييز بين الدولة بوصفها نظامًا مؤسسيًا، والنظام باعتباره سلطة حكم حاكمة، من أهم المرتكزات النظرية التي يتبنّاها بشارة في كتاَبَيه عن الدولة، والتي فصّل فيها عربيًا في الكتاب الثاني. وإلى جانب ذلك، يركّز على مقولة عالجها الكتاب الأول مفادها أن ضعف الدولة لا يؤدي إلى الديمقراطية، بل إلى الفوضى، وأن شرط الديمقراطية هو وجود دولة قادرة على تحمّل التعددية، من دون الوقوع في أتون الفتن والحروب الأهلية (ص. 24) وُيبُرز أيضًا إضافات نظرية جديدة، من بينها تتبّع تطور مفهوم المواطنة5 في التجربة العربية، عبر مراحلها المختلفة، منذ فترة التنظيمات العثمانية، مرورًا بدولة الاستعمار، وما بعد الاستعمار. أما منهج البحث في الكتاب الثاني، فيتسم بالتداخل بين التحليل النظري والسررد التاريخي. فالفصول الأولى تعالج ما يصفه بشارة ب "الأصول المحلية" للدولة الحديثة، قبل مرحلة الاستعمار؛ إذ يركّز في القسم الأول على تميّز الدولة العثمانية تشريعيًا مّم اسبقها في إطار الحضارة الإسلامية. ثم يناقش إصلاحات التنظيمات العثمانية بوصفها محاولة مبكّرة لبناء دولة حديثة (عبر تحديث الجيش، والقانون، والإدارة.) وبعد ذلك، ينتقل إلى بحث بنية الدولة العربية وإشكالياتها الرئيسة، من منظور هذا الكتاب، والكتاب السابق أيضًا، وذلك عبر دراسات حالات قُطرية (مصر، وتونس، والمغرب، وسورية، والجزائر، وغيرها)، مع مناقشة قضايا السيادة والمواطنة. ثم يتناول القسم الثاني عملية بناء الدولة العربية منذ خمسينيات القرن العشرين وستينياته، ودور الأنظمة السلطوية في بنائها وفرض سيادتها، وأزمة هذه النظم بعد ما وصفه بشارة ب "استنفادها" عوامل شرعيتها، وتأثير هذه الأزمة اللاحق في استقرار الدولة. يتيح هذا البناء المنهجي لبشارة أن يختبر فرضياته النظرية في وقائع التاريخ العربي. فعلى سبيل المثال، تناقش الفصول أن الحرب، وفق مقولة تشارلز تيلي: "الحرب تصنع الدول"، قد ساهمت فعلًافي بناء نواة الدولة الحديثة في السياقين العثماني ثم الاستعماري، ولكن على نحو مغاير للسياق الأوروبي. وُيلُاَحَظ كذلك توظيفه مقارنة تاريخية مستمرة بالنموذج الأوروبي، لتبيان الخصوصية العربية؛ من قبيل أن الدولة العربية نشأت في سياق بنية إمبراطورية عثمانية متعددة القوميات، ثم في ظل واقع استعماري، خلافًا لنشوء الدولة القومية في أوروبا عبر صراع الأمراء وتوحيد الممالك. ويتجّل ىإسهام بشارة المنهجي أيضًا في استعانته بأدوات كمّية واستطلاعات رأيٍ عاٍّمٍ حديثة، لدعم استنتاجاته المتعلقة بالدولة العربية الراهنة. لذا، ضمّن الكتاَبَ ملحقًا يستند إلى بيانات "المؤشر العربي"6 موضوعه ثقة المواطنين بالمؤسسات الرسمية، ومؤشرات المساواة في المواطنة؛ ما يوفّر أساسًا إمبريقيًا لتقييم شرعية الدولة العربية المعاصرة وأدائها من منظور المجتمع. ويعكس استخدام المعطيات الكمّية منهجه في دمج البحث النظري في التحليل الميداني، وهو مسألة الدولة تطوّر منهجي مهمّ مقارنة بكتاب، الذي كان أقرب إلى عمل نظري مجرّد.

ثانيًا: نشوء الدولة الحديثة في العالم العربي ومسار تطورها

يتتبّع بشارة، في القسم الأول من الكتاب، الأصول المحليّة لنشوء الدولة الحديثة قبل الاستعمار، ويحفر في تاريخ الدولة العثمانية، التي تميّزت على الصعيد التشريعي من الكيانات السياسية التي سبقتها ضمن الحضارة الإسلامية. ويناقش العوامل التي دفعت إلى الإصلاح، والتي بدأت في المجال العسكري نتيجة الهزائم المتتالية ضّد روسيا 1774–1768()، ثم ضدّ روسيا والنمسا 1792–1787()، إضافة إلى توقيع معاهدة باريس عام 1856 عقب حرب القرم؛ إذ تعاظم نفوذ القوى الأوروبية اقتصاديًا داخل الدولة العثمانية، وُفُرضت عليها إصلاحات شملت، فضلًا عن المجال العسكري، التشريع والتعليم والإدارة (ص. 39) ويجادل بشارة بأن إصلاحات "التنظيمات"، التي شهدتها الدولة العثمانية، لم تكن تعبيرًا عن عقيدة منفصلة، بل كانت نتاجًا لصيرورة

  1. مسألة الدولة أفرد بشارة فصلًاكاملًا(الفصل التاسع) في كتابه لمعالجة موضوع السيادة والمواطنة، بوصفه أحد المحاور المركزية فيه. وركّز على إثبات أنّ المواطنة أصبحت مكوّنًا
  2. جوهريًا في تعريف الدولة المعاصرة. استهلّ الفصل باستعراض تطوّر مفهوم المواطنة في المدن الحرة خلال العصور الوسطى، خارج إطار الدولة، وما انطوت عليه تلك التجربة من حقوق وواجبات. ثم تتبّع انتقال المفهوم إلى الدولة الحديثة، انطلاقًا من تجربة الثورة الفرنسية، التي أسّست لفكرة المشترك السياسي بين الحاكم والمحكوم، بوصفهما عضَوَين في كيان جامع هو الدولة. وتناول، بنقد منهجي، الترتيب التاريخي الذي قدّمه توماس همفري مارشال 1981–1893() لتطور حقوق المواطنة في بريطانيا، بدءًا من الحقوق المدنية، ثم الحقوق السياسية، وصولًاإلى الحقوق الاجتماعية. 6 يدير المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات برنامج "المؤشر العربي." وهو مشروع سنوي لقياس اتجاهات الرأي العام العربي في المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وُيُنَّفَذ بالشراكة مع باحثين ومراكز أكاديمية في مختلف الدول العربية، ويعتمد منهجيات مسحية علمية رصينة تُتاح نتائجها دوريًا للباحثين وصنّاع القرار. وُيُعدّ المؤشر منذ انطلاقه عام 2011 أكبر قاعدة بيانات كمية عن اتجاهات الرأي العام العربي. للمزيد، ينظر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، المؤشر العربي 2025، برنامج قياس الرأي العام، شوهد في 2025/12/6، في https://acr.ps/1L9BPQC:

التحديث ذاتها. ووصفها بأنها ثورة قانونية وضعت الأسس لتحوّل الإمبراطورية السلطانية إلى دولة حديثة. بل ذهب أبعد من ذلك، حين اعتبر التنظيمات تجديدًا في الفقه الإسلامي يواكب العصر؛ ليس لأن الشريعة كانت مصدر التشريع في ذلك الوقت، بل لأن الدولة التي سنّت تلك القوانين كانت ذات هوية إسلامية واضحة، وتؤطّر مجتمعات مسلمة، فاستجابت لمتطلبات عصر محدّد مستعينة بالقوانين الغربية (ص 61–60.) ويرى أن هذه الإصلاحات نجحت في إرساء تشريعات دولة حديثة، وتأسيس جيش عصري، وبناء جهاز بيروقراطي مركزي؛ وهو الجيش نفسه الذي قاد لاحقًا مقاومة الاحتلال الأجنبي، وأسّس الجمهورية التركية بعد الحرب العالمية الأولى 1918–1914() (ص. 80) وفي السياق ذاته، شكّلت التنظيمات لحظة فارقة بفصلها، أول مرة، بين الأمة المكَّوَنة من مواطني الدولة والأمة بمفهومها الديني. وتجّل ى ذلك في قانون الجنسية العثمانية، الذي عَّدَ المسلم غير المواطن أجنبيًا لا يحمل جنسية الدولة، في حين اعُتبُر غير المسلم العثماني مواطنًا، في إطار ما رُوّج له ب "مفهوم المواطنة العثمانية المتساوية" (ص. 64) ولاقى هذا المفهوم صدى واسعًا لدى النخب في المشرق العربي، ويحاجّ بشارة بأنّه لم يكن وليد مرحلة الاستعمار، بل نتاج مرحلة الإصلاحات العثمانية، التي أسهمت في وضع الأسس الفكرية والتنظيمية للدول الوطنية في المشرق بعد الاستعمار. ينتقل بشارة، في القسم الثاني من الكتاب، إلى بحث بنية الدولة العربية وإشكالياتها المركزية، من منظور كتاَبَيه عن الدولة؛ إذ يتناول قضايا السيادة، واحتكار العنف، والتشريع، والمواطنة، وبناء جهاز الدولة، والعلاقة بين النخب القديمة والجديدة. ينطلق تحليله من فرضية مفادها أن الحروب ساهمت في بناء الجيوش الحديثة على الطراز الأوروبي في السلطنة العثمانية وبلاد فارس، وهو ما استلزم إصلاحات أوسع شملت إنشاء مدارس عسكرية وهندسية وطبية؛ لتأهيل الكوادر الإدارية والعسكرية، وتنظيم عمليات التجنيد والإمداد، وضمان صحة الجنود استنادًا إلى الوقاية من الأوبئة، وإصلاح نظام جباية الضرائب، لضمان تمويل الجيوش وتسليحها على نحو منتظم (ص. 102) بهذا المعنى، يرى بشارة صوابًا نسبيًا في مقولة تيلي7 المتعلقة بنشوء الدول في أوروبا: "الحرب صنعت الدولة، والدولة صنعت حربًا"؛ إذ أدت الحرب، بحسب هذه المقولة، دورًا محوريًا في توغّل الدولة داخل المجتمع الخاضع لها، من خلال تكثيف جباية الضرائب، وتأسيس أجهزة مالية وإدارية ذات كفاءة عالية. غير أنه يستنتج، في مقابل ذلك، أن هذه المقولة لا تنطبق على الدول العربية في مرحلة ما بعد الاستعمار؛ إذ لم تنشأ حدود هذه الدول بسبب صيرورة داخلية ناتجة من ديناميات حرب وبناء، بل اُرُسمت وفق اعتبارات جيوسياسية، كانت القوى الاستعمارية فاعل مركزيًا فيها، إضافةً إلى عوامل تاريخية في بعض الحالات. وقد ورثت الدولة العربية المعاصرة، في معظمها، الأجهزة التي أ نِشِئت في أثناء الحقبة الاستعمارية، وكانت امتدادًا جزئيًا لمؤسسات عثمانية سابقة. وُفُرضت سيادة الدولة على الأرض والسكان استنادًا إلى منظومة موارد تمثّلت في الضرائب، والريع الناجم عن المساعدات الخارجية، ومصادرة أملاك المستوطنين في حالات الاستعمار الاستيطاني، ولاحقًا من خلال الريع النفطي (ص. 103) يشير بشارة إلى أن عملية الانتقال من الانتماء إلى "البلد" بمعنى القرية، أو البلدة الصغيرة، أو "الحمى" بمعناه العشائري، إلى "البلد" بمعنى الوطن المتطابق مع حدود الدولة الحديثة، أو الذي يُفترض أن يكون مج لًالسيادتها بحسب الحركات الوطنية، تمثّل صيرورةً طويلة ومعقّدة ومتعرجة المسار. وتتطلب هذه العملية، بالضرورة، تجاوز أنماط الانتماء السابقة من قبيلة وعشيرة وطائفة متخيّلة، نحو انتماء أشمل إلى جماعة قومية أو وطنية متخيلة. ويتحقق ذلك، كما يرى بشارة، من خلال مؤسسات إدماجية فاعلة، مثل الجيوش الوطنية، والجامعات التي تستقبل طلابًا من مختلف أنحاء البلاد، إضافةً إلى التوظيف في أجهزة الدولة، ونشوء اقتصاد وطني، وتغلغل الدولة في تفاصيل حياة السكان اليومية. وُيُعَّزَز هذا التحول أيضًا عبر التعليم الرسمي وانتشار الثقافة الوطنية في جميع مناطق الدولة (ص. 109) وفي هذا الإطار، يناقش بشارة أطروحة نزيه الأيوبي في كتابه تضخيم الدولة العربية8 التي ترى أن نشوء الدولة العربية الحديثة تزامن مع انهيار الإمبراطورية النمساوية - الهنغارية. ويقرّ بأن هذه المقارنة قد تكون مفيدة من حيث الإضاءة على بعض الجوانب، إلا أنها تظل غير دقيقة في جوهرها؛ ذلك أن الدولة العثمانية لم تتحول قَُّطُ إلى كونفدرالية تركية- عربية، بما يتيح الحديث عن تفككها إلى دول قومية، بل إن ما حدث، في رأيه، أن العرب خرجوا من كنف إمبراطورية طويلة الأمد من دون أن تتاح لهم فرصة لبناء كيان سياسي موحّد خاص بهم، باستثناء التجربة الهاشمية القصيرة في سوريا)1920–1918(9. وبدلًامن ذلك، تولّت القوى الاستعمارية

  1. Charles Tilly, "Reflections on the History of European State-Making,"
  2. Nazih N. Ayubi, Over-stating the Arab State: Politics and Society in the Middle Easte (London/ New York: I.B. Tauris, 1995). 9 محمود غزلان [وآخرون]، الحكومة العربية في دمشق: التجربة المبكرة للدولة العربية الحديثة)1920–1918((الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2021
  3. in: Charles Tilly (ed.), The Formation of National States in Western Europe (Princeton, NJ: Princeton University Press, 1975), p. 42.

