الدبلوماسية الرياضية أداة لبناء القوة الناعمة: حالة قطر
الملخّص
This study explores the use of sports as a diplomatic soft power tool employed by states to achieve foreign policy objectives. It adopts a constructivist framework that highlights the role of symbolic factors in shaping state behaviour. Focusing on Qatar, as a small state lacking traditional power resources, the study examines how its leadership turned to alternative tools, notably sports, as a strategic means of influence. Qatari sports diplomacy relies on four main pillars: investing in global sports clubs, developing infrastructure and hosting major sporting events, investing in sports media, and supporting local sports. This strategic use of sport has contributed to redefining Qatar's role and enhancing its international standing, enabling it to exercise political and economic influence and to support the diversification of its national economy. Keywords: Sport, Constructivism, Soft Power, Sports Diplomacy, Qatar.
Leveraging Sports Diplomacy for Soft Power: Qatar as a Case Study
تتناول هذه الدراسة الرياضة بوصفها أداة دبلوماسية للقوة الناعمة، تستعملها الدول لتحقيق أهداف سياستها الخارجية. وتعتمد الإطار البنائي الذي يجادل بأهمية العوامل الرمزية في تحديد سلوك الدول. وتنطلق من حالة قطر، بوصفها دولة صغرى تفتقر إلى عناصر القوة الخشنة؛ ما دفع قيادتها إلى تبني أدوات بديلة؛ إذ وجدت في الرياضة أداة استراتيجية فعالة لتحقيق أهدافها. وارتكزت دبلوماسية قطر الرياضية على أربع ركائز أساسية، هي: الاستثمار في أندية رياضة عالمية، وتطوير البنية التحتية واستضافة الفعاليات الرياضية الكبيرة، والاستثمار في الإعلام الرياضي، ودعم الرياضة المحلية. وقد أسهم هذا التوظيف الاستراتيجي للرياضة في إعادة صياغة دور قطر وتعزيز مكانتها دوليًا؛ ما مكنها من ممارسة نفوذ سياسي واقتصادي وتدعيم مسار تنويع اقتصادها الوطني. كلمات مفتاحية: الرياضة، البنائية، القوة الناعمة، الدبلوماسية الرياضية، قطر.
مقدمة
انخرطت قطر، خلال السنوات الأخيرة، في توظيف الرياضة أداةً دبلوماسية لتعزيز مكانتها الدولية. وقد تجلى هذا الانخراط، على نحو واضح، بعد تنظيمها لبطولة كأس العالم لكرة القدم في عام 2022. لكن جذور دبلوماسية قطر الرياضية تمتد إلى ما قبل تنظيمها هذا الحدث؛ وذلك خلال فترة حكم الأمير حمد بن خليفة آل ثاني الذي اتجه نحو بناء القوة الناعمة Soft Power، وفي مقدمة أدواتها الرياضة، بوصفها استراتيجية لتعزيز سمعة البلاد. في هذا السياق، لا تُعدّ قطر استثناءً عالميًا؛ فقد باتت الرياضة من بين الوسائل الأشد فاعلية التي تستخدمها الدول لبناء قوتها الناعمة، وتحقيق أهداف سياستها الخارجية. ومن هنا، تسعى هذه الدراسة لمعالجة سؤال بحثي رئيس، هو: كيف ساهمت دبلوماسية قطر الرياضية في إعادة تشكيل الأفكار والمعايير المشتركة حولها، بما أتاح لها تحقيق نفوذ سياسي واقتصادي من دون التركيز على أدوات القوة الخشنة Hard Power؟ إذا كان الواقعيون يحاجون بمركزية العوامل المادية، خاصة القدرات العسكرية، في تعريف القوة وقياس النفوذ على المستوى الدولي، فإن المقاربة البنائية تطرح تصوّرًا مغايرًا؛ إذ تجادل بأن القوة لا تُبنى على الإمكانات المادية فحسب، بل إنّ العوامل الرمزية - أي تلك المرتبطة بالأفكار Ideational Factors والمعاني المتشاركة Shared Meanings التي توجه سلوك الفاعلين الدوليين - قد أعادت أيضًا صياغة مفهوم القوة في النظام الدولي. ومن ثمّ، لم تعد أساليب التأثير تقتصر على الإكراه، بل باتت أيضًا تشمل القدرة على الجذب، وهو جوهر ما يعرف بالقوة الناعمة. وفي هذا الإطار، أضحت الرياضة أداة للقوة الناعمة، تستعملها الدول وسيلةً لتحقيق أهداف سياستها الخارجية وترسيخ نفوذها وتوسيع تأثيرها عالميّا، من دون الحاجة إلى أدوات القوة الخشنة. تفترض الدراسة أنّ قطر، بوصفها دولة صغرى تفتقر إلى مقومات القوة الخشنة وتتموقع جغرافيًا في بيئة إقليمية مضطربة، تتميز بصراعات متكررة واضطرابات أمنية وسياسية مستمرة، أعادت توجيه سياستها الخارجية؛ إذ راهنت على الدبلوماسية الرياضية أداةً للقوة الناعمة لتجاوز محدودية مواردها المادية وإعادة تعريف ذاتها والدور الذي تسعى للاضطلاع به؛ ما مكنها من بناء صورة دولية إيجابية، وتعزيز أمنها، وتوسيع نفوذها السياسي والاقتصادي، إقليميًا ودوليًا. وذلك اعتمادًا على استراتيجية طموحة، ترتكز على الاستثمار في الأندية الرياضية الكبيرة، وفي الإعلام الرياضي، وفي تطوير البنى التحتية، وتنظيم المسابقات والمنافسات الرياضية الكبرى، فضلًا عن تطوير الرياضة المحلية. تتناول الدراسة دبلوماسية قطر الرياضية، بوصفها أداة للقوة الناعمة تساهم في تحقيق أهداف سياسة الدولة الخارجية، وذلك من خلال أربعة أقسام رئيسة. يستعرض القسم الأول الإطار النظري للدراسة، استنادًا إلى التركيز على المقاربة البنائية ومفهوم القوة الناعمة، مع بيان كيف جرت إعادة تعريف القوة في النظام الدولي. أمّا القسم الثاني، فيتناول القيود والتحديات المرتبطة بالقوة الخشنة التي تواجه قطر بوصفها دولة صغيرة في محيط جيوسياسي مضطرب، والتي تدفعها إلى تبني استراتيجيات بديلة لتحقيق أهداف سياستها الخارجية. وينتقل القسم الثالث إلى دراسة الركائز الأساسية، التي تقوم عليها دبلوماسية قطر الرياضية، ضمن استراتيجيات سياسة قطر الخارجية. في حين يسلط القسم الأخير الضوء على النتائج المحققة؛ إذ يحلل مساهمة هذه الدبلوماسية الرياضية في تعزيز صورة قطر دوليًا، وبناء نفوذها من دون التركيز على القوة الخشنة.
أولًا: البنائية وإعادة تعريف القوة في النظام الدولي
تُعرّف الدول الصغرى بأنها دول غير قادرة على تحقيق أمنها بالاعتماد أساسًا على قدراتها الخاصة؛ ما يدفعها إلى اللجوء إلى مساعدة دول أخرى أو مؤسسات 1. ومن منظور الواقعية الجديدة، تعاني الدول الصغرى، في ظل بنية دولية فوضوية، درجةً عالية من الانكشاف Vulnerability إزاء التهديدات الخارجية التي تهدد أمنها وبقاءها؛ إذ تكون أكثر انشغ لًابمسألة البقاء مقارنة بالقوى الكبرى 2، وهو ما يحثّها على تبنّي استراتيجيات تقليدية لضمان أمنها، تتمثّل أساسًا في الالتحاق بركب القوى الكبرى Bandwagoning، أو موازنة التهديدات Balancing. وتفترض هذه النظرية أنّ خضوع الدول الصغرى للبنية الفوضوية التي تحكم النظام الدولي يجعلها تميل إلى إخضاع نفسها للدول المهيمنة، سواء عبر مسايرة القوى التي تهدد وجودها بهدف تقليل المخاطر، أو من خلال الانخراط في تحالفات والاصطفاف مع حلفاء أضعف بهدف تحقيق الموازنة في مواجهة هذه التهديدات 3.
