ثقافة الجماعات الشبكية وأثرها في الفعل السياسي في المغرب

Bouchra Zougagh بشرى زكاغ |

الملخّص

This study employs digital sociology approaches to trace networked communities and the contexts of their formation, development, or disintegration in relation to the social and political environment in which they emerge, with a particular focus on the impact of their culture on shaping public opinion in Morocco. The study assumes that contemporary communities, despite the digital nature of their medium, remain structurally connected to their traditional meaning grounded in similarity and cohesion, while being reconfigured within a networked society that fosters the rise of a "mass self". Based on network analysis, the study explores the transition of the individual from an autonomous unit to an active "collective person" within decentralized networked spaces that have contributed to reshaping the relationship between power and society, and between individuals and institutions. It also highlights the shift of political and symbolic conflict to the networked sphere and the emergence of new forms of participation, mobilization, and influence, turning networked communities into a social force capable of shapin – and at times producing – public opinion.

The Culture of Networked Communities and Its Impact on Political Action in Morocco

توظف الدراسة مقاربات علم الاجتماع الرقمي لتتبّع الرهانات التي يطرحها مفهوم الجماعات الشبكية وسياقات تشّك لها وتطورها أو تفّك كها نسبة إلى السياق الاجتماعي والسياسي الذي يحتضنها، مع التركيز على أثر ثقافتها في صنع الرأي العام في المغرب. وتنطلق من فرضية مفادها أن الجماعات اليوم لا تنفصل بنيويا عن معناها التقليدي القائم على التماثل والتلاحم، لكنها تعيد إنتاج نفسها داخل مجتمع شبكي يعزز صعود "الذات الجماهيرية." وتعتمد الدراسة منهج التحليل الشبكي لاستقصاء انتقال الفرد من وحدة مستقلة إلى "شخص جماعي" فاعل داخل فضاءات شبكية لامركزية، أسهمت في إعادة صياغة العلاقة بين السلطة والمجتمع، وبين الفرد والمؤسسات. وتسلط الضوء على انتقال الصراع السياسي والرمزي إلى الفضاء الشبكي، وبروز أشكال جديدة من المشاركة والتعبئة والتأثير، جعلت من الجماعات الشبكية قوة اجتماعية قادرة على توجيه الرأي العام، وأحيانًا صناعته. كلمات مفتاحية: الجماعات الشبكية، الثقافة السياسية، الرأي العام، الفضاء الشبكي، المشاركة السياسية.

Keywords: Networked Communities, Political Culture, Public Opinion, Networked Space, Political Participation.

مقدمة

تستقصي هذه الدراسة الأشكال الجديدة للمشاركة السياسية عبر فضاء الشبكات الرقمية، التي يتدخّل فيها فاعلون شبكيون موجودون في صلب دينامية الحقل السياسي في المغرب، بما يظهر فيه من تحولات وتبّدلّات شملت الثقافي والسياسي والاحتجاجي والميداني والشبكي نفسه. وتنطلق من فرضية مفادها أن توليد القوة في المجتمع من أجل تدبير اليومي وتصريفه، إذا استندنا في تعريف ممارسة السياسة إلى تعريف أرسطو، أي بوصفها "التصرف في شؤون المدينة"، لا يجري عبر تنظيمات رسمية وأفعال سياسية مباشرة فحسب، بل أيضًا من خلال قدرة الفاعلين الشبكيين والحركات الاجتماعية الشبكية على خلق ثقافة بديلة وتنظيم اليومي حولها. وفي هذا السياق، يعدّ بيير ليفي من أبرز منظّري الحقل السياسي الشبكي. فقد اتسمت مقاربته، في تقديرنا، ببعد منهجي وعملي، حدد فيها خمسة مجالات تتجلى فيها ممارسة ما يسميه الديمقراطية السيبرانية Cyberdémocratie La، هي: الساحات العامة الجديدة على الإنترنت Ligne en Agoras Nouvelles Les، والمدن والأقاليم الرقمية، والحكومة الإلكترونية، والاقتراع الإلكتروني، وظهور مجتمع مدني كوني  1. تجري في المغرب، اليوم، كما في أغلب بلدان العالم العربي الحديثة العهد بقنوات التشبيك والاتصال الطارئة، إعادة توصيف العلاقة بين السلطة والقدرة، وبين السياسة ورجل السياسة، وبين المجتمع والدولة، وبين الفرد والمؤسسات، بانتقالها إلى فضاء الشبكات الرقمية وتنامي الحضور عليها؛ وهو فضاء تمكّن من جعل قاعدة عريضة من الجيل الجديد (أو جيل الشبكيين 2) تتحول إلى مصادر فاعلة ومؤثّرة في صنع الأحداث، بل حتى تدبيرها. وتتجاوز هذه الدراسة الحديث عن سلطة عقلانية تمارسها الدولة وتنظيماتها الكلاسيكية، وتعيد الاعتبار إلى الفاعلية الاجتماعية المتضَّمَنة في الجماعات الشبكية، التي أنشأت روابط جماعية ومؤسساتية جديدة، مكّنتها من بناء ثقافة جماعاتية مبنية على الانفتاح والحرية والتعاون الطوعي  3؛ بما يمهد مقاربة السؤالين التاليين: هل ساهمت الشبكات 4 في تغيير آليات تشكّل الجماعات وثقافتها السياسية؟ وإلى أيّ حد يؤثّر هذا التغيير في الفعل السياسي، في حالة المغرب، بل صناعته أحيانًا؟

أولًا: فضاء الشبكات وملامح تشّك ل ثقافة سياسية مغايرة

1. الثقافة السياسية: من فضاء الأماكن إلى فضاء الشبكات

نشأ مصطلح ثقافة، بمعناه الأنثروبولوجي الحديث، للتعبير عن مجموع المعتقدات والقيم التي تضفي معنى على طرائق عيش الأفراد والجماعات، وهذا ما حاول توماس إليوت Elyot Tomas الكشف عنه، وهو يبحث عن المعاني المتعددة لكلمة ثقافة؛ فارتباطاتها "تختلف بحسب ما نعنيه من صلة لها بنمو فرد، أو نمو فئة أو طبقة، أو نمو مجتمع بأسره، لكن الأساس هو ربط معنى الثقافة بالمجتمع" 5. وانتقد إليوت من ربطوا كلمة ثقافة بالمعنى الذي يتصل بالفرد من دون وصله بالمعنى الذي يتصل بالجماعة، وهو يعني بذلك ما ذهب إليه ماثيو أرنولد في كتابه الثقافة والفوضى 6. وفي السياق نفسه، اعتبر تيري إيغلتون Eaglton Terry أن الثقافة كان لا بد لها من أن تحتفظ ببعدها الاجتماعي، لكي يكون في إمكانها أن تمثّل نقدًا فاعلًاومؤثرًا  7. في حين رأى لويس دولو Louis Dollo أن المرحلة الاجتماعية لمفهوم الثقافة بدأت مع تعريف إدوارد تايلور لها بأنها "الكل المركّب الذي يشمل العقائد والفن والأخلاق والقانون" 8.

  1. Pierre Lévy, Cyberdémocratie: Essai sur la philosophie politique du monde numérique (Paris: Éditions Odile Jacob, 2002), p. 167.
  2. 2  يشير كورتني وينبوم وريتشارد جيرفن وجيني أوبيرهولتزر إلى أن مفهوم جيل الشبكيين يحيل إلى زمر الشباب الذين وُلدوا في نهاية ثمانينيات القرن العشرين وبداية تسعينياته، ممن عاشوا حياتهم في فضاء مجتمع شبكي هجين، يقع على خط الّتمّاس بين الواقعي والافتراضي، "منغمسين في أساليب حياة عالية الكثافة وعالية التقنية تتجاوز كثيرًا الطرائق التي يحيا بها البالغون"؛ إنهم الجيل الأول الذي وُلد في أسر تملك حواسيب شخصية، وجرت تنشئته في بيئة منفتحة باستمرار على وسائل الإعلام الرقمية، وشبكات الأخبار والترفيه والمعلومات
  3. Manuel Castells, The Internet Galaxy: Reflections on the Internet, Business and Society (Oxford: Oxford University Press, 2001), p. 37.
  4. 4  في الفترة كانون الأول/ ديسمبر 2010 - أيلول/ سبتمبر 2021، اعتمدت الباحثة تقنية الملاحظة والملاحظة بالمشاركة لمتابعة عدد من الشبكات المغربية على فيسبوك ذات الأهداف السياسية (من بينها: رصد، لفرشة، فساد سياسي، مداويخ، فرسان العدالة والتنمية، البلوكاج السياسي، صفحة البرلماني بلا فريج، ضد مهرجان موازين، تنسيقية الأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد، مقاطعون... إلخ.)
  5. 5  توماس إليوت، ملاحظات نحو تعريف الثقافة، ترجمة شكري محمد عياد (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2001)، ص.29
  6. Matthew Arnold, Culture and Anarchy , J. Dover Wilson (ed.) (Cambridge: Cambridge University Press, 1932), pp. 44-48.
  7. 7  تيري إيجلتون، فكرة الثقافة، ترجمة فخري صالح (عّم ان: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1992)، ص.32 8  Edward Burnett Tylor, Primitive Culture: Researches into the Development of Mythology, Philosophy, Religion, Art, and Custom , vol. 1 (London: John Murray, 1871), p. 1.
  8. الاجتماعية على الإنترنت. ينظر: كورتني وينبوم وريتشارد جيرفن وجيني أوبيرهولتزر، جيل الألفية: التداعيات على مجموعات الاستخبارات والسياسات (سانتا مونيكا، كاليفورنيا: مؤسسة راند، 2016)، ص.3

وبهذا التعريف، الذي عُرف بسطوته وقوة حضوره، يكون تايلور قد ساهم في تدعيم العلاقة وتوثيقها بين الثقافة والجماعة. في المجال الثقافي والدراسات الثقافية، يرى رايموند وليامز، في كتابه الثقافة والمجتمع Williams Raymond، الصادر في عام 1956، ا أن التطور الذي طرأ على كلمة ثقافة بمعناها العام يمثّل سجل لعدد معتبر ومتواصل من ردود الأفعال حيال التغيرات التي حصلت في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والتكنولوجية. أما في مجال العلوم السياسية، فقد ارتبط مفهوم الثقافة بالحقل السياسي، بوصفها "أحد العناصر الأساسية لتمييز مراحل التنمية، بانتقال النظم السياسية من المرحلة التقليدية إلى المرحلة الحديثة، وبالانتقال نحو نمط ثقافي يتسم بالعقلانية ويعكس مستوى متقدمًا من الوحدة الاجتماعية وازدهار القيم الديمقراطية" 9. ومن ذلك تعريف غابرييل ألموند وسيدني فيربا للثقافة السياسية بوصفها "المدركات السياسية (المعرفة والمعتقدات) والمشاعر (التأثير)، والتقييمات (الأحكام والآراء) حول النظام السياسي والمواضيع السياسية التي تتضمن على نحو مثالي مركّب المقاييس والمعايير القيمية والمعلومات والمشاعر" 10؛ أي، بعبارة أخرى، كل "ما يسمح بفهم ما يحفّز أو يعطّل جدوى إرساء مؤسسات حديثة" 11. الثقافة السياسية، إذًا، فرع من الثقافة العامة لأيّ مجتمع، يؤطّرها مجموع المعايير والُمُثل والتوجهات ذات العلاقة بنظام الحكم، "فهي تعّب رعادة عن منظومة المعتقدات والرموز والقيم المحددة للكيفية التي يرى بها المجتمع الدور المناسب للنظام السياسي، وضوابط هذا الدور، والعلاقة المناسبة بين الحاكم والمحكوم" 12. ولأنها كذلك، تصبح ذات تأثير واضح في سلوك المواطنين والفاعلين السياسيين على حد سواء، أثناء تعاملهم مع الأحداث السياسية التي يشهدها المجتمع. و"يمكن للثقافة السياسية أن تفرّس ر الظاهرة السياسية من خلال فهم سلوكية مجتمع معين، ومنه التوصل إلى العوامل المؤدية إلى استقرار أو عدم استقرار الحياة السياسية، فهي بذلك عنصر مهم في العمل السياسي، لأنها تنظّم التبادل السياسي، وتتحكم في طبيعة المشاركة، بوصفها أداة للاتصال، ومنظمًالآليات العلاقة بين الإنسان ومؤسسات الدولة، وهي من حيث تبعية وعيها لوعي الطبقة الحاكمة، تفرّس رمعنى ظاهرة السلطة وتنظّم المصلحة العامة للمجتمع" 13. وهذا ما حاول ألموند وفيربا، بوصفهما أبرز منظّري مقاربة الثقافة السياسية، تغليبه من خلال الدعوة إلى استخدامها بصيغة موسّعة في إطار العلوم السياسية، ابتداء من سلوك الأفراد والجماعات، إلى الحركة السياسية للمنظمات والهيئات المختلفة. في سياق مماثل، يمكن الإشارة إلى ظهور "مؤشرات كثيرة تشير إلى تقلّص المجتمعات المحلية، واقتراب اختفاء ما كان يُعرف بالأمكنة الثالثة، وهي الأمكنة الاجتماعية التي كان يرتادها الناس للقاء [بعضهم بعضًا]، حيث لاحظ راي أولدنبرغ انكماش هذه الأمكنة الثالثة في حياة المجتمعات الغربية" 14. وهكذا، برزت الجماعات الشبكية التي انتشرت خصائصها بين المشاركين على الإنترنت، وأوجدت لنفسها أمكنة ثالثة جديدة تعجّ بالحركية المتواصلة، مثل منصات التواصل الاجتماعي، ومجموعات الواتساب، والإنستغرام، وغرف الدردشة، وقوائم البريد الإلكتروني، وغيرها؛ وهو ما مهّد لظهور نوع جديد من الفضاء بالمعنى الذي استخدمه يورغن هابرماس؛ أي الفضاء العمومي الافتراضي. وإذا كان هابرماس قد أقرّ بأن "الثورة الفرنسية خلقت ما بين عشية وضحاها ما استغرق في بريطانيا العظمى أكثر من قرن من التطور المطّرد، وهو المؤسسات من أجل النقاش العام الناقد للأمور السياسية" 15، فإن شبكة الإنترنت كانت كذلك بالنسبة إلى المجتمعات العربية؛ إذ لم يقتصر دورها على الترفيه وملء وقت الفراغ، بل تحوّلت بطبيعتها التفاعلية واتّساع نطاق استخدامها بين فئات عريضة إلى محرّك للحياة العامة، وذلك عبر التبشير بظهور نوع جديد من الديمقراطية (السيبرانية أو الافتراضية) بالمعنى الذي نظّر له ليفي، ضمن فضاء شبكي سائل ومفتوح، أو في شكل "أغورا" Agora تبنيها