مهمة بناء الدول العربية الناشئة وتحديد أنظمة الحكم فيها وفقًا لمصالحها؛ فأنشأت نظمًاَمَلكية في العراق والأردن، ونظّمت انتدابًا مباشرًا في سورية ولبنان، وأقامت إدارة استعمارية مطوّلة في الجزائر، وغيرها. ويختلف هذا المسار عن حال دول البلقان واليونان؛ إذ لم تتسلّم القوى الاستعمارية السلطة من العثمانيين، بل آلت إلى حركات قومية محلية تمكّنت من إعلان استقلالها وانتزاع الاعتراف العثماني به قبل اندلاع الحرب العالمية الأولى (ص. 111) ويذهب بشارة إلى أن الاستعمار مثّل، فعليًا، مقدّمة لنشوء الدولة الوطنية العربية الحديثة؛ إذ ساهم في إنشاء أجهزة بيروقراطية ذات طابع إقليمي، أي على إقليم ترابي، وتشكيل جيوش محلية، وأجهزة أمنية احتكرت العنف ومنعت ظهور أيّ قوى مسلحة موازية لها، إضافة إلى تغلغل جهاز الدولة في حياة السكان عبر تشريعات متنوعة شملت جوانب حياتهم المختلفة. غير أنه يلفت الانتباه إلى نقطة بالغة الأهمية، مفادها أن بناء الدولة وترسيخ أجهزتها الإدارية ورسم حدودها في سياق الاستعمار، لم يقترن بنشوء مواطنة حقيقية؛ إذ كانت الدولة المستعِمِرة أجنبية من أكثر من وجه، وكانت الدولة الحديثة التي تدخّلت في تفاصيل حياة الناس كائنًا غريبًا عنهم. وهكذا، ورثت دول الاستقلال دولًامركزية، لكنها بلا مواطنين فعليين، باستثناء الشكل القانوني للمواطنة المتمثّل في الجنسية. فقد كان الانتماء الوطني المحلي غائبًا؛ إذ لم يتشكّل بعُدُ شعوٌرٌ مشترك يجمع الحاكم بالمحكوم، وإنما نشأ هذا الانتماء تدريجيًا بفضل وجود الدولة الحديثة ومؤسساتها وهياكلها، من دون أن يكون ذلك دائمًا نتيجة خطط واعية من السلطات الحاكمة (ص. 115) ويقدّم بشارة، في سياق دراسته لنشوء الدولة العربية الحديثة، نقدًا لأطروحة إيليا حريق10 التي ترى أن الدول العربية، باستثناء سورية والأردن والعراق، ليست "مجتمعات قديمة" فحسب، بل هي "دول قديمة" تعود جذورها إلى القرن التاسع عشر، حين ظهرت سلطات راسخة سيطرت على أقاليم يمكن اعتبارها نوى ترابية للدولة، وأدارت شؤون سكانها خلال عدة أجيال. وامتدّت ولايات هذه السلطات لتشمل تطبيق القانون، وفرض الضرائب، والتجنيد، ومطالبة السكان بالولاء للحكم. ومن هذا المنظور، نشأت لدى السكان، في مطلع القرن العشرين، هوية محلية، بوصفهم مصريين أو عمانيين أو مغاربة، مثلًا(ص. 119) ويرى بشارة أن هذا التوصيف لا يستقيم إذا كان المقصود ب "الهوية المحلية" هو الهوية الوطنية المرتبطة بحدود الدولة الحديثة؛ إذ إن الهويات الجماعية في تلك المرحلة كانت أضيق كثيرًا، ولم تكن مرتبطة بمفهوم الدولة. فلم يكن الولاء موَّجَهًا إلى الدولة بوصفها كيانًا سياسيًا، بل انحصر في سلالات حاكمة أو بيوتات سلطوية، وغالبًا ما كان هذا الولاء غير مباشر، بل يمرّ عبر وسائط تقليدية، كالجماعة المحلية أو القبيلة. ويستثني من هذا النمط بعض الحالات النادرة التي اجتمعت فيها إرادة إصلاحية مبكّرة من جانب حكّام متأثرين بنماذج التقدم الغربي. ويصل إلى استنتاج حاسم مفاده أن الزعم المتعلق بتأسيس الاستعمار الدول الحديثة في سورية ولبنان والعراق وشرق الأردن، فحسب، هو طرح غير دقيق؛ إذ لم يكن أثره مقتصرًا على هذه الحالات، بل امتدّ بدرجات مختلفة إلى عموم المنطقة. ويرى أن الفارق الجوهري بين نشوء الدولة في الشرق ونشوئها في الغرب لا يكمن في كونها "مفروضة" في الشرق و"مختارة" في الغرب؛ فحتى في أوروبا، لم تنشأ الدولة الحديثة نتيجة عملية اختيار شعبي، بل يكمن الفارق في أن الدولة نشأت في الشرق في ظل وجود نموذج مكتمل لها في الغرب، فُفُرضت عليه محاكاة جاهزة، ولم تتُرك له فرصة التشكّل العضوي عبر مسار تاريخي تدريجي. وقد تأسست الدولة الحديثة في العالم العربي، أو أ عيَدَ تشكيلها، في أثناء السيطرة الاستعمارية وهيمنة نموذج الدولة الأوروبي، بما في ذلك النواة الترابية والبنية المؤسساتية التي ترسّخت منذ القرن الثامن عشر. ويرى بشارة أن ما حافظ على الحدود السياسية لمعظم الدول العربية، من دون تغييرات تُذكر، هو ما يسميه "الدافع الذاتيي للدولة"، المتمثل في سعي النخب الحاكمة ومؤسسات الدولة لفرض سيادتها على الأرض والسكان، وتعزيز مركزيتها، وتوسيع جهازها البيروقراطي. وساهم في هذا التثبيت أيضًا نشوء فئات اجتماعية واسعة باتت تعتمد في معاشها على الدولة، فضلًاعن دفاع الدولة عن حدودها في مواجهة الجيران، وهو ما وفّر لها نوعًا من الشرعية المستندة إلى قدرتها على أداء وظائفها الأساسية. وقد تعززت هذه الشرعية، أيضًا، من خلال تشكّل مشاعر وطنية اندمجت تدريجيًا في السررديات التي تروّجها الدولة عن ذاتها ومسارها التاريخي (ص. 120) وينتقل بشارة إلى معالجة إحدى الإشكاليات البنيوية المزمنة التي لا تزال تعانيها الدولة الوطنية العربية، وهي ظاهرة "الزبونية." فغالبية الدول العربية بعد الاستقلال واجهت صراعًا بين انتماء المواطن إلى الدولة الحديثة من جهة، وانتمائه إلى جماعات عضوية محلية ذات علاقات وشائجية تقليدية من جهة أخرى، مثل القبيلة والعشيرة والطائفة والعائلة. وإضافةً إلى هذا التمزق الاجتماعي، واجهت هذه الدول فجوة تنموية حادّة. ولم تسهم المرحلة الليبرالية "المزعومة" في النصف الأول من القرن العشرين في دمج هذه الجماعات في أمة مواطنية موحّدة؛ إذ إن التعددية السياسية التي مورست حينها

  1. Iliya Harik, "The Origins of the Arab State System," in: Giacomo Luciani (ed.), The Arab State (Berkeley, CA: University of California Press,

اتخذت طابع التنافس بين الزعامات والأعيان ومحاسيبهم، الذين تعاملوا مع الدولة باعتبارها غنيمة تُقَتَسم. وواجهت عملية بسط سيادة الدولة مقاومةً مجتمعية لفرض التشريعات واحتكار العنف، وهو ما أدى إلى بروز قوى وأحزاب راديكالية هيمنت على المجال العمومي. وتميّزت هذه القوى بنزعة تحديثية وشعبوية، عّب رت عن نفسها بمطالب محاربة الفساد، وتصفية التبعية الاستعمارية، والدعوة إلى الوحدة العربية، والتحول نحو الاشتراكية، وإنهاء صراعات الأعيان والنخب المدينية. وما يميز هذه النخب الراديكالية أنها مناقضة للأعيان وأبنائهم المتعلمين، غير أنها ما لبثت أن "تريّفت" نتيجة هيمنة الأوساط العسكرية والمدنية المتحدّرة من أصول ريفية. وقد أدى ذلك إلى صعود جماعات تقليدية مجددًا، ولكن بعد أن أعادت تشكيل نفسها بما يتلاءم مع منطق الدولة الحديثة، عبر نسج روابط مصلحية تقوم على المنافع المنتظرة من جهاز الدولة (ص. 145) يتوافق طرح بشارة مع كثير من أدبيات علم الاجتماع السياسي التي تعزو ضعف الدولة في العالم العربي إلى ظروف النشأة الخارجية، بوصفها دولًاوريثة للاستعمار، وإلى تعّث راستكمال مهمات بناء الأمة. ولكن يمكن المجادلة بأن مستوى التفاوت بين التجارب العربية ليس بسيطًا؛ فعلى سبيل المثال، قد تكون الخبرة التاريخية لمصر أو المغرب في بناء إداراٍتٍ مركزية منذ القرن التاسع عشر أضفت على مؤسسات الدولة فيهما رسوخًا نسبيًا ومتانةً أكبر في مواجهة التفكك، مقارنةً بكيانات أكثر حداثة في نشأتها، كدول المشرق العربي، مثل سورية ولبنان والأردن. غير أن بشارة يستبق هذا الاعتراض في شرحه الموسّع في القسم الثالث من الكتاب، الذي يبحث فيه ثلاثة نماذج بارزة عربيًا لبناء الدولة قبل الاستعمار، هي: مصر في عهد محمد علي، وتونس في ظل حكم البايات، والمغرب الذي شهد تطوّر السلطة المخزنية. ويرى أن البنية المؤسساتية الجوهرية في هذه الدول متشابهة، وأن الفارق لا يكمن في الكفاءة المؤسسية، بل يظهر في وعي الناس التاريخي بوجود الدولة فحسب، وهو ما يعدّه عامل شرعية معنوية أكثر منه اختلافًا مؤسسيًا. ويعزز هذا الطرح استشهاده بأن جميع الدول العربية، على الرغم من اختلاف نشأتها، قد واجهت تحديات متقاربة بعد الاستقلال، ولم تختلف كثيرًا عن تجارب دول العالم الثالث الأخرى. لذلك، فهو يعترف بوجود تباينات في الشرعية التاريخية، لكنه يركّز في المقابل على المشترك البنيوي. وهذا المنظور الكّل يضروري لفهم أنّ المنطقة قد اجتاحتها موجاتٌ سياسية متشابهة، كالقومية العربية والانقلابات العسكرية وثورات الربيع العربي، عبر دوٍلٍ ذات تاريخ متباين؛ لأن الأرضية البنيوية في النهاية واحدة.

