السياسات الخارجية والأمنية الإيرانية وحرب الاثني عشر يومًا: واقعية أم مثالية أم سياسة داخلية؟ **

Mehran Kamrava مهران كامرافا |

الملخّص

Despite the sharp and often uncompromising rhetoric that accompanies it, Iran's foreign policy is deeply pragmatic and is guided by practical, strategic considerations and objectives. Especially after the end of the war with Iraq in 1989 , successive administrations in Tehran have pursued foreign policies that have been largely nonideological, guided more by the logic of national interests as dictated by evolving circumstances rather than by the principles of the 1978 - 79 revolution. Constitutionally, while the Supreme Leader is technically in overall charge of the country's international relations, Ayatollah Khamenei's guiding principles for conducting foreign policy – dignity, wisdom, and expediency – are broad enough to include a wide range of potential policy options. With the Islamic Republic seemingly embroiled in one regional and international crisis after another, pragmatism has become its default backup policy. A legacy of the war with Iraq from 1980 to 1988 , this hard realism is only likely to be reinforced as the lingering consequences of the Twelve-Day War shape Iranian foreign and security policies in the years to come. Keywords: Iranian Foreign Policy, 1978 - 1979 Revolution, Twelve-Day War, Iran-Iraq War, Pragmatism.

Iranian Foreign and Security Policies and the Twelve-Day War: Realism, Idealism, or Domestic Politics?

يّت سم الخطاب الذي يرتبط بسياسة إيران الخارجية، في كثير من الأحيان، بنوٍعٍ من الحدّة. وعلى الرغم من ذلك، فإنّ هذه السياسة تّت صف ببراغماتية شديدة، وتسترشد باعتبارات وأهداف عملية واستراتيجية. وبعد نهاية الحرب مع العراق عام 1989، تبّن ت الإدارات المتعاقبة في طهران سياسات خارجية غير أيديولوجية إلى حد بعيد، موَّجَهة بمنطق المصالح الوطنية كما تمليها الظروف المتغيرة، بدلًا من مبادئ ثورة 1978 - 1979. وعلى الرغم من أن المرشد الأعلى هو المسؤول، من الناحية الدستورية، عن العلاقات الدولية للبلاد، فإن المبادئ التوجيهية التي وضعها آية الله خامنئي لإدارة السياسة الخارجية (الكرامة، والحكمة، والمصلحة) جاءت واسعة على نحو كاٍفٍ لتشمل طيفًا واسعًا من الخيارات السياسية المحتملة. ومع انغماس الجمهورية الإسلامية في أزمات إقليمية ودولية متتالية، أصبحت البراغماتية سياسة احتياطية يجري استدعاؤها كلما دعت حاجة إليها. إن هذه الواقعية المتشددة، التي ت عُّدُ إرثًا من الحرب مع العراق في الفترة 1980 - 1988، من المرجح أن تتعزز مع استمرار تداعيات حرب الاثني عشر يومًا في تشكيل السياسات الخارجية والأمنية الإيرانية في السنوات المقبلة.

كلمات مفتاحية: السياسة الخارجية الإيرانية، ثورة 1978 - 1979، حرب الاثني عشر يومًا، الحرب العراقية - الإيرانية، البراغماتية.

مقدمة

يبدو أن حرب "الاثني عشر يومًا" تركت آثارًا ممتدة في السياسات الخارجية والأمنية الإيرانية. تنطلق إيران في علاقاتها الدولية من نزعة مراِجِعة Revisionism، تدعو من خلالها إلى تغيير النظام الدولي، ولا سيما الأنظمة الإقليمية  1. غير أنّ هذه النزعة تحكمها في المقام الأول اعتباراٌتٌ استراتيجية قصيرة ومتوسطة المدى، أكثر مما تحكمها أجنداٌتٌ أيديولوجية شاملة. وقد أسهم هذا التوجّه في ترسيخ صورة الجمهورية الإسلامية بوصفها دولة منبوذة دوليًا؛ لأنه تزامن مع إصرارها على حقها في برنامج نووي سلمي. وارتبط هذا التوجه أيضًا بأزمات داخلية اتسمت بالقمع والصراعات الفئوية والاضطراب السياسي. وقد غذّت هذه الصورَةَ وقائُعُ أخرى، مثل اغتيال معارضين في الخارج ومهاجمة سفارات واتهامات بدعم جماعات إرهابية. لذلك، ساد شعور لدى صنّاع القرار الإيرانيين بأن المجتمع الدولي ينبذهم، وأنهم محاصرون ومحاطون بأطراف معادية. وتفاقم هذا الإحساس بالحصار مع الدعم الدولي والإقليمي الواسع الذي تلقّاه العراق بعد غزوه إيران في عام 1980، ليتعزز لاحقًا مع انتشار القواعد العسكرية الأميركية في الشرق الأوسط منذ أوائل التسعينيات. غير أن الصعوبات التي واجهت مساعي إيران لإقامة علاقات دبلوماسية طبيعية مع الدول الأخرى ذات السيادة سرعان ما خفتت بفضل الحيّز الذي أتاحته هشاشة السلطة السياسية في لبنان، ثم لاحقًا في أفغانستان والعراق؛ فقد أتاحت لها هشاشة الحكومات المركزية، أو غيابها في هذه البلدان، فرصة لبناء روابط مع فاعلين من غير الدول يشاركونها التوجهات نفسها. وُتُِّوِج ذلك في لبنان تحديدًا بدعم إيران عملية تأسيس حزب الله في عام 1982 بوصفه حليفًا من الفاعلين من غير الدول، بما يعزّز حماية مصالحها ويوسّع نفوذها في منطقةٍ بالغة الأهمية من الناحية الاستراتيجية. يعود توطيُدُ الجمهورية الإسلامية علاقاتها مع فاعلين من غير الدول إلى الحرب العراقية - الإيرانية، حين رأت في الميليشيات أداَةَ ردٍعٍ فعّالة. وخلال هذه الحرب، أدرك صنّاع القرار الإيرانيون أنهم يعيشون عزلةًاستراتيجية، وأنهم ليس لديهم سوى القليل من الأصدقاء خارج الحدود. ومنذ ذلك الحين، لم تُسفر محاولات إنهاء هذه العزلة إلا عن مكاسب محدودة  2. وقد تأكد هذا بوضوح خلال حرب الاثني عشر يومًا، في يونيو/ حزيران 2025، وما تلاها من تبعات؛ إذ لم تُوفّر الاتفاقيات الاستراتيجية الطويلة الأمد مع الصين 2021()، ولا الانضمام إلى منظمة شنغهاي للتعاون 2023() ومجموعة بريكس 2024()، حمايةً لإيران من هجوٍمٍ عسكرٍّيٍ مشترك إسرائيلي – أميركي. وهذا ما دفع إيران إلى الانشغال بتطوير قدرات ردٍعٍ محلية الصنع، أو مرتبطة بها بروابط عضوية وثيقة. تتناول هذه الدراسة السياسة الخارجية الإيرانية في مرحلة ما قبل حرب يونيو/ حزيران 2025 وما بعدها. وهي تحاجّ بأن هذه السياسة تظل شديدة البراغماتية، وتتحكم فيها اعتبارات وأهداف عملية واستراتيجية، وذلك على الرغم من الخطاب الحادّ غير المتساهل الذي يرتبط بها. ويظهر ذلك على نحو أوضح، بعد نهاية الحرب مع العراق عام 1989، إذ اتبعت الإدارات المتعاقبة في إيران سياسات خارجية كانت في معظمها غير مؤدلجة، واتسمت بتغليب منطق المصالح الوطنية كما تمليه الظروف المتغيرة، وليس كما تقتضيه مبادئ ثورة 1979–1978. من وجهة نظرية دستورية، ومع أن المرشد الأعلى يتولى من الناحية التقنية الإشراف العام على العلاقات الدولية للبلاد، فإن مبادئ آية الله خامنئي في إدارة السياسة الخارجية (الكرامة ezzat، والحكمة hekmat، والمصلحة maslahat) تُعدّ فضفاضة إلى حدّ بعيد لاستيعاب طيف واسع من الخيارات السياسية المحتملة. ومع تكرار تورّط الجمهورية الإسلامية في أزمة تتلوها أخرى، إقليمية أو دولية، غدت البراغماتية خيارها الاحتياطي الذي تلجأ إليه تلقائيًا. لقد أدرك صانعو القرار في إيران سريعًا بعد عام 1979، على غرار نظرائهم من صنّاع السياسات الثوريين في أماكن أخرى، أن المبادئ الأيديولوجية للثورة الإسلامية لا تنسجم دائمًا مع متطلبات إدارة السياسة الخارجية بما يخدم أهدافهم. فقد ظلّ الدافع القومي هو الغالب؛ لذلك، قُدّمت حماية المصالح الوطنية الإيرانية على الالتزامات الثورية، بل حتى الدينية. وهو ما يؤكده قيام آية الله الخميني، مؤسس الجمهورية الإسلامية، في عام 1988 بتوبيخ رئيس البلاد حينها (خامنئي) على إغفاِلِه أهميَةَ "مقتضيات الدولة" وتقديِمِه الالتزاماِتِ الدينيَةَ عليها  3. وفي السياق نفسه، وكما سنبّي ن لاحقًا بمزيد من التفصيل، جعل خامنئي "المصلحة" ركنًا من أركان سياسته الخارجية. وبهذا، كرّست أعلى سلطة دينية في البلاد أولويَةَ الاعتبارات الاستراتيجية على الاعتبارات المعيارية أو الدينية. غالبًا ما تدفع تعقيداُتُ ما بعد الثورة الدوَلَ إلى تقديم ضرورات الحكم على مُُثُلها الأولى. وليست إيران استثناءً من القاعدة. وقد

  1. Mehran Kamrava, "Hierarchy and Instability in the Middle East Regional Order," International Studies Journal , vol. 14, no. 4 (Spring 2018), pp. 1-35; Weidong Zhang, "Why States Become Revisionists: A Literature Review," International Area Studies Review , vol. 28, no. 2 (2025), pp. 103-112.
  2. Thomas Juneau & Sam Razavi, "Introduction: Alone in the World," in:
  3. Thomas Juneau & Sam Razavi (eds.), Iranian Foreign Policy since 2001: Alone in the World (London: Routledge, 2013), pp. 1-17. 3  Mehran Kamrava, How Islam Rules in Iran: Theology and Theocracy in the Islamic Republic (Cambridge: Cambridge University Press, 2024), pp. 98-103.