  1. Gabriel Almond & Sidney Verba, The Civic Culture: Political Attitudes and Democracy in Five Nations (Boston: Little Brown, 1965), p. 12.
  2. Ibid., p. 17.
  3. 11  دنيس كوش، مفهوم الثقافة في العلوم الاجتماعية، ترجمة منير السعيداني (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2007)، ص.174
  4. رواء زكي يونس الطويل،  12 التنمية المستدامة والأمن الاقتصادي في ظل الديمقراطية وحقوق الإنسان (الموصل: دار زهران للنشر، 2010)، ص.278 ص.134
  5. 13  غازي فيصل حسين، التنمية السياسية في بلدان العالم الثالث (عّم ان: دار الراية للنشر والتوزيع، 2014)، ص.170-169
  6. Ray Oldenburg, The Great Good Place: Cafes, Coffee Shops, Community Centers, Beauty Parlors, General Stores, Bars, Hangouts, and How They Get You Through the Day (New York: Paragon House, 1989), pp. 14-16. يقسّم أولدنبرغ حياة الفرد اليومية إلى ثلاثة مجالات مكانية أساسية: المكان الأول هو المنزل أو السكن، ويمثّل الخصوصية والاستقرار ويقضي فيه الفرد وقته مع العائلة؛ أما المكان الثاني فهو مقر العمل أو المدرسة، حيث يقضي الفرد معظم وقته المنِتِج، ويتسم بالرسمية والتركيز على الإنجاز؛ والمكان الثالث يشير إلى الفضاء الاجتماعي العام خارج المنزل والعمل، الذي يرتاده الناس طواعية للتفاعل الاجتماعي الحر والاسترخاء، مثل المقاهي الشعبية والحدائق والمكتبات العامة وساحات الأحياء. ولكي يُعدّ مكانًا ثالثًا، يشترط فيه أولدنبرغ أن يتوفر على الحياد والمساواة بين الزوار، ويكون النشاط الرئيس فيه المحادثة، مع سهولة الوصول وقربه من السكن، وكونه بسيطًا وغير متكلف. وقد حذّر أولدنبرغ من اختفاء هذه الأمكنة في المجتمعات الحديثة نتيجة التوسع العمراني، واعتماد السيارات، وصعود المجمعات المغلقة، وزيادة النزعة الفردية، كون فقدانها يؤدي إلى عزلة اجتماعية وتآكل روح الجماعة المحلية.
  7. 15  نقلًاعن: آسا بريغز وبيتر بورك، التاريخ الاجتماعي للوسائط، ترجمة مصطفى محمد قاسم، سلسلة عالم المعرفة 315 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،)2005،

شبكة الإنترنت وتطبيقاتها المختلفة عبر مجموع العقد الاتصالية بين الأفراد والجماعات والأماكن والمحطات، في حركية مستمرة وتدفق دائب لا يعرف التوقف أو الانقطاع؛ إذ تُشِّكِل جل مواقعها وصفحاتها حلقات واسعة من النقاش العمومي والحر، وتوفر فضاءً لتبادل الآراء والمواقف، وُتُستدعى فيه الأدلة المقنعة والواهية على حد سواء، وتتكامل فيها الرهانات السياسية إلى جانب الرهانات الفكرية والثقافية من التثقيف، والترفيه والحشد والتحريض، حتى الدفاع والترافع. في هذا السياق، تتقاطع الثقافة راهنًا مع مجتمع الشبكات، وتصير في قلب التفاعلات الشبكية. وتقع الشبكة كذلك في قلب الممارسات الثقافية، ف "كما كنا نتشارك منذ فترة طويلة شيئًا من الذكاء والنظرة إلى العالم مع الذين يتحدثون اللغة نفسها، فإننا اليوم نتشارك افتراضيًا جسدًا متصلًامع الذين يساهمون في الشبكات التقنية" 16، ومن ثم تتجلى أهمية مجتمع الشبكات، الذي أصبح يغّي رتدريجيًا وعلى نحو متسارع نسيج التجربة الثقافية، ويؤثّر في إحساس الأفراد بهويتهم الحقيقية وثقافتهم المحلية؛ "ففي الوقت الحاضر، نجد السلع، ورأس المال، والبشر، والمعرفة، والصور، والجريمة، والملوثات، والمخدرات، والأزياء والمعتقدات[...]تتدفق كلها بسهولة عبر الحدود الإقليمية. إن الشبكات، والحركات، والعلاقات الاجتماعية العالمية واسعة الانتشار في كل المجالات تقريبًا" 17. ونتيجة لذلك، تربك الطبيعة السائلة لمجتمع الشبكات الطريقَةَ التي يدرك بها الأفراد وجودهم ضمن نمط من العلاقات والممارسات، "لأن الثقافة كانت تمتلك دومًا دلالات تربطها بفكرة وجود ناحية ثابتة" 18 ضمن فضاء طبيعي خاضع لقيَدَي الزمان والمكان. أما اليوم فيمكن الحديث في مجتمع الشبكات عن ثقافة شبكية سائلة أو جوالة، قابلة للتدفق والتشعب عبر عدد لانهائي من العقد. لذلك، ومن منظور التجربة الثقافية، "ما يصبح مهمًا هو الطريقة التي يؤثر بها هذا التمديد للعلاقات الاجتماعية - عبر الشبكات - في طبيعة النواحي المحلية التي نسكن فيها" 19؛ حيث تمارس الشبكات تأثيرًا في وعي الناس وعقولهم، إلى درجة تصبح معها "شبكات التواصل مصادر حاسمة لصنع السلطة" 20. من ناحية أخرى، أشار مانويل كاستيلز إلى أن ثقافة مجتمع الشبكات تشكّلت انطلاقًا من قيم منتجي هذه الشبكات ومستخدميها الأوائل. وفي رأيه، فإن "ثقافة الإنترنت قائمة على الانفتاح والحرية والتعاون الطوعي، ومبنية على أربع طبقات من المستخدمين المؤكدين، هي: النخبة الملمّة بتكنولوجيا الشبكات، والقراصنة، وأعضاء الجماعات الافتراضية، وأصحاب الأعمال" 21. ويرى، أيضًا، أن القيمة الأهم في ثقافة النخبة الملمّة بالتكنولوجيا هي ثقافة "الخير الفطري الذي ينطوي عليه التطور العلمي والتكنولوجي" 22. أما بالنسبة إلى القرصنة، فالقيمة الأهم هي الحرية؛ "حرية الإبداع والحصول على المعارف المتاحة، وحرية إعادة توزيع تلك المعرفة تحت أيّ وسيلة يختارها القرصان" 23. تنبثق الطبقة الثالثة التي حددها كاستيلز لثقافة الإنترنت، وهي الثقافة الجماعتية الافتراضية، من التشكيلات الاجتماعية التي تكوّنت عبر الشبكة بواسطة الشبكيين الأوائل. في حين تتمثل الطبقة الرابعة في الثقافة التجارية؛ وهي ثقافة أصحاب المشاريع ورؤوس الأموال المسؤولين عن نشر الثقافة الشبكية. والقيمة الأساسية في هذه الطبقة "هي قيم الأفكار والمعرفة والابتكار، والجمع بين كسب الأموال الطائلة والنجاح والحرية" 24. يأتي التحول الثقافي للمجتمعات في إطار هذه العملية من التغيير الاجتماعي. وتكمن السمة الأساسية، التي تميّز التحول الثقافي الذي تبنيه شبكات الإنترنت، في رأي كاستيلز، في ثقافة الفردانية والاستقلالية، حيث "توفر الشبكات منصة التواصل التنظيمية لترجمة ثقافة الحرية لممارسة الاستقلالية الذاتية، وذلك أن تقانة الإنترنت تجسد ثقافة الحرية كما هو موضح في السجل التاريخي لتطورها" 25. ومن ثم، يمكن أن تكون التغيرات الثقافية، التي باتت تُْحْدثها الشبكات في تداخل مع قيم منتجيها، سلاحًا ذا حدين؛ ففي حين أنها تبدد عوامل الأمان والتجانس والأصالة التي تضمنها المحلية (أطروحة التشظي والتفتيت الثقافي والاغتراب)، تقدّم في الوقت نفسه سبلًاجديدة لفهم التجربة الثقافية ضمن سياقات أكثر استقلالية وحرية، هي عالمية في نهاية المطاف (أطروحة التجانس.) فعلى سبيل المثال، يجادل جون توملنسون Tomlinson John في كتابه العولمة والثقافة، بأن النزعة إلى الاستمرار في اتصال بالإنترنت Connectivity

  1. 16  بيير ليفي، عالمنا الافتراضي: ما هو؟ ما علاقته بالواقع، ترجمة رياض الكحال (المنامة: هيئة البحرين للثقافة والآثار، 2018)، ص.34
  2. 17  جون توملنسون، العولمة والثقافة: تجربتنا الاجتماعية عبرر الزمان والمكان، ترجمة إيهاب عبد الرحيم محمد، سلسلة عالم المعرفة 354 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 2008)، ص.10
  3. 18  المرجع نفسه، ص.43
  4. 19  المرجع نفسه، ص.146
  5. مانويل كاستيلز،  20 شبكات الغضب والأمل: الحركات الاجتماعية في عصر الإنترنت، ترجمة هايدي عبد اللطيف (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،
  6. Castells, p. 37.
  7. Ibid., p. 39.
  8. Ibid., p. 70.
  9. Ibid., p. 60. 25  كاستيلز، ص.258
  10. 2017)، ص.30

(مجتمع الشبكات بمفهومنا) هي أداة لجعل الثقافة العالمية متجانسة، ولمحو الفروق الثقافية قوميًا ومحليًا، ولتوسيع نطاق الثقافة العالمية لتشمل كل زاوية من زوايا الحياة. ويؤكد أن هذه النزعة الاتصالية "تزود الناس أيضًا بمصدر ثقافي كانوا يفتقرون إليه قبل توسعها؛ وهو وعي ثقافي يمكن اعتباره من نواٍحٍ مختلفة عالميًا" 26؛ بمعنى أن مجتمع الشبكات، بإلغائه الجغرافيا والزمن، إنما يفرض "خضوع البشرية لتاريخية واحدة"، على حد تعبير برهان غليون، وهذا يعني أنها "تجري في مكانية ثقافية واجتماعية وسياسية موحّدة أو في طريقها إلى التوحيد" 27. ويقترب آلان تورين من هذا المفهوم؛ إذ يقر أنه "كلما ازداد اختلاط الشعوب في عالم أمسى مترحلًا، تزايد عدد اللقاءات التي يمكن أن تؤدي إلى استيعاب مجموعة أخرى، أو إلى نشوء الحرب بينهما، وأيضًا، إلى التواصل الثقافي بينهما" 28. في المقابل، ثمة مجموعة أخرى من الحجج تتعارض إلى حد ما مع أطروحة التجانس، وتؤكد أن سمة الثقافة الأهم في مجتمع الشبكات هي الدعم الذي تقدّمه لزيادة انحلال الجماعات وتفكّكها، وتشظّي السمات الثقافية، في إطار شكل من الفردانية الجماعية، "وبتعبير أكبر، ينبغي علينا الاعتراف بأن ثقافة العالم السياسية قد أدت إلى تحويل عالمي لمسار الحياة إلى شكل مؤسسي، له على ما يقول جون دبليو ميار Meyer W. John بعدان هما: مظاهر الشخص التي تدخل في التنظيم الاجتماعي العقلاني، والاحتفال الجماهيري بالفرد الخاص أو الذاتي" 29. ولا تعني الفردانية الحديثة، بصفتها فكرة أخلاقية، الكفّ عن الانتماء برمّته، "بل هي أن يتخيل المرء نفسه منتميًا إلى كيانات أكثر اتساعًا، وأكثر اتسامًا بالصفة اللاشخصية: الدولة، والحركة، والجماعة الإنسانية. هذا هو التغير الذي يجري وصفه، من زاوية أخرى، بأنه انتقال هويات شبكية أو علائقية إلى هويات قاطعة" 30.