ثالثًا: مفهوم السيادة والمواطنة في الدولة الحديثة

من الأفكار المركزية التي يشدّد عليها بشارة تبيان الفرق بين مفهوم السيادة في الدولة الحديثة، وسيادة الحاكم التقليدية. فالدولة الحديثة، كما تؤكد أدبيات الفكر السياسي، تتميز بامتلاكها سيادة ترابية شاملة على إقليمها وسكانها، وتنفرد بحق التشريع واحتكار القوة المسلحة ضمن حدودها. غير أنه يضيف إلى ذلك عنصرًا جديدًا يتمثل في المواطنة؛ إذ يحاول التعرّف إلى مدى تحقق معايير المواطنة في البلدان العربية استنادًا إلى الأدوات الكمّية المتاحة، من خلال تقييم المواطنين أنفسهم لمكانتهم في الدولة، اعتمادًا على بيانات "المؤشر العربي." ويؤكد أن سيادة الدولة لم تُعُد تعني مطلقًا سيادة الحاكم الفرد، كما كان الحال في الدول السلطانية التقليدية التي تتماهى فيها الدولة مع شخص السلطان، بل إن السيادة في الدولة الحديثة تعود إلى الشعب والأمة، وتتجسد من خلال القانون. فالدولة الحديثة، كما يصفها، "ليست الحكّام، بل هي المشترك بين الحكام والمحكومين" (ص. 13) ويتجسّد هذا المشترك، بدايةً، في فكرة القومية الحديثة التي توحّد أبناء الوطن ضمن هوية سياسية جامعة، ثم يتطوّر إلى مستوى أرقى يتمثّل في المواطنة المتساوية. ومن هذا المنظور، يرى بشارة أن أرقى تجليات المشترك السياسي بين المجتمع والدولة هي مواطنة الأفراد في إطار دولة القانون؛ فالمواطنة، في تحليله، هي الوجه الآخر للسيادة، لأنها تجسّد سيادة الشعب داخل حدود الدولة، كما يجسّدها القانون والنظام في مواجهة الخارج. ويخصص الكتاب نقاشًا تاريخيًا وفكريًا معمّقًا لتطور مفهوَمَي السيادة والمواطنة في التجربة العربية. فمن جهة، يشرح كيفية انتقالنا من نمط "السيادة السلطانية" التقليدية، حيث السلطان أو الملك هو صاحب السلطة العليا بوصفه "ظل الله في الأرض" (ص. 35)، يملك الأرض ورقاب العباد، إلى نمط "سيادة الدولة القومية"، الذي بدأ في التبلور خجولًافي أواخر العهد العثماني، ثم ترسّخ نظريًا في دساتير دول الاستقلال. ومن الأمثلة التوضيحية التي يوردها أن التنظيمات العثمانية قد فصلت، أول مرة، بين الأمة بالمفهوم الديني التقليدي (أمة الإسلام) والأمة المكوّنة من رعايا الدولة بوصفهم مواطنين، وذلك في ضوء قانون الجنسية العثمانية عام 1869. ويمثّل هذا التحول قطيعة تاريخية مع التصوّر القديم، ويشير إلى أن الولاء السياسي، أي المواطنة، يعلو على الانتماء الديني داخل الدولة الحديثة. وعلى الرغم من أن الدولة العثمانية لم تستكمل التحوّل بسبب انهيارها، فإن دول ما بعد الاستقلال واصلت هذا المبدأ نظريًا، فنصّت دساتيرها على مساواة المواطنين أمام القانون، بغضّ النظر عن الدين أو العرق. غير

أن المشكلة التي يثيرها بشارة تتمثل في الفجوة بين المبدأ والتطبيق؛ فمع إقرار مبدأ المواطنة في معظم الدول العربية، فإنّ ممارسات الأنظمة الحاكمة بقيت بعيدة عن ترسيخ المواطنة الفعلية. وغالبًا ما ساوت هذه الأنظمة، في خطابها، بين الوطنية والولاء الشخصي لها، بدلًا من الولاء للدولة مفهومًا عامًا. ويستشهد بحالات اعُتبُر فيها مجرّد معارضة النظام خيانة للوطن، في حين عُدّ الولاء للحاكم معيارًا للوطنية. ونتيجة لذلك، لجأت هذه الأنظمة، عوضًا عن العمل على دمج المواطنين في دولة المواطنة عبر مؤسسات مدنية عادلة، إلى استراتيجيات الزبونية والمحسوبية، التي تضمن ولاءات فئوية مقابل امتيازات. وبهذا، يرى أن مفهوم السيادة قد انحرف عن كونه سيادة قانون ومؤسسات، ليصبح سيادة حاكم أو فئة حاكمة، تمارس السلطة كأنها ملكية خاصة. وفي هذا الصدد، يكمن أحد جذور أزمة الدولة العربية، كما يحللها بشارة، في ضعف سيادة القانون، وهيمنة "سيادة الحاكم" الفعلية بدلًامن سيادة الدولة. ويرى بشارة أن الدولة السلطانية في تراثنا التاريخي قامت على شخصنة السلطة وشرعنتها دينيًا، انطلاقًا من مبدأ "طاعة وليّ الأمر من طاعة الله." أما مفهوم "الدولة-الأمة" الحديثة بوصفها عقدًا اجتماعيًا بين مواطنين متساوين، فهو حديث النشأة. وفي الوقت ننفسه، يوسّع هذا النقاش عبر إسقاطه على الواقع الراهن؛ إذ يبّي أن عددًا من الدول العربية اختزلت السيادة في شخص الرئيس أو الملك، حتى غدا هو مصدر السلطات كلّها، وهو ما يتناقض جذريًا مع المفهوم الحديث الذي يجعل السيادة للشعب ويجعل منه مصدر الشرعية. ويعالج جانبًا آخر على قدر كبير من الأهمية، يتمثل في التوتر القائم بين السيادة والمواطنة. فيشير إلى وجود توتّر بنيوي بين ميل الدولة الطبيعي، باعتبارها كيانًا سياديًا، إلى فرض سلطتها العليا من دون منازع، من جهة، ومقتضيات المواطنة التي تفترض وجود حقوق للأفراد وواجبات متبادلة، من شأنها أن تحدّ من إطلاق يد السلطة، من جهة أخرى. وَيَعدّ هذا التوتر ضروريًا لفهم تطور الدولة الحديثة؛ إذ إن جوهر المعضلة يكمن في التوازن المستمر الذي ينبغي للدولة أن تحققه بين فرض السيادة الممثلة في القانون والنظام، واسترضاء المواطنين وصيانة حقوقهم، كي تضمن قبولهم بهذه السيادة. وفي السياق العربي، ربما تكون كفّة السيادة السلطوية قد طغت على كفّة حقوق المواطنة في معظم التجارب، وهو ما أضعف ولاء المواطنين للدولة بوصفها كيانًا مشتركًا يمثلهم جميعًا. وُيُجسّد طرح بشارة تطلعات نظرية يشترك فيها كثير من أنصار الدولة المدنية الحديثة، تقوم على سيادة القانون، ودولة المواطنين المتساوين، وليس على دولة الرعايا أو المحسوبيات أو الزبونية. وعلى الرغم من أن هذه المبادئ ليست جديدة في حدّ ذاتها، فإن تناوله لها يتميّز بتأسيسه على تحليل تاريخي وسوسيولوجي يشرح أنسباب إخفاق دولنا في تحقيق هذا النموذج حتى اليوم؛ إذ يبّي أسباب إعادة الأنظمة العربية إنتاج نمط "سيادة السلطان" بصَيَغ جمهورية أو حزبية حديثة، لا تسبغ على الحاكم قداسة دينية، لكنها تحافظ على جوهر الممارسة: شخصنة الحكم، والاستئثار بالسلطة. وبناءً عليه، يعرّي بشارة هذه الممارسة بوضوح، ويضعها في مقابل النموذج المعياري للدولة الحديثة. ويتّصل هذا التحليل اتص لًاوثيقًا بنقاشات السيادة الشعبية التي برزت في أعقاب ثورات الربيع العربي؛ إذ طالبت الجماهير بأن يكون "الشعب مصدر السلطات" على نحو فعلي، وأّل ايكون ذلك شعارًا فحسب، وأن يخضع الحاكم للدستور والقانون مثل غيره من المواطنين. ومن هذا المنطلق، يوفّر الكتاب أرضية نظرية لفهم مطالب الانتقال الديمقراطي بوصفها محاولة لإصلاح العلاقة بين السيادة والمواطنة؛ أي نقل السيادة من الحاكم الفرد إلى الأمة عبر دستور وقانون يساوي بين الجميع.