وعلى الرغم من أهمية هذه المقاربة من الناحية التفسيرية، فإنها تظل قاصرة عن فهم أنماط سلوك بعض الدول الصغرى التي لا تعتمد حصريًا على هذه الاستراتيجيات التقليدية، بل تسعى لإعادة تشكيل بيئتها الخارجية عبر أدوات غير مادية. وفي هذا الصدد، تتيح المقاربة البنائية فهمًاأعمق لاستراتيجيات الدول الصغرى التي قد تواجه انكشافها البنيوي والتهديدات الخارجية، من خلال توظيف القوة الناعمة التي تشكّل، بالنسبة إليها، وسيلة فعّالة لتحقيق الأمن، وبناء شعبية عالمية، واكتساب أهمية دولية 4، على نحو يتجاوز منطق الالتحاق بالركب أو المسايرة أو الموازنة. يرى البنائيون أنّ الدول تشكّل علاقاتها وتعيد تشكيلها باستمرار، وأنها لا تعتمد فقط على العوامل المادية الموضوعية، بل تتأثر أيضًا بعوامل اجتماعية بينذاتية Intersubjective متنوعة، مثل الأفكار والقواعد والمعايير التي تنبع من سياقات تاريخية وثقافية مختلفة. يضاف إلى ذلك أنّ البنية الدولية تتحدد أيضًا من خلال توزيع الأفكار 5، لا من خلال العوامل المادية فحسب. وفييي هذا الصدد، يقرّ ألكسندر ونت بأن توزيع القوة، الذي يعتمد عليه الواقعيون الجدد لتحديد بنية النظام الدولي، لا يكفي وحده لتفسير سلوك الدول. فعلى الرغم من أنّ القوة تظل عنصرًا مهمًاومؤثرًا في التفاعلات الدولية، فإن طبيعة هذا التأثير وكيفيته ترتبطان بتوزيع المعرفة وبالفهوم والتوقعات البينذاتية، أي الطريقة التي تتصوّر بها الدول غيرها من الدول، وتتصوّر بها ذاتها والآخرين. ومن ثمّ، فإن الفوضى وتوزيع القوة لا يكفيان لتحديد سلوك الدول، ولا يكتسبان دلالة سلوكية إلا من خلال الفهوم والتوقعات التي تتشكّل بينذاتيًا داخل النظام الدولي وتنتج الهويات والمصالح المؤسسية 6. فعلى الرغم من تشابه البنى المادية، كالقوة العسكرية، فإن ذلك لا يعني تشابه تصوّرات الدول وأفكارها تجاه غيرها من الدول أو توظيفها لها. ويؤكد ونت أنّ "المعاني الجماعية هي التي تشكّل البنى التي تنظم تصرفاتنا" 7؛ إذ من خلالها تتكون هويات الفاعلين بوصفها تعريفات اجتماعية للذات، ناتجة من تصوّرات مشتركة حول الذات والآخر. وُتُعدّ هذه الهويات الأساس الذي تُبنى عليه المصالح 8. وبناءً على ذلك، يكتسب الفاعلون هوياتهم من خلال التفاعل مع الآخرين والانخراط في هذه المعاني المشتركة. فهذه الأفكار والمعتقدات المشتركة، هي التي تمنح العالم بنيته ونظامه واستقراره، والتحّولّات التي تطرأ عليها هي المحرك الأساسي للتحّولّات التي يعرفها النظام الدولي 9. وفي حين يرى الواقعيون الجدد أنّ الدول الصغرى قوى ضعيفة، بسبب افتقارها إلى الموارد المادية، مثل المساحة والقوة الديموغرافية والثروة والقوة العسكرية، مما يجعلها غير قادرة على التأثير، فإن وجود ما يُسمّى المعايير التي "تتضمن تصوّرًا لما يُعدّ سلوكًا ملائمًا Appropriate أو لائقًا "Proper 10 - أي إنها تحدد ما يعد صحيحًا أو خاطئًا، مقبولًاأو غير مقبول، جذابًا أو غير جذاب، وتتشكّل في سياقات اجتماعية مختلفة - يدفع البنائيين إلى الحجاج بأن الدول الصغرى تستطيع التأثير هي الأخرى في نظام العلاقات الدولية. وذلك لأنها، على محدودية مواردها المادية، تمتلك فرصة لممارسة نفوذها عبر سعيها لتشكيل الأفكار والمعتقدات والمعايير المتشاركة وإعادة صياغتها، في إطار ما يعرف بالبناء الاجتماعي الاستراتيجي 11، لتحقيق مكاسب استراتيجية تتجلى في تعزيز مكانتها داخل النظام الدولي. إن القوة في النظام الدولي "لا تكمن في التوفّر على الموارد لفرض وجهة نظر معينة على الآخرين فحسب، وإنما أيضًا في امتلاك السلطة التي تتيح تحديد المعاني المتشاركة التي تشكّل هويات الدول ومصالحها وممارساتها[...][وبناءً عليه] فإن القدرة على وضع القواعد الأساسية للعبة، وتحديد ما يشكّل سلوكًا مقبولًافيها، وجعل الآخرين يلتزمون بهذه القواعد[...]ربما يُعدّان الشكل الأدق والأشد فاعلية من أشكال القوة" 12. وتتضاءل احتمالات مقاومة الآخرين لرغبات دولة ما، إذا نجحت في إضفاء الشرعية على قوتها في نظرهم. وإذا كانت ثقافتها وأيديولوجيتها تحظيان بجاذبية، فإن الدول الأخرى ستكون أكثر استعدادًا للتأثر بها واتباع نهجها. أضف إلى ذلك أنّ قدرة الدولة على ترسيخ معايير دولية، تنسجم مع قيمها المجتمعية، من شأنها أن تقلل حاجتها إلى تعديل سلوكها 13. وبينما قد تساعد مصادر القوة الخشنة في التصدي للإرهاب أو انتشار الأسلحة النووية أو المخدرات مثلًا، فإن قدرة الدول على بلوغ
أهدافها لا تكون دائمًا بمقدار ما توحي به مؤشرات قوتها الخشنة 14. وفي إطار هذا التصوّر البنائي الذي يجادل بثنائية العوامل المادية والعوامل الرمزية في تحديد سلوك الدول أيضًا، فإن قطر، بوصفها دولة صغرى، تواجه قيودًا مادية متمثلة في حدود قوتها الديموغرافية ومساحتها الجغرافية، خاصة أنها محاطة بدول ذات مساحات أكبر ومصالح متنافسة، فضلًاعن موقعها الجغرافي في إقليم الشرق الأوسط الذي يعرف حالة من عدم الاستقرار في ظل الصراعات والتهديدات المستمرة؛ ولذلك، فهي تلجأ باستمرار إلى انتهاج استراتيجيات مبتكرة لتجاوز هذه التحديات المادية 15. يعرّف ونت الهوية بوصفها تصوّرات وتوقعات، تتعلق بكيفية فهم الفاعلين لذواتهم وللأدوار المتوقعة منهم في النظام الدولي، ويؤكد أنّ الهويات ليست معطيات مسبقة، بل تكتسبها الدولة وتحافظ عليها من خلال أنماط التفكير والفعل التي تنخرط فيها؛ وبذلك فهي تُعدّ نتاجًا تفاعليًا قابلًاللاستمرار والتحوّل عبر التفاعل 16. ومن ثمّ، فإن من شأن إدراك الدولة لقدراتها وللآخرين أن يحدد الدور الذي تسعى للاضطلاع به في النظام الدولي. وعندما يتغّي رهذا الإدراك، تتبنى الدولة هوية جديدة؛ مما يتيح مج لًالإعادة تعريف دورها في النظام الدولي. وفي حالة الدول الصغرى، انعكس تغّي رإدراك هذه الدول لمواردها المادية المحدودة على تصوّرها لدورها الممكن في النظام الدولي. وبهذا، فقد استطاعت قطر - شأنها شأن العديد من الدول الصغرى 17 - إعادة صياغة تصوّرها للقوة من خلال تبني مقاربة القوة الناعمة؛ في وقت أصبحت فيه القوى الكبرى أقل قدرة على استخدام مواردها التقليدية لتحقيق غاياتها، فقد باتت الدول الصغرى، فضلًاعن فاعلين من غير الدول، تحظى بنفوذ أكبر في قضايا كثيرة 18. تسعى الدول الصغرى، إذًا، لتحقيق أهداف سياستها الخارجية بالتركيز على القوة الناعمة، أي عبر الجذب؛ ويختلف ذلك عن المعنى الواقعي التقليدي للقوة، الذي يشير إلى بلوغ الأهداف عن طريق الإكراه. ويتمثّل ذلك في تطوير استراتيجيات في قطاعات مثل الإعلام والسياحة والرياضة، تستهدف تعزيز مكانتها الدولية وزيادة تأثيرها عالمًّيًا. وبما أنّ القوة، في معناها المعجمي، تعني القدرة على إنجاز الأمور ودفع الآخرين إلى القيام بأفعال لم يكونوا ليقدموا عليها في الأحوال العادية، فإن السياسيين والدبلوماسيين غالبًا ما يربطون هذه القدرة على السيطرة بامتلاك موارد مادية معينة: حجم السكان، ومساحة الأراضي، ووفرة الموارد الطبيعية، وحجم الاقتصاد الوطني، وحجم القوات العسكرية، ودرجة الاستقرار السياسي 19. وُيُعدّ هذا التصوّر انعكاسًا واضحًا للأطروحة الواقعية الجديدة التي تركز على القوة المادية، وتنظر إلى هذه العناصر بوصفها المحددات الأساسية للقوة في النظام الدولي. إلا أنّ مصادر القوة قد عرفت تحّولّات كبيرة، أسفرت عن العديد من الصعوبات لدى الدول لتحقيق أهدافها 20. فقد بات استخدام القوة العسكرية أكثر تكلفة مقارنة بحقب غابرة؛ في مقابل تزايد أهمية أدوات أخرى، مثل الاتصالات Communications، والمهارات التنظيمية والمؤسسية، والقدرة على التلاعب بالاعتماد المتبادل Manipulation of Interdependence21، الذي يشير إلى اعتماد الدول بعضها على بعض في مجالات متعددة، كالأمن أو التجارة أو التمويل؛ غير أّن هذا الاعتماد لا يكون بالضرورة متكافئًا، إذ يكون أحد الأطراف أكثر اعتمادًا من الآخر، مما يتيح للطرف الأقل اعتمادًا قدرةً على التحكم فيه وتوظيفه لصالحه، واستعماله سلاحًا ناعمًاللضغط أو النفوذ، وذلك من خلال التهديد بقطع هذا الترابط أو تعطيله. وبذلك، يوفر الاعتماد المتبادل للطرف الأقل اعتمادًا هامشًا أوسع للمناورة والتأثير، محوّلًاالترابط إلى مصدر من مصادر القوة 22. في هذا السياق، تُعدّ الرياضة، مقارنةً بالأدوات العسكرية، وسيلة منخفضة التكلفة والمخاطر، بل فعّالة في توفير منصة غنية للأنشطة الدبلوماسية، لتعزيز تأثير الدولة على المستوى العالمي وتحقيق أهداف سياستها الخارجية. وفي هذا الصدد، يرى باسكال بونيفاس أنّ احتكار الحكومات لسلطة السيطرة والتحكم في تدفق المعلومات تراجع كثيرًا، مع التطوّر التقني والسياسي والجغرافي السياسي الذي يعرفه العالم في زمن العولمة؛ بل، على الرغم من استمرار الرقابة المفروضة في العديد من الدول، صار الأفراد والشعوب يمتلكون تأثيرًا متزايدًا، نظرًا إلى ما أصبح يحظى به الرأي العام من ثقل متناٍمٍ