2. زمن القبائل الشبكية

يتفق عدد من علماء الاجتماع الكلاسيكيين والمعاصرين، بدءًا من إميل دوركهايم وصولًاإلى بيير بورديو، على أن "التقليد سواء كان بناء اجتماعيًا أو فعلًااجتماعيًا، فإنه يتسم بخصائص التماثلية والامتثالية، واستمرارية الماضي في الحاضر وأهمية الجماعة والتلاحم الاجتماعي القوي" 31. وبناء عليه، لا تبرر هوية الجماعات الشبكية الظواهر الاجتماعية التي تميز الفترة المعاصرة فحسب، بل تشمل كذلك ما كان يُعدّ أمرًا تقليدانيًا  32 من الماضي، ونقصد بذلك عودة الَقَبَلية في صيغتها المعاصرة. فثمة انتقال من التمركز حول الذات والهوية الشخصية إلى التمركز حول الجماعة والثقافة الشبكية، "فما يطبع العالم المعاصر هو تراجع الفردانية التي استهلكت بما يكفي، وظهرت بدلًامنها ذاتية جماهيرية أصبحت عدواها تمسّ تدريجيًا كل مجالات الحياة الاجتماعية" 33. يقدّم ميشيل مافيزولي، ضمن هذا التيار، في كتابه زمن القبائل، أطروحة أساسية في الموضوع، يؤكد فيها الانتقال بالفرد من وحدة غير قابلة للتجزئة إلى الشخص الجماعي. ويتعلق الأمر بنظام تواصلي ورمزي يستعيد، بعد فترة الحداثة القائمة على المبدأ الفرداني، المبدَأ العلائقي للمجتمعات التقليدية أو البدائية؛ ولهذا التعالق أشكال متعددة، فهو يشمل مجالات الحياة المختلفة، الدينية والثقافية والسياسية والاجتماعية، "إنه تعالق[...]يدفع إلى البحث عن فضاء جماعاتي لا قيمة للفرد فيه إلا بالعلاقة مع المجموعة التي يندرج فيها. وهذا هو بالضبط ما يمكّننا من الحديث عن الَقَبَلية" 34. تتجلى ملامح هذه القَبَلية في زيادة الوعي والشعور بالانتماء إلى الآخر. وينبغي أن يُفهم ما يسميه مافيزولي الأسلوب الجماعاتي Style Communautaire بوصفه تحولًا في الممارسة والخبرة، و"ُيَُحَس في الحقيقة داخل النواحي المحلية بقدر ما يُسَتَشعر في الوسائل التكنولوجية المتزايدة للوصول إليه أو الخروج منه" 35، وهو ما يعني أن الحياة الاجتماعية راهنًا لم تعد سوى متوالية من الحضور الشبكي المشترك، الذي يجعل من الأنا آَخَر. ولذلك، يفرض علينا فهم هوية الجماعات الشبكية وثقافتها الانطلاق من النموذج الشبكي الجماعي الذي يحضر فيه الآخرون بنيويًا في قلب الأنا، حيث تتجلى القبلية الشبكية بوصفها منظومة معنوية وهوياتية جماعية، يُفرزها مجتمع متقلب، تميل مورفولوجيته نحو انعكاسية متميزة، وتسيطر عليها على نحو مخصوص الجماعات الشبابية، حيث "أصبحت

  1. محسن محمد الرحوتي،  31 أزمة الدولة والنزوع التقليداني في حراك الريف: محاولة فهم (الرباط: المركز العلمي العربي للأبحاث والدراسات الإنسانية، 2018)، ص.16 32  يشير المفهوم إلى تجنّب القطيعة مع التقليد، والحفاظ على الأشكال القديمة للقيم السياسية والدينية والأخلاقية. 33  ميشيل مافيزولي، تأمل العالم: الصورة والأسلوب في الحياة الاجتماعية، ترجمة فريد الزاهي، سلسلة ترجمات 1 (الرباط: منشورات المعهد الجامعي للبحث العلمي، 2005)، ص.22 34  Maffesoli Michel, Le temps des tribus: Le déclin de l'individualisme dans les sociétés postmodernes (Indiana: CERF, 2010), pp. 13-14. 35  توملنسون، ص.23
  2. 27  برهان غليون وسمير أمين، ثقافة العولمة وعولمة الثقافة، ط 2 (دمشق: دار الفكر،
  3. 28  آلان تورين، براديغما جديدة لفهم عالم اليوم، ترجمة جورج سليمان (بيروت: المنظمة
  4. 29  رونالد روبرتسون، العولمة: النظرية الاجتماعية والثقافة الكونية، ترجمة أحمد
  5. 30  تشارلز تايلر، المتخيلات الاجتماعية الحديثة، ترجمة الحارث النبهان (الدوحة/ بيروت:
  6. 26  توملنسون، ص.46
  7. 1999)، ص.20
  8. العربية للترجمة، 2011)، ص.306
  9. محمود ونورا أمين (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 1998)، ص.224
  10. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2015)، ص.184

القبائل الشبابية ما بعد الحداثية تهتم أكثر من ذي قبل بمعنى الحياة المشتركة الآن وهنا بين الأفراد الموجودين معا" 36. قد تمدّنا العودة إلى دوركهايم ومفهومه، الوعي الجمعي، بنظرية ذات وجاهة علمية لفهم بنية القبلية الشبكية الجديدة، ففي رأيه، "المجتمع لا يتشكل[...]من مقومات مادية، ولكن قبل كل شيء من الفكرة التي يكوّنها عن نفسه أيضًا؛ إنه تركيبة فريدة تنجم عنها أحاسيس وأفكار وصور ما إن تولد حتى تخضع لقوانين خاصة" 37. ويتحدث سيرج موسكوفيتشي، في معرض تعليقه على دوركهايم، "عن انبعاث للصور سَُيَُفَعّل بعمق في الجسم الاجتماعي، قد يكون ذلك شعارًا أو رمزًا عرفيًا؛ أي علامة عادية وشيئًا وضيعًا، وكلمة تافهة تغدو فجأة أو بمناسبة طقٍسٍ معٍنّي طوطمياٍتٍ وصورًا لأشياء مقدسة" 38. ويقدّم لنا فضاء الشبكات الكثير من القبائل المترابطة شبكيًا حول طوطمها الخاص، وقد يكون هذا الطوطم نجمًاسينمائيًا، أو رياضيًا، أو رجل سياسة أو دين أو غيره، وقد يكون نوعًا من الفعل الجمعي المتصل بالسجالات السياسية أو الأخلاقية أو الجنسانية المختلفة، و"الجماعات الطائفية والجماعات الافتراضية: جميع العناصر التي تبُرز رسوخ بنية روح الجماعة، ضد الفردانية، والتي تؤكد وجود هذا الجوهر الشبكي للمجتمع ما بعد الحديث" 39؛ إنها شكل من اللحمة الشبكية، بل "إنها مشاركة سحرية كنا نخالها محصورة بالبدائيين، تعود بسرعة مع استعادة العالم لسحريته" 40. ومن ذلك يتشكّل "الإحساس باعتمادنا المتبادل مقرونًا بوسائل الاتصال عبر المسافات البعيدة، وُيُنتج أنماطًا جديدة من التحالف والنضال الثقافي/ السياسي" 41. وإذا كانت السلطة اليوم تماَرَس عبر الشبكات، "فإن السلطة المضادة التي تحاول تغيير علاقات السلطة عمدًا، تشرع من طريق إعادة برمجة الشبكات حول المصالح والقيم المتبادلة" 42. لقد لجأ الإنسان البدائي، عبر التاريخ، إلى تكوين وحدات تضامنية تساعده على مواجهة الخوف من الآخر الموجود هناك في الخارج، "فنشأت العائلة الصغرى أولًا، ثم توسّعت إلى العائلة الممتدة أكثر إلى القبيلة، كاستجابة أولية وضرورية، لتوحيد المواجهة وتحقيق المخاوف في المشاركة فيها، بدلًا من المواجهة الفردية" 43. وعلى النحو الذي قدّم به أورليك بيك Ulrich Beck مجتمع المخاطر الحالي، فإن الذات الجمعية/ الشبكية الجديدة أصبحت في حاجة إلى طرائق جديدة لرواية سردياتها، ومواجهة ما يعتريها من خوف واغتراب وفقداٍنٍ لليقين، وذلك من خلال سرديات الانبثاق الجماعاتي الشبكي. "وفي مجتمع خطر، يسعى الأشخاص الذين يشعرون بعدم اليقين أو بالهشاشة كأفراد لملاذ الجماعات التي تماثل هوياتهم، والتي نشأت دومًا إما بمواد التاريخ والجغرافيا، أو بالرغبات التي يصنع منها المشروع" 44، مؤسسين بذلك نماذج هوياتية سائلة أساسها الفردانية المتشابكة والجماعاتية الفردية، التي تتحول إلى عامل إلهام لأصحابها من أجل خلق قيم وأنماط سلوك جديدة بين فاعلين اجتماعيين يرومون تغيير حياتهم. يشير تورين إلى أننا تعوّدنا الحديث عن فاعلين اجتماعيين وعن حركات اجتماعية، أما عالم اليوم فيقتضي الحديث عن ذوات فاعلة شخصية وحركات اجتماعية  45. وعلى النقيض من الاتجاه السائد، الذي يرى في الفردانية سمة العصر، انتبه مافيزولي منذ زمن إلى هذه القَبَلية التي تتبلور في مجتمعاتنا في السراء والضراء، بل إن ثمة باحثين أشاروا إلى عملية انتقال جماعية للأفراد من القبيلة كما نعرفها إلى شكل من أشكال القبيلة على فيسبوك؛ أي إن الانتقال إلى فضاء الشبكات ساهم في خلق مجموعات اجتماعية ذات توجهات ورؤى مشتركة، على غرار ما هو عليه الحال في القبيلة؛ وقد أ طلق عليها تسمية عصبيات افتراضية  46. تشمل الشبكات حاليًا قبائل/ عصبيات متنوعة: ثقافية وسياسية وطبقية وإثنية وهوياتية وغيرها، تتوسع اطّرادًا بفعل تزايد أعداد المتدخلين والمتنافسين، منغمسين في بيئات معقدة من التقسيمات والتنويعات والمجموعات والمعارف. وقد "خلق هذا المشهد فرصًا غير مسبوقة للتعبير والتفاعل، خاصة بين [الناشطين] والمجموعات

  1. Erving Goffman, La mise en scène de la vie quotidienne. Tome 1: La présentation de soi (Paris: Éditions Minuit, 1973), p. 240.
  2. 37  نقلًاعن: Arthur Schopenhauer, Le Monde comme volonté et comme représentation , Auguste Burdeau (trad.) (Paris: PUF, 1966), p. 26.
  3. 38  مافيزولي، ص.115
  4. 39  غراسي فالنتيا، مدخل إلى علم اجتماع المخيال: نحو فهم الحياة اليومية، ترجمة محمد عبد النور وسعود المولى (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2018)، ص.114
  5. 40  مافيزولي، ص.119
  6. 41  توملنسون، ص.46
  7. 42  كاستيلز، ص.32
  8. 43  عبد الله غذامي، القبيلة والقبائلية أو هويات ما بعد الحداثة، ط 2 (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2009)، ص.209
  9. 44  مانويل كاستيلز، سلطة الاتصال، ترجمة محمد حرفوش (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2014)، ص.509
  10. 45  تورين، ص.33
  11. جمال سند السويدي،  46 من القبيلة إلى الفيسبوك: وسائل التواصل الاجتماعي ودورها في التحولات المستقبلية (الإمارات: [إصدار شخصي]،.)2013

السياسية والثقافية الأخرى حول العالم" 47، الأمر الذي مكّنهم من عرض أنواع شتّى من الآراء والمبادئ والقوانين والرؤى البديلة أو الهامشية، فضلًا عن تبادل مصادر المعلومات فيما بينهم، وتوسيع قاعدة رأس المال الاجتماعي الشبكي الذي يحتاجون إليه لبناء مشروعاتهم.

ثانيًا: توجهات الجماعات الشبكية في المغرب وآليات إعادة إنتاج الفعل السياسي

1. فضاء الشبكات وبناء ثقافة المواطنة الجديدة

ظل الفضاء العمومي المغربي غائبًا، ثم ما لبث أن أ غلق وُأ حكمت السيطرة عليه لحظة تشكّله، في سياق التفاعل الذي حدث مع صدمَتَي الحداثة والاستعمار. وإذا استثنينا النخب السياسية والأحزاب والنقابات، فالفرد المغربي البسيط ظل مهمشًا، وصوته خافتًا أو مقموعًا، لا يجد فضاءً أو منبرًا لإسماعه وإبداء رأيه، واستمر الوضع كذلك إلى حدود عام 2011 في سياق انتفاضات الربيع العربي، وهي الفترة التي شهدت نشوء فضاء عمومي جديد، يضمّ فاعلين جددًا كانوا حتى وقت قريب عرضة للإقصاء من النقاش العمومي المتعلق بالشأن العام، الذي كانت تسيطر عليه مؤسسات الوساطة التقليدية. وُأ طلق على هؤلاء جيل الشبكيين. تلتقي أطروحة الجيل السياسي للألفية مع أطروحة مجتمع الشبكات، الذي يُقصد به تلك "البنى الاجتماعية الناتجة عن التفاعل بين التنظيمات الاجتماعية والتغيير الاجتماعي والنماذج التكنولوجية المرتبطة بفضاء الشبكات" 48، والتي حوّلت الشبكات إلى فضاء لبناء مجال عام ثقافي وسياسي يحتوي على مقومات بناء مواطنة شبكية. يشير مفهوم المواطنة، في العلوم الاجتماعية، إلى العضوية في الجماعة السياسية والمجتمع، عبر مشاركةٍ قائمة على التفاوض والفهم الواعي للحقوق والواجبات. وبذلك، يكون المفهوم في آن معًا ذا بعٍدٍ قانوني يعتمد على الدساتير والنصوص القانونية المشرّعة للحقوق والواجبات، وبعٍدٍ سياسي يعتمد على فسحة المشاركة في العملية السياسية والتعبير عن الإرادة العامة، من خلال انتخابات نزيهة وديمقراطية تشاركية، إضافة إلى بعد رمزي يتحدد في علاقة الولاء للوطن والتعلّق الوجداني به  49. ويتضح، بإسقاط هذه الأبعاد على شروط المواطنة في المغرب، أن التأسيس الدستوري للمفهوم والتنشئة عليه وفقًا لعملية بيداغوجية منتظمة وناجعة يُعدّ طريقًا سالكًا يستبطن الناس عبره قيم المواطنة، ويمتلكون كفاءة ثُلها واستحضارها في الممارسة اليومية. وبقدر ما تحتاج المواطنة إلى ضرورة تنزيلها في القوانين والدستور من أجل فرض حكم المؤسسات، فإنها تحتاج إلى قيم جماعية قادرة على تحويل هذه القوانين والمبادئ إلى فرص فعلية تجعلها، أي المواطنة، محطّ اختبار وتقليب لقيمها ومبادئها في الممارسة الواقعية. وهو ما لم تنطِوِ عليه دساتير المغرب الكبير، ومن بينها الدستور المغربي، بحسب امحمد المالكي؛ إذ "لم تصُدُر في عمومها عبر حوار وتوافق وطني، بل صُنعت في سياق أيلولة السلطة واستقرارها في أيدي النخب الوطنية التي نصّبت نفسها المجسّدة الوحيدة للشرعية الوطنية والتاريخية" 50. وإضافةً إلى فجوة الدستور، يضيف تقرير التنمية الإنسانية العربية لعام 2004 فجوة أخرى تتعلق بنوعية البرامج والاستراتيجيات المعتمدة للتحسيس بالحقوق والتربية على قيم المواطنة. في هذا السياق، تؤكد دراسات أن المواطنة لا تحيل على حقوق وحريات يجري الاعتراف بها في الدساتير مقابل إعلاء الولاء وحب الانتماء، بل إنها أعمق من ذلك كثيرًا؛ إنها حالة من الوعي والنضج المجتمعَّييَن تحوّل الفرد، بحسب تعبير باروخ سبينوزا Spinoza Baruch، من عبد أو ابن إلى مواطن تلتقي عنده ثنائية المصلحة الذاتية والعامة. لذلك، تحتاج المواطنة، كي تصير قيمًاوممارسات ومج لًاللتطبيق في مؤسسات الدولة والمجتمع، إلى الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والحرية وربط المسؤولية بالمحاسبة، وما يفرضه ذلك من تعاقد وتفاوض اجتماعي لبلوغ الإرادة العامة، خاصة أن الحاجة إلى هذا النوع من التعاقد يأتي في سياق "عززت فيه الإمكانات الكبيرة التي أتاحتها الثورات الحاصلة في التكنولوجيات الجديدة، ووسائط التواصل الاجتماعي وعي هذا الجيل. لذلك، إذا كان الأفق الراجح