رابعًا: تمايز الدولة من النظام أو السلطة الحاكمة

يشدّد بشارة على ضرورة التمييز بين الدولة بوصفها كيانًا ومؤسسات، ونظام الحكم الذي يدير الدولة. وليس هذا التمييز نظريًا صرفًا، بل له أهمية عملية كبيرة، فالدولة بمفهومها الحديث أشمل وأبقى من أّي حكومة أو نظام عابر؛ إذ هي مجموعة المؤسسات السيادية والإدارية والقانونية التي تنظم المجتمع على المدى الطويل، كالدستور والجيش والقضاء والإدارة العامة. أما النظام، فهو طريقة حكم محددة، قد تكون ديمقراطية أو سلطوية، تتولاها نخب تتغير بمرور الزمن. ويؤكد بشارة أنّه، على الرغم من الترابط الوثيق بين الدولة والنظام، ينبغي إدراك الفرق بينهما؛ فالدولة الحديثة "تشمل نظام الحكم ولا تقتصر عليه" (ص. 172)، ومن الخطأ النظري، بل الخطر العملي، الخلط الكامل بين الاثنين. لماذا يشدد بشارة على هذا التمايز؟ لأنه يرى أن غياب هذا التمييز في الوعي العربي أدى إلى نتائج وخيمة؛ إذ كثيرًا ما اخُتُزلت الدولة في شخص الحاكم أو الحكومة، حتى غدا إسقاط النظام في نظر البعض معاِدِلًالهدم الدولة ذاتها، وهي معادلة بالغة الخطورة. ويشير إلى أن استقرار الدولة لا يمكن فصله كلًّيًا عن استقرار نظام الحكم والمجتمع، لكنّ الدولة الحديثة قائمة في ذاتها، ولها استمرارية تتجاوز مسألة الدولة أعمار الأنظمة والحكّام. وقد ذكّر في كتابه السابق بأن

الدولة الحديثة تشمل النظام، لكنها مستقلة عنه تحليليًا11. وتبرز هذه المسألة مجددًا في كتابه محلّ مراجعتنا، عند تحليله لحالات دول ما بعد الربيع العربي؛ فقد رُفعت شعارات إسقاط النظام، لكّن الخشية الكبرى كانت، وما زالت، من انهيار الدولة إجمالًافي بعض البلدان، وهو ما حدث فعلًاعلى نحو مأساويّ في ليبيا واليمن، على سبيل المثال. ويعلّق بأن ضعف الدولة، أو انهيارها، لا يقود إلى الديمقراطية، بل إلى الفوضى؛ وأن شرط التحول الديمقراطي هو وجود دولة قادرة ومتماسكة تتحمل التعددية من دون أن تنحدر إلى حرب أهلية. ويتجسّد هذا المفهوم عمليًا في دعوته إلى إصلاح الدولة من دون هدمها؛ بما يعني أنه، حتى في حالة أكثر الأنظمة استبدادًا، فإّن أيّ مسعى لتغييرها ينبغي أن يراعي الحفاظ على مؤسسات الدولة ووحدتها. وقد قدّمت تجربة بلدان الربيع العربي دروسًا واضحة؛ ففي الحالات التي جرى فيها الحفاظ على هيكل الدولة، كما هو الشأن في تونس، أصبح تغيير النظام ممكنًا بتكلفة محدودة، بينما ساَدَت في البلدان التي تفكّكت فيها الدولة، أو ضعفت بشدة، على غرار ليبيا واليمن، ولاحقًا سورية، الفوضى والعنف الأهلي بدلًامن تحقق الحرية المنشودة. وبناءً عليه، ليس تمييز الدولة من النظام مسألةً نظريةً فحسب، بل هو شرٌطٌ أساسي لنجاح أيّ عملية إصلاح أو تغيير سياسي. ويقدّم بشارة أمثلة تاريخية توضح خطورة تماهي الدولة مع النظام. ففي الجمهوريات العربية التي حكمتها أحزابٌ شمولية، مثل حزب البعث في سورية والعراق، أو جبهة التحرير الوطني في الجزائر، تصرّفت تلك الأحزاب كأنها هي الدولة ذاتها. وبمرور الوقت، شاخت تلك النخب الحاكمة وفقدت مشروعيتها، لكنّ الدولة أصبحت رهينة لها، ولم يُعُد من الممكن تغيير النظام من دون المساس بكيان الدولة. ويذِّكِر بشارة بكيفية تحوّل جبهة التحرير الجزائرية من حركة تحُّرُر ذات رؤية لبناء الدولة والأمة إلى تنظيم بيروقراطي أحكم قبضته على الدولة، فانتفى الحدّ الفاصل بين الحزب والدولة. وينطبق الأمر نفسه على البلدان العربية التي حكمها حزب البعث العربي الاشتراكي، في العراق وسورية؛ إذ أصبحت الدولة عمليًا "دولة الحزب"، وتماهت المؤسسات السيادية مع قيادة الحزب الحاكم. وُتُظهر هذه الحالات أن الخطر لا يكمن في احتمال أن تلتهم السلطُةُ الحاكمة الدولَةَ فحسب، بل في أن إسقاط هذه السلطة قد يعني انهيار الدولة نفسها. ولذلك، يشير بشارة إلى أن تعرّض النظام السياسي لأزمات كبرى، كالحروب أو الثورات، يؤدّي فعلًاإلى أزمة في الدولة إذا كان النظام قد حلّ محلّها في الوعي والممارسة. وبناءً على ذلك، يرفض مقولة وجود "أزمة شرعية للدولة العربية" بوصفها أزمة منفصلة عن النظام؛ فالفوضى في ليبيا والسودان، وانتشار الميليشيات في المشرق، ليَسَا دليلًاعلى أزمة شرعية في كيان الدولة، بل إنهما يعّب ران عن أزمة شرعية الأنظمة وتفاقم الشروخ الاجتماعية تحت حكمها. وحين انهارت تلك الأنظمة جزئيًا، ظهرت أزمة الدولة، لأن المؤسسات كانت قد تآكلت وضعفت، وخسررت احتكار العنف الشرعي لمصلحة قوى أهلية مسلّحة. وفي هذا السياق، يتبنّى بشارة موقفًا بنيويًا محافظًا (بمعنى الحفاظ على الدولة) حتى في سياق نقده الجذري للأنظمة السلطوية. وقد يعترض البعض، وخصوصًا من منِّرظِي الثورة، بأن هذا التركيز على بقاء الدولة قد يُستخَدَم لتبرير إصلاح تدريجي بطيء بدلًامن التغيير الجذري، أو لتخويف الناس من إسقاط النظام بذرائع من قبيل: "سنواجه الفوضى وسنصبح مثل سورية أو ليبيا." لكنّه لا يدعو إلى الحفاظ على الدولة بأيّ ثمن، بل يؤكد أن بناء دولة المواطنين هو الهدف الأسمى، وأن هدم الدولة ليس سبيلًاإلى الحرية، بل طريق إلى الفوضى. وهو تحذير في محلّه، أكّده واقع بعض البلدان العربية. ومع ذلك، تبرز إشكالية فعلية، ففي الحالات التي يتداخل فيها النظام مع الدولة إلى حدّ التطابق، كيف يمكن فصل الجسدين وقت الجراحة من دون نزيف قاتل؟ يعترف بشارة ضمنيًا بصعوبة ذلك، في حالات مثل سورية وليبيا؛ إذ تداخلت بنية النظام مع البنية الجماعية التقليدية للمجتمع. فحين ضعف النظام، ظهرت الانقسامات الكامنة، وكادت تعصف بالدولة. أما العلاج المقترح ضمنيًا، فهو إعادة بناء دولة المواطنة، حتى لا تبقى الدولة رهينة للولاءات ما قبل الوطنية؛ أي إصلاح العلاقة بين الدولة والمجتمع، بحيث تستقل الدولة، باعتبارها مؤسسات محايدة، عن هيمنة فئة حاكمة أو عصبية أهلية، وتكتسب ولاء المواطنين جميعًا. وهذا مشروع طويل الأمد، لكنه هو الكفيل بتحصين الدولة ضد أزمات تغيير السلطة.