أدرك جوزيف ستالين منذ عام 1924 أن "الاشتراكية في بلد واحد" يمكن أن تكون خطوةً لا بدّ منها قبل "الثورة العالمية"، فانعكس ذلك على ترتيب الأولويات في المرحلة التالية، مع بقاء الخطاب محتفظًا بتفضيلاٍتٍ أيديولوجية بشأن شكل النظام العالمي  4. في المراحل الأولى لأي ثورة، تؤدي الهوية غالبًا دور الإطار الذي تُعَّرَف من خلاله المصالح الاستراتيجية وُتُحَّدَد سبل السعي لها. غير أن الحالة الإيرانية تُبّين، بوضوح، أن دول ما بعد الثورة تميل، مع مرور الوقت، إلى أحد مسارين: إمّا التخلي عن أجنداتها الأيديولوجية كليًا، وإمّا إعادة توجيهها وتكييفها بما يلائم احتياجاٍتٍ أشدّ إلحاحًا وأكثر تقلبًا. وفي إيران اليوم، تُستدعى الهوية في السياسة الخارجية غالبًا، لتوفير مسوٍّغٍ إضافي للخيارات المتاحة، وليس من أجل أن تكون محرّكها الأساسي. تستهلّ الدراسة بتقديم نظرة عامة على أبرز سمات السياسة الخارجية للجمهورية الإسلامية، فُتبُرز التوتر الظاهر بين المثالية Idealism والواقعية Realism، وتتناول بصمات الرؤساء المتعاقبين، بعد حرب العراق، في توجيهها، ودور المرشد الأعلى، علي خامنئي، في صياغتها وممارستها، كما تتوقف عند مساعي "أمننتها" (بمعنى إضفاء الطابع الأمني عليها Securitization) المتواصلة خلال السنوات الأخيرة. ثم تنتقل الدراسة إلى بحث نظرية السياسة الخارجية الإيرانية وممارستها، مع تركيٍزٍ خاص على بعض الُمُثُل التي يُفترض أن تُوجّه علاقاِتِ الجمهورية الإسلامية الدوليَةَ. وبعد ذلك، تتناول الدراسة العلاقة بين هذه الُمُثُل والأهداف الاستراتيجية التي سعى صنّاع القرار لتحقيقها، وفي مقدمتها بناُءُ قدرات ردٍعٍ موثوقة في مواجهة الخصوم، وبالأخص إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية، ثم على نحو أقلّ حلفاؤهما الإقليميون في المنطقة. وبعد انتهاء الحرب مع العراق في عام 1988، جعل الرؤساء المتعاقبون من الردع محور سياساتهم، ضمن منظور واقعي أوسع. وتختتم الدراسة بتقييم أثر حرب الاثني عشر يومًا في إعادة تشكيل السياسة الخارجية الإيرانية خلال السنوات المقبلة؛ ذلك أنه يُرَّجَح أن يمسّ التغيير أدوات هذه السياسة وصورتها العامة، بينما تبقى أسسها الحاكمة على حالها. فمع التراجع العسكري ل "محور المقاومة" إقليميًا، يُرَّجَح أن تتجه إيران إلى تقوية قدراتها الذاتية، وسيغدو برنامج الصواريخ قلب استراتيجيتها الردعية.

أولًا: السياسات الخارجية والأمنية الإيرانية: نظرة عامة

تتسم السياسة الخارجية الإيرانية بعدة سمات يجدر إبرازها ههنا. أولًا، ثمة فجوة شاسعة بين الخطاب الذي تُقدم من خلالها سياسة الجمهورية الإسلامية الخارجية والسياسات التي تُطَّبَق فعليًا على الأرض، وقد تصل هذه الفجوة أحيانًا إلى مفارقة صريحة 5. وتتسع هذه الهوة وتزداد حَّدَةً في الحالة الإيرانية، كما هي الحال في كثير من دول ما بعد الثورة؛ إذ يصبح التناقض شبه حتمي بين مُُثُل ثورة 1979–1978 التي تمسّك بها المنتصرون، والاحتياجات الاستراتيجية المتبدّلة ومأزق الدولة  6. ثانيًا، على الرغم من أن التوتر بين الخطاب والواقع ظل سمةً ملازمة للسياسة الخارجية الإيرانية بعد عام 1979، فإن الإدارات الرئاسية المتعاقبة منذ نهاية الحرب العراقية – الإيرانية عام 1988 تركت بصماٍتٍ مختلفة على علاقات البلاد الدولية. فقد تعاقبت على إيران ستّ إدارات رئاسية، وارتبطت كل واحدة منها بملف خارجي مميز (ينظر الجدول 1.) ولا تكاد سمة "الإفراط في الأدلجة" و"الثورية" تنطبق إلا على إدارة واحدة هي إدارة محمود أحمدي نجاد  7. أمّا بقية الإدارات، فقد اتبعت سياسة خارجية قدّمت المصالح الوطنية وفقًا للمنظور الواقعي، وجعلت الأهداف الاستراتيجية في المقدمة. وحتى الرئيس إبراهيم رئيسي، على الرغم من انسجام سياساته الداخلية، إلى حد بعيد، مع توجهات المحافظين المتشددين، نجح عام 2023 في تطبيع العلاقات مع المملكة العربية السعودية بعد سبع سنوات من القطيعة الحادة، ضمن سياسة "علاقات حسن الجوار" التي تبنّاها  8. ثالثًا، يحظى دور المرشد الأعلى بمركزيةٍ في ضبط النبرة العامة ورسم الخطوط الكبرى للسياسة الداخلية والعلاقات الدولية. وقد تعاقب على الجمهورية الإسلامية مرشدان حتى الآن: مؤسّس النظام، آية الله روح الله الخميني 1989–1979()، ثم آية الله علي خامنئي

  1. Erik Van Ree, "Socialism in One Country: A Reassessment," Studies in East European Thought , vol. 50, no. 2 (1998), pp. 77-117.
  2. 5  محمد كلانتاري، "معضلة أمن النفوذ: العقيدة الشيعية العابرة للحدود الوطنية وحدود سياسات عربية، مج السياسة الخارجية الإيرانية"، 13، العدد 77 (تشرين الثاني/ نوفمبر 2025)، ص.25-9
  3. Chad Nelson & Aurthur Stein, "The Attenuation of Revolutionary Foreign Policy," International Politics , vol. 52, no. 5 (2015), pp. 626-636.
  4. 7  ينظر: محمد حمشي، "الطائفية أداة للسياسة الخارجية: مقاربة من منظور حقل المسألة الطائفية وصناعة الأقليات في الوطن العربي (الدوحة/ بيروت العلاقات الدولية"، في:: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2017
  5. Ali Bagheri Dolatabadi & Mehran Kamrava, "Iran's Neighborhood Policy: Parameters, Objectives, and Obstacles," Middle East Policy , vol. 31, no. 4 (December 2024), pp. 56-73. المصدر: من إعداد الباحث.

توجهات السياسة الخارجية الرئاسية

الموضوع والأولويات الرئيسة في السياسة الخارجيةالسنواتالإدارة
إعادة إعمار البنية التحتية وعلاقات إيران مع الدول الأخرى1997-1989أكبر هاشمي رفسنجاني
حوار الحضارات، وخفض التوتر، وتحسين العلاقات2005-1997محمد خاتمي
الأصولية (التمّسّك بالمبادئ) في العلاقات الداخلية والدولية2013-2005محمود أحمدي نجاد
الاعتدال في السياستين الداخلية والدولية2021-2013حسن روحاني
علاقات حسن الجوار، وخفض التوتر في المنطقة2024-2021إبراهيم رئيسي
رغبة في تحسين العلاقات، طغت عليها الأحداث-2024مسعود بزشكيان

(منذ عام 91989.) ولم يبرز انخراط خامنئي المباشر في إدارة شؤون الدولة على نحٍوٍ أوضح إلا بعد إعادة انتخاب الرئيس أحمدي نجاد المتنازع عليها عام 2009 وما تلاها من احتجاجات واسعة 10. ومنذ ذلك الحين، اتخذ مواقف تضعه في معسكر المتشددين، أو على الأقل المحافظين أيديولوجيًا  11. ومع ذلك، يُعرف عن خامنئي أنه قّلمّا يتحمل مسؤولية التطورات السياسية والاقتصادية والدبلوماسية التي تقع في عهده؛ إذ لا يفصح عن موقفه عادة إلا بعد تبّي نملامح المشهد. ففي عام 2018، عقب انسحاب الولايات المتحدة أحاديًا من الاتفاق النووي الإيراني، قال إنه لم يثق بالأميركيين أصلًا، لكنه لم يُِرِد عرقلة مساعي الرئيس روحاني للتوصل إلى اتفاق بشأن الملف النووي  12. وعلى النهج نفسه، التزم الحذر تجاه المبادرات الخطابية للرئيس مسعود بزشكيان تجاه الغرب، فلم يؤيدها صراحةً، ولكنه لم يحظرها أيضًا. من اللافت للانتباه أن خامنئي طرح مجموعة مبادئ قال إنها تمثّل إطارًا موجّهًا للسياسة الخارجية، وهي تقوم على ثلاث ركائز: الكرامة، والحكمة، والمصلحة. وتعني الكرامة ezzat أن تنال البلاد الاحترام الذي تراه مستحقًا، بينما تحيل الحكمة hekmat إلى الوعي والذكاء، أمّا المصلحة maslahat فتدلّ على قدٍرٍ من المرونة من دون التفريط في المبادئ  13. غير أن هذه الثلاثية، على الرغم من جاذبيتها بوصفها شعارات، تظل أقرب إلى الإطار العام من كونها دليلًاعملًّيًا؛ فهي تتّسع لتبرير خياراٍتٍ متباينة، لكنها لا تقدّم تفاصيل تساعد صنّاع القرار على تحويلها إلى سياساٍتٍ محددة. ولهذا، تبدو - في نظر مؤسسة السياسة الخارجية في الجمهورية الإسلامية - أقرب إلى دعوةٍ للوعي بالذات والانتباه للتفاصيل من اعتبارها عقيدةً تُشجّع على تصدير الثورة أو تُقرّ بواقعية براغماتية واضحة. ويأتي تصوّر خامنئي للأمن القومي بالقدر نفسه من العمومية. فمن منظور المرشد الأعلى، يشمل الأمن القومي حماية أرواح الناس ومعتقداتهم الدينية وقيمهم، وصون سلامة أراضي البلاد وسيادتها، وحماية النظام السياسي والاقتصاد  14. وضمن هذه الأطر الواسعة، يقدّم خامنئي فهمًاديناميًا للأمن القومي يقوم على الربط بين ما يجري في الداخل وطبيعة البيئة الأمنية المحيطة والمتغيرة  15. ومع أن خطابه يُفترض أن يوجّه صنّاع السياسات، فإن هذا التصوّر لا يقدّم سوى قدر محدود من المضامين العملية الملموسة.