في صناعة القرار والتأثير في السياسات 23. وفي ظل توافر المعلومة وانتشارها الواسع، أصبح كل ما يندرج ضمن القوة الناعمة من الصورة والشعبية والمكانة والجذب جزءًا مهّمًافي تعريف القوة. يرتبط مفهوم القوة الناعمة نظريًا بالمدرسة الليبرالية، ولا سيما الليبرالية الجديدة المؤسساتية Institutionalism Neoliberal، التي تشدد على قيم الحريات الفردية وحقوق الإنسان والديمقراطية، فضلًاعن التعاون بين الدول ودور الفاعلين العابرين للحدود 24، وهو ما ينسجم مع مقاربة القوة الناعمة التي تنطلق من تصوّر عالٍمٍ يتّسم بقدر متزايد من التشابك والاعتماد المتبادل. وُيُعدّ جوزيف ناي من أبرز منظري الاعتماد المتبادل المعقد ضمن الليبرالية الجديدة، التي تحاجّ بأن القيم الليبرالية التي تتبناها الدول تُعدّ مصدرًا أساسيًا لقوتها الناعمة وقدرتها على الجذب والتأثير 25. استعمل ناي مصطلح القوة الناعمة خلال تسعينيات القرن العشرين، ووضع أسسه بوصفه مفهومًا في كتابه، حتمية القيادة: الطبيعة المتغّي رة للقوة الأميركية 26. وأعاد استخدامه في كتابه، مفارقة القوة الأميركية 27، في عام 2003، قبل أن يتوسع في صوغ المفهوم في كتابه الرئيس، القوة الناعمة: وسيلة النجاح في السياسة الدولية28، في عام 200429. وهو يؤكد أنه لم يكن أول من ابتكر مصطلح القوة الناعمة، بل إنّ أدوات هذه القوة ليست جديدة 30؛ إذ إنّ أساليب التأثير باعتماد الجذب هذه قديمة قدم المجتمعات البشرية. وفي حين أنه عمل على تطوير هذا المفهوم، فإن هدفه الأساسي انصبّ على البحث عن استراتيجيات بديلة، بعيدة عن القوة الخشنة، تساعد الولايات المتحدة الأميركية في مواجهة تقهقر نفوذها وتراجع صورتها دولًّيًا في إثر حرَب يأفغانستان والعراق، بعد أن أثبتت القوة الخشنة محدودية فاعليتها في تحقيق المنتظر منها تحقيقه. ويعرّف ناي القوة الناعمة بأنها "القدرة على الحصول على ما تريد من خلال الجذب بدلًامن الإكراه أو دفع مقابل. وهي تنبع من جاذبية ثقافة الدولة وُمُثلها السياسية Ideals Political وسياساتها" 31. ومن ثمّ، فهي تقوم على موارد غير مادية وترتبط بالقدرة على التأثير في سلوك الدول الأخرى وفي رغباتها 32. ويقسم ناي القوة إلى: قوة ناعمة، وقوة خشنة. وتشمل الأخيرة القوة العسكرية والقوة الاقتصادية التي تستند إلى الرشى والعقوبات لإغواء الدول وإرغامها. وبهذا، يمكن التمييز بين القوة الخشنة التي تقوم على الوسائل الاقتصادية والعسكرية التي يستعملها بلد ما للضغط على الآخرين من أجل فعل ما يريده والقوة الناعمة التي تمكّن الدول من الوصول إلى هذه النتيجة نفسها، من دون اللجوء إلى الإكراه أو القهر، بل استنادًا إلى الجذب والتأثير باستعمال قيم الدولة وثقافتها ومؤسساتها وسياساتها العامة والخارجية. ويؤكد مايكل شيفر أنّ عناصر القوة تتغّي ربمرور الزمن؛ إذ يرى أنه على الرغم من استمرار أهمية العناصر التقليدية، فإن القرن الحادي والعشرين جاء بأبعاد جديدة لمفهوم القوة 33، من أبرزها القوة الناعمة، ومستوى الانخراط في العولمة، والقدرة على الابتكار. تاريخيًا، كانت قوة الدول تقاس عسكريًا بقدرتها على خوض الحرب. في حين، جعلت التحّولّات في النظام الدولي استخدام القوة العسكرية على نحو فعّال لتحقيق أهداف الدول والنتائج السياسية المرجوة أصعب فأصعب؛ فالاعتماد الاقتصادي المتبادل الذي يخلق مصالح مشتركة بين الدول، وكذا ظهور الشركات المتعددة الجنسيات والمنظمات غير الحكومية التي أصبحت تؤدي دورًا مهمًافي ممارسة القوة، بعد أن كانت مقتصرة على الدول، إضافةً إلى انتشار التكنولوجيا والأسلحة غير التقليدية التي جعلت من الحرب العسكرية خيارًا مكلفًا، كلها من العوامل التي ساهمت في الكف عن اختزال مفهوم القوة في بعدها العسكري 35.
ثانيًا: قوة قطر الخشنة: الحدود والقيود البنيوية
تعدّ قطر من الدول الصغرى التي تتّسم بقيود جغرافية وديموغرافية. تبلغ مساحتها الإجمالية 11521 كيلومترًا مربعًا، مما يجعلها واحدة من أصغر دول العالم من حيث المساحة. ويعيش فيها حوالى 3.2
ملايين نسمة 36، معظمهم من المقيمين الأجانب، في حين لا يشكّل القطريون سوى نحو 11.60 في المئة من إجمالي السكان 37. ونظرًا إلى صغر مساحتها وقلة سكانها، تبقى القوة العسكرية القطرية محدودة، حيث يبلغ عدد أفراد جيشها 15000 جندي فقط، موزعين بين الجيش والبحرية والقوات الجوية؛ وهو ما يضعها في موقع محدود عسكريًا مقارنة بجيرانها في المنطقة، مثل المملكة العربية السعودية التي تمتلك قوة عسكرية ضخمة تزيد على 250000 جندي، والجيش الإماراتي الذي يشتمل على 50006 جندي 38. إلى جانب ذلك، تقع قطر ضمن إقليم الشرق الأوسط الذي يُعدّ من بين أكثر الأقاليم اضطرابًا في العالم، حيث تعرف بيئته مجموعة من النزاعات والحروب المستمرة التي تؤثر على نحٍوٍ مباشر في الأوضاع الأمنية والسياسية في المنطقة وتزيد من تعقيدها. إضافة إلى ذلك، بعد غزو العراق للكويت في عام 1990، بات أمن قطر مهددًا من جيرانها، وازداد قلقها خاصة بعد أزمة الحصار 2021-2017()، حينما فرضت السعودية والإمارات والبحرين ومصر حصارًا بريًا وجويًا وبحريًا عليها، وهو ما خلّف تداعيات سياسية واقتصادية كبيرة على قطر، وأظهر مرونتها في مواجهة الأزمة 39. كانت قطر، حتى مطلع تسعينيات القرن العشرين، تعتمد على السعودية في حمايتها، بل لم تكن لها سياسة خارجية مستقلة تمامًا عنها 40؛ وأثبتت حرب الخليج الثانية 1991-1990()، بعد احتلال الكويت ومحافظة الخفجي، أنّ السعودية لا تستطيع حماية نفسها 41. ومن ثمّ أدركت دول الخليج، ومن بينها قطر، أنّ السعودية التي كان من المفترض أن تؤدّي دور الشقيقة الكبرى الحامية لها، لم تعد قادرة على حمايتها خاصة بعد الصراعات البينية التي اندلعت في مجلس التعاون لدول الخليج العربية 42، وتفاقم الخلافات الحدودية بين دوله. فتعاظمت مخاوف قطر من تكرار سيناريو الكويت مع جارتها الكبرى، بعد الخلاف الحدودي حول منطقة الخفوس في عام 1992 43. و كان الأمير حمد بن خليفة آل ثاني مصممًاعلى نحو واضح منذ توليه الحكم، في عام 1995، على تقليل اعتماد قطر على السعودية 44. إضافة إلى ذلك، كان لمحاولات الانقلاب، المدعومة من الدول المجاورة لقطر، دور محوري في تشكيل سياسة قطر الخارجية. فقد عززت هذه التهديدات شعورها بعدم الثقة ورغبتها في تعزيز استقلالية قرارها وتحريره من التأثير السعودي 45. و هكذا، فإنّ العامَليَن الجغرافي والديموغرافي، بوصفهما عامَليَن بنيويين ماديين، فضلًاعن عامل الديناميات الإقليمية المتمثلة في تصاعد الصراعات الإقليمية والتوترات البينية والحدودية في منطقة الشرق الأوسط والانقسامات داخل مجلس التعاون، خصوصًا في تسعينيات القرن العشرين؛ كل ذلك جعل قطر أشدّ حساسية تجاه التهديدات الخارجية، وأكثر وعيًا بمحدودية قدراتها في الدفاع عن نفسها؛ وهو ما أدى إلى توليد معضلة أمنية حقيقية لدى صانع القرار القطري دفعته إلى البحث عن بدائل غير تقليدية لضمان أمنها وبقائها، خاصة بعد وصول الأمير حمد إلى الحكم. لقد استوعبت القيادة القطرية حينئذ أنّ استمرار الاعتماد على السعودية لم يعد يحقق الأمن والحماية المرجوة؛ أي إنه لم يعد خيارًا واقعيًا، فاتجهت نحو بناء استجابة فعّالة لهذه التحديات عبر إعادة توجيه بوصلة السياسة الخارجية، وتحويل قطر من تابع إلى قوة إقليمية نشطة ذات سياسة خارجية مستقلة 46. تبنت القيادة القطرية، إذًا، استراتيجية خارجية تسعى لضمان أمن البلاد وتعزيز حضورها الإقليمي والدولي. ووجدت في استراتيجيتها الطموحة، التي ترتكز على القوة الناعمة، خيارًا مدروسًا ووسيلة فعّالة لزيادة نفوذها من دون اللجوء إلى القوة الخشنة أو الوقوع تحت الهيمنة الإقليمية. فبعيدًا عن منطقي الالتحاق بركب الأقوى أو المسايرة أو الموازنة، وفي سياق هذه التهديدات الخارجية والصراعات الإقليمية، لجأت قطر إلى بدائل غير تقليدية لضمان أمنها وبقائها، حيث كانت سياستها الخارجية مدفوعة أساسًا بسعيها لتعزيز استقلالية قرارها 47. وأبدى الأمير حمد، منذ توليه الحكم، تصميمًا
واضحًا على التخلص من الهيمنة السعودية على دول الخليج 48. وتمثلت تلك البدائل أساسًا في بناء القوة الناعمة والانخراط المكثف في الوساطة لحل النزاعات. في هذا السياق، تحوّلت سياسة قطر الخارجية نحو المرونة وسرعة التكيف؛ إذ حرصت على تجاوز الحدود والقيود البنيوية المادية والتقليل من تأثيرها، من خلال تعزيز أدوات قوتها الناعمة وتبنّي استراتيجيات تؤدي فيها الرياضة دورًا مهًّم ا. وبما أنّ القرن الحادي والعشرين يُعدّ عصر الرياضة المعولمة بامتياز 49؛ إذ يؤدي الإعلام التقليدي والجديد (خاصة وسائط التواصل الاجتماعي) دورًا مهّمًا في انتشار الرياضة وتوسيع نطاق المسابقات الرياضية، فقد راهنت قطر على هذا المعيار الجديد للقوة، من أجل تعزيز حضورها دولًّيًا، وتحقيق حماية أكثر ضمانًا وأقل تكلفة لأمنها واستقلاليتها. وقد وجدت هذه الاستراتيجية الجديدة أساسًا قويًا في قوة قطر الاقتصادية المتصاعدة، المدعومة بمخزونها الضخم من الغاز الطبيعي وعائداته؛ ما مكنها من تمويل استقلالية سياستها الخارجية الجديدة. فقد كان توسيع قطر لإنتاج الغاز واستقلالها المالي بمنزلة خطوة أساسية نحو استقلالية سياستها الخارجية 50. وفي هذا الإطار، لم تسَعَ لحماية أمنها واستقلالها السياسي فحسب، بل استثمرت أيضًا في الفراغ الإقليمي الذي شهدته المنطقة بسبب غياب أدوار حاسمة لبعض القوى الإقليمية المنشغلة بصراعاتها 51، لتطوّر دورًا فاعلًا يتجاوز حجمها الجغرافي والديموغرافي، وتعيد تعريف الدور القطري، إقليميًا ودوليًا. ففي نهاية تسعينيات القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، كانت قطر تعيش مرحلة تاريخية مزدهرة مقارنة ببقية دول المنطقة الرئيسة. فقد كان العراق، منذ الغزو الأميركي في عام 2003، معزولًاوغير قادر على ممارسة قوته خارج حدوده؛ ولم تكن إيران في وضع أفضل بسبب العقوبات الغربية. في حين كانت مصر والسعودية والإمارات مثقلة بنخب حاكمة، غير راغبة في ممارسة دور قيادي حقيقي في المنطقة 52. وبعد الربيع العربي، عانت دول عديدة، خاصة مصر وسورية، عدم الاستقرار الداخلي بعد ثورات عام 2011؛ في مقابل الاستقرار السياسي والأمني الداخلي الذي حظيت به قطر، إضافةً إلى تماسك جبهتها الداخلية، ما خوّل لها التركيز على السياسة الخارجية 53. في ظل هذه القيود، وفي إطار سعي الدبلوماسية القطرية لاستقلال قرارها السياسي وضمان أمنها، ارتكزت على أدوات القوة الناعمة وعلى الوساطة في النزاعات، بوصفها أدوات لزيادة نفوذها. وجاءت الاستثمارات الضخمة في الإعلام والتعليم والثقافة والرياضة، بالتوازي مع دورها البارز وسيطًا محايدًا وموثوقًا في النزاعات، ترجمةً لطموحاتها وحاجاتها الاستراتيجية. وضمن هذا الإطار، اعتمدت على تنويع قنوات الدبلوماسية العامة وتوزيع أدوات القوة الناعمة على عدة واجهات 54. ومن بين هذه الواجهات، برز المجال الرياضي بوصفه إحدى ركائز السياسة الخارجية؛ إذ شكلت الدبلوماسية الرياضية آلية فعّالة مكّنتها من توسيع نفوذها، وتعزيز حضورها السياسي وبناء صورة إيجابية عنها دولًّيًا.