  1. 47  ليا ليفرو، وسائل الإعلام الجديدة البديلة والناشطة، ترجمة هبة ربيع (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2016)، ص.8
  2. أحمد تهامي عبد الحي، "تحولات الجيل الشبكي في العالم العربي"،  48 مجلة ذوات الثقافية، العدد 56 2019()، ص.40
  3. 49  عن مفهوم المواطنة، ينظر: Thomas Humphrey Marshall, Citizenship and Social Class, and Other Essays (Cambridge: Cambridge University Press, 1950); وللاطلاع على مناقشة للمفهوم وصلته بالدولة الحديثة، ينظر: عزمي بشارة، مسألة الدولة: أطروحة في الفلسفة والنظرية والسياقات (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسات السياسات، 2023)؛ Engin F. Isin & Bryan S. Turner (eds.), Handbook of Citizenship Studies (London: Sage Publications, 2002).
  4. 50  امحمد المالكي، "الاندماج الاجتماعي وبناء مجتمع المواطنة في المغرب الكبير"، ورقة مقدمة إلى المؤتمر السنوي الثاني للعلوم الاجتماعية والإنسانية، الدوحة، 31-30 آذار/ مارس 2013، ص 35، شوهد في 2026/2/16، في https://acr.ps/1L9F2xI:

لبلدان المغرب هو كتابة عقد جديد، فإن عصب هذا العقد وروحه لن تكون سوى المواطنة الكاملة أولًا، والمواطنة الكاملة أخيرًا" 51. وبناء عليه، فالشعار الذي رفعه شباب حركة 20 فبراير "مواطنة – حرية – عدالة"، كان دقيقًا حين حدد مكمن الخلل والهوة الحاصلة بين مجال التنظير الدستوراني والمواطنة بما هي ممارسة فاعلة في المؤشر العربي لعام مغرب الألفية الجديدة. وقد جاء /2017 2018 ليؤكد ذلك حين وثّق أن "المغاربة ركّزوا على شروط ومبادئ العدل والمساواة بوصفها أهم شرط للديمقراطية، وهي نسبة مطابقة لما سُِّجِل في مؤشر 2011. ويمكن استنتاج أن العودة إلى تعريف الديمقراطية من خلال هذا المفهوم تعبير عن أن هذا الموضوع عاد إلى مائدة البحث بقوة" 52. ويأتي الحضور المحدود لقيم المواطنة ومرتكزاتها في الواقع المغربي في سياق تداولي يتخلّق من خلال معطياته فاعل بشري جديد له استراتيجيته النحوية والافتراضية، تتعدى حدود المواطنة الورقية في بعدها الهويّاتي الأفقي إلى المواطنة الإلكترونية أو الشبكية الافتراضية53. يعود سكّ مفهوم المواطنة الشبكية أو الافتراضية إلى السوسيولوجي جون بيري بارلو، الذي وضع مشروع إعلان استقلال عالم جديد بلا حدود داخل فضاء الشبكات الذي تبنيه الإنترنت، وحاول إعادة التعريف بأهم عناصر الدولة والمجتمع من خلال صياغات جديدة للعلاقات بين الأفراد الشبكيين. ورأى أن "حكومة المواطنة الشبكية ليست الحكومة الدستورية القائمة في الدول، لكنها حكومة النفوذ الخفّي Cybergovernment التي تحكم وفقًا للدستور الشبكي الإلكتروني، ومن ثم فإن آليات التعبير عن السيادة ستنتقل من السلطات التقليدية إلى سلطات جديدة، هي السوق والخدمات الإلكترونية والجماعات غير الحكومية والمؤسسات العابرة للقارات، وذلك عبر خدمات فضاء الشبكات التي تضمن حرية تدفّق المعلومات غير المرتبطة بحدود جغرافية" 54، تتحول بموجبها الشبكات إلى "مساحة رقمية واسعة، تنسجها الجمعيات والقوى المدنية ضمن الأطلس الرقمي العالمي، ويعّب رفيها ومن خلالها المجتمع عن نفسه ثقافةً وفكرًا وفًّنًا واقتصادًا وسياسةً وتراثًا وتاريخًا وحضارة" 55. وتضاف إلى ذلك إمكانية "خلق هوية وقيم مشتركة وأهداف متوافق عليها وعمليات تأطير وتعبئة وتوعية بالروابط المشتركة والرؤى الناقدة للقوى المسيطرة، وبناء أطر العمل الجماعي التي تستهدف إزالة المظالم والشكاوى لحشد الأعضاء من خلال الفكر والعاطفة والرموز والأطر الثقافية" 56. وقد رافق ذلك ظهوُرُ نشاط سياسي شبكي سائل، تَحَوّل بموجبه فضاء الشبكات إلى ساحة أغورا افتراضية، أو لَنَُقُل ساحة افتراضية للتداول بشأن مشاكل المواطنين الذاتية والجماعية، ومنصات محاكمة ومساءلة للشأن العام والخاص لا تستثني أحدًا، غايتها الأساسية ممارسة الرقابة الشبكية. وتتحدد مهمة الجماعات الشبكية أساسًا، في هذه العملية، في فضح كل الخروق والتجاوزات والاعتداءات التي تمسّ قضايا الشأن العام والخاص للمغاربة، وتعرية أشكال الفساد والريع ونهب المال العام، ومتابعة السياسات العمومية، إضافةً إلى كشف ثغرات القوانين والنصوص التي تجعل المسؤولين فوق القانون والمحاسبة، والسخرية مما يصدر عن هؤلاء من سلوكات وهفوات وسقطات لسان... إلخ، من قبيل "لمدوايخ" (المصابون بدوار الرأس، والمقصود غير الواعين بما يقولون أو يفعلون)، "أنا ماشي وزير ديال الزنقة" (أنا لست وزير الشارع)، "هادو خونة" (هؤلاء خونة)، "وزيرة زوج فرانك" (وزيرة فِرنَكيَن، دلالة على الاستصغار)، "وزيرة 20 درهمًا" (بالمعنى نفسه)، "وزيرة الزبل" (وزيرة أزبال إيطاليا)، "ُخُدام الدولة" (خادمو الدولة)، "الحلوى البرلمانية"، "البيلكي والدبخشي" (إشارةً إلى العمل من دون مقابل)... إلخ 57، فضلًاعن إطلاق حملات على الشبكات، خاصة فيسبوك، للمطالبة بإقالة المسؤولين "(أوزين ارحل، الكروج ارحل، أخنوش ارحل، توفيق ارحل"... إلخ.) وفي حالات أخرى، تحوّلت هذه المنصات إلى فضاء لعرض هموم المغاربة المهاجرين خارج البلد والدعوة إلى مساندتهم (مغاربة عالقون في ليبيا، ومغربيات معنّفات ومحتجزات في السعودية... إلخ.) ويشير المالكي إلى أن "المواطنة بحسبها طريقًا سالكًا للاندماج[...] بحاجة إلى ثلاثة مستويات من الدمقرطة: يتعلق أولها بدمقرطة السلطة، ويخص ثانيها دمقرطة المشاركة السياسية، في حين يرتبط المستوى الثالث بإقرار نظام المحاسبة" 58. والحال أن المواطنة

  1. 51  المرجع نفسه، ص.32
  2. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،  52 المؤشر العربي 2018-2017  ، برنامج قياس الرأي العام العربي (الدوحة: أيار/ مايو 2018)، ص.116
  3. 53  شراف شناف، الإنسان التداولي والمواطنة الافتراضية (الرباط: مؤمنون بلا حدود،.)2015
  4. Aimée Hope Morrison, "An Impossible Future: John Perry Barlow's 'Declaration of the Independence of Cyberspace'," New Media & Society ,
  5. جوهر الجموسي،  55 الافتراضي والثورة: مكانة الإنترنت في نشأة مجتمع مدني عربي (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2016)، ص.88
  6. 56  عبد الحي، ص.44
  7. 57  صدرت هذه العبارات بالعامية المغربية عن عدد من الفاعلين السياسيين (من وزراء الشعب وممثليه) وتداولها الشبكيون على نطاق واسع على فيسبوك في سياق نقدي ساخر. 58  المالكي، ص.38
  8. vol. 11, no. 1-2 (2009), pp. 53-72.

الشبكية لم تظهر بوصفها بديلًامن معاني الجغرافيا والتاريخ المغربي، بل محفزًا لترسيخ المواطنة الفعلية في الحياة اليومية للشبكيين، وربطهم بالحياة السياسية والشأن العام المغربي، من ناحية فتح المجال للمتابعة والمحاسبة والمساءلة، ومنح المواطنين فرصة المشاركة والتعبير عن مواقفهم حيال الشأن العام، ثم العمل على دمقرطة السلطة ونقلها، وإن على نحو محتشم، من مسارها العمودي، إلى مسار أفقي شبكي ومتشعب في كثير من العقد والشبكات، تحوّلت بفعله الحياة السائلة على الشبكة إلى نوع من السياسة الهادئة والفاعلة والمؤثرة في الواقع. وتكمن فاعليتها هذه في قدرتها على إجبار المسؤولين على تعديل خطاباتهم وقراراتهم وتصحيح الأخطاء التي يرتكبونها ضد المواطنين، وإقرار حق المتابعة والمسؤولية الجنائية إذا ثبتت اعتداءات أو تجاوزات لرجال السلطة، وفي كثير من الأحوال تقديم اعتذارات أو التراجع عن قرارات مهمة. شهدت الشبكات، في المغرب، في ما بعد انتفاضات 2011، وقائع كثيرة، لا يتّسع المجال لجردها، جرى نشرها وتداولها عبر مقاطع فيديو، وصور وُنُسخ قرارات وخطابات وتجاوزات لمسؤولين ومواطنين وحتى قاصرين، دفعت السلطات إلى التفاعل معها والتحرك لإعادة الأمور إلى نصابها، بعد أن جرى التغاضي عنها أو طمسها، وكأن المنصات والشبكات تسعى لتنصيب محاكم لاستعادة العدل وفرض قوة القانون، بما يشمل حتى أعلى المسؤولين، بل أعلى سلطة في البلاد (الملك.) ففي حادثة العفو الملكي عن مغتصب الأطفال دانييل غالفان فينا Vina Galván Daniel عام 2013، مثلًا، تعالت أصوات الجماعات الشبكية عبر وسائط التواصل الاجتماعي مطاِلِبة بالتراجع عن العفو والاعتذار لعائلات الضحايا وللمغاربة كافة. ورافق النضاَلَ الشبَكّيَ إنزاٌلٌ جماهيري واسع في الساحات والشوارع، في مدن الرباط وطنجة وخريبكة وأكادير وغيرها. وعلى الرغم من أن أجهزة الأمن استخدمت فائضًا من القوة لمنع المحتجين على قرار العفو من التجمع في الساحات، فإن الغضب كان عارمًا وعصيًا على الاحتواء إلا من خلال التراجع عن العفو  59، وهو ما جرى فعلًافي إثر صدور بلاغ عن الديوان الملكي أقرّ سحب العفو وفَتَح تحقيقًا في ملابسات المساطر التي اُّتّبعت في هذا القرار، إضافة إلى استقبال الملك لعائلات الأطفال ضحايا الاغتصاب  60. لقد شكّلت مساعي دمقرطة السلطة على أيدي الجماعات الشبكية، بفضل التعبئة والتكتل، التي تحولت إلى قوة ضاغطة على السلطات في هذا المثال، محاولةً ترمي إلى "صياغة العقد الاجتماعي الجديد، الذي تُشكّل المواطنة الكاملة مبتدأه ومنتهاه؛ فالديمقراطية، من حيث هي منهج وقيم لتدبير الشأن العام، تسمح بتكريس ثقافة المأسسة Institutionnalisation عوض نزعات الشخصنة Personnalisation، وتميز المجال العام عن الخاص، وتوطد حيادية الدولة، وتعزز التنافس بين الفاعلين وتعرضهم للمساءلة والمحاسبة" 61.