  1. 9ُكُتبت هذه الدراسة وُنشُرت قبيل نشوب حرب 28 شباط/ فبراير 2026 بوقت وجيز؛ وهي الحرب التي اغتيل فيها المرشد الأعلى الثاني، آية الله علي خامنئي.
  2. Mehran Kamrava, "The 2009 Presidential Elections and Iran's Changing Political Landscape," Orbis , vol. 54, no. 2 (July 2010), pp. 400-412.
  3. Kamrava, How Islam Rules in Iran , pp. 268-271.
  4. Ali Khamenei, "Bayanat-e Sarih va Shafaf-e Rahbar-e Enqelab dar Bareh-e Mozakerat-e Hasteh-i" ["Clear and Transparent Statements of the Leaders of the Revolution Concerning Nuclear Negotiations,"] Khamenei.ir ,
  5. Ali Khamenei, "Namahang: Ezzat, Hekmat, Maslehat," ["Video: Dignity, Wisdom, Expediency,"] Khamenei.ir , 26/5/2023, accessed on 26/2/2026, at: https://acr.ps/1L9BOXh
  6. Mohammadreza Marvinam, "Nezam-e Ma'nai-e Amniyat-e Melli az Manzar-e Maqam-e Mo'azam-e Rahbari," ["Semantic System of National Security from the Perspective of the Supreme Leader,"] Faslnameh-e Amniyat Pazhouhi , vol. 22, no. 82 (14/2/2023), p. 6. 15  Ibid., p. 18.
  7. 1/9/2015, accessed on 26/2/2026, at: https://acr.ps/1L9BPPX

ثمة سمةٌ أخيرة ومهمّة في علاقات إيران الخارجية تتمثل في الاندماج شبه الكامل بين السياسة الخارجية والسياسة الأمنية منذ مطلع الألفية الثالثة. وقد بدأ هذا التداخل يشتدّ منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2001، مع الغزو الأميركي لأفغانستان، ثم تسارع مع الاحتلال الأميركي للعراق ابتداءً من آذار/ مارس 2003 16. وزادت رئاسُةُ أحمدي نجاد 2013–2005() هذا المسار وضوحًا؛ إذ أسهم خطاُبُه الحادّ في تعميق التوترات وتآكل الحدود الفاصلة بين الدبلوماسية والأمن القومي؛ نظرًا إلى ما ارتبط به من تصعيد بشأن إصرار إيران على تخصيب اليورانيوم. بعد عام 2003، شاع في إيران أن الدبلوماسية التقليدية لم تعد كافية في بيئة شرق أوسطية أشدّ تعقّدًا؛ وقد برز ذلك على نحو أوضح منذ عام 2011. وتبلور اعتقاد أن الجمهورية الإسلامية تحتاج إلى أدوات وأساليب إضافية لتتعامل بفاعلية مع التحولات الإقليمية، وهو ما دفع إلى مزيد من التقارب بين الحرس الثوري ووزارة الخارجية، بعد أن كان كلاهما يعمل في مساٍرٍ مستقل؛ إذ يركز الحرس الثوري على القوة الخشنة بينما تركز وزارة الخارجية على الدبلوماسية  17. ولاحقًا، عّب رمحمد جواد ظريف، وزير الخارجية 2021-2013()، عن امتعاضه من أن مساعيه الدبلوماسية كانت تتعرض للإحباط مرارًا؛ بسبب تدخلات من داخل المؤسسة العسكرية وخارجها كانت تُصرّ على تقديم الاعتبارات الأمنية على سواها في توجيه السياسة الخارجية  18. وأنتجت السمات الأربع العامة للسياسات الخارجية والأمنية الإيرانية آثارًا عملية واضحة تتمثّل في ازدواجية الخطاب والممارسة، وبصمات الرئاسة على توجهات السياسة الخارجية، ودور المرشد الأعلى، ومسار "أمننة" السياسة الخارجية. وقد أدّى الجمع بين خطاٍبٍ مثالي وسلوٍكٍ واقعي إلى سياسة خارجية تحكمها الحسابات العملية والاستراتيجية، بينما تستخدم الُمُثُل والقيم أدواٍتٍ عندما تخدم أهدافًا محددة. لذلك، نادرًا ما كانت السياسة الخارجية للجمهورية الإسلامية قائمة في جوهرها على دوافع أيديولوجية خالصة، وربما كانت فترة رئاسة أحمدي نجاد هي الأقرب إلى هذا النمط. لقد أظهرت التجربة الإيرانية أن المصلحة الاستراتيجية كانت هي المرجعية الغالبة لا الُمُثل الثورية. ويتّضح هذا المنحى في محطاٍتٍ لافتة للانتباه، مثل شراء أسلحة أميركية من إسرائيل في أوائل الثمانينيات خلال الحرب مع العراق، وفي دعم أرمينيا المسيحية في صراعها مع أذربيجان ذات الأغلبية الشيعية خلال التسعينيات وبدايات الألفية الثالثة. وعندما تصبح الأهداف المعيارية مفيدة لخدمة الغايات الاستراتيجية، تميل إيران إلى توظيفها أيضًا، ويتجلى ذلك في دعمها حزب الله اللبناني والحشد الشعبي العراقي. يُظهر استعراٌضٌ سريع لسياسة إيران الخارجية منذ التسعينيات مدى حضور العناصر التي سبقت الإشارة إليها. فخلال ما سُمّي لاحقًا العصر الإصلاحي The Reformist Era أواخر التسعينيات وبدايات الألفية الثالثة، تصدّرت مفاهيم مثل "خفض التوتر" و"حوار الحضارات" و"بناء الثقة" 19. وسعى الرئيس محمد خاتمي، على ن حٍوٍ متناغم مع خطابه الداخلي، لتقديم إيران دوليًا بوصفها مُيرّسًا للتفاعل الحضاري وداعيةً إلى نظام عالمي جديد يقوم على الحوار. غير أن هذه المقاربة قوبلت في معظمها بقدٍرٍ معتبر من التشكيك. ففي مطلع عام 2002، أدرج الرئيس الأميركي جورج بوش الابن إيران، إلى جانب العراق وكوريا الشمالية، ضمن ما سّم اه "محور الشر" 20. وأسفرت الانتخابات الرئاسية الإيرانية، في عام 2005، عن صعود أحمدي نجاد صاحب التوجّه المؤدلج. واتجهت سياسته الخارجية إلى تبنّي مقاربة "تتمحور حول العدالة"، فسعت لتحويل مُُثُل الثورة إلى سياسات عملية، وللعمل على مراجعة ما رآه نظامًا دوليًا غير عادل في أساسه. وقدّم نجاد نفسه في خطاباته المتكررة نصيرًا لحركات التحرّر ومناهضة الاضطهاد حول العالم، وهاجم ما اعتبره نزعةً أميركية للهيمنة، ودعا كذلك إلى تفعيل سياسة "التوجّه نحو الشرق" وتعزيز التحالفات جنوب - جنوب 21. وبهذا، اكتسبت السياسة الخارجية الإيرانية نبرةً أشد راديكالية.

  1. Mohammad Jafar Arjomand & Umm Albonain Chaboki, "Hoviyyat va Shakhes-haye Siyasat-e Khareji-e Jomhuri-e Eslami Iran," ["Identity and the Indicators of the Foreign Policy of the Islamic Republic of Iran,"] Faslnameh-e Siyasat , vol. 40, no. 1 (1389/ 2010), p. 39.
  2. Javad Madadi, "Iran; Nofooz va Eqtedar-e Mantaqehie, Kodam Diplomacy?" ["Iran: Influence and Regional Power, Which Diplomacy?"] Faslnameh-e Motale'at-e Rahbordi-e Jahan-e Eslam , vol. 18, no. 1 (1396/ 2017),
  3. In Leaked Recording, Iran's Zarif Criticises Guards' Influence in Diplomacy," Reuters , 26/4/2021, accessed on 26/2/2026, at: https://acr.ps/1L9B9nV
  4. Ali Bagheri Dolatabadi & Hossein Siapoushi, "Ta'amol va Taqabol-e 'Gofteman-haye Siyasi' va 'Rahbord-haye Elmi' dar Siyasat-e Khareji-e Iran," ["The Interaction and Confrontation of 'Political Discourse' and 'National Strategies' in Iranian Foreign Policy,"] Faslnameh-e Rahbord-e Siyasi , vol. 4, no. 12 (1399/ 2020), p. 76.
  5. Mahdi Mohammad Nia, "Sazeh Engari-e Koli-gara: Rahyafti Jame' Baraye Towzih-e Raftar-haye Siyasat-e Khareji-e Iran," ["Holistic Constructivism: A Comprehensive Approach for Explaining Iranian Foreign Policy Behavior,"] Jastar-haye Siyasi-e Moaser , vol. 5, no. 1 (1393/ 2014), p. 155. p. 35.
  6. Mahdi Mohammad Nia, "Barresi-e Tatbiqi-e Siyasat-e Khareji-e Dowlat-haye Osul-gara va 'Etedal," ["Comparative Analysis of the Foreign Policies of Principlist and Moderate Administrations,"] Faslnameh-e Siyasat Pazhohi , vol. 2, no. 1 (1394/ 2005), pp. 183-187.

وعلى خلاف إدارة أحمدي نجاد، جعلت إدارة الرئيس حسن روحاني 2021–2013() من الأمن والاستقرار هدفين ضمن المدى القصير والمتوسط. واستندت مقاربتها إلى الاعتدال الأيديولوجي و"الانخراط البنّاء" والسعي للعدالة بقراءة واقعية، وليس عبر أدوات أيديولوجية  22. غير أن هذه المقاربة لم تحَّدَ من تصاعد التوترات الإقليمية. فرغم محاولات خفضها من خلال العديد من المساعي، مثل مبادرة "السلام في هرمز" عام 2019، تزامنت رئاسة روحاني مع تداعيات انتفاضات عام 2011، واتساع نشاط الجماعات المسلحة الموالية لإيران في أنحاء المنطقة. وقد مثّل عام 2011 منعطفًا في السياسة الخارجية الإيرانية، لأنّ التحولات الكبرى في البيئة الأمنية الإقليمية دفعت إيران إلى مراجعة توجهاتها الخارجية  23. وأسهمت تلك التحولات في تعميق التنافس الاستراتيجي بين إيران والسعودية، وقد بدأ ذلك في سورية، ثم امتد لاحقًا إلى اليمن على نحو أوضح 24. وعلى الرغم من استمرار التوترات الإقليمية، نجحت إدارة روحاني، في عام 2015، في إبرام اتفاق نووي مفصلي مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وروسيا والصين. فقد تعامل روحاني مع الملف النووي بوصفه "أزمة غير ضرورية"، وراهن على أن تسوية هذا الملف ستساعد على إعادة دمج إيران في المجتمع الدولي  25. لم تُفِضِ هذه المقاربة إلى نتائج ملموسة؛ إذ انسحبت الولايات المتحدة من الاتفاق عام 2018 من جانب واحد، وأطلقت حملة "الضغط الأقصى" ضد الجمهورية الإسلامية. وبما أن إسرائيل تَعُّدُ إيران "تهديدًا وجوديًا"، فقد انخرطت سريعًا في مساعي الولايات المتحدة  26. لقد بيّنت احتجاجات عام 2022 محدودية القبول الداخلي الذي حظيت به إدارة رئيسي 2024–2021(.) ومع ذلك، وقبل وفاته في حادث تحطّم مروحية، كان قد حقق تقدّمًا واضحًا في مسارين من سياسته الخارجية  27. ذلك أنه تمكّن من تحسين علاقات إيران مع السعودية وأذربيجان ضمن سياسة "حسن الجوار"، ورسّخ سياسة "التوجه نحو الشرق" عبر تدشين عضوية إيران في منظمة شنغهاي للتعاون وفي مجموعة بريكس  BRICS 28. وساعده على ذلك توافر قدر من التماسك الداخلي لم يتوافر بالدرجة نفسها لسلفه المباشر ولا لخلفه  29. وفي مقابل ذلك، ظلّ تحسّن العلاقات مع الولايات المتحدة أو الاتحاد الأوروبي محدودًا. ولم تُفِضِ سياسة "التوجّه نحو الشرق" بعُدُ إلى شراكات استراتيجية راسخة مع قوى آسيوية كبرى مثل الصين أو الهند، ولم يَرَ رئيسي فائدة تُذكر في تحسين العلاقات مع الغرب أيضًا، وقرأ فريقه غزو روسيا لأوكرانيا بوصفه مؤشرًا د ل اعلى تراجع وزن الولايات المتحدة عالميًا  30. وحينما انُتُخب مسعود بزشكيان رئيسًا عام 2024، عادت إلى الواجهة فكرة تحسين العلاقات مع الولايات المتحدة. غير أن المناخ السياسي في البلدان الغربية حينئذ، وتزايد حدة الاصطفافات الداخلية، لم يكونا مواتَييَن لهذا المسار. لذلك، برزت داخل إيران أصوات سياسية وأكاديمية وفاعلة تُحذّر الرئيس الجديد من تكرار ما عَُّدَ "خطأ " من روحاني في التعويل على الولايات المتحدة. وذهب أصحاب هذا الرأي إلى أن إيران لا ينبغي لها أن تفصل السياسة الخارجية عن السياسة الأمنية، بل ينبغي أن تختار دبلوماسيين "ثوريين وأقوياء"، وأن تبني على مكاسب سياسة "التوجّه نحو الشرق" وتواصل دعمها الحاسم لمحور المقاومة  31. ومع ذلك، استؤنفت المفاوضات النووية بين إيران والولايات المتحدة في ظل إدارة دونالد ترمب، لولا أنّ اندلاع حرب الاثني عشر يومًا في عام 2025 – في وقت كانت فيه المفاوضات جارية - جعل من العسير على بزشكيان تجاهل ضغوط التيار المناهض للتفاوض مع الولايات المتحدة.