ثالثًا: ركائز دبلوماسية قطر الرياضية
ارتبطت انطلاقة دبلوماسية قطر الرياضية برؤية الأمير حمد الذي تبنّى استراتيجية تقوم على بناء القوة الناعمة، لتعزيز مكانة البلاد والتعريف بها دولًّيًا، إضافة إلى تعزيز سيادتها وضمان حماية كافية في ظل الأوضاع المضطربة التي يشهدها إقليم الشرق الأوسط. إلا أنّ تنفيذ هذه الدبلوماسية فعلًّيًا جاء تحت قيادة الأمير تميم بن حمد آل ثاني، الذي واصل هذا النهج وعززه ووسع نطاقه لتحقيق أهداف بلاده الاستراتيجية 55. في ظل محدودية قوة قطر الخشنة، راهنت مبكرًا على القوة الناعمة عامةً، واستغلت الرياضة على نحو خاص لتحقيق أهداف سياستها الخارجية على المستوى الدولي؛ فهي تستثمر مبالغ ضخمة سعيًا منها لتحويل الدوحة إلى عاصمة عالمية للرياضة، وذلك بما يلائم رؤيتها الوطنية 2030. لقد كان للأمير تميم دوٌرٌ محورٌّيٌ في تطوير دبلوماسية قطر الرياضية؛ إذ يُعدّ مهندس سياستها العامة الرياضية 56. فهو الذي ترأس لجنة تنظيم بطولة كأس العالم 2022 في قطر، كما أنه يُعدّ مؤسس ورئيس صندوق "قطر للاستثمارات الرياضية" الذي يموّل الاستثمارات الرياضية القطرية في العالم. إضافة إلى ذلك، تولى الأمير
تميم رئاسة اللجنة الأولمبية القطرية في الفترة 2015-2000، وهو أيضًا عضو في اللجنة الأولمبية الدولية 57. وكان من شأن كل ذلك أن جعله أحد أبرز قادة السياسة الرياضية في المنطقة، ويعكس التزامه الشخصي والمسؤولية التي يتولاها بنفسه في تطوير الاستراتيجيات التي تعزز مكانة قطر دولًّيًا.
1. الاستثمار في الأندية الرياضية الكبرى
تشارك شركات عديدة تمتلكها الدولة، كليًا أو جزئيًا، في تنفيذ الدبلوماسية الرياضية القطرية. فقد أطلقت شركة قطر للاستثمارات الرياضية، المملوكة للدولة، استثمارًا استراتيجيًا كبيرًا في نادي "باريس سان جيرمان" لكرة القدم؛ إذ اشترت ما قيمته 70 في المئة من أسهم النادي في مرحلة أولى عام 2011، ثمّ أصبحت مالكه الوحيد في عام 2012 58. وقد أبرمت العديد من هذه الشركات القطرية رعايات وشراكات مهمة، ومن بين أبرزها شركة الخطوط الجوية القطرية، وهي شركة مملوكة كليًا للدولة، وذات رعايات بارزة مع هيئات رياضية كبرى، مثل الفيفا، وأندية شهيرة، مثل باريس سان جيرمان وبايرن ميونيخ و"إيه إس روما." إضافة إلى ذلك، ثمة شركة الاتصالات أوريدو التي تستثمر أيضًا في رعاية شخصيات رياضية كبرى، مثل لاعب كرة القدم الأرجنتيني ليونيل ميسي. وكذلك، يدعم بنك قطر الوطني العديد من الهيئات الرياضية، مثل الاتحاد الآسيوي لكرة القدم والاتحاد الدولي لألعاب القوى، فضلًاعن توقيعه مع النجم البرازيلي، نيمار جونيور، سفيرًا عالميًا له 59. ومن بين أهم استثمارات قطر في الأندية الرياضية الكبرى صفقُةُ شراء مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع مساحةً إعلانيةً على قميص أحد أكبر الأندية وأكثرها شعبية في العالم، نادي برشلونة، في عام 2010، بعد أن كانت منظمة الأمم المتحدة للطفولة "اليونيسف" حتى ذلك الوقت الوحيدة القادرة على الظهور على قميص النادي 60. ويهدف هذا التوجه إلى تعزيز حضور اسم قطر في الفضاءات الرياضية الدولية عبر شركاتها التجارية الراعية؛ إذ يتيح تحويُلُ الميادين الرياضية إلى وسائط إشهارية فاعلة ترسيَخَ الحضور المستمر للسمة الوطنية القطرية في الفضاء الإعلامي العالمي، بما يضمن وصولها المتواصل إلى جمهور المشاهدين حول العالم 61.
2. تطوير البنى التحتية الرياضية وتنظيم المسابقات الكبرى
في إطار استعداد قطر لاستضافة الفعاليات الرياضية الكبرى، عملت على تطوير بنيتها التحتية الرياضية على نحٍوٍ شامل. فقد أنشأت ملاعب حديثة تتميز بمرافق متطوّرة وبتصميمات مبتكرة، واشترت معدات وسلعًا رياضية عالية الجودة. ومن بين أهم ما يتعلق بتطوير البنية التحتية، أيضًا، إنشاء مؤسسة "أسباير زون" التي كانت محط الأنظار؛ إذ تضمّ العديد من المنشآت الرياضية الحديثة، ومنها صالة رياضية مغلقة متعددة الأغراض تُعدّ الأكبر في العالم 62. ومن شأن كل ذلك أن يجعل قطر في موقع تنافسي لاستضافة أكبر الأحداث الرياضية. واستجابةً لرؤية قطر الوطنية التي تهدف إلى مواكبة المعاصرة وتحقيقًا للتحديث من دون التخلي على هويتها وتقاليدها، سعت للمزج بين البعَدَين العالمي والمحلي. فمن جهة، عملت على تصدير الهوية القطرية الوطنية عبر إضفاء البعد العالمي على كل ما هو محلي، وفي الوقت نفسه سعت لإضفاء البعد المحلي على كل ما هو عالمي من خلال مواكبة التطوّر العالمي وجعل القيم العالمية جزءًا من هوية قطر واستيعابها ضمن سياقها المحلي. وفي هذا الإطار، تجسد البنى التحتية الرياضية، ولا سيما الملاعب التي شيدتها قطر، هذا التداخل بين المحلي والعالمي وتعكس جليًا ملامح الهوية القطرية والعربية 63. غير أنّ هذا التوجه يكشف في الوقت نفسه عن التداخل العميق بين البعد المادي والرمزي في استراتيجية القوة الناعمة القطرية، فهي ليست مجرد منشآت رياضية حديثة، بل رموز مادية لهوية قطر وثقافتها المحلية التي تسعى لتصديرها إلى العالم. ويعد ملعب البيت، في مدينة الخور، من أبرز الأمثلة الدالة على ذلك؛ إذ استلهم تصميمه من الخيمة التقليدية التي كانت تستخدم قديمًا مسكنًا لأهل البادية في صحراء قطر، بينما يبرز ملعب لوسيل الطابع العربي - الإسلامي من خلال تصميمه المستوحى من الأواني اليدوية التي تعود إلى "العصر الذهبي" لفنون العمارة الإسلامية 64.