2. فن الحضور وأشكال الفعل الجمعي في فضاء الاستقلالية

رأى هابرماس، في ورقة عنوانها "التواصل السياسي في مجتمع الإعلام: هل ما زالت الديمقراطية تتمتع ببعد معرفي؟"، أن "دور الإنترنت يختلف باختلاف السياق السياسي والديمقراطي الذي يشتغل فيه؛ إذ لا تكون له ميزة ديمقراطية إلا إذا اشتغل في سياق خاص، فشبكة الإنترنت يمكن أن تقوّض دور الأنظمة الاستبدادية من خلال الرقابة التي تفرضها على الشعوب وفي القمع والسيطرة على الرأي العام" 62. وبإسقاط هذا الموقف على المجتمعات العربية، والمجتمع المغربي منها، التي رأى فيها كثير من منظّري الانتقال الديمقراطي تحديًا حقيقيًا لمواجهة السلطوية  63، تبدو ظاهرة الحضور في فضاء الشبكات، حتى إن كانت تعود إلى أصول غربية، ذات مفعول وتأثير أشد وأبلغ من البلدان التي أنتجتها وتماهت معها، من حيث إنه حضور جماعاتي/ استراتيجي غايته توليد قوة ضاغطة، وميزته الأساسية سياسة الحضور لا الغياب. ونقصد بالحضور الاستراتيجي ذلك الحضور الذي يعّب رعن الالتقاء بين لاوعي المستخدمين بما يقومون به داخل فضاء الشبكات ووعيهم العقلاني به. لقد شكّل حرص جيل الشبكيين على الحضور في مجتمع الشبكات فرصةً سانحةً لاكتشاف الواقع (أو إعادة استكشافه) والتفاعل معه، عبر وساطة تقنية؛ أو، بمعنى آخر، أصبح هؤلاء حاضرين في الواقع ومنبّهين إلى حضورهم هذا من خلال ما اكتشفوه في فضاء الشبكات من وجود جماعاتي وكتلة بشرية ضاغطة، أدخلت هذا الجيل في ما يسمى "الحياة االجمعياتية الجديدة، وأسست نسيجًا جمعياتيًا فاعل " 64.

  1. ينظر: "مظاهرات بالمغرب ضد العفو عن مغتصب أطفال"،  59 الجزيرة نت، 2013/8/3، شوهد في 2026/2/16، في https://acr.ps/1L9F2nK:؛ " Moroccans Rally Against Royal Pardon for Paedophile," France 24 , 8/8/2013,
  2. جلالة الملك يستقبل آباء وأفراد الأسر ضحايا المجرم دانيال كالفان فيينا"،  60 وكالة
  3. 61  المالكي، ص.38
  4. Yurgen Habermas, "Political Communication in Media Society: Does Democracy Still Enjoy an Epistemic Dimension?" The Impact of Normative Theory on Empirical Research, Communication Theory , vol. 16, no. 4 (2006), note 3, p. 423. عبد الله حمودي  63، الشيخ والمريد: النسق الثقافي للسلطة في المجتمعات العربية الحديثة، ترجمة عبد المجيد جحفة (الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، 2000)، ص.238 64  الجموسي، ص.49
  5. accessed on 16/2/2026, at: https://acr.ps/1L9F39U
  6. المغرب العربي للأنباء،.2013/8/6

في هذا السياق، تقدّم الجماعات الشبكية في المغرب نموذجًا يسمح برصد ما سماه آصف بيات "فن الحضور"، وهو "طريقة يمكن من خلالها أن يعيد المجتمع تجديد نفسه، عبر الممارسات اليومية، من خلال تأكيد القيم التي تتحدى الشخصية التسلطية، وُتُقلق نخبها، وتصبح قادرة على توصيل حساسيتها الجمعية إلى الدولة ورجالها" 65. وسواء تعلّق الأمر بحراك الريف أو بحراك الهوامش أو بأشكال الحراك الأخرى التي انتشرت بكثافة في المغرب بعد عام 2011، مثل احتجاجات التلاميذ على الساعة الإضافية، واحتجاجات التنسيقية الوطنية للأساتذة الذين فُرض عليهم التعاقد، واحتجاجات الألتراس في الملاعب الرياضية، وحراك "مقاطعون" وغيرها، فقد شكّل فن الحضور لدى هؤلاء نوعًا من الشجاعة والإبداع في تأكيد الإرادة العامة، السلمية والحضارية. ومهّد هذا النوع من فن الحضور للانتقال من فضاء الشبكات إلى فضاء الاستقلالية المبني، كما نبّه كاستيلز، على التشابك والتفاعل الهجين بين الفضاء الشبكي والمساحة المكانية للمواقع المحتلة، ورمزية المباني والأماكن المستهدفة، والمستند إلى الحرية والاستقلالية 66. يُعدّ فضاء الاستقلالية هو الفضاء الثالث العابر للموقعي (أي الواقعي) والشبكي (أي الافتراضي) معًا. إنه ناتج من تمفصلهما؛ حيث تبدو الحدود ضبابية بين الفضاءين، ويستحيل معها تحديد نهاية الموقعي وبداية الشبكي. ومردّ ذلك هو أن فضاء الاستقلالية هذا أمكن بناؤه وتأمينه عبر دينامية شبكية وتفاعلية يعمد من خلالها فاعلون شبكيون إلى تنظيم تفاعلاتهم وتدخلاتهم شبكيًا؛ أي افتراضيًا، من أجل بناء معنى جماعي لوجودهم الشبكي من جهة، ثم حضورهم الموقعي الميداني في الشوارع والساحات والملاعب من جهة أخرى؛ حيث "تعين الثقافة الفردية المتضمنة في سمة البناء الاجتماعي لمجتمع الشبكات، على بناء العلاقات الاجتماعية على أساس الأفراد الذين يعرفون ذواتهم بأنفسهم والذين يستهدفون التفاعل مع الآخرين متّبعين خياراتهم وقيمهم واهتماماتهم، والفردية المتشابكة هي ثقافة، وليست أسلوبًا أو شكلًاتنظيميًا، إنها ثقافة تبدأ بقيم ومشروعات الفرد، لكنها تبني نظامًا للتبادل مع الأفراد الآخرين، مما يعيد بناء المجتمع ولا يعيد إنتاجه" 67. ومن ثم، تلهم الحياة الجمعياتية والفردية، المتشابكة في فضاء الاستقلالية، أولئك الذين يحرّكهم مشروع تغييري، ويقوم فن الحضور هذا على تقاسم قيم جديدة بين فاعلين يريدون تغيير حياتهم ويحتاج بعضهم إلى بعض لبلوغ أهدافهم. في سياق أنماط الحراك التي انبثقت في المغرب في الفترة 2018-2011، شكّلت الحياة الجمعياتية الشبكية، المبنية من خلال مجموعات افتراضية وشبكية ممتدة الجذور والمنافذ، أساس بناء المعنى الاجتماعي والاحتجاجي معًا. واستنادًا إلى فضاء الاستقلالية، صار ممكنًا للنواة الصلبة للمجموعات (المسّي رون Admins) وبقية الأعضاء اعتماُدُ آلية التشبيك والتفاعل لإنتاج أنماط من السلوك ورسائل وشعارات ورموز وإبداعات وهاشتاغات وأغاٍنٍ ومسكوكات، فرديًا أو جماعيًا، بهدف تجريد الواقع الذي يرفضونه ويسعون لتغييره "(في بلادي ظلموني"، "ما تحلموش بالباراديس"، "على العهد باقون"، "نتلاقاو عند مولانا"، "ويا ربي يقراو لولاد بلا مدرسة بلا أستاذ"... إلخ.) وقد كان ذلك نموذجًا عمليًا لما قدّمه إرفينغ غوفمان حول المرْس  ر حة68 داخل فضاء الاستقلالية، إذ يجري إبداع شكل الحضور أو المسرحية، وتوزيع الأدوار والتمثيليات على المتدخلين، وتلقّيها وتجريبها وتداولها لتعديلها في الكواليس (فضاء الشبكات)، لتنتهي في إطار إخراج إبداعي أو فن حضوري في الواقع (الميدان، والساحات، والشوارع، والملاعب... إلخ)، حيث برز فن الحضور، وُأ خرج قريبًا من إبداع مسرحي جماعي متكامل العناصر، لكن من دون أبطال أو قيادات واضحة (باستثناء حراك الريف)؛ بل إن ما ظهر كان نوعًا من التواصل الأفقي أو الديمقراطية الراديكالية، التي نظّر لها هابرماس في كتابه بين   الحقائق والمعايير69، محاولًامن خلالها "إيجاد حيز اجتماعي جديد للسياسة لا تؤطره مؤسسات الدولة أو الأحزاب أو النقابات فقط، وإنما مشاركة شعبية تواصلية متحررة من كل هذه الإكراهات المؤسساتية لتتحول إلى قوة سياسية حرة غير مَُم أسسة وقادرة على أن تفرض ثقلها ومطالبها على الدولة ومؤسساتها" 70. لقد بات فضاء الشبكات بالنسبة إلى الجماعات الشبكية، بعد عام 2011، الفضاء الوحيد القادر على استيعابهم استراتيجيًا، بعدما عجزت الأحزاب السياسية والجمعيات والنقابات عن استقطابهم وتأطيرهم؛ إنه الفضاء الوحيد المرخّص لهم للتجمهر فيه وممارسة هواياتهم وألعابهم وتشكيل هوياتهم، إلى جانب مناقشة أوضاعهم ومصائرهم وإحباطاتهم، بغية إفراز أشكال من الحضور الفاعل في الواقع وإبداعها، وتحرير المكان أو الواقع من القيود، ومن ثم التأثير في الرأي العام والحياة السياسية عمومًا. ويمكن الاستدلال على ذلك من خلال عرض

  1. 65  آصف بيات، الحياة سياسة: كيف يغير بسطاء الناس الشرق الأوسط، ترجمة أحمد زايد (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2014)، ص.67
  2. 66  كاستيلز، شبكات الغضب والأمل، ص.260-258
  3. 67  كاستيلز، سلطة الاتصال، ص.508
  4. 68  إرفينغ غوفمان، تقديم الذات في الحياة اليومية، ترجمة قاسم عبده قاسم (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2006)، ص.37
  5. Habermas Jürgen, Between Facts and Norms: Contributions to a Discourse Theory of Law and Democracy , William Rehg (trans.) (Cambridge, MA: MIT Press, 1996), pp. 329-330.
  6. 70  خلدون النبواني، هابيرماس ومخاضات الربيع العربي (القاهرة: دار روافد للنشر والتوزيع، 2017)، ص.45

نموذج التجربة الشخصية الذي قدّمه يي - فو توان Tuan Yi-Fu لتقييم مدى صلاحية الفضاء الشبكي في تشكيل مكان ثقافة مميزة ومحددة من مستخدميه، حتى يشكّل في ما بعد بيئة لتكوين المجال العام السياسي في الواقع، بحيث يتحول فضاء الاستقلالية في التمثّل الجمعي للشبكيين، بحسب توان، إلى حيز أو مكان يتضمن مجموعة معيّنة من القيم، نتيجة تحديد هويته وطبيعته من خلال العلاقات التشابكية والتفاعلية بين مستخدمي هذا الفضاء، ما يؤدي إلى بناء الوعي الجماعي الذي يرسم حدود الثقافة الشبكية المكانية في ذات الفضاء الهجين بين الشبكي والموقعي  71. وفضلًا عن ذلك، و"لأن الأطراف الاجتماعية تختار وتستهدف التكنولوجيات بناء على حاجاتها ومصالحها، فالأشخاص الذين يتصرفون بشكل فردي ضد الهيمنة المؤسسية، وإن كانوا بحاجة إلى العثور على دعم لتمردهم سوف يتحولون تلقائيًا إلى صيغ اتصال يستخدمونها في حياتهم اليومية ليحققوا هم أنفسهم وليتحققوا مع الذين يريدون أن يشاركوهم في المعنى والممارسة" 72. وفي هذه الظروف الاجتماعية والتكنولوجية، لا تحتاج لحظات انفجار الاحتجاج والنضال إلى زعماء أو مفكرين استراتيجيين؛ إذ في وسع أيّ فرد أن يصل إلى الجميع ليشاركهم إحباطه وغضبه، بمعنى أن الغضب والإحباط، وإن كانا شعورًا فرديًا، قادران، حين يسيلان ويتدفقان في فضاء الشبكات المفتوح أمام مستخدمين كثر، أن يغدَوَا شعورًا جمعيًا عارمًا، غير قابل للاحتواء، وهذا نتيجة منطقية ل "نمو مجتمع متمردين من خلال وصل العقول فيما يتجاوز ثورتها الفردية" 73.