خامسًا: أبرز تحديات الدولة العربية في عمل بشارة

بعد استعراض النشأة والمسار التاريخي، ينتقل الكتاب إلى تشخيص التحديات المعاصرة التي تواجه الدولة العربية في مطلع القرن الحادي والعشرين. وتتمثل الصورة العامة التي يرسمها بشارة في دول نجحت، إلى حد بعيد، في تثبيت نفسها بوصفها وحدات سياسية معترفًا بها، فلم تُعُد فكرة الدولة الوطنية محلّ رفض شعبي واسع أو إنكار إقليمي، لكنها أخفقت في جوانب أساسية تتعلق بنوعية الحكم وشرعية الإدارة. ومن أبرز هذه التحديات التي يناقشها:

  1. مسألة الدولة استحالة الفصل بين الدولة ناقش بشارة في الفصل العاشر من كتابه ونظام الحكم في مجتمعات ما قبل الحداثة، مقابل إمكانية الفصل المفهومي بينهما في الدولة الحديثة، وطرح فرضية نظرية حول تطابق مؤسسات الدولة والنظام في الديمقراطيات الراسخة والدول الشمولية، وانفصالهما في النظم السلطوية والديمقراطيات غير الراسخة.

ضعف عقلانية الدولة مقابل عقلانية السلطة: يرى بشارة أن دول عربية عديدة انحدرت، بعد الاستقلال، إلى بناء منطق سلطة خاص (عقلانية أمنية وزبونية) على حساب عقلانية الدولة المؤسساتية. فبدلً من مواصلة بناء قاعدة اجتماعية للدولة (أمة المواطنين) عبر التنمية والدمج، اتجهت النخب الحاكمة إلى بناء قاعدة ولاء للنظام من خلال استراتيجيات الزبونية والقمع والفساد. ويقدّم قائمة مفصّلة بمظاهر هذا التحول في أثناء العقود الماضية، تتمثّل في تركّز السلطة والثروة في يد الرئيس وحاشيته، وتحوّل الجيش من أداة بناء وطني إلى أداة للسيطرة السياسية وتهميش دوره التنموي، وتضخّم البيروقراطية، بدلً  من خدمة الصالح العام، بل إنه تحوّل إلى توزيع المكاسب الوظيفية وبثّ الخوف عوضًا عن النجاعة، وتراجع دور الرأسمالية المنتجة وبروز رأسمالية طفيلية مرتبطة بالنخب الحاكمة، وترسّ خ نمط "الدولة الأمنية" التي تعتمد أجهزة المخابرات والقمع عمودًا فقريًا لجسدها، واستُبدلت سياسة دمج المواطنين على أساس المواطنة بسياسة احتواء الجماعات عبر الامتيازات مقابل الولاء. ويلاحظ أن هذه المظاهر تكاد تكون عامة في معظم الدول العربية بنسب متفاوتة. وينتقد بشارة هذه الاتجاهات بوصفها انحرافًا عن مسار الدولة الحديثة السليم، وتعبيرًا عن ضعف في البنية المؤسساتية التي لم تستطع الحفاظ على حيادها واستقلاليتها عن مصالح النخب الحاكمة. ويستشهد في ذلك بتحليلات باحثين مثل ليزا أندرسون12 وحنا بطاطو13 وغيرهما؛ إذ رأت أندرسون أن انتشار الزبونية ليس سمة ثقافية، بل نتاج ضعف قدرة الدولة على الوصول إلى جميع المناطق والفئات لتطبيق القانون وجمع الضرائب؛ أي إن الزبونية كانت الوسيلة الوحيدة المتاحة أمام النخب لضمان الاستقرار في ظل دولة ضعيفة الاختراق الاجتماعي. ويعلّق بشارة بأن الزبونية، أي نظام المحسوبية والشبكات العلائقية، هي في آنٍ معًا نتيجة لضعف مؤسسات الدولة وضعف اندماجها في المجتمع، وهي أيضًا استراتيجية واعية اتبعتها الأنظمة لتعزيز ولاءاتها، حتى إنْ كان ذلك على حساب بناء مؤسسات دولة محايدة. وبهذا المعنى، تُفشل الزبونية مشروع بناء الدولة الحديثة، على الرغم من نجاحها الآني في تثبيت النظام. ويشير أيضًا إلى مفهوم "الدولة المفرطة النمو" State Overdeveloped الذي طرحه حمزة علوي، واعتبره الأيوبي تفسيرًا مناسبًا؛ أي دولة متضخمة بيروقراطيًا، ذات ذراع عسكرية قوية، تتجاوز كثيرًا مستوى تطور المجتمع واقتصاده (ص. 381) وتستخدم هذه الدولة مؤسسات حديثة في الشكل لأغراض تقليدية تخدم الولاءات الخاصة؛ فهي حديثة في مظهرها، لكنها غير حداثية في جوهرها. وهي، بتعبير بشارة، نتاج العصر الحديث، لكن طبيعتها "نيوباتريمونية" (ص. 392) إشكالية الشرعية وغياب عقد اجتماعي: وجدت معظم الدول العربية نفسها، بعد عقود من الاستقلال، تعاني ضعفًا في شرعية الحكم. فمن جهة، فقدت الأيديولوجيات المؤسِّسة بريقها، كشرعية التحرر الثوري أو الشعارات القومية. ومن جهة أخرى، لم تطوّر شرعيةً بديلة قائمة على الإنجاز الاقتصادي أو الرضا الشعبي. ويلاحظ بشارة أن بعض الأنظمة العربية واصلت حكمها بالاعتماد على شرعية قهرية (قوة أمنية)، مع شيء من شرعية الإنجاز الريعي، لا سيما في الدول النفطية التي تستخدم الإنفاق الريعي لشراء الرضا. لكنّ القبول الشعبي بأنظمة الحكم تآكل عمومًا، نتيجة تفشّ الفساد، واتساع الفجوة الطبقية، وتعثّ مشاريع التنمية. ويعلّق بشارة بأن الشرعية الحقيقية لا تقوم على القوة وحدها، بل على القبول الشعبي، والإنجاز، والصدقية الأخلاقية، وهو ما تفتقر إليه بعض النظم السياسية العربية. فقد وُعِدت الشعوب بالوحدة، والازدهار، والعدالة الاجتماعية، ولم يتحقق إلا القليل من ذلك. ونتيجة لهذا الفشل، برزت حركات معارضة ذات طابع أيديولوجي بديل، إسلامي أو قومي متجدد، تطعن في شرعية الدول القائمة، وتطرح بدائل مثل "الأمة الإسلامية" أو "الأمة العربية الواحدة." لكنّه يلاحظ أن هذا الخلاف الأيديولوجي حول مفهوم الأمة، بين إسلامية وعربية أو بين عربية وقُطرية، لم يعُد اليوم التهديد الأكبر لشرعية الدولة؛ فمعظم تلك الحركات تكيّفت مع واقع الدول القائمة، وأصبحت تسعى للوصول إلى الحكم من داخلها بدلً من إسقاطها. ولم نشهد حركات جدّية عابرة للحدود تهدّد سيادة الدول، ما عدا حالات مؤقتة مثل تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش"14 الذي أعلن خلافةً عابرة للحدود. وبناء على ذلك، يرى بشارة أن شرعية الدولة الوطنية باتت مسلَمةً لدى الرأي العام العربي، وأن أزمة الشرعية الحقيقية تكمن في شرعية أنظمة الحكم، التي لم ترتقِ إلى مستوى تطلعات مجتمعاتها. وهذا تحليل ذو أهمية، لأنه يعني أن الحل لا يكمن في إيجاد بديل من