فهذه الملاعب التي شيدتها قطر، استعدادًا لكأس العالم، هي في ظاهرها بنى تحتية وفضاءات رياضية، غير أنها في جوهرها أدوات رمزية فعّالة للقوة الناعمة، تمثل تجسيدًا معماريًا للهوية الوطنية التي تسعى قطر لإبرازها للعالم. فضلًاعن ذلك، يُعدّ فوز قطر، في عام 2010، باستضافة بطولة كأس العالم لكرة القدم 2022 أحد أكبر النجاحات التي تحصلت عليها الدبلوماسية الرياضية القطرية، بوصفها أول دولة عربية وشرق أوسطية في التاريخ تحظى بمثل هذا الإنجاز. فنظرًا إلى أهمية هذا الحدث الرياضي العالمي، وبوصف كرة القدم الرياضة الأكثر شعبية في العالم، وبوصف هذه البطولة الأكبر والأعظم والأكثر قيمة في نظر خبراء الرياضة 65، فإن هذا الإنجاز شكّل فرصة ذهبية لقطر لتعزيز حضورها قوةً ناعمة عالمية، قادرةً على تنظيم أحداث رياضية كبرى. وقد أثار هذا الفوز جدلًاواسعًا؛ إذ شكك كثيرون في قدرة قطر على تنظيم حدث بهذه الأهمية باعتبارها دولة صغيرة لم تشارك قَُّطُ في بطولة كأس العالم لكرة القدم، وكانت شعبية هذه الرياضة محليًا ضعيفة حينئذ مقارنة بدول أخرى. وعلى الرغم من كل ذلك، فإن الملف القطري استطاع أن يتفوق على بقية عروض منافسين من "حجم كبير" كالولايات المتحدة وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية 66. وإلى جانب بطولة كأس العالم لكرة القدم، أبانت قطر احترافية وكفاءة عالية وخبرة كبيرة في تنظيم العديد من المنافسات الرياضية الكبرى، مثل بطولة كأس آسيا لكرة القدم، والألعاب العربية وكأس العرب فيفا، وبطولة القارات لكرة القدم، وبطولة العالم لرفع الأثقال، وغيرها من الفعاليات الكبرى في مختلف الرياضات. وتعمل قطر جاهدة على تعزيز هذه الصورة وتطوير بنيتها التحتية الرياضية باستمرار للفوز باستضافة الألعاب الأولمبية والبارالمبية لعام 2036، وهي إحدى أهم المسابقات الرياضية العالمية وأعرقها. فبعد سنوات من التحضير عبر استضافتها أكثر من 18 بطولة عالمية في مختلف الرياضات الأولمبية خلال الأعوام الأخيرة، أصبحت تمتلك أكثر من 95 في المئة من المواقع والمرافق الرياضية المطلوبة للألعاب الصيفية، بما يتوافق مع معايير الاتحادات الدولية. وترتبط هذه المرافق بنظام نقل حضري متطوّر، أثبت قدرته خلال كأس العالم 2022 على استيعاب ما يزيد على 700 ألف راكب يوميًا. فضلًاعن ذلك، يشكّل مطار حمد الدولي عنصرًا مهمًا، إذ خدم عام 2024 قرابة 52.7 مليون مسافر، ما يؤهله لاستيعاب الأعداد الكبيرة المتوقعة من الزوار خلال الألعاب الأولمبية. وقد اعتبرت بطولة كأس العالم 2022 الحدث الرياضي الأكثر أمانًا في التاريخ الحديث، وإحدى أكثر البطولات نجاحًا من حيث سلاسة التنظيم ومعايير السلامة العالمية التي طبقت لحماية أكثر من 3.4 ملايين من الجماهير التي حضرت المباريات 67. ومع كل ما تحقق، تقف قطر اليوم في موقع متقدم تسعى عبره لاحتضان تظاهرة كبرى بحجم الألعاب الأولمبية. وقد انخرطت في هذا التوجه لما له من دور فعال في بناء السمة القطرية إعلاميًا، من خلال الترويج التلقائي المرتبط بتغطية الفعاليات الرياضية إعلامًّيًا، وهو ما يضمن انتشارها على نطاق عالمي واسع ووصولها المستمر إلى الجمهور الدولي 68.
3. الإعلام الرياضي
كان من بين أبرز استثمارات قطر الرياضية، وأشدها تأثيرًا، إطلاق شبكة الجزيرة الرياضية في عام 2003 في سياق استثمار الدولة في توسيع حضورها الإعلامي بعد النجاح الذي حققته قناة "الجزيرة الإخبارية." فقد جاء إطلاق "الجزيرة الرياضية" خطوة أولى ضمن استراتيجية لتوسيع شبكة الجزيرة واستثمار النجاح الذي حظيت به في تلك الفترة؛ إذ صنفت عام 2005 ضمن أكثر العلامات تأثيرًا في العالم بحسب معهد غالوب، كما احتل اسمها صدارة الكلمات المفتاحية على محرك بحث غوغل عام 2004 69. وفي عام 2012، جرى تأسيس "بي إن سبورتس" فرعًا من "الجزيرة الرياضية" 70، وظهر اسمها أول مرة عبر "بي إن سبورت فرانس" beIN Sport France بوصفها النسخة الفرنسية من "الجزيرة الرياضية"، قبل أن يجري توحيد هذه العلامة بين كل الفروع وتصبح الشركة مستقلة تحت ملكية الدولة القطرية عام 2014 71. وقد بدأت شبكة "بي إن سبورتس" ببث مجموعة متنوعة من القنوات المتخصصة التي غطت العديد من الفعاليات الرياضية العالمية؛ ما مكنها من فرض نفسها بوصفها محطة للبث الرياضي في العالم العربي. تضم "بي إن سبورتس" اليوم 06 قناة تبث بسبع لغات مختلفة في 43 بلدًا موزعة عبر مختلف القارات، وهو ما يجعلها فاعلًامهّمًافي سوق المحتوى الرياضي وناقلًارئيسًا لمعظم المنافسات الدولية الكبرى
في أكثر من عشرين رياضة مختلفة 72. وقد برزت الشبكة منافسًا قويًا أزاح الاحتكار التاريخي لحقوق بث البطولة الفرنسية 73 الذي كانت تهيمن عليه قناة "كانال بلس" الفرنسية طوال سنوات 74، فضلًاعن حصولها على حقوق بث حصرية ضخمة تشمل العديد من الدوريات والبطولات المرموقة عبر العالم، لعل أبرزها الدوريات الأوروبية مثل دوري كرة القدم الإنكليزي 75 والدوري الإسباني76، علاوةً على بطولات الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (دوري أبطال أوروبا، والدوري الأوروبي، ودوري المؤتمر الأوروبي) 77 إلى جانب أغلب المنافسات الكبرى في رياضات أخرى كثيرة، مثل بطولة العالم لألعاب القوى 78 وبطولات جولة رابطة محترفي التنس79. لقد أصبحت "بي إن سبورتس" فاعلًا مهمًا في مجال الحقوق التلفزيونية؛ فهي تحظى بحضور واسع يجعل قطر تتجاوز مستوى المنتج الإعلامي الرياضي، إلى كونها منتجًا وموزعًا رئيسًا له. ويعكس هذا الاستثمار مشروعًا استراتيجيًا ضخمًامن أجل بناء علامة إعلامية عالمية قادرة على تثبيت اسم قطر في الذاكرة الرياضية العالمية وتعزيز حضورها منافسًا رئيسًا في سوق حقوق البث، فضلًاعن الوصول إلى جماهير متعددة عبر العالم ومن ثمّ الترويج لصورتها على المستوى العالمي. 4. تطوير الرياضة المحلية وإنشاء أكاديميات وطنية على الرغم من استثمارات قطر الضخمة في الأندية الرياضية العالمية وتنظيمها المسابقات الرياضية الكبرى، فإنه لا يمكنها أن تعتمد على الرياضة أداةً فعّالة للقوة الناعمة، من دون أن تملك قاعدة رياضية محلية قوية ومتطوّرة؛ فدبلوماسيتها الرياضية تعتمد كذلك على تطوير الرياضة المحلية وتعزيز التميز فيها لبناء أبطال رياضيين قادرين على المنافسة على المستويين القاري والعالمي في مختلف الرياضات، من أجل رفع العلم القطري في منصات التتويج وإعلاء سمعة البلاد الرياضية. وقد تبنّت قطر استراتيجية تقوم على تطوير العنصر البشري وتنمية القدرات الرياضية، عبر إنشاء أكاديميات محلية متخصصة واستقطاب مؤطرين ذوي خبرة عالمية، وذلك لتعزيز حضور العلم الوطني القطري على منصات التتويج الدولية، لما يحمله ذلك من دلالة رمزية على التفوق الإقليمي وحضور الدولة عالميًا، فضلًاعن معقولية الاستثمارات الضخمة الموجهة لهذا القطاع وجدواها 80. وفي هذا الصدد، أنشأت قطر أكاديميات رياضية وطنية، أهمها أكاديمية "أسباير" التي تنشط منذ عام 2004 81، والتي تركز أساسًا على تطوير مهارات الشباب القطري في مختلف الرياضات. إضافة إلى ذلك، تعتمد وزارة الرياضة والشباب القطرية على الرياضة وسيلةًاستراتيجيةً لتعزيز مساهمة الشباب في التنمية الذاتية والمجتمعية، استنادًا إلى ترسيخ قيم التوازن والإنتاجية والاعتزاز بالهوية الوطنية 82؛ فهي تعمل إذًا على دعم الشباب القطريين وتحفيزهم وتعزيز مشاركتهم في النشاطات الرياضية، وذلك من خلال تمويل المسابقات الرياضية الوطنية وتنظيمها، ودعم الأندية المحلية، وإطلاق العديد من المشاريع الرياضية. وقد جنت قطر ثمار جهودها الكبيرة واستراتيجيتها اللافتة في هذا الجانب؛ إذ توجت هذه المجهودات بنتائج إيجابية. ولعل أبرز مثال على ذلك هو البطل القطري، معتز عيسى برشم، المتخصص في رياضة الوثب العالي، الذي يُعدّ أحد خريجي أكاديمية أسباير ضمن دفعة 2009؛ وهو يَُعَُّدُ من أنجح الرياضيين القطريين، إذ حقق سلسلة من الإنجازات العالمية، أبرزها منح بلاده أول ميدالية ذهبية في تاريخ البطولات العالمية خلال بطولة العالم في لندن عام 201783، فضلًاعن حصول قطر على أربع ميداليات أولمبية متتالية: برونزية أولمبيات باريس 2024()، وذهبية طوكيو 2020()، وقبلهما فضيتا ريو عام 2016 ولندن عام 2012.