  1. Ibid., pp. 193-197.
  2. Madadi, p. 33.
  3. Ali Bagherizadeh, "Tahavolat-e Novin va Manzoumeh-e Defa'i- Amniyati-e Jomhuri-e Eslami-e Iran dar Movajehe ba Arabestan-e Saoudi va Rezhim-e Sahyunisti," ["New Transformations and the Security-Defensive System of the Islamic Republic of Iran in Confronting Saudi Arabia and the Zionist Regime,"] Pazhuheshnameh-e Irani-e Ravabet-e Beinolmelal , vol. 2,
  4. Bagheri Dolatabadi & Siapoushi, p. 81.
  5. Keyhan Barzegar, "Emkansanji-e Rooyarooie-e Nezami-e Rezhim-e Esrail ba Iran," ["A Feasibility Study of the Israeli Regime's Face-to-Face Confrontation with Iran,"] Faslnameh-e Gofteman-e Rahbordi-e Felestin , vol. 2, no. 3 (1399/ 2020), p. 66.
  6. Hossein Karimifard, "Tabeen-e Siyasat-e Khareji-e Iran dar Partow-e Moteghayer-haye Jame'h, Dowlat va Nezam-e Beinolmelal (1400-1402)," ["Analysis of Iranian Foreign Policy in Light of the Variable of Society, Government, and the International System (2021-2023),"] International Studies Journal , vol. 20, no. 4 (2024), p. 52.
  7. Mehran Kamrava, "Iran Looks East: Context, Causes, and Consequences," in: Mehran Kamrava (ed.), Iran's Look East Policy: New Directions (Ithaca, NY: Cornell University Press, 2026), pp. 13-29. 29  Karimifard, p. 51.
  8. no. 4 (1403/ 2024), pp. 3, 13.
  9. Ibid., pp. 61-62.
  10. Mohammad Malekzadeh, "Tajrobeh-haye Mohem Baraye Dowlat-e Chahardahom dar Siyasat-e Khareji," ["Important Experiences for the Fourteenth Government in Foreign Policy,"] Mahnameh-e Pasdar-e Eslam , vol. 44, no. 493-494 (1403/ 2024), pp. 21-23.

ثانيًا: علاقات إيران الخارجية: النظرية والتطبيق

يُفترض، من الناحية النظرية، أن السياسات الخارجية والأمنية الإيرانية تقوم على جملة مبادئ أساسية، منها: دعم القضية الفلسطينية، ومعاداة الولايات المتحدة وإسرائيل، وتصدير الثورة، ومناهضة الهيمنة والنظام الدولي الأحادي القطب، وتأييد إصلاح المنظمات المتعددة الأطراف أو إعادة تشكيلها جذريًا  32. وهي لا تختلف في ذلك كثيرًا عن المبادئ الناظمة التي يُفترض أن تحرّك السياسة الأمنية، بل يفترض أن تتقاطع معها إلى حٍّدٍ بعيد؛ فهي تتمحور حول عدد من القيم أيضًا؛ مثل القيادة والإدارة الجهادية، والردع والوقاية، والإيثار والتضحية، والمرونة، والاكتفاء الذاتي، والابتكار، والجاهزية. وتستمد هذه القيم مرجعيتها من مصادر متعددة، وفي مقدمتها التعاليم الدينية والاعتبارات العسكرية والأمنية، إضافة إلى وثائق تأسيسية، مثل الدستور والعقائد العسكرية والدفاعية  33. وهنا تبرز النزعة الخطابية والهويتية في السياسة الخارجية للجمهورية الإسلامية. فإيران ما بعد الثورة ما تزال تُعِّفرِ نفسها بوصفها دولة ذات هوية "ثورية إسلامية" تقوم على منطق الفصل بين "نحن" و"هم" 34. وقد انعكس ذلك على السياسة الخارجية منذ عام 1979، عبر سمات ظلت حاضرة بدرجات متفاوتة، مثل مناهضة الاضطهاد، والتصدي للإمبريالية، وخطاب المقاومة، والانشغال بالعدالة، وإظهار الشعور بالمسؤولية تجاه "المحرومين" في أنحاء العالم. يُظهر تحليل خطاب المسؤولين الإيرانيين، وفي مقدمتهم خطاب خامنئي، ميلًاواضحًا إلى توظيف شعارات تعزّز الهوية الثورية 35. ويتكرر فيه الحديث عن النزعة لمراجعة النظام القائم Revisionism، ومناهضة الهيمنة، والدعوة إلى نظام دولي عادل، وتعظيم القوة الوطنية، وتوسيع العلاقات الخارجية 36. ويؤكد كبار صنّاع القرار في إيران؛ أي المرشد الأعلى والرئاسة وأعضاء المجلس الأعلى للأمن القومي، أنّ إيران دولة تقف ضد الهيمنة، وأنّ نظام إدارة الشؤون العالمية يحتاج إلى مراجعة  37. ويحضر أيضًا خطاب "العدو"، وفضائل "الاستشهاد" في خطاب القادة الإيرانيين 38، إلى جانب حضور قوي لمفردات الوطنية Patriotism، والمصلحة القومية 39. ولا يزال عدٌدٌ من الشخصيات الإيرانية، داخل الحكومة وخارجها، يرى أن مفهوَمَي "المرونة البطولية" Flexibility Heroic و"الاعتدال البنّاء" Moderation Constructive لا يمثلان توجّهًا استراتيجيًا دائمًا، بل مجرّد أدوات تكتيكية مؤقتة  40. وينطلق هؤلاء من أن السياسة الخارجية للجمهورية الإسلامية يجب أن تظل قائمة على ركائز معيارية أساسية، وفي مقدمتها مقاومة الاضطهاد، وترسيخ الاعتماد على النفس عبر "اقتصاد المقاومة" Economy Resistance، وتعزيز الوحدة الإسلامية  41. ويرافعون لصالح علاقات دولية لا تُبنى على المصالح المادية وحدها، بل يجب أن تزاوج بين القيم الروحية والمعايير الأخلاقية من جهة، والحسابات الواقعية الملموسة من جهة أخرى 42. يبد و أنّ رئاسَةَ نجاد قدّمت المثال الأوضح على نمٍطٍ من السياسة الخارجية تُقَّدَم فيه الهوية بوصفها مرجعية مركزية. فقد دار خطاُبُه حول العدالة والتنمية الاقتصادية والنزعة العالم الثالثية Third-Worldism وعدم الانحياز وتعزيز سياسة التوجّه نحو الشرق  43. وانعكست هذه العناوين على أولويات السياسة الخارجية عبر الدعوات المتكررة إلى نظاٍمٍ دولي "عادل"، والتشديد على استقلال إيران، وإعلان دعم المسلمين والمحرومين، ورفع شعار مقاومة

  1. Jalal Dehghani Firouzabadi, "Gofteman-e Edalat dar Siyasat-e Khareji-e Jomhuri-e Eslami-e Iran," ["Discourse of Justice in the Foreign Policy of the Islamic Republic of Iran,"] Ma'refat-e Siyasi , vol. 1, no. 1 (1388/ 2009), p. 202.
  2. Fazlollah Nouzari & Hassan Koosha, "Tabeen-e Usol-e Rahnama-e Rahbordi-e Nezami-Amniyati-e Nirou-haye Jomhuri-e Eslami-e Iran," ["Explaining the Principles of the Military-Strategic Doctrine of the Armed Forces of the Islamic Republic of Iran,"] Faslnameh-e Motale'at-e Defa'i
  3. 42  Majid Abbasi & Ma'souneh Jamali, "Siyasat-e Khareji-e Jomhuri-e Eslami-e Iran va Nazarihey-e Eslami-e Ravabet-e Beinolmelal," ["Foreign Policy of the Islamic Republic of Iran and the Islamic Theory of International Relations,"] Faslnameh-e Rahbord-e Siyasi , vol. 4, no. 13 (1399/ 2020), pp. 136-145. 43  Bagheri Dolatabadi & Siapoushi, p. 81.
  4. Mahdi Mohammad Nia, "Discourse and Identity in Iran's Foreign
  5. Azizollah Hatamzadeh & Ayoob Menati, "Realism-e Enteqadi va Siyasat-e Khareji-e Jomhuri-e Eslami-e Iran," ["Critical Realism and the Foreign Policy of the Islamic Republic of Iran,"] Faslnameh-e Siyasat-e Khareji , vol. 31, no. 4 (1396/ 2017), p. 23.
  6. 37  لمناقشةٍ بشأن دور مجلس الأمن القومي الأعلى في صنع السياسات في إيران، ينظر: Mehran Kamrava, "Institutions and Policy in Iran's Relations with the GCC," The Muslim World , vol. 111, no. 3 (2021), pp. 408-424.
  7. Mohammad Nia, "Discourse and Identity in Iran's Foreign Policy," pp. 41, 49, 51, 53.
  8. Ibid., p. 47.
  9. Ibid., p. 137. 41  Ibid., pp. 144-150.
  10. Esteratezhik , vol. 19, no. 85 (1400/ 2021), pp. 282-284.
  11. 34  Abolfazl Karimi, "Naqsh-e J. E. Iran dar Hoviyat Bakhshi beh Majmo'eh-e Amniyati-e Mehvar-e Moqavemat," ["The Role of the I. R. Iran in Giving Identity to the Axis of Resistance Collective Security,"] Mahnameh-e Pazhuhesh-e Melal , vol. 2, no. 20 (1396/ 2017), p. 4.
  12. Policy," Iranian Review of Foreign Affairs , vol. 3, no. 3 (2012), p. 29.