  1. للمزيد من التفاصيل، ينظر: Lisa Anderson, "The State in the Middle East and North Africa," Comparative Politics , vol. 20, no. 1 (1987), pp. 1 - 18.
  2. للمزيد من التفاصيل، ينظر: Hanna Batatu, Syria's Peasantry: The Descendants of Its Lesser Rural Notables, and Their Politics (Princeton: Princeton University Press, 1999).
  3. أسهم بشارة في تحليل طرح "الخلافة" الذي قدّمه التنظيم بوصفه كيانًا عابرًا للحدود يطعن في شرعية الدولة الوطنية، مبرزًا أنّ هذا النموذج لم ينجح إلا في ظروف انهيار الدول، وأنه بقي استثناءً مؤقتًا سرعان ما تهاوى مع غياب مقومات الدولة الحديثة. ينظر: عزمي بشارة، نتظيم الدولة الم كنّى "داعش"، الجزء الأول: إطار عام ومساهمة نقدية في فهم الظاهرة (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2018

الدولة الوطنية (خلافة إسلامية أو وحدة عربية شاملة مثلًا)، بل في إصلاح العلاقة داخل الدولة بين المواطنين والدولة؛ أي إصلاح عقد الدولة - المواطن في كل دولة على حدة. تحدي الهويات ما دون الوطنية والصراعات الأهلية: يشير بشارة إلى أن فشل الدولة (والنظام) في بناء هوية وطنية جامعة ومتماسكة أدى إلى استمرار الهويات التقليدية (الطائفية، والقبلية، والإثنية، والجهوية) فاعلةً سياسيًا. وقد طفت هذه الولاءات على السطح وتحدّت الدولة في ظروف الأزمات وانهيار القبضة المركزية؛ على غرار العراق ولبنان واليمن وليبيا وسورية في مراحل مختلفة. فقد أصبحت الميليشيات والهويات الفرعية فواعل أساسية تنازع الدولة احتكار العنف والولاء. ويعتبر بشارة أن امتلاك الجماعات الأهلية للسلاح وتطبيق أعرافها الخاصة (كالقضاء العشائري مثلً) يتعارضان مع فكرة الدولة الحديثة، لأنهما يخرقان مبدأ سيادة القانون ووحدة السلطة. ويرى أن هذه الظواهر لم تكن لتبرز بهذا الوضوح لولا ضعف مؤسسات الدولة الإدماجية والخدمية، وفشلها في ترسيخ المواطنة بصفتها هويةً تعلو على سائر الهويات. فعندما يشعر جزء من المواطنين بأنهم مهمّشون أو مستبعَدون من عقد المواطنة، أو أن الدولة لا تحميهم ولا ترعى حقوقهم، إلى جماعاتهم الأولية طلبًا للحماية والتضامن يلجؤون. وهكذا، تُبعث العصبيات القديمة من جديد، ردَّةَ فعلٍ على إخفاق مشروع دولة المواطنة. ويُعدّ التعامل مع هذا التحدي اختبارًا مصيريًا للدولة العربية اليوم. وفي هذا السياق، يؤكد بشارة أن إعادة بناء الدولة والأمة المواطنية في البلدان التي فتكت بها الصراعات الأهلية (مثل العراق ولبنان وليبيا واليمن والسودان) هي المهمة الملحّة أمام مجتمعاتها. وينظر بحزم إلى أنه لا بديل من الدولة الوطنية لاحتواء هذه الصراعات، عبر إصلاحات سياسية تشمل الجميع على قدم المساواة في المواطنة. أما الدعوات إلى كيان أممي أكبر، أو إلى التقسيم والتفتيت، فليست حلولً عملية، بل هي إما طوباويات وإما مخاطر. والواقع أن معظم الدول العربية، حتى التي عانت نزاعات أهلية، لم تتجه إلى التقسيم رسميًا، على الرغم من كثرة الحديث عن "سايكس - بيكو جديد." ويعلّق بشارة بأن الحدود القائمة جرى الحفاظ عليها عمليًا، بغضّ النظر عن كل الخلافات، ولم تظهر حركات انفصالية ناجحة ذات شأن عام، باستثناء انفصال جنوب السودان عن السودان في حالة خاصة. وهذا يعني أن الدولة القُطرية راسخة من حيث الإطار، لكنّ محتواها الداخلي مختل. ومن ثم، يشدّد على الحاجة إلى عقد اجتماعي جديد داخل هذه الدول، يضمن مشاركة عادلة للجميع. معضلة التنمية الاقتصادية والدور الخارجي: لا يغفل بشارة جانب الاقتصاد السياسي في أزمة الدولة؛ إذ يذكر أن قطاع الدولة العام، الذي قاد التنمية في العقود الأولى بعد الاستقلال، عجز عن مواصلة مسيرة التنمية، وأصاب الاقتصادات بالترهّل. وقد جرى تهميش البرجوازية المنتِجة لمصلحة رأسماليات طفيلية مرتبطة بالسلطة. وهذا جعل العديد من الدول العربية تابعةًاقتصاديًا، وذات ريعية مرتفعة، الأمر الذي قوّض استقلالية القرار السياسي؛ إذ تعتمد دول عديدة على مساعدات أو ريوع خارجية. ويمكن أن نضيف هنا أن العولمة والانفتاح غير المنضبط قد فاقما هشاشة الاقتصادات الوطنية، ومن ثم هشاشة الدولة في مواجهة الضغوط الدولية. ويرى بشارة أن من بين أهم مؤشرات قوة الدولة: جباية الضرائب المباشرة على المداخيل، لأنها تعكس أمرين أساسيين، هما: قدرات مؤسسات الدولة الإدارية والتنظيمية، وقدرتها على الوصول إلى المواطنين أفرادًا، وشرعية الدولة ومقبوليتها لدى السكان في الوقت نفسه. وهذا العنصر الاقتصادي مهم، لأن قوة الدولة ترتبط بقدرتها على تعبئة الموارد ذاتيًا (ص. 419) ويخلص إلى أن تقوية الدولة لا تكون من خلال الإجراءات السياسية أو الأمنية فحسب، بل كذلك عبر تنمية اقتصادية شاملة تقلّل الارتهان، وتجسرر الفجوات الطبقية، وتُنشئ ولاءً قائمًا على الرضا المادي. وهذا بُعدٌ ربما لم يُفصَّل في الكتاب تفصيلً كافيًا، نظرًا إلى تركيزه على الجوانب السياسية والتاريخية، لكنه حاضر ضمنيًا في تحليلاته المتعلقة بتضخّم البيروقراطية، وضعف الأداء التنموي، وازدياد الاعتماد على الخارج. وعند النظر إلى هذه التحديات، نلاحظ أن تشخيص بشارة يتطابق إلى حد بعيد مع واقع الأزمات العربية بعد الثورات التي انطلقت عام 2011؛ فقد رأينا أن سقوط بعض الأنظمة عرّى هشاشة الدولة في مواضع متعددة، وأن استمرار أنظمة أخرى في نهجها السلطوي زاد الاحتقان حدّةً، كما هو الشأن في الدول التي لم تتغير أنظمتها جذريًا، والتي واجهت لاحقًا موجات احتجاج، مثل العراق ولبنان والسودان عام.2019