رابعًا: الدبلوماسية الرياضية في سياسة قطر الخارجية
استنادًا إلى الإطار البنائي الذي يؤكد مركزية هوية الدولة وتصوّراتها بشأن قدراتها ودورها في تشكيل سلوكها، يمكن تفسير سلوك قطر الخارجي، قبل وصول الأمير حمد إلى الحكم، بوصفه نابعًا من فهم ذاتي محدد لقدرات الدولة ومكانتها؛ وفي سياق تفاعلات إقليمية غير متكافئة، جرى القبول بأدوار ثانوية داخل النظام الإقليمي. ومع تغّي ر النخبة الحاكمة في قطر، وعلى الرغم من استمرار الوعي بمحدودية الإمكانات المادية نفسها، شهدت الدولة تحوّلًافي كيفية إدراك هذه الإمكانات؛ ما أدى إلى تغّي رفهم الذات وتحوّل هويتها، ومن ثمّ إعادة تعريف الدور الذي تسعى الدولة للاضطلاع به. فالإمكانات المادية لم تتغّي رفي جوهرها، لكن تصوّر صانع القرار للذات وقدراتها هو الذي تغّي ر؛ ما فتح المجال أمام تبنّي هوية جديدة أوسع طموحًا، سعت من خلالها قطر للاضطلاع بأدوار بارزة على الصعيَدَين الإقليمي والدولي تتجاوز حجمها الجغرافي ومحدودية قدراتها المادية، وبدأت نض لًا من أجل الاعتراف الخارجي بهذه الهوية. وفي هذا السياق، يبين ونت أنّ الهويات غير المتكافئة تنتج دافعًا نحو التغيير؛ إذ تميل الذوات التي يُسند إليها موقع أدنى إلى مقاومة هذا الوضع والسعي وإعادة تعريف مكانتها 84. وبناءً على ذلك، لا تفهم التحركات الدولية بوصفها صراعًا على القوة Power for Struggle، بل بوصفها نض لًا من أجل الاعتراف بالهوية والمكانة Struggle for Recognition 85. لا يتمحور منطق الفوضى حول الصراع من أجل الأمن فحسب، كما يفترض الواقعيون الجدد؛ ففهم سلوك الدول لا يكتمل إذا اقتصر على البعد الأمني، لأنها تسعى أيضًا للحصول على الاعتراف بهويتها ومكانتها. فالاعتراف، فعل اجتماعي يؤسس علاقة بين الذات والآخر، ويضفي على الاختلاف معنى معيّنًا. ولذلك فإن هذا السعي للاعتراف مرتبط بتشكيل هوية الدولة نفسها؛ إذ إنّ الفاعل لا يمكنه اكتساب هوية مميزة والحفاظ عليها بمعزل عن الآخرين، فهذه الهوية تُبَنَى اجتماعيًا عبر التفاعل والاعتراف البيني 86. وينتج من هذا الصراع من أجل الاعتراف تنافٌسٌ بين الدول، لكي تُعامل، بوصفها من الفاعلين الشرعيين الذين يتمتعون بمكانة معيّنة في النظام الدولي وبهوية وخصوصية. في هذا السياق، اضطلعت الدبلوماسية الرياضية بدور مهمّ، بوصفها إحدى الأدوات التي وظفتها قطر في هذا النضال من أجل الاعتراف؛ إذ أسهمت على نحو فعّال في تعزيز اعتراف الدول الأخرى بالهوية القطرية الجديدة، وتعزيز مكانتها دولًّيًا، وترسيخ صورتها بوصفها فاعلًاقادرًا على التأثير وأداء أدوار تتجاوز حدود إمكاناتها المادية بما يفوق الاكتفاء بالحد الأدنى من متطلبات الأمن. وهكذا، فإن قطر توظف الرياضة لتحقيق هدَفيَن أساسيين: الهدف الأول اجتماعي، يتمثّل في زيادة الوعي العالمي بوجودها وتعزيز الاعتراف بها بوصفها دولة مستقلة ذات سيادة، إضافة إلى تنشئة الجمهور العالمي وتثقيفه حول وجود قطر بوصفها دولة لها دور مهم عالمًّيًا. وفضلًاعن ذلك، فهي تسعى من خلال الرياضة لتكريس حضورها الإقليمي المتميز، خاصة في مواجهة جارتها السعودية التي تطمح إلى الهيمنة السياسية والثقافية على الدول الصغرى في المنطقة 87. في حين يتجلى الهدف الثاني - وهو هدف مادي - في تنويع الاقتصاد الوطني، أي التقليل من الاعتماد على مواردها الهيدروكربونية لتعزيز استدامة نموها الاقتصادي؛ إذ تسعى قطر، في إطار رؤيتها الاستراتيجية، لتحويل البلاد إلى وجهة سياحية عالمية، وهو ما يدعم جهودها في تطوير قطاعها السياحي وتنويع اقتصادها. وهنا أيضًا يكمن التداخل بين البعَدَين المادي، المتمثّل في المكاسب الاقتصادية التي تدرها دبلوماسية قطر الرياضية، والرمزي؛ إذ تهدف من خلال استثماراتها في الرياضة إلى تنشئة الجمهور الإقليمي والدولي على صورة قطر بوصفها دولة حاضرة في محيطها الإقليمي والدولي، لها سيادتها ومكانتها 88. ويرى بونيفاس، في هذا السياق، أنّ استثمار قطر في الرياضة كان مشروعًا مربحًا لها على مستوى السمعة والشهرة، فضلًاعن مكاسبه الاقتصادية، على المدى الطويل 89. يظهر ذلك جليّا في التطوّر الملحوظ الذي شهدته قطر خلال السنوات الأخيرة في المؤشر العالمي لقياس القوة الناعمة، الصادر عن مؤسسة براند فاينانس. فقد احتلت عام 2024 المرتبة 21 عالميًا، من أصل 193 دولة، متقدمة بثلاث مراتب مقارنة بعام 2023، وزادت درجتها من 49.9 عام 2023 إلى 54.5 خلال عام 2024 90. وقد أشاد التقرير بالاستراتيجيات الرياضية الطموحة والرفيعة المستوى التي تبنتها قطر، مشيرًا إلى أنها واحدة من أربع دول حققت أكبر تقدم منذ
إطلاق هذا المؤشر في عام 2020. وعلى الرغم من تراجعها إلى المرتبة 22 عام 2025، فإنها لا تزال ضمن نخبة الدول الأكثر تأثيرًا عالميًا، كما احتلت المرتبة السابعة آسيويًا، متقدمة على عدد من القوى الإقليمية البارزة 91.
1. الصورة العالمية
تهدف دبلوماسية قطر الرياضية إلى تغيير الصورة السلبية الشائعة عنها في الأوساط الدولية، ولا سيما الغربية منها، عبر إعادة تشكيل الصورة الذهنية عنها، وترسيخ سمعة جديدة لها بوصفها دولة طموحة ذات رؤية مستقبلية وأهداف واضحة، فضلًاعن تعزيز عوامل التفرد والتميز القطري على المستويين الإقليمي والدولي 92. فقد جاء في تصريح لرئيس قسم العلاقات المحلية في اللجنة الأولمبية القطرية، فهد عبد الله الملا، "الرياضة هي الوسيلة الأسرع لنقل رسالة ما وضمان ترقية بلد ما؛ فعندما يقال لكم: الشرق الأوسط، تفكرون آليًا في الإرهاب، أليس كذلك؟ إن قادتنا يريدون أن تكون لقطر سمعة جيدة" 93. وهو ما يعكس الأهمية الكبيرة التي توليها للرياضة بوصفها أداة فعالة تراهن عليها لتغيير الصورة النمطية المغلوطة والمرتبطة بالشرق الأوسط عامة، وقطر خاصة. وقد ساهمت دبلوماسية قطر الرياضية بحق في التخلص من التصوّرات النمطية والمغلوطة، التي كانت تلاحقها بوصفها دولة صغرى، عربية ومسلمة. فباستضافتها لأكبر البطولات الرياضية، ولا سيما بطولة كأس العالم 2022، أصبحت البلاد معروفة بقدرتها على تنظيم فعاليات عالمية المستوى ببنى تحتية ضخمة ومتطوّرة جًّدًا؛ ما عزز صورتها بصفتها دولة حديثة وطموحة. لقد تمكنت قطر من ممارسة نفوذها، بإعادة صياغة الأفكار والمعتقدات والمعايير المشتركة، المتداولة حولها في النظام الدولي. فبعد أن كانت تُقَّدَم في الخطابات السائدة بوصفها دولة صغرى، عربية مسلمة، تفتقر إلى مقومات القوة المادية، وغير قادرة على التأثير؛ ساهمت دبلوماسيتها الرياضية، عبر التفاعل مع الجماهير العالمية ووسائل الإعلام والفاعلين الدوليين، في تفكيك هذه الصورة النمطية وإعادة تشكيل أفكار جديدة، أبرزت مكانتها داخل النظام الدولي. وبذلك، استطاعت بناء صورة إيجابية لها، كانت نتاجًا لبناء اجتماعي بينذاتي، أبرز أدواته الدبلوماسية الرياضية. لكن كل ذلك لم يتحقق من دون تحديات؛ فقد واجهت قطر انتقادات حادة من منظمات غير حكومية وشبكات إعلامية عالمية، تمحورت حول أوضاع العمالة الأجنبية التي شاركت في بناء البنية التحتية، خلال التحضير لبطولة كأس العالم لكرة القدم 2022، على الرغم من الإصلاحات الجمة التي شرعت فيها البلاد منذ أن حصلت على حق استضافة هذه التظاهرة. وتعرضت أيضًا لانتقادات بسبب التصنيف المنخفض في مؤشرات الديمقراطية، وبشأن أوضاع الحريات، فضلًاعن الاتهامات التي وجهت إليها بالفساد؛ مما أثار شكوكًا في استحقاقها وأهليتها لاستقبال المسابقات الرياضية الكبرى. وتعكس كل هذه الانتقادات وأخرى مواقف بعض الجهات من صعود قطر فاعلًامهمًادولًّيًا، وتمكنها من إثبات مكانتها، لا سيما أنها دولة عربية من الجنوب الكبير، عملت على التخلص من احتكار الغرب/ الشمال الكبير التقليدي لتنظيم الفعاليات الرياضية الكبرى. لكن ما حدث، في مقابل هذا الجدل، أسفر عن تنظيم ق طر نسخة، وصفت بالاستثنائية وحازت إشادة عالمية واسعة 94؛ إذ اعتبر رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم، جياني انفانتينو، أنّ بطولة كأس العالم التي نظمتها قطر، في عام 2022، تُعدّ الأفضل عبر التاريخ 95. وقد أدى الاعتراف الواسع بنجاح التنظيم إلى تعزيز مكانة قطر وجهةً دولية للاستثمارات والفعاليات الكبرى. وبهذا، كانت جميع الفعاليات الرياضية الكبرى التي نظمتها مناسبة لإبراز مقوماتها، خاصة من حيث بنيتها التحتية المتطوّرة، والتي أصبحت تضاهي مثيلاتها في البلدان المتقدمة. وتمثّل هذه الفعاليات مؤشرًا واضحًا د لًا على التقدم الذي أحرزته في مجال التحديث، وإعادة صياغة الفهم التقليدي لاستضافة الأحداث الرياضية الكبرى التي كانت حكرًا على الدول الغربية، لتنضم دول أخرى طموحة وتتبنى خططًا استراتيجيةً من أجل المنافسة في هذا المجال 97.