الاضطهاد ومواجهة القوى المهيمنة، إلى جانب الوعي والانخراط النقديين في الشؤون العالمية  44. وبما أن الخطاب ينشئ الهويات ويعززها  45، فقد بدت السياسة الخارجية الإيرانية في تلك المرحلة شديدة الأدلجة ومشحونة بنبرة معيارية، في حين تراجعت صورتها الواقعية والبراغماتية. ومع ذلك، ورغم هذا الغطاء الخطابي، يتفق معظم المراقبين على أن "السياسة الخارجية الإيرانية لا تحرّكها أيديولوجيا شيعية طوباوية، بل تحكمها واقعية صارمة" 46. لقد شكّل الغزُوُ الأميركي للعراق عام 2003 محطةً مفصلية في حسابات صنّاع القرار في إيران؛ إذ رأت إيران أنّها، ولا تزال، من أكثر دول الجنوب عرضةً للتهديد، لأن القوات العسكرية الأميركية تحيط بها من جهات متعددة  47. وبعد عام 2003، جعل انتشاُرُ القوات الأميركية على حدودها الشرقية والغربية هذه المخاوَفَ أشَّدَ حدّة، لما صاحبه من مساٍعٍ لإعادة تشكيل النظام الإقليمي. حينئذ، بدأت إيران تتبنّى مقاربةً أقرب إلى ما يُسمّى "الواقعية الدفاعية"، وهي مقاربة مبنيّة أساسًا على إدارة التهديدات الإقليمية واحتوائها عبر الردع  48. وعقب الغزو الأميركي للعراق، كثّفت إيران حضورها الإقليمي في العراق وأفغانستان ولبنان  49. ثم جاءت الحرب الأهلية في سورية وظهور تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (المكنّى "داعش)" لُيُضّخمّا شعور إيران بالتهديد إلى حدّ بعيد. ويشير معظم التقديرات إلى أن عمليات القوات الإيرانية أسهمت بفاعلية في وقف تمدّد داعش داخل العراق، حينما كان التنظيم في حزيران/ يونيو 2014 يهدّد بالتقدّم نحو بغداد وأربيل  50. وأتاح انخراط إيران في العراق وسورية نقل المواجهة إلى داعش في ساحاتها الأقرب، بدلًامن انتظار تمدّد هجماتها إلى الداخل الإيراني واستهداف مناطق شيعية  51. وفي عام 2013، شكّلت إيران لواءً من المقاتلين الشيعة الأفغان عُرف ب "لواء فاطميون"، وشارك إلى جانب مستشارين عسكريين إيرانيين ومتطوعين في القتال ضد قوات المعارضة المعادية للنظام السوري. وفي العام التالي، أنشأت كذلك "لواء زينبيون"، الذي يضم مقاتلين شيعة من باكستان، للغرض نفسه وتحت رعاية إيران. ولم يقتصر هذا المسار على البعد العسكري، فقد شجّعت إيران بعض هؤلاء المقاتلين على الاستقرار في سورية بعد انتهاء مشاركتهم في القتال، من أجل ترجيح التوازن الديموغرافي لمصلحة الطائفة العلوية الحاكمة في سورية  52. ولم تتردد إيران في توظيف سياسة الهوية لخدمة أهدافها الاستراتيجية في سورية؛ وهو ما أظهره بوضوح تعبئة لواَءَي "فاطميون" و"زينبيون" والزج بهما في عمليات ميدانية. غير أنّ الدافع الأساسي لانخراط إيران في العراق وسورية كان استراتيجيًا أكثر مما كان طائفيًا  53. فقد رأت إيران أن الحفاظ على حضور عسكري في سورية وضمان بقاء نظام بشار الأسد يخدم مصالح حيوية؛ لأنه أسهم في دفع خطر داعش إلى الخلف ومنع التنظيم من السيطرة على مزيد من الأراضي على حساب حلفائها في بغداد ودمشق. ثم اكتسبت سورية أهمية أكبر حين غدت في خطاب خامنئي "عمقًا استراتيجيًا" لإيران وركيزة في جبهِةِ مقاومةٍ أوسَعَ، كانت تعمل على بنائها تدريجيًا 54. وبهذا المعنى، وفّرت سورية ممرّا برًّيًا إلى لبنان وسهّلت وصول إيران اللوجستي إلى حزب الله، كما قرّبت إسرائيل من نطاق الحسابات العسكرية الإيرانية. لذلك، عُدّ التحالف الإيراني - السوري ركيزة مهمة لمواجهة ما تراه إيران تهديدًا مصدراه إسرائيل والولايات المتحدة  55. على المستوى الإقليمي، انصبّ هدف إيران الأساسي على تعزيز أمنها النسبي أكثر من السعي لتعظيم قوتها النسبية. غير أنّ ما تعدّه

  1. Firouzabadi, p. 186.
  2. Ahmad Zarean, "Bazkhani-e Ravabet-e Hamas bs Mehvar-e Moqavemat Ba'd az Tahavollat-e Houzeh-e Arab," ["Revisiting Hamas's Relationship with the Axis of Resistance after Transformations in the Arab Region,"] Faslnameh-e Motale'at-e Rahbordi-e Jahan-e Eslam , vol. 15, no. 1 (1393/ 2014), p. 91.
  3. Sam Razavi, "Iran's Levantine Ambitions," in: Juneau & Razavi (eds.), p. 135.
  4. Ali Adami & Zeynab Tabrizi, "Ta'sirat-e Bazdarandegi-e Iran va Esrail car Amniyat-e Mandaqeh-e Asiya-e Gharbi," ["Consequences of Iranian and Israeli Deterrence on the Regional Security of West Asia,"] Faslanameh-e 'Elmi-Pazhuheshi-e Joghrafia , vol. 10, no. 1 (1398/ 2019), p. 285.
  5. Keyhan Barzegar, "Siyasat-e Khareji-e Iran az Manzar-e Realism-e Tahajomi va Tadafoie," ["Iranian Foreign Policy from the Perspective of Offensive and Defensive Realism,"] Faslnameh-e Beinolmelali-e Ravabet-e Khareji , vol. 1, no. 1 (1388/ 2009), p. 122.
  6. Ibid., p. 117.
  7. Madadi, p. 50.
  8. 51  حتى تاريخ كتابة هذه الدراسة، نفّذ تنظيم داعش عدة هجمات كبيرة في إيران (في الأعوام 2017 و 2022 و 2023 و 2024)، مما أسفر في كل مرة عن عشرات الضحايا.
  9. Ehsan Ejazi, "Estratezhi-e Nezami-e Esrail dar Barabar-e Jomhuri-e Eslami-e Iran," ["Israel's Military Strategy Against the Islamic Republic of Iran,"] Faslnameh-e Motale'at-e Manfe'-e Melli , vol. 7, no. 27 (1401/ 2022), p. 88.
  10. Enayatollah Yazdani & Mohammad Ali Basiri, "Tabeen-e Manafe'-e Jomhuri-e Eslami-e Iran dar Ettehad-e Mosoum beh Mehvar-e Moqavemat," ["Explaining the Ideological Interests of the Islamic Republic of Iran in the Union Known as the Axis of Resistance,"] Jostarhaye Siyasi-e Mo'aser , vol. 14, no. 3 (1402/2023), pp. 6, 11.
  11. Ali Khamenei, "Soriyeh Noqteh-e Estratezhik-e Moqavemat," ["Syria the Strategic Focal Point of Resistance,"] Khamenei.ir., 17/10/2015, accessed on 26/2/2026, at: https://acr.ps/1L9BPCG
  12. Barzegar, p. 139.

إيران واقعيةً دفاعية تنظر إليه الولايات المتحدة وحلفاؤها، خاصة القريبون جغرافيًا من إيران، بوصفه واقعية هجومية 56. وبعد انتفاضات الربيع العربي، ترسّخت لدى كثيرين صورة إيران بوصفها قوةً مهيمنة تلتقي فيها الحسابات الاستراتيجية مع نزعة طائفية. وأسهمت الخطابات التي ارتبطت بتحركاتها الخارجية في تثبيت هذه الصورة. وفي الخليج العربي، حيث تصاعدت التوترات الطائفية، جرى تفسير تموضع إيران في "الدفاع الأمامي" بأنه مناورة للهيمنة على أربع عواصم عربية، هي بغداد وبيروت ودمشق وصنعاء، مع طموحات طائفية تتجاوز ذلك  57. ولم يؤِّدِ تركيز إيران على الردع، وما صاحبه من حشد فاعلين من غير الدول، وتقريب مواقفهم تحت مظلة "محور المقاومة"، إّل اإلى تعزيز صورتها في الخليج العربي بوصفها فاعلًاطائفيًا يسع ى للهيمنة الإقليمية. لم تكن طموحات السياسة الخارجية الإيرانية بريئة يومًا. فإيران، شأنها شأن أي دولة، تسعى لتعظيم مصالحها في الساحة الدولية حتى لو كان ذلك على حساب سيادة دوٍلٍ أخرى. ومع أنّ طموحات الجمهورية الإسلامية اتسمت بنزعة نحو الهيمنة، فإنها لم تكن بالضرورة مدفوعة بالطائفية. فقد تعاملت إيران مع الطائفية بوصفها أداةً تُستخدم انتقائيًا، عندما تخدم غاياتها الاستراتيجية، كما ظهر ذلك في تعبئة مقاتلين شيعة من أفغانستان وباكستان للقتال نيابةً عنها في سورية. وفي مقابل ذلك، لا يتضمّن دعم إيران لحركة المقاومة الإسلامية "حماس" وحركة الجهاد الإسلامي الفلسطينية بُعدًا طائفيًا، فهاتان الحركتان منظمتان سنّيتان، لكن إيران نظرت إليهما بوصفهما حلقتين مهمتين في "محور المقاومة" ووسيلتين لتعزيز ردعها تجاه إسرائيل.

ثالثًا: الردع من خلال "محور المقاومة"

خلال العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، تفاقمت مخاوف إيران بشأن إحراز داعش انتصارات ميدانية وسياسية، وتعززت بهواجس أكبر بشأن ما اعتبرته استراتيجيات "تغيير النظام" التي تنتهجها الولايات المتحدة وحلفاؤها الإقليميون، وفي مقدمتهم إسرائيل  58. وتعمّقت هذه الهواجس مع تحسّن علاقات إسرائيل ببعض الدول العربية السنّية التي تُقَّدَم بوصفها معتدلة، ومع توثيق صلاتها بحكومة إقليم كردستان العراق الذي يتمتع بالحكم الذاتي  59، وهو ما دفعها إلى إنشاء طوق حماية من حلقتين أمنيتين وقائيتين، إحداهما مباشرة والأخرى وسيطة. وقد شملت الحلقة الأمنية المباشرة الخليج العربي ودوله الساحلية، والعراق، وأفغانستان، وباكستان، وتركمنستان، وتركيا، وجنوب القوقاز؛ أي جميع مناطق "المجال القريب." أمّا الحلقة الأمنية الوسيطة، فشملت سورية والأردن ولبنان وفلسطين ليضاف إليها اليمن بعد عام 2015 60. لكن احتدام الاضطرابات الداخلية في العراق، والحرب الأهلية في سورية، جعَل اهذين البلدين يتحولان إلى أهم ساحة للمنافسة بين إيران وخصومها  61. فقد كانت إيران مقتنعة بأن تعزيز قدراتها العسكرية التقليدية واللاتماثلية يوفّر لها الردع في مواجهة احتمال تعرّض أراضيها لهجماٍتٍ عسكرية من إسرائيل  62. تجسدت جهود إيران في بناء حلقات الطوق الأمني، على نحو تدريجي، مع إنشاء "شبكة مقاومة" يلتقي أعضاؤها في مساٍعٍ متوازية لمنع خصوٍمٍ مشتركين، وفي مقدمتهم إسرائيل وحليفها وراعيها الأساسي الولايات المتحدة، من تحقيق مكاسب إضافية. وتشارك أعضاء هذه الشبكة تصوّراٍتٍ أوسَعَ تتعلق بما يرونه طابعًا غير عادل للنظام الدولي القائم  63. وسعت إيران لترسيخ قدٍرٍ من الانسجام والامتثال الاستراتيجي والتكتيكي بين هؤلاء الحلفاء، ولتحويل هذا التقارب إلى ائتلافاٍتٍ وتحالفاٍتٍ أشد تماسكًا  64. وقد ساهم أعضاء ما سمّته إيران لاحقًا "محور المقاومة" في خدمة مصالحها الاستراتيجية والأيديولوجية في مواجهة خصوم مثل الولايات المتحدة وإسرائيل، وكذلك في سياق منافستها مع قوى إقليمية، مثل السعودية وتركيا. وكان متوقّعًا من كل جماعة ضمن هذا المحور أن تحدّ من المكاسب الاستراتيجية المتنامية لهذه القوى، وأن تواجه المجموعات السنية