خاتمة

الدولة العربية: بحث في المنشأ والمسار مراجعة يقدم بشارة في كتاب متكاملة لمسألة الدولة العربية قَّلَ نظيرها في النتاج الفكري العربي الحديث. فعلى امتداد نحو 500 صفحة من الحجاج والتحليل المدعوم بفحص الوقائع والاشتباك مع المراجع، نجح في تأريخ نشأة الدولة العربية الحديثة، وتشريح بنيتها، ونقائصها النظرية

والعملية. وقد تجلّت فيه رؤية المؤلف المركّبة التي استفادت من الإرث الفكري العربي، وُصُِقِلت بإضافات جديدة، سواء كان ذلك في المفاهيم (مثل إعلاء شأن المواطنة عنصرًا في تعريف الدولة)، أو في التفسيرات التاريخية، أو في استخلاص الدروس من تجارب العقد الأخير (مثل تمييز أزمة الدولة من أزمة النظام.) يقع الكتاب في صلب النقاش الأكاديمي العربي حول الدولة، معرّب ا عن مدرسة فكرية تؤمن بإمكانية إصلاح الدولة العربية عبر التشخيص الموضوعي والعلمي لمشكلاتها. ولم يكتِفِ بوصف الِعَِلَل، بل لَّمَح إلى وصفات علاجية: بناء مؤسسات دولة إدماجية، وترسيخ سيادة القانون، وتحييد أجهزة الدولة عن صراع السلطة، واستعادة شرعية الدولة بخدمة المواطن، وغيرها. ويمكن أن يلمس القارئ بوضوح أن هذا الكتاب لا يقتصر على التنظير المجرّد؛ ذلك أنه يشتمل على اهتمامات المصلح المعني برسم مسار مستقبلي. فالدروس المستقاة من التاريخ في ثناياه تبدو موَّجَهة إلى صُنّاع القرار والمعارضة والجمهور معًا: احذروا انهيار الدولة، فهو أسوأ من بقاء الاستبداد؛ ولكن اعلموا أن إصلاح الدولة ممكن وضروري عبر تحويلها إلى دولة مواطنين لا رعايا. بهذا المعنى، يتجاوز هذا العمل حدود التحليل النظري لتصبح مساهمة في خطاب التحديث السياسي في العالم العربي. وعلى المستوى الأكاديمي البحثي، يوفر الكتاب أرضية صلبة لأبحاث لاحقة أكثر تخصصًا. فقد يثير أسئلة تفصيلية تتعلق، مثلًا، بدور العوامل الاقتصادية الدولية (من قبيل أسعار النفط والديون) في أثناء قوة الدولة أو ضعفها، أو الاختلافات بين الملكيات والجمهوريات في بناء شرعية الدولة، أو تجارب الدول العربية الصغيرة التي لم يتعمق في تناولها. لكن هذه ليست نقائص، بل هي آفاق بحثية أسفر عنها هذا الكتاب؛ فكل دراسة شاملة لا بد من أن تختصر في مواضع معيّنة؛ ومن ثمّ يكون على باحثين آخرين البناء عليها. يمكننا القول إن الكتاب يمثل مرجعًا تحليليًا متكاملًالمسألة الدولة العربية، يجمع بين التاريخ والفكر والسياسة في آٍنٍ واحد، وقد نجح في تحقيق هدفه في تقديم إضافة نظرية ومنهجية تسد فراغًا في المكتبة العربية، بل تتنافس مع أبرز المؤلّفات الأجنبية في موضوع الدولة العربية. وبهذا يكون، بأسلوبه العلمي الرصين، وتنظيمه المحكم، واستنتاجاته الجريئة، قد وضع معايير جديدة لعلاقات الفكر العربي بمسألة الدولة؛ معايير تقوم على الدراسة المعمقة المتعددة التخصصات، والنقد الصارم للأيديولوجيات المسبقة، والرؤية الإصلاحية الواقعية.

المراجع

العربية

بشارة، عزمي. الثورة التونسية: بنية ثورة وصيرورتها من خلال يومياتها. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2012.________ الدين والعلمانية في سياق تاريخي، الجزء الأول: الدين والتدين. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2012 المجتمع المدني: دراسة نقدية.________. ط 9. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2017.________ سورية: درب الآلام نحو الحرية، محاولة في التاريخ الراهن. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2013.________ ثورة مصر، الجزء الأول: من جمهورية يوليو إلى ثورة يناير. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2016 ثورة مصر، الجزء الثاني: من الثورة إلى الانقلاب.________. الدوحة / بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2016.________ في المسألة العربية: مقدمة لبيان ديمقراطي عربي. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2018.________ نتظيم الدولة الم كنّى "داعش"، الجزء الأول: إطار عام ومساهمة نقدية في فهم الظاهرة. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2018 تبنُّين ________. "في أولوية الفهم على المنهج.". مج  8، العدد 30 (صيف.)2019.________ الانتقال الديمقراطي وإشكالياته: دراسة نظرية وتطبيقية مقارنة. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2020.________ مسألة الدولة: أطروحة في الفلسفة والنظرية والسياقات. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2023 قضية فلسطينن: أسئلة الحقيقة والعدالة.________. الدوحة / بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2024

غزلان، محمود [وآخرون.] الحكومة العربية في دمشق: التجربة المبكرة للدولة العربية الحديثة)1920–1918(. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2021 المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. المؤشر العربي 2025. برنامج قياس الرأي العام. في: https://acr.ps/1L9BPQC

الأجنبية

Anderson, Lisa. "The State in the Middle East and North Africa." Comparative Politics. vol. 20, no. 1 (1987). Ayubi, Nazih N. Over-stating the Arab State: Politics and Society in the Middle Easte. London/ New York: I.B. Tauris, 1995. Batatu, Hanna. Syria's Peasantry: the Descendants of its Lesser Rural Notables, and their Politics. Princeton: Princeton University Press, 1999. Luciani, Giacomo (ed.). The Arab State. Berkeley, CA: University of California Press, 1990. Tilly, Charles (ed.). The Formation of National States in Western Europe. Princeton, NJ: Princeton University Press, 1975.