وكان الاستثمار المالي لشركات قطرية تمتلكها الدولة، جزئيًا أو كليًا، إضافة إلى الشراكات التي أقامتها مع الأندية الرياضية العالمية، بمنزلة أداة فعالة في تحقيق أهداف استراتيجية أوسع. ذلك أنّ الأمر لا يتعلق بمجرد الترويج للمؤسسات القطرية فحسب، وإنما استراتيجية قطرية استخدمت فيها الرياضة أداةً للدعاية والتعريف بقطر وبناء صورة إيجابية لها دولًّيًا. ومن خلال ربط اسمها بأندية أوروبية ذات شعبية تاريخية، مثل برشلونة وباريس سان جيرمان، وبنجوم رياضيين عالميين مثل ميسي ونيمار جونيور، نجحت في الوصول إلى جمهور عالمي أوسع. ولم يقتصر التأثير على أوروبا، بل امتد أيضًا إلى مناطق في جميع أنحاء العالم؛ ما ساهم في التعريف بقطر وعزز مكانتها وسمعتها بصفتها دولة قادرة على الاضطلاع بأدوار مهمة عالميًا. وُتُعدّ استثمارات قطر، ولا سيما شراؤها نادي باريس سان جيرمان الفرنسي، نقطة تحوّل كبيرة في تعزيز صورتها وبناء سمعتها دوليًا، وخاصة في فرنسا. فبعد أن كانت معروفة لدى النخب الفرنسية فحسب، السياسية والاقتصادية، القائمة على السياسة الخارجية 98، نالت شهرة أوسع عند عقدها هذه الصفقة؛ إذ زاد حضورها في الإعلام الدولي والفرنسي، وباتت تتصدر عناوين المجلات والصحف وتظهر في تقارير التلفزيون والأفلام الوثائقية والبرامج الحوارية؛ فأدى ذلك إلى تعزيز موقعها على الخريطة العالمية وإبراز أهميتها دولًّيًا. فضلًاعن ذلك، يجسد بروز نجم كبير بحجم برشم أحد الأهداف الاستراتيجية التي تتبناها أكاديمية أسباير، والبنية التحتية الرائدة التي تتوفّر عليها، إضافة إلى الرؤية الطموحة التي تبنتها لصناعة جيل جديد من الأبطال العالميين القادرين على المنافسة الدولية ورفع راية البلاد على منصات التتويج العالمية، وهو ما يساهم في تعزيز سمعة البلاد دولًّيًا؛ ذلك لأنّ برشم، وغيره من الأبطال الرياضيين، ليسوا مجرد رياضيين، بل سفراء لبلدهم يساهمون في التعريف بمكانة قطر والمؤهلات المتقدمة للرياضة المحلية القطرية. من جهة أخرى، تسعى الاستثمارات القطرية في المجال الرياضي لتعزيز دور المرأة في المجتمع القطري. فعلى سبيل المثال لا الحصر، أدت الشيخة موزا بنت ناصر دورًا محوريًا في دعم ترشيحات قطر لاستضافة الفعاليات الرياضية الكبرى، بما في ذلك بطولة كأس العالم لكرة القدم عام 2022. إضافة إلى ذلك، كانت بطلة الرماية القطرية، بهية الحمد، أول امرأة خليجية في التاريخ ترفع علم بلادها في أولمبيات لندن 2012. ويعكس ذلك رؤية القيادة القطرية لتوظيف الرياضة وسيلةً لتمكين المرأة وإبراز دورها المحوري في المجتمع القطري. وتهدف مثل هذه الاستراتيجيات داخليًا إلى تمكين المرأة وتشجيعها على تولي أدوار قيادية بما يلائم الخصوصيات الثقافية للمجتمع القطري المحافظ. فقد اعتمدت قطر أسلوبًا ناعمًا، وهو ما يساعد على التكييف التدريجي مع الهوية القطرية 99. أمّا خارجيًا، فقد ساهمت هذه الاستراتيجيات في تحسين صورة قطر الدولية بوصفها دولة تدعم حقوق المرأة، مع تحقيق التوازن بين التحديث والتمسك بقيمها وتقاليدها؛ فعزز ذلك قوتها عالمًّيًا. ومن ثمّ، أدت هذه المقاربة إلى تجاوز تلك الصورة النمطية التي غالبًا ما يجري رسمها عن الدول العربية الإسلامية، لا سيما تلك التي تصوّرها على أنها مجتمعات منغلقة، وأنها تهضم حقوق المرأة وتجعلها تعاني التهميش الاجتماعي والسياسي.
2. الفرص الاقتصادية
تعكس دبلوماسية قطر الرياضية التصوّر البنائي الذي يؤكد ثنائية العوامل المادية والرمزية وتداخلهما في تفسير سلوك الدول. فقد نجحت قطر في إعادة تشكيل الصورة النمطية التي كانت مرتبطة بها، والانتقال من موقع الدولة الصغرى المحدودة التأثير إلى فاعل يحظى بقوة ناعمة جاذبة. وُيُعدّ التأثير من خلال الجذب عنصرًا أساسيًا في تعريف القوة بتوظيف الثقافة والقيم والرموز الوطنية. ومن ثمّ، فقد أسهم ذلك في إبراز قطر نفسها وجهةً جذابةً للسياحة والاستثمارات؛ ما مكنها من تحقيق عوائد ومكاسب مادية ملموسة. وهكذا، لا يمكن فهم هذه العوائد الاقتصادية بمعزل عن البعد الرمزي الذي أنتجته دبلوماسية قطر الرياضية، حيث كانت السمعة والصورة الإيجابية التي راكمتها الدولة بمنزلة قوة رمزية تحوّلت إلى استثمارات وتنشيٍطٍ للسياحة وتوسيٍعٍ للشراكات الاقتصادية. يعكس الاستثمار القطري في الرياضة رؤية استراتيجية طموحة، أدت إلى تحقيق العديد من الفوائد الاقتصادية، وساهمت في الانتقال بالاقتصاد القطري نحو نموذج أكثر تنوعًا واستدامة. فبعد ارتباط اسم قطر بتنظيم المسابقات الرياضية الكبرى، نجحت في تعزيز سمعتها بوصفها وجهة سياحية عالمية ومضيافة تستحق الزيارة؛ بالنظر إلى أمنها وسخائها وترحيبها بالجميع. ويساعدها كل ذلك في جلب الاستثمارات الأجنبية، ومن ثم التحوّل من بلد ريعي إلى قبلة عالمية للاستثمارات 100. وفي ضوء ذلك، ساهمت هذه السمعة العالمية في
تحقيق فوائد اقتصادية ملموسة تعزز الاقتصاد القطري. فتنظيم الفعاليات الرياضية الكبرى، التي تجذب عددًا كبيرًا من الجماهير، أسهم في تحقيق مكاسب اقتصادية ضخمة، من خلال عوائد بيع تذاكر المباريات وحقوق البث التلفزيوني والإعلانات، إضافة إلى مداخيل السياحة، وهو ما يعزز الناتج المحلي الإجمالي، ويدرّ إيرادات على خزينة الدولة. وعلى الرغم من أنّ تنظيم نسخة بطولة كأس العالم لكرة القدم، في عام 2022، كلف قطر قرابة 220 مليار دولار أميركي، ما يجعلها النسخة الأغلى تاريخيًا بعد مونديال البرازيل عام 2014 الذي بلغت تكلفته نحو 15.5 مليار دولار 101، فإن هذا الحدث الرياضي الضخم قد عاد بالنفع على البلاد وانعكس إيجابيًا على الاقتصاد القطري من جوانب عديدة. فقد نجحت قطر في استقطاب 30 مليار دولار من الاستثمارات الأجنبية المباشرة بحسب اللجنة العليا للمشاريع والإرث، كما أتاح تنظيم البطولة ما يقارب 200 ألف فرصة عمل. فضلًاعن ذلك، سجل إجمالي القيمة المضافة زيادة تقدر ب 16.3 مليار دولار، في حين ارتفع عدد السياح خلال الأشهر العشرة الأولى من عام 2023 بنسبة بلغت نحو 132 في المئة. وبلغ إجمالي إنفاق الزوار خلال المونديال 4.7 مليارات دولار 102. فضلًاعن ذلك، تسعى قطر للتقليل من اعتمادها على عائدات مواردها الهيدروكربونية 103؛ فهي إحدى أكبر الدول المنتجة والمصدرة للغاز الطبيعي والنفط، وتمثّل هذه العائدات المصدر الأساسي لتمويل الميزانية العامة للدولة ودعم مشاريع التنمية الاقتصادية والبنية التحتية في البلاد. واتساقًا مع رؤيتها الوطنية 2030، التي تهدف إلى الحدّ من الاعتماد على الصناعات الهيدروكربونية وتنويع الاقتصاد القطري ومصادر الدخل الوطني 104، أشاد صندوق النقد الدولي بالدور الكبير الذي أدته استضافة بطولة كأس العالم لكرة القدم في تسريع وتيرة هذا التحوّل الاقتصادي. فقد ساهمت البطولة بنحو 5 إلى 6 نقاط مئوية سنويًا في نمو الناتج المحلي الإجمالي غير الهيدروكربوني، مدفوعًا بحجم الاستثمارات الضخمة التي وجهت إلى مشاريع البنية التحتية المختلفة؛ بما في ذلك الملاعب وشبكات الطرق والمواصلات، والفنادق وشبكات الاتصالات وغيرها، وذلك منذ الإعلان عن فوز قطر بتنظيم هذه التظاهرة الرياضية العالمية . ومن ثمّ، سعت لتوظيف هذه الموارد التي تُدرّ لها عائدات مالية ضخمة لتحقيق مكاسب في القوة الناعمة . إلى جانب ذلك، تُعدّ شبكة "بي إن سبورتس" من أهم قنوات البث الرياضي في العالم، فهي تضم أكثر من 55 مليون مشترك من مختلف أنحاء العالم. ولا يقتصر دورها على الجانب الإعلامي وتحسين صورة قطر عالميًا وإظهار قدراتها الكبيرة، وإنما يترجم هذا النجاح الإعلامي إلى إيرادات مهمة من حقوق البث والإعلانات التي تضاف إلى الاقتصاد القطري. وعلاوة على ذلك، يدرّ الاستثمار في الأندية العالمية أيضًا، لا سيما باريس سان جيرمان، عائدات ضخمة. فحقوق البث التلفزيوني، وعقود الرعاية، وبيع منتجات النادي، وعوائد التذاكر، ومكاسب بيع اللاعبين، وإحراز الألقاب والمشاركة في المسابقات، إضافة إلى المتابعين على منصات التواصل الاجتماعي، كلها عوامل أضافت مصادر دخٍلٍ مهمة ومتنوعة إلى خزينة النادي والدولة، خاصة بعد أن تضاعفت قيمة علامة النادي التجارية بعد شراء قطر له، وهو ما يعزز إيراداتها.