  1. Ibid., p. 116.
  2. 57  بشأن انتشار الطائفية في منطقة الخليج العربي بعد الربيع العربي، ينظر:
  3. Barzegar, p. 127; في وقت سابق، وطوال تسعينيات القرن العشرين والعقد الأول من القرن الحادي والعشرين، كان الإيرانيون يفترضون أن الشخصيات العسكرية والسياسية الأميركية كثيرًا ما تحاول جعل القادة الإقليميين يخشون إيران، وتنجح في ذلك. ينظر: Saeedeh Lotfian, "Iran va Khavermianeh: Entekhab-haye Doshvar va Mowzu'iyat-e Vaqe' Garai," ["Iran and the Middle East: Difficult Choices and Realist Positions,"] Faslnameh-e Siyasat , vol. 38, no. 3 (1387/ 2008), p. 203.
  4. Barzegar, p. 124. 60  Ibid., pp. 137-139.
  5. Lawrence Potter (ed.), Sectarian Politics in the Persian Gulf (London: Hurst, وبشأن الافتراضات المتعلقة بطموح إيران إلى الهيمنة الإقليمية، ينظر: Huda Raouf, "Iranian Quest for Regional Hegemony: Motivations, Strategies and Constrains," Review of Economics and Political Science , vol. 4, no. 3
  6. Madadi, p. 34.
  7. Barzegar, p. 65.
  8. Bagherizadeh, pp. 4-6. 64  Barzegar, p. 114.
  9. (2019), pp. 242-256.

المتشددة التي تلقت دعمًا منها  65. وإلى جانب تنمية القدرات العسكرية، عملت إيران على ترسيخ روح جماعية تقوم على فكرة "المقاومة النشطة"، ورفض خضوع المنطقة لهيمنة الخصوم 66. في الفترة التي سبقت حرب الاثني عشر يومًا، في حزيران/ يونيو 2015، ساهمت مقاربة إيران القائمة على دعم مجموعات "المقاومة" في تقويض الاستقرار الإقليمي؛ إذ يوفّر الردع المتبادل بين إيران وإسرائيل قدرًا من الأمن المؤقت للطرفين، لكنه يفاقم هشاشة الأمن في غرب آسيا  67. وتكشف حالة اليمن ذلك بوضوح؛ إذ رأت إيران أن قربه من السعودية وإطلالته على مضيق باب المندب عاملان جيوسياسيان يدفعان إلى مزيد من التقارب  68. وتعَّزّز هذا الاتجاه بسبب رؤية إيران في اليمن عامَلَ توازٍنٍ في مواجهة التنسيق المتزايد (المحتمل) بين إسرائيل والسعودية. لذلك، تدخلت السعودية عسكريًا في اليمن عام 2015 لمنع جماعة أنصار الله (الحوثيون)، الذين تعدّهم وكلاء لإيران، من ترسيخ نفوذهم والوصول إلى مضيق باب المندب. لكن التدخل السعودي انتهى إلى نتيجة عكسية؛ إذ قرّب الحوثيين من إيران أكثر فأكثر، بدلًامن أن يضعف علاقتهم بها. وفي المقابل عدّت الرياض الحضور الإيراني في اليمن تهديدًا كبيرًا، لأنه يوسّع عمق إيران الاستراتيجي ويمنحها قدرةً أكبر على تطويق السعودية عبر حلفائها في لبنان وسورية والعراق واليمن  69. لا يقتصر الردع على البعد العسكري وحده، بل إنه يشمل أيضًا أدوات سياسية واقتصادية، يمكن توظيفها في تنافٍسٍ طويل الأمد بين الخصوم. غير أن استراتيجية إيران الأمنية الدفاعية اعتمدت، إلى حدّ بعيد، على الردع العسكري، وأهملت الأبعاد الأخرى الأشد تعقيدًا. وتزداد أهمية الانتباه إلى هذه الأبعاد، مع تعقّد النظام الدولي، وظهور أدوات جديدة للردع وتعدّد مستوياته  70. ومع ذلك، ظلّ تصور إيران للردع عسكريًا في جوهره. وفضلًاعن ذلك، فهي لم توِلِ كيفيَةَ توظيف الردع عملياتيًا واستراتيجيًا اهتمامًا كافيًا. يُظهر هذا الفهم العسكري الضيّق للردع حدود الاعتماد على الميليشيات والمجموعات الوكيلة، خاصة حين تتحول إلى أداة أساسية للردع  71. فقد ارتبط الردع الإيراني أساسًا بتعزيز القدرات العسكرية لفاعلين إقليميين من غير الدول، وهي مهمة يتولاها فيلق القدس داخل الحرس الثوري  72. وجاء هذا المسار امتدادًا لتزايد مستويات "الأمننة" في السياسة الخارجية الإيرانية التي أشرنا إليها سابقًا. لذلك، ليس مستغربًا أن يفهم الردع في إيران بمنطق التهديد العسكري والسعي لنوع من التكافؤ  73. لكنّ هذه المقاربة تثير تحديات واضحة؛ فهي تنتج تحالفات تُبنى غالبًا على حسابات قصيرة الأمد وتفتقر إلى وضوح استراتيجي، كما تتجاهل أثر الضغوط الاقتصادية، مثل العقوبات والمقاطعة في قدرات القوى المرتبطة بالردع  74، وتصطدم بتنافس الفاعلين من غير الدول على النفوذ داخل الدولة نفسها، مثلما تظهر ذلك التجربة العراقية. وفي هذا السياق، برز قاسم سليماني، قائد فيلق القدس بين عاَمَي 1998 و 2020، بوصفه عنصرًا محوريًا في ضمان تعاون حلفاء إيران من الفاعلين غير الدول. ويبدو أن غيابه وجّه ضربة قوية إلى فاعلية "محور المقاومة" 75.

رابعًا: تأثير حرب الاثني عشر يومًا

أظهرت حرب الاثني عشر يومًا، في حزيران/ يونيو 2025، أن استراتيجية الردع الإيرانية في مواجهة عدوّها الرئيس، إسرائيل، بدأت تتآكل. ويبدو أن إسرائيل كانت قد استوعبت، بحلول عام 2025، ديروسًا مهمة من خسائرها أمام حزب الله في حرَب 2006 و 2008. ثم عزّزت حرُبُ غزة، في أعقاب عملية "طوفان الأقصى"، هذا المسار؛ فبحلول منتصف عام 2024، وبعد نحو عام من العدوان الإسرائيلي الذي قُتل فيه عشرات الآلاف من الفلسطينيين وتراجعت خلاله قدرات "حماس"، شعرت إسرائيل بثقةٍ عسكرية تتيح لها العودة إلى مواجهة حزب الله والسعي لتقويض ما أمكن من بنيته القيادية

  1. Yazdani & Basiri, p. 28.
  2. Hussein Ajorlu, "Za'f-e Fazayand-e Bazdarandegi-e Rezhim-e Sahyunisti," ["Weakness of the Zionist Regime's Increasing Deterrence,"] Majaleh-e Amniyat-e Benolmelal , vol. 5, no. 41 (1401/ 2022), p. 22; Reza Ansari Bardeh & Mehdi Javdanimoghadam, "Mafhoum-e Moqavemat-e Fa'al dar Siyasat-e Khareji-e Jomhuri-e Eslami Iran," ["The Concept of Active Resistance Strategy in the Foreign Policy of the Islamic Republic of Iran,"] Rahbord , vol. 30, no. 98 (1400/ 2021], pp. 99-100.
  3. Adami & Tabrizi, p. 269.
  4. Bagherizadeh, p. 7.
  5. Ibid., p. 8.
  6. Ibid., pp. 12-13.
  7. Madadi, p. 34.
  8. 72  بشأن جماعة أنصار الله الحوثيين نموذجًا للفاعلين من غير الدول الذين يؤدون أدوارًا إقليمية، ينظر: عبد الله راشد المرسل، "حرب غزة 2023 والتنافس الأميركي – الصيني في البحر سياسات عربية، مج الأحمر ومضيق باب المندب"، 13، العدد 77 (تشرين الثاني/ نوفمبر 2025)، ص.41-26
  9. Masoumeh Ansarifard & Amimohammad Haji Yousefi, "Bazdarandegi beh Masabeh-e Estratezhi-e Amniyati-Defa 'i-e Jomhuri-e Eslami Iran," ["Deterrence as a Model for the Security-Defensive Strategy of the Islamic Republic of Iran,"] Faslmaneh-e Motale 'at-e Elmi-e Ravabet-e Beinolmelal , vol. 14, no. 3 (1400/ 2021), p. 27.
  10. Ibid., pp. 19-25.
  11. 75  ينظر: كلانتاري.