ثالثًا: الجماعات الشبكية في فضاء البين-بين: الإجماع والعزلة

1. حراك "مقاطعون" الصامت: إعادة اختراع السياسة

شهد عاَمَا 2017 و 2018 احتجاجات حاشدة في المدن والشوارع والساحات، من طنجة إلى زاكورة، ومن مدن حضرية إلى هوامش وقرى نائية، حيث خرج المئات، وأحيانًا الآلاف من المواطنين، أغلبهم من الشباب، منددين بتدهور مستوى المعيشة وارتفاع الأسعار وانتشار البطالة. غير أن فائض القوة والقمع والاعتقالات الواسعة، التي استهدفت المحتجين ولم يسلم منها حتى الُقَُّصر، كان سبيلًانحو انبثاق أفعال جمعية واحتجاجية جديدة كلّية في مغرب ما بعد الاستقلال، أ طلق عليها "مقاطعون"، وكان منطلق التعبئة والحضور فيها فضاء الشبكات لا الساحات والشوارع، وكان موضوعها الاقتصاد لا السياسة. انطلقت المقاطعة في يوم الجمعة، 20 نيسان/ أبريل 2018، حين قررت مجموعة من الشباب الشبكيين، الذين شكّلوا نواتها الصلبة، إطلاق حملة مقاطعة اقتصادية هدفها تخفيض الأثمان، وكانت غير مكلفة ماديًا أو زمنيًا أو قانونيًا، وشملت ثلاثة منتجات استهلاكية. ولم تكن هذه الحملة الأولى من نوعها في تاريخ المغرب الحديث، فقد سبقتها في سنوات خلت دعوات إقليمية لمقاطعة منتجات شركات إسرائيلية أو داعمة لإسرائيل، مثل كوكا Coca وأرييل Ariel، فضلًاعن دعوات أحدث عهدًا لمقاطعة صفحات على فيسبوك لثلاث شركات تحتكر سوق الاتصالات في المغرب، هي "اتصالات المغرب" و"إنوي" Orange Maroc " و"أورنج المغربMaroc Telecom Inwi، وحذف الإعجاب J'aime منها احتجاجًا على حجب خدمة الاتصال الهاتفي المجاني عبر الإنترنت، لكنها لم تكن ذات تأثير يذكر على مستوى الحضور الميداني والرأي العام الشبكي. ومع ذلك، فقد كان لمثل هذه الخطوات القليلة والمتفرقة دور أكبر في إذكاء الوعي الجمعي بين الشبكيين بشأن فكرة المقاطعة. انطلقت الدعوة إلى المقاطعة من فضاء الشبكات، صامتة وهادئة ومحدودة الانتشار، يروّجها عدد محدود من الجماعات الشبكية. وكانت مقاطعة من دون هوية وإطار داعم يحدد معالمها ويقوي أثرها، غير أن "مجرد تردد هذه الفضاءات بين العزلة والاجتماع قد يخلق فرصة لأن تنقلب أحيانًا إلى فعل عام مشترك، والواقع أن لحظة انقلابها هذه قد تكون صعبة التحديد" 74، من حيث حاجتها إلى حدث عظيم، بمفهوم جان فرانسوا ليوتار، أو غضب جماعي أو حادث قتل مادي أو رمزي، يمثل شرارة أو شعلة، لتتحول إلى حضور قوي وفعال وآخذ في الانتشار في فضاء الشبكات والحياة اليومية للمواطنين، ويكون شبيهًا بصورة سقوط أحجار الدومينو واحدًا تلو الآخر، محدثًا أكبر قدر من التأثير في البنى والعقليات والقناعات. ولم يتأخر هذا الحدث العظيم طويلًا، فقد جاء على يد مسؤول في إحدى الشركات المعنية بالمقاطعة، شركة "سنطرال"، الذي وصف المغاربة المقاطعين بالخونة، وهو ما أوجد في الحال انفع لًاجمعيًا وغضبًا جماهيريًا تجاوز الفئات المنخرطة في المقاطعة. وقد سبق لدوركهايم

  1. 71  نقلًاعن: Mehmet Adnan Barlas & Olgu Çalı ş kan, "Virtual Space as a Public Sphere: Rethinking the Political and Professional Agenda of Spatial Planning and Design," Journal of the Faculty of Architecture (METU), vol. 23, no. 2 (2006), pp. 1-20.
  2. 72  كاستيلز، سلطة الاتصال، ص.510
  3. 73  المرجع نفسه.
  4. 74  تايلر، ص.193

أن منح لحظات الانفعال الجمعي هذه مكانة مهمة وحاسمة بوصفها لحظات مؤسسة للمجتمع وللمقدس  75. انتشر فيديو التخوين كالنار في الهشيم على الشبكات، من مواقع ومنصات وصفحات وتعليقات، وشكّل بنية الفرصة السياسية المنتظرة، مثيرًا استياءً واسعًا بين الشبكيين المحسوبين على الطبقة الوسطى الأكثر تعليمًاونفاذًا إلى الشبكات، والمعنيين بصفة مباشرة باستهلاك هذه المنتجات. وقد كشف استطلاع للرأي أجرته مجلة ليكونوميست L'Economiste، شمل 3700 مستجيب، وُنشُرت نتائجه في أيار/ مايو 2018، أن "حملة المقاطعة هي شأن الطبقة الوسطى من الناحية السوسيو-اقتصادية وفئة الشباب من الناحية الجيلية" 76. لقد أظهرت المقاطعة تلاحمًاغير مسبوق بين الشبكيين، وأسهم ذلك على نحو مباشر في إنجاحها من دون قيادات ولا هتافات في الشارع، مع بروز دور أكبر لفئة مغاربة المهجر عبر العالم، الذين كانت تفاعلاتهم مع حراك المقاطعة ونقاشاتهم بشأنها تجري عبر فضاء الشبكات، التي كسرت اغترابهم الاجتماعي وعزوفهم عن متابعة الشأن العام بسبب بعدهم الجغرافي وانكماش الحياة السياسية. وفي هذا السياق، تحولت معادلة "وطنية = استهلاك حليب سنطرال"، التي صرّح بها مدير شركة سنطرال، إلى أيقونة سلبية واستنكارية راح الشبكيون يعيدون من خلالها تفكيك مفهوم الوطنية في سياق المنطق الرأسمالي الاستهلاكي، ويعيدون نشرها وتداولها على نحٍوٍ جمع بين الاستنكار والاستياء والغضب. وتحوّل الغضب الجمعي إلى إنزال جماهيري فعلي على أرض الواقع. وتدريجيًا، بدأ المواطنون يلمسون أثر المقاطعة في حياتهم اليومية، وأطلقوا هاشتاغ #"خليه يريب" (دعه يفسد، أي حليب سنطرال)، و#"ماكم شربوه" (مياهكم المعدنية المعبأة اشربوها أنتم)، و#"مازوطكم حرقوه" (وقودكم احرقوه.) وأشعل ذلك شرارةً فعلية لانتشار حملة المقاطعة، ومهّد لعبورها من الشبكات إلى الواقع، في شكل عبور شبكي سائل ومنظّم، من الشبكات إلى البيوت ومحلات البقالة والمراكز التجارية الكبرى والشارع، فتجسّد ما سّم اه بيات "سياسة الشارع"، التي تفسر العودة القوية إلى الواقع (الساحات والميادين، وهذه المرة المحالّ التجارية) من أجل استعادة الناس البسطاء حقهم في التأثير والتغيير. وفي أوج المقاطعة وتفاعلاتها، أظهرت النخب السياسية عجزًا في فهم دينامية المقاطعة واستيعابها، بل سعى البعض لتحقير ناشطيها؛ فصرح وزير المالية، محمد بوسعيد، في ردّ في البرلمان أنه يجب تشجيع المقاولات والمنتجات المغربية، ولا يجب الامتثال لدعوات المقاطعة التي يطلقها من وَصَفهم ب "المداويخ" (أي غير الواعين)، كما وصفهم بعض السياسيين بالمجهولين و"الجيعانين" (أي الجياع)، وغير ذلك من الوصوم؛ بل خرج البعض منهم للاحتجاج على المقاطعين في الشارع (نقصد الوزير لحسن الداودي الذي شارك في احتجاج عمال شركة سنطرال الُمَُسّرَحين أمام البرلمان)، وهو الموقف الذي استغله الشبكيون بطريقة ساخرة ولاذعة حين روّجوا على الشبكات هذه الواقعة مرفقة بتوضيح ساخر، مفاده "الحكومة تحتج في الشارع، و'المداويخ' في بيوتهم خلف الحواسيب." إضافة إلى ما سبق، ساهم فعل التخوين والوصم الجماعي والتهديد بالمتابعة القانونية في بناء سردية حراك المقاطعة ودعم تماسكها، ومكّنت الفرد من التماهي مع الجماعة، ومكّنت الجماعة من التماهي مع الفرد، ومنحت المقاطعين شعورًا بالقدرة على التحدي والإمكان والأمل والقدرة على التغيير، وظهر ذلك واضحًا في الشعارات التي كان ينشرها المقاطعون: "مداويخ ونفتخر"، و"المقاطعة ثقافة شعب"، و"أجيو شدونا كاملين" (تعالوا واعتقلونا جميعنا.) وأحدث ذلك تحولًا حقيقيًا في مجال الاتصال السياسي وصنع القرار؛ إذ أتاح الفضاء الوحيد المرخّص للمغاربة التجمهر فيه (الإنترنت)، من دون الحاجة إلى إذن أو ترخيص، للجماعات الشبكية القدرة والفاعلية للتعبير عن المطالب والآراء المرتبطة بالحياة السياسية بكل حرّية واستقلالية، في مقابل انحسار دور الفاعلين السياسيين (وزير، نائب برلماني، عضو حزب، مسؤول... إلخ)، الذين أصبحوا غير قادرين على التعبير عن رأيهم في الموضوع، أو تراجعوا عن مواقفهم المضادة لمواقف الشبكيين، لما لمسوه من استياء عميق وغضب جماعي، وكذلك خوفًا من العزلة السياسية التي أصبحت تُحدثها الشبكات تجاه كل من تجرّأ على عرض آراء وسلوكات وقيم تخالف ما تتبنّاه جماعاتها أو ترفض مقترحاتها "(وزيرة جوج فرانك"، أي "وزيرة فِرنكين" دلالة على الاستصغار؛ "المداويخ"، أي غير الواعين بما يقولون أو يفعلون، "البيليكي والديبخشي"، إشارة إلى العمل من دون مقابل؛ "بعض المغاربة خاص تعاود ليهم التربية" أي "بعض المغاربة في حاجة إلى إعادة التربية"، وغيرها.) يعّب ر قلب "دوامة الصمت" 77، بتسهيل من الشبكات، عن تغير واضح في تشكّل الثقافة السياسية التي لم تعد قادرة على تبرير الوضع القائم، وذلك بوصفه نتاجًا لها، خاصة فيما يتعلق بالقضايا الحساسة التي تهتم بها القاعدة الجماهيرية لجيل الشبكيين؛ الأمر الذي يفتح

  1. Émile Durkheim, Les formes élémentaires de la vie religieuse (Paris: Presses Universitaires de France, 1960), pp. 150-152.
  2. Enquête L'Economiste-Sunergia/Boycott: C'est surtout une affaire de jeunes," L'Economiste , 25/5/2018, accessed on 10/9/2025, at: https://acr.ps/1L9F2YF
  3. 77  تبّي ننويل نويمان، في كتابها دوامة الصمت -، أن الأفراد يراقبون الرأي العام ويتجنبون التعبير عن آرائهم المخالفة خوفًا من العزلة، فيصبح الصمت وسيلةً لحماية الذات، ما يعزز قوة الرأي السائد ويخلق ما سمّته "دوامة الصمت"، ينظر: Elisabeth Noelle‑Neumann, The Spiral of Silence (Chicago: Chicago University Press, 1984), pp. 62-63.

النقاش واسعًا عن وجود تغيير اجتماعي وإعادة تثقيف وتنشئة بتسهيل من الشبكات، وزيادة الاحتكاك والتقارب بين الثقافات والأفراد في ظل فضاء لا يعطي لقيَدَي المكان والزمن أيّ قيمة، الأمر الذي جعل بعض الفاعلين السياسيين – منهم رئيس الحكومة الحالي – يرفضون هذا التغيير ويطالبون بإعادة تربية جيل الشبكيين، الذين عاشوا حياتهم في فضاء مجتمع شبكي هجين، يقع على خط الّتمّاس بين الواقع والافتراضي، "منغمسين في أساليب حياة عالية الكثافة وعالية التقنية تتجاوز كثيرًا الطرق التي يحيا بها البالغون" 78.

2. تمدد الجماعات الشبكية وانحسارها

اتسع المجال السياسي ليضمّ فاعلين شبكيين جددًا يسعون للتأثير في الرأي العام، باستخدام وسائل تواصلية اعُتبُر فضاء الشبكات الحاضن الأساس لها. ولا يعمل هؤلاء الفاعلون وفقًا لأیدیولوجیات محددة أو تنظيمات أو طلائع، يسمّيهم خوان كول في كتابه، العرب الجدد: كيف يغّي رجيل الألفية الشرق الأوسط 79، " اليسار الليبرالي الجديد"، وهو يختلف عن اليسار القديم لأنه "يفضل الابتعاد عن الهيراركية الحزبية الصارمة، ويحبّذ التعامل في إطار شبكي يتيح تفاعلات أوسع وأنشط" 80. ويصعب اختزال جماعاته أو تصنیفها، لأن شبكات نشاط منتسبيه متعددة ومتحركة باستمرار، بما يتيح الفرصة لتوالد الأفكار في نطاق ضيّق أو شبكات محدودة لتنتقل إلى مجال ومدى أوسع انتشارًا في شبكات عامة، أو بوجود تحالفات وتكتلات وتجمعات شبكية أوسع، تهدف إلى التأثير في الرأي العام أو صنع القرار. وقد تنشأ هذه الشبكات تلقائيًا، أو بفعل قصدي تحدده رؤى وغايات مسطّرة "(لا للعفو عن مغتصب الأطفال"، "جميعًا من أجل فتح دور القرآن"، "جميعًا من أجل إلغاء مهرجان موازين"، "حملة مكافحة الفساد"، "جميعًا لإطلاق سراح معتقلي الريف"، "جميعًا ضد الغلاء والاحتكار"، "لا للحكرة"، "مقاطعون"، gazoil_7dh #، Essence_8dh #.) وعلى الرغم من أن هوية الكثير من الشبكيين مجهولة وسرية، فإنهم في الغالب يتقاسمون فهمًاعامًا لما يروّج ويحيط بهم في الفضاء العام الموقعي. وتدريجيًا، يبدؤون في تطوير هوية مشتركة، تُبدي اهتمامًا جماعاتيًا بمواد شبكية سائلة مشتركة، سواء أكانت نصوصًا أم مقاطع فيديو أم صورًا أم هاشتاغات أم غير ذلك، وما يجمعها هو التعبير عن رؤية أو موقف موحّد من الأحداث والقضايا، ومدى تفاعل المغاربة مع قضايا الشأن العام والأحداث السياسية عبر فضاء الشبكات الافتراضية. وقد أظهر المؤشر العربي لعام /2017 2018 أن 84 في المئة من المستجيبين المغاربة لا يستخدمون هذا الفضاء للتعبير عن آرائهم في الأحداث السياسية الجارية، و 21 في المئة يستخدمونها عدة مرات في الأسبوع من أجل التعبير عن آرائهم، بينما 81 في المئة يستخدمونها أقل من مرة في الأسبوع، و 12 في المئة عدة مرات في اليوم 81. ويعني هذا أن 15 في المئة من المستجيبين يستخدمون فضاء الشبكات من أجل التعبير عن آرائهم في قضايا سياسية كان الواقع محًا لأحداثها، بحسب ما جاء في تقرير نتائج المؤشر العربي. وأبرز المؤشر كذلك أن 57 في المئة من المستجيبين أكدوا أنهم يتفاعلون مع قضايا سياسية عبر فضاء الشبكات، وقد جعلت هذه النسبة المغرب يحل رابعًا على الصعيد العربي بعد كل من مصر 91(في المئة)، وموريتانيا 9(6 في المئة)، وفلسطين 1(6 في المئة) من حيث نسبة التفاعل مع قضايا الشأن العام عبر الشبكات  82. وهي نتيجة منطقية لما نَّظَر له بيات حول "سياسة الشارع"؛ إذ تتحول الحياة نفسها إلى نوع من السياسة، ويتحول الناس العاديون إلى سياسيين مؤثّرين في الرأي العام والسياسات العمومية. وبحسب بيات، حين لا يجد الناس العاديون الذين يعيشون على الهامش السياسي في المؤسسات السياسية الوسيطة ولا في الانتخابات قنواٍتٍ للتواصل وفرصًا لتغيير واقعهم ولتأمين حياة لائقة، فإنه لا يبقى أمامهم غير الشارع، أو فضاء الشبكات للتعبير عن مطالبهم، واستعادة حقهم في التعبير عن الرأي وإسماع أصواتهم، عبورًا من الشبكات إلى الواقع ومن الواقع إلى الشبكات. وبناء عليه، يصبح الحضور في فضاء الشبكات من أجل التعبئة، ثم الحضور في الشارع من أجل التغيير، نوعًا من السياسة والنضال، إما ضمن حركات اجتماعية تنازعية (حراك الريف، وحراك الهوامش، وتنسيقية الأساتذة الذين فُرض عليهم التعاقد... إلخ)، أو "لاحركات اجتماعية" 83 بمفهوم بيات، ضمن عمليات تمدد الباعة المتجولين في الشارع العام، والإفطار الجماعي في الفضاءات العمومية. لقد ساهم كل ذلك في تكثيف تبادل العلاقات والروابط والمواجهات بين الفاعلين السياسيين والمواطنين، وبين المركز السياسي وأطرافه، وبين النخبة الحاكمة والقاعدة الجماهيرية، كما ساهم في إذكاء وعي انعكاسي لدى الشبكيين، وكذلك المواطنين البسطاء الذين بدؤوا