خاتمة
على الرغم من أهمية الواقعية الجديدة في تفسير سلوك الدول الصغرى التي تعاني درجة عالية من الانكشاف في النظام الدولي، فإنها تظل غير كافية لفهم المسارات غير التقليدية التي تنتهجها بعض هذه الدول، ولا سيما قطر. فحصر خيارات الدول الصغرى بين الالتحاق بركب القوى الكبرى أو مسايرتها أو موازنة التهديدات لا يفسر تحوّل قطر نحو انتهاج سياسة خارجية نشطة ومستقلة، قائمة على أدوات غير مادية، وفي مقدمتها القوة الناعمة عبر الدبلوماسية الرياضية. وانطلاقًا من المقاربة البنائية، تجادل هذه الدراسة بأن سلوك الدول لا يتحدد فقط بتوزيع القوة والقدرات المادية التي يعتمدها الواقعيون الجدد، وإنما يتشكّل أساسًا من خلال الأفكار والمعايير المتشاركة التي تنتج هويات، أي تصوّرات حول الذات والآخر، وتشكّل على أساسها مصالحها وأدوارها. وهكذا، فإن الدول الصغرى، على محدودية موارد قوتها الخشنة، تملك هامشًا مهّمًالممارسة النفوذ من خلال إعادة صياغة هذه الأفكار والمعايير المتشاركة، ومن ثمّ إعادة تعريف موقعها ودورها في النظام الإقليمي والدولي. بعبارة أخرى، ساهمت
تحّولّات سلوك الدول الصغرى في إعادة صياغة مفهوم القوة عن طريق تطوير القوة الناعمة، مفهومًا وممارسةً. وفي هذا السياق، تبرز الدراسة أنّ التحوّل في سياسة قطر الخارجية منذ منتصف تسعينيات القرن العشرين كان نتيجة تغّي رعميق في فهم النخبة القطرية لذاتها ولمكانة الدولة وإمكاناتها. فمع وصول الأمير حمد إلى الحكم، أعادت القيادة القطرية تعريف الهوية القطرية والدور الذي تسعى للاضطلاع به، من دولة صغيرة ذات دور ثانوي إلى فاعل يؤدي أدوارًا إقليمية ودولية بارزة؛ ما أطلق نض لًامن أجل انتزاع الاعتراف الدولي بهويتها الجديدة بوصفها دولة مؤثرة وذات سياسة خارجية مستقلة. وتبين الدراسة أنّ الدبلوماسية الرياضية شكلت إحدى الأدوات المركزية في ذلك، وأدّت دورًا مهمًاعلى مستويين. فعلى مستوى أول، شكلت الرياضة آلية رمزية لإعادة تشكيل الصور الذهنية والأفكار المتشاركة حول قطر، وبناء صورة إيجابية عززت مكانتها بوصفها فاعلًامؤثرًا دولًّيًا، ورسخت اعتراف الدول الأخرى بهذه المكانة. فقد أسهمت استثمارات قطر في الأندية العالمية في ترسيخ حضور مستمر لاسم قطر في الأوساط الرياضية العالمية. وأمّا البنى التحتية الرياضية، فإنها لا تكتسب أهميتها في بعدها المادي فحسب، بل تشكّل أيضًا أدوات رمزية للقوة الناعمة تعكس هوية قطر ومكانتها وتبرزهما للعالم، فضلًا عن تنظيم المسابقات الرياضية الكبرى التي عززت صورتها بوصفها دولة حديثة ومنفتحة وذات كفاءة تنظيمية عالية. في حين أدى تطوير الرياضة المحلية وإنشاء الأكاديميات إلى ترسيخ حضور العلم القطري على منصات التتويج العالمية، وهي مسألة ذات دلالة رمزية مهمة. وعلى مستوى ثاٍنٍ، كشفت الدراسة عن تداخل وثيق بين البعَدَين المادي والرمزي في تجربة القوة الناعمة القطرية؛ إذ أدت الرياضة دورًا مهمًافي تنويع اقتصاد قطر الوطني، وأسهم هذا الحضور الرياضي المتنامي في إبراز قطر فاعلًامؤثرًا دولًّيًا؛ الأمر الذي ساعد في إعادة تشكيل الصور النمطية المرتبطة بها، وإعادة تأطيرها بوصفها وجهة جاذبة للسياحة والاستثمارات، ما درّ عليها عوائد اقتصادية معتبرة. ويعكس ذلك نجاح قطر في تحقيق أهدافها الاستراتيجية من دون اللجوء إلى القوة الخشنة، بل اعتمادًا على أدوات رمزية، قامت على إعادة تعريف فهمها لذاتها وللأدوار التي تسعى للاضطلاع بها في النظام الدولي. وخلافًا لدول أخرى عديدة، اعتمدت قطر على الرياضة أداةً للقوة الناعمة ومكنتها بحق من التأثير دوليّا وتعزيز مكانتها وسمعتها، وإعادة تقديمها بوصفها وجهة جاذبة للسياحة والاستثمار الأجنبي، بما أسهم في دعم مسار تنويع اقتصادها الوطني. بناءً على ذلك، تبرز هذه الدراسة أنّ المقاربة البنائية يمكن أن تقدم فهمًاأعمق لسلوك الدول الصغرى، من خلال إظهار كيفية إسهام الدبلوماسية الرياضية في الحالة القطرية، بوصفها أداةً من أدوات القوة الناعمة غير التقليدية، في إعادة تشكيل الهوية ونيل الاعتراف بها بعيدًا عن منطق توزيع القوة المادية الذي تقوم عليه الواقعية الجديدة.
ال مراجع
العربية
التميمي، نواف. "الدبلوماسية القطرية واختبار الأزمة." سياسات عربية. مج 5، العدد 27 (تموز/ يوليو 2017.) الخطيب، سنى. "مونديال 2022 فضاء لتصدير هوية قطرية عالم- سياسات عربية. مج محلية." 10، العدد 56.)2022(باكير، علي. "نحو إطار نظري في صناعة القوة الناعمة." سياسات عربية. مج 9، العدد 53 (تشرين الثاني/ نوفمبر.)2021 بن ماجد القحطاني، مطلق ودانه بنت منصور آل ثاني. "سياسة دولة قطر وتجربتها في الوساطة وتسوية المنازعات." سياسات عربية. مج 9، العدد 51 (تموز/ يوليو 2021.) بن نويمي، محمد. السياسة الخارجية القطرية. الدوحة: دار لوسيل للنشر والتوزيع،.2021 بونيفاس، باسكال. "الدبلوماسية الرياضية لدولة قطر والقوة مركز الجزيرة للدراسات الناعمة."..2013/10/1 فh يttps://acr.ps/1L9F2Wg: ________. الجغرافيا السياسية للرياضة. ترجمة أحمد حاجي صفر. الدوحة: دار النشر جامعة قطر،.2022 حمشي، محمد. "قطر ومونديال 2022 من منظور المقاربة البنائية سياسات عربية. مج للعلاقات الدولية." 10، العدد 58 (أيلول/ سبتمبر.)2022 حميدو، كمال. "الإعلام والرياضة أداتان لبناء السمة الوطنية والتسويق لها: الاستراتيجية الَقَطرية نموذجًا." سياسات عربية. مج 10، العدد 57 (تموز/ يوليو.)2022 قبلان، مروان. "سياسة قطر الخارجية: النخبة في مواجهة الجغرافيا." سياسات عربية. مج 5، العدد 28.)2017(________. سياسة قطر الخارجية: الاستراتيجيا في مواجهة الجغرافيا. الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2021 الهادفي، آمال علي. "الإعلام الرياضي كاستراتيجية لصنع النفوذ الجيوسياسيSports(- beIN) القطرية نموذجًا." مجلة العلوم والت نكولوجية للنشاطات البدنية والرياضية. مج 15، العدد 1 ونت، ألكسندر. "الفوضى هي ما تصنعه الدول منها: سياسة القوة بوصفها بناءًاجتماعيًا." ترجمة سارة إسماعيل. سياسات عربية. مج 13، العدد 73 (آذار/ مارس 2025.)
الأجنبية
Adler, Emanuel. "Seizing the Middle Ground: Constructivism in World Politics." European Journal of International Relations. vol. 3, no. 3 (1997). Canyurt, Dilek. "Soft Power from the Perspective of International Relations Theories." Yönetim ve Ekonomi Ara ş tırmaları Dergisi. vol. 23, no. 1 (2025). Elman, Miriam Fendius. "The Foreign Policies of Small States: Challenging Neorealism in Its Own Backyard." British Journal of Political Science. vol. 25, no. 2 (1995). Finnemore, Martha & Kathryn Sikkink,. "International Change." Political and Dynamics Norm International Organization. vol. 52, no. 4 (1998). Guzzini, Stefano & Anna Leander. Constructivism and International Relations: Alexander Wendt and His Critics. London: Routledge, 2005. Kamrava, Mehran. "Qatari Foreign Policy and the Exercise of Subtle Power." International Studies Journal (ISJ). vol. 14, no. 2 (2017). Nye, Joseph S. Jr. "Soft Power." Foreign Policy. no. 80 (Autumn 1990). ________. Bound to Lead: The Changing Nature of American Power. New York: Basic Books, 1990. ________. The Paradox of American Power: Why the World's Only Superpower Can't Go It Alone. Oxford: Oxford University Press, 2003. ________. Soft Power: The Means to Success in World Politics. New York: Public Affairs, 2004. Rothstein, Robert L. Alliances and Small Powers. New York/ London: Columbia University Press, 1968.
Steinberg, Guido. '' Qatar's Foreign Policy: Decision- Making Processes, Baselines, and Strategies.'' Stiftung Wissenschaft und Politik – German Institute for International and Security Affairs. no. 4 (2023). Stokke, Kristian. "The Soft Power of a Small State: Discursive Constructions and Institutional Practices of Norway's Peace Engagement." Journal of Power, Conflict, and Democracy in South and Southeast Asia. vol. 2, no. 1 (2010). Vaicekauskait ė , Živil ė Marija. "Security Strategies of Small States in a Changing World." Journal on Baltic Security. vol. 3, no. 2 (2017). Waheed, Abdul. "FIFA World Cup Qatar 2022: A Tool of Soft Power Image." Pakistan Journal of Humanities and Social Sciences Research. vol. 7, no. 2 (2025). Wendt, Alexander. "Why a World State Is Inevitable." European Journal of International Relations. vol. 9, no. 4 (2003).