والعسكرية. ومنذ بداية حرب إسرائيل على غزة في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، لم تَرَ إيران مصلحةً في توسيع حزب الله عملياته؛ لذلك، فقد كانت تحثّه مرارًا على الامتناع عن شنّ هجماٍتٍ واسعة ضد أهداف إسرائيلية  76. وفي أيلول/ سبتمبر 2024، ومع استمرار الحرب في غزة وتحولها إلى حرب إبادة، صرفت إسرائيل اهتمامها إلى حزب الله. وأعقبت ذلك عمليةٌ إسرائيلية انفجرت خلالها آلاف أجهزة الاتصال الإلكترونية (البيجر) التابعة لعناصر الحزب؛ ما أسفر عن سقوط أعداٍدٍ كبيرة من القتلى والجرحى. وبعد وقٍتٍ قصير، قُتل زعيم الحزب، حسن نصر الله، في غارةٍ إسرائيلية، ثم تلا ذلك اجتياح بري للبنان في تشرين الأول/ أكتوبر في العام نفسه. وبعد شهرين فقط، أي في كانون الأول/ ديسمبر 2024، انهار نظام الأسد في سورية، الذي استنزفته خمسة عشر عامًا من الحرب الأهلية، لتأخذ معارضته المسلحة زخمًاجديدًا بدعٍمٍ من تركيا. وبذلك، فقدت إيران "عمقها الاستراتيجي"، كما تراجعت على نحٍوٍ حاسم قدرات اثنين من أقوى حلفائها من الفاعلين غير الدول: حزب الله وحركة حماس. ثم شنّت إسرائيل، في 13 حزيران/ يونيو 2025، هجومًا جوًّيًا واسعًا على إيران. وجاء ذلك بعد يوٍمٍ واحد من حملة تفجيرات في إيران قُتل فيها معظم كبار قادة الحرس الثوري. وهكذا، اندلعت الحرب التي عُرفت لاحقًا باسم حرب الاثني عشر يومًا. على غرار الحرب العراقية – الإيرانية، ستلقي تركة حرب إسرائيل على إيران بظلاٍلٍ طويلة على حسابات صنّاع القرار المدنيين والعسكريين في البلاد وأولوياتهم، بل إنّ حرب الاثني عشر يومًا ستشكّل، على الأرجح، منعطفًا حاسمًافي السياسات الخارجية والأمنية الإيرانية. ويرجّح أن تكون أبرز تبعاتها متعلقة بأثرها في التفكير الأمني الإيراني؛ إذ ستزيد من تشابك السياسة الخارجية مع السياسة الأمنية. فقد أظهرت الحرب أن التهديد الذي تمثله إسرائيل والولايات المتحدة للجمهورية الإسلامية ليس خطابيًا فحسب، بل هو تهديٌدٌ فعلي. خلال العقد الأول من الألفية الثالثة، خاضت إيران وإسرائيل "حربًا خفية" شملت أنشطة سيبرانية، وأصولًابحرية، وقدرات صاروخية. وأجرت إسرائيل تدريباٍتٍ جوية وطلعاٍتٍ تحاكي القصف تمهيدًا لضرب إيران  77. ومع ذلك، افترض كثير من المحللين، ولا سيما داخل إيران، أن احتمال المواجهة المباشرة بين الطرفين يظل ضعيفًا. وذهب هؤلاء إلى أن سعي إسرائيل لتعزيز قدراتها الهجومية والدفاعية يعكس "معضلة أمنية"، لكنه لا يعني بالضرورة حربًا مع إيران 78. غير أن حرب الاثني عشر يومًا كشفت خطأ هذه الافتراضات؛ فبعد أحداث عام 2025، لم تُعُد تصورات إيران للتهديد الإسرائيلي نظريةً بحتة، بل أصبحت متجسدة فعليًا. قبل الحرب، افترضت إيران أنها أمام خيارين في مواجهة إسرائيل؛ فإمّا أن تعمد إلى بناء "عمق استراتيجي" في سورية ولبنان، وإمّا أن تعتمد على قوة نارية كثيفة عبر برنامج الصواريخ  79. لكن بعد خسارتها في سورية ولبنان، لم يبَقَ بالنسبة إليها إّل االخيار الثاني من الناحية العملية. فمع افتقادها ردعًا نووًّيًا، صار برنامج الصواريخ اليوم أكثر أدوات الردع جدوى، بل الأشد فتكًا في نظر إيران لمنع هجمات إسرائيلية لاحقة. وتنطلق إيران ههنا من فرضية أن إسرائيل تحتاج إلى حسٍمٍ سريع في أي حرب تخوضها، بحكم صغر مساحتها وافتقارها إلى عمٍقٍ استراتيجي  80، خلافًا للجمهورية الإسلامية التي تفضل حرَبَ استنزاٍفٍ طويلة. فهي تفترض أنها تستطيع امتصاص الصدمة الأولى، ثم إنهاك خصٍمٍ مثل إسرائيل مع مرور الوقت. لكن حرب الاثني عشر يومًا كشفت أيضًا حدود هذا التصور؛ ففي 22 حزيران/ يونيو، حين استهدفت قاذفات أميركية مواقَعَ نووية إيرانية تحت الأرض، اتضح أنها ليست في مواجهة مع إسرائيل وحدها، بل في مواجهة ضد إسرائيل والولايات المتحدة معًا. وقد وظّفت إيران في العراق وأفغانستان مجموعاٍتٍ وكيلةً لخوض حروب استنزاف منخفضة الحدة ضد قوات الاحتلال الأميركية. لكن يصعب الجزم بإمكان تكرار هذه المقاربة في حرٍبٍ مستقبلية مباشرة مع الولايات المتحدة. تتطلب الحروب الطويلة، على نحو خاص، ما هو أكثر من البراعة القتالية؛ إنها تحتاج أيضًا إلى سنٍدٍ شعبي للدولة ولقادتها. ففي حزيران/ يونيو 2025، أحبطت الروح الوطنية والمدنية لدى الإيرانيين مساعي إسرائيل لإثارة اضطرابات والدفع في اتجاه تغيير النظام. غير أنّ ضعف شرعية الدولة في إيران سيرفع التكلفة السياسية لأي حرب طويلة إلى حدّ يصعب تحمله  81. لذلك، لا يرجح أن تبادر الجمهورية الإسلامية إلى مواجهة عسكرية علنية مع إسرائيل، ما لم تُفَرَض عليها الحرب مرة أخرى.

  1. Farhad Vafaei Fard, "Tufan-e Al Aqsa va Matlubiyat-e Bazigaran-e Khareji," [The Al Aqsa Storm and the Desirability of Foreign Actors,"] Majaleh-e Amniyat-e Benolmelal , vol. 6, no. 53 (1402/ 2023), p. 19.
  2. Steven R. Ward, Iran's Ministry of Intelligence: A Concise History (Washington, DC: Georgetown University Press, 2024), pp. 169-171; Ejazi,
  3. Ejazi, p. 81.
  4. Barzegar, "Emkansanji-e Rooyarooie-e Nezami-e Rezhim-e Esrail ba Iran," ["A Feasibility Study of the Israeli Regime's Face-to-Face Confrontation with Iran,"] p. 72.
  5. Ejazi, p. 82. 81  Vahideh Ahmadi, "Tahavollat-e Dakheli-e Rezhim-e Sahyunist va Ayandeh-e Jang," ["The Zionist Regime's Internal Changes and the Future of the War,"] Majaleh-e Amniyat-e Benolmelal , vol. 6, no. 63 (1403/ 2024), p. 33.
  6. p. 82; Gawdat Bahgat & Anoushiravan Ehteshami, Defending Iran: From Revolutionary Guards to Ballistic Missiles (Cambridge: Cambridge University Press, 2021), pp. 125-128, 152-154, 178-180.

خاتمة

على الرغم من تبنّي إيران خطابًا ثوريًا وُمُُثُلًاثورية، ظلّت سياستها الخارجية براغماتية وواقعية. ومثل معظم الدول في فترة ما بعد الثورة، سرعان ما تراجعت الُمُثُل التي حرّكت سياسة الجمهورية الإسلامية الخارجية في سنواتها الأولى أمام الحقائق الجيوسياسية وحسابات توازن القوى. لكن بحلول العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، تحوّل اثنان من المثل الثورية المبكرة إلى حقائق واقعية، كان على الجمهورية الإسلامية أن تتعامل معها باستمرار. وأولى هذه الحقائق الواقعية معارضُةُ النظام العالمي الذي صممته وتقوده الولايات المتحدة. وقد تجسدت هذه المعارضة في مسار تفاوضي متقطع مع واشنطن حول البرنامج النووي الإيراني، وفي وضٍعٍ يمكن وصفه ب "لا حرب ولا سلام" مع الولايات المتحدة، وهي الحالة نفسها التي شهدتها العلاقات الإيرانية - الإسرائيلية مدة طويلة. إلا أن ملامحها بدأت في التغّي رعلى امتداد تسعينيات القرن العشرين والعقد الأول من القرن الحادي والعشرين مع انجراف المشهد السياسي الإسرائيلي تدريجيًا نحو اليمين. فبالنسبة إلى كثيرين في إسرائيل، لا سيما ضمن الحكومات اليمينية المتعاقبة، تتجاوز إيران كونها تهديدًا وجوديًا، وقتالها يُعدّ جزءًا من "مهمة خلاصية" Mission Messianic A 82. وفي نهاية المطاف، أفضت توليفة من الفرص السياسية المواتية، و"الضوء الأخضر" الأميركي مصحوبًا بدعم واضح، فضلًاعن تآكل الردع الإيراني، إلى اندلاع حرب الاثني عشر يومًا. صحيح أن طبيعة البناء المؤسساتي للنظام الإيراني تُعِّقِد أيّ مسعى للتنبؤ بالتوجهات المستقبلية لسياساته الخارجية والأمنية، إلا أنه لا يوجد ما يدعو إلى الاعتقاد أن صنّاع القرار في إيران سيتخلّون عن واقعيتهم البراغماتية، أو أن التخلي عن قدرات الردع مطروح على جدول خياراتهم. لقد تلقّى أعضاء "محور المقاومة" ضرباٍتٍ مؤثرة، لكنهم لم يختفوا تمامًا من المشهد، لذلك لن تتخلى الجمهورية الإسلامية، وعلى نحو أكثر تحديدًا الحرس الثوري، عن علاقاتها مع حلفائها من الفاعلين غير الدول في المنطقة. وفي مقابل ذلك، تدرك إيران حجم الضغوط الداخلية والإقليمية التي تواجه حلفاءها، وتدرك أيضًا تراجع القدرات العسكرية لمحور المقاومة، وهذا ما سيدفعها على الأرجح إلى زيادة الاعتماد على برنامج الصواريخ الإيراني. وبصرف النظر عن استمرار تشابك السياسة الخارجية والسياسة الأمنية للبلاد في المستقبل المنظور، فإن الجوانب الأخرى من علاقات إيران الدولية لم تتضح ملامحها بعد. ويبرز هنا سؤالان رئيسان: ما الدور الذي قد يضطلع به مرشد أعلى جديد في صياغة التفضيلات العامة والمبادئ الموِّجِهة؟ وما طبيعة هذه التفضيلات أصلًا؟ ثم يبرز سؤال أشد حساسية: في حالة رحيل خامنئي ولم تُعُد فتواه بشأن الأسلحة النووية قائمة، هل ستسعى إيران إلى امتلاك السلاح النووي؟ وكيف يمكن لمثل هذا التحول أن يعيد تشكيل إيران وسياساتها الخارجية والأمنية والمشهد الإقليمي؟ هذه بعض الأسئلة التي يُرَّجَح أن ترسم مسار علاقات إيران الخارجية في السنوات المقبلة. وعلى الرغم من ضبابية الأفق، يبقى الأمر المؤكد حاليًا أن التوترات الإقليمية والدولية ستستمر، وأن إيران ستظل في قلب هذه التوترات.

  1. Haggai Ram, Iranophobia: The Logic of an Israeli Obsession (Stanford, CA: Stanford University Press, 2009), pp. 73-95.