  1. Dialogue with Neil Selwyn, Interview by Marie-José Gremmo, Digital Technology and the Contemporary University: on Some Research Issues," Distances et Midiations des Savoires (2013), accessed on 16/2/2026, at: https://journals.openedition.org/dms/369
  2. Juan Cole, The New Arabs: How the Millennial Generation Is Changing the Middle East (New York: Simon and Schuster, 2014).
  3. نقلًاعن: باسم راشد، "العرب الجدد.. كيف يغير جيل الألفية الشرق الأوسط؟"،  80 مجلة
  4. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،  81 المؤشر العربي 2018-2017  ، ص.231
  5. 82  المرجع نفسه، ص.234 83  بيات، ص.67
  6. السياسة الدولية، مج 36، العدد 51 (نيسان/ أبريل.)2015

يستوعبون تدريجيًا هندسة النظام السياسي المعقدة؛ إذ عبرت صفحة "البلوكاج السياسي" عن الموقف من خلال تدوينة جاء فيها: "سيذكر التاريخ أن في عهد بنكيران أصبح كل المغاربة محللين سياسيين دون أن يضعوا رجلهم في كلية علوم السياسة" 84. غير أن الحضور في فضاء الشبكات من أجل المشاركة في صنع الرأي العام أو النضال السياسي يتطلب التمكن كذلك من الأشكال والتقنيات والتقانات الشبكية المعقدة، "وليست السياسة في هذا السياق مجرد ممارسة للحكم والفعل العامين، بقدر ما هي إدارة للعلاقات العامة القائمة على التبادل المعقّد للرسائل عالية الترميز" 85. ويتطلب ذلك القدرة على الانخراط مع آخرين في جهد متواصل، و"الحفاظ على الحرية والنزاهة في نشر البنية الشبكية وإدارتها  86، لجعل هذا الشكل من الحضور أخلاقيًا وأشد اتساعًا وفاعلية وقبولًاللتعاون والتكتل، ومن ثم التمكين للجماعات الشبكية ومنحها القدرة على فرض الإرادة وممارسة الضغط والتأثير في القرارات، وهو ما تحقق فعليًا حتى نهاية حكم الإسلاميين في المغرب لصالح الجماعات الشبكية والمواطنين الشبكيين على حساب النخبة السياسية. ويمكن الاستدلال على ذلك من خلال أمثلة جرى سردها، كما في أمثلة أخرى من قبيل ما سُمّي "البلوكاج السياسي" (أي الجمود السياسي)، حيث تابع الناشطون الشبكيون عن كثب تقلبات المشهد السياسي نتيجة المشاورات الماراثونية التي قادها زعيم حزب العدالة والتنمية لتشكيل الحكومة الثانية في ظل الدستور الجديد. وقد نال هذا الحدث حظًا وافرًا من الاهتمام، وعّب رالناشطون الشبكيون عن مواقفهم مما يحدث في أروقة السياسة المغربية، معتبرين أن الخريطة السياسية لم تعد واضحة، بل باتت "مبلقنة"؛ إضافة إلى الحملة التي قادتها الجماعات الشبكية من أجل إلغاء معاشات البرلمانيين والوزراء بوصفها ريعًا سياسيًا لا يتناسب مع الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للمواطن المغربي العادي التي تزداد سوءًا وتقهقرًا. وقد شكلت هذه الأمثلة نموذجًا شبكيًا استخدمه المواطنون من أجل تعبئة مواردهم وتنظيم سلوكهم الجماعي، بهدف إيصال صوتهم وإجبار النخب والمسؤولين على التفاعل مع مطالبهم. وتؤطر هذه النظرية مقولة "إن الناس يمكن أن يتحدّوا الهيمنة من خلال الارتباط بعضهم ببعض، من خلال تشارك الغضب، والشعور بالتآزر، وأيضًا من طريق إنشاء مشروعات بديلة لأنفسهم وللمجتمع ككل" 87. وبناء عليه، يُعدّ هذا الحضور الجماعاتي الضاغط سلاحًا ذا حدّين؛ إذ يمكن أن يسيل ويتدفق ليشمل كثيرين، كما قد يصبح هشًا قابلًا للتفكك والانعزال إلى درجة الانحلال والتلاشي، كما هو حاصل اليوم؛ إذ إن المتأمل في حالة الشبكات والمجموعات ذات التوظيف السياسي حاليًا  88، يقف عند حقيقة تراجعها اللافت، أو اختفائها كليًا من العقد الشبكية التي اعتادت توظيفها، في مقابل صعود شبكات جديدة أو تحوّل أخرى نحو قضايا خارجية من قبيل النزاع المغربي - الجزائري، والأزمة الدبلوماسية مع تونس، وقضية الصحراء، وقضايا فرعية مثل تردّي خدمة المستشفيات، وكذلك فساد بعض رجال السلطة ونشر صورهم وقضايا فسادهم وسوء تدبيرهم. وفي ظل هذا الحضور الجماعاتي، "يحاول الفرد من خلال آلية شبه إحصائية بداخله ملاحظة محيطه الاجتماعي، وذلك بتقييمه لتوزيع الآراء بهذا المحيط وبمعرفة ما إذا كانت هذه الآراء مع أو ضد الأفكار التي يحملها، ويعمل كذلك على تقييم قوة وإمكانية نجاح هذه الآراء في تحقيق تداول عام، وبتقييمه للآراء المتضاربة في المحيط الاجتماعي، يتخذ الفرد قرارًا يحدد موقفه من هذه الآراء وبالتالي الموقف الفردي الذي سيتبناه" 89. وبحسب نظرية دوامة الصمت، غالبًا ما يتبنّى الفرد الرأي السائد والمدعوم من طرف جماعته التي ينتمي إليها، أو يتقاسم معها الحضور في الفضاء الشبكي خوفًا من العزلة أو الطرد من العقد الشبكية للجماعة، خاصة إذا كان رأيه أو توجّهه مخالفًا لرأي الجماعة والرأي العام السائد. بدا، بعد عام 2021، أن فضاء الشبكات نجح في قلب ديناميات الرأي العام السياسي لمصلحة نخبة سياسية أوسع نشاطًا وأشد استعدادًا للإنفاق مقابل امتلاك مرئية Visibilité وحضور في الفضاء الشبكي؛ إذ خصص حزب الأحرار، وهو حزب رجال الأعمال، لحملته الانتخابية لعام 2021، ميزانية لا بأس بها لبلوغ 500 ألف شبكي على منصة فيسبوك، إضافة إلى منصة إنستغرام 90، وهو ما لم يتوافر لدى معظم الأحزاب السياسية، خاصة بعد فقدان حزب العدالة والتنمية، الذي عُرف سابقًا بسطوة حضوره الشبكي، معظم ممثليه البرلمانيين الذين كانوا ينفقون بسخاء مقابل التوسع شبكيًا وتجنيد "كتائبه الإلكترونية" للدفاع والترافع المأجور والطوعي عن الحزب ورموزه،

  1. 84  اطلعت الباحثة على محتوى الصفحة أثناء فترة الملاحظة، لكنها حُذفت لاحقًا.
  2. 85  دارن بارني، المجتمع الشبكي، ترجمة أنور الجمعاوي (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2015)، ص.152
  3. 86  كاستيلز، شبكات الغضب والأمل، ص 6.5
  4. 87  المرجع نفسه، ص.256
  5. 88  مثلًا: لاحظنا أن صفحة "حزب لفلالس " Poussins des Parti Le، التي تعلن عن نفسها أنها صفحة سياسية، انتقل عدد المتفاعلين مع محتواها من الآلاف، خلال حكم الإسلاميين، إلى العشرات وأحيانًا أقل في زمن كتابة هذه الدراسة.
  6. 89  محمد مفضل، "الفيسبوك يقلب لولب الصمت"، شوهد في 2026/2/16، فh يttps://acr.ps/1L9F3dK:
  7. 90  عبد المجيد أمياي، "عشية الانتخابات... كم أنفقت أحزاب المغرب على الدعاية وكالة الأناضول الرقمية"،، 2021/9/7، شوهد في 2026/2/16، في: https://acr.ps/1L9F2o9

وشنّ هجوم شرس ضد الخصوم السياسيين ومحاولة اغتيالهم رمزيًا، بكيل التّهم والشتائم ضدهم، والتشكيك في نزاهتهم. وإلى جانب ذلك، ومن خلال ملاحظات ومتابعات استقصائية، يبدو أن ثمة تحولًانوعيًا في خط نشر مجموعة من الصفحات "(رصد"، "لفرشة"، "فساد سياسي"، "لفلالس"، Poussins des Parti Le)، التي كانت تتحدث نيابة عن القاعدة الجماهيرية، فضلًا عن بعض المدونين؛ إذ انتقل هؤلاء من خط النقد والهجوم والسخرية من الحكومة السابقة ومسؤوليها إلى الإشادة بالحكومة الحالية وإنجازاتها، أو التزام الصمت تجاه ما يقع من أحداث (ارتفاع الأسعار، وضعف القدرة الشرائية، وإجبار الآباء على دفع مستحقات المدارس الخصوصية عن شهر تموز/ يوليو المحسوب على العطلة الصيفية، وغير ذلك)؛ وهو ما أدى إلى انسحاب غالبية الشبكيين منها أو التوقف عن التفاعل مع منشوراتها، واتهام مسّي ريها بالارتشاء مقابل التزام الصمت أو الدعاية لمن يدفع أكثر، وقد ظهر ذلك واضحًا في تعليقات الشبكيين المنددين بهذا التحول، الأمر الذي تسبّب في تراجع حركية كثير من هذه الصفحات وعدد متابعيها، الذين راحوا يبحثون في شبكات أخرى قادرة على الحفاظ على النزاهة، تمامًا كما نبّه كاستيلز، والالتزام بقضايا المواطنين ضد النخبة الفاسدة، بلغة الشبكيين، وهو الأمر الذي يتطلب زمنًا أطول كثيرًا من الزمن المتسارع الذي تتحرك فيه المجموعات حاليًا. وبناء عليه، يتميز وضع الشبكات في المغرب حاليًا بسيادة نافذة لثقافة النخبة وقيمها؛ وهي فرضية لم يكن كاستيلز، منظّر الحركات الاجتماعية في عصر الإنترنت، ليغفل عنها، بل حاجّ بأن "ثقافة أصحاب الأعمال ورؤوس الأموال تندرج ضمن الثقافات المهيمنة على الشبكات" 91. تقلب، إذًا، الثقافُةُ السياسية السائدة على الشبكات الموازيَنَ إما لمصلحة نخبة سياسية أوسع نشاطًا وأشد استعدادًا لممارسة الردع والعقاب أو الترغيب والثواب، وإما لمصلحة جماعات وصفحات شبكية أكثر نزاهة واستقلالية. لكن، "لكي تصمد [الاستقلالية]، يتعّي نأن يؤكد الفاعلون الاجتماعيون على الحق في الاتصال الذاتي الجماهيري، بالحفاظ على الحرية والنزاهة في نشر وإدارة البنية الشبكية للاتصال" 92. وهو ما لا يبدو متوافرًا في الزمن الراهن، في خط الشبكات والجماعات الشبكية التي حققت تقدّمًا ملموسًا في مجال النضال السياسي الشبكي سالفًا، الأمر الذي مهّد لضمور كثير من هذه الصفحات وقرِبِ اختفائها من العقد الشبكية التي كانت تهيمن عليها. وفي الحصيلة، "ستظل الجماعات الشبكية في حالتها التي توجد عليها راهنًا تتطور وتتلاشى ككل الحركات الاجتماعية في التاريخ، سينتهي وجودها عند هذه الحقيقة، غير أن أهم ما فيها هي الإنتاجية الاجتماعية والتاريخية لممارستها، والتأثير في المشاركين فيها كونهم أشخاصًا وعلى المجتمع الذي حاولت تغييره" 93.