المراجع

العربية

كلانتاري، محمد. "معضلة أمن النفوذ: العقيدة الشيعية العابرة للحدود الوطنية وحدود السياسة الخارجية الإيرانية." سياسات عربية. مج 13، العدد 77 (تشرين الثاني/ نوفمبر.)2025 المسألة الطائفية وصناعة الأقليات في الوطن العربي. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2017. المرسل، عبد الله راشد. "حرب غزة 2023 والتنافس الأميركي – الصيني في البحر الأحمر ومضيق باب المندب." سياسات عربية. مج 13، العدد 77 (تشرين الثاني/ نوفمبر.)2025

الأجنبية

Abbasi, Majid & Ma'souneh Jamali. "Siyasat-e Khareji-e Jomhuri-e Eslami-e Iran va Nazarihey-e Eslami-e Ravabet-e Beinolmelal." ["Foreign Policy of the Islamic Republic of Iran and the Islamic Theory of International Relations."] Faslnameh-e Rahbord-e Siyasi. vol. 4, no. 13 (1399/ 2020). Adami Ali & Zeynab Tabrizi. "Ta'sirat-e Bazdarandegi-e Iran va Esrail car Amniyat-e Mandaqeh-e Asiya-e Gharbi." ["Consequences of Iranian and Israeli Deterrence on the Regional Security of West Asia."] Faslanameh-e 'Elmi-Pazhuheshi-e Joghrafia. vol. 10, no. 1 (1398/ 2019). Ahmadi, Vahideh. "Tahavollat-e Dakheli-e Rezhim-e Sahyunist va Ayandeh-e Jang." ["The Zionist Regime's Internal Changes and the Future of the War."] Majaleh-e Amniyat-e Benolmelal. vol. 6, no. 63 (1403/ 2024). Ajorlu, Hussein. "Za'f-e Fazayand-e Bazdarandegi-e Rezhim-e Sahyunisti." ["Weakness of the Zionist Regime's Increasing Deterrence."] Majaleh-e Amniyat-e Benolmelal. vol. 5, no. 41 (1401/ 2022). Ansari Bardeh, Reza & Mehdi Javdanimoghadam. "Mafhoum-e Moqavemat-e Fa'al dar Siyasat-e Khareji-e Jomhuri-e Eslami Iran." ["The Concept of Active Resistance Strategy in the Foreign Policy of the Islamic Republic of Iran."] Rahbord. vol. 30, no. 98 (1400/ 2021). Ansarifard, Masoumeh & Amimohammad Haji Yousefi. "Bazdarandegi beh Masabeh-e Estratezhi-e Amniyati-Defa 'i-e Jomhuri-e Eslami Iran." ["Deterrence as a Model for the Security- Defensive Strategy of the Islamic Republic of Iran."] Faslmaneh-e Motale 'at-e Elmi-e Ravabet-e Beinolmelal. vol. 14, no. 3 (1400/ 2021). Arjomand, Mohammad Jafar & Umm Albonain Chaboki, "Hoviyyat va Shakhes-haye Siyasat-e Khareji-e Jomhuri-e Eslami Iran." ["Identity and the Indicators of the Foreign Policy of the Islamic Republic of Iran."] Faslnameh-e Siyasat. vol. 40, no. 1 (1389/ 2010). Bagheri Dolatabadi, Ali & Hossein Siapoushi. "Ta'amol va Taqabol-e 'Gofteman-haye Siyasi' va 'Rahbord- haye Elmi' dar Siyasat-e Khareji-e Iran." ["The Interaction and Confrontation of 'Political Discourse' and 'National Strategies' in Iranian Foreign Policy."] Faslnameh-e Rahbord-e Siyasi. vol. 4, no. 12 (1399/ 2020). Bagheri Dolatabadi, Ali & Mehran Kamrava. "Iran's Neighborhood Policy: Parameters, Objectives, and Obstacles." Middle East Policy. vol. 31, no. 4 (December 2024). Bagherizadeh, Ali. "Tahavolat-e Novin va Manzoumeh-e Defa'i-Amniyati-e Jomhuri-e Eslami-e Iran dar Movajehe ba Arabestan-e Saoudi va Rezhim-e Sahyunisti" ["New Transformations and the Security-Defensive System of the Islamic Republic of Iran in Confronting Saudi Arabia and the Zionist Regime."] Pazhuheshnameh-e Irani-e Ravabet-e Beinolmelal. vol. 2, no. 4 (1403/2024).

Bahgat, Gawdat & Anoushiravan Ehteshami. Defending Iran: From Revolutionary Guards to Ballistic Missiles. Cambridge: Cambridge University Press, 2021. Barzegar, Keyhan. "Siyasat-e Khareji-e Iran az Manzar-e Realism-e Tahajomi va Tadafoie." ["Iranian Foreign Policy from the Perspective of offensive and Defensive Realism."] Faslnameh-e Beinolmelali-e Ravabet-e Khareji. vol. 1, no. 1 (1388/ 2009). ________. "Emkansanji-e Rooyarooie-e Nezami-e Rezhim-e Esrail ba Iran." ["A Feasibility Study of the Israeli Regime's Face-to-Face Confrontation with Iran."] Faslnameh-e Gofteman-e Rahbordi-e Felestin. vol. 2, no. 3 (1399/2020). Dehghani Firouzabadi, Jalal. "Gofteman-e Edalat dar Siyasat-e Khareji-e Jomhuri-e Eslami-e Iran." ["Discourse of Justice in the Foreign Policy of the Islamic Republic of Iran."] Ma'refat-e Siyasi. vol. 1, no. 1 (1388/ 2009). Ejazi, Ehsan. "Estratezhi-e Nezami-e Esrail dar Barabar-e Jomhuri-e Eslami-e Iran." ["Israel's Military Strategy Against the Islamic Republic of Iran."] Faslnameh-e Motale'at-e Manfe'-e Melli. vol. 7, no. 27 (1401/ 2022). Hatamzadeh, Azizollah & Ayoob Menati. "Realism-e Enteqadi va Siyasat-e Khareji-e Jomhuri-e Eslami-e Iran." ["Critical Realism and the Foreign Policy of the Islamic Republic of Iran."] Faslnameh-e Siyasat-e Khareji. vol. 31, no. 4 (1396/ 2017). Juneau, Thomas & Sam Razavi (eds.), Iranian Foreign Policy since 2001: Alone in the World. London: Routledge, 2013. Kamrava, Mehran. "The 2009 Presidential Elections and Iran's Changing Political Landscape." Orbis. vol. 54, no. 2 (July 2010). ________. "Hierarchy and Instability in the Middle East Regional Order." International Studies Journal. vol. 14, no. 4 (Spring 2018). ________. "Institutions and Policy in Iran's Relations with the GCC." The Muslim World. vol. 111, no. 3

________. How Islam Rules in Iran: Theology and Theocracy in the Islamic Republic. Cambridge: Cambridge University Press, 2024. ________ (ed.). Iran's Look East Policy: New Directions. Ithaca, NY: Cornell University Press, 2026. Karimi, Abolfazl. "Naqsh-e J. E. Iran dar Hoviyat Bakhshi beh Majmo'eh-e Amniyati-e Mehvar-e Moqavemat." ["The Role of the I. R. Iran in Giving Identity to the Axis of Resistance Collective Security."] Mahnameh-e Pazhuhesh-e Melal. vol. 2, no. 20 (1396/ 2017). Karimifard, Hossein. "Tabeen-e Siyasat-e Khareji-e Iran dar Partow-e Moteghayer-haye Jame'h, Dowlat va Nezam-e Beinolmelal (1400-1402)." ["Analysis of Iranian Foreign Policy in Light of the Variable of Society, Government, and the International System (2021-2023)."] International Studies Journal. vol. 20, no. 4 (2024). Lotfian, Saeedeh. "Iran va Khavermianeh: Entekhab-haye Doshvar va Mowzu'iyat-e Vaqe' Garai." ["Iran and the Middle East: Difficult Choices and Realist Positions."] Faslnameh-e Siyasat. vol. 38, no. 3 (1387/2008). Madadi, Javad. "Iran; Nofooz va Eqtedar-e Mantaqehie, Kodam Diplomacy?" [Iran: Influence and Regional Power, Which Diplomacy?] Faslnameh-e Motale'at-e Rahbordi-e Jahan-e Eslam. vol. 18, no. 1 (1396/ 2017). Malekzadeh, Mohammad. "Tajrobeh-haye Mohem Baraye Dowlat-e Chahardahom dar Siyasat-e Khareji." ["Important Experiences for the Fourteenth

Government in Foreign Policy."] Mahnameh-e Pasdar-e Eslam. vol. 44, nos. 493-494 (1403/2024). Marvinam, Mohammadreza. "Nezam-e Ma'nai-e Amniyat-e Melli az Manzar-e Maqam-e Mo'azam-e Rahbari." ["Semantic System of National Security from the Perspective of the Supreme Leader."] Faslnameh-e Amniyat Pazhouhi. vol. 22, no. 82

Mohammad Nia, Mahdi. "Barresi-e Tatbiqi-e Siyasat-e Khareji-e Dowlat-haye Osul-gara va 'Etedal." ["Comparative Analysis of the Foreign Policies of Principlist and Moderate Administrations."] Faslnameh-e Siyasat Pazhohi. vol. 2, no. 1

________. "Discourse and Identity in Iran's Foreign Policy." Iranian Review of Foreign Affairs. vol. 3, no. 3 (2012). ________. "Sazeh Engari-e Koli-gara: Rahyafti Jame' Baraye Towzih-e Raftar-haye Siyasat-e Khareji-e Iran." ["Holistic Constructivism: A Comprehensive Approach for Explaining Iranian Foreign Policy Behavior."] Jastar-haye Siyasi-e Moaser. vol. 5, no. 1 (1393/ 2014). Nelson, Chad & Aurthur Stein. "The Attenuation of Revolutionary Foreign Policy." International Politics. vol. 52, no. 5 (2015). Nouzari, Fazlollah & Hassan Koosha. "Tabeen-e Usol-e Nezami-Amniyati-e Rahbordi-e Rahnama-e Nirou-haye Jomhuri-e Eslami-e Iran." ["Explaining the Principles of the Military-Strategic Doctrine of the Armed Forces of the Islamic Republic of Iran."] Faslnameh-e Motale'at-e Defa'i Esteratezhik. vol. 19, no. 85 (1400/ 2021). Potter, Lawrence (ed.). Sectarian Politics in the Persian Gulf. London: Hurst, 2014. R. Ward, Steven. Iran's Ministry of Intelligence: A Concise History. Washington, DC: Georgetown University Press, 2024. Ram, Haggai. Iranophobia: The Logic of an Israeli Obsession. Stanford, CA: Stanford University Press, 2009. Raouf, Huda. "Iranian Quest for Regional Hegemony: Motivations, Strategies and Constrains." Review of Economics and Political Science. vol. 4 no. 3 (2019). Vafaei Fard, Farhad. "Tufan-e Al Aqsa va Matlubiyat-e Bazigaran-e Khareji." ["The Al Aqsa Storm and the Desirability of Foreign Actors."] Majaleh-e Amniyat-e Benolmelal. vol. 6, no. 53 (1402/ 2023). Van Ree, Erik. "Socialism in One Country: A Reassessment." Studies in East European Thought. vol. 50, no. 2 (1998). Yazdani, Enayatollah & Mohammad Ali Basiri. "Tabeen-e Manafe'-e Jomhuri-e Eslami-e Iran dar Ettehad-e Mosoum beh Mehvar-e Moqavemat." ["Explaining the Ideological Interests of the Islamic Republic of Iran in the Union Known as the Axis of Resistance."] Jostarhaye Siyasi-e Mo'aser. vol. 14, no. 3 (1402/ 2023). Zarean, Ahmad. "Bazkhani-e Ravabet-e Hamas bs Mehvar-e Moqavemat Ba'd az Tahavollat-e Houzeh-e Arab." ["Revisiting Hamas's Relationship with the Axis of Resistance after Transformations in the Arab Region."] Faslnameh-e Motale'at-e Rahbordi-e Jahan-e Eslam. vol. 15, no. 1 (1393/ 2014). Zhang, Weidong. "Why States Become Revisionists: A Literature Review." International Area Studies Review. vol. 28, no. 2 (2025).