خاتمة

أصبح المغرب، بعد عام 2011، يعيش دورة تغير اجتماعي سريعة وعميقة، "تجعلنا إزاء مختبر مفتوح يتجلى فيه واضحًا صراع المآلات الاجتماعية/ السياسية المتنازعة وفي أجلى صورة ممكنة" 94. وهذه الدينامية، في مستواها الأول، لا تنفكّ تعاود التململ والفوران كلما ظننّا، أو ظن السياسيون، أنها هدأت واستقرت. وهو ما يؤكد وجود تحوّل عميق في قيم الجماعات الشبكية وسلوكها وقناعاتها التي تقود هذه الدينامية، وهو أمر يبّش ربتغير في المشهد السياسي وآليات تشكّل الثقافة السياسية ولو بوتيرة بطيئة. أما في مستواها الثاني، فهي تشدّد على أن الفضاء العام راهنًا أصبح يبنى من زيادة التشابك والتداخل بين الفضاءين (الموقعي والافتراضي) في إطار ما سّم اه كاستيلز فضاء الاستقلالية، وهو فضاء متمفصل إلى درجة تغيب معها الحدود والفواصل. ومن هذا الواقع، في المغرب كما في حالات أخرى من العالم، تجلت زيادة دور الشبكات في تحقيق التقارب "كحالة اجتماعية - ثقافية عامة" 95. ويمنح هذا الوضع صورة واضحة عن مدى اتساع رقعة الفضاء الشبكي وتعدد مساراته، وتنوعه واختلافه وتعدد تجسيداته وتناقضاته. ويبرز في هذا السياق هذا السؤال: أيعني ذلك أن لا واقع بعد هذا؟ وجوابنا، لاّكَاا! دسجتلا لإى، لاجًااآ وأ لاجًاااع، تهتنا انهه اهانلوانت يتلا ةلثملاأف واقعيًا أيضًا. ففي حالة حراك "مقاطعون"، مثلًا، انتهت لتصير واقعًا عمليًا يلمسه الناس في حياتهم اليومية: محلات بقالة ومراكز تجارية ومحطات وقود وبيوت. وعلى النحو ذاته، تطورت وتمددت نضالات الأساتذة الذين فُرض عليهم التعاقد، منطلقةً من الشبكات لتنتهي واقعًا فعليًا في المدارس والساحات وشوارع العاصمة، الرباط. وتبين لنا هذه الأمثلة وغيرها بداية تشكّل ثقافة سياسية شبكية في طريقها إلى أن تتجسد في السلوك اليومي لدى جيل الشبكيين والناس عمومًا؛ ثقافة تقودها الجماعات الشبكية، والحركات الاجتماعية الهجينة. ومن ذلك نخلص إلى أننا حاليًا نقف في منطقة رمادية هجينة، أو

  1. حوار مع منير السعيداني"،  94 الشروق،.2014/8/5
  2. 95  توملنسون، ص.19
  3. 93  كاستيلز، شبكات الغضب والأمل، ص.307
  4. 91  Castells, p. 70.
  5. 92  مفضل، ص.65

بين-بين، بين الموقعي والافتراضي، الفردي والجماعي، الفائت والراهن، البنية والفعل، الخلافي والاتفاقي، وهكذا. ويظل الرهان قائمًا بشأن مدى نزاهة الجماعات الشبكية على النحو الذي نبّه إليه كاستيلز، وإمكانات فضاء الشبكات وقدراته على التعبير عن الرأي العام والتأثير فيه؛ وهذا مما يصعب التنبؤ به. ومع كثير من الحذر المنهجي، يمكن الوقوف على الخلاصة نفسها التي توصّل إليها عثمان الحسن في دراسته عن تجربة شارع الحوادث، والقول إن جميع المسارات مفتوحة؛ "قد تنجح السلطة في دمج الشباب ضمن منطق القوة الخاص بها. وقد يتمكن الشباب المسلحون ب 'فن الحضور' من تفادي ذلك" 96، وتوسعة نطاق ممكنات حضورهم وتأثيرهم في الوقائع والأحداث. وما يبدو واضحًا حتى الآن أن جيل الشبكيين قد تمكّن من تقديم طريقة جديدة لصنع سياسة من دون سياسيين، يخرج بها من الفضاء الافتراضي إلى الموقعي، وينتقل بها من عوالم شبكية سائلة ورخوة، لتستقر صلبةً في التدبير اليومي والمعيشي للمغاربة. لقد أسس جيل الألفية الشبكي هذا، بحسب ما ذهب إليه الحسن، محًا سياسيًا جديدًا قائمًا على بقايا المسرح الرسمي، حيث يمكن أن يقفز خطاب الشبكيين المخفي والمتستر أحيانًا إلى الخشبة ويعلن عن نفسه بوضوح في الفضاء العام.

المراجع

العربية

إليوت، توماس. ملاحظات نحو تعريف الثقافة. ترجمة شكري محمد عياد. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب،.2001 إيجلتون، تيري. فكرة الثقافة. ترجمة فخري صالح. عّم ان: المؤسسة العربية للدراسات والنشر،.1992 بارني، دارن. المجتمع الشبكي. ترجمة أنور الجمعاوي. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2015 بريغز، آسا وبيتر بورك. التاريخ الاجتماعي للوسائط. ترجمة مصطفى محمد قاسم. سلسلة عالم المعرفة 315. الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،.2005 بشارة، عزمي. مسألة الدولة: أطروحة في الفلسفة والنظرية والسياقات. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسات السياسات،.2023 بيات، آصف. الحياة سياسة: كيف يغير بسطاء الناس الشرق الأوسط. ترجمة أحمد زايد. القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة،.2014 تايلر، تشارلز. المتخيلات الاجتماعية الحديثة. ترجمة الحارث النبهان. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2015 تورين، آلان. براديغما جديدة لفهم عالم اليوم. ترجمة جورج سليمان. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2011 توملنسون، جون. العولمة والثقافة: تجربتنا الاجتماعية عبرر الزمان والمكان. ترجمة إيهاب عبد الرحيم محمد. سلسلة عالم المعرفة 354. الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،.2008 الجموسي، جوهر. الافتراضي والثورة: مكانة الإنترنت في نشأة مجتمع مدني عربي. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2016 الحسن، أشرف عثمان محمد. "الحقل الشبابي في السودان وإعادة تشكيل المجال العام: بحث في ديناميات الفعل الجمعي سياسات عربية. العدد ورهانات الحضور العمومي." 32 (أيار/ مايو 2018.) حسين، غازي فيصل. التنمية السياسية في بلدان العالم الثالث. عّم ان: دار الراية للنشر والتوزيع،.2014 حمودي، عبد الله. الشيخ والمريد: النسق الثقافي للسلطة في المجتمعات العربية الحديثة. ترجمة عبد المجيد جحفة. الدار البيضاء: دار توبقال للنشر،.2000

  1. 96  أشرف عثمان محمد الحسن، "الحقل الشبابي في السودان وإعادة تشكيل المجال العام: سياسات عربية، العدد بحث في ديناميات الفعل الجمعي ورهانات الحضور العمومي"، 32 (أيار/ مايو 2018)، ص.61

راشد، باسم. "العرب الجدد.. كيف يغير جيل الألفية الشرق الأوسط؟." مجلة السياسة الدولية. مج 36، العدد 51 (نيسان/ أبريل.)2015 الرحوتي، محسن محمد. أزمة الدولة والنزوع التقليداني في حراك الريف: محاولة فهم. الرباط: المركز العلمي العربي للأبحاث والدراسات الإنسانية،.2018 روبرتسون، رونالد. العولمة: النظرية الاجتماعية والثقافة الكونية. ترجمة أحمد محمود ونورا أمين. القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة،.1998 السويدي، جمال سند. من القبيلة إلى الفيسبوك: وسائل التواصل الاجتماعي ودورها في التحولات المستقبلية. الإمارات: [إصدار شخصي]،.2013 شناف، شراف. الإنسان التداولي والمواطنة الافتراضية. الرباط: مؤمنون بلا حدود،.2015 الطويل، رواء زكي يونس. التنمية المستدامة والأمن الاقتصادي في ظل الديمقراطية وحقوق الإنسان. الموصل: دار زهران للنشر،.2010 عبد الحي، أحمد تهامي. "تحولات الجيل الشبكي في العالم العربي." مجلة ذوات الثقافية. العدد).2019(56 غذامي، عبد الله. القبيلة والقبائلية أو هويات ما بعد الحداثة. ط 2. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،.2009 ثقافة العولمة وعولمة الثقافة. ط غليون، برهان وسمير أمين. 2. دمشق: دار الفكر،.1999 فالنتيا، غراسي. مدخل إلى علم اجتماع المخيال: نحو فهم الحياة اليومية. ترجمة محمد عبد النور وسعود المولى. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2018 كاستيلز، مانويل. سلطة الاتصال. ترجمة محمد حرفوش. القاهرة: المركز القومي للترجمة،.2014 ________. شبكات الغضب والأمل: الحركات الاجتماعية في عصر الإنترنت. ترجمة هايدي عبد اللطيف. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2017 كوش، دنيس. مفهوم الثقافة في العلوم الاجتماعية. ترجمة منير السعيداني. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2007 ليفرو، ليا. وسائل الإعلام الجديدة البديلة والناشطة. ترجمة هبة ربيع. القاهرة: المركز القومي للترجمة،.2016 ليفي، بيير. عالمنا الافتراضي: ما هو؟ ما علاقته بالواقع. ترجمة رياض الكحال. المنامة: هيئة البحرين للثقافة والآثار،.2018 مافيزولي، ميشيل. تأمل العالم: الصورة والأسلوب في الحياة الاجتماعية. ترجمة فريد الزاهي. سلسلة ترجمات 1. الرباط: منشورات المعهد الجامعي للبحث العلمي،.2005 محمد الحسن، أشرف عثمان. "الحقل الشبابي في السودان وإعادة تشكيل المجال العام: بحث في ديناميات الفعل الجمعي ورهانات سياسات عربية. العدد الحضور العمومي." 32 (.)2018 المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. المؤشر العربي 2018-2017. برنامج قياس الرأي العام العربي. الدوحة: أيار/ مايو.2018 المالكي، امحمد. "الاندماج الاجتماعي وبناء مجتمع المواطنة في المغرب الكبير." ورقة مقدمة إلى المؤتمر السنوي الثاني للعلوم الاجتماعية والإنسانية. الدوحة، 31-30 آذار/ مارس.2013 فh يttps://acr.ps/1L9F2xI: النبواني، خلدون. هابيرماس ومخاضات الربيع العربي. القاهرة: دار روافد للنشر والتوزيع،.2017 وينبوم، كورتني وريتشارد جيرفن وجيني أوبيرهولتزر. جيل الألفية: التداعيات على مجموعات الاستخبارات والسياسات. سانتا مونيكا، كاليفورنيا: مؤسسة راند،.2016

الأجنبية

Almond, Gabriel & Sidney Verba. The Civic Culture: Political Attitudes and Democracy in Five Nations. Boston: Little Brown, 1965. Arnold, Matthew. Culture and Anarchy. J. Dover Wilson (ed.). Cambridge: Cambridge University Press, 1932. Barlas, Mehmet Adnan & Olgu Çalı ş kan. "Virtual Space as a Public Sphere: Rethinking the Political and Professional Agenda of Spatial Planning and Design." Journal of the Faculty of Architecture (METU). vol. 23, no. 2 (2006). Castells, Manuel. The Internet Galaxy: Reflections on the Internet, Business and Society. Oxford: Oxford University Press, 2001. Durkheim, Émile. Les formes élémentaires de la vie religieuse. Paris: Presses Universitaires de France, 1960. Goffman, Erving. La mise en scène de la vie quotidienne. Tome 1: La présentation de soi. Paris: Éditions Minuit, 1973.

Habermas, Jürgen. Between Facts and Norms: Contributions to a Discourse Theory of Law and Democracy. William Rehg (trans.). Cambridge, MA: MIT Press, 1996. ________. "Political Communication in Media Society: Does Democracy Still Enjoy an Epistemic Dimension?" Communication Theory. vol. 16, no. 4 (2006). Isin, Engin F. & Bryan S. Turner (eds.). Handbook of Citizenship Studies. London: Sage Publications, 2002. Juan, Cole. The New Arabs: How the Millennial Generation Is Changing the Middle East. New York: Simon and Schuster, 2014. Lévy, Pierre. Cyberdémocratie: Essai sur la philosophie politique du monde numérique. Paris: Éditions Odile Jacob, 2002. Maffesoli, Michel. Le temps des tribus: Le déclin de l'individualisme dans les sociétés postmodernes. Indiana: CERF, 2010. Marshall, Thomas Humphrey. Citizenship and Social Class, and Other Essays. Cambridge: Cambridge University Press, 1950. Morrison, Aimée Hope. "An Impossible Future: John Perry Barlow's 'Declaration of the Independence of Cyberspace'." New Media & Society. vol. 11, no. 1-2 Neumann, Elisabeth Noelle. The Spiral of Silence. Chicago: Chicago University Press, 1984. Oldenburg, Ray. The Great Good Place: Cafes, Coffee Shops, Community Centers, Beauty Parlors, General Stores, Bars, Hangouts, and How They Get You Through the Day. New York: Paragon House, 1989. Schopenhauer, Arthur. Le Monde comme volonté et comme représentation. Auguste Burdeau (trad.). Paris: PUF, 1966. Tylor, Edward Burnett. Primitive Culture: Researches into the Development of Mythology, Philosophy, Religion, Art, and Custom. London: John Murray, 1871.